والأخفش الأوسط يستشهد على أسلوب الالتفات بكثير من الشعر العربي, يقول بعد أن علّق على الآية السابقة:"وذا في الكلام والشعر كثير."
قال الشاعر: (الطويل)
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إنْ تقلّتِ (8)
وإنّما يريدُ إنْ تقليتِ , وقال الآخر: الكامل
شطّتْ مزارُ العاشقينَ فأصبحتْ ... عَسِرا عليّ طلابكِ ابنةَ مخرم (9)
إنما أراد: فأصبحت ابنة مخرم عسرا على طلابها , وجاز أن يجعل الكلام كأنه خاطبها , لأنه حين قال: شطت مزار العاشقين , كأنه قال: شططتِ مزار العاشقين , لأنه إياها يريد بهذا الكلام , ثم يقول:"ومثله (أي ومثل هذا الأسلوب) مما يخرج من أوله , قوله: (الرجز) "
إن تميما خُلقت ملوما (10)
فأراد القبيلة بقوله (خُلقت) ثم قال (ملوما) على الحي أو الرجل
(الفراء 1/ 130) , ثم قال:"وفي كتاب الله عز وجل:) حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم (فأخبر بلفظ الغائب , وقد كان في المخاطبة , لأنّ ذلك يدل على المعنى ... وكذلك) الحمد لله رب العالمين (ثم قال:) إياك نعبد (لأنّ الذي أخبر عنه هو الذي خاطب"(الفراء 1/ 131 - 132) , وقال الله تبارك وتعالى:) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (الذاريات/14) فذكّر بعد التأنيث , كأنه أراد: هذا الأمر الذي كنتم تستعجلون. ومثله) فلما رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت (( الأنعام / 78) , فيكون) هذا (على(الذي أرى ربي) أي هذا الشيء ربي (الأخفش الأوسط 1/ 132 - 133) .
وأرى أن الأخفش قد خلط بين الالتفات وغيره من الأساليب البلاغية , ولعله في ذلك معذور؛ إذ لم يكن في عصره قد حصل هذا التحديد والتمييز للالتفات عن غيره من الأساليب البيانية. فقد أدخل التذكير في موضع التأنيث كما في الآيتين الأخيرتين في أسلوب الالتفات.
وكما رأينا من الأخفش , فقد تحدث وذكر آياتٍ كريمةٍ تحتوي على أسلوب الالتفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب وبالعكس , كما ذكر أشعارا تدلُ على ذلك , وكنا نودّ أن يتحفنا