الصفحة 38 من 41

ولم يكفِ ذلك الفكر عنده أن يُعوض الإنسان من كَرب الحياة العظيم ومن

مداجاتها؛ فقد قال:

وكرهت جميع ما عانيت تحت الشمس من تعبي؛ لأنني سأتركه لإنسان

يخلُفني.

ومَن يدري هل يكون حكيمًا أو أحمق، مع أنه سيستولي على كل عملي

الذي أفرغت فيه تعبي وحكمتي تحت الشمس، هذا أيضًا باطلٌ.

غبطت الأموات الذين درجوا من قبلُ، على الأحياء الذين هم باقون حتى

الآن، وخيرٌ من كليهما مَن لم يوجد حتى الآن؛ لأنه لم ير العمل الشرير الذي

يفعله تحت الشمس.

تلك هي آخِر كلمة لصاحب سِفْر الجامعة، ولا تظن أنه خرج مِن فِيهِ الكلامُ النهائي

الآتي الذي تسرَّب في سِفْره بتحشية صادرة عن تقوى، فجاء مكذبًا له بأسره:

اتقِ للهَ واحفظ وصاياه، فإن هذا هو الإنسان كله.

وليس ما فرغنا من تحليله أثر تسليم تقي، وليس ذلك صوت تمرُّد إلحادي ما دام

التمرد غرورًا، وليس ذلك تجديفًا، بل هو أسوأ من ذلك كله؛ وذلك لأنك تجد الشهوة

والحياة في الألم الساخط وفي التجديف، فيكون هذا كأمِلٍ خفي يُرَى من مخاطبة مَن

يسمع كلام الغضب.

وسِفْر الجامعة من أمر الإنكارات التي نطق بها كل ذي شفتين؛ فهو أنشودة

قنوط المحكوم عليهم بالهلاك الأبدي، وهو ينفع كتابة قبرٍ للجنس البشري حينما تسجى

الأرض الخالية من سكانها الأخيرين تحت كفنٍ من الجليد!

والذي ستر حتى يومنا هذا ما في ذلك السِّفْر الباقي من الواقعية الباردة والطيرة

القاتمة، هو ذلك الشعور الديني الذي ما انفكَّ يشوِّه التوراة منذ ألفَيْ سنة، فإذا ما

تخلَّص المرء من الأباطيل المتأصلة، استمع إلى سِفْر الجامعة منقبض الصدر بما يفوق

الوصف، وأية فلسفةٍ أو أي أملٍ يقاوم هذا التحليل الهائل؟

والذي يُمسك البشرية فوق العدم هو حب الاطلاع، لا سرور الحياة على رأي ذلك

الكاتب الكئيب.

جميع الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن، لا تشبع العين من النظر

ولا تمتلئ الأذن من السماع.

وإذ ليس من الممكن أن يكون هذا الشعور أجوفَ فارغًا غير مثمر، أضاف صاحب

سِفْر الجامعة إلى ذلك قوله:

ما كان فهو الذي سيكون، وما صنع فهو الذي سيصنع، فليس تحت الشمس

شيءٌ جديد.

رُبَّ أمر يقال عنه: انظر! هذا جديد، فهو قد كان في الدهور التي سَلَفت

قبلنا.

ويُعَدُّ سِفْر أيوب عذبًا معزيًا بجانب سِفْر الجامعة.

بَيْدَ أن ما في القسم الأول من سِفْر أيوب من الضيق الخُلقي الكريه لا يداوي إلا

بثقة عمياء بالله، وعند مؤلِّف هذا السِّفْر أن ما يمكننا أن نناله من السكينة هو في العدول

عن البحث، وفي العدول عن الفهم، وفي الإذعان للسُّنَن التي تُسير مصايرنا من غير حب

شديد للاطلاع ومن غير تذمُّر.

وبأي دمٍ باردٍ، وبأي إصرارٍ، وبأي حذقٍ، وبأي بصر حديد استبر متشائمو اليهود

أولئك جروحنا الأبدية؟

لما يجد العلم ما هو مقرَّر في الجواب عنهم مع انقضاء ما يزيد على ألفَيْ سنة!

إن الوهم التقي في سِفْر أيوب، وإن الوهم الشهواني في سِفْر الجامعة، قد اقتسَمَا

الناس لتعليلهم بالباطل، إن لم يكن لشفائهم، ولما يُكتشَف شيءٌ أحسن من ذلك لسوق

البشرية إلى مستقبل لم يُصنَع من أجلها على ما يحتمل.

ولا يزال العالَم منقسمًا بين التمتعيين والمثاليين، أي بين أتباع سِفْر الجامعة وأتباع

سِفْر أيوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت