الصفحة 4 من 10

الحبس في اللّغة: المنع والإمساك، من مصدر حبس، ويطلق على الموضع، وجمعه حُبوس - بضمّ الحاء -، ويقال للرّجل: محبوس وحبيس، وللجماعة: محبوسون وحُبُس - بضمّتين -، وللمرأة: حبيسة، وللجمع: حبائس، ولمن يقع منه الحبس: حابس [37] .

أمّا في الاصطلاح: فالحبس هو تعويق الشّخص ومنعه من التّصرّف بنفسه والخروج إلى أشغاله ومهمّاته الدّينيّة والاجتماعيّة [38] ، وليس من لوازمه الجعل في بنيان خاصّ معدّ لذلك، بل الرّبط بالشّجرة حبس، والجعل في البيت أو المسجد حبس، وقد أفرد الحكّام المسلمون أبنية خاصّة للحبس، وعدّوا ذلك من المصالح المرسلة [39] .

وبمعنى الحبس السّجن بفتح السّين من مصدر سجن، أمّا بكسر السّين فهو مكان الحبس، والجمع سجون.

وفي التّنزيل العزيز: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [40] ، قُرئ بفتح السّين على المصدر، وبكسرها على المكان، والأشهر الكسر.

وبمعنى الحبس أيضًا الاعتقال، يقال اعتقلت الرّجل إذا حبسته، واعتقل لسانه إذا حبس ومنع من الكلام [41] .

والوقف نوع من الحبس عند كثير من الفقهاء، لما فيه من منع التصرف بالعين، قال في البحر الزخار للزيدية: (يقال وقفت في الفصح، وأوقفت ضعيف، وأحبست وحبست سواء) [42] ، وقال ابن حزم في المحلى: (والتحبيس هو الوقف) [43] .

التّبرّع لغةً: مأخوذ من برع الرّجل وبرع بالضّمّ أيضًا براعةً، أي فاق أصحابه في العلم وغيره، فهو بارع، وفعلت كذا متبرّعًا أي متطوّعًا، وتبرّع بالأمر: فعله غير طالب عوضًا [44] .

وأمّا في الاصطلاح، فلم يضع الفقهاء تعريفًا للتّبرّع، وإنّما عرّفوا أنواعه، كالوصيّة والوقف والهبة وغيرها، وكلّ تعريف لنوع من هذه الأنواع يحدّد ماهيّته فقط، ومع هذا فإنّ معنى التّبرّع عند الفقهاء كما يؤخذ من تعريفهم لهذه الأنواع، لا يخرج عن كون التّبرّع بذل المكلّف مالًا أو منفعةً لغيره في الحال أو المآل بلا عوض بقصد البرّ والمعروف غالبًا.

مشروعية الوقف وحكمه التكليفي وحكمته

الوقف مشروع باتفاق الفقهاء، وهو مباح ومندوب إليه لمن كان غنيا، لأنه صدقة من الصدقات، وقد ثبتت مشروعية الصدقات عامة والندب إليها بالكتاب الكريم والسنة الشريفة.

فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [45] ، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [46]

ومن السنة الشريفة ما رواه البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ.

أما مشروعية الوقف خاصة والندب إليه، فقد ثبتت بالسنة الشريفة، والإجماع، والقياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت