فمن السنة الشريفة ما روى أصحاب الكتب الستة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال: (يا رسول الله: إنما أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني: قال صلى الله عليه وسلم: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر رضي الله عنه ألا تباع ولا توهب ولا تورث، في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول) ، وفي بعض طرق البخاري: أن رسول الله r قال: (تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره) وفي بعض الروايات: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث) .
وأما الإجماع، فلأن المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على إباحة الوقف والندب إليه من غير أن ينكر واحد منهم ذلك، فكان إجماعا، قال جابر t: (ما أعلم أحدا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من صدقة مؤبدة لا تشترى أبدا ولا توهب ولا تورث) [47] ، وقال ابن قدامة: (وهذا إجماع من الصحابة رضي الله عنهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعا [48] ، وقال ابن رشد:(الأحباس سنة قائمة عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده) [49] .
وأما القياس، فلأن الوقف نوع صدقة من الصدقات، وتبرع من التبرعات، وهي جميعا جائزة ومندوب إليها بالنصوص الكثيرة، وقد تقدم بعضها، ولم يأت ما يمنع منه، فكان مندوبا إليه على القياس.
هذا هو حكمه الأصلي، وقد يطرأ على الوقف طارئ فيخرج به عن حكمه الأصلي إلى الكراهة أو الحرمة أو الوجوب.
فيجب إذا نذره ناذر، كما إذا قال: (إن قدم ولدي من سفره سالما فعليَّ أن أقف هذه الدار على ابن السبيل) .
وقد يكون مباحا إذا خلا عن قصد القربة لله تعالى، ولذا يصح وقف الذمي ولا ثواب له،
ويحرم كما لو وقف مسلم على معصية، كوقفه على كنيسة [50] .
والحكمة في مشروعية الوقف والندب إليه أمور واضحة لا تخفى على أحد، وأهم هذه الأمور ما يلي:
1 -تفتيت الثروة كلما تجمعت في يد أحد، والعمل على عدم تجميعها في يد الورثة، لأن الوقف في الغالب يكون للورثة وغير الورثة معا، فلا يكون خاصا بهم، وهو وإن كان لهم وحدهم أحيانا، فلن يكون إرثا عنهم بعد وفاتهم، ولكن لمن بيَّنه الواقف خاصة.
2 -تأمين صدقة جارية يستمر خيرها للواقف، ويلحقه أجرها إلى مدة طويلة، وربما إلى أخر الدنيا، وهو من أهم ما يفيد الإنسان المسلم بعد موته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) [51] تأمين مورد دائم لكثير من المحتاجين والفقراء والمعوزين المستفيدين من الوقف، من الورثة وغيرهم، ذلك أن الموقوف من المال خارج عن التركة، وغير داخل في الإرث، ولأن نهايته يجب أن تكون لجهة دائمة لا تنقطع، وهي الفقراء والمساكين.
3 -تلبية رغبة الواقف في نقل الاستفادة من أمواله الموقوفة لمن يريده ويحبه، ذلك أن الموقوف من المال خارج عن التركة، ولا يدفع إلا للموقوف عليهم.
4 -تفويت الفرصة على الجاهلين من الورثة في إضاعة ما ورثوه، لسوء تصرفهم، حيث يمنعون من بيع عين الموقوفات والتصرف بأعيانها، سوى الانتفاع بها انتفاعا معتادا مدى الحياة، بحسب شرط الواقف.
5 -تأمين مورد دائم للجهات الخيرية والدينية العامة التي ربما يتساهل الناس في العناية بها والإنفاق عليها، كالمساجد، والمستشفيات، والمبرَّات، والزوايا ... . ذلك أن الوقف الخيري إنما شرع لمثل هذه الأمور، وأنه لا يخلو عادة وقف من جهة خير، حالا أو مآلا، لأن الأوقاف الأهلية يشترط لصحتها أن تؤول إلى الخيرات عند انعدام المستحقين لها، وإلا لم تصح.