الصفحة 5 من 41

ويلخِّص العلَّامة لوبون مِزاج اليهود النفسي، فيقول: «إنه ظلَّ قريبًا جدٍّا من حال أشد

الوحوش ابتدائية على الدوام؛ فقد كان اليهود عُنُدًا مندفعين غُفلًا سُذَّجًا جُفاة كالوحوش

والأطفال، وكانوا عاطلين مع ذلك من الفُتُون الذي يتجلَّى فيه سِحر صِبا الناس والشعوب،

واليهود الهمج إذا وُجِدوا من فورهم مغمورين في سواء الحضارة الآسيوية المُسِنَّة الناعمة

المفسدة، أضحوا ذوي معايب مع بقائهم جاهلين، واليهود أضاعوا خِلال البادية من غير

أن ينالوا شيئًا من النمو الذهني الذي هو تراث القرون.»

ويُعرَب حِزْقِيَال عن ذلك الرأي في سِفْره حين يذكر ظهور الشعب اليهودي الحقير

وأوائله الهزيلة، وما عَقَب استقراره بفلسطين من الحُمَيا، فيقول مخاطِبًا تلك الأمة العاقَّة

قائلًا باسم يهوه:

وفي جميع أَرْجاسك وفَواحِشِكِ لم تذكري أيام صباك، وإذ كنتِ لم تشبعي،

زَنيت مع بني آشور ولم تشبعي، فلذلك أقضي عليك بما يُقضَى على الفاسقات

وسافكات الدماء، وأجعلك قَتِيلَ حَنَقٍ وغَيْرةٍ.

واليهود مع عَطَلهم من الفن والصناعة عَطَلًا تامٍّا، يجدُ لهم لوبون آدابًا غنية،

ولوبون يقول مع ذلك: «وليست تلك الظاهرة خاصةً ببني إسرائيل فقط؛ فهي تُشاهَد

لدى جميع الأمم السامِيَّة، ولا سيما العرب الذين كانوا قبل الإسلام ذوي شِعْر بعيد

الصِّيت حقٍّا، على أن الشعر، مع الموسيقى، فنُّ جميع الأمم الفطرية، والشعرُ مع بُعده من

التقدم موازيًا لتقدم الحضارة، تجده يضيق أهميةً وتأثيرًا كلما ارتقت الأمم؛ فقد اقتضت

الحضارة قرونًا طويلةً لاختراع الآلة البخارية واكتشاف سنن الجاذبية، مع إمكان ظهور

قصائد كالأوذيسة والإلياذة، وأغاني أوُسيان في أدوار الجاهلية.»

وعند لوبون أن الشريعة اليهودية بأسرها ليست إلا وجهًا بسيطًا للنظام الكلداني،

وأن معتقدات اليهود هي من أساطير البابليين المعقَّدة التي لم ينتحلها عالم الغرب المتمدن

إلا بعد أن تحوَّلت بمرورها من خلال روح الساميين البسيطة، وقد تطورت هذه المعتقدات

في الغرب تطورًا ابتعدت به عن أصولها، فأخذت شكلًا لا يكاد يمُتُّ إلى السامية بصلة،

وفي ذلك يقول لوبون: «فما كان لمبادئ كهذه أن يتمثلها ذلك الشعب اليهودي الصغير

المتعصب الأناني الصَّلِف المغرور المفترس.» وبسبب ذلك يقول لوبون: «ولما يحل الوقت

الذي ترسم فيه يد الإنصاف تكوين تلك المعتقدات الكبرى، ولا يكاد فجر ذلك الزمن يلوح،

ولا يزال المؤمنون والملحدون يُقيمون بدوائر من التصديق أو الجحود على غير برهان،

ولا يزال الرجل المعاصر يئنُّ تحت عبء الوراثة الثقيل، ولا تزال متماسكة المؤثرات الإرثية

التي حَصَرَت نفوس الغرب في قوالب منذ نحو ألفي سنة، وإن أخذت هذه المؤثرات تنحلُّ؛

فقد ترك الماضي في نفوسنا آثارًا يجب أن تمر عليها أمواج الزمان غير مرة حتى تمحوها.»

«نعم إن الشعب اليهودي لم يكن غير ذي نصيب ضئيل جدٍّا في شَيْد ذلك البناء

القديم، غير أن القرون بلغت من تجسيم شأنه الظاهر ما لا تُبصر معه سوى أناس

قليلين، حتى بين أشد الناس ارتيابًا، تحرَّروا من سلطان الماضي فاستطاعوا أن يضعوا

بني إسرائيل في مكانهم الصحيح.»

«ومع إمكان جهل الرجل المثقف العصري لتاريخ الحضارات العظيمة التي أينعت

فوق أرض الهند جهلًا تامٍّا، تجده لا يجرؤ على الاعتراف بأنه يجهل أعمال شِمْشُون أو

مغامرات يونان الذي التقمه الحوت.»

ويبحث لوبون في وقائع اليهود فيجدها هزيلةً لُحمتها المشاغبات، وسَدَاها ضروب

التوحش والمنكرات، وفي ذلك يقول: «وحوادث تافهةٌ كتلك لا يُعنى بها التاريخ، وإذا ما

عُني بها التاريخ فلأسباب مستقلة عن أهميتها؛ ومن ذلك أن حصار عصابة من البرابرة

لمدينة تِرْوادة الصغيرة واستيلاءهم عليها قبل الميلاد باثني عشر قرنًا، مما غدا حادثًا ذا

بال في تاريخ العالم؛ لأن أوُميرُوس تغنَّى به، لا من أجل نتائجه.

وما أتى به مؤرخو اليهود من تدوين لتلك الحوادث عَقِبَ وقوعها مع تجسيم عظيم

هو دون ما صنعته الكنيسة النصرانية بعد ذلك.

ومَن يقرأ سِفْر صموئيل وسِفْر القضاة بشيء من روح النقد، يُبصِر دور العَنَت الذي

جاوزه بنو إسرائيل في استقرارهم بفلسطين، غير أن هذه الأقاصيص نفسها إذا ما نُظِرَ

إليها من خلال أبخرة الحماسة الدينية ألقت في النفوس وهمًا قائلًا: إن ذلك الفتح ساطعٌ

مُعجِزٌ.

وظلت أوروبا النصرانية زمنًا طويلًا تقرأ كتب مؤرخي اليهود بالروح التي أرادها

هؤلاء المؤرخون، وما ودَّه أولئك المؤرخون من تمويهٍ على معاصريهم ارتضاه أمثال

أوُغوسْتِن وبسكال وبُوسُويه وشاتو بريان، أكثر من ارتضاء ذلك الشعب الجاهل المتعصب

الذي حاولوا إقناعه.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت