عملية الأذين والبطين وملاقاة الهواء في الرئتين يرسل إلى الأبهر، ثم يتفرع منه إلى جميع أنحاء البدن فيعطي كل عضو ما يناسبه والمقدار الذي يليق به، فسبحان الحكيم العليم.
ومن المعلوم أن الإنسان إذا عجز من قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه، فإذا كلت الأسنان كلت المعدة، إذا ضعفت ضعفت، إلى آخر ما يطول القول فيه، ولا يمكننا أن نصل إلى خوافيه. وإن شئت فانظر في أهون شيء عليك وأيسره لديك، وهو الشعر، وكيف خلا منه جسد المرأة التي تحسن بها الرقة والنعومة، بخلاف الرجل.
ولنلفت نظرك إلى شعر الرأس وما فيه من الحكم والمنافع. فمنها وقايته عن الحر والبرد وما عسى أن يكون عند الاصطدام، فضلًا عما فيه من الحسن. أما السبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن فهو أن البخار من شأنه أنه يصعد من جميع البدن إلى الدماغ. وكان هذا الشعر ناميًا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدًا وهو مادة الشعر، فكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد، وزيادة لوقايته وغطائه.
وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر من الرأس وجعل هذا المقدار، فلو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قائمًا منتصبًا، وأن يكون باقيًا على عدد واحد من مقدار واحد، جعل منبت الشعر في جرم صلب