الصفحة 5 من 12

فأما استحقاق صاحب الدار المهدومة الضمان والتعويض: فلأنه إذا كان من الجائز دفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص، إلاّ أنه مشروط بأن لا يلحق بالخاص ضرر لا ينجبر كما نبه إلى ذلك الشاطبي (53) . وأيضًا: فلأن الاضطرار لا ينافي الضمان (54) ، ولا يبطل حق الغير.

وأما لزوم الضمان على أهل المحلة: فلأنهم الجهة المستفيدة من هدم الدار، إذ لولا الهدم لما توقف سريان الحريق. وقاعدة الغرم بالغنم (55) تأبى أن يستفيد أحد على حساب تضرر آخر، فيلزم الضمان من هذا الوجه.

وكذلك من الجائز إلقاء الأمتعة والأموال بالغة ما بلغت من السفينة إذا توقف على ذلك تخليص الركاب. ذهب إلى ذلك فقهاء الحنابلة (56) والمالكية (57) . وقاعدة دفع الضرر الأكبر والأشد فالأقل والأخف تقتضي ذلك (58) .

المطلب الثالث

حالة التعارض بين ضررين بالنسبة إلى شخصين بفعل أتحدهما

وهي حالة لو تصرف أحد الشخصين وترتب على تصرفه ضرر، وعلى تركه ضرر، وهنا صورتان:

الصور الصورة الأولى: لو كان في تصرفه ضرر على الغير، وفي تركه التصرف ضرر عليه، فهنا اتجاهان:

الأول: ذهب إليه أكثر الحنفية (59) ، وهو المشهور عند الشافعية (60) والإمامية (61) ، واختاره ابن حزم الظاهري (62) ، وهو: عدم منع المالك من التصرف في ملكه وإن ترتب عليه ضرر بالغير. واستدلوا بقولهم: (إن منع المالك من التصرف في ملكه مراعاة لنفع غيره لا وجه له في الشريعة، بل هو أبلغ الضرر على ما ذهب إليه ابن حزم) (63) .

الثاني: وذهب إليه المالكية والحنابلة (64) وجماعة من الإمامية (65) ، وهو منع المالك في صورة تضرر الجار أو الغير. وقد استدل الذاهبون إلى الجواز بأمور:

الأول: بقاعدة (الناس مسلطون على أموالهم) (66) .

الثاني: إن الجواز الشرعي ينافي الضمان، ومقتضاه: أن الفعل إذا كان جائزًا شرعًا لا يترتب على من قام به ضمان بسبب ما ينشأ عن هذا الفعل، إذ تسويغ الشارع للفعل يقتضي رفع المسؤولية عنه، وإلا لما كان جائزًا (67) .

الثالث: إن نفي الضرر امتنانية، ولا امتنان في تحمل الضرر لدفعه عن الآخرين وإن كان أكثر (68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت