اختلف الفقهاء في حكم الوقف من حيث آثاره النوعية على ثلاثة مذاهب:
1 -فذهب الشافعية والحنبلية والصاحبان من الحنفية، إلى أن حكم الوقف (انتقال ملكية العين الموقوفة من ملكية الواقف إلى حكم ملك الله تعالى انتقالا لازما، واستحقاق الجهة الموقوف عليها لريع العين الموقوفة استحقاقا لازما، من حين الوقف) وعليه، فليس للواقف الرجوع في وقفه بعد تمامه صحيحا، ولا تغيير مستحقيه، أو شروطه ... في حياته، وليس لورثته ذلك بعد موته أيضا.
2 -وذهب المالكية إلى أن ملكية عين الموقوف لا تزال على ملك الواقف بعد الوقف، ولا تخرج عنه بالوقف، إلا أن الواقف ملزم بالتبرع بالريع والمنافع على وفق شرطه، وهو ممنوع من التصرف بالعين الموقوفة تصرفا يخرجها عن ملكه، كالبيع والهبة.
3 -وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف حبس العين على ملك الواقف، فلا تخرج العين بالوقف عن ملكه، وأما المنافع، فهي ملك المستحقين لها بالوقف، إلا أن ذلك غير لازم، فللواقف عند أبي حنيفة الرجوع في وقفه أصلا، والتصرف في عينه بالبيع والإجارة والهبة و ... إلا في حالين يلزم فيهما الوقف عنده:
الأول: أن يقضي به قاض، فيكون لازما، لأن قضاء القاضي يحسم النزاع في الأمور الاجتهادية، وهذا منها.
الثاني: أن يخرج مخرج الوصية، فيلزم في هذه الحال بوفاة الواقف.
هذا ولكل من هذه الأقوال الثلاثة أدلتها المبسوطة في كتب الفروع [52] .
4 -والظاهر أن الزيدية مع الإمام أبي حنيفة، قال في البحر الزخار: (لا ينفذ إلا بحكم أو إخراجه مخرج الوصية) [53]
5 -والإمامية نصوا على أن الوقف لازم، قال جعفر بن الحسن الهذلي: (وَلا يَلْزَمُ إلا بِالإِقْبَاضِ، وَإِذَا تَمَّ كَانَ لازِمًا لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ، إذَا وَقَعَ فِي زَمَانِ الصِّحَّةِ) [54] .
7 -ونص الإباضية على أن الوقف لا يلزم إلا بحكم، أو أن يخرج مخرج الوصية، قال في شرح النيل: (ولا يلزم إلا بحكم عدل أو قال: إذا مت فقد وقفته) [55]
8 -و لم أر للظاهرية نصا صريحا في ذلك، والظاهر أنهم مع الجمهور في لزوم الوقف إذا استوفى شروطه، قال في المحلى: (وأتى أبو حنيفة بقول خالف فيه كل من تقدم، والسنة والمعقول، فقال: الحبس جائز في الصحة وفي المرض إلا أن للمحبِّس إبطاله متى شاء وبيعه وارتجاعه بنقض الحبس الذي عقد فيه، ولا يجوز بعد الموت أيضا، وهذا أشهر أقواله، وروي عنه أنه لا يجوز إلا بعد الموت، ثم اختلفوا عنه أيجوز للورثة إبطاله وهذا هو الأشهر عنه أم لا يجوز؟ [56]
الوقف معروف عند الأمم السابقة قبل ظهور الإسلام وبعده، وإن لم يسم بهذا الاسم، فالإنسان منذ القديم عرف المعابد ورصد عليها العقارات، والأراضي، للإنفاق عليها من غلتها، وعلى القائمين بأمرها، ولا يفسَّر هذا إلا على أنه في معنى الوقف.
ومن هنا يمكن القول إن فكرة الوقف كانت موجودة قبل الإسلام عند كثير من الأمم السابقة على الإسلام، فقد وجدت عند قدماء المصريين، حيث كانت الأراضي ترصد على الآلهة والمعابد والمقابر، وتؤخذ غلتها للنفقة عليها، وكذلك ينفق على الكهنة والخدام من هذه الأموال، وكان الناس وقتها مدفوعين إلى هذا التصرف بقصد فعل الخير والتقرب إلى الآلهة كما زعموا.