الصفحة 6 من 31

الاشتقاقات والزيادات وفروعهما الشيء الكثير نعلم أن جملة مفردات اللغة لا تدخل تحت الحصر أو تكاد، وبذلك استطاعت أن تكون قائمة بنفسها مستقلة عن غيرها مع بسطة الثروة وسعة المدى مما تحسدها عليه كثير من اللغات الحية اليوم (21) .

قد يقال إن اللغة العربية فيها كثير من الدخيل من اللغات الأخرى كالفارسية والروسية والهندية والحبشية والعبرية والقبطية، فهل يكون وجودها في ضمن اللغة قادحا في استقلالها؟ الجواب: أن لا تأثير لذلك الدخيل على قيامها بنفسها واستقلالها فإن لكل مقومات وأصولا جوهرية من الكلمات التي تفقد اللغة هويتها بفقدها ويضعف جانبها بعدم وجودها ضمن أصولها، وهي الألفاظ الأولية المكونة لجهاز اللغة، وهذا النوع في اللغة تام الأصول مستوفي الفروع سليم من الدخيل (22) .

وأما العنصر الخامس من عناصر الحياة هو صلوحية اللغة لتأدية ما يراد منها إفادته من الأفكار فاللغة العربية لها من ذلك الحظ الأوفر والمقام الذي لا ينكر (23) ، فهي أجمل اللغات صدرا، وأجلها أثرا، وأوفرها كلما. كانت اللغة قبل الإسلام لغة تخاطب ونشر الوقائع والعواطف وخطب الثارات والمواقف، فقامت بما طلب منها في ذلك أحسن قيام، ثم جاء الإسلام فكانت لغة دين فلم تضق به ذرعا ناهيك أنها لغة القرآن الكريم وما فيه من أحكام وحكم وقصص ومواعظ واحتجاجات وأساليب لا عهد للعرب بها (24) .

ثم كانت بعد الصدر الأول لغة ملك ودواوين ورسائل سلطانية، ثم هي لغة علم أيضا فترجمت إليها الكتب من اليونانية والفارسية والهندية فلم تقصر عن القيام بما طلب منها من الألفاظ الاصطلاحية في الطب والصيدلة والحكمة والمنطق والفلسفة والطبيعيات والرياضيات والإلهيات، ثم هي لغة تأليف وأدب وأخلاق وسياسة إلى غير ذلك من الأغراض.

وأما العنصر السادس من عناصر حياة اللغة وهو فصاحة اللفظ وسلاسته، وجمال الأسلوب وبلاغة التركيب فحدث عنه في اللغة العربية ولا حرج إذ هي في البلاغة والفصاحة المثل الكامل، والبحر الذي ليس له ساحل (25) ، لا تدانيها لغة من اللغات في فصاحة لفظها، وتناسق حروفها، وجمال تراكيبها، ومبلغ تأثيرها وروعة أساليبها، وتجمعت تلك الحسنات كلها في لغة مضر وانحصرت في قريش وتلخصت وتَصفَّت في نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كما قال -لما قالت له أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك-: (( وما يمنعني وإنما نزل القرآن بلساني لسان عربي مبين ) )، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد ) ). ومن فصاحته عليه السلام أنه تكلم بألفاظ اقتضبها لم تسمع من العرب قبله ولم توجد في متقدم كلامها كقوله: (( مات حتف أنفه ) (( وحمي الوطيس ) (( ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) ). في ألفاظ عديدة تجري مجرى الأمثال (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت