ولعيه: فمقتضاه في العبادات رؤية الشارع العبادة المستلزمة للضرر لا عبادة، ومقتضاه في المعاملات رؤية لزوم المعاملة الضررية لا لزوم فيها، والتصرف الضرري يعد تصرفًا بغير حق) (23) .
وعلى أية حال فيمكن أن يكون مفاد قاعدة (لاضرر) اختصارًا هو: (أن كل ضرر ينشأ عن إحداث أمر غير مشروع يكون منفيًا، ويتمثل النفي بالدفع قبل الوقوع بالحيلولة والمنع، والرفع بعد الوقوع بالإزالة والضمان) .
وهذا ما يساعد عليه عموم (لا ضرر) ومجموع أقوال الفقهاء (24) في المسألة بعد تقرير ان لا دليل على الانحصار في معنى بعد هذا التهميد نتحول إلى المطالب التي تقرر بحثها في مسألة تعارض الضررين.
المطلب الأول
حالة التعارض بين ضررين بالنسبة إلى الشخص نفسه
ذهب الفقهاء في مثل هذه الموارد إلى ك أن الشخص عليه ارتكاب ما ضرره أقل، إذ تقرر عندهم: أن قواعد الشرع تنص على أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (25) . أما في حالة التساوي فيتخير (26) . وهذا اتجاه عام عند الفقهاء:
وقد صرح الخراساني (27) من فقهاء الإمامية بذلك، وتابعه كثيرون (28) بأنه(يجب
اختيار الضرر الأقل أو على حدّ تعبيره: فلا مسرح إلاّ لاختيار أقلهما، وإلا فهو مختار).
وذكر العز بن عبد السلام من فقهاء الشافعية: (أن الشرع يحصل الأصلح بتفويت المصلحة، كما يدرأ الأفسد بارتكاب المفسدة) (29) .
ونقل السيوطي (30) عنه الإمام الشافعي ـ القول بالتخيير في حالة التساوي، وهذا ما ذكره ابن نجيم الحنفي (31) أيضًا. واليه ذهب الحنابلة (32) .
وها هنا تفريع:
التداوي والعلاج بالمحرم
قد تقتضي حالة التعارض في صورة الاضطرار العلاج بالمحرم كما لو لزم استقطاع جزء من الميت أو الحي للعلاج (33) ، أو اضطر إلى شرب الخمر لنفس الغرض.
وهنا اتجاهان في الفقه:
اتجاه يذهب إلى المنع وعدم جواز العلاج بالمحرم، وهو ما ذهب إليه فريق من فقهاء الإمامية (34) والمالكية (35) والشافعية (36) ، واستدلوا:
1 ـ بقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها) (37) .