الصفحة 40 من 41

بحكمته؟ ومَن يصب زقاق السماوات؟

أأنت الذي يؤتي الفرس قوة؟ أبحكمتك يستقل البازي في الجو ويبسط

جناحيه نحو الجنوب؟

وبلغ شعر العبريين، الذي تركته لنا المزامير وأسفار صغار الأنبياء وكبارهم، والقطع

المنثورة في جميع أجزاء العهد القديم، من الغنى في التآليف ما لا نقدر معه على غير

تقديره بسوى أوصافه العامة.

وذلك الشعر غزيرٌ عالٍ، رفيعٌ في الغالب، خصيبٌ في الصور، ذو بلاغة مؤثرة.

ولم تكن الموضوعات الدينية مصدر الإلهام الوحيد فيه، ففيه تنويه بالخمر والنساء

والحرب، غير أن أناشيد التقوى هي التي جُمِعت وبقيت لنا.

ونعدُّ من أقدم الشعر العبري أغنيةَ حرب دَبُوره التي توجد في سِفْر القضاة.

وترجع المزامير إلى أدوار مختلفة. أجل، إن داود الذي عُزيت المزامير إليه طويل زمن

كان شاعرًا ممتازًا لا ريب، بَيْدَ أنه يستحيل أن نعرف بين الأغاني العبرية أي المزامير

من صنعه، والمزمور الوحيد الخاصبه هو النشيد المحزن الذي وضعه بعد موت شاول

ويوناتان على التحقيق.

والشعر الإسرائيلي الغنائي ذو روعة كبيرة، وهو في تعبيره وفي وحيه العام أفضل

من القصائد الحربية أو الدلالية لدى الساميين الآخَرين، حتى لدى العرب.

والشعر الإسرائيلي لم يُؤلَّف من أبياتٍ بالمعنى الصحيح، بل يشتمل على إيقاعٍ خاص

ناشئ عما يُسمَّى بموازنة الأجزاء.

ويُقسَّم كل دور في الشعر العبري إلى جزأَيْ جملة مشتملين على الفكر الواحد المعبَّر

عنه بكلمات متماثلة تقريبًا، وذلك على وجه يُسمَع به صدى الجزء الأول في الجزء الثاني،

وهذا الصدى ذو أثر مؤثِّر في الأذن وفي الفِكْر معًا.

وإليك مثالًا، إليك قطعة من المزمور المائة والثاني العجيب:

الرب رءوفٌ رحيمٌ طويل الأناةِ وكثير الرحمة

ليس على الدوام يسخط ولا إلى الأبد يحقد

لا على حسب خطايانا عاملنا، ولا على حسب آثامنا كافأنا

بل بمقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظُمت رحمته على الذين يتقونه.

ولا تجد عند العرب، ولا عند الساميين الآخرين، موازنة الأجزاء تلك الخاصة

بالشعراء العبريين والتي هي من مميزاتهم، وتجدها بالعكس، في بعض الآثار الأكادية

القديمة إلى الغاية، وفي هذا دليلٌ جديد على إقامة ساميي الشمال بما بين النهرين، وعلى

اقتباس اليهود لموازنة تلك الأجزاء من كَلْدَة.

إذن، لم يكن تفتُّح الآداب العبرية الرائع ذلك أمرًا غريزيٍّا، بل يرتبط بشكله ومبادئه

الدينية في بيئة ثقافية شرقية قديمة جدٍّا.

والعبقرية السامية إذا ما تُرِكت وحدها لم تبلغ مثل ذلك السمو، وروح السامي

تشابِه جسمه الجاف العصبي؛ فهي جليلةٌ رشيقةٌ لبقةٌ مع قلة عمقٍ وفقر خيال.

وما أبُصِر من أمور فيما مضى، وما سُمِع من أقوالٍ في غضون القرون القديمة على

ضفاف الفرات؛ فقد مازَجَا بني إسرائيل في جميع تاريخهم.

وفي كَلْدَة اتفق لبني إسرائيل ذلك التعطُّش إلى معرفة بداءة كل شيء ونهايته، أي

حب الاطلاع الضاري الذي كان يؤلم قدماء المجوس.

والإسرائيلي لو بقي تحت خيمته في سهوب جزيرة العرب النمطية، ما وجد من

النبرات ما يزعزع به العالم ويقنعه ويولعه.

ولم يكن أنبياء اليهود منصفين نحو بابل.

ويُنبئ إشعيا بخراب بابل فيصرخ قائلًا:

ستأتي عليك كلتا المصيبتين: الشكل والترمُّل، فيُتمان عليك من أنواع سحرك

وقوة رُقاك الكثيرة.

وقد وثقت بخبثك وقلت لا يراني أحد، إن حكمتك وعلمك هما أفتناك في

قلبك أنا وليس غيري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت