أما الاتجاه الآخر ـ أي: الرأي القائل يمنع المالك من التصرف في حالة ترتب ضرر على الغير ـ فقد استدلوا عليه بأمور:
الأول: إن الحقوق ليست مطلقة في الشرع، وإنما هي مقيدة بعدم إساءة
استعمالها. وهذا ما جرت عليه الشريعة في موارد كثيرة كما في المضارة في الوصية (69) ، والمضارة في المعاشرة الزوجية (70) وغيرها. وهذا ما أدركه ابن حزم ـ وهو من أشد المتحمسين للرأي الأول ولمبدأ الحق المطلق في التصرف بالملك ـ إذ قال: (لا يجوز لأحد أن يدخن على جاره لأنه أذى، وقد حرم أذى المسلم ... ) (71) .
وإذن، أفلا يكون حفر البئر ـ مثلًا ـ قد يؤدي إلى هدم جدار دار الغير وهو نوع أذى كما لا يخفى؟!
الثاني: إن قاعدة السلطنة: ـ أي: سلطنة المالك في التصرف بملكه ـ كما هو مفاد قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم) ، فهي محكومة (72) بلا ضرر، أي: أن كل ما يصدر من فعل أو نحوه من التصرفات فإن قاعدة (لا ضرر) ناظرة إليه، ومقيدة له بصورة عدم الضرر كما هو مقتضى لسان الحكومة (73) .
أما ما احتج به ابن حزم الظاهري فلا يتضح له وجه، إذ لم يقل أحد بمنع المالك من التصرف في ملكه مراعاة لنفع غيره، وإنما ذهبوا إلى المنع فيما لو أضر بالغير، وهو ما يقتضيه نفي الضرر. ثم إن من يبني فرنًا أو ينشئ مدبغة في داره يضر بالجار وبالدار ضررًا بالغًا (74) .
وبالجملة: فيمكن القول: إنه في مثل هذه الموارد والحالات يلزم أن يلحظ الضرر الأكثر والأكبر عندما يتعارض ضرر المالك في عدم التصرف، وضرر الغير عند تصرفه؛ لأن الشرع ينظر إلى الجميع بمثابة واحد (75) ، أو كنفس واحدة (76) ، على أنه يمكن أن
يوكل الأمر إلى العرف في تحديد حجم الضرر وطبيعته.
الصور الثانية: أن يكون تصرفه في ملكه يلحق ضررًا بالغير، وفي تركه التصرف فوت نفع له. وهنا اتجاهات:
1 ـ اتجاه ذهب إليه متأخروا الحنفية (77) ، وجماعة من الشافعية (78) ، وهو المذهب عند الحنابلة (79) ، والمشهور عند الإمامية (80) .
وهو: منع المالك من التصرف إذا استلزم إلحاق ضرر بالغير: كالجار مثلًا.
واستند أكثرهم إلى عموم حديث (لا ضرر) .
2 ـ اتجاه ذهب إليه ابن حزم الظاهري (81) ، وهو: عدم المنع في مثل هذه الصورة كالسابق أيضًا مستندًا إلى نفس الدليل.
3 ـ اتجاه بالتفصيل: فذكر ابن رجب الحنبلي: أنه إن كان له في تصرفه غرض صحيح مثل: أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من