وترى في هذا العصر بعض المفكِّرين الذين أعياهم ذانك النجدان، فأخذوا يصنعون
من المسائل ما كان صاحِبَا ذينك السِّفْرين العبريين قد جادَلَا فيهما بجرأة.
ولكن أين سوداؤنا من سودائهم؟ وما هي طيرتنا الحديثة التي أقدمت على توكيد
العدم في أيلولة البشرية كما وكدوا بلا التواء وكلام فارغ؟ وأين ذلك الذي أغلق أبواب
الأمل أمام الإنسان بحزم مثلهم؟
ولا تصلح قراءة مثل تلك الأسفار، ولولا تلطيف الشعور الديني لها، ولولا اشتمال
الشعر الرائع عليها، فوجب حصرها في سرداب عميق وتكديس مداميك بعض الأهرام
العظيمة فوقها؛ منعًا لسماع صوتها المؤلم، ودرءًا لتعطيلها قلب الإنسانية المُسِنَّة العاجز.
على أن ذلك السِّفْرَ العجيب الموجع، سِفْر أيوب، يُعدُّ من أنْفَسِ الآثار التي نشأت
عن النفس البشرية.
ولذلك السِّفْر صورة رواية إشيل الفاجعة، بَيْدَ أن هذا الشاعر اليوناني لم يُحلِّق
طويل زمن في سماء عالية، ولا تجد أثرًا، مهما سَمَا، قد أبدى وحدة أتم مما في ذلك
السِّفْر.
وفي تلك الرواية المحزنة تجد خمسة أبطال: أيوب، وأصحابه الثلاثة، والرب.
ولا نتكلم عن ألِيه ُو الذي لم تعد جميع أقواله حد التحشيات التي دُسَّتْ بعد زمن
كما هو ظاهر؛ وذلك تلطيفًا لصبغة السِّفْر الفاجعة التي يتكلَّف معها أليهو تكلفًا
مطلقًا.
وأيوب هو الرجل الذي يألم ويسأل: لماذا؟ والأصحاب الثلاثة هم ممثِّلو المذهب
الإسرائيلي المعروف الذي يزعم أن يَهْوَه يكافئ الأبرار ويجازي الأشرار، وأن كل ألم
يفترض ذنبًا سابقًا.
ولم يجد أيوب عُسرًا في إبطال ذلك المذهب، حتى إنه ذهب إلى أقصى العكس في
سَوْرة غضب، فقال موكِّدًا: إن الأشرار وحدهم هم الذي ينعمون في هذه الحياة الدنيا.
فقد قال صارخًا»: لماذا يحيا الأشرار ويشيخون؟ ولماذا يعظم اقتدارهم؟ نسلهم
قائمٌ وأعقابهم لدى أعينهم، بيوتهم آمنة من الفزع، وقضيب لله لا يعلوهم «.
ولما طال الحوار بين أيوب وأصحابه بما فيه الكفاية، بَدَا الرب وصرَّح بلهجة
شعرية ممتازة أن الإنسان هو من شدة الجهل والضعف ما لا يستطيع معه أن يسأله،
فلا ينبغي له أن ينفذ سر سُبُله.
ولم تكن نتيجة ذلك واحدة لا ريب، غير أنها النتيجة الوحيدة التي يمكن النفس
الدينية أن تصل إليها، ألا إن علم الحياة والموت الأعلى أمرٌ خفيٌّ علينا، ونستطيع أن
نتكلَّم عنه على الدوام مع أيوب القائل:
أين توجد الحكمة وأين مقر الفطنة؟
العُمُر قال: ليست فيَّ. والبحر قال: ليست عندي.
إنها محجوبة عن عيني كل وحيٍ، ومتوارية عن طير السماء.
الهلاك والموت قالَا: قد بلغ مسامعنا خبرها.
ولا شيء يعدل سِفْر أيوب جلالًا وجمال شَكْلٍ، وتناسب لغته، وسمو موضوعه.
ومن العسير اقتطاع فقرٍ من هذا السِّفْر الذي يجب إيراده بأسره.
والحق أن الأزلي إذا ما تكلَّم ووصف عجائب الطبيعة التي خلقها، ظنَّ المرءُ سماعه
صدَى صوتٍ إلهي.
فقد وصفت سعة الكون وروعة السماء ذات الكواكب وعظمة البحر المحيط، وتنوُّع
النبات والحيوانات تنوعًا لا حدَّ له، وجمال الخيل وبأسها، وقوة النسر وخيلاؤه؛ وصفًا
دقيقًا جزيلًا.
وتجد عظمة ذات أثرٍ مؤثر في هذا السؤال الذي كرَّرَه الرب للإنسان الضعيف الذي
يسأله:
أكنت تصنع هذه الأشياء؟ أفتعلم كيف صُنِعت؟
أتُرسِل البروق فتنطلق وتقول لك: نحن لديك؟
مَن وضع الحكمة في الأعصار أم مَن آتى النوء الفهم؟ ومَن يُحصِي الغيوم