الصفحة 22 من 48

لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" [الممتحنة/1] ، فإذا كان فعل حاطب رضي الله عنه عده الشرع موالاة بمجرد كتابته لرسالة هي أقرب إلى تشتيت العزائم وتثبيط الهمم وقذف الرعب منها إلى نقل الأخبار مع أنّ حاطبًا رضي الله عنه كان مجاهدًا بنفسه وماله محبا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم واثقًا من علو أهل الإيمان واندحار أهل الكفر والطغيان، فكيف بمن ينتسب إلى مؤسسة مجرمة قائمة على حرب الله ورسوله والمؤمنين، وينتمي إلى دائرة هي من أعظم دوائر التنكيل والتقتيل، وليس عنده غرض إلاّ البحث عن مكامن ضعف المسلمين، والتنقيب عن عوراتهم، والاجتهاد و"المخاطرة"للوصول إلى أعماقهم لاقتناص أهم أخبارهم، ثم يقدم كل تلك"الحصيلة"التي خاطر لأجل بلوغها إلى أعداء الله تعالى الكفرة، وهم الذين طالبوه أصالة بجمعها، هذا مع امتلاء قلبه بسوء الظن بالله، وتعمد الكيد لأوليائه ودينه، والتيقن من ظفر وفلج الكافرين ومحق المؤمنين {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فأين أين موالاة حاطب رضي الله عنه من موالاة هؤلاء المجرمين، مع استحضار ما نبهت عليها آنفًا من أن أعمال جواسيس العصر لا تقتصر على كتابة التقارير ونقل الأخبار وكشف الأسرار بل تتعداها إلى المشاركة الفعلية والممارسة العملية للتقتيل والأسر والترويع والمداهمات وغير ذلك فليكن هذا منك على بال. انتهى"

ثمّ تأمّل إلى قول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى:"لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"الآية 28 من سورة آل عمران.

"، قال رحمه الله: ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك (فليس من الله في شيء) ، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. اهـ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت