المطلب الرابع
حالة تعارض ضررين بين شخصين بتدخل عنصر آخر
وفي هذه الحالة أورد أكثر الفقهاء مثلًا هو: فيما إذا ابتلعت دجاجة أحدهم لؤلؤة لآخر، أو أدخلت دابة رأسها في إناء لآخر ولم يمكن تخليص أحدهما إلاّ بإتلاف الآخر فهنا صورتان:
الأولى: صورة وقوع الضررين بتفريط من مالك أحد المالين، أو من كليهما.
والثانية: وقوع الضررين بدون تفريط أو تدخل من أحد كأن يكون قضاء وقدرًا كما لو التقطت الدجاجة لؤلؤة آخر سقطت منه.
ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها في المقام هي: ما لو دخلت سيارة بسبب حدوث عطل مفاجيءٍ بناية لآخر، ومثله: ما لو ابتلع حيوان مستندًا ماليًا لآخر، أو قطعة ذهبية، أو نحو ذلك.
وعلى أية حال: ففي جميع الصور المذكورة يلزم مراعاة ما ضرره أعظم بارتكاب الأخف والأقل لتخليص ما هو الأهم، أو ما قيمته أكبر مع التعريض، أي: الضمان عن الأضرار التي تنشأ عن ذلك إن حصل الأمر بتفريط من أحد (92) .
وأما إذا كان الضرران بفعل أحد المالكين أو بتفريط أحدهما: فقد ذهب الشافعية (93) والحنفية (94) والحنابلة (95) والإمامية (96) إلى إلزام من استند إليه الضرر تخليص مال الآخر وتسليمه إليه؛ لأنه مع وجود عين ماله لا يصار إلى البدل من المثل أو القيمة إلاّ عند تعذر الرد، هذا مع مراعاة أعظمهما ضررًا.
فلو أدخلت دابة ـ مثلًا ـ رأسها في قدر ولم يخرج إلاّ بكسر القدر كسرت لتخليصها، ولا تذبح ولو كانت مأكولة اللحم. ثم إن كانت بصحبة مالكها فعليه الإرش لتفريطه. وإن لم يكن معها: فإن كان صاحب القدر متعديًا بأن وضعها بموضع لا يحق له فيه أو كان له حق فيه لكنه كان قادرًا على دفع البهيمة فلم يدفعها فلا إرش له بكسر القدر، وإن كان الأمر بتفريطهما معًا اشتركًا في الغرامة (97) .
وفي مثل هذه الحالة: لو كان السبب في دخول الدابة أو سقوط الدينار في المحبرة شخص ثالث فيستقر عليه الضمان، وهو يتخير ـ حينئذٍ ـ بين إتلاف أي المالين لتخليص الآخر.
قال الشيخ السبحاني في هذه الصورة: إنه ـ حينئذٍ ـ بطبعه لن يختار إلاّ الأقل ضررًا (98) ، لكن فقيه آخر ذهب إلى أن المتعين في حقه هو اختيار الأقل باعتبار لزوم التبذير المحرم شرعًا إن لم يختر الأقل (99) .
الأمثلة التي أوردها الفقهاء حالة دخول حيوان لشخص في دار لآخر وتعذر إخراجه إلاّ بنقض الدار أو جانب منها:
ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب نقض البناء وإخراج الحيوان، وعلى رب المال المخرج ضمان أي: إصلاح الجدار؛ لأنه إنما حق له ذلك لتخليص ماله إن لم يفرط صاحب الدار، فإن فرط فلا ضمان على رب المال؛ لأن المفرط أولى بحصول الضرر كما لو كان بتعديه (100) .