الصفحة 7 من 31

أما العناصر التي تدخل في إطالة عمر اللغة ونموها وحيويتها وهي خارجة عنها فأهمها: توارث اللغة ما بين الأجيال. وهذا العنصر هو، في نظر الاختصاصيين، أهم من كثرة عدد الذين يحكون اللغة. العنصر الثاني يتكون من مجالات استخدام اللغة. العنصر الثالث يتكون من مدى استخدام اللغة في وسائل الإعلام المختلفة. العنصر الرابع يتكون من توفر الأدوات التربوية التي تساعد اللغة على النمو والانتشار والتجدد، ووجود إنتاج أدبي يستخدم تلك اللغة. أما العامل الأخير فيتكون من موقف السلطات الرسمية حيال اللغة، أي السياسة التربوية والثقافية التي تنتهجها تلك السلطات، وكذلك موقف الجماعة من اللغة التي تستخدمها. وهنا يجب التنويه إلى أن بعض الجماعات تحتقر لغتها، أو اقله لا تعتز بها، بينما نجد جماعات أخرى لا تتمسك فقط بلغتها وتعتز بها بل أيضًا تجعل من تطوير لغتها والعناية بها ونشرها رسالة تأخذها على عاتقها (27) .

كما ويتأثر انتشار الصيغ اللغوية والتراكيب بعوامل كثيرة، أهمها في العالم المعاصر العامل الحضاري. فإذا كانت مكانة أية لغة من اللغات الكبرى المعاصرة تتحدد في المقام الأول بما تحمله من تراث حضاري وما تقدمه من نتاج حضاري حديث فإن للعلماء والمثقفين ووسائل الإعلام أثرًا كبيرًا في البيئة اللغوية (28) . وفي المجال الصوتي تعد الإذاعة من العوامل الحاسمة، فالنطق الذي يرتضيه مذيعو الإذاعة يؤثر في آلاف المستمعين، ولذا تهتم دول كثيرة في العالم المعاصر بكيفية نطق المذيعين وتدربهم تدريبًا صوتيًّا دقيقًا. ويؤثر المحاضرون في الجامعات في الحياة اللغوية من ناحية المصطلحات، فهم يدخلون بصفة مطردة مصطلحات علمية جديدة للتعبير عن المعاني الجديدة أو العلوم الحديثة (29) . فتستخدم هذه المصطلحات عند طلابهم وقرائهم ثم في دوائر أوسع إلى أن تستقر في العرف اللغوي. وبذلك تصبح من المشاع اللغوي العام. فإن اختلف واضعو الاصطلاحات وتعددت معهم اصطلاحاتهم للشيء الواحد حدث ارتباك في استخدام المصطلحات وربما تعذر التفاهم. ويؤثر كبار الكتاب والأدباء في الحياة اللغوية من ناحية التراكيب بصفة خاصة، ولكن أي نطق جديد أو اصطلاح جديد أو تركيب أسلوبي جديد- يظل ظاهرة فردية إلى أن يقبل اجتماعيًّا ويصبح من العرف اللغوي. وكثير مما يستحدث في الإذاعة ووسائل الإعلام وفي الجامعات وعند كبار الأدباء يقبل اجتماعيًّا، ولذا تعد هذه الدوائر الحاكمة لغويًّا أهم ما يؤثر في الحياة اللغوية المعاصرة (30) .

وقد تأثرت اللغات على مدى التاريخ وما زالت تتأثر بعوامل أخرى غير العامل الحضاري المذكور. فالعامل الديني أبقى اللغة العربية مقروءة أكثر من عشرين قرنًا، فكان اليهود يتعلمون قدرًا من العبرية لأنها لغة العهد القديم، وهو كتاب اليهود المقدس (31) . والتقاء العرب حول الفصحى وعدم نجاح الدعوى إلى الكتابة بالعامية يرجع إلى عوامل منها الالتقاء حول لغة القرآن الكريم، وقد مهد العامل الديني لدخول عدد كبير من الألفاظ العربية المتعلقة بالدين والحضارة إلى لغات العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا وجنوب أوربا، ففي اللغات السواحلية والتركية والفلبينية وأيضا في اللغة الصربو كرواسية نجد المسلمين يستخدمون الألفاظ الخاصة بالعبادات وبالسلوك اليومي مستعارة من اللغة العربية (32) . وارتباط الخط العربي بالدين الإسلامي جعل المتحدثين بالحبشية في هرر، وكلهم من المسلمين يكتبون الحبشية بالخط العربي، وقد دخلت في الهررية ألفاظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت