اعتاد العلماء في العصور المتقدّمة عند حديثهم عن الجهاد أن يتحدثوا عن جهاد الطلب وجهاد الدّفع، بناءا على ما كانوا يعيشونه من حكم إسلامي، ولم يكن أحدهم يتوقّع حدوث حكم جاهلي على أمة الإسلام، ولمّا آل أمر الحكم إلى الصليبيين الّذين باتوا يقرّرون عن أمّة الإسلام، صنع هؤلاء عملاء لهم يحكموننا باسمهم، وهذا الّذي صار في هذه العصور المتأخرة حصل شبيها له في العصور الماضية لكن الأمر لم يدم طويلا، مثل فترة التتار وفترة العبيديين، وكلا الفترتين كان رأي علماء الأنام الّذين ورثوا علمهم عن النبيّ عليه الصّلاة والسّلام متّفقين على كفر التتار والعبيديين ومن ثمّ جهادهم وعدم الخضوع إلى حكمهم، أمّا في هذا الزمان فكثير ممّن هو محسوب على زمرة العلماء باعوا دينهم لملوكهم وأمرائهم ورؤسائهم فأعطوا الصبغة الشرعية لحكمهم مع أنّه لا يشكّ في كفرهم إلاّ من طمس الله على بصره وبصيرته، فكان لزاما أن نبيّن نوعا آخر من أنواع الجهاد قال به علماؤنا الّذين ورثوا الكتاب وأخذوه بقوّة.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقه، وحسابه على الله". فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فو الله ما هو إلاّ أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنّه الحق.
بوّب البخاري على هذا الحديث في كتاب استتابة المرتدّين والمعاندين وقتالهم، باب: قتل من أبى قبول الفرائض وما نُسبوا إلى الردّة. أي هؤلاء الّذين منعوا فريضة من فرائض الإسلام وهي الزكاة نُسبوا أي حُكم عليهم بالردّة، ووجب جهادهم، قال الإمام مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقّا عليهم جهاده.
أقول فكيف بحال من عطّل شرع الله كلّه، واستبدله بقوانين فُرضت علينا من الصليبيين والصهاينة، وصار هؤلاء الحكام يحمونها بالقوّة.
قال ابن تيمية: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعةٍ من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء.
عن ديلم الحميري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إنا بأرضٍ نعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، فقال: هل يُسكر؟ قلت: نعم. قال: فاجتنبوه. قلت: أنّ الناس غير تاركيه، قال: فاقتلوهم.
وقال: وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة .. فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يُقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ..
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والميسر، أو عن نكاح ذات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته - التي لا عذر