الصفحة 6 من 41

ويستولي الرومان على فلسطين، «وتُحَيِّر لهجة الشعب اليهودي الفارغة دولة روما

العظمى نفسها، وتقتصر على احتقاره مع أنها كانت تعلَم قدرتها على سَحْق وَكْر

المتعصبين المشاغبين ذلك عند الضرورة، ولم تُعتِّم فوضى ذلك الشعب الصغير المزعج

وفساده وضوضاؤه أن استنفدت صبر تلك الدولة العظمى، فعزمت على إبادته لكيلا

تسمع حديثًا عنه، ففي سنة 70 من الميلاد استولى تيطس على أوُرشَلِيم وجعلها طُعْمةً

للنيران، وبُدئ بتشتيت شمل اليهود.»

وفي هذا الكتاب يذهب لوبون إلى أن بني إسرائيل كانوا من الساميين، أي من العِرْق

الذي كان ينتسب إليه الآشوريون والعرب، ولكن بني إسرائيل قد اكتسبوا بانفصالهم من

ذلك العِرْق تلك المساوئ التي وجدها لوبون فيهم، فظلَّ العربُ بريئين من مثلها، ومع ذلك

يرى لوبون في كتابه «حضارة العرب» أن تلك القرابة تقوم على تجانُس اللغات وبعض

الصفات الجثمانية، وأن من الممكن أن يجادِل في ذلك؛ فقد قال في ذلك السِّفر الجليل:

«ومهما تكن وَحْدة تلك الصفات التي نجادل في قيمتها، ومهما تكن أهمية تلك القرابة

السامية التي لا نجزم بها، نراها ترجع - على فرض وجودها - إلى ما قبل التاريخ،

وقد كانت تلك الأمم السامية على اختلاف وتبايُن منذ أقدم عصور التاريخ كما دلَّتْ عليه

الروايات». فيكون ذهاب لوبون إلى أن بني إسرائيل والعرب من أَرُومة واحدة في كتاب

«الحضارات الأولى» من قبيل التجَوُّز إذن.

وفي كتاب «حضارة العرب» يقول لوبون: «ولا جرم أن الشبه قليل بين العربي أيام

حضارته، واليهودي الذي عُرِف منذ قرون بالنفاق والجُبْن والبُخْل والطمع، وأن من

الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي، وأن العربي - مع إقراره لليهودي بالقرابة - أول

مَن يحمرُّ وجهه خجلًا منها.»

وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وتاريخ اليهود الكئيب لم

يكن غير قصةٍ لضروب المنكرات، وأنه لا أثر للرحمة في وحشية اليهود»، مع أن «الأمم

لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم» كما قال

لوبون.

وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي ومبدأ اليهود كما في سِفْر

يَشُوعَ: «أهلكوا جميع ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ، حتى البقر والغنم

والحمير بحدِّ السيف، وأحرقوا المدينة وجميع ما فيها بالنار.» ومبدأ العرب كما جاء في

وصية أبي بكر الصديق: «لا تخونوا ولا تَغُلُّوا ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا

كبيرًا ولا امرأة، ولا تَعْقِروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة،

وسوف تمرون بأقوامٍ قد فَرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له.»

وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وقدماء اليهود لم يجاوزوا

أطوار الحضارة السفلي التي لا تكاد تُمَيز من طور الوحشية، وتأثير اليهود في الحضارة

صفر، وإن اليهود لم يستحقوا بأي وجه أن يُعَدُّوا من الأمم المتمدنة.» مع أن «العرب

مدَّنوا أوروبا ثقافةً وأخلاقًا» كما قال لوبون، ولوبون قد تمنَّى أن يكون العرب قد استولوا

على العالم، ومنه أوروبا؛ لِما كان فيهم من نبيل الطبائع وكريم السجايا، ولوبون هو

القائل: «إنه كان يصيب أوروبا النصرانيةَ باستيلاء العرب عليها، مثل ما أصاب إسبانيا

من التقدُّم والارتقاء والحضارة الزاهرة الرفيعة تحت راية النبي العربي، وكان لا يحدث

في أوروبا، التي تكون قد هُذِّبَتْ، ما حدث فيها من الكبائر كالحروب الدينية وملحمة سان

بارتلمي ومظالم محاكم التفتيش، وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضَرَّجَت

أوروبا بالدماء عدة قرون.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت