الصفحة 37 من 41

ولكن الأمر ليس كذلك تمامًا، فلا يشابه الإنسان الحيوان مشابهةً تامة؛ لأن الحيوان

يأكل ويتمتع بجميع حواسه ويموت هادئًا غير شاعر، وإنما يَحمل الإنسان في نفسه

بذرة الألم الخفي الخالد.

وصاحب سِفْر الجامعة إذ عرف أكثر من كل إنسان ذلك الغم الغريب والأمل القاهر

والهم من العدم، رفع صوته متحسرًا قائلًا:

في كثرة الحكمة كثرة الغُمَّة، ومن ازداد علمًا فقد ازداد غمٍّا.

وتنحصر أخلاق صاحب سِفْر الجامعة والنصيحة التي يسوقها إلينا في تقريبنا،

إذا أمكن، من دائرة اللاشعور الموحشة الهادئة، وفي طردنا من نفوسنا كل هَمٍّ حول ما

هو عادلٌ أبديٌّ غير محدود، وفي إغماض عيوننا وجعل أصابعنا في آذاننا، وخَنق الصوت

المقطوع الرجاء في قلوبنا، والتمتع بالأمور المحسوسة الملموسة التي نستطيع بها قضاء

أوطارنا الجثمانية ومدارة كبريائنا.

جاء في سِفْر الجامعة:

ليس للإنسان خيرٌ من أن يأكل ويشرب ويرى نفسه خيرًا من تعبه، رأيت هذا

أيضًا أنه من يد لله.

والأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الأموات فلا يعلمون شيئًا، وليس

لهم من جزاء بعد إذ قد نُسِي ذِكْرهم.

حبهم وغيرتهم قد هلكت جميعًا، وليس لهم حظٌّ بعدُ إلى الأبد، في شيءٍ

مما يجري تحت الشمس.

فاذهبْ كُلْ خبزك بفرح واشربْ خمرك بقلب مسرور، وَلْتكن ثيابك بيضًا

في كل حين، ولا يعوز رأسك الدهن.

تمتع جميع حياتك الفانية بالعيش مع المرأة التي أحببتها وأوتيتها تحت

الشمس لتقضي أيامك الفانية، فإن ذلك حظك من الحياة، فليس من عملٍ ولا

اختراعٍ ولا معرفةٍ ولا حكمةٍ في الهاوية التي أنت ذاهبٌ إليها.

تلك هي النصائح التي يأتي بها صاحب سِفْر الجامعة، ويستشف من اللهجة التي

ذكرها بها أنه يحسد بحرارة مَن يقدر على العمل بها.

وذلك لأنه يشعر أكثر من أي شخص آخَر أنه مقيَّد بالغموم والرغائب التي يكافحها

ويسحقها ويسخر منها فاترًا حاقدًا، ولأنه يمقت ذلك العدم الذي يُبصِره حَذِرًا مذعورًا،

ولأنه لم يتذوق بسلامٍ المسرات المادية التي يمدحها، وهي مُسمَّمَة عنده بالسؤال» لماذا «؟

الخالد الذي يؤذي أنبل النفوس منذ قرون كثيرة.

جاء في سِفْر الجامعة:

قلت للضحك: فيك الجنون. وللفرح: ماذا تنفع؟

وقلت في قلبي: إن الذي يحدث للجاهل يحدث لي أيضًا، إذن فلِمَ حكمتي

هذه الوافرة؟ فقلت في قلبي: هذا أيضًا باطلٌ.

فإنه ليس من ذِكْرٍ للحكيم وللجاهل كليهما إلى الأبد؛ إذ في الأيام الآتية

كل شيءٍ يُنسَى، وا أسفا، يموت الحكيم كالجاهل!

فكرهت الحياة إذ ساءني العمل الذي يُعمَل تحت الشمس؛ لأنه كله باطلٌ

وكآبة الروح.

ومذاهب التطور التي أوُلِع بها فلاسفة زماننا مما كان صاحب سِفْر الجامعة قد

أبصره، فلم تجد سوداؤه فيه سُلوانًا.

وذكر صاحب سِفْر الجامعة أنه إذا لم يقتطف في هذه الحياة الدنيا ثمرة آثاره،

فإنه يتركها ميراثًا للأجيال القادمة، وأنه إذا لم يهلك تمامًا فلما يراه من بقاء فكره

بعده، وأن الفرد إذا ما باد فإن البشرية حيةً متقدمة، وأنه لا يضيع أي عمل عظيم ولا

أي جهد، وأنه لا عامل كثير الخضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت