تعتبر محاولات الارتقاء بمستوى البحث العلمي من التحديات الكبرى التي تسعى إليها الدول في الوقت الحالي، وذلك نظرا لأهميتها، من خلال حشد القدرات العلمية والتقنية الوطنية وتوجيهها لدعم مسيرة التنمية المستدامة وإرساء ثقافة النظرة المستقبلية الشاملة التي من خلالها تستطيع الدول مجابهة تحديات القرن الحادي والعشرين، الذي بدت ملامحه الأساسية تتجلى في تعاظم دور العلوم والتقنية والابتكار كمحدد أساس للميزة النسبية، وكوسيلة ضرورية لإيجاد فرص عمل جديدة، وتحقيق مكاسب اقتصادية، في ظل تزايد حدة المنافسة على الصعيدين المحلي والدولي، وتراجع الأهمية النسبية للموارد الطبيعية التقليدية.
ويكتسب التوجه في تعزيز وتقوية منظومة البحث العلمي والتطوير والابتكار أهميته في أنه يهدف إلى الارتقاء بمستوى القدرات العلمية والتقنية الوطنية، وتحقيق الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة بما يمكِّن من الاستفادة السريعة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي الجديد سريع التغير، والمنافسة بمنتجاتها وخدماتها بنجاح في الأسواق العالمية، مع العمل على توفير الإمكانات والبيئة المناسبة لاستحواذ ونشر وتحسين التقنية الأجنبية، وتطوير تقنيات محلية خاصة في المجالات الحيوية والإستراتيجية.
ومهما كانت أسباب التخلف العربي وعوامل رسوخه فإن البقاء خارج دائرة التطور العلمي والأبحاث العلمية تأتي في طليعة هذه الأسباب. وربما كان الوضع المتعلق بغياب البحث العلمي مقبولًا عندما كان الوطن العربي في عزلة هانئة يعيش على فتافيت مما تبقى من المعرفة التي أنجزها العلماء والباحثون العرب في عصور التقدم والازدهار، ولكن بعد إنشاء الجامعات وتكاثرها في كل قطر، فإن البقاء خارج ميادين البحث العلمي بكل أبعاده النظرية والتطبيقية يدعو للأسى ويبعث على الخجل.
لعلنا لا نريد هنا تقليب المواجع الخاصة بواقع البحث العلمي في عالمنا العربي، بقدر ما نريد التطرق إلى إحدى الآليات الفاعلة التي نراها من أهم الأدوات الإستراتيجية التي يعول عليها كثيرا في احتضان المبدعين والمبتكرين من خريجي الجامعات، والمتمثلة أساسا في"حاضنات الأعمال"، لما لها من دور فاعل في استثمار هذه المخرجات داخل المحيط الاقتصادي.
ولعلنا نتطرق في هذه الورقة إلى دراسة هذا الموضوع من خلال طرح التساؤل الأساسي التالي:
ما هو دور"حاضنات الأعمال"في القضاء على البطالة من خلال استقطاب خريجي الجامعات؟
وسيتم التطرق إلى هذه الإشكالية من خلال الحديث عن ثلاث ركائز أساسية، نتناول في أولها واقع البحث العلمي في العالم العربي، أما في النقطة الثانية فسنتحدث عن حاضنات الأعمال بشكل عام، وأخيرا سنحاول الربط بين حاضنات الأعمال والبحث العلمي من خلال بيان الدور الإستراتيجي الذي تلعبه من أجل استثمار مخرجات الجامعة وتوفير مناصب شغل للمتخرجين.
أولا: مفاهيم حول البحث العلمي:
سنحاول قبل التطرق إلى حاضنات الأعمال ودورها الإستراتيجي، التطرق إلى معاني البحث العلمي ومن خلال بيان أهميته والواقع العربي الذي نعيشه في هذا المجال.
يعرف"عمار بوحوش وزميله"البحث العلمي بأنه:"ذلك التحري والاستقصاء المنظم الدقيق الهادف للكشف عن حقائق الأشياء وعلاقتها مع بعضها البعض، وذلك من أجل تطوير أو تعديل الواقع الممارس لها فعلا" [1] .
ويعرفه موريس أونجار"Maurice Angers"بأنه نشاط علمي يعتمد على عملية جمع وتحليل البيانات بهدف الإجابة عن مشكلة بحث محددة [2] .
كما يعرفه"هيلواي""Hillway"بأنه طريق للدراسة يمكن بواسطته الوصول إلى حل للمشكلة من خلال التقصي الدقيق والشامل لجميع الأدلة الواضحة التي يحتمل أن تكون لها علاقة بالمشكلة المحددة [3] .
من خلال التعاريف السابقة فإننا نستطيع القول بأن البحث العلمي هو عبارة عن نشاط هادف ومنظم يسعى إلى دراسة الظواهر دراسة علمية من أجل إزالة الغموض عنها وتفسيرها والتحكم فيها وتوجيهها وتسخيرها بما يخدم ويساهم في تنمية المجتمع وتطويره وإشباع حاجات الإنسان ورغباته.
ويمكننا تقسيم أنشطة البحث والتطوير بشكل عام إلى ثلاثة أصناف أساسية تتمثل أساسا في [4] :
(1) - بوحوش، عمار وذنيبات، محمد، (1989 م) ،"مناهج البحث العلمي: الأسس والأساليب"، مكتبة المنار، عمان- الأردن، ص ص 11 - 18.
(4) - مرسي، نبيل محمد، (2002 م) ،"إستراتيجية الإنتاج والعمليات"، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، ص 231، (بتصرف) .