وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وأنت لا تجد شعبًا عَطِلَ
من الذوق الفني كما عَطِلَ اليهود»، مع أن «الأمة العربية قد رغبت في تحقيق خيالاتها
فأبدعت تلك القصور الساحرة التي يُخَيَّل إلى الناظر أنها مؤلَّفةٌ من تخاريم رخامية
مرصعة بالذهب والحجارة الكريمة، ولم يكن لأمةٍ مثل تلك العجائب ولن يكون، فلا
يَطْمَعَنَّ أحدٌ في قيام مثلها في الدور الحاضر المادي الفاتر الذي دخل البشر فيه» كما يقول
لوبون.
تلك هي حال الشعب اليهودي الذي كان له بعض السلطان في فلسطين حينًا من
الزمن، فأجلاه الرومان عنها فتفرَّق في الأرض، فلم يقتبس من الأمم التي عاش شتيتًا
بينها غيرَ أخسِّ عيوبها، شأن أجداده، كما يُثبت ذلك سلوكه الوحشي الأخير في فلسطين،
ولا نبحث هنا العوامل التي حفزت إنكلترا إلى شد أزره وتوطيد دعائمه في بلد عربي لم
يكن ملكًا لليهود، ولا في المظالم التي اقترفها الإنكليز وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين
مدة ثلاثين سنة، ولا يزالون يقترفونها؛ إمعانًا في اضطهاد العرب وتثبيتًا لأقدام اليهود
في سورية الجنوبية «فلسطين» ، ممثلين في أهلها العرب مأساةً أندلسيةً أخرى؛ لأن ذلك
يُخرِجني من نطاق الكتاب، ولعل القرَّاء يجدون في هذا الكتاب ما يُدْحَضُ به زعمُ اليهود
الزائف القائل إن فلسطين حقٌّ تاريخيٌّ لهم، والمشتمل على أعظم دَجَلٍ بشري وأفظع
تضليل سياسي.
وهنا نذكر أن في الكتاب أمورًا لا تلائم بعض المعتقدات ولا نوافق لوبون عليها،
ولكن هذه الأمور ليست من صميم الموضوع، وهي على العموم من قبيل الاستطراد البعيد
من هدف الكتاب الأصلي القائم بوجهٍ خاص على بيان عَطَلِ اليهود من نصيبٍ في تاريخ
الحضارة، وعلى ما في اليهود من المساوئ العِرقية التي قلَّمَا يُوصَم بمثلها قوم، وعلى أن
اليهود شعب غير صالح طرأ على فلسطين التي لم تكن له بلدًا أساسيٍّا قطُّ.
عادل زعيتر
نابلس