يعتبر أبو عبيدة (ت: 208 هـ) من أوائل اللغويين الذين تحدّثوا عن الالتفات , وذكر له أمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي. (ولا تزال الأمثلة التي أشار إليها أبو عبيدة تتردد في كتب البلاغة إلى الآن) (5) , ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
{حتى إذا كنتم في الفلكِ وجرينَ بهم بريحٍ طيّبةٍ)} يونس /22) التي اعتبرها أبو عبيدة"من مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد , ثم تركت وحوّلت إلى الغائب" (أبو عبيدة:1/ 11) , وكذلك قوله سبحانه وتعالى:
{ثمّ ذهب إلى أهله يتمطى* أولى لك فأولى} (القيامة: 33 - 34) التي يمثل بها على أنها"من مجاز ما جاء خبره عن غائب , ثم خوطب الشاهد". (أبو عبيدة:1/ 23 - 24) .
وعند تعرض أبي عبيدة لتفسير سورة الفاتحة ذكر ما فيها من التفات مؤيدا ذلك بذكر أشعار ورد فيها هذا الأسلوب البلاغي؛ وقال:"ومجاز جرِّ {مالكِ يوم الدين} أنه حدث عن مخاطبة غائبٍ , ثمّ رجع فخاطب شاهدا فقال: {إياك نعبدُ وإياك نستعين اهدنا} , قال عنترة بن شداد: (الكامل) "
شطّتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ عَسِرا عليّ طربكِ ابنةَ مخرم (6)
ولما تعرض لقوله تعالى {ذلك الكتابُ} (البقرة /2) قال:"معناه هذا القرآن , وقد تخاطب العرب الشاهد فتظهر له مخاطبة الغائب , قال خفاف بن ندبة السلمي: (الطويل) "
فإن تكُ رمحي قد أصيبَ جميعها ... فعمدا إلى عين تيمّمتُ مالكا
أقولُ له والرمحُ يأطرُ متنهُ ... تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا" (7) "
ونلاحظ أن أبا عبيدة لم يضع تعريفا للالتفات , وكان يسميه الترك أو التحويل أو الرجوع , كما أن أبا عبيدة لم يتعرض في"مجازه"للحديث عن كل أنواع الالتفات , لم يتطرق للالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم في القرآن الكريم أو العكس في أي موطن من المواطن , ولم يذكر شيئا عن الالتفات من ضمير الخطاب إلى ضمير التكلم في القرآن الكريم أو العكس.