الصفحة 5 من 31

أما الأول فهو بناء اللغة على قاعدة الاشتقاق والقياس فهذا في اللغة العربية في أجلى مظاهره وهو سر من أسرار تفوقها على جميع اللغات قديمها وحديثها (11) وبه كانت أحق لغة بالبقاء كما قال بعض علماء الأميركان النحارير إن باب الاشتقاق والقياس فيها واسع جدا من غير حجر ولا عائق لا يضيق عن تفكرات العقل واختراعاته مهما اتسع مجال تصوره وخياله (12) وغير خفي أن القياس يزيد في غنى اللغة ويفسح المجال للشعراء والكتاب ويهون عليهم تجسيد ثمرات عقولهم، وإيداعها في أحسن قوالب النظم والنثر.

وأما العنصر الثاني من عناصر الحياة هو قبول اللغة للتطور من الأغراض والمعاني فهو في اللغة العربية بحيث لا يستطاع إنكاره (13) كانت اللغة العربية في أغراض بسيطة تناسب الحياة البدوية من وصف المشاهدات وإثارة المنازعات والحل والترحال والحث على إدراك الثأر ثم إنها تطورت بتطور الحالة الاجتماعية واستعملت في أغراض متنوعة استدعاها الانغماس في الترف والإمعان في الحضارة من وصف القصور وما فيها من النفائس والرياش والقيان والبساتين ذوات الأفنان، وما فيها من الأزهار والثمار إلى غير ذلك مما يتناسب مع أساليب نظام الملك والتطور الفكري والاجتماعي (14) .

وأما العنصر الثالث من عناصر الحياة هو مرونة أسلوب اللغة بقبول الابتكار والاختراع في صوغ المعاني (15) فللغة العربية فيه المحل الأول والمكان الذي لا يجهل، فبعد أن كانت اللغة في مهدها الأول بسيطة في ألفاظها وأساليبها كبساطة معانيها وأغراضها قل أن يخرج باللفظ عن حقيقته إلى مجازه يرسل المتكلم كلامه حسب مقتضيات الأحوال والأساليب البلاغية بدون تكلف المحسنات البديعية اللهم إلا ما جاء عفوا أو قصد على قلة (16) .

فإذا هي في صدر الإسلام وما يليه من العصور في طور جديد من التأنق في صوغ الكلام والتفنن في أساليبه والارتقاء ببلاغته إلى غاية ما يصل إليه طوق البشر والتوسع في المجاز والتشبيه وضرب المثل وإرسال الحكمة ولا ينكر أن للقرآن الكريم تأثيرا وأي تأثير في هذا التطور العظيم.

يظهر أثر ذلك في الأسلوب الذي انتحاه الخطباء والشعراء والكتاب الإسلاميون في البيان وجودة الأسلوب وانتقاء الألفاظ السهلة والتأنق في الربط بين أجزاء الكلام والتعمل لأنواع البديع، والإكثار مما يظهر به الفرق جليا بين حالة التكلم ببساطة حسب الفطرة والتكلم حسب الأساليب الصناعية المستفادة من الدرس والتلقين، ثم إن الابتكار في اللغة لم يزل في نمو واتساع، وقد ساعد عليه كثرة الأغراض وتجددها كلما [جد] حدث مهم يدعو للخطابة والتحرير (17) .

ولم يقف هذا التوسع عند حد بل لم يزل إلى الآن في عنفوانه ولم يزل الكتاب العصريون يأتوننا كل حين بأسلوب من الابتكار جديد وهو شاهد عدل على حياة اللغة وبقائها كما كانت أداة تفكير وتحرير ثابتة كما هي من الأول إلى الأخير. وهناك من الشواهد من يؤكد على أن أقرانها من اللغات السامية قد باد ولم يبق لها غير خبر يعاد (18) .

وأما العنصر الرابع وهو غناء اللغة من حيث وفرة مفرداتها فهذا في اللغة العربية مشاهد معلوم فهي من هذا الجانب لا تشتكي فقرا ولا ضعفا بل ربما شكا أهلها من كثرة مفرداتها وصعوبة الإحاطة بها (19) . فهذا لسان العرب لابن منظور الإفريقي قد حوى ما يناهز الستين ألف مادة (20) ، وإذا نظرنا إلى أن كل مادة يدخلها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت