الصفحة 7 من 12

الانتفاع بملكه فيتضرر الممنوع. ففي مثل هذه الحالة ينظر: إن كان تصرفه على غير الوجه المعتاد فأضر بالغير يضمن. وإن كان على الوجه المعتاد ففيه قولان مشهوران:

أحدهما: لا يمنع، والثاني: المنع، وهو قول أحمد بن حنبل (82) . وهذا الرأي يوافق ما عليه الامام مالك (83)

في بعض الصور. وأكثر الحنفية (84) على المنع مع الضرر الفاحش.

وذهب أكثر الشافعية (85) إلى عدم المنع في مثل هذه الحالة بشرط أن يحتاط ويحكم الجدران بما لايتأدى من المديغة والاصطبل والطاحونة ضرر بين.

وذهب جمهور الإمامية (86) إلى عدم المنع لو كان تصرفه على الوجه المعتاد، وإلا فيمنع، ويضمن ما تسبب من ضرر للغير.

استدل الشافعية (87) بان في منعه إضرارًا به، والضرر لا يزال بالضرر، وهو ليس متين؛ لأن الافتراض في المسألة هو: فوت النفع على المالك، ولا يعد ضررًا، بل فيه تردد (88) .

وأما ما احتج به الشيخ الأنصاري (89) بأنه ـ حينئذٍ ـ يكون من قبيل الحرج عليه، ولذا لا يمنع لحاكمية (لا حرج) على (لا ضرر) ، فقد نوقش في رأيه.

إن منع المالك من التصرف في ملكه بما فيه منفعه لا يعد حرجًا مطلقًا؛ لأن الحرج المنفي إنما هو بمعنى: المشقة التي لا تتحمل عادة، وهو مفقود في المقام.

وأما حاكمية (لا حرج) على (لا ضرر) : فلا وجه له؛ لأن كل واحد منهما ناظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام الأولية، ويقيدها بغير موارد الحرج والضرر، فهما في مرتبة واحدة (90) ، فلا مورد للحاكمية هنا. وأيضًا: فإن فوت النفع لو عد ضررا تجوزًا فهو لا يزاحم الضرر البين، وليس في قوته. ولما كان الميزان في الترجيح: ارتكاب أخف الضررين فيكون منع المالك من التصرف بما له منفعة فيه أخف من تصرفه مع لحوق ضرر بالغير، على أنه قد تقرر في قواعد الشرع أن درء المفاسد أولى من جلب

المصالح (91) فيترجح المنع.

ولعل الأنسب أن يقال: إنه لو أمكن للمالك أن يتخذ الاحتياطات الضرورية في تصرفه في ملكه بما هو نفع له ربما يكون ضرر الغير ـ حينئذٍ ـ من الضالة بمكان في قبالة نفع المالك، فلا وجه ـ حينئذٍ ـ للمنع. وأمر هذا يوكل إلى العرف وأهل الخبرة: فإن تسامحوا فيه بحيث يعد كلًا ضرر، وإلاّ فلا. وهذا يقتضيه كمال الامتنان في نفي الضرر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت