نتائج البحث عن (حَتَّى) 48 نتيجة

حَتَّى
: (ي (} الحَتِيُّ، كغَنِيَ: سَويقُ المُقْلِ) ؛ كَمَا فِي الصِّحاح.
وَفِي حدِيثِ عليَ: فأَتَيْته بمِرْوَدٍ مَخْتُومٍ فَإِذا فِيهِ {{حَتِيٌّ.
وقالَ أَبو حنيفَةَ: الحَتِيُّ مَا حُتَّ عَن المُقْل إِذا أَدْرَكَ فأُكِلَ؛ وأَنْشَدَ الجَوهريُّ للمُتَنَخل الهُذَليّ:
لَا دَرَّ دَرِّي إنْ أَطْعَمْتُ نازِلَكُمْ
قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدي البُرُّ مَكْنُوزُ (و) قيلَ: الحَتِيُّ (المُقْلُ) نفْسُه؛ وَبِه فُسِّرَ البَيْتُ؛ (أَو رَدِيئُهُ أَو يابِسُهُ.
(و (الحَتِيُّ: (مَتاعُ الزَّبِيلِ أَو عَرَقُهُ)
وكِفافُه الَّذِي فِي شَفَتِه.
(و) الحَتِيُّ: (ثُفْلُ التَّمْرِ وقُشُورُهُ.
(و)
الحَتِيُّ: (الدِّمْنُ) ؛ نَقَلَه الأزهريُّ.
(و) أَيْضاً: (قِشْرُ الشَّهْدِ) ؛ نَقَلَه ثَعْلَب؛ وأَنْشَدَ:
وأَتَتْهُ بزَغْدَبٍ}}
وحَتِيَ
بَعْدَ طِرْمٍ وتامِكٍ وثُمالِ( {{والحاتِي: الكثيرُ الشُّرْبِ) ؛ نَقَلَه الأزْهريُّ عَن ابنِ الأعْرابيِّ.
(}} وحَتَيْتُهُ)
، أَي الثَّوْبَ، {{حَتياً،}} وأَحْتَيْتَهُ {{وأَحْتَأْتُهُ: (خِطْتُهُ وأَحْكَمْتُهُ.
(و)
قيلَ: (فَتَلْتُهُ) فَتْلَ الأكْسِيَةِ.
وقالَ شَمِرٌ: يقالُ احْتُ صنفَةَ هَذَا الكِساءِ، وَهُوَ أَنْ يُفْتل الكِساءُ القُومَسِيُّ.
قُلْتُ: وَمِنْه}}
الحَتِيَّة لمَا فُتِلَ مِن أَهْدابِ العِمامَةِ بلُغَةِ اليَمَنِ.
(وفَرَسٌ {{مُحْتاةُ الخَلْقِ) : أَي (مُوَثَّقَةٌ؛) وأَنْشَدَ ابنُ الأَعرابيِّ:
ونَهْبٍ كجُمَّاعِ الثُّرَيَّا}}
حَوَيْتُه
غِشَاشاً بمُحْتاةِ الصِّفاقَينِ خَيْفِقِقالَ ابنُ سِيدَة: إنَّما أَرادَ {{مُحْتَتياً فقَلَب مَوْضِع اللَّام إِلَى العَيْنِ، وإلاَّ فَلَا مادّة لَهُ يَشْتَق مِنْهَا.
وكَذَلِكَ زَعَمَ ابنُ الأَعرابي أنَّه مثْلُ قوْلِك}}
حتَوْتُ الكِساءَ إلاَّ أَنَّه لم يُنَبّه على القَلْبِ، والكَلِمَة واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ.
وممَّا يُسْتدركَ عَلَيْهِ:
الحَتِيُّ، كغَنِيَ: مَتاعُ البَيْتِ.
وأَيْضاً: رَدِيءُ الغَزْلِ.
[حتى]ن فيه: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه "حتى" وإن كان أخاه، أي حتى يدعه وإن كان أخاه للمبالغة في عموم النهي سواء من يتهم فيه أو لا، وسواء كان هزلاً أو جداً. ولعنتها الملائكة "حتى" تصبح، أي تستمر اللعنة حتى تزول المعصية بطلوع الفجر، والاستغناء عنها أو بتوبتها ورجوعها إلىالفراش. ك: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم "حتى" أصبح نائماً، حتى غاية فقد الماء إلى الصباح، أي حتى آل أمره أن أصبح على غير ماء. وح: إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة "حتى" يصليها، أي إلا رجل غفر له ما بينه وبين صلاة تليها. و"حتى" يصليها أي يفرغ منها، فحتى غاية تحصل المقدر في الظرف إذ الغفران لا غاية له، وقيل: حتى يصليها أي يشرع في الصلاة الثانية، والمغفور الصغائر، وفي ح أبي هريرة: خرجت خطاياه مع آخر الوضوء، من غير اشتراط صلاة، فلعله باختلاف الأشخاص، فرب متوضئ متخشع وآخر غافل. و"حتى" الجنة والنار، معربان بالثلاث. و"حتى" اللقمة، بالنصب، وجاز رفعه بتقدير مبتدأ وحتى اللقمة بالجر وجاز الرفع بتقدير مبتدأ. وفأخبرنا عن بدء الوحي "حتى" دخل أهل الجنة منازلهم، حتى غاية للبدء، أو للإخبار، أو حتى أخبر عن دخول أهل الجنة، والغرض أنه أخبر عن المبدأ والمعاش والمعاد. ط: أي أخبرنا مبتدئاً من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول الجنة، ووضع الماضي موضع المضارع للتحقيق. و"حتى" جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي استأذن وأتى حتى جلس أو دنا منه حتى جلس. وفلم نر إلا خيراً "حتى" أصبحنا ما التشديد، حتى غاية سكتنا، أو غاية لم نره، وتقرير السؤال: ما التشديد النازل أعذاب؟ وقد انتظرنا ولم نر منه شيئاً، أم هو وحي ففيم نزل؟ فأجاب بأنه نزل في الدين أي في شأن الدين. ولقد تضايق على هذا العبد الصالح "حتى" فرجه الله، أي ما زلت أكبر وأسبح وتكبرون وتسبحون حتى فرجه الله، يعني إذا كان حال الصالح هذا فما بال غيره؟ وسيتم في ضم. و"حتى" يظل الرجل لا يدري، بفتح ظاء، كرر حتى خمس مرات الأولىوالأخيرتان بمعنى كي، والثانية والثالثة دخلتا على الشرطيتين، أي كي يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلى. ودعوة المظلوم "حتى" ينتصر، حتى في القرائن الأربعة بمعنى إلى، فدعوة المظلوم مستجابة إلى أن ينتصر أي ينتقم من ظالمه باللسان أو اليد، ودعوة الحاج حتى يفرغ من أعماله ويصدر إلى أهله، ودعوة المجاهد حتى يفرغ منه. وانصب قدماه في بطن الوادي "حتى" إذا صعدتا مشى، فيه حذف أي حتى إذا انصب قدماه في بطن الوادي رمل وسعى حتى إذا خرج منه وصعدتا مشي. وتجدون من خير الناس أشدهم له كراهية لهذا الأمر "حتى" يقع فيه، من خير ثاني مفعولي تجد، والأول أشد، ويجوز العكس بزيادة من، وحتى إما غاية تجدون أي فحين تقع فيه لا يكون خيرهم، وإما غاية أشد أي يكرهه حتى يقع فيه فح يعينه الله فلا يكرهه والأول الوجه. و"حتى" خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح قصير، أي حدثتكم أحاديث حتى خفت أن لا تفهموا ما حدثتكم، أو تنسوه لكثرة ما قلت، فاعقلوا إن المسيح- بكسر إن، لأنه كلام مبتدأ، قوله: قصير، لا ينافي وصفه بأنه أعظم رجل، لأنه لا يبعد كونه قصيراً بطيناً عظيم الخلقة، أو يغيره الله تعالى عند الخروج. و"حتى" لو كان في مقامي سمعه أهل السوق، أي كان يمد صوته ويتحرك بحيث لو كان في مقامي هذا سمعه أهل السوق، و"حتى" سقط خميصته بتحركه. وح: فوافقته "حتى" استيقظ، أي وافقته نائماً وتأنيت به حتى استيقظ.
(حَتَّى) الثَّوْب وهدب الكساء حتيا حتاه وَالشرَاب أَكثر من شربه فَهُوَ حات
(حَتَّى)حرف يكون جارا مثل إِلَى فِي انْتِهَاء الْغَايَة نَحْو {{حَتَّى مطلع الْفجْر}} وعاطفة للغاية نَحْو قدم الْحجَّاج حَتَّى المشاة وَيكون للابتداء يسْتَأْنف بِهِ مَا بعده كَقَوْل الشَّاعِر(فوا عجبا حَتَّى كُلَيْب تسبني)وَتَكون بِمَعْنى كي إِذا وَقعت قبل الْمُضَارع الْمُسْتَقْبل وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ}}وَقد ترد بِمَعْنى إِلَّا كَقَوْل الشَّاعِر(لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحةحَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل)وَقَوْلهمْ حتام أَصله حَتَّى مَا حذفت ألف مَا الاستفهامية تَخْفِيفًا وَمَعْنَاهُ إِلَى مَتى
(أحتى) الثَّوْب وهدب الكساء حتاه فَهُوَ محتي وَيُقَال فرس محتاة الْخلق موثقته
حتى: حَتِيَّ (انظر لين)، هو فيما يقول ابن البيطار (1: 283) هو الذي يؤكل من المقل المكي وداخله العجم.
حاتية: مكيالفي أوراكه وفي واد مزاب (كاريت جغرافية ص 207 - 208) (جاكو ص270).
حَتَّىحَتَّى حرف يجرّ به تارة كإلى، لكن يدخل الحدّ المذكور بعده في حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارة، نحو: أكلت السمكةحتىرأسها، ورأسها، ورأسها، قال تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف/ 35] ، وحَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر/ 5] .ويدخل على الفعل المضارع فينصب ويرفع، وفي كلّ واحد وجهان:فأحد وجهي النصب: إلى أن.والثاني: كي.وأحد وجهي الرفع أن يكون الفعل قبله ماضيا، نحو: مشيت حتى أدخل البصرة، أي:مشيت فدخلت البصرة.والثاني: يكون ما بعده حالا، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وقد قرئ: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة/ 214] ، بالنصب والرفع ، وحمل في كلّ واحدة من القراءتين على الوجهين. وقيل: إنّ ما بعد «حتى» يقتضي أن يكون بخلاف ما قبله، نحو قوله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء/ 43] ، وقد يجيء ولا يكون كذلك نحو ما روي:«إنّ الله تعالى لا يملّ حتى تملّوا» لم يقصد أن يثبت ملالا لله تعالى بعد ملالهم .
  • حَتَّى
حَتَّى:
مقصور، بلفظ حتّى من الحروف، من خط ابن مختار من خط الوزير المغربي أنه اسم موضع، قال نصر: حتّى من جبال عمان أو جبلة.
  • حتى
حتى

حَتِىٌّ The سَوِيق [or meal of what has been parched, or perhaps of what has been dried in the sun,] of the مُقْل [or fruit of the Theban palm, or cucifera Thebaïca]: (S, K:) or what is rasped, of the مُقْل, when it has become ripe, and is then eaten: (AHn, TA:) also, (K,) or as some say, (TA,) the [fruit called] مُقْل, (K, TA,) itself: (TA:) or what is bad thereof: or what is dry thereof. (K.) [See an ex. in a verse cited voce دَرٌّ.] b2: The refuse (ثُفْل) and skins (قُشُور) of dates: (K:) [like حَثًا and حَثًى.] b3: The scaly substances (قِشْر [app. meaning bits of the wax]) of honey, or of honey in the wax. (Th, K.) b4: I. q. دِمْنٌ [Dung of beasts, compacted together; &c.] (Az, K, TA. [In the CK, الزِّمَنُ is put for الدِّمْنُ.]) b5: The apparatus (مَتَاع) of the [kind of basket, made of palm-leaves, called] زَبِيل: or its عَرَق [meaning the suspensory, by which it is carried: see this word, which also means the “ suspensory ” of a water-skin]; (K;) its كِتَاف [or cord by which it is carried, being attached] in its شَفَة [or edge, lit. lip, and app., as is commonly the case, passed through a loop-shaped handle in the opposite edge, so that the two opposite edges are drawn together when it is carried: كِتَافٌ originally signifying “ a rope with which one's arms or hands are tied together behind his back ”]. (TA.) b6: The مَتَاع [or furniture and utensils, &c.,] of a house or tent. (TA.) b7: and What is bad of spun thread. (TA.) حَتَّى: see art. حت.
حَتَّى الظهرالجذر: ح ت ت ى

مثال: انْتَظَرته حتى الظهرالرأي: مرفوضةالسبب: لأن «حتّى» الجارة لا تجرّ إلا ما كان آخرًا أو متصلاً بالآخر، والظهر نصف النهار.

الصواب والرتبة: -انتظرته إلى الظهر [فصيحة]-انتظرته حتى الظهر [صحيحة] التعليق: «حتى» الجارة للاسم الظاهر الصريح تكون بمعنى «إلى» في انتهاء الغاية نحو: {{حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}} القدر/5، والغالب أن تجر الآخر من الأشياء، أو ما يتصل بالآخر مما يكون قبله مباشرة، ويجوز بقلة أن تجر ما ليس آخرًا ولا متصلاً بالآخر، وبهذا يصح المثال المرفوض.
حَتَّى يخرجونالجذر: ح ت ت ى

مثال: زَجَرتهم حتَّى يخرجون من هَذَا الموضعالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لإهمال عمل «حتى» الناصبة للمضارع.

الصواب والرتبة: -زجرتهم حتَّى يخرجوا من هذا الموضع [فصيحة] التعليق: «حَتَّى» تنصب الفعل المضارع بشرط أن يكون مستقبلاً، ومنه قوله تعالى: {{لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}} طه/91.
لَمْ يكد .. حتىالجذر: ك و د

مثال: لَمْ يكد الضيف يدخل حتى عانقه صاحب الدارالرأي: مرفوضةالسبب: لأن نفي «كادَ» نفي للمقاربة، وهذا يتعارض مع اقتران الحدثين.

الصواب والرتبة: -لم يكد الضيف يدخل حتى عانقه صاحب الدار [صحيحة] التعليق: أقرَّ مجمع اللغة المصري صحة هذا الأسلوب على معنى أنه بمجرد دخول الضيف عانقه صاحب الدار، وقد ورد هذا الأسلوب في مأثور الكلام، ففي حديث عمر بن الخطاب (ض) يوم الخندق: «ما كدت أُصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب».
وحتَّىالجذر: ح ت ت ى

مثال: وحَتَّى هذا الموضوع لا أوافق عليهالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: للجمع بين حرفي عطف.

الصواب والرتبة: -حَتَّى هذا الموضوع لا أوافق عليه [فصيحة]-وحَتَّى هذا الموضوع لا أوافق عليه [فصيحة] التعليق: منع بعض اللغويين الجمع بين حرفي عطف، ولكن «حتى» هنا ابتدائية، وهي حرف تبدأ بعده الجمل، فلا تحتاج إلى الواو قبلها، ومع هذا يجوز استخدام التعبير المرفوض إذا سبقه شيء آخر مرفوض، أو اعتبرت الواو زائدة.
وَحَتَّىالجذر: ح ت ت ى

مثال: أَكَلْت السمكة وحتَّى رأسهاالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: للجمع بين حرفي عطف.

الصواب والرتبة: -أكلْت السمكة حتَّى رأسها [فصيحة]-أكلْت السمكة ورأسها [فصيحة]-أكلْت السمكة وحتَّى رأسها [صحيحة] التعليق: منع بعض اللغويين الجمع بين حرفي العطف الواو، وحتَّى، ولكن يجوز استعمال التعبير المرفوض علىاعتبار أن الواو زائدة.

إِهْمَال عمل «حتى» الناصبة للمضارع

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

إِهْمَال عمل «حتى» الناصبة للمضارع

مثال: زَجَرتهم حَتَّى يخرجون من هَذَا الموضعالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لإهمال عمل «حتى» الناصبة للمضارع.

الصواب والرتبة: -زجرتهم حتَّى يخرجوا من هذا الموضع [فصيحة] التعليق: «حَتَّى» تنصب الفعل المضارع بشرط أن يكون مستقبلاً، ومنه قوله تعالى: {{لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}} طه/91.

اسْتِعْمَال حرف العطف «حتّى» بدون معطوف عليه

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال حرف العطف «حتّى» بدون معطوف عليهالأمثلة: 1 - تَرَك الخلاف أثره حتى على العلاقات الثقافية 2 - لَمْ يقبلوا حتى الصمت 3 - لَمْ يقرأ حتى الصحف 4 - لَمْ ينجح في أن يكون حتى عضوا في مجلس القرية 5 - يعترف بالهزيمة حتى المتعاطفون مع إسرائل 6 - ينفَضّ مجلس الأمن دون أن يعرض عليه حتى مشروع قرارالرأي: مرفوضةالسبب: لاستخدام حرف العطف «حتى» بدون معطوف عليه.

الصواب والرتبة:1 - ترك الخلاف أثره على كل شيء حتى على العلاقات الثقافية [فصيحة]-ترك الخلاف أثره حتى على العلاقات الثقافية [صحيحة]2 - لم يقبلوا شيئًا حتى الصمت [فصيحة]-لم يقبلوا حتى الصمت [صحيحة]3 - لم يقرأ المنشورات حتى الصحف [فصيحة]-لم يقرأ حتى الصحف [صحيحة]4 - لم ينجح في أن يكون شيئا حتى عضوا في مجلس القرية [فصيحة]-لم ينجح في أن يكون حتى عضوًا في مجلس القرية [صحيحة]5 - يعترف بالهزيمة كل الناس حتى المتعاطفون مع إسرائيل [فصيحة]-يعترف بالهزيمة حتى المتعاطفون مع إسرائيل [صحيحة]6 - ينفض مجلس الأمن دون أن يعرض عليه شيء حتى مشروع قرار [فصيحة]-ينفض مجلس الأمن دون أن يعرض عليه حتى مشروع قرار [صحيحة] التعليق: يرى مجمع اللغة المصريّ أنّ «حتَّى» في الاستعمالات المرفوضة عاطفة، والمعطوف عليه محذوف مفهوم من الكلام؛ ولذا يمكن تصحيحها.

حذف المعطوف عليه قبل «حتى»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

حذف المعطوف عليه قبل «حتى»

مثال: لَمْ يقرأ حتى الصحفالرأي: مرفوضةالسبب: لاستخدام حرف العطف «حتى» بدون معطوف عليه.

الصواب والرتبة: -لم يقرأ المنشورات حتى الصحف [فصيحة]-لم يقرأ حتى الصحف [صحيحة] التعليق: (انظر: استعمال حرف العطف بدون معطوف عليه).
رفع المضارع بعد «حتى»

مثال: زَجَرتهم حَتَّى يخرجون من هَذَا الموضعالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لإهمال عمل «حتى» الناصبة للمضارع.

الصواب والرتبة: -زجرتهم حتَّى يخرجوا من هذا الموضع [فصيحة] التعليق: (انظر: إهمال عمل «حتى» الناصبة للمضارع).

فتح همزة «إنّ» بعد «حتى»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

فتح همزة «إنّ» بعد «حتى»

مثال: اشْتَدَّ البرد حتى أَنَّ أوصالي ترتجفالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأن الفتح هنا يخالف القاعدة والمسموع عن العرب.

الصواب والرتبة: -اشتدَّ البرد حتى إنَّ أوصالي ترتجف [فصيحة] التعليق: فرَّقت المصادر النحوية بين «حتى» الابتدائية، و «حتَّى» العاطفة في حكم ضبط همزة «إنّ» بعدهما فذكروا أنها تكسر بعد الابتدائية، وتفتح بعد العاطفة أو الجارة، و «حَتَّى» في المثال المرفوض ابتدائية فيلزم كسر همزة «إنَّ» بعدها.

الضَّرْب والطَّعْن حَتَّى يسْقُط من ضربةِ واحدةِ أَو طعنةِ

المخصص

أَبُو عبيد ضَرَبَه ضَرْبَةً فَخَفأه صَرَعه أَبُو زيد جَفَأه وَخَفأه خَفْأ بِالْخَاءِ وَالْجِيم أَبُو عبيد جَحَلَه وجَعَفَه جَعْفاً فانْجَعَفَ وتَجَعَّفَ صَاحب الْعين ضَرَبَه فَقَحْطَبه كَذَلِك ابْن السّكيت ذَلِك كلُّه أَن يَطْعَنَه فيَقْلَعَهُ من الأَصْل وَكَذَلِكَ قَعَرَه أَبُو عبيد ضَرَبَه ضَرْبَةً فَجَأفَه وكَوَّرَه وجَفَلَه وجَعْفَلَه وقَحْزَنَه وجَحْدَلَهُ كلُّه صَرَعَه ابْن دُرَيْد الجَحْمَلَمَة كالجَحْدَلَة وَأنْشد
(وغَادَرُوا مُلُوكَهم مُجَحْلَمَة ...
)


أَبُو عبيد جَزَّرَه صَرَعه وَقد تجوَّر مِنْهَا وتصوَّرَ سقَط والآيِهاطُ أَن يَصْرَعَهُ صَرْعة لَا يقوم مِنْهَا وَقَالَ ضَرَبَه فَوَقَطَه صَرَعَه أَبُو زيد رجُل مَوْقُوط وَوَقِيط وَكَذَلِكَ الأْنَثَى بِغَيْر هَاء وَالْجمع وَقْطَى وَوَقَاطَى صَاحب الْعين وَقَطْتَهُ إِذا قَلَبته على رأسِه ورفَعْت رجلَيْه مجمُوعَتَين وضَرَبْتَهُما بغهْرٍ سَبْعَ مَرَّات وَذَلِكَ مِمَّا يُتَدَاوى بِهِ ابْن دُرَيْد ضَرَبَه فَاقَطَه ووَقَذَه غُشِيَ عَلَيْهِ أَبُو عبيد قَرْطَبَه صَرَعَه ابْن دُرَيْد القَرْطَبَة أَن يَزْلَق الرجُلُ فيَقَع على فَقَار ظَهْرِه أَبُو عبيد قَطَّره أَلْقاه على أحدِ قُطْريْه ابْن دُرَيْد تَقَطَّر هُوَ رَمَى بنفْسه من عُلُو أَبُو عبيد أَتْكَأَه ألْقاه على هَيْئَة المتَّكِىء قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَتْكَأَه ألْقاه على جَنْبه الأيْسَر التَّاء مُبْدَلَة من الْوَاو أَبُو عبيد نَكَتَه ألْقاه على رأسِهِ ووقَع مُنْتَكِئاً وَقَالَ سَنّه ألْقاه على وَجْهه صَاحب الْعين الكَيْت صَرْع الشَّيْء على وَجْهه كَبَتَهم الله فانْكَبَتُوا وَقَالَ بَطَحه يَبْطَحه بَسَطَه ابْن السّكيت طَعَنه فَبَطَحَهُ إِذا وقَعَ لوَجْهِه أَبُو عبيد فَإِن امَتدَّ قَالَ طَحَا مِنْهَا وَأنْشد
(من الأَنس الطَّاحي عليكَ العَرَمْرَم ...
)


وَمِنْه قيل طَحَابَه قَلْبُه أَي ذَهَبَ بِهِ فِي كلَّ شيءِ الأصمعين يَطْحَى طَحْياً وَطحْواً ابْن دُرَيْد ضربه حَتَّى طَحَّى أَي انْبَسَط والطَّحُّ البَسْط طَحَّه يَطُحُّه طَحَّا وانْطَحَّ صَاحب الْعين الطَّحُّ أَن تَضَعَ عَقِبَكَ على شيءٍ فَتَسْحَجَه غَيره ضربه حَتَّى افْعَنْصَرأي تَقَاصَر إِلَى الأَرْض وَقَالَ ضَرَبه فَهَدَر سَحْره أَي أَسْقَطَه ابْن دُرَيْد تَلَلْته أَتُلُّه تَلاَّ صَرَعْتُه وقومُ تَلَّى وكلَّ شَيْء ألْقَيْتَه على الأَرْض مِمَّا لَهُ جُهَّة فقد تَلَلْته أَبُو عبيد أَسْبَطَ امتَدَّ وانْبَسَطَ من الضَّرْب ابْن دُرَيْد ضَرَبْتُه حَتَّى أَنْهَج وانْسَدَح وانْسَدَخ أَي انْبَسَطَ وألْقَى نَفْسَه أَبُو عبيد تَدَرْدَى تَدَهْدَى ابْن السّكيت طَعَنَهُ فأذْراه عَن ظَهْرِ فَرَسِه وأَرْماه أَي ألْقَاه ابْن دُرَيْد طَعَنه فأنَثَره ألْقاه على نَثْرته وطَعَنَه فَعَفَّره أَي ألْقاه على عَفَر الأَرْض وَعَفْرها وَهُوَ ظاهِرُ تُرَابِها وَقَالَ كَوَّسته على رأسِه قَلَبْتُه وكاسَ هُوَ وَيُقَال ضربَه حَتَّى بَلْطَحَ أَي ضربَ بنَفْسِه الأرضَ وَقَالَ ضَربه فَسَقْلبه اي صَرَعه ابْن الْأَعرَابِي كَرْدَحَه وكَرْتَحَه كَذَلِك ابْن دُرَيْد ضرَبهُ فتَرَهْوك وَتَسَهْوَكَ أيتَدَحَرَجَ ويه السَّهْوَكَة والرَّهْوَكة ابْن السّكيت طعنه فَسَلَقه اي ألْقاه على ظَهره السيرافي سَلْقاه كَذَلِك وَقد اسْلَنْقَى هُوَ وضرَبهُ فَقَعره أَي صَرَعَه أَبُو عبيد ضربه فَقَعره أَي صَرَعه أَبُو عبيد ضربه فَجَعَبه صَرَعَه السيرافي يَجْعَبه جَعْباً وجَعَّبَهُ وجَعْبَاه وَتَجَعَّبَ وتَجَعْبَى وَبِهَذَا حَكَمَ سِيبَوَيْهٍ أَن الْيَاء فِي جَعْبيته زَائِدَة صَاحب الْعين سَطَحه يَسْطَحُه سَطْحاً أضجعه فبسطه على الأَرْض ورجُل مَسْطُوح وسَطِيح قَتِيل ابْن دُرَيْد ضَرَبه فاجْلَخَبَّ سَقَط

أَبُو عبيد أخذْتُه فَحَضَجْتُ بِهِ الأرضَ أَي ضَرَبْتُ وَقد انْحَضَجَ هُوَ كَذَلِك لَطَخْتُ بِهِ ألْطَح وَحَلأَت وَقد تقدم ذَلِك فِي الضَّرْب بالسَّوْط وَقَالَ ضَفَنْت بِهِ الأرضَ ووَأَصْت ومَحَصْت وَوَجَنْت ومَرَّنت ضَرَبْتُها بِهِ أَبُو زيد مَرَئْت بِهِ الأَرْض كَذَلِك ابْن دُرَيْد أخَذَه فَفَرْدَسَه ضَرَب بِهِ الأرضَ وَقَالَ جَفَأْت بِهِ الأَرْض كَذَلِك صَاحب الْعين أجْفَأْت بِهِ الأرضَ إِذا دَفَعْته وطَرَحْته وأجْفَأْته احتَمَلْته وضربتُ بِهِ الأرضَ أَبُو زيد لَحَب بِهِ الأرضَ أَي صَرَعه وحَطَأها بِهِ حَطْأ كَذَلِك الْكسَائي لَهَطْت بِهِ الأرضَ ضَرَبْتُها بِهِ وَوَهَصَه ضَرَب بِهِ الأرضَ وَفِي الحَدِيث أَن آدَمَ عَليه السَّلَام حِينَ أُهْبِطَ من الجَنَّةِ وَهَصَه اللَّهُ إِلَى الأرضِ أَبُو عبيد حَدَست بالناقةِ أَحْدِسُها حَدْساً أنَخْتها صَاحب الْعين جَلَدت بِهِ الأرضَ ضَرَبْتُها بِهِ وَقَالَ لَبَط بِهِ الأرضَ يَلْبِط لَبْطاً صَرَعه صَرْعاَ عَنِيفاً

الضَّرْب حَتَّى القَّتْ أَو مقارَبتِه

المخصص

أَبُو عبيد ضَرَبْته فَمَا أفْرَجَتْ عَنهُ حتَّى قَتَلْته اي مَا أقْلَعَت ابْن السّكيت مَا أفْرَش عَنهُ وَمَا أنْقَر أَي مَا اقْلَع ويروَى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ مَا كَانَ اللهُ لِيُنْقِر عَن قَاتل المُؤمنِ أَي يُقلع وَأنْشد

(وَمَا أَنا عَن أَعْدَاءِ قَوْمِي بِمُنْقِر ...
)


ابْن السّكيت أفلَت فلانُ من فُلان عَوَذا إِذا ضربه وَهُوَ يُريد قَتْله فَلم يَقْتُله أَو خَوّفه وَلم يَضْرِبه صَاحب الْعين بَكَّ عنُقه يَبُكُّه بَكَّا دَقَّها أَبُو حَاتِم ضَرَبْته حَتَّى أَسْكَتَت حَرَكَتُه أَي سَكَنَت

غير وَاحِد مَاء بَرْدٌ وبَرُودٌ وبارِدٌ بَيِّنُ البَرْدِ والبُرُودَةِ وَقد بَرَدَ وبَرَّدْتُهُ جعَلْتُه بارِداً أَبُو عبيد سَقَيْتُهُ شربةً بَرَدَتْ فُؤَادَهُ وأَبْرَدْتُ لَهُ سَقَيْتُهُ بارِداً الْأَصْمَعِي أَبْرَدْتُ الماءَ جِئْتُ بِهِ بارِداً وبَرَدْتُ الماءَ أَبْرُدُه خَلَطْتُهُ بِثَلْجٍ أوْ غَيره حَتَّى بَرَدَ أَبُو عبيد بَرَّدْتُهُ جَعَلْتُه بارِداً أَبُو حَاتِم وَمن قَالَ بَرَّدْتُ فِي معنى سَخَّنْتُ فقد أَخطَأ وَكَانَ قُطْربٌ قَالَ هَذَا وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا قَالَه لبيتٍ سَمِعَهُ وَلم يَعْرِف مَعْنَاهُ

المخصص

(عَافَتِ الماءَ فِي الشِّتَاءِ فقُلْنَا ...
بَرِّدِيهِ تُصَادِ فِيهِ سَخِينَا)

وَمعنى هَذَا بلْ رِدِيه فأَدْغَمَ أَي رِدِي ذَلِك الماءَ فَلَمَّا سَمِع قُطْرِبٌ تصاد فِيهِ سخينا ظَنَّ أَن بَرَّدْتُ وسَخَّنْتُ شَيْء وَاحِد ابْن السّكيت ابْتَرَدْتُ بالماءِ صَبَبْتُ على رَأْسِي مَاء بارِداً واقْتَرَرْتُ بِهِ كَذَلِك قَالَ ابْن جني وَقَوله
(اِلاَّعَراداً عردَا ...
وصِلِّيَاناً بَرِداً)

أَرَادَ عارِداً وبارِداً الْأَصْمَعِي البَرَّادة الإناءُ الَّذِي يُبَرَّدُ فِيهِ الماءُ أَبُو عبيد القَرُور الماءُ البارِدُ يُغْتَسَلُ بِهِ والشُّنَانُ الماءُ الْبَارِد وَأنْشد
(بماءٍ شُنَانٍ زَعْزَعَتْ مَتْنَه الصَّبا ...
وجادَت عَلَيْهِ دِيمَةٌ بَعْدَ وَابِل)

والشَّبِمُ البارِدُ ابْن السّكيت الشَّبَمُ البَرْدُ غَيره القَرْقَفُ المَاء الْبَارِد وَأنْشد وَلَا زَادَ إِلاَّ فَضْلَتَانِ سُلافةٌ ...
وأَبْيَضُ من ماءِ الغَمَامَةِ قَرْقَفُ)
أَبُو عبيد السُّلاسِلُ الماءُ الْبَارِد وَقيل هُوَ السَّهْلُ فِي الحَلْقِ ابْن السّكيت هُوَ السَّلْسَلُ والسَّلْسَالُ ابْن جني وَهُوَ اللَّسْلَسُ واللُّسالِسُ أَبُو حَاتِم مَاء مَثْلُوجٌ مَبْرُود بثلج وَأنْشد
(لَو ذُقْتَ فاها بَعْدَ المُدْلِجِ ...
والصُّبْحُ لَمَّا هَمَّ بالتَّبَلُّجِ)


(قُلْتَ جَنَى النَّحْل بماءِ الحَشْرَجِ ...
يُخَالُ مَثْلُوجاً وإنْ لَمْ يُثْلَجِ)

ابْن دُرَيْد ماءٌ بَيُّوتٌ إِذا باتَ لَيْلَة وَقَالَ سَخُنَ المَاء سخانَةً وسُخُوناً وسَخَناً وصَخُنَ كَذَلِك أَبُو عبيد الحَمِيم المَاء الحارُّ والاستِحْمَامُ الاغْتِسَالُ بأَيِّ ماءٍ كَانَ ابْن السّكيت الحَمِيمَةُ الماءُ يُسَخَّنُ يُقَال أَحِمُّوا لنا الماءَ وَقد تقدَّم أَنه المَحْضُ إِذا سُخِّنَ الْأَصْمَعِي والحَمَّام مُشْتَقٌّ من الحَمِيم وَهُوَ أحدُ مَا جُمِعَ من الْمُذكر بِالْألف وَالتَّاء وَيُقَال هـ الدِّيماسُ والدَّيْماسُ أَبُو عبيد الماءُ المُبَحْزَجُ المُسَخَّنُ وَأنْشد

(كَأَنَّ على أَكْسَائِهَا من لُغّامِهِ ...
وَخِيفَةَ خِطْمِيٍّ بماءٍ مُبَحْزَجِ)

وَكَذَلِكَ المُوغَرُ وَفِي الْمثل
كَرِهَت الخَنَازيرُ الحَميم المُوغَرَ
ابْن دُرَيْد أَوْغَرَ القومُ الخِنْزِير وَهُوَ أَن يُغْلَى لَهُ المَاء ويُسْمَطَ وَهُوَ حَيٌّ ثمَّ يُذْبَح صَاحب الْعين السَّخِيمُ الماءُ المُسَخَّنُ وَقَالَ كَسَرْتُ من حَرِّ الماءِ وبَرْدِهِ أَكْسِرُ كَسْراً فَتَّرْتُ السيرافي مَاء فاتورٌ فاتِرٌ وَقد مثَّل بِهِ سِيبَوَيْهٍ

حكم بن عمرو الأقرع الغفاري قال أبو القاسم: رأيت في " كتاب محمد بن سعد " الحكم بن عمرو بن مجدع بن حزيم بن الحارث بن ثعلبة بن مليل بن ضمرة بن بكر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى البصرة ثم ولاه زياد بن أبي سفيان خراسان فخرج إليها فلم يزل واليا عليها حتى مات سنة خمسين.

معجم الصحابة للبغوي

[من اسمه الحكم]

حكم بن عمرو الأقرع الغفاري
قال أبو القاسم: رأيت في " كتاب محمد بن سعد " الحكم بن عمرو بن مجدع بن حزيم بن الحارث // 110 // بن ثعلبة بن مليل بن [ضمرة] بن بكر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم [حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى البصرة] ثم ولاه زياد بن أبي سفيان خراسان فخرج إليها فلم يزل واليا عليها حتى مات سنة خمسين.
477 - حدثنا أبو خيثمة نا يحيى بن سعيد عن التيمي عن أبي تميمة عن دلجة بن قيس: أن الحكم الغفاري قال لرجل أو قال له رجل تذكر يوم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النقير أو قال: المقير أو أحدهما والدبا والحنتم؟ قال: نعم، قال الآخر: وأنا سمعته يقول ذلك.

‏<br> الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسلمًا ولم يره، روى شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قَالَ: قضى فينا معاذ بن جبل باليمن، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حتّى في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الأخت النصف.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


وروى شعبة أيضًا عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد مثله، ولم يقل: ورسول الله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ حي والأسود بن يزيد هذا هو صاحب ابن مسعود، أدرك الجاهلية وهو معدود في كبار التابعين من الكوفيين روى عن أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، وكان فاضلا عابدًا ورعًا سكن الكوفة

. باب أُسيد

له صحبة، حديثه عند ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى يم الجيشانيّ، قال: كان حي الليثي- وكان من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ - إذا مالت الشمس صلى الظهر في بيته ثم راح فإن أدرك الظهر في المسجد صلى معهم.

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - ثقافات الجماعات اليهودية - التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

تربية يهودية وتربويون يهود
‏Jewish Education and Educators
«تربية يهودية» مُصطلَح يفترض وجود شعب يهودي ذي تاريخ مشترك ومصير مشترك، ومن ثم يصبح له نوع خاص ومتميِّز من التربية. إلا أن هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق التاريخية، ومن ثم فمقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية. فمن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا شعباً واحداً باستثاء فترة قصيرة من تاريخهم، أي منذ استقرارهم في كنعان (فلسطين) في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى تهجيرهم إلى بابل في حوالي القرن السادس قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة، كوَّن العبرانيون شعباً أو قوماً له سمات إثنية محدَّدة وديانة مرتبطة بالمكان (فلسطين) ويجمعه إطار ثقافي واحد ويتحدث لغة مشتركة. ورغم أن العبرانيين احتفظوا ببعض السمات الإثنية بعد العودة إلى فلسطين، إلا أننا نجد أن انتشارهم في البلدان المختلفة بدأ أيضاً خلال هذه الفترة، وظهرت تجمعات يهودية كبيرة في كل من بابل والإسكندرية لها ظروفها الثقافية المحددة وحركياتها المختلفة عن حركيات العبرانيين في فلسطين، ومن ثم لها مؤسساتها التربوية التي تلبي احتياجاتها باعتبارها أقلية لها أوضاعها الثقافية والحضارية المتعينة. ولهذا، فيمكننا أن نتحدث عن «التربية العبرانية» أو عن «التربية عند العبرانيين» . وقد قسمنا هذه المرحلة إلى فترتين: قبل التهجير إلى بابل، وبعد العودة من بابل، ذلك أنه رغم وجود وحدة ثقافية تسم التشكيل الحضاري العبراني إلا أن ثمة تحولاً جوهرياً حدث للعبرانيين عند تهجيرهم إلى بابل، وهو تحول انعكس على مؤسساتهم التربوية المدرسية وغير المدرسية. فقد أوجد العبرانيون اليهود منذ عودتهم من بابل، وتحت تأثير تجربة التهجير والمعيشة في إطار الحضارة البابلية، وحتى سقوط الهيكل عام 70م، المؤسسات التربوية الثلاث اللازمة لتطوير ونقل ونشر الديانة اليهودية، وهي: تنظيم الكتبة والحلقات التلمودية، والمعبد اليهودي، ثم أخيراً المدرسة الأولية التي ظهرت تحت

التأثير الهيليني وكرد فعل له. وخلال هذه الفترة، حاول سيمون بن شيتا (75 ق. م) نشر التعليم بين الشباب، ثم جاء يوشع بن جمالا (65 ق. م) بقرار جعل التعليم إجبارياً وعممه مجاناً.
ومع سقوط الهيكل عام 70م على يد تيتوس، أصبح من المستحيل التحدث عن «الشعب العبراني» أو عن «الثقافة العبرانية» ، ومن ثم أصبح من المستحيل الحديث عن «التربية العبرانية» . ونظراً لتنوع أحوال وتجارب واحتياجات الجماعات اليهودية، لا يمكن الحديث عن «تربية يهودية» باعتبارها كياناً فكرياً واحداً أو عن «مدرسة يهودية» باعتبارها نمطاً مؤسسياً متكرراً، وإنما يمكن الحديث عن «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الهيليني» أو «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب» ... وهكذا، أي بنسبة الجماعة اليهودية إلى مكان وزمان محدَّدين. وبذلك نكون قد نحتنا مُصطلَحات وصُغنا مقولات تحليلية لها مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية.
ولتوضيح هذه النقطة يمكن أن نشير على سبيل المثال إلى يهود الإسكندرية في العصر الهيليني الذين تأغرقوا بشكل سريع وانضم أطفالهم وشبابهم إلى المدارس الهيلينية، بل وأقاموا صلواتهم وتعلموا مبادئ دينهم باللغة اليونانية من خلال الترجمة السبعينية. أما أعضاء الجماعات اليهودية في بابل، فتبعت تربيتهم نمطاً مختلفاً نتيجة تكوُّن التشكيلات الإمبراطورية المختلفة في هذه المنطقة، فأرسل أعضاء الجماعات اليهودية أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية خاصة بهم، كما قدمت الحلقات التلمودية في بابل فيما بعد إسهامات في تطوير التراث الديني اليهودي المتمثل في التلمود البابلي.

وبمجيء العصور الوسطى في الغرب والتشكيل الإسلامي في الشرق، أصبحت الحضارات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها أساساً حضارات دينية توحيدية حيث ساد الإسلام الشرق العربي والمناطق المجاورة والأندلس وسادت المسيحية أوربا. وقد مثل الدين وعلومه المختلفة محوراً أساسياً للدراسة في المؤسسات التعليمية لشعوب هذه البلدان. ولم يختلف الوضع بالنسبة إلى الجماعات اليهودية التي عاشت في هذه المناطق، فكوَّنت العقيدة اليهودية وكتبها المقدَّسة المادة الأساسية التعليمية للجماعات اليهودية. ومع هذا، نجد أن مناهج التعليم وأساليب التدريس اختلفت من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى طبقاً للأوضاع الثقافية والحضارية للشعوب التي عاشت بينها وطبقاً لوضع الجماعة نفسها. ففي أوربا حيث تدنت الأوضاع الثقافية للبلدان الأوربية، ودعمت نظم الإدارة الذاتية عزلة الجماعات اليهودية الثقافية، تدنى مستواهم الثقافي وتخلف مستواهم التعليمي، واقتصرت مؤسساتهم التعليمية على تدريس الكتب الدينية، بل على تأكيد التوافه من أمور دينهم واستخدام أسلوب من الجدل العقيم في التدريس، كما تخلفوا عن تحصيل العلوم والمعارف التي بدأت تأخذ طريقها إلى الحضارة الأوربية منذ عصر النهضة. أما في بلدان العالم الإسلامي، فقد ازدهرت ثقافة الجماعات اليهودية تحت تأثير الحضارة الإسلامية وشارك أعضاؤها في النهضة الثقافية والعلمية. ولكونهم أهل ذمة، سُمح لهم بكثير من الحريات وأُحْسنَت معاملتهم اجتماعياً وثقافياً، ومن ثم فإن عزلتهم لم تكن على نحو ما كانت عليه عزلة الجماعات اليهودية في بلدان أوربا. وبطبيعة الحال، أثرت هذه الأوضاع في ثقافة الجماعات اليهودية ومؤسساتهم التعليمية. ورغم أن الدراسات الدينية احتلت مركزاً مرموقاً فيها، إلا أن المنهج التعليمي لم يقتصر عليها بل اتسع ليشمل كثيراً من المعارف والعلوم، فاحتوى على اللغة العربية والقواعد والشعر والمنطق والبلاغة

والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والميتافيزيقا. كما ظهر بين الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي أدب مكتوب عن التربية والتعليم أخذ شكل فصول من كتب أو وصايا أو تعليقات. وكان من أهم المفكرين الذين كتبوا عن التربية يوسف بن عكنين (شمال أفريقيا) ، ويهودا بن عباس في الأندلس. ولم تختلف مناهج الدراسة كثيراً بين الجماعات اليهودية في كل من إيطاليا وجنوب فرنسا.
وإذا كان التعليم الديني قد شكَّل محوراً رئيسياً وعنصراً مشتركاً بين مؤسسات التعليم للجماعات اليهودية خلال العصور الوسطى في الغرب وفي العصر الإسلامي الأول والثاني في العالم الإسلامي، فإن هذا العنصر يختفي تدريجياً ويزداد التنوع وعدم التجانس في تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر حيث بدأت المجتمعات الأوربية تدخل مرحلة تصاعدت فيها تدريجياً وتيرة التصنيع والتحديث، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية التي طالبت أعضاء الجماعات اليهودية بأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأن يدينوا لها وحدها بالولاء. وأدرك حكام أوربا المستنيرون أن تحديث وعلمنة تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية هو أنجح الوسائل لتحقيق هذا الهدف. ففتحت أمام أعضاء الجماعات اليهودية أبواب التعليم الحكومي العلماني، كما سُمح لهم بتأسيس مدارس علمانية خاصة بهم، الأمر الذي دفع المثقفين اليهود من دعاة حركة التنوير (هسكلاه) إلى تحديث التعليم اليهودي التقليدي، فقاموا بتأسيس عدد من المدارس اليهودية التي جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، كما شجعوا أعضاء الجماعات اليهودية على إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية، وكان أهم دعاة هذا الاتجاه موسى مندلسون ونفتالي هرتز فيسلي وغيرهما. ومنذ ذلك الوقت، تزايد إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على التعليم الحكومي العلماني، وكذلك إقبالهم على المدارس الخاصة بهم، كما تم

تهميش التعليم الديني والاقتصار على المدارس التكميلية التي كان يحضرها التلاميذ بعد حضورهم المدارس الحكومية. وحتى المدارس التلمودية العليا (يشيفا) نفسها (التي تُخرِّج الحاخامات والمتخصصين في مجال الدين) ، هبت عليها هي الأخرى رياح التطوير والتحديث. ومع هذا، يُلاحَظ أنه، داخل التشكيل الحضاري الأوربي، اتخذت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية أشكالاً مختلفة. ففي أوربا الغربية، تمت عملية التحديث دون مقاومة. أما في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية، فإن عملية تحديث التعليم حققت نجاحاً في بدايتها، إلا أن تعثُّر عملية التحديث (في المجتمع ككل) في نهايات القرن التاسع عشر أدَّى إلى تزايد اغتراب أعضاء الجماعات اليهودية وتزايد انخراطهم في الحركات الثورية والعمالية اليهودية والصهيونية التي أشرفت على إقامة سلسلة من المؤسسات التعليمية الخاصة بها والتي اتسمت بتوجهها العلماني الإثني ـ اليديشي أو الصهيوني. غير أن قيام الثورة البلشفية وبناء الدولة السوفيتية أنهى هذا الوضع في روسيا. أما في بولندا وسائر بلدان أوربا الشرقية، فقد تزايدت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الأمريكتين.
وإذا نظرنا إلى الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، وجدنا أن تطوُّر مؤسساتهم التعليمية اتبع نمطاً مغايراً عن مثيلاتها في مجتمعات أوربا حيث تمت عملية تحديثها في مرحلة متأخرة (وبعد وصول القوات الغربية الإمبريالية) ، ونجم عن ذلك تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وإلى مادة استيطانية تابعة للغرب. وقد اتبع تحديث المؤسسات التعليمية اليهودية في الهند النمط نفسه الذي اتبعه في العالم الإسلامي. أما الجماعات اليهودية في إثيوبيا فقد اتبعت نمطاً مخالفاً للأنماط السالفة الذكر.

وفي المجتمعات الاستيطانية، تأثرت تربية وتعليم الجماعات اليهودية بطبيعة المجتمع الاستيطاني نفسه. ففي الولايات المتحدة، التي اتسمت باقتصادها الحر المفتوح وتربيتها العلمانية ونظامها التعليمي الحكومي المجاني، تمت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية بسهولة كما تم إكسابهم الهوية الأمريكية. أما في بلاد أمريكا اللاتينية فقد اتبع تطوير تربية وتعليم الجماعات اليهودية شكلاً مخالفاً. إذ اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، فكثُر عدد مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال تعليماً يهودياً بعيداً عن تأثير المدارس العامة ذات التعليم الكاثوليكي. واتسمت هذه المدارس بتوجهها الإثني الصهيوني. ولم يختلف نمط تربية وتعليم الجماعات اليهودية في كندا وجنوب أفريقيا كثيراً عن نمط أمريكا اللاتينية.

ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية المختلفة لم تُقدِّم فلاسفة أو مفكرين تربويين لهم ثقلهم الفكري العالمي في مجال التربية، وذلك رغم إنجازات بعض أعضاء الجماعات اليهودية في المجالات الأخرى. فمعظم المفكرين اليهود الذين كتبوا عن التربية اتبعوا النظريات والاتجاهات الفكرية التربوية أو عالجوا المشكلات التربوية التي تمس الأوضاع التربوية القائمة في المجتمعات التي ينتمون إليها، ومن الصعب وصف إنجازاتهم الفكرية بأنها ذات مضمون يهودي. فجيكوب بريير تربوي فرنسي، وهو أول من اهتم بتعليم الصم البكم، وجوزيف فيرتيمر تربوي نمساوي اتبع الاهتمام الفكري السائد في أوربا آنذاك بطفل ما قبل المدرسة وأسس دور حضانة في النمسا، بينما نجد يانوس كورساك البولندي أبدى اهتماماً بالأطفال الأيتام وأنشأ لهم ملجأً وكتب عن كيفية فهم الطفل ومعاملته. وفي الولايات المتحدة، أبدى أبراهام فلكسنر اهتماماً بتعليم الطب وقدَّم تقييماً لكليات الطب في الأمريكتين وكندا ثم في أوربا. ويُعَدُّ كل من لورانس كرين وإسحق بركسون من أتباع التربية التقدمية. أما إسرائيل شيفلر، فهو رائد من رواد مدرسة التحليل الفلسفي في التربية.
التربية والتعليم عند العبرانيين قبل التهجير إلى بابل
‏Education of the Hebrews Before the Transfer to Babylonia
كانت التربية الدينية والتربية القومية عند العبرانيين تشبهان تمام الشبه مثيلتيهما في المجتمعات القديمة التي كانت تسودها عقائد ذات طابع حلولي وثني واضح حيث يتحد فيه الإله القومي بأرضه وشعبه. وتَصدُر العقيدة اليهودية عن عدد من المفاهيم المحورية ربطت بين الإله والشعب، مثل: مفهوم الإله القومي، ومفهوم الشعب المختار، ومفهوم العهد بين الإله والشعب. ويمكن تقسيم هذه المرحلة من تاريخ التربية عند العبرانيين إلى فترتين أساسيتين:

أ) فترة ما قبل التهجير إلى بابل، وهي أيضاً الفترة التي استقر فيها العبرانيون في كنعان وأسسوا مملكتهم العبرانية (1150 ـ 586 ق. م) .
ب) فترة ما بعد التهجير (من 586 ـ حتى القرن الثاني قبل الميلاد) .
وسنتناول في هذا المدخل الفترة الأولى وحسب، على أن نتناول الفترة الثانية (بعد التهجير) في مدخل خاص.
اتَّسمت فترة ما قبل التهجير بتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية صاحبت انتقال العبرانيين من حياة البداوة والترحال إلى حياة الاستقرار. فعلى الصعيد الاقتصادي، تحول العبرانيون من قبائل تعيش على الرعي أساساً إلى شعب مستقر يعمل بالزراعة وبعض الحرف، ويعيش داخل مدن محصَّنة، ونمت التجارة وزاد ثراء بعض أعضاء المجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور طبقة جديدة من الأغنياء وظهور هوة سحيقة بينهم وبين الفقراء. أما على الصعيد السياسي، فقد تحول العبرانيون من النظام القبلي إلى النظام الملكي إذ أسَّسوا الدولة العبرانية المتحدة التي يحكمها ملك يساعده عدد من الموظفين مثل: كاتب الملك والحاجب وعامل الخراج وقائد الجيش، كما كان الكهنة يُعتبَرون موظفين تابعين لبلاط الملك. أما على الصعيد الديني، فقد قام الكهنة واللاويون بالحفاظ على شريعة يهوه خلال الفترة المذكورة، كما ظهر الأنبياء في عصر الملوك.
وجاءت حركة الأنبياء لتكبح وتوقف عملية الاندماج التدريجي في العبادات الكنعانية، ولتهيب بالمؤمنين أن يعودوا إلى التقاليد الدينية القديمة لتكفل بذلك استمرار دين يهوه وتثبت دعائمه. وخلال هذه الفترة، كانت التربية عند العبرانيين شبيهة بالتربية السائدة في المجتمعات البسيطة. وليست هناك أدلة على أن العبرانيين عرفوا المدارس كمؤسسات تربوية مستقلة، إذ كانت التربية عند معظم الناس مرادفة للحياة نفسها. ومع هذا، وُجد نوع من التعليم النظامي لدى بعض فئات المجتمع التي احتاجت إعداداً خاصاً.

وشهدت هذه الفترة ظهور مؤسستين مهمتين لعبتا دوراً مهماً في نقل التراث الثقافي وتشكيل العبرانيين دينياً وقومياً، وكان لهما دور تربوي محدَّد، وهما: الأسرة والمؤسسة الدينية.
1 ـ الأسرة:
كانت الأسرة، ضمن القبيلة، المؤسسة الاجتماعية الأساسية المسئولة عن نقل تراث الجماعة وخبراتها إلى النشء. ويبدو أن الروابط الأسرية بين القبائل العبرانية كانت من القوة بحيث احتوت يهوه نفسه، الذي كان العبرانيون ينظرون إليه باعتباره أبو الشعب، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم أولاده فيدينون له بالولاء والطاعة.
وكان يُنظَر إلى الأب العبراني باعتباره الملك المطلق في رئاسة العائلة. فالتوراة كانت تعطيه حق بيع زوجته وأولاده بيع العبيد، كما أن سفر التثنية يعطي الوالدين حق معاقبة الابن بالرجم أمام مجلس من الكبار إذا فشل العقاب في إصلاحه.
وتمت عملية نقل التراث الثقافي عن طريق مشاركة الصغار في مناشط الحياة اليومية والطقوس الدينية. ومن الصعب، خلال هذه الفترة، التفرقة بين التربية الدينية وبين التدريب على مناشط الحياة الأخرى. فلم يوجد وجه واحد من أوجه الحياة ولا نشاط من أنشطتها إلا وكانت الشعائر الدينية جزءاً منه. فالرقص والغناء مثلاً كانا جزءاً من الشعائر الدينية وطريقة للاحتفال. كذلك كانت مناشط الحياة المختلفة مثل اجتماع الأسرة أو القبيلة، وجز صوف الخرفان، وجمع المحاصيل، ومولد الطفل، والذهاب إلى الحرب، وتغيُّر الفصول، مناسبات دينية. ومن خلال ملاحظة الطفل لهذه المناسبات، والمساعدة والمشاركة فيها، والاستماع إلى الشرح الذي يصاحبها، تلقَّى الطفل تدريبه على كثير من شعائر الدين.

وحدَّدت ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية نوعية التربية التي يتلقاها الصغار. ففي بيئة رعوية، تعلم الصغار كيف يصبحون رعاة. وبعد أن استقر العبرانيون في كنعان وتحولوا إلى حياة الاستقرار والزراعة، أصبح من الضروري تعليم الصغار كيف يصبحون مزارعين، ومن ثم تم تدريبهم على الزراعة وتربية المواشي والصيد والتعدين والبناء والنجارة وصنع الأدوات الخشبية والمعدنية والغزل والنسيج وعمل الخيام وصناعة الفخار. كما تم تدريب البنات في شئون المنزل على أيدي أمهاتهن.
وحتى قيام المملكة العبرانية المتحدة وتأسيس جيش منظم في عهد الملك داود، كان على الأسرة أن تُعلِّم الصغار كيفية استخدام الأدوات الحربية المعروفة آنذاك. فالحرب بين العبرانين والجماعات الأخرى، أثناء تجوالهم واستقرارهم في فلسطين، جعلت تدريب النشء على القتال ضرورة حيوية. وقد تخصَّصت بعض القبائل في استخدام أدوات حربية معيَّنة، فقبيلة بنيامين مثلاً عُرفت بمهارتها في استخدام السيف والمقلاع، بينما عُرفت قبيلة يهودا باستخدام الرمح. ومن المحتمل أن الملك داود استعان بقدرات هذه القبائل في تكوين جيشه النظامي. كما يبدو أن الألعاب الرياضية والجري والرماية كوَّنت جزءاً مهماً من تربية الصغار. كذلك قامت بعض الأسر بتدريب صغارها على الرقص والغناء واللعب على الناي بوصفها جزءاً من الاحتفالات الدينية.

وقُدِّر للأسرة العبرانية أن تلعب دوراً رئيسياً في نقل مبادئ الدين والتقاليد القومية. فالتوراة تجعل تعليم الشريعة أمراً واجباً دينياً على الأب، وفي المقابل يُؤمَر الأطفال بإجلال واحترام آبائهم. كما لعبت الاحتفالات الدينية داخل الأسرة دوراً مهماً في تلقين النشء التراث الديني. كذلك استُخدم سرد التاريخ كوسيلة لتلقين الجيل الجديد تاريخ العبرانيين والاستقرار في كنعان. فالتقاليد والأساطير والأغاني والأقاصيص نُقلت شفهياً من جيل إلى جيل قبل أن تُدوَّن. وقام كبار القبيلة (أو الأب) بهذه المهمة، ومن المحتمل أيضاً أن من قام بهذه المهمة منشدون متجولون. وربما قام الطفل أيضاً بزيارة مقامات يهوه التي كانت منتشرة في كنعان خلال هذه الفترة، والتي كان يقوم على خدمتها الكهنة، ومارس هناك الكثير من الطقوس والشعائر الدينية. وبعد بناء الهيكل، قام الطفل العبراني بزيارة الهيكل.
أما القيم والفضائل التي حاول العبرانيون إكسابها لأطفالهم، فقد حددتها ظروفهم في الحياة وكذلك إطارهم العقائدي. ومن أهم هذه الفضائل الشجاعة والإخلاص لكلٍّ من يهوه والعشيرة والشعب، والطاعة الكاملة لمن هم في السلطة ولقوانين القبيلة والأسرة والشعب، والتعامل بالحسنى مع الأقرباء وبلا شفقة أو رحمة مع الأعداء.
2 ـ المؤسسة الدينية:

قامت المؤسسة الدينية، بكهنتها وأنبيائها، بنشر عبادة يهوه وتوراته، حيث قاموا بتلقين العبرانيين مبادئ دينهم وإكسابهم الهوية القومية. ويُعتبَر الكهنة واللاويون المربين الأوائل للشعب العبراني. ومن خلال إنجاز المهام الموكلة إليهم بصفتهم وكلاء وممثلين ليهوه ومحافظين على مقاماته التي انتشرت في فلسطين، قام هؤلاء بنشر ديانة يهوه وبتوجيه حياة العبرانيين الدينية والأخلاقية. ومن هنا، أوجدوا محتوى لهذه الديانة، كما أوجدوا الأشكال التي تم من خلالها التعبير عن عقائد ومبادئ الدين. وقام الكهنة بتنظيم وتوجيه الاحتفالات العامة التي لم تكن أكثر من دروس في تاريخ العبرانيين. كذلك علموا الأفراد والجماعات مبادئ وعقائد هذا الدين، ونقلوا الشريعة والطقوس والشعائر والأساطير المرتبطة بالدين شفاهة في بادئ الأمر، ثم قاموا بتدوينها وحفظ أجزاء كبيرة منها بشكل يَسهُل فهمه وتذكُّره بالنسبة لعامة الناس.
كما قام الكهنة بقراءة التوراة أو الوصايا العشر على القبائل العبرانية (ويبدو أن هذه كانت عادة متبعة في المعاهدات التي كانت تُعقَد بين الدول المنتصرة والدول التابعة، حيث كان أحد بنود المعاهدة ينص على عرضها في مكان عام أو وضعها في معبد وقراءتها مرة كل سبع سنوات على الملك التابع وشعبه حتى يعوا نصوصها تماماً) . كما ساهم توزيع اللاويين على القبائل العبرانية في نشر التوراة بين العبرانيين. ولعل أهم دور لعبه الكهنة، في تربية الشعب العبراني ونشر التوراة، كان من خلال علاقتهم بالقانون. فالقانون المدني والممارسات الاجتماعية كانت مجرد استنتاجات من القانون الإلهي، ولذا قام الكهنة بتقديم النصيحة للناس بشأن الممارسات الاجتماعية، وإصدار الأحكام الشرعية في الحالات التي تُعرَض عليهم.

وبازدياد القوانين الشرعية، زادت تطبيقات التوراة وزاد تأثيرها على حياة الناس. وبمرور الوقت، ارتبطت فاعلية الكهنة بالهيكل وطقوسه، وظهر الأنبياء كمربين للشعب العبراني وكناشرين لعبادة يهوه وشريعته في وقت كادت تُستوعَب فيه ديانة العبرانيين، ضمن الديانة الكنعانية. فكان الأنبياء واعظين متجولين، وأينما سنحت لهم الفرصة لنشر دعوتهم اغتنموها، سواء في السوق أم في بلاط الملوك والأمراء. ولكن، في أغلب الأحيان، كان فناء الهيكل المكان الأثير لديهم، فكانوا يؤكدون في إصرار على الوحدانية الخالصة والإخلاص للعهد المعقود مع يهوه، ويرفضون كل نوع من التساهل مع العبادات الأجنبية، كما كانوا يدعون إلى صلاح الأخلاق ونقاء القلب واستقامة السلوك. وهم في دعوتهم هذه، لم يكونوا يغفلون عن التنبؤ بالعقاب الذي سيحيق بالعبرانيين إن لم يقتدوا بما يقولونه لهم.
3 ـ التعليم النظامي:
ورغم أن كلمة «مدرسة» لم يرد لها ذكر في العهد القديم، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الكتابة كانت معروفة عند العبرانيين منذ عصر القضاة، وأن العبرانيين استخدموا الحروف الفينيقية التي كانت مُستخدَمة في كنعان في ذلك الوقت. وخلال عصر الملوك، كان ثمة مسجلون رسميون وكتبة للجيش وللملوك والأفراد. كما توجد إشارات إلى ما يُسمَّى «عائلات الكتبة» ، وهو ما يدل على أن مهنة الكتابة كانت وراثية. كذلك، استخدم الأنبياء الأوائل الكتابة، فقد قام عاموس وميخا بتدوين نبوءاتهما، كما أن بعض فئات وأعضاء المجتمع احتاجت إعداداً وتدريباً خاصين. ومن ثم، يمكن القول بأن نوعاً من التعليم النظامي وُجد خلال هذه الفترة وإن ظل مقصوراً على بعض الفئات التي تحتاجها للقيام بمهامها. ومن أهم هذه الفئات:
أ) الكهنة:

كانت جماعة الكهنة أولى الجماعات التي أعطت تعليماً وتدريباً منظماً لأعضائها. ورغم عدم وجود أية سجلات تفيد ذلك، إلا أنه يمكننا أن نقول، دون أن نحيد كثيراً عن جادة الصواب، أنه لابد أن الكهنة حصلوا على تعليم وتدريب خاصين، وأن عملية التدريب هذه تمت في نطاق الهيكل كما كان الحال في بلاد الشرق الأوسط. وعلى أية حال، فقد ظل هذا النوع من التعليم مقصوراً على أسر معينة، حيث كانت وظيفة الكاهن وراثية ومقصورة على عائلات معينة.
ب) الأنبياء:
عاش بعض الأنبياء مع أتباعهم داخل جماعات، حيث قاموا بإلقاء دروسهم على أتباعهم واستخدموا إنتاجهم المدون والشفوي لتعليم أتباعهم. ومن ثم، يمكن القول بأن جماعات الأنبياء تلقوا نوعاً من التعليم النظامي شَمل القراءة والكتابة والخطابة والشعر.
جـ) الكتبة:
كوَّن الكتبة جماعة خاصة، وكانت ممارسة مهنتهم مقصورة على بعض العائلات كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ويبدو أن عائلة شافان كانت على قمة هرم البيروقراطية المرتبطة بالقصر. كما وُجد كتبة آخرون عملوا كإداريين للحكومة المركزية ولمجالس المدن، وكموظفين في الهيكل. وقامت هذه المؤسسات بتعليمهم وتدريبهم على مهام وظائفهم، حيث دُرِّب الكهنة على كتابة الرسائل والصيغ الإدارية وعلى كتابة العقود (مثل عقود الزواج والطلاق) . ويبدو أن كتبة القصر كان عليهم أن يُلموا بالسياسة وببعض العلوم واللغة الآرامية (لغة المعاملات الدولية آنذاك) ، كما يبدو أن هذه الفترة شهدت نمو أدب مرتبط بأخلاقيات الكتبة.
دراسة التوراة (تلمود تورا (
‏Talmud Tora

«دراسة التوراة» عبارة تقابلها في العبرية عبارة «تلمود تورا» ، وتُستخدَم للإشارة إلى مفهوم تربوي أساسي يستند إليه الفكر التربوي بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى القرن الثامن عشر الميلادي. ويستمد موضوع دراسة التوراة أهميته من عدة أشياء أساسية في العقيدة اليهودية منها أهمية التوراة ذاتها باعتبارها الكتاب المقدَّس الذي يحوي كلام الإله، ومنها أن إرسالها لليهود هو علامة على اختيارهم. ولكن، لعل أهم الأسباب هو مفهوم الشريعة الشفوية الذي يجعل تفسير الحاخامات للتوراة (كلمة الإله) ، ودراستهم لها، أكثر أهمية من النص المقدَّس ذاته. ولكل هذا، كان الفعل الأسمى لدى أعضاء الجماعات اليهودية هو التفرغ لدراسة التوراة.
ويمكن القول بأن المؤسسات التربوية بين أعضاء الجماعات اليهودية هي بالدرجة الأولى أشكال من التعبير عن هذا المفهوم وتحوراته، وأنها مع هذا خضعت لتغيرات الزمان والمكان. فالحلقات التلمودية، والمدارس التلمودية العليا، والمدارس الأولية الخاصة والخيرية، كانت كلها تدور حول دراسة التوراة.
ولعل ما عمَّق هذا الاتجاه، هو تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تود الحفاظ على هويتها وانعزاليتها، والتمركز حول التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) هو أسرع السبل لإنجاز هذا. ولكن، مع تبنِّي المسيحية التوراة كتاباً مقدَّساً، أكدت اليهودية الحاخامية (التلمودية) أهمية التلمود على حساب التوراة، ومن ثم أصبحت عبارة «دراسة التوراة» تعني في واقع الأمر «دراسة التلمود» .
ويجب التنبيه إلى أن دراسة التوراة لم تكن دائماً نشاطاً مدرسياً أو حتى شبه مدرسي، وإنما كانت في كثير من الأحيان واجباً دينياً يأخذ شكلاً تربوياً ـ تماماً مثل حلقات الدرس في المساجد حيث يجلس المسلمون بعد الصلاة يتفقهون في أمور دينهم ويسألون شيخهم فيما يواجهونه من مشاكل.

ودراسة التوراة وتفسيرها كانت دائماً وظيفة تضطلع بها النخبة الدينية القائدة، كما أن الصراع بين الصدوقيين والفريسيين كان صراعاً على تفسير التوراة. ثم ظهرت بعد ذلك أجيال الفقهاء، وتم جمع التلمود، ثم هيمن التلمود باعتباره التفسير الحاخامي للتوراة. وظل هذا الوضع إلى أن قامت الحركة الحسيدية في شرق أوربا في القرن الثامن عشر وتحدته ووضعت الصلاة في مرتبة أعلى من دراسة التلمود. ثم جاءت حركة التنوير في الغرب وقلَّلت من شأن هذه الدراسات الدينية، ثم جاء القرن التاسع عشر، باهتماماته العلمانية والمادية، ووضع نهاية لهذه الدراسات بالنسبة إلى معظم الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي.
بيت الدراسة (بيت هامدراش (Beit Hamedrash
«بيت الدراسة» مُصطلَح تقابله في العبرية عبارة «بيت هامدراش» ، و «بيت الدراسة» أحد الأشكال الأولى للحلقات التلمودية، وهو مركز للدراسات الدينية غالباً ما كان يُلحَق بالمعبد اليهودي وأحياناً كان يوجد داخله. كما تُستخدَم العبارة أحياناً للإشارة إلى المعبد اليهودي من حيث هو مكان للدراسة. وقد استُخدم «بيت الدراسة» أساساً لدراسة الشريعة، كما استخدمه الدارسون للصلاة. إلا أن نشاط هذه البيوت الأساسي كان دراسة التلمود، أما الصلاة، فكانت نشاطاً ثانوياً. وقد استُخدمت عبارة «بيت الدراسة» في العصور القديمة للإشارة إلى مجالس علماء التلمود حيث كان الدارسون يجتمعون داخله لسماع محاضرات علماء التلمود.

انتشرت بيوت الدراسة في العصور الوسطى في الغرب بين الجماعات اليهودية في البلدان المختلفة حتى أصبحت مظهراً ثابتاً في كل مدينة. وكانت هذه البيوت تُلحَق بالمعابد اليهودية لدى بعض الجماعات كما كانت تبقى مستقلة لدى البعض الآخر. وفي فرنسا وألمانيا، كانت بيوت الدراسة بمنزلة مراكز للمدارس التلمودية العليا. وقد أشرفت المؤسسات الإدارية للجماعة اليهودية على بيوت الدراسة وموَّلتها في معظم التجمعات إلى أن قام بعض أغنياء اليهود في ألمانيا بإقامة بيوت لدراسة التلمود وأنفقوا عليها الأموال. وقد عُرف «بيت الدراسة» في ألمانيا باسم «كلاووس» . والمقابل الحسيدي له هو «شتبيل» ، أي حجرة صغيرة، حيث كان الحسيديون يجتمعون للصلاة والعبادة. وفي البلاد العربية، أُطلق عليه اسم «هامدراش» (مدرسة) . وفي العصور الحديثة، ومع زيادة علمنة أعضاء الجماعات اليهودية وتهميش الحداثة للدراسات الدينية، اختفى «بيت الدراسة» التقليدي وحلّ محله معاهد الدراسات الدينية، كما أن بعض المعابد اليهودية يوجد بها أماكن للدراسات الدينية تفتحها لمدة ساعات محدَّدة كل يوم.
المدرسة الأولية (بيت سيفر (
‏Beit Sefer
«المدرسة الأولية» هي المقابل العربي للعبارة العبرية «بيت سيفر» ، وهي عبارة تعني حرفياً «بيت الكتاب» . ويُطلَق المُصطلَح على المدارس الأولية الإجبارية التي وُجدت في فلسطين منذ القرن الأول الميلادي، وفي بابل فيما بعد. وغالباً ما كانت توجد هذه المدرسة داخل المعبد أو في حجرة ملحقة به. وكان الهدف من هذه المدرسة إعداد الطفل اليهودي للمشاركة في شعائر المعبد. وكانت الدراسة فيها تقتصر على القراءة وبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة وكتب الأنبياء، وكذلك كتب الحكمة والأمثال.
التربية والتعليم عند العبرانيين بعد العودة من بابل
‏Education of the Hebrews after the Return from Babylonia

تمتد هذه الفترة من تاريخ عودة العبرانيين من بابل (586 ق. م) حتى وصول القوات الهيلينية إلى فلسطين والشرق الأدنى القديم عام 333 ق. م. وتستمر حتى القرن الثاني الميلادي. وكانت الشريعة في هذه الفترة الأساس في تنظيم حياة العبرانيين. وقد وجه الكتبة والكهنة جهودهم واهتمامهم إلى جمع الشريعة وتدوينها ودراستها دراسة منظمة، فجُمعت المصادر التقليدية لتاريخ العبرانيين ودينهم وأقوال حكمائهم وأنبيائهم ورُتبت في ثلاثة أقسام: التوراة والأنبياء والكتابات. وبتدوين الشريعة، أصبح سكان يهودا (فلسطين) أهل كتاب. وكرَّس كثير من العبرانيين وقتهم لدراسة الكتاب المدوَّن، فظهرت فئة الكتبة التي نافست الكهنة على قيادة الحياة الدينية. وقُدِّر للكتبة الانتصار في النهاية بتحطيم الهيكل، مركز العبادة القربانية. وبانتصار الكتبة وهدم الهيكل، ظهرت اليهودية الحاخامية وأصبحت الشريعة مركز الحياة (وبالتالي التربية) العبرانية ثم اليهودية. وأصبح طموح كثير من الشباب اليهودي أن يصبح «ابن الشريعة» . وظل هذا النمط السائد حتى نهاية القرن الثامن عشر، حين ظهرت حركة التنوير اليهودية التي تحدَّت هذه المؤسسات الدينية.
وخلال هذه الفترة، تميَّزت التربية والتعليم لدى العبرانيين بظهور ثلاث مؤسسات تربوية مهمة قُدِّر لها أن تلعب دوراً مهماً في تربية وتعليم اليهود إلى العصر الحديث:
1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة.
2 ـ المعبد اليهودي.
3 ـ المدرسة الأولية.
1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة:
أ) تنظيم الكتبة:

بتبنِّي الشريعة دستوراً للحياة، ظهرت الحاجة إلى نشر التوراة بين العبرانيين، وتطلبت هذه العملية فئة من المعلمين قادرة على قراءة التوراة باللغة العبرية (لغة التوراة) وترجمتها وتفسيرها بالآرامية (لغة جماهير العبرانيين آنذاك) . وكنتيجة لهذه الأوضاع، اكتسب لفظ «كاتب» دلالة خاصة واستُخدم للإشارة إلى مجموعة المعلمين الذين قاموا بقراءة وترجمة وتفسير الشريعة خلال فترة الهيكل الثاني (539 ق. م ـ 70م) .
وكوَّن هؤلاء الكتبة تنظيماً خاصاً بهم، إلا أن تنظيمهم كان مفتوحاً للعامة كتنظيم الأنبياء. ومن هنا، فإن مهنة الكتبة لم تكن مقصورة على أحد، ووُجد بين صفوف الكتبة كهنة وأفراد من عامة الشعب. وكان هؤلاء الكتبة أول فئة احترفت التعليم. ومنذ القرن الأول، أصبح اسم «حاخاميم» يُطلَق على معلمي الشريعة المشهورين وهي كلمة عبرية تعني «الفقهاء» أو «الحكماء» ، بينما بقى استخدام لفظ «كاتب» للإشارة إلى أي معلم للشريعة.
نظر هؤلاء الكتبة إلى عملهم باعتباره مقدَّساً، وقد أُوكلت مهمة نقل شريعة يهوه إليهم فقاموا بترجمة وتفسير التوراة للجماهير، كما قاموا بعمل نسخ منها لتُستخدَم ككتب دراسية. وأسَّسوا مدارس عليا لتدريس التراث الديني لعدد منتقى من الطلاب، محاولين بذلك إيجاد أكبر عدد ممكن من دارسي ومفسري الشريعة، كما قاموا بتعليم الكبار والصغار. وفي داخل مدارسهم، ظهر التراث الشفوي الذي كوَّن فيما بعد التلمود.

كان هؤلاء الكتبة، في بداية الأمر، منفتحين في تطبيقاتهم للشريعة فأدخلوا التفسيرات والتعليقات المختلفة الملائمة لظروف الحياة المتغيرة. واعتمد المفسرون في شروحهم هذه على مفهوم الشريعة الشفهية، التي يُفترَض أنها أُعطيَت لموسى مع الشريعة المكتوبة، كما يُفترَض أن حَمَلَة هذه الشريعة الشفهية هم الحاخامات (بمعنى الفقهاء) . ولكن داخل الإطار الحلولي، يُلاحَظ دائماً أن التفسيرات البشرية تكتسب أهمية تفوق أهمية النص المقدَّس، وهو ما حدث مع الكنيسة، فبمرور الوقت ازدادت تفسيراتهم وشروحهم جموداً وأصبحت أكثر تفصيلاً، وأكثروا من فرض الطقوس والشعائر والأوامر والنواهي التي تتحكم في السلوك الخارجي للإنسان وتُوجه كثيراً من أفعاله التي قد لا تكون ذات علاقة بالقيم الروحية ولا بالدين.
وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح يُطلَق على كلٍّ من هؤلاء الكتبة لقب «حاخام» ، وأصبح هؤلاء الحاخامات هم المسئولين ليس فقط عن توجيه الحياة الدينية لليهود بل أصبحوا أيضاً ممثلين للسلطة الحاكمة وقاموا بحكم الجماعة اليهودية في فلسطين وفي غيرها من البلدان.
ب) مجالس الفقه والدراسة:
وقعت مهمتان أساسيتان على عاتق هؤلاء الكتبة، أولاهما: تفسير الشريعة المكتوبة واستخراج التفسيرات والتطبيقات الكامنة والظاهرة فيها، وثانيتهما: تعليم الشباب الذين سيتولون هذه المهمة من بعدهم. وقد جمع كل كاتب متميِّز حوله عدداً من التلاميذ الذين يودون دراسة الشريعة والتراث الشفهي في شكل حلقات دراسية، كما كوَّن كل حكيم مشهور مجموعة التلاميذ المريدين الخاصين به. وترك بعض هؤلاء الحكماء بصمتهم الواضحة على طلابهم وكذلك تفسيرهم الخاص للشريعة، وكان أشهرهم هليل وشماي.

في البداية، استُخدمت أروقة الهيكل والمعابد للتدريس، وربما استخدم بعض الحكماء بيوتهم لتدريس الشريعة. ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، أُسِّس أول مبنى خُصِّص للتدريس أُطلق عليه «بيت الدراسة (بيت هامدراش) » ، وتم بناؤه بجانب الهيكل.
كان موضوع الدراسة أساساً هو الشريعة والتفسيرات المختلفة، وكانت الدراسة في معظمها شفهية. ومن أجل مساعدة الطالب على التذكر، كان المعلمون يلقون دروسهم في شكل أمثال وحكم ووصايا. وقد افترضت الدراسة على هذا المستوى نوعاً من التعليم الأولي، إلا أن هذا النوع من التعليم ظل خاصاً حتى القرن الأول قبل الميلاد. وكان المعلم يشرح الكتاب المقدَّس ويعرض التفسيرات والشروح المختلفة لكل جزء منه وتفسيره هو لها، وذلك من أجل إيضاح النقاط الصعبة أو الغامضة أو غير المتفق عليها بهدف الوصول إلى قرار فيها، فإذا اتفق الدارسون عليها تحولت إلى جزء من التراث الشفوي. وقد اتُبعت قواعد معيَّنة في استخراج التفسيرات والقوانين المختلفة من الشريعة المكتوبة، ذكر هليل منها سبع قواعد، ثم أُضيفت قواعد أخرى فيما بعد. ومع مرور الوقت، اكتسبت هذه الشريعة الشفهية المكوَّنة من قرارات وتفسيرات الكتبة الحكماء شكلاً ثابتاً وقداسة معينة.

وفي أحيان أخرى، كان المُعلم أو الدارس يُثير سؤالاً ذا طبيعة عملية حول مشكلة معينة تتطلب إجابة محدَّدة. وللتوصل للإجابة، كانت هذه المشكلة تُحلَّل إلى عناصرها الأولية، ويعود الدارسون إلى التراث الشفوي، فإن وجدوا الإجابة المرجوة انتهت المشكلة. وإن لم يجدوا، رجع المعلم والدارسون إلى الكتاب المقدَّس متبعين القواعد الموضوعة في تفسيره، واستخرجوا الإجابة أو الحل أو التفسير، فإذا وافقت الأغلبية عليه تحول إلى جزء من التراث الشفوي واكتسب قدسية خاصة، شأنه في ذلك شأن كل أجزاء الشريعة الشفوية. واعُتبرَت دراسة الشريعة وتدريسها واجباً مقدَّساً لا يجب أن يحصل منه الفرد على أيِّ عائد مادي، ومن ثم كان دارسو الشريعة ومدرسوها إما من المتيسرين مالياً أو ممن احترفوا حرفة أخرى لكسب معاشهم.
وبسقوط الهيكل، أُطلق على مجالس دراسة الشريعة اسم «الحلقات التلمودية» (بالعبرية: يشيفاه، وباليونانية: أكاديمية) . وكان مجلس يفنه أول الحلقات التلمودية، وقد أسَّسه يوحانان بن زاكاي في الجليل. ولم تختلف أهداف الدراسة وطرقها عما كان سائداً قبل سقوط الهيكل، إلا أن أهمية هذا المجلس ترجع إلى العدد الكبير من الحاخامات الذين تتلمذوا على يد يوحانان بن زاكاي ثم ساهموا في تراكم التراث الشفوي وفي نشر معرفة الشريعة.
ولم يتم ترسيم كل العلماء الذين عاشوا وقاموا بالتعليم في يفنه كحاخامات، ولذا كانوا لا يحملون لقب «حاخام» ، ونُظر إليهم باعتبارهم دارسين وحسب، ولم يُعيَنوا في المناصب الإدارية والدينية. وتنقَّل هؤلاء العلماء من مدينة إلى أخرى وأقاموا بيوتاً للدراسة في بعض المدن الصغيرة وفي الأرياف، فظهرت بيوت للدراسة في اللد وفي قيصرية وفي غيرهما من المدن.
2 ـ المعبد اليهودي:

ظهر المعبد، أثناء إقامة العبرانيين في بابل، كمكان للاجتماع والعبادة ودراسة التوراة. وازدادت أهمية المعبد بعد عودة العبرانيين من بابل رغم استعادة العبادة القربانية وإعادة بناء الهيكل وتحوُّله إلى مركز للعقيدة اليهودية. ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد، وجدت معابد في المدن كافة. وابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد، وُجدت أيضاً معابد في الريف. وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح المعبد المكان الوحيد والأساسي للعبادة.
كان المعبد المكان الذي تعلَّمت فيه عامة الشعب الشريعة اليهودية، فقد تكونت مراسم المعبد من جزءين: جزء شعائري، وجزء تعليمي خاص بقراءة جزء من التوراة، فكان الكاهن أو الكاتب يقوم بقراءة الجزء المُقرَّر بالعبرية (لغة الكتاب المقدَّس والتي لم يَعُد يفهمها أحد) ثم يشرح النص بعد ذلك باللغة الآرامية (اللغة المستخدمة بين العبرانيين) . وأحياناً كان يُسمَح للكبار القادرين بقراءة الكتاب المقدَّس. وقُسِّمت أسفار موسى الخمسة بشكل يسمح للمتعبدين قراءتها بأكملها مرة كل ثلاث سنوات، كما قُرئت بعض الأجزاء من كتب الأنبياء. وبذلك تم نشر معرفة الكتاب المقدَّس بين الكبار.
3 ـ المدرسة الأولية:
وجَّه الكتبة جهودهم لتعليم الشريعة للكبار، فقرأوا الشريعة وفسروها في المعابد كما قاموا بتعليمها لعدد محدود من الطلبة النابهين، ولكن تعليم الشريعة للصغار ظل أمراً متروكاً للأسرة. ويحيط الغموض بنشأة المدرسة كمؤسسة تربوية مستقلة عن تربية الأسرة، إلا أنه يُرجَّح أنها ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد تحت التأثير الهيليني واتخذت من المعبد أو من حجرة ملحقة به ساحة لها.

ومرَّت المدرسة اليهودية في نموها بثلاث مراحل قبل أن تظهر كمؤسسة تربوية مستقلة. ففي البداية، كان الأطفال يندسُّون بين الكبار في المعبد لممارسة الشعائر الدينية وسماع قراءة الشريعة وتفسيرها. إلا أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لتعليمهم الشريعة، ومن ثم أُنشئت مدارس في القدس لتعليم الصبية. لكن هذه المدارس لم تكن كافية لتعليم الشريعة لكل الأطفال، فاستُبعد الفقراء والأيتام من دراسة الشريعة إما بسبب عجزهم المادي أو بسبب إهمال المسئولين لهم.
في عام 75 ق. م، أصدر سيمون بن شيتا قراراً بتعيين معلمين في كل الأحياء، إلا أن هذا القرار شمل الشباب بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال. ويبدو أن هذا القرار لم يحقق كثيراً من النجاح حيث إن النقلة من التربية الأسرية إلى التربية المدرسية كانت مفاجئة بالنسبة للشباب. ومن ثم، كان كثير من الشباب يتركون المدرسة إن غضب منهم معلمهم أو فرض عليهم العقاب.
وظلت ظروف تعليم الشريعة بين الأطفال والشباب على هذا الوضع إلى أن أصدر يهوشا بن جمالا (الكاهن الأعظم) قراراً عام 64 ميلادية بأن تُقام مدارس للأطفال الذين في سنّ السادسة والسابعة في كل مقاطعة، وأن يُجبَر الأطفال على الذهاب إليها. وبذا، ظهرت المدارس الأولية الإجبارية. كما نص هذا القرار على تعيين معلم لكل 25 طفلاً. أما إذا زاد عدد الأطفال على 25 وكان أقل من الخمسين، فإنه يكون من الضروري تعيين مساعد للمعلم، وفي حالة زيادة عدد الأطفال على الخمسين كان يُعيَّن معلمان.

ونظراً لأن هذه المدارس كانت إجبارية، فإنه يبدو أن الجماعة قامت بتمويلها عن طريق ضريبة فُرضت على المقتدرين. ورغم قرار تعميم التعليم، إلا أن هذه المدارس لم تنشأ حتى منتصف القرن الثالث الميلادي، وقد أُطلق على هذه المدارس اسم «بيت الكتاب» (بيت سفر) ، وكان الأطفال يلتحقون بها في سن السادسة أو السابعة، ويدرسون فيها حتى سن الثالثة عشرة. وقام معلمون (كتبة) بالتدريس في هذه المدارس، كما كان خادم المعبد (حزان) يقوم بمساعدة المعلم. وكان هؤلاء المعلمون الكتبة يقومون بالتدريس دون مقابل في بادئ الأمر، نظراً لأن التوراة تُحرِّم تدريس الشريعة مقابل أجر، إلا أنه تم التوصل إلى تخريجات قانونية شرعية فيما بعد تحت مُسمَّى واجبات إشرافية تؤدي إلى ضياع الوقت، وبالتالي فقدان القدرة على الكسب. ومن هنا، أصبح من الممكن وضع أجر للمعلم، مقابل الجهد الذي يبذله، دون الإخلال بالشريعة.

واقتصر منهج المدارس الأولية على تعليم قراءة أسفار موسى الخمسة والترانيم الدينية وربما سفري الأمثال والجامعة أيضاً، إلا أن التركيز كان بالأساس على تعليم أسفار موسى الخمسة. كان الطفل يتعلم الحروف العبرية الهجائية ثم ينتقل إلى التعرف على كل منها على حدة، ثم ينتقل إلى تعلُّم الكلمات ثم ينتقل إلى أسفار موسى الخمسة. أما فيما يتصل بالكتابة، فثمة اختلاف بين المؤرخين، فبينما يؤكد البعض أن الطفل كان يتعلم الكتابة بل والحساب أيضاً، يذهب البعض الآخر إلى تأكيد أن الدراسة داخل هذه المدارس لم تتعد معرفة وحفظ أسفار موسى الخمسة وبعض الترانيم التي يحتاجها الطفل لإقامة الصلاة في المعبد (وأغلب الظن أن هذه المدارس كانت شبيهة بكتاتيب تعليم القرآن التي وُجدت في صدر الدولة الإسلامية) . وكان الحفظ والتكرار هما الوسيلتان اللتان استخدمتا داخل هذه المدارس. ونُظر إلى التربية باعتبارها عملية تهذيب وضبط لطبيعة الطفل الطائشة، ومن ثم كان العقاب البدني وسيلة تربوية أساسية لإصلاح أي اعوجاج في الطفل ولدفعه لحفظ دروسه. وكان منهج التعليم كالتالي: يدرس الطفل من السادسة إلى العاشرة القراءة وأسفار موسى الخمسة، وربما أيضاً الكتابة والحساب. ومن العاشرة إلى الخامسة عشرة، كان يدرس المشناه والجماراه.
أما البنات، فلم يكن ينلن أيَّ تعليم في المدرسة الأولية الإجبارية، فالتوراة تُحرِّم أن تتعلم الفتاة الشريعة. ومن ثم، يمكن القول بأن تعليمهن انحصر في حدود مشاركتهن في الطقوس والشعائر الدينية اليومية والاحتفالات المرتبطة بالأعياد الدينية.
سيمون بن شيتاه (القرن الأول قبل الميلاد (
‏Simon ben Shetah

من أهم علماء الفريسيين الذين عاشوا وأصدروا فتاواهم في القرن الأول قبل الميلاد. وقاموا بنقل تراث الفريسيين وتقاليدهم، وهو أيضاً شقيق سالومي ألكسندرا زوجة الملك ألكسندر يانايوس. وقد مكنته قرابته هذه من أن يحتل مكاناً بارزاً في السنهدرين في وقت سيطر فيه الصدوقيون عليه. ومن الصعب تحديد إسهاماته في مجال التفسير والفتاوى الدينية وأعماله الأخرى نظراً لأن نشاطه في هذا المجال كثيراً ما تتداخل مع بعض الأساطير التي كانت تُروَى عن حياته.
ويُقال إنه بعد التصادم الذي حدث بين الملك الحشموني ألكسندر يانايوس والفريسيين، نقل ولاءه إلى الصدوقيين وقام باضطهاد الفريسيين، فاضطر كثير من قياداتهم ومن بينهم سيمون بن شيتاه إلى الهرب إلى مصر.
وبوفاة ألكسندر يانايوس وتعيين سالومي ألكسندرا وصياً على العرش، رجع سيمون إلى فلسطين وأعاد السلطة إلى الفريسيين بشكل لا رجعة فيه. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الفريسيون القادة الروحيين للعبرانيين والجماعات اليهودية المنتشرة في الشرق الأدنى القديم.
وكان سيمون بن شيتاه مسئولاً عن كثير من الفتاوى والقرارات التي نظمت حياة اليهود. إلا أن ثمة قرارين مهمين يرجعان إليه أحدهما بشأن عقد الزواج (كتوباه) وآخر يؤكد ضرورة حضور ومواظبة الشباب على المدارس (وقد كان تعليم الأبناء مسئولية تقع على عاتق الآباء حتى صدور هذا القرار) . ومن ثم يُعَدُّ قراره بداية تأسيس نظام تعليمي خاص بالعبرانيين، إلا أن القرار شمل الشباب بين السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال، كما اقتصر على القدس وضواحيها. كذلك يبدو أن الذين استفادوا منه كانوا من الشباب القادرين وحسب.
يوشع بن جمالاه (القرن الأول بعد الميلاد (
‏Joshua ben Gamala

عاش يوشع بن جمالاه في القرن الأول الميلادي، وحصل على ثروة لا بأس بها بعد زواجه من امرأة ثرية من القدس. وأدَّى هذا إلى تعيينه كاهناً أعظم، كما كان متبعاً في ذلك الوقت. ورغم أن التلمود يُقلِّل من شأن معظم الكهنة إلا أنه يثني على يوشع بن جمالا لتأسيسه نظاماً تعليمياً عاماً للصبية بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة. فقد أصدر قراراً بتعيين مدرسين في كل مقاطعة وفي كل مدينة صغيرة أو قرية، وأمر بأن يُرسَل الأطفال الذكور بين سن السادسة والسابعة إلى هذه المدارس. كما تضمَّن هذا القرار تعيين مدرس لكل 25 تلميذاً أو أقل، أما إذا زاد عدد التلاميذ عن 25 وقل عن خمسين، فكان يُعيِّن للمدرس مساعد ليساعده في التدريس، وفي حالة وصول عدد التلاميذ إلى خمسين، فإنهم كانوا يُقسَّمون إلى مجموعتين ويُعيَّن مدرس لكل مجموعة.
التربية والتعليم عند يهود الإسكندرية في العصر الهيليني
‏Education of the Jews of Alexandria in the Hellenistic Age
في العصر الهيليني، انتشر التعليم اليوناني بين أعضاء الجماعات اليهودية. وكان ذلك من أهم الأسباب التي ساعدت على أغرقة أعضاء الجماعات، وإكسابهم اللغة والثقافة اليونانية، ودمجهم في محيطهم الهيليني. وانتشرت المؤسسات التعليمية اليونانية، ومن أهمها الجيمنازيوم، في المدن اليونانية العديدة. ورغم أن نمط التعليم في هذه المدن كان يُجسِّد الروح الهيلينية ويتم في إطار ديني وثني، فإن ذلك لم يمنع اليهود (بخاصة الأثرياء منهم) من إلحاق أبنائهم بها، خصوصاً أن التعليم اليوناني كان يُعزِّز مكانتهم الاجتماعية ويفتح أمامهم فرص الانضمام إلى النخبة والطبقات الحاكمة. وأشار فيلون في كتاباته إلى التحاق أبناء اليهود بالجيمنازيوم باعتباره أمراً مسلَّماً به، كما تحدث يوسيفوس عن تلقي اليهود في أنطاكية السلوقية تعليمهم في الجيمنازيوم.

وفي مصر، سُمح لأثرياء اليهود (والفرس أيضاً) ، خصوصاً الذين جاءوا من بين صفوف المستوطنين العسكريين من المرتزقة، بالانضمام إلى المدارس اليونانية (بينما كان ذلك ممنوعاً تماماً على المصريين إلا في بعض الحالات النادرة) . وفي فلسطين، بدأ تغلغل التعليم اليوناني بين العبرانيين اليهود منذ النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كان أبناء أثرياء اليهود يتلقون قدراً من التعليم اليوناني على أيدي معلمين يونان. وفي عام 175 ق. م، أسس الكاهن الأعظم ياسون، وهو من أهم دعاة الهيلينية بين اليهود، مؤسسات تعليمية يونانية وجيمنازيوم في القدس لتدريب العبرانيين اليهود على أن يصبحوا مواطنين يونانيين، فحل الجيمنازيوم محل الهيكل كمركز للحياة اليهودية الاجتماعية وانضم إليه كثير من الكهنة. وأصبح التعليم اليوناني بالنسبة إلى أثرياء اليهود في عهده إجبارياً، حيث كان أنطيوخوس الرابع وأثرياء اليهود يُخططون لتحويل القدس إلى مدينة (بوليس) يونانية تُسمَّى «أنطاكية» لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني.

وكان التعليم اليوناني يشمل المرحلة الابتدائية حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، تليها مرحلة الدراسة في الجيمنازيوم والتي كانت تشمل التدريب على الألعاب الرياضية والفنون العسكرية وتعليم اللغة اليونانية ودراسة الموسيقى والأعمال الأدبية اليونانية خصوصاً أعمال هومير. وكان الطلبة يقومون بالألعاب الرياضية والمصارعة وهم عرايا (وهو ما كان غير محبَّب في اليهودية) ، كما كان الجيمنازيوم يخضع لحماية الإلهين هرمز وهرقل. وكان الطلاب يقومون أيضاً بدور مهم في الاحتفالات الخاصة بتكريم آلهة المدن اليونانية. ورغم ذلك، حرصت الأرستقراطية اليهودية على إلحاق أبنائها بهذه المدارس، بل اشتد هذا الحرص بين يهود الإسكندرية في عهد الرومان حيث كانوا يسعون للحصول على المواطنة اليونانية حتى يتم إعفاؤهم من الضريبة الثقيلة التي فرضها أوغسطس عام 24/23 ق. م على سكان مصر (باستثناء أهل الإسكندرية من اليونان) علماً بأن الانتماء الكامل إلى المدينة اليونانية كان يعني الاشتراك في عبادة آلهتها.
وكان للتعليم اليوناني أثره في تزايد معدلات التأغرق بين أعضاء الجماعة اليهودية حيث بدأوا يتحدثون اليونانية وبدأوا يؤغرقون أسماءهم ويتبنون أسماء يونانية كاملة. ثم نسوا الآرامية تماماً، وأصبحت اليونانية اللغة السائدة في المعابد اليهودية في مصر وتُرجم إليها العهد القديم. وتحوَّلت الإسكندرية في عهد البطالمة إلى أهم مركز ثقافي وعلمي في العالم الهيليني، وانعكس ذلك على النخبة الثقافية اليهودية المتأغرقة التي ظهر عمق أثر الحضارة اليونانية في كتاباتها. كما ظهر أدب هيليني يهودي اعتذاري، كان من أبرز كُتَّابه فيلون ويوسيفوس، يهدف إلى التقريب بين اليهودية والهيلينية والتأكيد على الجوانب المشتركة بينهما والدفاع عن اليهودية أمام هجمات الهيلينية.

ورغم ذلك، لم تتغلغل الهيلينية في كل قطاعات الجماعات اليهودية، فقد ظل الريف في فلسطين سامياً آرامياً، كما ظلت ضواحي الإسكندرية مصرية حيث تأثر اليهود فيها بالطابع المصري.
وظلت هذه القطاعات مرتبطة بالعقيدة اليهودية ورافضة للنزعة الهيلينية. وعبَّر عن ذلك حزب الأتقياء (الذي كان يُعرَف باسم «الحسيديين» ) وحزب الفريسيين اللذين ضما إلى صفوفهما كثيراً من الكتبة شراح الشريعة الذين دافعوا عن الشريعة الشفوية، وكان من بينهم فقراء الكهنة ومتوسطو الحال. وحرص الكتبة الحسيديون ثم الفريسيون على ضرورة نشر تعاليم التوراة والشريعة اليهودية بين الجماهير اليهودية بعد أن كان ذلك مقصوراً على طبقة الكهنة والكتبة، فبدأت تظهر المدارس الابتدائية اليهودية بشكل تدريجي كنتيجة مباشرة لذلك التوجه منذ نهاية القرن الثاني ق. م، وتشكَّلت على غرار المدارس اليونانية. ولكنها كانت تُسمَّى «بيت الكتاب (بيت سيفر) » حيث كان محور الدراسة بها قراءة ودراسة العهد القديم. وساعد انتشار هذه المدارس على اتساع الحركة الفريسية، كما ساعد على تطور المعبد اليهودي أو «السيناجوج» ، والذي كان انتشاره يتطلب وجود قاعدة واسعة من الناس على دراية بالتوراة والشريعة.
ورغم أن هذا الاتجاه كان رافضاً للنزعة الهيلينية، إلا أنه تضمن بعض المفاهيم والتقاليد الهيلينية في التعليم. فبعض المعلمين اليهود البارزين، مثل شيمايا وأبتاليون، كانوا يتلقون أتعاباً من تلاميذهم، مثلهم مثل المعلمين اليونان. ولكن هذا التقليد لم يستمر طويلاً. ومن ناحية أخرى، فإن علاقة المعلم بالتلميذ في اليهودية الحاخامية نشأت على أساس من التقاليد الهيلينية، والدراسة الجدلية المعتمدة على سلسلة من الأسئلة والإجابات، التي سادت مدارس البلاغة اليونانية.
التربية والتعليم عند يهود بابل قبل وبعد انتشار الإسلام
‏Education of Babylonian Jewry before and after the Spread of Islam

منذ منتصف القرن الثاني الميلادي، كانت الجماعة اليهودية في بابل أكثر الجماعات اليهودية أمناً وازدهاراً. وقد قُدِّر لهذه الجماعة أن تلعب دوراً مهماً في تطور العقيدة اليهودية، وفي توجيه الحياة الثقافية والتربوية لليهود. ومما ساهم في زيادة الأثر الثقافي والديني ليهود بابل على التجمعات اليهودية المنتشرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، دخول معظم هذه الأرجاء تحت الحكم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي. وقد ساهم وجود اللغة والإطار السياسي والإداري المشترك في زيادة الاتصال بين الجماعات اليهودية وإيجاد أسلوب حياة بينهم متشابه إلى حد كبير (بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين) .
وعاشت الجماعات اليهودية في بابل كأقلية تدير أمورها ذاتياً، شأنها في ذلك شأن الأقليات الأخرى كافة. وترأس الجماعة اليهودية رأس الجالوت (المنفى) . وانتشر اليهود على هيئة جماعات صغيرة يشرف على شئونها المدنية والدينية رئيس يُعيِّنه رأس الجالوت، ومجلس محلي مكوَّن من سبعة أعضاء. وكان من وظائف هذا المجلس الإشراف على المؤسسات الدينية والتربوية. وفي المدن التي وُجدت بها حلقات تلمودية، كان على المجلس أن يقيم بيتاً للدراسة.
تقبَّل يهود بابل تقاليد الفريسيين التي رأت أن الشريعة اليهودية طريقة حياة كاملة تشكل وتؤثر على كل أوجه الحياة الدينية والمدنية للفرد. فكانت التوراة (كما فسَّرها الحاخامات) والمشناه العملين الأساسيين اللذين وجَّها الحياة الدينية لليهود وكذلك وجها تربيتهم. ومنذ القرن الثاني الميلادي، أصبح للجماعة اليهودية الحلقات التلمودية الخاصة بها والتي قامت بالتفسير والإفتاء وإصدار القوانين والتشريعات. وبدأ في هذه المرحلة تحوُّل بعض قطاعات من أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف التجارة والربا وجمع الضرائب، وإن ظل العدد الأعظم من أعضاء الجماعة اليهودية يعملون بالزراعة.

واستهدفت التربية بين يهود بابل تعريف أعضاء الجماعة بالشريعة وبتطبيقاتها على أوجه الحياة المختلفة. وكما هو الحال في المجتمعات التقليدية، كانت مكانة الفرد تتحدد بمدى معرفته بالشريعة نظراً لما تعطيه من سلطة دينية ومدنية.
ولعبت الأسرة دوراً أساسياً في تربية وتعليم النشء، فبدأت تربية الطفل مبكراً في المنزل حيث لاحظ الطفل كثيراً من الشعائر والطقوس ومارسها وبدأ في تعلُّم الصلوات. كما ساهم المعبد، مع الأسرة، في عملية تعليم الطفل كثيراً من شعائر الدين وبالذات شعائر السبت والأعياد. وكان في استطاعة قلة من الآباء الاستمرار في تعليم أبنائهم الشريعة، ومن ثم نجد أن الأغلبية العظمى من الأطفال الذكور كان عليهم أن يذهبوا إلى مدرسة أولية لتعلُّم مبادئ الدين وشرائعه.
وتكوَّن النظام التربوي من ثلاث مراحل: مرحلة أولى لتربية الأطفال والصبية، ومرحلة متوسطة، ثم مرحلة عليا في الحلقات التلمودية.
تمت المرحلة الأولى من التعليم في مدرسة أولية أُطلق عليها «بيت الكتاب (بيت سيفر) » ، وكانت موجودة في المعبد نفسه، أو في مبنى مُلحَق به، وكان يُشار إلى الأطفال الذين يدرسون في بيت الكتاب باسم «أطفال المعبد» . وكانت الجماعة تُشرف على هذه المدرسة وتقوم بتمويلها، كما كان بعض الآباء يفضل إحضار معلم خاص إلى منزله ليتولى تعليم أبنائه.

كان الهدف من التعليم في هذه المدرسة إعداد الطفل للمشاركة في شعائر المعبد. ولذا، تعلم الطفل القراءة عن طريق نقل الحروف على البرشمان (ورق نفيس شبيه بالرقوق) أو ألواح أردوازية، حيث كان المعلم يرسم محيط الحروف ثم يقوم الطفل بملئها، كذلك حفظ الأطفال الصلوات وأجزاء من أسفار موسى الخمسة مبتدئين بسفر اللاويين. وقد اتبع الأطفال في دراستهم نظام المقاطع أو «السيدرا» (وهي كلمة عبرية بمعنى «مقطع من التوراة» ) ، فكانوا يحفظون طوال الأسبوع الأجزاء التي ستُقرأ في المعبد يوم السبت، ثم يحفظون بعض أجزاء من كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال. ولكن، في مرحلة متأخرة، أُهملت دراسة العهد القديم، فلم يُدرَّس منه سوى أسفار موسى الخمسة، وتم التركيز على التلمود. كما وُجدت بعض المدارس التي تدرس لغة البلد وبعض مبادئ الحساب. أما الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمعلمي المرحلة الأولى فكان متردياً، وكان الكثير منهم يضطر إلى أخذ الهدايا من أولياء أمور الأطفال.
والشيء المهم هنا هو أن هذه المرحلة كانت تقود إلى مرحلة أكثر تعمقاً من الدراسات الدينية، فكان معظم الأطفال ينهون دراستهم عند هذه المرحلة، باستثناء قلة كانت تستمر في مرحلة متوسطة ذات مستويين: مستوى أول كانت تُدرَس فيه المشناه ثم الجماراه تحت إشراف معلم، ثم مرحلة عليا كان الطالب يدرس فيها التلمود بمفرده، وأخيراً ظهرت الحلقات التلمودية في أواخر القرن الثاني الميلادي. غير أن حلقات بابل لم تزدهر إلا في القرن الثالث الميلادي. وكان من أهم الحلقات التلمودية حلقة نهاردعه التي لا يُعرَف تاريخ تأسيسها على وجه الدقة، ثم انتقلت عام 259 ميلادية إلى بومبديثا، ومنها إلى بغداد في القرن التاسع الميلادي. كذلك وُجدت حلقة في سورا، وأخرى في ماهوزا، إلا أن حلقة بومبديثا وحلقة سورا كانتا أهم حلقتين.

ولم تكن الحلقات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن للطلبة وإنما كانت حلقات دينية لتجمعات رجال الدين يتدارسون فيها النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، كما كانوا يجيبون عن الأسئلة الدينية والفقهية ويُصدرون الفتاوى ويقضون بين الناس. وكان لكل حلقة علماؤها ومريدوها. ومنذ وقت مبكر، كان بعض الطلاب يحضرون إلى هذه الحلقات للدراسة تحت إشراف رؤسائها، ومن ثم أصبح لهذه الحلقات وظيفة تعليمية.
كان لكل حلقة رئيس أُطلق عليه بالعبرية «روش هايشيفاه» أي «رأس اليشيفاه» يختاره العلماء، إلا أن تعيينه لم يكن يتم إلا بعد موافقة رأس الجالوت. ومنذ القرن السابع الميلادي، أصبح يطلق على رئيس الحلقة «الفقيه» (بالعبرية: «جاؤون» ) . ورغم أن علماء الحلقة هم الذين كانوا ينتخبون رئيسها من الناحية النظرية، إلا أن وظيفة الفقيه كانت وراثية وظلت محصورة بين ست عائلات. وكان بإمكان أي طالب الالتحاق بالحلقة، فلم يكن هناك شرط للالتحاق ولم يُحدَّد له أيُّ سن. وكان بوسع الطالب أن يمضي عمره داخل الحلقة إذا كان في مقدوره أن يفعل ذلك، كما كان بوسعه أن يتركها في أي وقت يشاء. ولم تكن الامتحانات تُعقَد إلا حين يصل الطالب إلى مستوى معلم شريعة يعتدُّ به. ولكن، لمجرد متابعة النقاش الدائر، كان على الطالب أن يكون ملماً بكلٍّ من أسفار موسى الخمسة والمشناه وأقوال الحاخامات السابقين التي تتعلق بالشريعة. وكان هناك عدد كبير بين الطلاب من أولاد الحاخامات وعلماء الحلقة حيث كان الأب يترك مركزه لابنه أو لأحد أقاربه ممن يعتقد في كفاءتهم.

وكانت المشناه النص الأساسي الذي يتم تدارسه في الحلقة، كما أن الدراسة كانت شفهية بالأساس. وعلى أية حال، لم تكن المشناه الموضوع الوحيد. وكان رئيس الحلقة يبدأ محاضرته باقتباس من المشناه، ثم يذكر آراء الشراح (أمورائيم) ، ويتبع ذلك محاولة تطبيق النص موضوع الدراسة على مجموعة المواقف التي قد تُقابل اليهودي في حياته اليومية. وفي بعض الأحيان، كان العلماء لا يتفقون مع التفسيرات المسجلة في المشناه أو مع طريقة تطبيقها. وكانت هذه الاختلافات في الآراء والتفسيرات تؤدي أحياناً إلى مناقشات حامية الوطيس. كذلك كان للدراسة جانب أكثر بساطة وأقل جدية، فمن حين لآخر كان أحد العلماء يقوم باقتباس قصص أو مُثُل أخلاقية ليوضح موضوعاً ما أو ليشرح نصاً توراتياً.
وبتدوين الجماراه البابلية، أصبحت الجماراه موضوع الدراسة الرئيسي داخل الحلقات، وتصاعَد النشاط الديني التربوي الذي كان له أكبر الأثر في ذيوع صيت حلقات بابل. وتمثل هذا النشاط في اجتماعات الكالاه. و «كالاه» كلمة عبرية تعني «كلّ» وهو ما يعني أن هذه الاجتماعات كانت بالغة الأهمية يتم فيها حسم كل الأمور. وهذا التفسير لأصل الكلمة ليس بعيداً عن رأي آخر يذهب إلى أنها مُشتَقة من كلمة عبرية معناها «عروس» أو من كلمة «إكليل» الآرامية، فهذا يعني أن حلقات الكالاه تتويج للدراسات التي تتم في كل المؤسسات الدينية والتربوية الأخرى، وهو ما يعود بها إلى المعنى الأول. وكانت اجتماعات الكالاه تُعقَد في شهري أغسطس/سبتمبر، وفبراير/مارس حين تفتح الحلقات أبوابها للعامة والخاصة لدراسة الشريعة وتطبيقاتها المختلفة. ولم تكن هذه الاجتماعات مقصورة على سكان بابل وحدهم، بل كان يحضرها دارسون من شمال أفريقيا وإيطاليا أو غيرها من البلاد التي وُجدت فيها جماعات يهودية.

وكانت دورة الكالاه تضم علماء الحلقة الذين كانوا يشكلون «بيت دين» ، أي محكمة دينية لها صلاحية الإفتاء (ويُقال إنها كانت تضم مثل السنهدرين 70 عضواً) ويتبعها سنهدرين أصغر لتلخيص أقوال الحاخامات وفتاواهم وإجاباتهم على الأسئلة التي يطرحها الحاضرون أو على تلك الأسئلة التي تصلهم من الجماعات اليهودية المنتشرة في البلدان المختلفة.
وكانت حلقة الكالاه تستغرق ثلاثة أسابيع من الشهر، أما الأسبوع الرابع فكان يُخصَّص لاختبار الطلاب. كما كان الفقهاء يقومون بشرح الأجزاء الصعبة أو الغامضة من التلمود. كذلك كان من أهم أنشطة الكالاه تصحيح النسخ غير الواضحة من التلمود، أو تلك التي تكون قد حُرِّفت أثناء عملية النسخ. ومارس علماء بابل تأثيرهم على الجماعات اليهودية المختلفة من خلال علمائهم الذين كانوا يأتون لحضور الاجتماعات ويرجعون بإجابة الفقهاء على الأسئلة المرسلة منهم.
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى نهاية القرن الثامن عشر: مقدمة
‏Education of Jewish Communities to the End of the Eighteenth Century:Introduction

من الصعب فهم الأوضاع التربوية والتعليمية للجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب إلا في إطار نظام الإدارة الذاتية الذي عاشت في ظله الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية (مالية) تضطلع بوظيفة محدَّدة وتدخل في علاقة موضوعية تعاقدية مع المجتمع المضيف. وكان للجماعات اليهودية تنظيمها الإداري المستقل (كما كان مُتَّبعاً في المجتمع الغربي الوسيط) الذي قام بإدارة كل المؤسسات الاجتماعية للجماعة اليهودية، ومن بينها النظام التربوي بما في ذلك تعليم الأطفال والكبار والتعليم العالي للأفراد الراغبين فيه والذين تحتاج إليهم الجماعة لإدارة شئونها. وكانت اليهودية الحاخامية (التلمودية) المكوِّن الأساسي والموجِّه الرئيسي لحياة الفرد والجماعة. ومن ثم، فإنها كانت تشكل أساس النظام التربوي. ورغم أن كل جماعة يهودية في أوربا شكلت جماعة إثنية دينية مستقلة عن المجتمع الذي تعيش في كنفه، إلا أن ثقافة كل جماعة تأثرت وتشكلت بالأوضاع الثقافية في كل مجتمع على حدة. ففي شمال أوربا وشرقها، حيث كانت الأوضاع الحضارية متدنية، سيطر تحالف من رجال الدين ورجال المال على الجماعة اليهودية، فانغلقت على نفسها وتكلست. وساهم هذا الوضع بدوره في زيادة انعزالهم عما يجري حولهم في المجتمع المحيط. وأدَّى هذا الوضع إلى ضيق أفق مناهج الدراسة وعقم طرقها.
أما إيطاليا (في جنوب أوربا) وإسبانيا (في غرب أوربا) ، فكانتا خاضعتين لتأثير الحضارة العربية الإسلامية المزدهرة آنذاك. لذا، فكانت أوضاعهما الحضارية والثقافية أكثر تقدماً وانفتاحاً، ومن ثم كانت الجماعات اليهودية في هذين البلدين أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع البيئة الثقافية المحيطة، كما كانت المؤسسات التربوية والتعليمية داخل هذه التجمعات أكثر اتصالاً بالتيارات الثقافية السائدة، فاتسعت مناهج الدارسة لتشمل مواد غير دينية مثل الفلسفة والمنطق والشعر والرياضيات والفلك.

وفي إطار ما سبق، يمكننا الآن أن نعرض للأوضاع التربوية للجماعات اليهودية المختلفة في المجتمعات الأوربية حتى نهاية القرن الثامن عشر.
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا حتى نهاية القرن الثامن عشر
‏Education of the Jewish Communities in France, Germany, and Italy to the End of the Eighteenth Century
1 ـ فرنسا:
كان هناك مركزان ثقافيان أساسيان للجماعات اليهودية في فرنسا في العصور الوسطى: أحدهما في شمال فرنسا الشرقي) في شمبين) ، والآخر في الجنوب (في بروفانس ولانجودوك) . كما كان هناك مركز ثالث في الإمارات البابوية في أفنيون، ولكنه كان يتبع التشكيل الحضاري الإيطالي.
وقد سيطر الحاخامات على المؤسسات الثقافية والتربوية في شمال فرنسا، فسادت دراسة التوراة والتلمود. ولم تمثل دراسة الفلسفة أو العلوم الطبيعية أي إغراء للدارسين مثلما فعلت مع يهود إسبانيا أو إيطاليا، فكانت مهمة المعلم النقل وليس التأمل، أما العالم فقد وجه جُلَّ جهده لتوضيح وتفسير الأجزاء الصعبة أو الغامضة من الشريعة. ويمثل تفسير راشي للتوراة والتلمود هذا التيار الفكري، كما يُعتبَر أهم الأعمال التي ظهرت خلال العصور الوسطى ونالت شهرة واسعة. وساعد تفسيره الصغار والكبار على فهم الشريعة، وتحت تأثيره نما الاهتمام بدراسة التلمود فأصبحت اليهودية الحاخامية عنصراً مؤثراً في حياة الجماعة اليهودية وتربيتهم.

وكانت التربية الدينية للطفل تبدأ في الأسرة حيث كان يتم تدريب الطفل على طقوس الدين وشعائره من خلال مشاركته في صلوات المعبد والاحتفالات الدينية المختلفة المرتبطة بالأعياد اليهودية. وكانت سن الخامسة بداية مرحلة الدراسة بالنسبة إلى الطفل اليهودي، فكان يُرسَل إلى مدرسة أولية أُطلق عليها اسم المدرسة الصغيرة أو الأولية (بالعبرية: مدراش قطان) وهي كلمة مأخوذة من المُصطلَح الفرنسي «بتي إيكول petit ecole» الفرنسية، أي «المدرسة الصغيرة أو الأولية» . وكانت بداية ذهاب الطفل إلى المدرسة مناسبة يُحتَفل بها.
كان الطفل يبدأ بتعلُّم الحروف الهجائية ثم يتعلم تكوين الكلمات، وبعد ذلك كان يدرس سفر اللاويين الذي كان يتبع نظام المقاطع في تدريسه. وكان الجزء الذي ستتم قراءته في المعبد يوم السبت يُقرأ في وقت سابق بالعبرية، ثم يقوم المعلم بترجمته إلى الفرنسية. وبعد ذلك، كان الطفل يدرس الترجوم، وهو الترجمة الآرامية لأسفار موسى الخمسة، بالطريقة نفسها. وفي سن العاشرة، كان الطفل ينتقل إلى دراسة بعض الموضوعات من التلمود (المشناه والجماراه) . وكانت المرحلة الأولى من التعليم تنتهي مع سن الثالثة عشرة، وكان قلة من التلاميذ يستمرون في دراستهم بعد هذه المرحلة في المدرسة الكبرى أو العليا (بالعبرية: مدراش جادول) وهي كلمة مأخوذة من المُصطلَح الفرنسي «جراند إيكول grande ecole» ، أي المدرسة الكبرى أو العليا. وكانت الدراسة في هذه المدارس تستمر لمدة سبع سنوات تُخصَّص لدراسة التلمود، كما كانت ساعات الدراسة طويلة، ولم يكن الطالب يُعطَى أية إجازات إلا في يوم السبت والأعياد.

وكان كثير من الدارسين يرتحلون لطلب العلم بين الجماعات اليهودية في فرنسا أو غيرها من البلدان الأوربية، فكان الطلبة المتميزون الذين يودون التعمق في معرفة الشريعة يرحلون من بلد إلى آخر لنيل العلم على يد أحد العلماء المشهورين في التلمود، وترأس المدارس التلمودية في شمال فرنسا دارسون من سلالة راشي.
في البداية، كانت المدارس التلمودية في فرنسا مؤسسات شخصية تتبع مؤسسيها، فكان في مقدور أي حاخام أن يؤسس مدرسة ويتولى تمويلها ورئاستها، وقد قام الطلاب الأغنياء بتمويل أنفسهم بينما تم تمويل الطلبة الفقراء من الأموال الخيرية للجماعة اليهودية.
وخلال القرن الثالث عشر، بدأت الجماعة في تنظيم شئون التعليم والإشراف عليه وتمويله، بما في ذلك أجور المعلمين. هذا فيما يتصل بشمال فرنسا (شامبين) ، أما جنوب فرنسا (بروفانس) فخضع لتأثير التيارات الثقافية السائدة بين يهود إسبانيا. فلم يقتصر العلم والمعرفة على الدراسات الدينية، وبالذات التلمود، بل نالت دراسة الطب والفلك والفلسفة قدراً أكبر من الاهتمام. وضمت فرنسا الألزاس واللورين، وهما مقاطعتان كانتا تضمان معظم يهود فرنسا عند قيام الثورة الفرنسية. وكانت حياتهم مماثلة تماماً لحياة يهود ألمانيا وشرق أوربا، فقد كانوا من يهود اليديشية. وساد النظام التعليمي التقليدي بين يهود الألزاس واللورين.
2 ـ ألمانيا:

لم تختلف الأوضاع الثقافية والتربوية التي سادت بين الجماعات اليهودية في ألمانيا في العصور الوسطى عن تلك الأوضاع التي سادت في شمال فرنسا. فكان التلمود وكذلك الدراسات المرتبطة به محور النشاط الثقافي والتربوي، وأُهملت دراسة العهد القديم. فكان الطفل يُرسَل إلى المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) ، ويظل بها إلى سن الثالثة عشرة. وفي هذه السن، كانت المرحلة التعليمية تنتهي بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأطفال. وبعد هذه المرحلة، كانت الدراسة تقتصر على قلة من التلاميذ الذين يودون التعمق في دراسة التلمود على يد أحد معلمي التلمود. أما منهج التعليم، فكان عبارة عن قراءة الصلوات والعهد القديم الذي تُرجم إلى اللغة اليديشية، وكذلك بعض أجزاء من التلمود (المشناه والجماراه) . أما في المرحلة العليا، فكان الطلاب يدرسون التلمود فقط.
وخضع التعليم بين الجماعات اليهودية في ألمانيا لإشراف الجماعة التي حدَّدت عدد التلاميذ بالنسبة إلى المعلم ومكافأته والمنهج الذي يقوم بتدريسه. وظل هذا الوضع قائماً حتى نهاية القرن الثامن عشر، حيث شهدت الأراضي الألمانية تغيرات وتطورات أدَّت إلى ظهور طبقة من المموِّلين والتجار ويهود البلاط الذين تطلَّب عملهم المعرفة باللغات الأوربية والثقافة الحديثة. ومن ثم، فقد قل اهتمامهم بدراسة التلمود والمواد اليهودية التقليدية ولم تتعد معرفتهم قراءة آلية لبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة.
3 ـ إيطاليا:

يُلاحَظ ـ كما أسلفنا ـ أن الجماعتين اليهوديتين في إيطاليا وإسبانيا المسيحية كانتا تتَّسمان بالانفتاح النسبي، فلم ينحصر اهتمام أعضائهما في العلوم الدينية والتلمودية وإنما أبدى كثير من المتعلمين اليهود اهتماماً بالدراسات العلمانية واللغوية. ولذا، لم تقتصر مناهج المدارس، منذ عصر النهضة في الغرب بل وقبله، على العلوم الدينية (كما كان الحال في شمال أوربا) ، بل تضمنت هذه المناهج مادة الحساب وقواعد العبرية واللغة الإيطالية وقواعدها والحروف واللغة اللاتينية والرقص، وذلك علاوة على الدراسات الدينية التقليدية مثل العهد القديم والتلمود.
أما فيما يتصل بالتعليم العالي، فكانت تُوجَد مدارس تلمودية عليا كما هو الحال في معظم الجماعات اليهودية. ولكن، إلى جانب ذلك التحق كثير من الطلبة اليهود بالجامعات غير اليهودية. كذلك لوحظ، في إيطاليا، تزايد عدد الطلبة من أعضاء الجماعات اليهودية في كليات الطب. وقد طرح ديفيد بروفنسال عام 1564 فكرة إنشاء جامعة يهودية في إيطاليا يتضمن منهجها كلاًّ من المواد الدينية التقليدية والمواد الدنيوية. وفي القرن الثامن عشر، نجد أن دراسة التلمود أصبحت مجرد مادة واحدة تُدرَّس ضمن المواد الأخرى في المدارس اليهودية العليا.
التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في بولندا حتى نهاية القرن الثامن عشر
‏Education of the Jewish Communities in Poland to the End of the Eighteenth Century
كانت الجماعة اليهودية في بولندا وليتوانيا جماعة وظيفية مالية يتسم أعضاؤها بقدر من التميُّز النسبي، الإثني والديني، رغم تأثرهم العميق بالمجتمع المضيف. وكما هو الحال مع الجماعات الوظيفية، كانت هناك مجموعة من مؤسسات الإدارة الذاتية المتكاملة التي أدارت شئون الجماعة: الدينية والاجتماعية والتربوية، والتي انتظمتها مؤسسة القهال التي سيطر عليها تحالف من الحاخامات وكبار المموِّلين.

وخضع التعليم داخل الجماعات اليهودية لإشراف مجلس القهال الذي وضع منهج التعليم للمدرسة الأولية الخاصة (حيدر) بشكل مُفصَّل لدرجة أنه حدد التفاسير التي تُستخدَم في تدريس العهد القديم، ومؤهلات المعلمين، وعدد تلاميذ المعلم الواحد، ونوعية العلاقة التي تسود بين المعلمين مع بعضهم بعضاً، وبينهم وبين أولياء أمور التلاميذ. كما كان من وظيفة مجالس القهال إقامة مدارس أولية خيرية (تلمود تورا) لتعليم الأطفال الأيتام وإيجاد نوع من التدريب الحرفي للأطفال غير القادرين على مواصلة الدراسة. كذلك أشرف القهال على المدارس التلمودية العليا وحدَّد ساعات التدريس بها واختار رئيسها.

وقبل أن نتعرض لقضية التعليم بين يهود اليديشية، لابد أن نشير إلى أن كثيراً من المراجع اليهودية تعطي الانطباع العام (والخاطئ في تصورنا) بأن اليهود (كل اليهود) كانوا يقضون سحابة يومهم إما في التعبد أو في دراسة التوراة والتلمود أو في صد هجمات الأغيار عليهم. ولكن مثل هذه الصورة تطمس معالم الواقع الحي والمركب لأعضاء الجماعات اليهودية. فمن المعروف أن ما لا يزيد على 8% من أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون إما في وظائف دينية إدارية تابعة لبيروقراطية الإدارة الذاتية (القهال) أو في حرف تلبي حاجات اليهود الدينية مثل الذبح الشرعي. أما بقية اليهود، فكانوا يعملون في حرف ليس لها مضمون يهودي أو علاقة باليهودية، مثل الصياغة والصيرفة والتجارة وجمع الضرائب وتقطير الكحوليات. أي أن حوالي 90% من أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يكتسبون المهارات الحرفية الخاصة التي يتعيشون منها عن طريق نظام الصبينة، وهو نظام للتدريب واكتساب الخبرة مرتبط بحركيات ومقاييس مجتمع الأغلبية، هذا على الرغم من أن من يقوم بعملية التدريب كان من اليهود، ورغم أن الحرفة نفسها كانت مقصورة ـ في أغلب الأحيان ـ على أعضاء الجماعة اليهودية. ولذا، يجب أن نميِّز بين نوعين من التربية: تربية وتعليم الصبية في المدارس الأولية الخاصة (حيدر) أو الخيرية (تلمود تورا) ، وكانت في واقع الأمر شكلاً من أشكال التطبيع الاجتماعي أكثر من كونها تعليماً نظامياً. وكان اليهودي يتعلم من خلاله شعائر دينه ويكتسب هويته الدينية والإثنية. ولذا كان التعليم في هذه المرحلة شعبياً وعلى نطاق واسع. ولكن، بعد هذه المرحلة، لم يكن ينخرط في المدارس التلمودية العليا التي كانت تقوم بتعليم أعضاء النخبة الدينية وتزويدهم بالمعرفة الدينية المتخصصة اللازمة لإنجاز مهامهم سوى قلة صغيرة من اليهود. وبعد إبداء هذا التحفظ المبدئي، يمكننا الآن أن نتناول موضوع التعليم بين يهود اليديشية.

كان التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية يهدف إلى إعداد الفرد للعيش داخل الجماعة، وإلى تدريب القيادات التي تتولى إدارة وتنظيم شئونها. ومن ثم، فقد كان مثل هذا التعليم تعليماً دينياً صرفاً، وكان منهجه يدور حول كتب اليهود المقدَّسة والتفاسير المرتبطة بها. وانقسم النظام التعليمي خلال هذه الفترة إلى مرحلتين:
ـ المرحلة الأولية: وتضم المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) والمدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا) ، كما كان يوجد نوع من التعليم المنزلي الخاص.
ـ المرحلة العالية: وتضم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) .
1 ـ المرحلة الأولية:
كان التعليم في هذه المرحلة إجبارياً، ويستمر من سن الإلزام المدرسي (بين الخامسة والسادسة) حتى سن الثالثة عشرة. واستهدف التعليم في هذه المرحلة ترسيخ مبادئ الدين وتعاليمه وشعائره في نفس الطفل اليهودي، أي أنه كان ضرباً من التطبيع الاجتماعي. وانتظم التعليم في هذه المرحلة في ثلاثة أنواع من المدارس.
- المدرسة الأولية الخاصة (حيدر (
اُعتبر هذا النوع من المدارس أكثر أنواع المدارس انتشاراً بين الجماعات اليهودية في شرق أوربا، فقد كانت هناك مدارس خاصة يمكن أن يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة بعد أن يحصل على موافقة الحاخام. ورغم أنها كانت مدارس خاصة، كما بينا، إلا أنها خضعت لإشراف الجماعة اليهودية. وكانت الدراسة في هذه المدارس تتم في منزل المعلم (بالعبرية: ميلاميد) الذي كان يدفع الآباء له أجراً نظير تعليم أطفالهم. ولم تكن هذه المدارس تمنح أي شهادات، كما أن تقييم التلاميذ لم يكن يتم طبقاً لمعايير موضوعية. وكانت الدراسة تستمر في هذه المدارس من الصباح إلى المساء ودون أن يُمنَح التلاميذ عطلات إلا في أيام السبت وفي أيام الأعياد.

وكان منهج الدراسة في هذا المستوى يشمل القراءة، وكتاب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة التي استخدموا في تدريسها الترجمة اليديشية، فكان المعلم يترجم النص العبري كلمة بكلمة إلى اليديشية. وبانتشار الطباعة، ظهرت كتب مدرسية مكتوبة باليديشية لأسفار موسى الخمسة ولتفسيراتها. واتُبعت طريقة في التدريس عُرفت بطريقة «السيدرا» ، وهي كلمة عبرية معناها الحرفي «ترتيب» ، وقد أصبحت تشير إلى جزء من أسفار موسى الخمسة يُقرَأ في المعبد يوم السبت. ويقوم هذا المنهج في الدراسة على أن يحفظ الطفل طوال الأسبوع ذلك الجزء من أسفار موسى الخمسة. وفي معظم الأحيان، لم يكن الجزء المقرر يُدرَّس كاملاً وإنما كان يُدرَّس ما يستطيع الطفل استيعابه وحسب، وفي الأسبوع التالي كان الطفل ينتقل إلى الجزء الجديد المحدد للدراسة دون أن يكمل الجزء الذي تركه في الأسبوع السابق، وهكذا. وفي سن العاشرة، كان الطفل ينتقل إلى دراسة التلمود حيث كان الاهتمام بتدريس الجماراه عظيماً بين يهود اليديشية لدرجة أن الطفل كان، في كثير من الأحيان، يبدأ في دراستها في سن السابعة أو الثامنة. وقد اُتبعت في دراستها الطريقة نفسها التي اتُبعت في دراسة أسفار موسى الخمسة. فكان المعلم يقوم بترجمة النص التلمودي من اللغة الآرامية، كلمة بكلمة، إلى اللغة اليديشية حتى يفهم التلاميذ النص، كما كان المعلم أحياناً يقرأ الجزء الذي ستتم دراسته خلال الأسبوع ويترك التلاميذ للدراسة بمفردهم. وعلى هذا، فقد تطلَّبت دراسة التلمود، في هذا المستوى، قدرة غير عادية على متابعتها، ولم يُتمها إلا الطلبة النابهون أو أبناء الأثرياء الذين استطاع آباؤهم دفع أجر أحسن للمعلمين. وعند سن الثالثة عشرة، تنتهي الدراسة في هذه المرحلة بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ، أما القلة منهم فهي التي كانت تنتقل إلى المدرسة الدينية العليا.

ونظراً لأن المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) كان يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة وحاصل على تصريح من الحاخام، فإن مستواها ارتبط تماماً بمستوى معلمها وشخصيته. ولذا، فقد تفاوتت مستويات المعلمين بشكل واضح من مدرسة إلى أخرى، لكن المعلم، مع هذا، كان يخضع لإشراف القهال حينما يكون القهال قوياً، فكان يُحدِّد له المنهج وساعات التدريس، وحتى المكافأة التي يحصل عليها من أولياء أمور التلاميذ. وبتدهور القهال وكل أشكال الإدارة الذاتية في بولندا، أصبح المعلم (الذي كان مدرساً خاصاً يقوم بمشروع تجاري خاص) مسئولاً أمام أولياء الأمور مباشرة. ومن هنا، تدهور مستوى المعلم وساءت نوعيته وظهر كثير من المعلمين غير المؤهلين للتدريس. وكثيراً ما فشل معلم الصغار بسبب عجزه عن التعامل مع الأطفال أو بسبب جهله، كما كان الكثيرون من معلمي المدارس الأولية يتخذون من التدريس مهنة بسبب فشلهم في أن يصبحوا تجاراً أو حاخامات. وبما أن دخل معلم المدرسة الأولية كان منخفضاً، فقد وجد نفسه مضطراً إلى أن يعمل بمهنة إضافية يتكسب منها جزءاً من معاشه إلى جانب مهنة التعليم. وكان الآباء يميلون أحياناً إلى تغيير المعلم عند منتصف العام، وهو ما أدَّى إلى عدم ظهور مجموعة من المعلمين المدربين ذوي الخبرة. وكثيراً ما كان الطالب يُنقل من صف إلى آخر دون أن يصل إلى المستوى المطلوب، وذلك حتى لا يلتحق بمدرسة أخرى. وكان التعليم يتم أحياناً في منزل المعلم الذي لم يكن بالضرورة بيئة مناسبة للعملية التربوية.
ورغم أن منهج المدرسة الأولية كان موجهاً أساساً لدراسة الدين، إلا أنه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف. فطريقة المقاطع الأسبوعية التي اتُبعت في تدريس أسفار موسى الخمسة، أدَّت إلى حصول الطفل على معرفة غير كاملة بهذه الأسفار. كما أن الاهتمام بدراسة التلمود جعل المدرسة الأولية تهمل تماماً دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والمشناه.

ولابد أن نشير إلى أن المدرسة الأولية لم تدرِّس أياً من المواد غير الدينية، كما لم تدرِّس أيَّ لغات أجنبية حتى لغة البلد الذي كان أعضاء الجماعة اليهودية يعيشون في كنفه.
- المدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا)
وهي المدرسة المموَّلة من قبل الجماعة اليهودية والتي يشرف عليها القهال مباشرة ويدخلها أطفال الفقراء والأيتام وغيرهم ممن لا يستطيعون دفع أجر المعلم. وكان منهاج وأهداف هذه المدرسة يماثل تماماً منهاج وأهداف المدرسة الأولية الخاصة. ونال هذا النوع من التعليم الرعاية الكافية حينما كانت مؤسسة القهال قوية وفعالة، كما أنه تدهور تماماً بتدهورها.
- التعليم المنزلي:
وظهر، خلال تلك الفترة، ضرب من التعليم انتشر على نطاق واسع في مدن وقرى شرق أوربا ويمكن أن نسميه «التعليم المنزلي» . ففي المدن، كان بعض الأثرياء من اليهود يُحضرون معلمين خصوصيين لأطفالهم، وكان هذا النظام أكثر انتشاراً في القرى الصغيرة نظراً لعدم وجود عدد كاف من الأطفال يسمح بقيام المدرسة. ولسد هذا النقص، كان المعلم يقيم إقامة كاملة مع إحدى العائلات لتعليم أطفالهم، ثم يحصل على دخله من أطفال العائلات الأخرى التي تُرسل أطفالها للدراسة. وكان المستوى العلمي للمعلمين منخفضاً للغاية، لأنهم فقدوا علاقتهم بالثقافة التلمودية وتأثروا بثقافة الفلاحين السلاف المتخلفة والمشبعة بالخرافات البسيطة. ولذا، فإنهم لم ينجحوا في نقل الثقافة التلمودية بل ساهموا في تهيئة الجماهير اليهودية لتقبُّل الفكر الحسيدي.
- تعليم البنات:

ولم تكن البنات يتلقين أيَّ تعليم ديني إلا ما كنَّ يحصلن عليه داخل المنزل، حيث كان المنزل كافياً لتعليمهن العادات والطقوس الدينية المهمة. ومع هذا، فقد قامت بعض العائلات الميسورة بإحضار معلمات خصوصيات لتعليم بناتهن تلاوة الأدعية والابتهالات ومقاطع من أسفار موسى الخمسة في ترجمتها اليديشية. ويعود تدنِّي مستوى المرأة التعليمي إلى أن العقيدة اليهودية تُعفي المرأة من إقامة كثير من الشعائر الدينية ومن بينها الصلاة، ولذا لم تكن هناك ضرورة لتعليمها.
2 ـ المرحلة العالية:
كانت الدراسة تتم في هذه المرحلة في المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . وكان هدف الدراسة في هذه المدارس إعطاء معرفة متخصِّصة بالتلمود والتفسيرات المرتبطة به والفتاوى التي أعطاها الحاخامات، والقوانين التشريعية المختلفة. انتشرت هذه المدارس في شرق أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فكانت كل جماعة يهودية كبيرة العدد تقيم مدرسة عالية وتدفع لرئيسها راتباً كبيراً حتى يكرس نفسه لدراسة التلمود. وعلاوة على ذلك، قامت الجماعة بإعالة طلاب المدارس العليا الفقراء وإعطائهم منحة مالية أسبوعية، علاوة على أن طلبة المدارس العليا كانوا يتناولون طعامهم من المطبخ العام أو يتناولون وجبات تُموَّل من الأموال المخصصة للأعمال الخيرية. وكان معظم الطلاب يأتون من مدن أخرى، ومن ثم كانوا يقيمون في المدرسة وينامون على المقاعد الخشبية، وعادةً ما كانت المدرسة العليا عبارة عن حجرة واسعة أو عدد من الحجرات بكل منها مناضد طويلة اعتاد الطلاب على الجلوس حولها، يتأرجحون إلى الأمام والخلف وهم ينغمون الدروس بطريقة معينة من أجل حفظها عن ظهر قلب.

وكان الطلاب يُقسَّمون إلى طائفتين: الطلاب المبتدئون، والطلاب المتقدمون. وكان مما يتعيَّن على الطلاب المتقدمين، الذين يستطيعون الدراسة بمفردهم، أن يقوموا بتعليم اثنين من الطلاب المبتدئين وإلا حُرموا من تمويل الجماعة. لكن الوصول إلى هذا المستوى في سن صغيرة كان من نصيب القلة. وكان العام الدراسي مُقسَّماً إلى فصلين: الفصل الشتوي، وكان يمتد من أكتوبر إلى يناير. والفصل الصيفي، وكان يمتد من أبريل إلى يوليه. وخلال هذين الفصلين، كان على الطلاب أن يتواجدوا في المدرسة الدينية العليا ليدرسوا تحت إشراف رئيسها، وكان رئيس المدرسة يحدد الجزء الذي يجب إعداده، وفي اليوم التالي كان ينادي على أحد الطلاب للتسميع. أما الطالب، فكان عليه أن يُظهر مدى استيعابه وتمكُّنه من شكل ومحتوى التلمود، وحينذاك كان رئيس المدرسة الدينية العليا ينتهز الفرصة ليعلق على بعض الأجزاء ويصحح بعض الأخطاء في التفسيرات.

واشتهرت المدارس العليا في شرق أوربا بطريقة في التدريس عُرفت باسم «بلبول» . وكانت هذه الطريقة قائمة علي محاولة اكتشاف التناقضات الكامنة في التلمود دون التعليق عليه، ثم تُطرَح الحلول التي تفسر هذه التناقضات، وبعد أن يتم ذلك تُكتَشَف التناقضات في الحلول نفسها، ومن ثم تُطرَح حلول جديدة. وتستمر هذه العملية إلى أن يتم توضيح الموضوع (محور المناقشة) تماماً. وتحوَّلت هذه الطريقة إلى ضرب من السفسطة وإلى محاولة لإيجاد توازنات فكرية لا علاقة لها لا بالزيف ولا بالواقع، كما أن محاولة الوصول إلى تفسيرات جديدة أدَّت في كثير من الأحيان إلى تحريف المعنى الأساسي. وأدَّى التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية، في مرحلتيه الأولية والعالية، إلى تدعيم عزلة الجماعات اليهودية حضارياً وثقافياً. ومن ثم، فقد حافظ التعليم على هوية اليهود الدينية وثقافتهم اليديشية التي كانت تشكل قلعة حصينة من التقاليد عملت على استمرار عزلة الجماعات اليهودية عن المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وعن التطورات الثقافية والحضارية التي حدثت في هذه المجتمعات.
وحين تدهورت حياة الجماعات اليهودية في بولندا نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد انتفاضة القوزاق بقيادة شميلنكي (1648) ، وتآكلت أُطُر الإدارة الذاتية، لم تَعُد مجالس القهال قادرة على الاضطلاع بوظائفها الاجتماعية والتشريعية والاقتصادية، وتدهورت الأوضاع الثقافية والتعليمية للجماهير اليهودية نتيجة ذلك. كما ازداد بؤس الجماهير وفقرهم ولم تَعُد الثقافة التلمودية، بشكليتها وتعاليمها الجافة، قادرة على الوفاء باحتياجاتهم الروحية، فظهرت الحركة الحسيدية كرد فعل لسيطرة اليهودية الحاخامية المتعالية على جماهير الشعب وكنتيجة لانفصال الدراسات التلمودية الجافة عن الحياة والواقع. ومع تقسيم بولندا للمرة الثالثة عام 1795، انتقل معظم يهود اليديشية إلى الحكم الروسي.

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في إسبانيا الإسلامية والمسيحية والدولة العثمانية
‏Education of Jewish Communities in Moslem and Christian Spain and in the Ottoman Empire
1 ـ إسبانيا (الإسلامية والمسيحية) :
لم يختلف نمط التعليم اليهودي الديني في إسبانيا الإسلامية، في القرنين الثامن والتاسع، عن النمط الذي كان سائداً في بابل، حيث كان الأطفال اليهود يتلقون تعليمهم في المدارس الابتدائية التي كان هدفها الأساسي تأهيل الأطفال اليهود للمشاركة في الشعائر الدينية في المعبد. وبالتالي، كانت المدارس تركز على تعليم القراءة والصلوات وعلى دراسة التوراة والتلمود. ومع الوقت، تأسَّست شبكة واسعة من المدارس الابتدائية، كما تأسَّست معاهد للدراسات العليا المهمة. ومع أن برنامج التعليم اليهودي الابتدائي لم يتغير كثيراً عما كان عليه في بابل، إلا أن كتباً جديدة تم إدخالها على هذا المستوى التعليمي من بينها تعليقات راشي. كما أصبح هناك اتجاه للحد من البلبول مقابل التركيز على أعمال إسحق الفاسي وابن ميمون.

ومن التجديدات الأخرى، إدخال دراسة اللغة العبرية ونحوها في المناهج، والتركيز بشكل أكثر جدية على دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والشعر العبري. كما اتسعت المناهج، خصوصاً بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود، لتضم مواد عامة غير دينية، ولا سيما اللغة العربية التي كانت معرفتها تشكل عنصراً مهماً من عناصر التقدم المهني والمادي. وظهرت، في تلك الفترة، بعض الأدبيات اليهودية حول التعليم والتي تُبرز لنا مدى اتساع المناهج الدراسية في المدارس اليهودية. ونجد في أعمال يوسف بن عكنين ويهودا بن عباس وغيرهما عرضاً لأهم ما يجب أن تقدمه المدارس اليهودية من مناهج وبرامج. فهذه المدارس، من وجهة نظرهم، لابد أن تضم، إلى جانب دراسة التوراة والتلمود، دراسة النحو والشعر والمنطق والرياضة والهندسة وعلم الفلك والموسيقى والعلوم الطبيعية والطب والخطابة والميتافيزيقا.

وكانت هناك اتجاهات تُعارض بشدة اتساع المناهج بهذا الشكل الذي يضم عدداً كبيراً من المواد غير الدينية واللاتينية (وذلك في المدارس اليهودية في المناطق التي استرجعها المسيحيون) ، حيث كان هناك تَخوُّف من تأثير هذه المواد على هوية اليهود الدينية. وبالفعل، وجد يهود إسبانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبخاصة المثقفون، أن عقيدتهم الدينية تآكلت وأن ثقافتهم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية السائدة، وأنهم متأثرون بالفلسفة اليونانية التي تعرفوا عليها من خلال الترجمات العربية. وبالتالي، برز جدل عنيف وانقسام حاد بين معارضي ومؤيدي المناهج الموسَّعة. وقد اتجه سولومون إبراهيم أدرت (حاخام برشلونة وزعيم يهود إسبانيا البارز) إلى منع أية دراسات خارجية أو غير دينية لمن هم أقل من 25 عاماً على أن يُعاقَب من يخالف ذلك بالطرد من حظيرة الدين. وفي القرن الرابع عشر، اكتسب موقف المعارضين قوة بوصول أشر جهيل من ألمانيا إلى إسبانيا (عام 1304) حيث تولَّى منصب الحاخام وعمل على أن يقتصر التعليم اليهودي على دراسة التوراة والتلمود. وبالتالي، غيَّر أشر جهيل مجرى التعليم اليهودي الذي كان سائداً في إسبانيا طوال مدة قرنين أو ثلاثة، لكن الدراسات غير الدينية ظلت سائدة بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود.
2 ـ الدولة العثمانية:

اتَّسمت الدولة العثمانية بتنوع وتعدد الجماعات الدينية والإثنية المقيمة داخل حدودها، والتي تمتعت في ظل الحكم العثماني بحرية العبادة وبحرية تكوين مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها. وانعكس هذا التعدد وذلك التنوع واللامركزية على الجماعات اليهودية نفسها والتي اتَّسمت كغيرها بالتنوع وعدم التجانس. وقد انقسمت هذه الجماعات اليهودية إلى جماعات يونانية وإشكنازية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية، وكان لكل جماعة مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها ومن بينها المدارس. وكانت القسطنطينية وأزمير وسالونيكا وصفد والقدس تضم مدارس ابتدائية ومدارس دينية عليا مهمة. وكانت الجماعة اليهودية في سالونيكا تُعَدُّ أهم وأكبر الجماعات في الدولة العثمانية، الأمر الذي ساعد على تحول سالونيكا إلى مركز للتعليم اليهودي بفضل انتشار المدارس والمؤسسات التعليمية اليهودية بها. وساعد على انتعاش المؤسسات التعليمية اليهودية تدفُّق اللاجئين والمهاجرين اليهود الذين فرّوا من إسبانيا إلى الدولة العثمانية واستقروا بها.
وقد بدأ تحديث مدارس أعضاء الجماعات اليهودية مع نهاية القرن التاسع عشر حين بدأت الدولة العثمانية في تحديث مؤسساتها، ومنها المؤسسات التربوية.
المدرسة الأولية الخاصة (حيدر (
‏Heder

«حيدر» كلمة عبرية معناها «حجرة» ، تُستخدَم للإشارة إلى المدرسة الأولية الخاصة التي ظهرت منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وكانت هذه المدارس مدارس خاصة يمكن أن يقيمها أي شخص ملم بالشريعة بعد الحصول على موافقة الحاخام. وكان معلِّمها (ميلاميد) يحصل على أجره من أولياء أمور التلاميذ، وكانت هذه المدرسة تقع غالباً في منزل المعلم. وكان الأطفال يلتحقون بها بين سن السادسة والثالثة عشرة كما كان التعليم فيها إجبارياً. وكان منهجها يتكون أساساً من قراءة كتب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة بتفسير راشي، وأجزاء من التلمود. ولم تكن هذه المدارس تُدرِّس أيَّ مواد غير دينية. وبوصول التلاميذ إلى سن الثالثة عشرة، كانت الدراسة في هذه المدرسة تنتهي بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ.
وقد هاجم دعاة التنوير اليهود هذه المدرسة بسبب عقم منهجها وسوء طرق التدريس فيها. وقامت الحكومة القيصرية بمحاولات في منتصف القرن التاسع عشر لتحديث هذه المدرسة، إلا أنها لم تحقق النجاح الكافي لكونها مؤسسة خاصة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، أنشأ الصهاينة مدارس الحيدر المطوَّرة (بالعبرية: حيدر متوكان) ، حيث جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، إلا أن الدراسات الدينية فيها توجهت توجهاً قومياً.
الحيدر
‏Heder
(انظر» : المدرسة الأولية الخاصة حيدر ( «.
المدرسة الأولية الخيرية تلمود تورا
‏Talmud Tora

استُخدمت عبارة «تلمود تورا» التي تعني «دراسة التوراة» للإشارة إلى المدرسة التي تُدرِّس التوراة والشعائر وأجزاء محدودة من التلمود لإعداد التلميذ للالتحاق بالمدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم استُخدمت هذه الكلمة فيما بعد للإشارة إلى المدرسة الأولية التي تخضع لإشراف وتمويل الجماعة اليهودية لتمييزها عن المدرسة الأولية التي كان يديرها المعلم. ولذا، تُسمَّى مدرسة الحيدر «المدرسة الأولية الخاصة» ، أما مدرسة التلمود تورا فكانت تُسمَّى «المدرسة الأولية الخيرية» .
وقد اختلفت نوعية تلاميذ هذه المدارس من تجمُّع يهودي إلى آخر. ففي تجمُّعات اليهود في أمستردام والمدن الإيطالية المختلفة، كان يدرس في هذه المدارس التلاميذ الميسورون مادياً والفقراء جنباً إلى جنب. وكان مستوى التعليم في هذه المدارس مرتفعاً. أما في تجمعات يهود شرق أوربا، فكان يحضرها أولاد الفقراء فقط، كما كان التعليم فيها أقل من المستوى، وبالذات بعد تآكل أطر الإدارة الذاتية للجماعات اليهودية.
ظلت هذه المدارس، في تجمعات يهود غرب أوربا، محتفظة بطابعها التقليدي حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أما مدارس تجمُّعات يهود شرق أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حينما بدأت الدولة القومية تحديثها وتغيير مناهجها، فقد أدخلت بعض الدراسات غير الدينية والإعداد المهني في برامجها.
وفي الوقت الحالي، تُعتبَر المدارس الأولية الخيرية إما مدارس طائفية تُدرِّس كل المواد (دينية وغير دينية) أو مدارس تكميلية تعطي دروساً في التوراة والتلمود بعد أن يلتحق التلاميذ بالمدارس العادية.
تلمود تورا
‏Talmud Tora
«تلمود تورا» عبارة عبرية تعني حرفياً «دراسة التوراة» وتُستخدَم للإشارة لشيئين مختلفين:
1 ـ تُستخدَم العبارة للإشارة إلى دراسة التوراة التي تشكل حجر الزاوية في النظام التربوي اليهودي الديني.
2 ـ تشير العبارة أيضاً إلى المدرسة الأولية الخيرية.

الميلاميد
‏Melammed
«ميلاميد» كلمة عبرية تعني «معلِّم» ، وكانت تُطلَق على معلم المرحلة الأولية.
الحلقة التلمودية (يشيفا – أكاديمية (
‏Yeshiva; Academy
«الحلقة التلمودية» مؤسسة فقهية وتربوية يهودية يشار إليها في العبرية بكلمة «يشيفا» ، كما تُستخدَم أحياناً كلمة «أكاديمية» ذات الأصل اليوناني أو كلمة «مثبتاه» ذات الأصل الآرامي، وقد وصفناها هنا بأنها «حلقة» . ولم تكن الحلقات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن مؤسسات تُلقَى فيها دروس على الطلبة وإنما كانت تجمعات للمثقفين والمتفقهين في الدين ممن يتدارسون النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، ويجيبون عن الأسئلة ويصدرون الفتاوى، ويقضون بين الناس. وفضلاً عن هذا، كان هناك بعض الطلبة الذين يتلقون الدروس. ويظهر عدم تحدُّد وظيفتها في التسميات العديدة للحلقة حيث تشير كل تسمية إلى وظيفة واحدة دون الأخرى. فقد كانت تُسمَّى «يشيفا» ، أي «بيت الاجتماع» و «بيت هامدراش» أي «بيت الدرس» ، كما كانت تُسمَّى «السنهدرين» و «بيت دين» ، أي «بيت القضاء» .

ويعود تاريخ الحلقات إلى ما بعد مرسوم قورش (538 ق. م) وعودة بعض اليهود من بابل. ولكن أهميتها زادت بعد انتشار اليهود ثم هدم الهيكل (70م) لأنها أصبحت مركز الحياة اليهودية داخل كل التجمعات، سواء في فلسطين أو في خارجها. ومن أهم الحلقات حلقة يفنه التي أسسها يوحنان بن زكاي عام 70 ميلادية، وقد قام بعض مريدي هذه الحلقة بتأسيس حلقات أخرى في مدن مختلفة في فلسطين مثل طبرية وصفد. وقامت هذه الحلقات بجمع وكتابة التلمود ومن هنا تسميتنا لها بـ «الحلقة التلمودية» . أما في بابل، فيعود وجود الحلقات إلى القرن الثالث الميلادي، وتوجد أهم حلقتين في سورا ونهاردعه، التي انتقلت إلى بومبديثا في القرن الثالث الميلادي. وقد فقدت هذه الحلقات أهميتها بعد القرن الحادي عشر الميلادي، وإن كانت قد استمرت في الوجود حتى القرن الثالث عشر.
وقد نشب صراع على السلطة بين الفقهاء (جاؤنيم) من رؤساء الحلقات ورأس الجالوت (المنفى) ، فكان رؤساء الحلقات يتولون أحياناً جمع الضرائب، وهو ما كان يمثل تحدياً لسلطته. واستمر الصراع عدة قرون. ولكن مع حلول القرن العاشر الميلادي، وبعد انتشار الإسلام، نُقلت الحلقات إلى بغداد. وحُسم الصراع بين حلقتي سورا وبومبديثا في نهاية الأمر لصالح الثانية.

وقد وثَّق رؤساء الحلقات علاقتهم مع التجار والصيارفة اليهود الذين كانت لهم علاقات خاصة مع الحاكم. وأصبحت القوى التجارية نخبة قائدة، وأصبحت القيادة الدينية تابعة لها (ويشبه هذا الوضع إلى حدٍّ ما الوضع في الولايات المتحدة) . ومما دعم هذا الاتجاه أن رؤساء الحلقات أنفسهم كانوا من العناصر التجارية. وقد لعبت هذه النخبة دوراً أساسياً بوصفهم صيارفة بلاط (أو حكومة) ذوي نفوذ، وهو ما مكن سعيد بن يوسف الفيومي من أن يظل رئيساً لحلقة سورا مدة عامين، حتى بعد أن طرده رأس الجالوت. ويُلاحَظ أنه في الصراع الدائر بين الحلقات، كانت طبقة التجار تتحد مع الفقهاء باعتبارهم نخبة تستند إلى المال والثقافة المكتسبَين، على عكس رأس الجالوت الذي كان يستند منصبه إلى الميراث (وهذا صدى للصراع الدائر في الحضارة الإسلامية بين العرب والموالي، فالعرب كانوا نخبة تستند إلى الميراث، أما الموالي فكانوا يحققون مكانتهم من خلال الثروة والثقافة) . وفي نهاية الأمر، زاد نفوذ التجار حتى أن رأس الجالوت نفسه خضع لهم، فكانوا يعينونه، ثم أصبحح لقباً شرفياً، ثم اندمج منصب رأس الجالوت مع منصب رئيس الحلقة. ومما يجدر ذكره أنه، بسبب التحام العناصر التجارية والثقافية، كانت الحلقات نفسها قنوات لانتقال رأس المال والخدمات المصرفية.
مثبتاه
‏Methbeta
«مثبتاه» كلمة آرامية تُستخدَم للإشارة إلى مجالس الفقه والدراسة والتي كان يُشار إليها أيضاً باسم «يشيفا» و «أكاديمية» . وكان يُطلَق على رأس الجالوت اسم «رأس المثبتاه» ، نسبة إلى كلمة «مثبتاه» .
المدرسة التلمودية العليا (يشيفا (
‏Yeshiva

«المدرسة التلمودية العليا» ترجمة للكلمة العبرية «يشيفا» وجمعها «يشيفوت» ، وهي مؤسسة تعليمية للدراسات التلمودية المتقدمة يلتحق بها الطالب بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية. وقد اقتصر منهجها على دراسة التلمود والتفسيرات والتعليقات (الهوامش) المرتبطة به. وغالباً ما كان يحصل الحاخامات على تعليمهم داخلها، إلا أنها لم تكن مدارس لتخريج الحاخامات.
ومنذ القرن الثامن الميلادي، وُجدت مدارس تلمودية في مدينة القيروان وفاس وتلمسان في الجزائر، وفي مدينة الفسطاط في مصر، وفي إسبانيا، وُجدت مدارس تلمودية عليا في عدد من مدنها، وكانت أهمها تلك التي أسسها موسى بن حانوخ في القرن العاشر الميلادي. كما وُجدت مدارس تلمودية عليا في لوسينا وبرشلونة.
وأُسِّست مدارس تلمودية إشكنازية عليا في بلدان أوربا، كان أهمها في فرنسا وألمانيا منذ القرن العاشر الميلادي. وكان من أهم العلماء التلموديين الذين تخرجوا في هذه المدارس في العصور الوسطى جرشوم بن يهودا والفقهاء المعروفون باسم «توسافوت» .
وقد قامت الدراسة في هذه المدارس حول أحد العلماء المتعمقين في التلمود والشريعة الشفهية بشكل عام، فيكون رئيسها والمعلم الوحيد فيها. ولم تعرف هذه المدارس الفصول الدراسية، فكان الجميع يدرسون نفس النص التلمودي. كما أن ساعات الدراسة كانت طويلة، ولم يكن الدارسون يُعطَون إجازات إلا نادراً. وكان العام الدراسي ينقسم إلى فصلين دراسيين تفصل بينهما عطلة. وعُرف نظام منح الدرجات الجامعية في المدارس العليا في شمال فرنسا، فكان لقب «الزميل» (بالعبرية: حابير) هو بمنزلة اعتراف بإنجاز الطالب ويعادل درجة الليسانس. أما لقب «معلمنا» (بالعبرية: مورينو) فيعادل درجة الدكتوراه، وكان يشير إلى أن الدارس أصبح عالماً بالتلمود معلماً له، ومن المسموح له فتح مدرسته إن أراد.

وكان رئيس المدرسة التلمودية العليا مسئولاً عن تمويلها بمساعدة الجماعة، إلا أن الطلبة الميسورين كانوا يدفعون نفقات تعليمهم. ومنذ منتصف القرن السادس عشر، ظهر نوع جديد من المدارس التلمودية العليا الخاضعة لإشراف التنظيمات الإدارية للجماعات اليهودية، وقامت مؤسسة القهال بإصدار القواعد التنظيمية للمدارس وحدَّدت المؤهلات الواجب توافرها في رئيس المدرسة وشروط قبول الطلاب والمنهج والكتب المستخدمة، كما قامت باتخاذ الإجراءات الخاصة بتوزيع الطلاب الفقراء على الأسر اليهودية في المنطقة بالتناوب حتى يمكن تزويدهم بالوجبات اليومية. ووُجد في إيطاليا وألمانيا نظام عُرف باسم «كلاووس» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «بيت الدراسة» ، حيث كان عدد من العلماء التلموديين وعدد قليل من الطلاب يدرسون معاً في المعابد الصغيرة، واقتصرت الدراسة فيه على الحوار والجدل، ومن ثم تركزت على تفسيرات وشروح التلمود.
ومنذ القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، أصبحت بولندا وليتوانيا أهم مركز للدراسات التلمودية في العالم، ومن ثم وُجدت فيها أهم المدارس التلمودية العليا مثل مدرسة لوبلين وكراكوف وبراج وبرست ليتوفسك ومنسك. واستُخدمت داخل هذه المدارس طريقة للحوار عُرفت باسم «بلبول» تقوم أساساً على محاولة اكتشاف التناقضات الحقيقية واللفظية الكامنة في أي نص والفروق الدقيقة بين الكلمات، ثم يُطرَح حل لهذا التناقض، وتُعاد الكرَّة مرةً أخرى إن كان الحل نفسه ينطوي على تناقض فيُنظَر فيه من جديد. وقد تدهورت المدارس التلمودية في شرق أوربا منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر نتيجة انتفاضة شميلنكي (1648) التي قضت على عدد من التجمعات اليهودية، بسبب الصعوبات المادية التي كان يعاني منها أعضاء الجماعات اليهودية. كما أن انتشار الحسيدية، التي أخذت موقفاً معادياً من الدراسات التلمودية، لم يساعد على عملية إحياء هذه المدارس.

وفي بداية القرن التاسع عشر، قامت محاولات لتحديث هذه المدارس وتطوير مناهجها، فنبذت هذه المدارس التلمودية طريقة النقاش العقيمة. وحينما زاد عدد تلاميذها أنشئ مبنى خاص بها، ولحل مشكلة التمويل أُرسل مبعوثون لجمع التبرعات في أنحاء روسيا والولايات المتحدة، كما ظهرت بعض المدارس التلمودية العليا التي تتبع حركة الموزار حيث كرَّست هذه المدارس بعض الوقت لدراسة نصوص أخلاقية. وقد اعتُبر هذا ثورة فكرية آنذاك في وقت كرَّست فيه معظم المدارس الأخرى جُلَّ وقتها لدراسة التلمود.
ولكن، مع تزايد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية، ومع تراجع اهتمامهم بالدراسات التلمودية، ومع انتشار مُثُل حركة التنوير، تناقص عدد المدارس التلمودية العليا. أما ما كان قائماً منها، فقد أخذ شكلاً مغايراً تماماً للشكل التقليدي. فعلى سبيل المثال، لم تَعُد الدراسة في المدارس التلمودية العليا مقصورة على الدراسات التلمودية الفقهية إذ أصبح من أهدافها إعداد الحاخامات للاضطلاع بمهامهم، بما في ذلك تزويدهم بقدر من الثقافة العامة، وتضمنت مقررات كثير من المدارس بعض المواد غير الدينية. وتحوَّلت هذه المدارس، فيما بعد، إلى معاهد وكليات للدراسات الدينية. ونظراً لتغيُّر نوعية تعليم الطلاب الذين انضموا إلى هذه المعاهد، والذين لم يتلقوا إعداداً كافياً في الدراسات الدينية، أُنشئت مدارس تلمودية متوسطة انضم إليها الطلاب من سن الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة لإعدادهم للدراسة في المدارس التلمودية العليا.
وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن تُوجَد في أمريكا الشمالية مدارس تلمودية عليا. ولكن، بعد هذا التاريخ، أُسِّست بعض المدارس مثل معهد الدراسات العليا الذي أسسه آرون كوستلر في مدينة ليك وود بولاية نيوجرسي، ونير إسرائيل في بلتيمور. ويجمع طلاب هذه المدارس بين الدراسات الدينية المتخصصة في هذه المدارس والدراسة العامة في الجامعات الأخرى.

وقد بدأ تأسيس المدارس التلمودية العليا في فلسطين منذ القرن السادس عشر وكانت سفاردية. وفي عام 1840، أُسِّست أول مدرسة تلمودية إشكنازية. ثم زاد عدد المدارس التلمودية العليا في إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة هجرة اليهود إليها. وتُعتبَر إسرائيل أهم مركز للدرسات الدينية العليا حالياً. ونظراً لأن دولة إسرائيل تؤجل تجنيد الطلبة في هذه المدارس، فقد زاد عدد الطلبة الذين سجلوا للدراسة فيها. وطبقاً للإحصاءات الحكومية، كان عدد هؤلاء الطلاب 18 ألف طالب في أواخر الثمانينيات.
ومن أهم القضايا التي تُثار في إسرائيل، في الوقت الحالي، الإعفاء من التجنيد الذي يتمتع به طلبه المدارس التلمودية العليا. وتُعتبَر هذه نقطة احتكاك وتوتر بين القطاعات الدينية والقطاعات اللادينية في الدولة الصهيونية.
اليشيفا
‏Yeshiva
«يشيفا» كلمة عبرية تعني حرفياً «الجلوس» ، ويرجع استخدامها إلى نظام جلوس علماء الشريعة وتلاميذهم الذين كانوا يشاركون في تفسير ومناقشة الشريعة واستخراج التشريعات المختلفة، كما تشير الكلمة إلى مؤسسات تعليمية وُجدت بين التجمعات اليهودية في أزمنة وأماكن مختلفة. فهي تُستخدَم للإشارة إلى:
1 ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، والتي يُطلَق عليها في اليونانية والإنجليزية «الأكاديميات» وفي الآرامية «المثبتاه» ، وهي المؤسسة التي تم من خلالها جَمْع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي.
2 ـ المدارس التلمودية العليا التي وُجدت بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وكان الطالب يلتحق بها بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية لدراسة التلمود والتفاسير المرتبطة به.

أي أن كلمة «يشيفا» تشير إلى مدلولين مختلفين ينتميان إلى أماكن وأزمنة مختلفة ويضطلع كل واحد منهما بوظائف مختلفة: الحلقة التلمودية والمدرسة التلمودية. فبينما تُعنَى الحلقة التلمودية بدراسة الفقه والإفتاء والقضاء مضافاً إليها الدراسة، فإن المدرسة التلمودية العليا مؤسسة تعليمية وتربوية. ولذا، فقد قمنا باستخدام مُصطلَحين مختلفين بدلاً من كلمة واحدة (أي «يشيفا» ) لنميز بين الظاهرتين. إلا أننا احتفظنا برابطة بينهما وهي كلمة «تلمودية» . ومن ثم، فإننا نرى شكلاً من أشكال الاستمرار داخل إطار من التنوع والاختلاف. فالحلقات التلمودية هي الحلقات التي أصدرت الفتاوى والتفاسير التي تراكمت ثم جُمعت لتصبح المشناه فالجماراه وكلاهما عنصران يكوِّنان التلمود. فالحلقة «تلمودية» باعتبار أن أصول التلمود وتكوينه يعودان إليها. أما المدرسة التلمودية العليا، فهي «تلمودية» باعتبار أن التلمود يشكل جوهر الدراسة فيها.
الأكاديمية
‏Academy
«أكاديمية» كلمة من أصل يوناني وتعني «مدرسة عليا» أو «حلقة نقاش» ، وتُستخدَم الكلمة في الدراسات العبرية واليهودية باعتبارها مرادفة لكلمة «يشيفا» العبرية. وتشير الكلمتان إلى مؤسستين تربويتين مختلفتين تمام الاختلاف وينتميان إلى فترات زمنية مختلفة:
1 ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، حيث جُمع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي.
2 ـ المدارس الدينية العليا التي أُسِّست بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وإن كان هذا المدلول غير شائع.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - بولندا من التقسيم حتى الوقت الحاضر

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

تقسيم بولندا
‏Partition of Poland
من أهم الأحداث التاريخية التي تقع خارج نطاق ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، والتي أثرت في الجماعة اليهودية في شرق أوربا (يهود اليديشية) تأثيراً عميقاً، تقسيم مملكة بولندا في الفترة 1772 ـ 1795. كان التقسيم الأول عام 1772 والثاني عام 1793 والثالث عام 1795. واستغرقت العملية خمسة وعشرين عاماً ثم مرت خمسة وعشرون عاماً أخرى حتى تم تثبيت الحدود.
التقسيم الأول (1772) :
ضمت روسيا المنطقة التي تعرف باسم روسيا البيضاء (بيلوروسيا) في شمال شرق بولندا. أما الأجزاء الجنوبية الغربية المعروفة باسم جاليشيا (أو روسيا الحمراء) ، فضُمَّت إلى النمسا. كما ضمت بروسيا أجزاء من غرب بولندا، ففقدت بولندا بذلك ثُلث أراضيها وخُمس سكانها. وكان هذا يعني أن ثُلث يهود بولندا أصبحوا تحت حكم كل من النمسا وروسيا وبروسيا، وكانت أغلبيتهم في جاليشيا (التابعة للنمسا) .
التقسيم الثاني (1793) :
زادت كل من روسيا وبروسيا ممتلكاتهما، فقسمتا نصف بولندا تقريباً فيما بينهما.
التقسيم الثالث (1795) :
تم تقسيم البقية الباقية من بولندا بين روسيا وبروسيا والنمسا. وأدَّى التقسيمان الثاني والثالث إلى توزيع 800.000 يهودي بين النمسا وبروسيا وروسيا.
التقسيم الرابع (1815) :

ظهر نابليون عام 1806 وأسس دوقية وارسو التي اقتطعها من الجزء الذي كان قد ضُمَّ إلى بروسيا عام 1793، ثم ضم إليها أجزاء من المنطقة التي كانت النمسا قد ضمتها. ولكن، في مؤتمر فيينا عام 1815، رُسمت الخريطة السياسية فيما يعتبر التقسيم الرابع، فأبقت النمسا على جاليشيا، وضمت بروسيا ثورن والمناطق المجاورة التي اتحدت مع بقية المناطق البولندية التي ضمتها بروسيا وسميت دوقية بوزنان، وظهرت دولة كراكوف الحرة واستمرت حتى عام 1846 حيث ضمتها النمسا إلى جاليشيا. أما روسيا، فاحتفظت بغنائمها التي حصلت عليها في التقسيمين الأول والثاني وضمت المقاطعات الجنوبية والغربية. أما الجزء الأوسط من بولندا، أي مقاطعة وارسو، فأصبح مملكة بولندا، وهي كيان سياسي شبه مستقل كان يتبع روسيا إلى أن أصبح مقاطعة روسية بعد عام 1831.
التقسيم الخامس (1939) :
بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب الروسية ـ البولندية (1920 ـ 1921) ثم معاهدة ريجا بين روسيا وبولندا (مارس1921) ، تقررت حدود بولندا وأصبحت مضمونة بموجب معاهدة عدم الاعتداء السوفيتية البولندية (1932) التي تم تجديدها سنة 1934 لعشرة أعوام. ويرى بعض المؤرخين أن تقسيم بولندا بين ألمانيا وروسيا هو التقسيم الخامس، وهو التقسيم الذي تقرر بناءً على البنود السرية للاتفاق الألماني السوفيتي المؤرخ في 23 أغسطس 1939. وفي أعقاب هذا الاتفاق، غزت القوات الألمانية الأراضي البولندية في الأول من سبتمبر 1939، وغزت القوات السوفيتية شرق بولندا خارقة بذلك معاهدة عدم الاعتداء المجددة عام 1934.
بوزنان
‏Poznan

مدينة في بولندا الكبرى، وبوزنان عاصمة مقاطعة تحمل الاسم نفسه. وفي الألمانية، يشار لكل من المقاطعة والمدينة بكلمة «بوزن» . وقد استقر فيها اليهود منذ أواخر القرن الرابع عشر حيث كانت أحد أهم المراكز اليهودية. وقد نشأت صراعات بين أعضاء الجماعة اليهودية (10% من مجموع سكان المدينة) وبقية السكان الذين حاولوا أن يقفوا ضد تجارة القطاعي اليهودية وأن يحددوا عدد منازل اليهود ويطردوا القادمين الجدد منهم. واستمرت هذه المحاولات حتى بداية القرن السابع عشر. ومع هذا، كانت أحوال الجماعة جيدة بشكل عام، فكانوا يقومون بوظيفة مهمة في المجتمع وكانوا موضوعين تحت حماية الملك.
ومع القرن السابع عشر، بدأ التدهور الحقيقي؛ إذ زادت الضرائب، وبدأ يتوافد تجار ألمان من سيليزيا ليشكلوا منافسة قوية للتجار اليهود، وغرق القهال في الديون (ولم تُحل هذه المسألة إلا في منتصف القرن الـ 19) ، وواجه التجار اليهود صعوبات غير عادية في الأسواق التجارية في فرانكفورت وبراندنبرج وغيرها. وازداد حال اليهود سوءاً خلال الحرب السويدية (1655ـ 1660) ، إذ أدَّى التدهور الاقتصادي إلى زيادة حدة الصراعات الاجتماعية وتَناقُص عدد السكان، وإهمال التعليم الديني.
ولم يختلف الوضع كثيراً في القرن الثامن عشر، فقد ترك اليهود المدينة بأعداد متزايدة، ولم يتمكن من تَبَقَّى منهم أن يفعل أي شيء. وظل هذا الوضع إلى أن ضُمت بوزنان (المدينة والمقاطعة) إلى بروسيا عام 1793. وبذا، كانت بروسيا تضم عام 1807 نحو 200 ألف يهودي. ثم ضمت بوزنان إلى دوقية وارسو التي أسسها نابليون ثم أُعيدت إلى الحكم البروسي عام 1815.

وطبَّقت بروسيا، في بداية الأمر، القوانين الصادرة عام 1750 التي كانت تهدف إلى الحد من عدد اليهود والإبقاء على الأثرياء مهنم فقط. ولكن، بعد ذلك، تم التخلي عن هذه السياسة، وتبنت البيروقراطية الألمانية سياسة ممالئة للعنصر اليهودي الذي يتحدث اليديشية باعتباره عنصراً ألمانيا يمكن الاعتماد عليه مقابل العنصر البولندي السلافي.
وتسبَّب ذلك في عزل أعضاء الجماعة عن العناصر البولندية. وحينما أُلغي الاستقلال الشكلي لدوقية بوزنان الكبرى وأصبحت مقاطعة بروسية، أصبح سائر اليهود مواطنين بروسيين لعبوا دوراً أكثر نشاطاً في الحرب الدائرة بين الاتجاه الداعي إلى ألمنتها والاتجاه الداعي إلى صبغها بالصبغة البولندية. وبطبيعة الحال، كان أعضاء الجماعة ضمن مؤيدي الاتجاه الأول. لكل هذا، كانت الحركات البولندية تهاجم اليهود باعتبارهم عناصر ألمانية معادية. وعندما ظهرت المحاولات البولندية القومية للاستقلال الاقتصادي التي أخذت شكل تعاونيات ومصارف ومشاريع اقتصادية أخرى، كان لها اتجاه معاد لليهود. ونتج عن ذلك هجرة يهودية من المدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة، وصاحب ذلك انتقال من التجارة المحلية إلى العمل في المصارف والصناعة والمهن. ثم اتجهت الهجرة نحو بروسيا، وخصوصاً برلين وبرسلاو، وأخيراً نحو الولايات المتحدة. وقد تناقص عدد سكان بوزنان اليهود من 76.757 (5.7%) عام 1849 إلى 26.512 (1.26%) عام 1910. وكانت نسبة كبيرة من يهود المدن الألمانية الكبرى من يهود بوزنان. وبعد ضم بوزنان إلى بولندا، بعد الحرب العالمية الأولى، هاجرت البقية الباقية إلى ألمانيا ولم يبق سوى بضعة آلاف.
وتسبَّب وضع بوزنان الحدودي في مشكلتين:
1 ـ فصل العنصر البولندي اليهودي عن الحركة القومية البولندية، وهو ما جعلها معادية لليهود لتعاونهم مع الألمان.

2 ـ تسببت هجرة يهود بوزنان، إلى المدن الألمانية الأساسية، في إعادة صبغ يهود ألمانيا بصبغة شرق أوربية. فيهود ألمانيا الأصليون كانوا مندمجين في محيطهم الحضاري تماماً، وكانوا لا يتحدثون سوى الألمانية، كما كانوا يدافعون عن القومية العضوية الألمانية ويتبنون أسلوب الحياة الألماني. أما يهود شرق أوربا، فلم يتم صبغهم بالصبغة الألمانية إلا في مرحلة متأخرة، ولذا كانت هويتهم الألمانية سطحية وضعيفة، بل واحتفظوا بكثير من ملامح شخصيتهم الشرق أوربية اليديشية. كما كانت تنتشر بينهم الأفكار الصهيونية.
تزايد عدد المهاجرين من يهود بوزنان، ويهود اليديشية بشكل عام، حتى أصبح لهم وزن عددي كبير. وأدَّى ذلك إلى إعادة تعريف كلمة «يهودي» في العقل الألماني بحيث تمت المساواة بين يهود اليديشية الغرباء ويهود ألمانيا المندمجين، وأصبح الجميع يهوداً غرباء. ولكن الأهم من ذلك أنهم لم يكونوا غرباء وحسب وإنما كانوا أيضاً «إيست يودين» ، أي يهوداً شرق أوربيين من أصل سلافي. والشعوب السلافية، بحسب النظرة النازية، كانت تُعتبَر المجال الحيوي لألمانيا، كما كانت هدفاً للعنصرية النازية. فكأن هجرة يهود اليديشية، وضمنهم يهود بوزنان، ساهمت في إعادة تصنيف يهود ألمانيا من «العنصر الغريب الذي لابد من دمجه» إلى «العنصر الغريب الذي لابد من نبذه» ، فهو إذن ليس «الغريب» وحسب وإنما هو، أيضاً «الغريم» .
جوزيف بيلسودسكي (1867-1935)
‏Jozef Pilsudski

رجل دولة بولندي وابن أحد فقراء طبقة النبلاء (شلاختا) . وُلد في فلنا (ليتوانيا) ودرس الطب. ناضل منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر من أجل استقلال بولندا عن روسيا القيصرية، وقُبض عليه عام 1887 بتهمة محاولة اغتيال قيصر روسيا الإسكندر الثالث. وفر إلى سيبريا، ولكنه عاد منها وقد ازداد إصراراً على تحرير بولندا، فانضم للحزب الاشتراكي البولندي وأصبح قائداً له وحرَّر مجلته السرية. وفي عام 1909، قُبض عليه مرة أخرى وسُجن في قلعة وارسو، فادَّعى الجنون ببراعة فائقة ونُقل إلى مستشفى عسكري في روسيا حيث فر منها. وحينما اندلعت الحرب الروسية اليابانية، اتجه بيلسودسكي إلى اليابان بحثاً عن مساعدة له في التمرد الشعبي الذي كان ينوي تنظيمه ضد روسيا. وكوَّن نواة الجيش البولندي بأموال سرقها من قطار بريد روسي. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، حاربت قواته مع القوات النمساوية والألمانية ضد روسيا، ولكن الألمان رفضوا الاعتراف باستقلال بولندا وألقوا القبض عليه عام 1917. ولكنه أُفرج عنه بعد هزيمة ألمانيا، وعاد إلى بولندا حيث استُقبل استقبال الأبطال في 10 نوفمبر 1918. وبعد أربعة أيام من وصوله، قَبل منصب رئيس الدولة. وبذلك أصبح أول رئيس لدولة بولندا المستقلة في العصر الحديث، وظل يشغل المنصب في الفترة 1918 ـ 1923. وكان بيلسودسكي يهدف إلى إنشاء دولة فيدرالية تضم ليتوانيا وأوكرانيا وبولندا. وحينما قام الجيش الأحمر عام 1920 بهجوم على بولندا، صده بيلسودسكي محققاً النصر لبولندا.

وبعد صدور دستور بولندا الجديد عام 1922، عُقدت انتخابات عامة تخلى بيلسودسكي بعدها عن سلطاته وعمل قائداً للجيش. وحينما وصل الحزب اليميني إلى الحكم، استقال بيلسودسكي من منصبه واعتزل الحياة السياسية (مؤقتاً) عام 1923. وحين وجد أن المناقشات البرلمانية التي لا تنتهي ستودي بالدولة الجديدة، استولى على الحكم بدعم من الأحزاب اليسارية، رافضاً منصب رئيس الدولة واكتفى بمنصب وزير الحرب، ولكنه كان القوة المحركة من وراء الستار. وفي عام 1930، تخلى عنه أصدقاؤه اليساريون لتحالفه مع كبار الملاك وبدأوا حملة لإسقاط الديكتاتور، على حد قولهم، فرد عليهم بيلسودسكي بمنتهى العنف إذ ألقى القبض عليهم وحكم بولندا من خلال أعوانه الجدد.

احتك بيلسودسكي بأعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، وخصوصاً العمال منهم، في مقتبل حياته السياسية. وأسس الحزب الاشتراكي البولندي الذي أصدر مجلة باللغة اليديشية، إلا أنه هاجم حزب البوند بشدة باعتباره يمثل الانفصال الديني والتجاري اليهودي ويفضل الترويس ويعارض الاستقلال البولندي. وعندما استولى بيلسودسكي على السلطة عام 1926، زاد تَدخُّل الدولة في الشئون الداخلية للجماعة اليهودية كما فرضت قيوداً متزايدة على نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي. ومما يُذكَر أن وضع الجماعة اليهودية في بولندا كان وضعاً قلقاً نظراً لميراثهم التاريخي المرتبط بطبقة النبلاء (شلاختا) التي استغلت الجماهير البولندية وعملت ضد المصالح القومية للبلاد. وبالتالي، جاء استقلال بولندا ليعمق عزلة الجماعة اليهودية في بولندا ويتجه إلى لفظها. وعزز هذا الاتجاه أيضاً نمو طبقة تجارية بولندية بدأت، ومعها الدولة البولندية، في الاضطلاع بالوظائف الوسيطة التقليدية لأعضاء الجماعة اليهودية. وفي عام 1934. أبرمت حكومة بيلسودسكي معاهدة مع هتلر بعد أن أدرك أن فرنسا غير قادرة على حماية بولندا ضد ألمانيا التي بدأت في إعادة تسليح نفسها. وحاول هتلر إقناع بيلسودسكي بالانضمام إليه في الهجوم على روسيا، ولكن بيلسودسكي رفض، وجدد معاهدة عدم الاعتداء مع روسيا. ومات بيلسودسكي عام 1935 في وارسو.
بولندا بعد التقسيم حتى الحرب العالمية الثانية
‏Poland, from the Partition to the Second World War
بعد تقسيم بولندا (1772 - 1795) ، تم ضم أغلبية يهود بولندا إلى بلاد أوربية أخرى هي: النمسا وبروسيا وأساساً روسيا. وبحلول عام 1828 كان ثلثا يهود بولندا يعيشون في مدن صغيرة (شتتلات) ويشكلون 50% من سكانها، يعملون تجاراً صغاراً ويمارسون بعض الحرف مثل تقطير الخمور والصناعات المنزلية، وخصوصاً النسيج، دون تَدخُّل كبير من الحكومة المركزية الضعيفة.

وبدأت عملية دمج أعضاء الجماعة اليهودية أو تحديثهم مع دخول نابليون بولندا عام 1807 الذي منحهم حقوقهم المدنية وطبق عليهم القرارات نفسها التي طُبقت عليهم في فرنسا وهي أن الحقوق تمنح لليهود بمقدار استعدادهم للاندماج، ولذا حُجبت الحقوق السياسية عنهم لمدة عشرة أعوام تُعَد فترة انتقالية كان عليهم أن يتخلصوا خلالها من سماتهم الخاصة وأن يندمجوا في بيئتهم. ثم عُقد، عام 1815، مؤتمر فيينا الذي حوَّل بولندا إلى مملكة مستقلة تحت حكم القيصر. وكان دستورها يتضمن بنوداً تحمي حقوق اليهود وتزيدها بمقدار اندماجهم في المجتمع. وكتب أحد الأساقفة البولنديين إلى المفكر الألماني اليهودي المستنير ديفيد فرايدلندر يسأله عن أفضل السبل لإصلاح (أي تحديث) يهود بولندا، فاقترح ضرورة تدريب اليهود على الحياة المتحضرة قبل إعطائهم حقوقهم المدنية، أي أنه اقترح عليه عملية التحديث الأوتوقراطي (من أعلى) التي طُبِّقت في روسيا. بعد ذلك، كوَّن بعض اليهود الأثرياء (من التجار المندمجين وأعضاء المهن الحرة) لجنة المؤمنين بالعهد القديم عام 1825 لتطوير التعليم اليهودي، وبالفعل تأسست مدرسة حاخامية حديثة. وعلى مستوى التحديث الاقتصادي، أُلغي القهال عام 1822، كما فُرضت ضريبة على تجار الخمور اليهود (وهذه من بقايا نظام الأرندا) حتى يتركوا هذه الوظيفة التي كانت تسبب سخط الجماهير ضدهم، ولتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة. وقد ظهرت طبقة من المثقفين البولنديين اليهود، في وارسو أساساً، انتماؤهم القومي لبولندا أكثر تحدداً ووضوحاً. ومع هذا، لم يحرز أعضاء الجماعة اليهودية نجاحاً كبيراً في مجال محاولة الاندماج بسبب عدم اكتراث البورجوازية البولندية بهم وعدم ثقتها فيهم. كما يُلاحَظ أن اليهود خارج وارسو لم يُظهروا ميلاً كبيراً لعملية الدمج والتحديث. وصدر مرسوم روسي عام 1862 أعطى اليهود حرية بيع وشراء الأرض والمنازل والسكنى أينما شاءوا، وأُبطل

القَسَم اليهودي، كما مُنع استخدام العبرية واليديشية لتعميق دمجهم واندماجهم. وحينما اندلع تمرد عام 1863، لم تشترك فيه أعداد كبيرة من اليهود، كما أن يهود ليتوانيا وقفوا ضده. وحينما بدأ الروس في التنكيل بالثوار، لم ينل اليهود منهم أي أذى، الأمر الذي أبعدهم عن الحركة القومية البولندية.
وفي عام 1870، بدأت الحركة القومية البولندية تأخذ طابعاً معادياً لليهود (باعتبارهم جماعة وظيفية مالية) ، فطالبت بصبغ التجارة والصناعة بالطابع البولندي، واتهمت رأس المال اليهودي بأنه غريب وبأن الجماهير اليهودية معادية للحضارة الحديثة جاهلة بها. وتم تأسيس أحزاب قومية شعبية بولندية جعلت الحرب ضد دمج اليهود هدفاً أساسياً لها، كما بدأت تظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية الاتجاهات الصهيونية. وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم تدني أحوال اليهود بشكل عام، كانت تُوجَد طبقة ثرية تشغل مراكز مهمة في التجارة الخارجية وفي تجارة الأخشاب والغلال وفي المهن الحرة.
ومع الحرب العالمية الأولى، كان وضع يهود روسيا وبولندا متشابهاً في كثير من النواحي، من أهمها الانفجار السكاني. ويُلاحَظ أنه، مع عام 1772، كان في بولندا 70% من يهود العالم وأكثر من 80% من الإشكناز (وهو القطاع الذي أفرز الصهيونية ومعظم الحركات اليهودية الأخرى) . وإذا وضعنا في الاعتبار أن اليهود الأصليين، في معظم دول أوربا، اندمجوا في السكان وكانوا لا يشكِّلون كثافة سكانية حقيقية، وأن أعدادهم تزايدت بسبب هجرة أعداد من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن كل الجماعات اليهودية التي ظهرت في الغرب في القرنين الأخيرين هي من فروع يهود بولندا، وهو ما يجعل قول هتلر والأدبيات النازية حقيقياً حيث أعلن أن الجيب اليهودي في بولندا ومنطقة الاستيطان هو «المستودع البولندي الذي يُصدِّر الفائض البشري اليهودي وأنه يشكل البنية التحتية البيولوجية لليهودية العالمية» .

وتذكر الموسوعة اليهودية أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون 6.8% من مجموع سكان بولندا عام 1816، ثم قفز العدد إلى 13% عام 1897، أي أن كل مائة بولندي كان يُوجَد بينهم ثلاثة عشر يهودياً رغم هجرة أعداد كبيرة منهم إلى خارج بولندا. وتُعدُّ هذه من أعلى النسب التي حققها أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. ورغم صعوبة تحديد الأعداد بدقة، باعتبار أن بولندا كانت مُقسَّمة، فيمكن بالاعتماد على عدة مصادر أن تُقرَّب إلى:
الدولة / سنة 1825 / سنة 1900
روسيا قبل الحرب / 1.600.000 / 5.175.000
بولندا / 400.000 / 1.325.000
أوكرانيا، روسيا الجديدة، بيساربيا / 625.000 / 2.300.000
ليتوانيا وروسيا البيضاء / 350.000 / 1.450.000
جاليشيا /275.000 / 811.000
وقد زاد عدد يهود أوربا ككل في تلك الفترة من 2.730.000 إلى 8.960.500، وبلغ عدد يهود بولندا عام 1939 نحو 3.510.000.
ويمكن فهم عزلة يهود بولندا من الإحصاءات التالية:

في منتصف القرن التاسع عشر (حوالي عام 1857) ، كانت هناك 181 مدينة بولندية منها 88 (أي نحو نصفها أو 6.48% منها) تضم أغلبية يهودية مطلقة. كما كان هناك 120 مدينة 40% من سكانها يهود، أي أن 66.2% من مدن بولندا كانت ذات طابع يهودي فاقع. وكان 1.5% 9من مجموع يهود بولندا يعيشون في المدن ويشكلون 33% من سكانها مقابل 16.4 % من المواطنين. وكل هذا يعني استقطاباً كاملاً وعزلة تشبه من بعض الوجوه عزلة يهود الأرندا. لكن الصورة لم تتغير كثيراً مع نهاية القرن التاسع عشر. وفي بوزنان، قفز عدد أعضاء الجماعة اليهودية من 2.775 عام 1865 (أي12.2% من مجموع سكان المدينة) إلى 166.628عام 1910 (أي 40.7% من سكانها) . وفي عام 1897، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أكثر من 50% من السكان في 57 مدينة بولندية من واقع 110 مدن. أما المدن التي كان يشكل اليهود أكثر من 40% من سكانها، فكانت 81 مدينة. وحتى عام 1921، كان اليهود يشكلون 40% من عدد السكان في 99 مدينة (من واقع 196 مدينة) . وتزايدت معدلات الهجرة بسبب الضغوط التي مارستها الحكومة على أعضاء الجماعة اليهودية ليتركوا الريف، وبسبب جاذبية المراكز الصناعية.
لكن تَركز يهود بولندا في المدن يعني أيضاً تركزهم في التجارة وعالم المال. ففي المدن البولندية، كان اليهود يشكلون 90% وأحياناً 100% من التجار والحرفيين. وفي نهاية القرن التاسع عشر، كان 18 مصرفاً (من 26 مصرفاً أساسياً في وارسو) في أيدي اليهود أو المسيحيين من أصل يهودي. وظهرت طبقة ثرية يهودية تستثمر في الصناعة، ولكن أغلبية يهود بولندا العظمى كانوا من صغار التجار الفقراء.

ورغم تَشوُّه البناء الطبقي لدى يهود بولندا فإنه، مع منتصف القرن، كان الاندماج الاقتصادي لأعضاء الجماعة يتزايد كما يتضح في الوظائف والمهن التي كانوا يشغلونها. ففي عام 1857، كان 44.7% من جملة اليهود يعملون بالتجارة، مقابل 25% فقط في الحرف اليدوية والصناعات. واختلفت النسبة قليلاً عام 1897 إذ انخفض عدد العاملين بالتجارة إلى 42.6%. ولكن الأهم من هذا أن عدد العاملين في الحرف والصناعات زاد إلى 34.3%، كما زاد عدد التجار غير اليهود من 27.9% من مجموع التجار عام 1862 إلى 37.9% عام 1897.
وظهرت طبقة من المهنيين اليهود، وخصوصاً في وارسو، حققت شيئاً من الحراك الاجتماعي. ولكن، مع تعثُّر التحديث في شرق أوربا، وبعد تطبيق بعض قوانين مايو 1888 الروسية (عام 1891) في بولندا، تم طرد أعضاء الجماعة اليهودية من القرى وحُدِّد النصاب المسموح لهم به. ونتج عن ذلك إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام هؤلاء المهنيين اليهود. وقد جاءت من صفوفهم معظم الزعامات الصهيونية واليهودية الأخرى. ويُلاحَظ تَحوُّل أعداد كبيرة من يهود روسيا إلى طبقة عاملة صناعية داخل منطقة الاستيطان، وهي ظاهرة ظل يهود بولندا بمنأى عنها، فقد ظلوا تجاراً صغاراً وكباراً وحرفيين تشكل الطبقة العاملة بينهم نسبة صغيرة إن لم تكن ضئيلة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان أعضاء الجماعة اليهودية محط شك القوات الروسية باعتبارهم متعاطفين مع الألمان. وبالفعل، حينما احتل الألمان بولندا عام 1917، تَحسَّن وضع اليهود قليلاً. واتجه الألمان نحو صبغ يهود بولندا بصبغة ألمانية بسبب زيادة العنصر الألماني في المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا. وصدر مرسوم عام 1916 يتضمن الاعتراف باليهود كطائفة دينية لا كطائفة عرْقية. وعارض الصهاينة هذا المرسوم. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وجد اليهود أنفسهم في مفترق الطرق بين البولنديين والليتوانيين (في فلنا) ، وبين البولنديين والأوكرانيين (في لفوف) ، ثم بين البولنديين والبولشفيك خلال حرب عام 1920. ولكن، مع استقلال بولندا (1918 ـ 1939) ، تم توحيد العناصر البولندية اليهودية، التي كانت تعيش تحت حكم ألمانيا وروسيا منذ التقسيم، مع بقية بولندا. وبذا، أصبحت بولندا تضم أكبر تَجمُّع يهودي في أوربا، حيث كان 2.845.000 عام 1921 وزاد، نتيجة ضم بعض أراضي بولندا، إلى 3.137.000 (أي 8.9% من السكان عام 1931) ، ثم وصل إلى 3.300.000مع نهاية هذه الفترة.
وعشية عام 1921، كانت نسبة تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في القطاعات الاقتصادية واضطلاعهم بمهن ووظائف معيَّنة يختلف بشكل جوهري عن النسبة على المستوى القومي، كما هو موضح في الجدول التالي:
المهنة / يهود / غير يهود
الزراعة / 9.8% / 80.7%
الصناعة والحرف اليدوية / 32.2% /7.7%
التجارة والتأمين / 35.1% / 1.5%
النقل / 2.7% / 1.7%
المهن الحرة / 4.4% / 2.3%

ويُلاحَظ أن 67.3% من يهود بولندا تركزوا في التجارة والتأمين والصناعة والحرف اليدوية مقابل 2.9% من البولنديين. وكان عدد التجار اليهود لا يزال 20 ضعفاً مقارناً بعدد التجار غير اليهود. وتَملَّك اليهود 74 ألف محل مقابل 123 ألف محل للبولنديين كافة. وكان 76% من اليهود يعيشون في المدن ويشكلون 30% من جملة سكان وارسو و35.5% من سكان لودز و 31.5% من سكان لفوف.
وضمنت معاهدة الأقليات في يونية 1919، التي وقعها الحلفاء المنتصرون ومعهم بولندا، حقوق الأقليات الدينية واللغوية ونصت على مساواتهم ببقية المواطنين، كما أعطت اليهود الحق في إدارة مدارسهم. وتم ضم هذه المعاهدة إلى الدستور البولندي الصادر عام 1921. كما نص دستور عام 1935 على تساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الحقوق السياسية تختلف في كثير من الأحيان عن الوضع المتعين، فقد ازداد الوضع الاقتصادي لليهود تدنياً وبدأت الفلسفات الشمولية تسيطر على نظم الحكم في أوربا بأسرها، وخصوصاً في ألمانيا. واستولى جوزيف بيلسودسكي على الحكم في بولندا عام 1926 عن طريق انقلاب. ولم يكن هذا الانقلاب معادياً بالضرورة لليهود، فقد نص دستور عام 1935 على تَساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الجو العام، والبنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع، كانا يلفظان اليهود، فظهر حزب بولندي متطرف ذو توجهات نازية طالب بمصادرة أموال اليهود وطردهم، وأصبح البرلمان البولندي نفسه منبراً لترديد الدعاية المعادية لليهود كعنصر غريب فائض يجب اجتثاثه من المجتمع البولندي. وزاد النشاط الاقتصادي للطبقة الوسطى البولندية في الثلاثينيات، وحاولت أن تحصل على نصيب متزايد من التجارة والمهن، وقامت بحركات مقاطعة للأعمال التجارية التي يمتلكها يهود بولندا وقفت وراءها الدولة. ولأن عملية التنمية في بولندا كانت تتم من خلال الدولة، أكبر ممول رأسمالي آنذاك، فإن عملية تضييق الخناق على أعضاء الجماعة

اليهودية اكتسبت أبعاداً ضخمة، فقامت محاولة لاستبعاد أعضاء الجماعة من سلك الحكومة وبنوك الدولة والاحتكارات التي تمتلكها الدولة، مثل صناعة الطباق، واستبعادهم كذلك من سلك التجارة الخارجية (الذي كان مركزاً في أيديهم) . وقامت حركات مقاطعة أيضاً في المهن الحرة والحرف اليدوية. وبسبب توجهها القومي الواضح، ألقت الكنيسة الكاثوليكية في بولندا بثقلها وراء الحركات الشعبية المناهضة لليهود. وكانت كل هذه الحركات تهدف إلى طرد أعضاء الجماعة اليهودية من قطاعات اقتصادية معيَّنة، وهو أمر ممكن من الناحية النظرية، ولكن لم يقابله اتجاه مماثل نحو خلق فرص اقتصادية جديدة في مجالات أخرى. والواقع أن الهدف كان طرد اليهود ونقلهم لا دمجهم في المجتمع. ومن هنا كان تأييد الحكومة البولندية للحركة الصهيونية ولجهودها الرامية إلى تهجير اليهود إلى فلسطين. وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل بين اليهود 300 ألف عام 1938. ولذا، شهدت هذه المرحلة استمرار الهجرة من بولندا، حيث بلغ عدد الذين هاجروا في الفترة 1921 ـ 1937 نحو 395.235 هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى فلسطين. ومع هذا بلغ عدد اليهود 3.200 مليون عام 1939 عشية الغزو النازي.
ورغم تردِّي وضع اليهود، فإن العناصر الليبرالية وقفت إلى جانب أعضاء الجماعة، وكان ثمة أحزاب سياسية تنادي بالمساواة أمام القانون انخرطت في سلكها عناصر يهودية. كما يبدو أن معاداة اليهود لم تجد طريقها إلى صفوف الطبقة العاملة البولندية، وخصوصاً العناصر الثورية. ونظم حزب البوند عدة إضرابات من أجل حقوق اليهود أيَّدتها عناصر بولندية مسيحية. ولكن، مع هذا، كان تأييد اليهود الليبراليين والثوريين تأييد أقلية لأقلية. وكما نوهنا من قبل، كان وضع اليهود داخل التشكيل القومي البولندي وضعاً قلقاً يستند إلى تراث تاريخي معاد للجماهير ومصالحها.

وقد اتجه المجتمع البولندي، شأنه شأن معظم المجتمعات الأوربية في تلك الفترة، نحو مزيد من التطرف والاستقطاب. ففي مقابل التطرف القومي البولندي، بدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتجهون نحو مزيد من الانفصال فكان لهم ما يُسمَّى بالنادي البرلماني اليهودي (وهو جماعة ضغط تضم كل الممثلين اليهود داخل البرلمان البولندي) . وهذه الجماعة كان لها ثقلها ووزنها العددي، ولذا كانت الحكومات البولندية تحاول خطب ودها لضمان تأييدها. وقد سيطر أتباع الصهيونية العامة على هذا النادي، فكانوا يشكلون عام 1922 نحو 50% من جملة النواب اليهود. وازداد الوضع تطرفاً، فمع الثلاثينيات يُلاحَظ أن الصهاينة العماليين والتصحيحيين هم الذين استولوا على القيادة في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، وهم عناصر متطرفة من منظور الاندماج في المجتمع البولندي، رافضون له تماماً ولا يرون حلاًّ للمسألة اليهودية إلا بتهجير اليهود من بولندا بل وإخلاء أوربا من فائضها اليهودي، أي أنهم كانوا يشكلون فرقة تطالب بحل نهائي وجذري للمسألة اليهودية. ويُلاحَظ أن الأحزاب الصهيونية في بولندا كانت أقوى الأحزاب الصهيونية في العالم. وإلى جانب الأحزاب الصهيونية، كان يُوجَد حزب البوند الذي أصبح من أهم الأحزاب اليهودية في بولندا إن لم يكن أهمها على الإطلاق، بل إنه كان أكثر قوة من الصهاينة. ولكن يبدو أنه كان يعبِّر عن قوته السياسية من خلال تحالفات مع الأحزاب السياسية (غير اليهودية) الأخرى. وإلى جانب هاتين القوتين، كانت هناك أحزاب دينية تقليدية تحاول الانسحاب من المجال السياسي أو تكتفي بتأييد الوضع القائم.

ولم يكن انعدام التجانس مقصوراً على المجال السياسي، وإنما شمل المجال الثقافي كما يتضح من النظم التعليمية اليهودية المنفردة في منتصف الثلاثينيات. وقد كان للحركة الصهيونية شبكة من المدارس تضم مدرسة زراعية للتدريب على الاستيطان ومدارس حضانة وابتدائية وثانوية. كانت لغة التدريس فيها العبرية كما كان عدد الطلبة فيها 44.780 طالباً. وكانت هناك شبكة أخرى تشرف عليها مؤسسة زيشو (الاختصار البولندي لمصطلح: المنظمة المركزية للمدارس اليديشية) وهي شبكة مشبعة بالروح الاشتراكية والثقافية اليديشية، وكانت لغة الدراسة فيها هي اليديشية، وكان عدد الطلبة في هذه الشبكة 15.486 ألفاً. كما كان يوجد عدد من المدارس التجارية لغة الدراسة فيها هي اليديشية. وكان هناك شبكتان من المدارس الدينية يشرف على الأولى منظمة المزراحي (الدينية الصهيونية) تضمان عدة مدارس دينية ابتدائية وثانوية وكليات دراسات دينية عليا، وكانت لغة التدريس في هذه المدارس العبرية والبولندية. وأخيراً، كانت هناك شبكة دينية تتبع المؤسسة الدينية الأرثوذكسية لغة التدريس فيها اليديشية.
وإلى جانب ذلك، كان هناك اليهود الذين التحقوا بالنظام التعليمي الحكومي. وقد تلقَّى هؤلاء الدروس بالبولندية. ففي إحصاء عام 1931، قرَّر 381.300 يهودي أن لغتهم الأصلية البولندية، كما كان هناك أولئك الذين سافروا إلى غرب أوربا للدراسة.
بولندا من الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر
‏Poland from the Second World War to the Present

انحسرت موجة معاداة اليهود بعد الهجوم النازي على براغ عام 1939، وانخرط اليهود في سلك الجيش البولندي للدفاع عن الوطن، وقامت السلطات البولندية بالقبض على زعماء الجماعات المعادية لليهود. وفي العام نفسه، تم تقسيم بولندا إذ ضم الاتحاد السوفيتي رقعة من بولندا تضم ثلث سكانها وعدداً كبيراً من اليهود يبلغ 1.309.000. أما بقية بولندا، فخضعت للنفوذ الألماني. وضمت ألمانيا الجزء الغربي متضمناً مدينة لودز الصناعية. أما باقي بولندا، فكانت تحكمه حكومة بولندية تابعة لألمانيا تُسمَّى «الحكومة العامة» . وكانت المنطقة الأولى تضم 632.000 يهودي، أما منطقة الحكومة العامة فكانت تضم 1.269.000 زاد إلى 1.700.000 عام 1941 (أي 12.1% من السكان) . وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد اليهود الخاضعين لحكم النازي كان يبلغ 2.042.000.
وقد حول النازيون التمييز العنصري إلى عملية منهجية منظمة من خلال مجموعة من القوانين تم إصدارها لهذا الغرض. وكان كثير من هذه القوانين تهدف إلى تسخير قطاعات الشعب البولندي كافة لخدمة النظام النازي، ولكننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى تلك القوانين التي تخص أعضاء الجماعة اليهودية. وقد صدر مرسوم عام 1939 فرض أعمال السخرة على اليهود وتم بمقتضاه تكوين فرق عمالة يهودية. وكان على اليهود الذين يزيد عمرهم على عشرة أعوام أن يعلقوا نجمة داود. كما صودرت أموال عديد من اليهود.
ولكن أهم أعمال النازيين في هذا المضمار تأسيس جيتو وارسو، وكان مؤسسة من مؤسسات الحكم الذاتي ينطلق من الإيمان الصهيوني بأن اليهود شعب عضوي وأن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (تعريف قوانين وورمبرج وقانون العودة) وكانت علاقة الدولة النازية بجيتو (دويلة) وارسو علاقة استغلال استعمارية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمصر أو علاقة الدولة الصهيونية بالضفة الغربية.

وقامت حركة مقاومة بولندية قوية ضد النازيين اشترك فيها أعداد من اليهود، ونظمت انتفاضة جيتو وارسو في أبريل عام 1943. ولكن، يبدو أن الصهاينة لم يشتركوا في هذه الانتفاضة بصورة كافية بدعوى أن حل مشكلة اليهود لا يتم داخل إطار الوطن الأم وإنما عن طريق الهجرة إلى فلسطين.
ومع نهاية الحرب، بلغ عدد يهود بولندا 250.000 (وفي إحصاء آخر أنهم كانوا أقل من ذلك بكثر) ، وحلت الأحزاب الصهيونية البولندية والبوند عام 1949، سُمح للصهاينة بالهجرة، وبدأت نقط التجمع السكانية اليهودية في الاختفاء. ورغم إعادة توطين 25 ألف يهودي بولندي من الذين فروا من بولندا إلى الاتحاد السوفيتي إبّان الحرب، إلا أن أبواب الهجرة إلى إسرائيل فُتحت، فهاجر 140 ألفاً بين عامي 1948 و 1958 (ويتضمن هذا الرقم اليهود ممن أُعيد توطينهم في بولندا بعد فرارهم إلى الاتحاد السوفيتي إبان الحرب) . وتمت تصفية الجماعة اليهودية نهائياً بين عامي 1968 و1969 حين هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل والولايات المتحدة، بحيث لم يبق في بولندا سوى ستة آلاف يهودي.
ويبلغ عدد يهود إسرائيل من أصل بولندي نحو 470 ألفاً؛ منهم 170 ألفاً هم من هاجروا قبل عام 1948 (ونسلهم) ، والباقون (300 ألف) هم من هاجروا بعد ذلك التاريخ. ومعظم أعضاء النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل من أصل بولندي، أي من يهود اليديشية، فمنهم بن جوريون وبيجين وشامير وبيريس. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعضاء النخبة من أصل روسي، وهم أيضاً من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن نخبة من يهود اليديشية تحكم إسرائيل.

وقد استفادت البقية الباقية من أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا من جو الانفتاح السياسي والاقتصادي في شرق أوربا، ومن الدعم الغربي لنقابة التضامن. ولكن جو الانفتاح أدَّى أيضاً إلى تَصاعُد القومية البولندية وثيقة الصلة بالكاثوليكية وهو ما أدَّى إلى الصدام مع الجماعة اليهودية داخل وخارج بولندا، وخصوصاً بشأن قضية الإبادة، إذ تحاول المؤسسة الصهيونية احتكار رموز الإبادة وفرض مضمون صهيوني عليها، الأمر الذي يرفضه البولنديون الذين ذاقوا الأمرَّين من النازي، ربما بدرجة تفوق ما لحق بأعضاء الجماعات اليهودية.
ومن التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا:
أ) المجلس المركزي للجمعية الثقافية والاجتماعية ليهود بولندا واختصاره TSKZ. وترسل الجماعة اليهودية مراقبين لاجتماعات المؤتمر اليهودي العالمي.
ب) أما المنظمة الدينية الأساسية فهي الجمعية الموسوية الدينية. وهناك أربعة معابد يهودية، ولكن لا يوجد حاخامات محليون، ولذلك يتم إحضار حاخامات من الخارج (في الغالب من المجر) لإجراء الشعائر الدينية في الأعياد الدينية المهمة.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - روسيا القيصرية حتى عام 1885

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

روسيا من القرن التاسع حتى التقسيم الأول لبولندا
‏Russia, from the Ninth Century to the First Partition of Poland....
يعود وجود الجماعات اليهودية في روسيا إلى القرن التاسع الميلادي حين توسعت مملكة الخزر اليهودية في وادي الفولجا ومناطق أخرى من روسيا. وقد اشترك يهود الخزر، حسبما ورد في الموروثات الشعبية الروسية، في المناظرة الدينية التي عقدت بين ممثلي الديانات التوحيدية الثلاث عام 986 أمام أمير كييف وقد اعتنق بعدها المسيحية وأصبحت الأرثوذكسية هي الدين الرسمي لروسيا. وبعد أن استقر اليهود في المدينة باعتبارها مركزاً تجارياً يربط بين منطقة البحر الأسود وآسيا وغرب أوربا وأصبح لهم جيتو خاص بهم، قوبلوا بعداوة شديدة من بلد اعتنق المسيحية لتوه ويضم طبقة تجار بدائية للغاية.
وبعد غزو التتار لروسيا في القرن الثالث عشر وتدهور إمارة كييف، زاد النشاط التجاري لأعضاء الجماعة لأن الإمبراطورية التترية جمعت الجماعات اليهودية كافة داخل إطار سياسي واحد سهَّل عملية انتقالهم. كما يبدو أن التتار كانوا يعتبرون اليهود من ذوي القربى باعتبار أن الجميع من أصل تركي.
وفي القرن الخامس عشر، ظهرت فرقة متهودة بين الروس في مدينة نوفجورود. ورغم أنه تم القضاء عليها، فإنها عمقت مخاوف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية من اليهود. واستمرت الحركة التجارية لأعضاء الجماعة اليهودية، مع هذا، من وإلى روسيا.

وكان إيفان الرهيب (1533 ـ 1584) أول حاكم روسي يقرر طرد أعضاء الجماعة اليهودية من روسيا، ويعود هذا إلى رغبته في استبعاد أية عناصر تجارية أجنبية. وبعد الفترة التي تُعرف باسم «زمن المتاعب» في التاريخ الروسي (1598 ـ 1613) والتي شهدت اعتلاء أمير بولندي العرش الروسي، ونشوب حرب أهلية، زاد عمق الرفض الروسي لليهود حيث إن مغتصبي العرش من البولنديين أحضروا معهم كثيراً من صنائعهم اليهود. لكل هذا، مُنع أعضاء الجماعات اليهودية من دخول روسيا إلا لأسباب خاصة مثل حضور سوق تجاري أو غيره من الأسباب. وظل هذا الحظر أحد ثوابت السياسة الروسية حتى تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر.

ولعل خوف روسيا القيصرية من أعضاء الجماعات اليهودية هو خوف العناصر الزراعية التقليدية من عنصر غريب له علاقات دولية واسعة في دولة جديدة لم تكن سلطتها قد تدعمت بعد (ولم تتدعم لمدة طويلة نظراً لترامي أطراف البلاد ونظراً لأنه عنصر تجاري له مصالحه المالية الخاصة التي لا تتفق بالضرورة مع مصالح الدولة) . كما أن هناك قوى اجتماعية داخل روسيا لم يكن في صالحها البتة السماح لليهود بالاستقرار، من أهمها التجار الروس الذين كانوا يرزحون تحت عبء الضرائب والذين كان عليهم أن يدخلوا منافسة غير متكافئة مع بعض أعضاء طبقة النبلاء الذين اشتغلوا بالتجارة والذين كانوا يتمتعون بمزايا عديدة وبمساندة البيروقراطية الحكومية. بل كان هؤلاء التجار يجدون أنفسهم (أحياناً) في منافسة مع الفلاحين الذين كانوا يشتغلون بالتجارة والصناعات المنزلية، كل هذا داخل سوق محدودة مكبلة بالقوانين الإقطاعية الاستبدادية التي لا حصر لها. وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الحجم المالي للتجار الروس كان صغيراً في معظم الأحوال، لأدركنا سبب وقوف التجار الروس ضد دخول العنصر اليهودي التجاري النشيط الذي لا تكبله القيم المسيحية أو القوانين الطبقية والذي يتحكم في رأسمال سائل لا بأس به. ووجد هذا الموقف صدى في نفس حكومة كانت تكتسب شيئاً من شرعيتها باعتناقها الأرثوذكسية. ورغم أن الفكر المركنتالي وجد طريقه إلى روسيا في مرحلة لاحقة، إلا أن التجار استمروا في معارضة نشاط اليهود التجاري وفي المطالبة بالحد منه حتى اندلاع الثورة البلشفية.
ومن الثوابت الأخرى التي كانت عنصراً قوياً ومحدداً في السياسة الروسية القيصرية أن اليهود كانوا يشكلون عنصراً متحركاً غير مستقر على رقعة أرض مقصورة عليهم، كما هو الحال مع الشعوب والأقوام والأقليات والطوائف الأخرى داخل الإمبراطورية، الأمر الذي خلق لهم وضعاً خاصاً ومشاكل معينة.

وقد ضمت روسيا مقاطعة روسيا البيضاء في أول تقسيم لبولندا عام 1772، وضمت في التقسيم الثاني منطقة منسك في الشمال وفولينيا (في مقاطعة كييف) ومنطقة بودوليا في الجنوب، أي أنها ضمت بذلك أوكرانيا كلها. ثم ضمت في التقسيم الثالث ليتوانيا. وقد ضمت كل هذه المقاطعات (وضمن ذلك كورلاند وبيالستوك التي حصلت عليهما روسيا فيما بعد) إلى روسيا نفسها، بينما أصبحت بولندا المركزية (التي كانت تضم نحو ثلاثة أرباع دوقية وارسو النابليونية) تكوِّن ما يُسمَّى «بولندا المؤتمر» أو «بولندا الروسية» (وكان اسمها الرسمي «مملكة بولندا» حتى عام 1830 كما كان لها دستورها الخاص) . وكانت هذه المقاطعات تضم أغلبية يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين انطلقوا من هذه المناطق بعد ضمها، واستوطنوا المناطق الجنوبية من روسيا وساحل البحر الأسود ومقاطعة بيساربيا، وهي مناطق كانت تابعة للدولة العثمانية، وقامت روسيا بضمها باسم «روسيا الجديدة» (كانت توجد جماعات يهودية أخرى فيها ولكنها كانت جماعات صغيرة للغاية ولم يكن لها مسألة يهودية فقد كانت مندمجة تماماً في محيطها الحضاري) . ولذا فرغم وجود جماعات يهودية إلا أننا نتحدث في معظم الوقت عن «الجماعة اليهودية» وحسب، وتعني «يهود اليديشية» لأنهم كانوا الأغلبية الساحقة وكذلك كانوا أصحاب «المسألة اليهودية» . كما تسللت مجموعات صغيرة من اليهود إلى وسط روسيا نفسها.

وكان وضع أعضاء الجماعة اليهودية في المناطق البولندية متميِّزاً تماماً من الناحية الثقافية والاجتماعية والوظيفية. إذ كانت أعداد كبيرة منهم تعمل بنظام الأرندا (استئجار عوائد القرى وضمنها الضرائب والمطاحن والغابات والحانات من النبلاء البولنديين الغائبين) كما كان بين اليهود تجار وأصحاب حوانيت وباعة جائلون. وكان الباقون حرفيين يعملون للنبيل الإقطاعي والفلاح. وحسب التقديرات، كان التركيب الوظيفي لليهود على النحو التالي: 1% فقط كانوا يعملون في الزراعة، و3% في الأعمال الدينية، و30% يعملون في نظام الأرندا، و30% يعملون في التجارة والرهونات، و15% في الحرف المختلفة.
وكان من أهم الوظائف التي يضطلع بها اليهود، والتي أصبحت جزءاً أساسياً من مشكلتهم، تقطير الخمور وبيعها في الحانات التي استأجروها من النبلاء في إطار نظام الأرندا. كما يُلاحَظ أن التجارة اليهودية كانت تجارة طفيلية، وكان التجار اليهود يشتغلون بتهريب البضائع ويتهربون من الضرائب نظراً لوجودهم في المنطقة الحدودية وبسبب استخدامهم اليديشية وسيلة للتفاهم، الأمر الذي يسَّر لهم عمليات التهريب والتهرب والتلاعب بالأسعار. ومع هذا، ظلت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة تعاني من الفاقة، فكان هناك 21% منهم بدون وظيفة محدَّدة.

ولكن لم يكن التميز وظيفياً أو طبقياً وحسب وإنما كان ثقافياً ولغوياً. وأعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة يدين أعضاؤها باليهودية ويتحدثون اليديشية ويمثلون المصالح المالية للنبيل البولندي الذي يتحدث البولندية ويدين بالكاثوليكية بين الفلاحين والأقنان الأوكرانيين الذين يتحدثون الأوكرانية ويدينون بالمسيحية الأرثوذكسية. وأعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية هم عنصر ألماني يعيش في وسط سلافي، ويظهر تميزهم حتى في الطريقة التي كانوا يحلقون بها رؤوسهم (واللحية والسوالف) وفي أزيائهم المتميِّزة (كفتان) وفي أسمائهم. كما تظهر عزلتهم في نظامهم التعليمي المقصور عليهم، وفي الشتتلات التي أسسها لهم النبلاء الإقطاعيون البولنديون (وهي مدن صغيرة تضم التجار والوكلاء والحرفيين اليهود) . وكان اليهود يكوِّنون أغلبية السكان في هذه المدن الصغيرة، وهو ما كان يعني عدم احتكاكهم بالسكان. كما كانت تعيش أعداد كبيرة منهم في بعض القرى. كانت هذه الكتلة البشرية اليديشية اليهودية على وشك الزيادة الهائلة إثر انفجار سكاني لم تعرف الجماعات اليهودية مثيلاً له في التاريخ. وهي برغم عزلتها، لم تكن متماسكة، إذ كانت الصراعات الاجتماعية قد بدأت تترك أثرها في مؤسسة القهال، وهي منازعات أخذت شكل الصراع بين الحسيديين ومعارضيهم من أعضاء المؤسسة الحاخامية الذين أُطلق عليهم المتنجديم. وكانت المنطقة التي ضمتها روسيا تضم أهم مناطق تركز الحسيديين وأهم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) الخاصة بالمتنجديم في ليتوانيا. وضمت روسيا، كما تَقدَّم، بودوليا التي كانت مركز الحركة الفرانكية والحسيدية. وحينما دخلتها القوات الروسية، أطلقت سراح فرانك، وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت أزمتها الكبرى. وفجأة، وجدت هذه الكتلة البشرية نفسها تابعة لتشكيل اقتصادي سياسي حضاري جديد (روسيا القيصرية) ، تشكيل كان يرى دائماً ضرورة نبذهم والتخلص

منهم، تسيِّره حكومة استبدادية متخلفة لا تسمح بالتعددية الدينية أو الفكرية أو المهنية، سياستها في جوهرها هي سياسة الملوك المطلقين المستبدين المستنيرين على نحو ما كان في وسط أوربا والنمسا وألمانيا (أي التحديث بالقوة ومن فوق) . ولم تكن لدى هذه الحكومة أية خبرة باليهود أو مشاكلهم، كما أن روسيا نفسها كانت على عتبات انفجارات اجتماعية ضخمة نتيجة عملية التحديث والعلمنة التي كانت تخوضها (وهي انفجارات أدَّت في نهاية الأمر إلى قيام الثورة البلشفية) . وتاريخ المسألة اليهودية في روسيا هو تاريخ الاحتكاك بين الكتلة البشرية اليهودية المنعزلة، بكل تَخلُّفها ومشاكلها وتَميُّزها من جهة، والبيروقراطية القيصرية المتخلفة بكل وحشيتها وتَعصُّبها وانعدام كفاءتها من الجهة الأخرى.
وظلت المشكلة قائمة دون حل. وكلما احتدمت الأزمة، كانت الحكومة الروسية تشكل لجنة لدراسة الموقف لترفع بدورها توصياتها للحكومة. وكانت هذه التوصيات تستند في معظم الأحيان إلى فلسفات شمولية مطلقة، وتنبع من جهل عميق بآليات الظواهر الاجتماعية ويتولى تنفيذها جهاز تنفيذي متعصب جاهل فاسد يتسم بعدم الكفاءة. وظل التناقض الأساسي في سياسة الحكومة القيصرية بين رغبتها في التحديث والتنمية الاقتصادية من جهة والشكل الاستبدادي السياسي الذي يُفشل كل المحاولات التي تستهدف حل المسألة اليهودية من جهة أخرى. وقد تعثر تماماً تحديث اليهود بل تحديث المجتمع ككل، في أواخر القرن التاسع عشر، واحتدم التناقض بين الحقيقة الاجتماعية والشكل المتكلس، الأمر الذي نجمت عنه مجموعة من الاضطرابات والثورات انتهت بالثورة البلشفية التي حلت المسألة اليهودية والمسائل القومية الأخرى بطريقة نوعية مختلفة.
روسيا من تقسيم بولندا حتى عام 1855
‏Russia, from the Partition of Poland to1855

أدَّى تقسيم بولندا إلى ضم أجزاء كبيرة منها إلى روسيا، وبذلك ضمت روسيا أجزاء كبيرة من الكتلة البشرية اليهودية اليديشية. ولأن النبلاء البولنديين كان محرماً عليهم التجارة (حيث تفرغوا لأعمال السياسة والحرب) ، وكان الأقنان ملتصقين بالأرض، كما كانت طبقة التجار ضعيفة للغاية، اضطلع اليهود بوظيفة طبقة التجار والحرفيين وأصبحوا جماعة وظيفية وسيطة. هذا على عكس روسيا إذ لم تكن التجارة هناك مهنة وضيعة، وكانت هناك طبقة من الحرفيين تزداد قوة. كما كانت الحكومة نفسها تقوم بالتجارة ويضطلع بعض النبلاء بالوظيفة نفسها.
وكانت روسيا، من الناحية الاقتصادية، مستعمرة إنجليزية أو منطقة نفوذ للاقتصاد الإنجليزي. وبعد الحصار الذي فرضه نابليون على إنجلترا على نطاق القارة كلها، حدث تَقدم صناعي وتجاري نظراً لاضطرار روسيا إلى الاعتماد على نفسها. وعلى سبيل المثال، كانت روسيا تملك عام 1804 نحو 199 مصنع قطن زاد إلى 423 عام 1814، وزادت واردات القطن من الولايات المتحدة من 204 أطنان عام 1809 إلى 3787 طناً عام 1811.

ومن كل هذه الحقائق، يمكن القول بأن الاقتصاد الروسي لم يكن في حاجة إلى أعضاء الجماعة اليهودية. ومع هذا، تم ضمهم نتيجة توسُّع الدولة القيصرية. ولم تكن المسألة اليهودية المسألة الوحيدة التي جابهتها الحكومة القيصرية، فقد كان هناك مسألة إسلامية ومسألة تترية ومسألة بولندية ومسألة أوكرانية، إذ كانت الإمبراطورية القيصرية مترامية الأطراف تضم مئات الأقليات والتشكيلات الحضارية المختلفة التي كانت تحاول أن تفرض عليها ضرباً من الوحدة حتى تتمكن الحكومة المركزية من التعامل معها. وقسَّمت الحكومة القيصرية هذه الأقليات إلى قسمين أساسيين: الأقليات السلافية (أوكرانيا وبولندا وغيرهما) ، والأقليات غير السلافية. وكان يُطلَق على الأقليات غير السلافية مصطلح «الإينورودتسي inorodtsy» . وهذه كلمة روسية كانت تشير في بادئ الأمر إلى قبائل السكان الأصليين التي تقطن سيبيريا، ثم اتسع نطاق الكلمة الدلالي فأصبحت تشير إلى كل الشعوب غير السلافية. وكانت السياسة العامة تهدف إلى ترويسهم. وغني عن البيان أن إجراءات الترويس، بالنسبة للأقليات غير السلافية، كانت أكثر راديكالية وعنفاً، وخصوصاً إذا كانت تلك الأقليات لا تدين بالمسيحية (ومع هذا ينبغي الإشارة إلى أن اللون أو العرْق بدأ يكتسب دلالة محورية مع تصاعد معدلات العلمنة في الإمبراطورية الروسية وتعمُّق الرؤية العرْقية. وحيث إن يهود اليديشية كانوا من البيض، ومع تَزايُد معدلات ترويسهم، أُعيد تصنيفهم بحيث أصبحوا «روساً» ووُطنوا على هذا الأساس في روسيا الجديدة وفي الخانات التركية التي ضمتها روسيا وذلك باعتبارهم عنصراً روسياً استيطانياً) . ومهما كان الأمر، فإن الإمبراطورية القيصرية كانت «سجناً للشعوب» .

وقد بدأت الحكومة القيصرية علاقتها بأعضاء الجماعات اليهودية بالاعتراف بالقهال وبصلاحياته الدينية والقضائية، كما تم الاعتراف بالجماعة اليهودية (اليديشية) بوصفها جماعة مستقلة في المدن والقرى. وفي عام 1783، صُنِّف اليهود ضمن سكان المدن وأصبحت لهم حقوق غير اليهود نفسها (مثلاً: انتخاب مجالس المدن والبلديات وحق التمثيل فيها) .
واستقر بعض التجار اليهود في موسكو وسمولنسك، فدخلوا في منافسة مع التجار المسيحيين بطرق شرعية وغير شرعية. وحينما اشتكى تجار موسكو من هذا الوضع، صدر فرمان عام 1791 يحظر على اليهود الاتجار خارج روسيا البيضاء. ويُعَدُّ هذا الفرمان الأساس القانوني لمنطقة الاستيطان، وقد سُمح لمجالس القهال بأن تستمر في عملها بكل صلاحياتها.

وشهدت هذه المرحلة قيام روسيا بضم بعض الإمارات الإسلامية التابعة لتركيا على ساحل البحر الأسود، وسُمِّيت هي ومناطق أخرى باسم «روسيا الجديدة» . ولما كان أعضاء الجماعات اليهودية يُنظَر إليهم، في التشكيل الحضاري الغربي، باعتبارهم عنصراً ريادياً حركياً وجماعة وظيفية استيطانية يمكن استخدامها في مثل هذه العملية، كما فعل شارلمان من قبل وكما فعلت القوات المسيحية في إسبانيا والنبلاء البولنديون في أوكرانيا والاستعمار الغربي في فلسطين فيما بعد، قامت الحكومة القيصرية بتشجيعهم على الاستيطان في المناطق الجديدة، باللجوء إلى طريقة الطرد والجذب، فضوعفت الضريبة المفروضة على التجار اليهود في الإمبراطورية، بينما أُعفي المستوطنون في روسيا الجديدة من الضرائب كافة. واستثنى هذا المرسوم اليهود القرّائين، وكان هذا أيضاً أحد ثوابت السياسة القيصرية تجاه اليهود. وفي الوقت نفسه، تفاقمت مشكلة السُكْر بين الفلاحين، وساعدت المجاعة التي وقعت عام 1797 على تعميق المشكلة. ورغم أن اليهود كانوا السبب الواضح والمباشر أمام الجميع (إذ أن أغلبية صانعي الخمر وبائعيها كانوا من اليهود، كما أنهم هم الذين كانوا يديرون معظم الحانات) ، إلا أنهم لم يكونوا في واقع الأمر السبب الحقيقي لإدمان الفلاحين الروسيين المشروبات الكحولية. وشُكِّلت لجنة لبحث المسألة اليهودية في روسيا برئاسة الشاعر الروسي السناتور جافريل ديرجافين (1743 - 1816) الذي رأى أن اليهود يستغلون الفلاحين الروس وأن عزلتهم الطبقية والحضارية هي سبب العداء ضدهم. وبناء على ذلك، طالب ديرجافين بضرورة ترويسهم بالقوة وتغيير بنائهم الاقتصادي والوظيفي حتى يتسنى استيعابهم كيهود نافعين في المجتمع الروسي. ووضع بذلك الإطار الأساسي لجميع المحاولات التي بذلتها الحكومة القيصرية لحل المسألة اليهودية.

وبعد أن اعتلى ألكسندر الأول العرش (1801 ـ 1825) ، شُكِّلت لجنة تدعى مجلس الشئون اليهودية التي أصدرت قراراتها عام 1804، والتي سمىت «قانون اليهود الأساسي» أو «دستور اليهود» . وجاء ضمن هذه القرارات أن اليهود يجب نقلهم خارج المناطق الزراعية بين عامي 1807 و 1808، كما أوصت القرارات بضرورة إبعادهم عن استئجار الحانات أو استئجار الأراضي الزراعية بهدف الربح (حتى يمكن تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج) . ولتنفيذ هذا المخطط، وُضع تحت تصرفهم بعض أراضي القيصر، وأُعفي المزارعون اليهود من الضرائب لمدة تتراوح بين خمسة وعشرة أعوام، كما أنهم لم يُصنَّفوا كأقنان مرتبطين بالأرض، بل احتفظوا بحقوقهم في حرية الحركة والسكنى. ووعدت الحكومة كذلك بتقديم العون للمصانع التي تقوم باستئجار العمال والحرفيين من أعضاء الجماعة اليهودية. وسُمح للعاملين بالصناعة من أعضاء الجماعة اليهودية أن يستقروا داخل روسيا، وضمن ذلك موسكو وسانت بطرسبرج. كما حدَّ القانون الأساسي من سلطة القهال، وأصبح تنظيم الأمور الدينية والعبادات من اختصاص الحاخامات الذين كان يتم اختيارهم دون الرجوع إلى القهال. ولم تتجاوز صلاحيات القهال، في القانون الأساسي، تحديد الضرائب وجمعها وإحصاء عدد السكان اليهود. وتقرر ألا يوجد سوى قهال واحد في كل مدينة، كما سُمح لكل فرقة دينية بأن يكون لها معبدها اليهودي وحاخامها الخاص (الأمر الذي أدَّى إلى تحسين وضع الحسيديين) وفُتحت أبواب المدارس الحكومية العلمانية أمام أعضاء الجماعة اليهودية. وتقرر أنه ما لم يرسل اليهود أولادهم فإنه سيتم فتح مدارس يهودية علمانية خاصة على حساب أعضاء الجماعة اليهودية. وأصبح من شروط شغل وظيفة حاخام، أو عضوية مجلس إدارة القهال أو البلدية، معرفة الألمانية أو الروسية أو البولندية. كما تقرر أن يكتب أعضاء الجماعة جميع وثائقهم وأوراقهم التجارية بإحدى اللغات الثلاث دون العبرية أو اليديشية. وأكد

القانون حق اشتراك اليهود في الانتخابات الخاصة بالحكومات المحلية ومُنع ارتداء الأزياء اليهودية التقليدية وقص الشعر على الطريقة اليهودية وترك السوالف، وأصبح توجيه تهمة الدم جريمة يعاقب عليها القانون (1818) . وكانت استجابة الجماعات اليهودية سلبية إلى أقصى درجة، وصاموا حداداً على صدور هذه القرارات بل اقترحت بعض القهالات تأجيل الإصلاحات إلى فترة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً.
ولم تنجح الحكومة القيصرية في تنفيذ توصيات اللجنة بسبب ضعف البيروقراطية وفساد النظام الإداري (فكثيراً ما كان الموظفون يتقاضون الرشاوى ويتغاضون عن تعليمات الحكومة) ، وبسبب عدم الثقة المتبادل بين الحكومة وأعضاء الجماعة اليهودية. كما أن القرارات الخاصة بنقل أعضاء الجماعة اليهودية من القرى لم تكن واقعية إذ أن وجودهم فيها لم يكن أمراً من اختيارهم وإنما كان واقعاً اجتماعياً فرضته عليهم ظروفهم والظروف الاقتصادية المحيطة بهم، فقد كان أعضاء الجماعة يقومون في واقع الأمر بوظيفة مهمة بالنسبة للريف الروسي حتى ولو كانت لهذا جوانب سلبية من الناحية الاجتماعية. وعلى كل حال، لم تُتَخذ خطوات تنفيذية لطرد اليهود من القرى إلا عام 1822، وخصوصاً في مقاطعة بيلوروسيا أي روسيا البيضاء. ولكن كثيراً ما كان يتم طرد اليهود دون تأمين الأرض الزراعية لهم، الأمر الذي كان يعني محاولة تغيير وضع اليهود الوظيفي فشلاً مؤكداً. بل كان يتم أحياناً تأمين الأرض ثم يصل المستوطنون ليكتشفوا أنه لا توجد تسهيلات للسكنى أو الري أو الصرف.

وتوقف كثير من الإصلاحات أثناء الحرب الروسية الفرنسية حين قام نابليون بغزو روسيا. وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية أثناء هذه الحرب، إلى جانب الحكومة الروسية، لأن المؤسسة الحاخامية كانت تعتبر نابليون عدو اليهودية اللدود، بل قام اليهود بالتجسس لحساب الحكومة القيصرية على القوات الفرنسية (وإن كان هذا لم يمنع وجود بعض حالات متفرقة قام فيها اليهود الروس بالتجسس على روسيا لحساب الفرنسيين) .
وفي أواخر حكم ألكسندر الأول، كانت هناك محاولة لتنصير اليهود عن طريق الوعد بإعتاقهم وإعطائهم حقوقهم السياسية. وكان العقل المدبر وراء هذه الفكرة هو لويس واي، رئيس جمعية الكتاب المقدَّس في إنجلترا الذي أسَّس جمعية المسيحيين الإسرائيليين عام 1817 تحت رعاية الإمبراطور. ثم صدر قرار بمنع اليهود من استئجار خدم مسيحيين ومن السكنى في منطقة طولها خمسون فرسخاً (نحو 33 ميلاً) على الحدود، ولم يستثن من ذلك سوى ملاك الأراضي.

وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الجماعة اليهودية باعتلاء نيقولا الثاني العرش (1825 - 1855) ، وهذا بعد إخماد الثورة المعروفة باسم «ثورة الديسمبريين» ، وهم مجموعة من النبلاء المتأثرين بالأفكار الغربية، وكان من بينهم صاحب الأفكار اليعقوبية بول بستل، وهو صاحب مشروع صهيوني لحل المسألة اليهودية. وقد صعَّد نيقولا سياسة الترويس والدمج القسرية، فصدر مرسوم عام 1827 بفرض الخدمة العسكرية على يهود روسيا، وكانوا قبل ذلك يدفعون ما يشبه البدل النقدي، وكانت فترة الخدمة في الجيش الروسي تستمر خمسة وعشرين عاماً، وأوكل للجماعة اليهودية نفسها أن تقوم باختيار الفتيان الذين يتم تجنيدهم، وكانت كل جماعة يهودية تعين خطافين ليمسكوا الفتيان (من أبناء الفقراء في العادة) لتسليمهم إلى الحكومة، وهو ما زاد حدة الصراعات الاجتماعية. ويُلاحَظ أن هذا القانون لم يُطبَّق على يهود بولندا وحسب وإنما كان يُطبَّق على الروس كافة من مسيحيين وغيرهم. وكان الاختلاف الوحيد في عدد المجندين، فبينما كانت النسبة 7 من ألف بين المسيحيين، كانت 10 من ألف بين غير المسيحيين. وأُعفي المثقفون والتجار والحرفيون من الخدمة العسكرية نظير ألف روبل، كما أعفي العاملون في القطاع الزراعي في مرحلة لاحقة. وكان الهدف من الخدمة العسكرية هو مزيد من الدمج والترويس القسريين. ومع هذا، كان نظام التجنيد قاسياً بل غير إنساني، وذلك لصغر سن المجندين على وجه الخصوص. ولكن لم يُجنَّد في نهاية الأمر سوى عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية يتراوح بين 26 و60 ألفاً في فترة 28 سنة. فإذا أخذنا بالمتوسط وهو 45 ألفاً، فإن هذا يعني أن عدد المجندين لا يزيد على ألف وخمسمائة مجند في السنة من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم آنذاك ثلاثة ملايين.

ثم صدر قرار عام 1835 لم يكن مختلفاً في جوهره عن قرار عام 1804، فأُعيد بمقتضاه تحديد منطقة الاستيطان. وحرَّم القانون استئجار الخدم المسيحيين، وحظر على أعضاء الجماعة اليهودية الزواج المبكر، وحدَّد الحد الأدنى لسن الزواج بثماني عشرة سنة للذكور وست عشرة سنة للإناث، كما حظر استخدام اليديشية أو العبرية في الأعمال التجارية وغيرها من النشاطات. وحُدِّدت المهن التي يُسمح لأعضاء الجماعة اليهودية أن يعملوا فيها، كما حُرِّم عليهم (عام 1825) دخول القرى.
وأبقى القانون على القهال ليقوم بجمع الضرائب وتطبيق القوانين الروسية، وليصبح مسئولاً عن الأمور الدينية والخيرية، وصرح ببناء المعابد شريطة أن تكون على مسافة معقولة من الكنائس، واعتُبر الحاخامات موظفين حكوميين لا تقتصر مهمتهم على الجوانب الدينية فأصبح من واجبهم الرقابة على الجوانب الأخلاقية العامة وعلى أداء أعضاء الجماعة اليهودية لواجباتهم المدنية للدولة والمجتمع. وفُتحت أمام أعضاء الجماعة اليهودية أبواب المدارس العامة، وفُرضت الرقابة على كتبهم (عام 1836) .
ويبدو أن الحكومة القيصرية بدأت تشعر في هذه المرحلة بأن ما سمته الروح التلمودية (وليس اليهودية نفسها) هو سبب عزلة اليهود. ولذا، قامت الحكومة باستشارة أثرياء اليهود الروس باعتبارهم خبراء في الشئون اليهودية، كما طلبت العون من المفكرين اليهود دعاة التنوير ومن يهود الغرب الذين تم تحديثهم. وكانت نتيجة المشاورات والمداولات مؤيدة لموقف الحكومة. وكان أهم داعية لهذه السياسة وزير التعليم أوفاروف وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يتفقون معه، من بينهم إسحق بير ليفينسون في كتابه التعليم في إسرائيل (عام 1828) . وأُغلق كثير من المطابع العبرية بهدف الحرب ضد الخرافات الحسيدية والتعصب الناجم عن دراسة التلمود. ويُلاحَظ أن موقف الحكومة القيصرية من القرّائين كان متسامحاً للغاية لأنهم لا يؤمنون بالتلمود.

واتجهت الحكومة الروسية أيضاً نحو علمنة التعليم اليهودي، وحاولت تطبيق المشروع الذي طرحه ليفينسون في كتابه. ولتحقيق هذا الهدف، استدعت التربوي الألماني اليهودي ماكس ليلينتال (1815 ـ 1882) حتى يمكنه أن يقرب فكرة التعليم العلماني ليهود روسيا وليؤكد لهم حسن نية الحكومة. وكان ليلينتال يعمل مدرساً في إحدى المدارس التي أسسها دعاة التنوير اليهود في ريجا. فقام برحلة استطلاعية، ولكنه قوبل بعداوة شديدة من الجماهير اليهودية التي سمته «الحليق» ، أي الذي حلق لحيته وسوالفه. وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يرون أن تحديث الجماهير اليهودية لا يمكن أن يتم بالطرق الديموقراطية، وأنه لابد من استخدام نوع من القسر والإرهاب، وأيَّدهم في ذلك أعضاء البيروقراطية الروسية. وأوصى ليلينتال بإغلاق المدارس الدينية التقليدية ومنع المدرسين التقليديين من التدريس واستجلاب مدرسين من الخارج. وتم بالفعل تأسيس مدارس علمانية يهودية مُوِّلت من ضريبة الشموع (شموع السبت) ، وقام بالتدريس في هذه المدارس مسيحيون ويهود من دعاة التنوير، وأُسِّست مجموعة من المدارس لتدريب حاخامات ومدرسين يهود، وكانت هذه المدارس الإطار الذي تم فيه تدريب وتعليم أعداد كبيرة من دعاة التنوير المتحدثين بالروسية والذين لعبوا دوراً مهماً في الحركات الاندماجية والثورية والعدمية.

وتبع ذلك إلغاء القهال (عام 1844) مع الإبقاء على إطار تنظيمي إداري عامّ. واستمر المسئولون عن التجنيد وكذلك جامعو الضرائب في أداء عملهم. وابتداءً من عام 1851، بدأت الحكومة الروسية تنهج النهج الألماني في تقسيم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ويهود غير نافعين. وكان الفريق الأول يضم كبار التجار والحرفيين والمزارعين الذين كانوا يتمتعون بمعظم حقوق المواطن الروسي. أما الفريق الثاني الذي كان يضم بقية اليهود من صغار التجار وأعضاء الطبقات الفقيرة، فكان الأمر بالنسبة إليهم مختلفاً إذ كان عليهم أداء الخدمة العسكرية حيث كان بوسعهم أن يتعلموا بعض المهن النافعة، فإن تعلموها صُنفوا ضمن النافعين وأُعفوا من الخدمة العسكرية. ونجحت السياسة بشكل محدد إذ أُقيمت أربع عشرة مستوطنة زراعية في خرسون، وعدد مساو في إيكاترينوسلاف، وخمس وأربعون مستوطنة في كييف، كما أُقيمت عدة مستوطنات في بيساربيا بلغ عدد سكانها خمسة وستين ألف يهودي. وقام سير موسى مونتفيوري بزيارة روسيا في هذه الفترة في إطار محاولة الحكومة القيصرية أن تُوسِّط يهود الغرب المندمجين في إقناع يهود روسيا بتقبُّل عمليات الدمج والتحديث والترويس. ويمكن القول بأن هذه العمليات لم تحقق كثيراً من النجاح.
ألكسندر الأول (1801-1825)
‏Alexander I
أحد قياصرة روسيا. في عهده بدأت الحكومة القيصرية في محاولة إيجاد حل للمسألة اليهودية في روسيا بعد ضم أجزاء من بولندا. فشكلت لجنة لدراسة القضية والتوصية ببعض الحلول. وشهد عهده عدة محاولات لدمج اليهود وترويسهم.
نيقولا الأول (1825-1855)
‏Nicholas I
قيصر روسي حاول دمج اليهود في المجتمع الروسي عن طريق إصلاحات تُفرَض عليهم من الخارج، لكن سياسته لم تُحرز نجاحاً كبيراً.
منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا
‏Pale of Settlement

«منطقة الاستيطان» ترجمة للعبارة الروسية «كرتا أوسدلوستي Cherta Osedlosti» حيث تُترجم كلمة «كرتا» إلى «نطاق» أو «حدود» أو ربما «حظيرة» وهي الترجمة الدقيقة. ولأن هذا النطاق كان يتسع ويضيق، فتضم إليه مناطق وتستبعد أخرى، فإننا نفضل استخدام كلمة «منطقة» .
ومنطقة الاستيطان هي منطقة داخل حدود روسيا القيصرية لم يكن يُسمَح لمعظم أعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى أو الاستقرار خارج المدن الواقعة فيها. وكانت الحكومة القيصرية تقوم بفرض مثل هذه القيود وهو أمر كان يُعَد جزءاً أساسياً من سياستها العامة ومن موقفها من حرية الأفراد في التنقل، وهي سياسة لم تكن تُطبَّق على أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما كانت تُطبَّق على معظم سكان روسيا سواء أكانوا من الأقنان أم كانوا سكان مدن أو تجاراً. فكان على هذه القطاعات، التي تشكل أغلبية السكان، البقاء في مواطن استيطانها لا تغادرها إلا لسبب محدد وبإذن خاص. ويبدو أن هذه القوانين صدرت بسبب طبيعة روسيا كإمبراطورية مترامية الأطراف تُوجَد بها مناطق شاسعة غير مأهولة بالسكان، الأمر الذي جعل بوسع أي مواطن أن يترك محل إقامته ليستوطن إحدى المناطق غير المأهولة بعيداً عن سلطة الحكومة. ولما كانت الحكومة المركزية ضعيفة نظراً لرغبتها في تدعيم أسس الإمبراطورية وضمان شيء من الثبات، ظهرت فكرة ربط المجموعات البشرية بمواطن محددة كما حدث مع الفلاحين حينما تم تحويلهم إلى أقنان، ثم مع أعضاء الجماعة اليهودية حين تم ضم أعداد كبيرة منهم إلى الإمبراطورية بعد تقسيم بولندا.

ولكن، إلى جوار هذه الأسباب العامة المتعلقة بسياسة روسيا القيصرية تجاه رعاياها، هناك أسباب خاصة بيهود روسيا من أهمها الصراع الاجتماعي الناشب بين التجار اليهود الذين كانوا يشتغلون بتقطير الخمور وبيعها وبأعمال الرهونات والالتزام من جهة، والفلاحين السلاف الذين كانوا يتعاطون الخمر بشراهة (ربما بسبب تزايد بؤسهم) وضعف النظام الإقطاعي من جهة أخرى. وكانت البيروقراطية الروسية متخلفة غير مدركة لأبعاد المشكلة الاجتماعية في الريف الروسي أو البولندي. ولذا، أُلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مسئولين عن سُكْر الفلاحين وإفقارهم. كما كان تجار روسيا يجأرون بالشكوى دائماً من العناصر اليهودية التجارية التي تلجأ إلي الغش والتهريب لتحقيق الربح. لكل هذا، حُظر على أعضاء الجماعة اليهودية أن يتحركوا خارج تلك المناطق التي ضُمَّت من بولندا، ولكنهم مُنحوا حق الاستيطان في المناطق التي ضُمَّت من تركيا في أواخر القرن الثامن عشر باعتبارهم عنصراً استيطانياً نافعاً، وهي التي كانت تقع أساساً حول البحر الأسود وسُمِّيت «روسيا الجديدة» . وقد ضمَّت منطقة الاستيطان منطقة كبيرة امتدت من ليتوانيا وبحر البلطيق في الشمال إلى البحر الأسود في الجنوب، ومن بولندا وبيساربيا في الغرب إلى روسيا البيضاء وأوكرانيا في الشرق، وتضم خمساً وعشرين مقاطعة تشكل مساحة قدرها مليون كيلو متر مربع، أي ما يساوي مساحة فرنسا تقريباً. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون نحو 11.6% من سكان منطقة الاستيطان عام 1897، وبلغ عددهم 4.899.427من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم 5.054.300، ويُلاحَظ أنه كان يوجد 161.500 فقط من يهود الجبال وجورجيا، وهم ليسوا من يهود اليديشية، أي أن منطقة الاستيطان كانت تضم أغلبية يهود روسيا الذين كان معظمهم يتحدث اليديشية.
وكانت منطقة الاستيطان تتكون من ثلاث مناطق تتميَّز الواحدة عن الأخرى تماماً:

1 ـ ليتوانيا وبيلوروسيا أو روسيا البيضاء: وتضم جرودنو منسك وفلنا وفايتبسك (بوكوتسك سابقاً) وكوفنو وموجيليف.
2 ـ أوكرانيا: وتضم فولينيا وبودوليا ومقاطعة كييف (ماعدا مدينة كييف) وتشرينجوف وبولتافا.
3 ـ روسيا الجديدة: وتضم خرسون (ماعدا مدينة نيقولاييف) وإيكاتيرينوسلاف وتاوريدا (القرم) وبيساربيا التي تضم أوديسا، أهم مدن اليهود في روسيا.
واستقرت حدود المنطقة عام 1835. وكانت منطقة الاستيطان تضم رسمياً كل المناطق التي ضمت من بولندا ما عدا مقاطعات وسط بولندا والتي ظلت رسمياً خارج النطاق وداخله من الناحية الفعلية.

وكانت منطقة الاستيطان تضم أوكرانيين وبولنديين وروسيين وليتوانيين ومولدافيين وألماناً. وكان لكل جماعة قاعدتها الإقليمية أو أرضها المتركزة فيها ما عدا أعضاء الجماعة اليهودية والألمان. ومن هنا ظهرت إحدى السمات الخاصة للمسألة اليهودية في روسيا. وقد قررت الحكومة القيصرية (عام 1843) ، لاعتبارات أمنية، عدم السماح لأعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى على مسافة 50 فرسخاً (نحو 33 ميلاً) من الحدود. وحسب القانون الصادر لتنظيم منطقة الاستيطان، لم يُسمَح لليهود بالانتقال خارجها ولم يُسمح لهم بالدخول إلى وسط روسيا إلا مدة ستة أسابيع للقيام بأعمال محدَّدة على أن يرتدوا الأزياء الروسية. وكان متاحاً لتجار الدرجة الأولى أن يمكثوا ستة أشهر، كما كان مسموحاً لتجار الدرجة الثانية أن يمكثوا ثلاثة أشهر. ومع حكم ألكسندر الثاني، بدأت الحكومة القيصرية في تخفيف القيود عن بعض العناصر اليهودية النافعة والمندمجة، وذلك بهدف تحويل اليهود إلى قطاع منتج مندمج في المجتمع. فسُمح لتجار الفئة الأولى (عام 1859) بأن يستوطنوا خارج منطقة الاستيطان، وكذلك لخريجي الجامعات عام 1861 وللحرفيين عام 1865، كما سُمح للمشتغلين بالطب عام 1879 وللجنود المُسرَّحين بهذه الميزة. ولم يزد العدد المسموح لهم بها حسب تعداد 1897 على مائتي ألف يهودي.
وكان من بين الفئات المسموح لها بمغادرة منطقة الاستيطان الفتيات اليهوديات اللائي كن يعملن بالبغاء، فكان بوسع الفتاة أن تنتقل إلى موسكو أو أية مدينة أخرى لتمارس هذه الوظيفة وتحقق قدراً من الحراك الاجتماعي والجغرافي دون أن يكون في إمكان أسرتها اللحاق بها.
وقد حوَّل هذا منطقة الاستيطان إلى أهم مصدر للبغايا في العالم حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وربما حتى الثلاثينيات من هذا القرن. وتم توسيع منطقة الاستيطان عام 1879 بضم مملكة بولندا إليها رسمياً، وأُبطل العمل على الحدود بقانون الخمسين فرسخاً.

وكان 11.6% من سكان منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية موزعين في القرى والمدن. وكان عددهم 4.900.000 (يشكّلون حوالي 94% من كل يهود روسيا) . وبعد عمليات الطرد من القرى، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مركزين أساساً في المدن. فمع بداية القرن التاسع عشر، كان 10 - 15% من سكان المدن داخل منطقة الاستيطان يهوداً، وكان أكبر تجمُّع يهودي يضم عشرة آلاف. ولكن، مع نهاية القرن، كان مليون ونصف مليون يهودي (أي ثلث اليهود في منطقة الاستيطان) من سكان المدن، وكانوا يشكلون 30% من مجموع السكان فيها وكانوا يشكِّلون 50% من مجموع سكان كثير من المدن. وكانت حوالي 41 جماعة يهودية تتكون كل منها من عشرة آلاف نسمة. وفي إحصاء عام 1897، بلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية من ساكني المدن 78% (حوالي 3.800.000) . وأدَّى الانفجار السكاني إلى ازدياد الازدحام داخل منطقة الاستيطان. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان 94% من مجموع يهود روسيا يعيشون في منطقة الاستيطان.

وتختلف نسبة عدد السكان اليهود إلى مجموع السكان، كما تختلف درجة تَركُّزهم في المناطق الحضرية، ومعدلات التصنيع والتحديث، من منطقة إلى أخرى. فكثير من الصناعات داخل منطقة الاستيطان كان يملكها يهود، وكان نصفها تقريباً في صناعة النسيج ثم في صناعة الأخشاب والتبغ والجلود أي في صناعات خفيفة. وكان الصراع الطبقي محتدماً، كما كانت العلاقة بين صاحب العمل والعمال اليهود تحكمها علاقات السوق الرأسمالية وليس التضامن الديني أو الإثني. ولذا، فكثيراً ما كان صاحب العمل اليهودي يفضل عمالاً غير يهود لأنهم عمالة رخيصة ولا يمثلون أية ضغوط اجتماعية عليه ليعاملهم بطريقة خاصة ويعطيهم إجازات في الأعياد اليهودية. ولكن الرأسماليين من يهود روسيا كانوا مضطرين على وجه العموم إلى استئجار عمال يهود بسبب وجودهم بأعداد كبيرة في المدن. وكانت نسبة اليهود العاملين في التجارة هي 38.6% من مجموع اليهود. أما نسبة العاملين في الحرف (أساساً في الخياطة وصناعة الأحذية) فكانت 35.4%، وكان 72.8% من جملة التجار في منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية وكذلك 31.4% من الحرفيين.
وكانت الحركة الحسيدية منتشرة في صفوف يهود روسيا، وكذلك الحركات الثورية العدمية، كما ظهرت طبقة وسطى يهودية اكتسبت الثقافة الروسية. وكان نظام التعليم اليهودي التقليدي لا يزال قائماً إلى جانب المدارس العلمانية المختلفة. ومع أن الأغلبية كانت تتحدث اليديشية، فإن تعلَّم اللغة الروسية بشكل جدي بدأ يقطع أشواطاً كبيرة، كما فُتحت مدارس لتعليم العبرية بتأثير الحركة الصهيونية.

وقد صدرت عام 1881 قوانين مايو التي منعت إنشاء أية مستوطنات خارج مدن منطقة الاستيطان، وتقرر أن اليهود الذين يعيشون في بعض قرى منطقة الاستيطان يحق لهم السكنى في هذه القرى دون غيرها. وأُعطي الفلاحون حق طرد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعيشون بين ظهرانيهم. وأحياناً كان يُحظَر على اليهود الإقامة في بعض المدن، مثل روستوف ويالطا، كما طُرد آلاف الحرفيين اليهود من موسكو إلى منطقة الاستيطان. وكانت هذه القرارات تعبيراً عن تَعثُّر التحديث في روسيا. وقد بُدئ في تخفيف حدة هذه القيود ابتداءً من عام 1903 بسبب الضغوط على الحكومة الروسية، فصُرِّح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في بعض القرى التي اكتسبت شكلاً حضرياً، وصدرت تعليمات عام 1904 تصرِّح لهم بالاستيطان خارج مناطق الاستيطان، وأيضاً بالاستقرار في المناطق الزراعية الواقعة في نطاق هذه المناطق.
وقدَّمت العناصر الديموقراطية في الدوما (البرلمان) الروسي عام 1910 مشروع قرار لإلغاء منطقة الاستيطان، ولكن العناصر الرجعية وقفت ضده، وأُلغيت المنطقة نهائياً بعد الثورة البلشفية.
والواقع أن تاريخ التجمع اليهودي، داخل منطقة الاستيطان، من أهم فصول تجربة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر، وذلك للأسباب التالية:
1 ـ لاقى التجار والحرفيون اليهود منافسة شديدة من التجار والحرفيين المحليين، كما أن التحولات الاجتماعية التي كان يخوضها المجتمع الروسي أدَّت إلى تحوُّل أعداد كبيرة من اليهود إلى أعضاء في الطبقة العاملة. ولعل هذا التطور كان مهماً للغاية من منظور عملية الدمج والتدريب التي قامت بها الحكومة السوفيتية فيما بعد.
2 ـ كانت الأوضاع الاجتماعية السيئة، التي صاحبت التآكل في القيم التقليدية اليهودية، من العناصر الأساسية التي جعلت أعضاء الجماعة اليهودية مرتعاً خصباً للأفكار الثورية والحركات القومية العلمانية.

3 ـ أدَّى الانفجار السكاني وإغلاق أبواب الحراك الاجتماعي إلى هجرة اليهود بأعداد متزايدة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة. وكانت مدينة برودي على حدود منطقة الاستيطان المحطة التي هاجر منها الملايين.
4 ـ أدَّى تَركُّز أعضاء الجماعة اليهودية داخل مناطق بعينها، وبالذات داخل المدن، إلى احتفاظهم بشيء من هويتهم الإثنية اليديشية إذ كان بمقدورهم أن يتحدثوا، فيما بينهم، باليديشية وأن يقرأوا الصحف المكتوبة بتلك اللغة داخل الجيتو الكبير، فنشأ أدب يديشي داخل مناطق الاستيطان، كما ظهرت بدايات الحركة الصهيونية (أحباء صهيون) بين يهود روسيا، وكذلك حركات مثل البوند وفكر قومية الدياسبورا (أو القومية اليديشية) ، وكلها محاولات للتعبير عن هذه الهوية بشكل أو آخر. ويميل بعض المؤرخين اليهود مثل جرايتز ودبنوف إلى أن يصوروا منطقة الاستيطان وكأنها وطن قومي يهودي في المنفى له شخصيته القومية المحددة.
ولكل هذا، مع قيام الثورة البلشفية، وإلغائها منطقة الاستيطان، وفتحها كل روسيا أمام اليهود للاستقرار فيها، وإتاحتها فرص الحراك الاجتماعي والتنوع الوظيفي والاقتصادي، هاجر الألوف من اليهود إلى داخل روسيا. وبالتالي، نجح الاتحاد السوفيتي في القضاء على الأساس السكاني والحضاري للهوية اليهودية اليديشية وهو ما أدَّى إلى اختفاء هذه اللغة بحيث يمكننا أن نقول إنها تكابد الآن سكرات الموت.
أوديسا
‏Odessa

مدينة بناها القياصرة على البحر الأسود مكان مدينة تركية صغيرة كانت تُسمَّى «خاتجيبي» استولت عليها القوات الروسية عام 1789 ولم يكن بها حينذاك سوى ستة من اليهود. وفي محاولة لتطوير المدينة، شجعت الحكومة القيصرية كل العناصر البشرية على الاستيطان فيها، فأصبح الأقنان الذين استقروا فيها مستأجرين أحراراً. وأصبحت أوديسا المركز التجاري الصناعي لجنوب روسيا أو روسيا الجديدة. وكانت أهم السلع التي تصدَّر منها الحبوب. فزاد حجم الصادرات خمس مرات. وأُسِّست فيها جامعة، عام 1865، وعدد من المسارح بل ودار للأوبرا.

واجتذبت أوديسا أعداداً كبيرة من الأجانب حتى أنهم كانوا يشكلون ثلاثة أرباع السكان حتى عام 1819. وفي عام 1850، كان مجموع السكان 90 ألفاً منهم عشرة آلاف أجنبي. وقد تخصَّص كل عنصر بشري في نشاط اقتصادي ما، فكان اليونانيون والإيطاليون والألمان من تجار الجملة، وكان الفرنسيون يشتغلون بتجارة الخمور وتجارة التجزئة، كما كان اليهود القرّاءون يشتغلون في تجارة التبغ والسلع الشرقية، أما اليهود الحاخاميون فاضطلعوا بعدة وظائف تجارية ومالية تتداخل مع الوظائف الاقتصادية للأقليات الأخرى. وكان الجو الأممي (كوزموبوليتاني) في المدينة متطرفاً بمعنى الكلمة حتى أن أسعار تحويل العملات كانت تُكتَب باليونانية وكانت لغة الحديث بين الناس الفرنسية، وكانت علامات الطرق تُكتَب بالإيطالية والروسية، وكانت الفرق المسرحية تُقدِّم المسرحية الواحدة بخمس لغات مختلفة (وهي تشبه إلى حدٍّ ما في هذا الإسكندرية قبل قيام ثورة 1952) . وقد ساد الفكر المركنتالي سيادة تامة في أوديسا حتى بين صفوف البيروقراطية الروسية. فالهدف الذي حددته الحكومة لهم هو تحويل المدينة إلى ميناء تُصدّر منه روسيا صادراتها الزراعية، وخصوصاً القمح. ولذا، حكَّمت البيروقراطية مفاهيم المنفعة وقيمها وهو ما أدَّى إلى تَناقُص تعصبها ضد أعضاء الجماعة اليهودية والأجانب بسبب نفعهم. لكل هذا، كانت أوديسا نقطة جذب لأعداد كبيرة من يهود روسيا من جميع الطبقات الذين كانوا يرفضون الجيتو واليهودية الحاخامية والذين كانوا يشعرون بالرغبة في الهرب من منطقة الاستيطان. بل استقر في أوديسا مهاجرون يهود من جاليشيا وألمانيا، ليتمتعوا بالحريات التي مُنحت لأعضاء الجماعة اليهودية فيها وبالجو الأممي. ولذا، تزايد عدد اليهود من 10% من كل السكان عام 1795 إلى 20% (12 ألف يهودي) عام 1840 ثم إلى 34.4% (165 ألفا) عشية الحرب العالمية الأولى.

وأصبحت أوديسا مركزاً لثاني أكبر تجمُّع يهودي في الإمبراطورية الروسية بعد وارسو عاصمة بولندا التابعة لروسيا آنذاك. وكان أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً عضوياً من اقتصاد المدينة الجديدة، فساهموا في نموها الاقتصادي حتى بلغت نسبة أعضاء الجماعات اليهودية 56% من أصحاب الحوانيت الصغيرة و63% ممن يعملون في الحرف اليدوية وتصدير الحبوب والصيرفة والصناعة الخفيفة. وكان يوجد عدد كبير منهم في المهن الحرة. وفي عام 1910، كان 80% من تجارة تصدير الحبوب يمتلكها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يمتلكون 50% من تجارة الجملة بشكل عام. كما كان يوجد عدد كبير من العمال اليهود (يشكلون ثلث عدد اليهود) انتشرت بينهم الحركات الثورية. وساد الاندماج واكتساب الصبغة الروسية، وظهرت طبقة من المثقفين اليهود الذين تبنوا مُثُل الحضارة الروسية والذين كان بوسعهم تحقيق درجة كبيرة من الحراك الاجتماعي في جو ثقافي منفتح. وتَدعَّم هذا الاتجاه نحو الانفتاح حينما صدرت قوانين ألكسندر الثاني عام 1860 التي حُرِّر بمقتضاها الأقنان وسُمح لأعضاء الجماعة اليهودية بدخول الجامعات.

وتعاظم نفوذ العناصر الليبرالية الداعية إلى التنوير حتى أصبحت أوديسا أول مدينة يتولى قيادة الجماعة اليهودية فيها دعاة التنوير الذين تعاونوا مع السلطات لضرب المؤسسة الدينية اليهودية وللقيام بعمليتي الترويس والدمج. ففُتح العديد من المدارس اليهودية وكانت لغة التدريس فيها الروسية، كما كانت الموضوعات التي تُدرَس فيها موضوعات علمانية عامة، ولم تشغل الموضوعات اليهودية سوى مرتبة ثانوية. ودخل العديد من الأطفال اليهود المدارس الحكومية الروسية. وإلى جانب هذا، أُسِّست في أوديسا أول مدرسة عبرية على النمط الغربي، وهذا يعكس التناقض الأساسي الكامن في حركة التنوير في روسيا التي كانت تدعو إلى الاندماج في المجتمع ولكنها كانت تدافع في الوقت نفسه عن الأشكال اليهودية التقليدية. وقد بلغ عدد الطلبة اليهود في مدارس أوديسا ثلاثة أضعاف النسبة داخل منطقة الاستيطان. وأُسِّست فيها جمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا التي كانت تهدف إلى ترويس أعضاء الجماعة.
واشتهرت أوديسا بتراخي أهلها عن إقامة الطقوس والشعائر وتخليهم عن القيم الدينية اليهودية (بل عدم الاكتراث بها في كثير من الأحيان) حتى كان يُضرَب بها المثل: "إن نار جهنم تشتعل حول أوديسا على مسافة عشرة فراسخ".

وكان مصير أوديسا مثل مصير حركة التنوير في روسيا، فمع تعثُّر التحديث حدث هجوم (بوجروم) على اليهود عام 1817 بسبب صراعهم مع جماعة وظيفية أخرى وهي الجماعة اليونانية. ولم يُحسَم التناقض داخل حركة التنوير في روسيا لصالح الاندماج كما حدث في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، ولذا نجد أن بعض شرائح دعاة التنوير من مثقفي الطبقة الوسطى يتبنون الحل الصهيوني، فصدرت في أوديسا نداءات ليلينبلوم وبنسكر بعد أن شهدت نشاطاتهم الاندماجية من قبل. وأصبحت المدينة مركزاً لجماعة أحباء صهيون وجمعية بني موسى التي أنشأها آحاد هعام، وارتبطت بأسماء كثير من الزعامات الصهيونية مثل أوسيشكين وديزنجوف وبياليك وجابوتنسكي. كما صدر فيها عدد كبير من المجلات الأدبية العبرية، فأصبحت المدينة مركزاً للثقافة العبرية ولنشرها. وكانت تُنشر فيها مجلة آحاد هعام هاشيلواح.
وبعد الثورة البلشفية، استمر عدد اليهود في الزيادة إذ بلغ 180 ألفاً عام 1931، ولكن نسبتهم إلى عدد السكان أخذت في الانخفاض فأصبحوا يشكلون 29.8%. ولا يزال يوجد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في أوديسا، ولكن أعدادهم آخذة في التناقص.
وهذا يتفق، في واقع الأمر، مع النمط العام لتطور الجماعة اليهودية، فمع تَزايُد التصنيع زاد انتشار أعضاء الجماعة وانتقلت أعداد كبيرة منهم من المناطق السكنية القديمة إلى المناطق الصناعية الجديدة.
الترويس
‏Russification

«الترويس» مصطلح نُحت من لفظة «روسيا» ، وهو على صيغة المصدر من الفعل المنحوت «روَّس» . ويشير هذا المصطلح إلى صبغ الأقليات الدينية والعرْقية والإثنية في الإمبراطورية القيصرية بالصبغة الروسية، وهو جزء من عملية التحديث والتوحيد التي قامت بها الإمبراطورية الروسية والتي حاولت من خلالها فرض سلطة الحكومة المركزية على كل جوانب الحياة الخاصة والعامة للمواطنين بحيث يصبح انتماؤهم لها كاملاً وولاؤهم نحوها غير منقوص. وقد كانت الجماعة اليهودية إحدى هذه الأقليات، فحاولت الحكومة القيصرية أن تشجعهم أو ترغمهم على أن يغيِّروا لغتهم اليديشية ويتحدثوا الروسية أو البولندية أو الألمانية، وأن يستبدلوا بأزيائهم أزياء غربية حديثة ويرسلوا أولادهم إلى مدارس روسية علمانية أو مدارس روسية يهودية مختلطة. وعملية الترويس، في جوهرها، عملية تحديث وعلمنة، وهي تتداخل مع عمليات أخرى مثل «التطبيع» و «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . وقد نشأت جمعيات مثل جمعية نشر الثقافة الروسية بين اليهود الروس في أوديسا لتشجيع هذا الاتجاه. كما أن تجنيد الشباب اليهودي في الجيش الروسي في سن مبكرة كان من أنجع الوسائل.

ومع هذا، فإن كل هذه المحاولات باءت بالفشل إلى حدٍّ كبير لأن عملية الترويس كانت في جوهرها عملية إعلامية سطحية لم تواكبها تحولات بنيوية في المجتمع تفتح السبل أمام أعضاء الجماعة اليهودية ممن يرغبون في اكتساب الهوية الروسية المطروحة أمامهم. ولكن، بعد الثورة البلشفية، حدثت هذه التحولات البنيوية ومن ثم تصاعدت عملية الترويس. ويُلاحَظ أن هذه العملية، التي بدأت كجزء من مخطَّط فُرض بشكل فوقي، أصبحت حركية تلقائية نابعة من داخل الجماهير اليهودية في روسيا وغير مفروضة عليهم. فانصرافهم عن اللغة اليديشية تعبير عن الرغبة الإنسانية العامة في الحراك الاجتماعي حتى لو كان على حساب الهوية. وقد استمرت هذه العملية إلى أن اختفت اليديشية تقريباً وتروَّس يهود اليديشية، ومن ثم يُشار الآن إلى المهاجرين السوفييت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنهم «الروس» وحسب. وعملية الترويس، في مراحلها التلقائية (أي حينما لا تحتاج إلى أي قسر خارجي) لا تختلف عن أمركة أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة أو أيٍّ من مختلف عمليات الدمج الحضاري التي يمر بها أعضاء الأقليات الإثنية والدينية المختلفة.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - روسيا القيصرية حتى اندلاع الثورة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

روسيا من عام 1855 حتى عام 1881
‏Russia, from 1855 to 1881....
تغيَّرت الصورة كثيراً مع اعتلاء ألكسندر الثاني (1855 ـ 1881) العرش إذ تميَّز حكمه بأن حركة التحديث في روسيا خطت خطوات واسعة واتخذت شكلاً ليبرالياً بعد هزيمة روسيا في حرب القرم. فعلى سبيل المثال، تم تحديث النظام القضائي عام 1864 ونظام البلديات عام 1870 وكذلك نظام التجنيد، بل بدأ الحديث عن قيام حكومة دستورية. ولعل أهم القرارات قرار إلغاء نظام الأقنان عام 1861 الذي صدر نزولاً على إرادة النبلاء الإقطاعيين الذين ظهرت بينهم تطلعات نحو الانتقال إلى صفوف البورجوازية الكبيرة سواء من خلال إقامة المزارع الحديثة ورسملة الزراعة أو من خلال التوجه للعمل في المجالات التجارية والصناعية.
ويشكل هذا القرار أخطر منعطف في تاريخ المجتمع الروسي حيث شهدت هذه الفترة زيادة معدلات التصنيع والتحديث بشكل كبير، فمُدت السكك الحديدية وفُتحت أبواب الحراك الاجتماعي أمام الكثيرين، ولكن بدأت أيضاً معالم أزمة النظام القيصري في الظهور. لقد حرَّرت الدولة الروسية الأقنان ولكنها لم توفر لهم أرضاً، وبدأت القرى تقذف الملايين إلى المدن ليعيشوا تحت ظروف اقتصادية أشد وأقسى مما كانت عليه في عهد الإقطاع. ولم تكن هناك أية مؤسسات وسيطة (الأسرة أو الكنيسة) لتحميها وتوفر لها شيئاً من الطمأنينة النفسية (الحقيقية أو الوهمية) . كما أن هؤلاء الملايين كانوا يتقاضون أجوراً منخفضة لم تكن تفي بحاجاتهم بقدر ما كانت تؤدي إلى التراكم الرأسمالي السريع الذي كان يؤدي بدوره إلى تَصاعُد عملية التحديث وازدياد إفقار الجماهير وانتشار الحركات الثورية وزيادة الأوتوقراطية من جانب النظام السياسي، وهي الحلقة المفرغة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى الثورة البلشفية.

وقد فُتحت أبواب الحراك الاجتماعي والاقتصادي أمام أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من القطاعات والأقليات في المجتمع. ورُبطت عملية إعتاق اليهود بمدى تحوُّلهم إلى عنصر نافع وعنصر اقتصادي منتج. ولتشجيع أعضاء الجماعة على تَقبُّل التحديث والترويس، قامت الحكومة بتوسيع نطاق حقوق اليهود النافعين، وخصوصاً حق السكنى في روسيا بأكملها، خارج منطقة الاستيطان بالنسبة للتجار الأثرياء الذين يُعتبَرون تجاراً من الدرجة الأولى (عام 1859) ولخريجي الجامعة (عام 1861) والحرفيين (عام 1865) والجنود اليهود المُسرَّحين (عام 1867) . ومن الأشياء المؤسفة أن العاهرات كن يُعتبَرن نافعات وهو ما شجع كثيراً من الفتيات اليهوديات، داخل منطقة الاستيطان، على امتهان البغاء كوسيلة للحراك الاجتماعي والجغرافي. وصُرح ليهود منطقة الاستيطان بالسكنى في بولندا عام 1868. وفي عام 1879، أصبح لكل من يعمل بمهنة الطب حق السكنى في أي مكان. ووُسع نطاق منطقة الاستيطان نفسها فأُبطل العمل بالقانون الذي يحظر على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في المنطقة الممتدة خمسين فرسخاً داخل الحدود.
وفي عام 1856، أُلغيت القوانين الخاصة بتجنيد أعضاء الجماعة اليهودية والعقوبات الخاصة التي كانت تُوقَّع عليهم، وتمت مساواتهم ببقية الشعب الروسي. وفي عام 1874، اعتُمد نظام التجنيد الإجباري العام لمدة أربع سنوات ولم يَعُد مقصوراً على الفقراء، وانضم آلاف الشباب اليهودي إلى الجيش ومُنحوا حقوقاً ومزايا عديدة، كما خُفِّضت مدة خدمة المجندين الذين أنهوا دراستهم من أربع سنوات إلى سنة واحدة.

وفي حقل التعليم، بعد فشل تجربة أوفاروف، أُغلقت المدارس اليهودية الحكومية عام 1873 ماعدا مائة مدرسة، وفُتحت المدارس الحكومية المعادية أمام أعضاء الجماعة اليهودية واعتبرت هذه الطريقة الأسلوب الأمثل لعملية الترويس. وأخذ عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس في التزايد. كما فتحت الجامعات أبوابها لهم، فزاد عدد الطلبة اليهود في الجامعات بين عامي 1853 و1872 من 1.25% من مجموع الطلبة إلى 13.2%.
وظهر فكر حركة التنوير الذي كان من أقطابه ليفنسون ومابو ويهودا ليب جوردون. وكانوا في البداية معارضين لليديشية على النمط الألماني، لكن بعضهم تبناها كلغة قومية لا كلغة دينية. وظهر أدب يديشي من أعلامه منديل موخير سفاريم وغيره. وظهرت مطبوعات يهودية بالعبرية واليديشية والروسية. وتركت الثقافة اليهودية الروسية العلمانية الجديدة أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية، حتى وصل ذلك الأثر إلى المدارس الدينية نفسها.

ونشأ إحساس عام لدى يهود روسيا بأن الحكومة تأخذ مسألة الدمج بشكل جدي ومعقول، فاشتركوا في الحياة الروسية العامة، وظهر من بينهم عازفون موسيقيون، كما نشأت طبقة من التجار الأثرياء والمثقفين الداعين إلى الدمج والترويس. وقد أسَّسوا جمعية نشر الثقافة الروسية بين يهود روسيا عام 1863. وقام كبار المموِّلين اليهود ببناء الطرق والقلاع والسكك الحديدية وبتزويد الجيش بالتموين والغذاء، وامتلكوا المناجم وصناعات الطعام والنسيج وتصدير الأخشاب، وساهموا في تأسيس شبكة المصارف الجديدة في روسيا. وكانت هذه الطبقة تتركز في سانت بطرسبرج وموسكو وأوديسا ووارسو. وكان من أقطابها أسرتا جونزبرج وبولياكوف اللتان اعتبرتا نفسيهما قيادة الجماعة اليهودية. وارتبطت هذه الطبقة بالمثقفين اليهود الروس من المشتغلين بالمهن الحرة ومحرري الصحف والعلماء والكتاب. وكانت ثقافة هذه الطبقة والشرائح المحيطة بها روسية تماماً. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من الشباب اليهودي بدأوا في هذه المرحلة يعملون ضباطاً في الجيش الروسي.
وساهمت هذه الجيوب الحديثة في عملية تحديث بقية يهود روسيا، إذ كانوا يرفضون الحديث باليديشية كما كانوا يتعاونون مع الحكومة في عملية التحديث، ويساهمون في نشر الثقافة الروسية بين اليهود. ولكنهم، مع هذا، ونظراً لوضعهم الطبقي المتميِّز، كانوا منعزلين عن بقية الجماهير اليهودية التي كانت تدفع وحدها ثمن التحديث بينما كانوا يجنون هم ثمراته.

ومما ساعد على ازدهار أعضاء الجماعة اليهودية داخل منطقة الاستيطان أن هذه المنطقة لم تشهد أية حروب في الفترة 1812 ـ 1914، كما أن وجود يهود روسيا داخل إمبراطورية واحدة سهَّل الحركة بين الجماعات المختلفة وأكد تَماسُك الجماعة اليهودية. وقد تزايد عدد يهود روسيا بسرعة تفوق معدل زيادة السكان، ففي عام 1825 بلغ عددهم 1.600.000 أي 3% من مجموع سكان الإمبراطورية و12% من سكان المناطق التي تواجدوا فيها. وفي عام 1850، بلغ عددهم 2.350.000. وبلغ عددهم عام 1880 أربعة ملايين، أي أن عددهم زاد بنحو 150% خلال 50 عاماً تقريباً. ومع هذا تعثَّر التحديث في روسيا وبدلاً من دمج أعضاء الجماعة اليهودية تحوَّلت روسيا القيصرية إلى قوة طاردة لهم في الوقت الذي كانت أعدادهم آخذة في التزايد.
وكانت استجابة يهود روسيا لتعثُّر التحديث هي الهجرة التي كانت حتى عام 1870 هجرة داخلية من ليتوانيا وروسيا البيضاء إلى جنوب روسيا (روسيا الجديدة) . فحتى عام 1847، كان 2.5% من يهود روسيا يعيشون في هذه المنطقة. ومع حلول عام 1897، كانت نسبتهم تصل إلى 13.5%. ولكن نمط الهجرة اختلف بعد عام 1880 إذ اتجهت كليةً إلى خارج شرق أوربا. فهاجر 2.750.000 يهودي تركوا شرق أوربا خلال 1881 ـ 1914 (نحو مليونين من روسيا وحدها) بينما كان عدد يهود العالم عشرة ملايين، وهو ما يعني أن ربع يهود العالم كانوا في حالة هجرة. وظهرت حركة حزب البوند الثورية الذي كان يُعَد أكبر تنظيم ثوري اشتراكي في أوربا، كما ظهرت الحركة الصهيونية، وهما تعبيران مختلفان عن تعثُّر التحديث.

ولعل أكبر دليل على تعثُّر محاولات الدمج والتحديث أن الهرم الوظيفي لأعضاء الجماعة، رغم تصاعد معدلات التحديث الاقتصادي، كان لا يزال بلا تغيير كبير إذ كان 38% من أعضاء الجماعة يعملون بالتجارة و35% يعملون بالحرف اليهودية والصناعات المرتبطة بها و3% فقط يعملون بالزراعة. ولذلك، كانت عملية اغتيال القيصر (ألكسندر الثاني) عام 1881 على يد مجموعة من الشباب الروسي الثوري، من بينهم فتاة يهودية ملحدة، تعبيراً عن المشاكل البنيوية العميقة التي يواجهها المجتمع الروسي، وخصوصاً مشكلة التناقض بين البنية الاقتصادية المتطورة والأشكال السياسية والاجتماعية المتكلسة. فشُكِّلت لجنة لإعادة النظر في المسألة اليهودية أعلنت فشل سياسة التسامح، أي فشل عملية التحديث القيصرية، وأصدرت قوانين مايو التي طُرد اليهود بموجبها من موسكو عام 1891 وحُدِّدت نسبتهم في المدارس الثانوية. وأدَّت هذه القوانين إلى طرح المسألة اليهودية على العالم الغربي بأسره إذ بدا أن روسيا بدأت تُصدِّر فائضها اليهودي إلى الجميع.
تعثر التحديث في روسيا القيصرية
‏Setbacks of Modernization in Tsarist Russia
لم يُقدَّر لمحاولات دمج أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا النجاح لأسباب عدة، من أهمها ما يلي:
1 ـ خلق الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات اليهودية فائضاً بشرياً ضخماً لم يكن من الممكن توفير الفرص الكافية للعمل والتعليم له. كما أن الانفجار السكاني كان يخلق تجمعات يهودية مركزة يتعامل من خلالها أعضاء الجماعة مع بعضهم البعض دون حاجة إلى العالم الخارجي، الأمر الذي كان يُبطئ عملية الاندماج ويعوقها.

2 ـ كما يُلاحَظ أن عملية التحديث نفسها كانت لها جوانب سلبية عديدة. فحظر الاتجار في الخمور على أعضاء الجماعة اليهودية كان يهدف إلى تقليل الاحتكاك بين اليهود والفلاحين، ولكن مع هذا حُرم آلاف اليهود من مصادر الدخل الوحيدة المتاحة لهم، فكان منهم مقطرو الخمور وموزعوها وتجارها. كما أن إنشاء السكك الحديدية التي مولها كبار الرأسماليين اليهود كما تَقدَّم، قضى على مصادر الدخل الأساسية لآلاف اليهود الذين كانوا يعملون في صناعة وتجارة العربات التي تجرها الخيول.
3 ـ ومما عقَّد الأمور أن عملية إعتاق أعضاء الجماعة اليهودية تزامنت مع إعتاق الأقنان، الأمر الذي جعل رقعة الأرض المتاحة للزراعة ضيقة جداً، وخصوصاً أن التاجر أو المرابي اليهودي لم يكن من السهل تحويله إلى مزارع. وأدَّى إعتاق الأقنان أيضاً إلى وجود عمالة رخيصة في السوق، الأمر الذي أدَّى بالتالي إلى طرد اليهود من كثير من وظائفهم التقليدية وإلى انحدارهم إلى مستوى الطبقة العاملة وتحوُّلهم إلى عمال، هذا مع ملاحظة أن المستوى المعيشي لغالبية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى في أكثر أيامهم فاقة وفقراً، كان أعلى بكثير من مستوى القن الروسي أو القن البولندي.
4 ـ وكلما ازدادت معدلات التحديث، ازدادت صعوبة التكيف مع الاقتصاد الجديد، الأمر الذي كان يزيد عدد ضحايا التقدم، ففي مرحلة ما قبل 1880 خفَّف آلام الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج أن هذا النمط احتفظ في مراحله الأولى بأشكال إنتاج بسيطة وهو ما أتاح لعدد من أعضاء الجماعة اليهودية أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل (في المدن الصناعية) في التجارة الجديدة وللعمل في الحرف.

غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، فقد اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمنزلة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية حيث كان اليهود يتركزون بنسبة مرتفعة. وهكذا تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لمرحلة ما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى هي القضاء على عمل اليهودي الحرفي نفسه. وحينما كان اليهودي يتحول إلى عامل، فإنه كان يواجه منافسة الفلاحين الروس المُقتلَعين الذين كانوا يقنعون بأجور منخفضة بسبب أسلوب حياتهم البسيط.

ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقداً أن الحرفي اليهودي (كما يبيِّن أبراهام ليون) كان يعمل فيما يمكن تسميته «الحرف اليهودية» التي وُلدت بالشتتل. فالحرفي اليهودي لم يكن يعمل من أجل الفلاحين المنتجين بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء. ولذلك، نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي لكون زبائنه يتألفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع، أي غير المنتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا ينتج سلعاً استهلاكية لأن الفلاح كان يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، إلى جانب الفلاح، كان هناك الحرفي غير اليهودي (الحداد مثلاً) ، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان هناك الحرفي اليهودي (الترزي مثلاً) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي غير اليهودي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يوظف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي مثل نسج الأصواف، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير لا الاستهلاك المباشر، أي أنها حرف تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتمثل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فإنها لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، فالحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة كانت محصورة في أيدي الحرفيين اليهود، بينما انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود.
5 ـ وقويت شوكة الطبقة الوسطى الروسية، وخصوصاً بعد تَدفُّق رؤوس الأموال الأوربية الغربية على روسيا، بحيث فُتحت آفاق جديدة أمامها وأصبحت قوة اقتصادية لها وزنها يمكنها التفاهم مع البيروقراطية الحكومية (الروسية الأرثوذكسية) التي كانت تحابيها وتعطيها الأولوية والأفضلية. وتسبب كل هذا في إضعاف المموّلين اليهود وأعاق عملية تحوُّل كثير من أعضاء الجماعة اليهودية إلى أعضاء في الطبقة الوسطى الروسية.

6 ـ أدَّى القضاء على ثورة بولندا عام 1863 إلى حرمان آلاف اليهود ممن كانوا يعملون في نظام الأرندا وكلاء للنبلاء البولندين (شلاختا) من وظائفهم.
7 ـ وفي الحالات القليلة التي كان بعض أعضاء الجماعة يحققون فيها مكانة مرموقة أو حراكاً اجتماعياً، كانوا يصبحون محط الحقد الطبقي في وقت كانت الضائقة الاجتماعية آخذة في التزايد. ومن هنا، كان اتهام اليهود بالسيطرة الاقتصادية واستغلال غير اليهود، ومن هنا أيضاً ارتسمت صورة اليهودي كرأسمالي جشع.
8 ـ ومن قبيل المفارقات أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية سقط ضحية التقدم وتحولوا إلى أعضاء في الطبقة العاملة الحضرية التي فقدت جذورها الثقافية ونمط حياتها وانتماءها الديني ومصدر حياتها. وقد وصل الفقر إلى درجة أن ثلث يهود روسيا عاشوا على معونات المنظمات اليهودية الغربية. وكل هذا يعني أن الجماهير الفقيرة لم تكن مستفيدة تماماً من عمليات التحديث ولم تكن ترى فيه حلاًّ لمشاكلها الحضارية. ولذا، التفت قطاعات كبيرة منهم، وخصوصاً صغار التجار، حول القيادات الحسيدية التي منحتها شيئاً من الطمأنينة في عالم لم تكن تفهمه البتة.
9 ـ ولكن، بالنسبة للعمال اليهود الروس والمثقفين العلمانيين، أدَّى تردِّي وضعهم إلى انخراطهم بمعدلات كبيرة في صفوف الحركات الثورية، وخصوصاً أن مستواهم الثقافي كان، كما تَقدَّم، أعلى من مستوى الأقنان. ففي عام 1899، كانت نسبة اليهود في الحركات الثورية تبلغ 24.8% في وقت كانت نسبتهم إلى عدد السكان 4.1%.

10 ـ ويمكن أن نضيف بعض العناصر الثقافية التي أدَّت إلى فشل عملية التحديث، من بينها أنها كانت تتم رغم أنف اليهود. وقد بدأت هذه العملية بقضها وقضيضها من داخل المجتمع الروسي لا من داخل الجماعة اليهودية التي ظلت رافضة إياها. ولاقت هذه العملية مقاومة شديدة من جانب الجماهير اليهودية المتخلفة التي رفضت إرسال أطفالها إلى المدارس الروسية العلمانية، وخصوصاً أن عملية التحديث كانت كما تَقدَّم تضيرها اقتصادياً في كثير من الأحوال وتحولها إلى طبقة عاملة حضرية مفتقدة للمعنى الذي كانت تجده في وجودها التقليدي.

11 ـ قامت الدولة الروسية الاستبدادية الملتصقة بالكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة بالإشراف على عملية التحديث. وقام بتنفيذ هذه العملية بيروقراطية روسية ضيقة الأفق مرتشية تفتقر إلى خبرة كبيرة باليهود وبأمورهم، ذلك أن إمبراطورية القياصرة كانت تحظر على اليهود دخولها. وكانت عملية التحديث تتم داخل إطار فكرة القومية السلافية الروسية التي كانت تَصدُر عن منطلقات عضوية ضيقة تفترض أن ثمة تفاوتاً بين الناس وأن السلافية (أو الروسية) خاصية لا يكتسبها المرء وإنما يولد بها على نقيض فكرة القومية الليبرالية في بلاد غرب أوربا. وكانت عملية التحديث تتم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد انتكاسة الفكر الليبرالي في أوربا بشكل عام وظهور الفكر السياسي الرجعي بشكله الرومانسي. ونجم عن ذلك تَصاعُد ظاهرة معاداة اليهود الذين أصبحوا بؤرةً تصب فيها أحقاد ضحايا التحديث: الرأسماليين الروس الذين كانوا يخافون منافسة الرأسماليين اليهود، والطبقة العاملة الروسية التي كان يرى أعضاؤها الرأسمالية اليهودية واقفة ضدهم. أما اليهود من أعضاء الطبقة العاملة، فوجدوا أنفسهم في عزلة. وكان أعضاء النخبة الروسية ينقسمون إلى ثوريين روس يرون الانعزالية اليهودية شكلاً من أشكال الرجعية المعادية للثورة، ومثقفين روس (من بينهم دوستويفسكي) يرون اليهودي رمزاً لاقتحام الغرب والأفكار الغربية لأمهم روسيا السلافية. ووجد يهود روسيا أنفسهم في مواجهة كنيسة أرثوذكسية تخشى العلمانية التي كان اليهود أهم دعاتها كما تخشاهم باعتبارهم أعداء المسيح، وفي مواجهة حكومة روسية رجعية وجدت أن الثوريين الروس يضمون، في كل مكان، أعداداً متزايدة من اليهود. وظهرت كتابات معادية لليهود، من أهمها كتاب جيكوب برفمان (وهو يهودي متنصر) اسمه كتاب القهال عام 1869، كما ظهرت فكرة الحكومة اليهودية العالمية التي تتآمر على الجنس البشري ومنشورات أخرى عن التلمود وتهمة

الدم، وهي أفكار ظلت على السطح دون تأثير قوي. ومع هذا، بدأت هذه الأفكار تؤثر في تفكير البيروقراطيين ثم أخذت شكل مذبحة ضد اليهود في أوديسا عام 1871.ووُجهت تهمة دم عام 1878 ولكن المتهم بُرِّئ بعد محاكمته.
ويجب أن نبين أن الجماعة اليهودية لم تكن وحدها المُستهدَفة وإنما كانت عنصراً واحداً في بانوراما اجتماعية اقتصادية، فقد بدأ المناخ العام في روسيا يتغيَّر. ومع تَصاعُد وتيرة التحديث وتعثُّره، زاد ضحايا التقدم وزادت كذلك الهجمات على الغرباء كافة من أعضاء الأقليات سواء من الأرمن أو المسلمين أو اليهود أو حتى من المسيحيين من غير الأرثوذكس أو الأوكرانيين. لكن التحولات الاقتصادية كانت ذات طابع بنيوي عميق ولم يواكبها أي تحديث في الأشكال السياسية للمجتمع. ومن الواضح أن المجتمع الروسي كان قد وصل، مع نهاية السبعينيات، إلى طريق مسدود لم يكن من الممكن تجاوزه، كما لم يكن من الممكن استئناف التحديث إلا عن طريق ثورة اجتماعية.
ألكسندر الثاني (1855-1881)
‏Alexander II
قيصر روسيا بدأ حكمه بمحاولة التوصل إلى طرق ليبرالية لدمج اليهود. وبالفعل، شهد عهده ظهور حركة التنوير بين يهود روسيا وتَزايُد معدلات العلمنة والاندماج بينهم. ولكن، بدأت تتضح في نهاية عصره أزمة النظام القيصري، كما ظهرت الاستجابات اليهودية المختلفة لأزمة اليهودية واليهود، وبدأت أعداد متزايدة من الشباب اليهودي تنخرط في الحركات الثورية. وقامت جماعة إرهابية شعبوية، بينها فتاة يهودية ملحدة، باغتياله.
روسيا من عام 1881 حتى الثورة البلشفية (1917)
‏Russia, from 1881 to the Bolshevik Revolution (1917)

اتسمت عملية التحديث في روسيا القيصرية بالتنافر الشديد بين الأشكال السياسية الاستبدادية السائدة في المجتمع ومعدلات التنمية الاقتصادية السريعة التي كانت تتزايد وتدفع بالملايين من القرى إلى السوق، تاركين أنماط حياتهم التقليدية حيث يتحولون من أقنان وفلاحين وحرفيين صغار إلى عمال أجراء، مع ما يتبع ذلك من آلام وضياع ثم إحساس بالفردية ورغبة في المشاركة في السلطة. ولم تقدم الحكومة القيصرية أية صيغ عقائدية تساهم في تقليل آلام الانتقال أو في توسيع نطاق المشاركة في تسيير دفة الحكم. بل إنه مع اعتلاء ألكسندر الثالث الحكم (1881 ـ 1894) ، ازداد التشدد والأوتوقراطية، وخصوصاً تحت تأثير بُوبيدونستسيف الذي كان يرفض المثل الديموقراطية تماماً. وقد تلقى القيصر نفسه تعليماً دينياً تقليدياً، كما ظهر عديد من المفكرين الرجعيين (مثل كاتكوف وليونتييف) الذين طالبوا بضرورة وضع حدود صارمة على الشعب الروسي وضرورة الحد من حرياته من جديد. فقد نمت روسيا وتطورت ـ في رأيهم ـ مع نمو التفاوت بين الطبقات في المجتمع الروسي، ومع تأسيس نظام الأقنان وتَطوُّر الوظائف التي تُشغَل بالوراثة. وسيطرت تلك الروح الرجعية على جميع مجالات الحياة في روسيا ووصل أثرها إلى حياة الفئات والطبقات والجماعات كافة، فأُعيدت التشريعات التي تحدد التعليم على أساس طبقي، وأصبح من العسير على أبناء الطبقات الفقيرة أن يلتحقوا بالمدارس. وفي منشور صادر من وزارة التربية معروف باسم «منشور أبناء الطباخين» ، جاء أن من الواجب عدم قبول «أبناء قائدي العربات والخدم والطباخين وأصحاب الحوانيت الصغيرة والغسالات ومن شابههم» . كما زيدت مصاريف الجامعات حتى تقلل فرص الالتحاق بها أمام الفقراء. وأُلغي الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فعُيِّن في العادة بدلاً من القضاة في الريف رؤساء قرويون من طبقة النبلاء يقومون بإصدار الأحكام وتنفيذها. وتم تقييد حرية الصحافة

تماماً، وطورد أعضاء الجماعات المسيحية التي لا تدين بالأرثوذكسية. وفي كثير من الأحيان، كانوا يُمنعون تماماً من إقامة شعائرهم بل كان يتم خطف أطفالهم منهم. وتجلت السياسة القومية الرجعية أيضاً في القيود الشديدة التي فُرضت على مختلف الجماعات غير الروسية (السلافية وغير السلافية) الموجودة على الحدود، مثل البولنديين، إذ فُرض عليهم برنامج قاس للترويس. وانتهى عصر القيصر ألكسندر الثالث بمجاعة وقعت عام 1891 زادت بؤس الجماهير.

ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية سوى أحد القطاعات البشرية المنكوبة التي وقعت ضحية عملية القمع الرجعية هذه. فقد بدأ عهد ألكسندر الثالث بسلسلة من الهجمات على كثير من مراكز اليهود السكانية استمرت نحو ثلاثة أعوام وتأثر بها نحو 60 ألف يهودي. وقد وقعت الهجمات بعد أن قامت بعض الصحف الروسية الرسمية بشحن الجو ضدهم باعتبارهم مستغلي الفلاحين. وتشكلت لجنة للتحقيق في الحوادث توصلت إلى أن نشاط اليهود الاقتصادي هو السبب في هذه الهجمات (ولكن اللجنة، مع هذا، لاحظت أن سلوك الشرطة والجيش لم يكن فوق الشبهات) . ثم شُكِّلت لجنة أخرى لإعادة النظر في المسألة اليهودية طرحت اقتراحات لا تختلف كثيراً عن اقتراحات وتوصيات اللجان السابقة. وبناء عليه، أصدر وزير الداخلية الكونت إجناتييف قوانين مايو المؤقتة عام 1882 باعتبارها إجراءات استثنائية تنطبق على منطقة الاستيطان وتهدف إلى حماية المواطنين الروس من اليهود باعتبارهم عنصراً أجنبياً غريباً. ولكن، ظهرت صعوبات كثيرة عند تطبيق هذه القوانين، فشُكِّلت لجنة أخرى عام 1883 لمناقشتها واستمرت اللجنة الجديدة في اجتماعاتها خمسة أعوام وأوصت عام 1888 بضرورة رفع القيود عن اليهود وإعتاقهم. ولكن البيروقراطية تجاهلت تلك التوصيات وقامت بطرد اليهود من موسكو عام 1891 وتحديد عددهم في المدارس، وهو ما أدَّى إلى سفر أعداد متزايدة من الشباب اليهودي إلى الخارج حيث تم تسييسهم وتثويرهم. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً في حكم نيقولا الثاني (1894 ـ 1918) آخر قياصرة آل رومانوف. وقد شهدت المرحلة تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية والتصنيع لم يواكبها تحديث في النظام، فشهد عام 1893 تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية بقدر لم يسبق له نظير، وتضاعف عدد أعضاء الطبقة العاملة. وقد زاد إنتاج الفولاذ والبترول ثلاثة أضعاف، وزاد طول السكك الحديدية من 28 ألفاً إلى 49 ألف فرسخ. ورغم السياسة التي اتبعتها الحكومة

التي تهدف إلى تقليل فرص التعليم أمام الفقراء، زاد عدد الطلبة في المدارس وقلت نسبة الأمية. ففي بلد كانت الأمية فيه كاملة تقريباً في بداية القرن، وصل عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة عام 1897 إلى 27.8%. وزاد حجم الطبقة العاملة، فكانت الألوف تهجر القرى وتنضم إلى الطبقة العاملة الحضرية.
وكرد فعل لهذه التغيرات، زادت النزعات القومية السلافية الروسية وزاد قمع الأقليات والشعوب التابعة، وخصوصاً غير السلافية، فتم قمع الأوكرانيين والبولنديين والمسلمين في الإمارات الإسلامية، وكذلك تم قمع أعضاء الجماعة اليهودية. ومن أشهر الأحداث التي شهدتها الفترة حادث يوم الأحد الأسود في 9 يناير 1905 حين قام مائتا ألف عامل من الرجال والنساء والأطفال يقودهم الأب جابون بالسير إلى قصر الشتاء ليقدموا شكواهم لأبيهم القيصر. وبدلاً من أن يقابلهم القيصر، انهالت عليهم رصاصات الحرس القيصري فحصدت نحو سبعين منهم وجرحت ما يزيد على الألف.
واستمر الفوران، فشهد أكتوبر 1905 إضراباً عاماً شل الحياة تماماً. واضطر القيصر إلى أن يمنح الشعب الحريات البرلمانية بعد هزيمة القوات الروسية أمام اليابان، ولكنه ظل يماطل ويُعدِّل القوانين إلى أن تم تعديلها بشكل جعلها تفقد كثيراً من فعاليتها. وظهرت جماعات إرهابية مثل جماعات المائة السود التي اغتالت زعماء المعارضة وهاجمت تجمعات اليهود.
وبلغ النظام القيصري نهايته مع ظهور راسبوتين (1872 - 1916) وسيطرته على زوجة القيصر ثم على القيصر نفسه بحلول عام 1905. وكان راسبوتين، كما يقول سكرتيره اليهودي آرون سيمانوفيتش، شخصية كاريزمية جاء من صفوف الفلاحين وكان يتلذذ بإذلال أعضاء الطبقة الأرستقراطية، وخصوصاً النساء، ولا يعيِّن منهم إلا من يروقه أو من يدفع له الثمن. وقد اغتيل راسبوتين عام 1916، بعد أن كان قد هزَّ النخبة الحاكمة القيصرية من جذورها وبعد أن كان قد تم تصفية عناصر كثيرة منها.

وقد كان يهود روسيا جزءاً من هذه العملية الانقلابية، فوقعت مذبحة كيشينيف عام 1903 (ويُقال إنها تمت بتحريض من وزير الداخلية فون بليفيه، وهو أمر غير مستبعد تماماً، فقد كانت الحكومة القيصرية تلجأ إلى مثل هذه الأساليب في قمع معارضيها) . وكانت مذبحة كيشينيف هذه جزءاً من سلسلة من الهجمات دُبرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم، كما وُجِّهت تهمة الدم الشهيرة إلى بيليس عام 1911، ولكن العناصر الليبرالية دافعت عنه وتمت تبرئته تماماً.
وحينما عُقدت الانتخابات عام 1907، اختير اثنا عشر مندوباً من اليهود في الدوما (البرلمان) ، كما كان هناك عدد كبير من النواب الليبراليين الذين دافعوا عن حقوق اليهود، ولكن التشكيل السياسي نفسه كان محافظاً، وكانت أكبر الكتل السياسية داخل الدوما (اتحاد الشعب الروسي) معادية لليهود. ولذا، فحينما طُرح اقتراح بشأن إلغاء منطقة الاستيطان، أُجِّل بحثه ثم حُلَّ الدوما نفسه في العام نفسه، وعُدِّلت القوانين الانتخابية ذاتها بحيث تم القضاء تماماً على العناصر الليبرالية في الدوما.

وكان التركيب الوظيفي ليهود روسيا في نهاية القرن الماضي (حسب إحصاء 1897) كما يلي: 31.6% يشتغلون بالتجارة، 37.9% يشتغلون بالحرف والصناعات اليدوية نصفهم يعمل بالخياطة، و6.61% يشتغلون كخدم منازل وعمال يومية، و5% في المهن الحرة والإدارة، و3.2% في النقل، الأمر الذي يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في التجارة كان لا يزال مرتفعاً. وقد سيطر التجار اليهود على تجارة الحبوب داخل منطقة الاستيطان، كما سيطروا على تجارة السكر والفرو والجلود والماشية ومختلف المنتوجات الزراعية. وارتفع بعض التجار من يهود روسيا إلى مصاف كبار الرأسماليين وأصبحوا من أصحاب المصارف والوكالات العامة. وانخرط بعض هؤلاء التجار في المشاريع الصناعية، غير أن هذه المشاريع اتصفت بالطابع الاستهلاكي، كالنسيج والتبغ ودبغ الجلود والصابون والمطاحن وأعمال التقطير، وكلها من بقايا نظام الأرندا البولندي، وكانت هذه المشاريع الصناعية أصغر بشكل عام من حجم مثيلاتها الروسية حيث كان المموِّل اليهودي يميل إلى توزيع رأسماله بين عدة مشاريع مختلفة بدلاً من حصرها في مشروع واحد. وقد امتلك الرأسماليون من يهود روسيا نحو نصف مجموع المشاريع الصناعية داخل منطقة الاستيطان. وكثيراً ما كان العمال اليهود ينظمون الإضرابات ضدهم كما كانوا في كثير من الأحيان يفضلون العمال غير اليهود بسبب رخصهم وبسبب عدم وجود ضغوط اجتماعية عليهم من قبل الجماعة اليهودية.
ومن الملاحَظ أن تركُّز اليهود في مهن مثل التجارة والصناعة يعني أنهم كانوا متركزين تماماً في المدن. والواقع أن نحو 80% من جملة اليهود كانوا يقطنون المدن، ولم يكن يشتغل منهم سوى 1.07% في الزراعة، وكان هناك نحو 5.49% بدون وظيفة محددة.

واستمر تَزايُد أعضاء الجماعة اليهودية فبلغ عددهم 6.946.000 أي 4.07% من مجموع سكان روسيا، وتزايد في هذه الفترة عدد العمال اليهود حتى أصبح 600 ألف. ولكن لم يكن يعمل منهم في المصانع سوى 70 ألفاً، و300 ألف عامل حرفي يدوي، و100 ألف بائع، أما الباقون فكانوا عمال يومية، ومن هنا تَضارُب الإحصاءات إذ تذكر المصادر الأخرى أن عدد العمال لم يكن يزيد على 300 ألف. ومن الواضح أن هذا الإحصاء الأخير استبعد الباعة وعمال اليومية وكثيراً من الحرفيين.
وقد تركت كل هذه التحولات أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية واستجابوا لها استجابات متباينة بحسب وضعهم الطبقي أو مدى استفادتهم من عملية التحديث أو مدى تركُّزهم في المدن أو خارجها. وكانت الاستجابة الثورية أولى الاستجابات إذ انخرط الشباب اليهودي في صفوف الحركات الثورية بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان.
ويُلاحَظ أن الشباب اليهودي في روسيا كان من أكثر العناصر ثورية لأن ثقافته التقليدية (الدينية واليديشية) قُضي عليها إلى حدٍّ كبير. كما أنه اقتُلع من بيئته التقليدية وأُلقي به إلى عالم حديث رموزه القومية مسيحية، الأمر الذي زاد غربته وحداثته، على عكس الشباب الروسي الذي كان يجد شيئاً من الخصوصية ويمارس نوعاً من التجذر من خلال القومية السلافية ذات البعد الأرثوذكسي القوي. ورغم أن الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية كان قد فقد جذوره الثقافية، فإنه لم يكن قد استقر بعد في التقاليد الثقافية الروسية. ومما زاد نسبة الثوريين في صفوف اليهود تَزايُد معدلات التحديث الذي حوَّل صغار التجار والحرفيين، الذين كانوا يتمتعون بمستوى ثقافي لا بأس به، إلى بروليتاريا صناعية حضرية تشعر بتدنيها في السلم الاجتماعي وتمارس إحساساً بالاضطهاد الواقع عليها وحولها إلى تربة خصبة للأفكار الثورية.

أما الاستجابة الثانية، فهي الهجرة. وقد شهدت هذه المرحلة هجرةً على نطاق واسع لم يشهد أعضاء الجماعات اليهودية مثلها من قبل في تجاربهم التاريخية المختلفة. وقد ترك روسيا، في الفترة من 1881 إلى 1914، نحو مليوني يهودي (2.750.000 من كل شرق أوربا) . ونتج عن ذلك تَحسن نسبي في مستوى المعيشة، لأن المهاجرين كانوا يرسلون إلى أقاربهم وأسرهم معونات مالية، كما أن ذلك حلَّ مشكلة الانفجار السكاني حلاًّ مؤقتاً. وقامت مؤسسات يهودية خيرية في الغرب بالمساهمة في تسهيل عملية الهجرة. فعرض البارون دي هيرش نقل ثلاثة ملايين يهودي إلى الأرجنتين على أن تقوم بذلك جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . ومع هذا، فإن تَزايُد عدد يهود روسيا كان يحيِّد الآثار الإيجابية لهذا العنصر. وبلغ عدد اليهود الناطقين باليديشية (وفق إحصاء 1897) نحو 5.054.300، وكان معظم يهود روسيا (4.899.427) مركزاً في منطقة الاستيطان بما يشكل 11.6% من سكانها. ويُلاحَظ كذلك وجود 161.500 من يهود الجبال ويهود جورجيا وغيرهم من يهود القوميات غير الناطقة باليديشية.
أما الاستجابة الثالثة، فهي ظهور الصهيونية بين اليهود بشقيها الشرقي (الاستيطاني) والغربي (التوطيني) . ففي شرق أوربا، أدَّى تَوقُف الحراك الاجتماعي في بعض قطاعات البورجوازية الصغيرة المتعلمة وفي غيرها من القطاعات اليهودية إلى إحساسها بالإحباط وبعبث محاولة تحقيق نفسها إثنياً وطبقياً من داخل التشكيل السياسي الروسي، فبدأت هذ القطاعات في التفكير في أشكال أخرى مثل الهجرة إلى الولايات المتحدة (وهو النمط السائد) أو الاستيطان الصهيوني. وأدَّت الهجرة اليهودية المكثفة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة إلى فزع قطاعات كبيرة من يهود الغرب، فتبنوا الحل الصهيوني (التوطيني) كوسيلة لتحويل سُبل الهجرة عن بلادهم.

ومن أهم الاستجابات الأخرى، ظهور اتجاه قومية الدياسبورا (أو قوميات الأقليات اليهودية أو القومية اليديشية) التي كان سيمون دبنوف أهم مفكريها. وقد تبنَّى حزب البوند، الذي ظهر في هذه المرحلة، هذا الاتجاه الذي ينظر إلى أعضاء الجماعة في شرق أوربا باعتبارهم قومية لا بمعنى أنهم يمثلون اليهود في كل مكان وزمان وإنما بمعنى أنهم جماعة قومية شرق أوربية تتحدث اليديشية وتتحدد هويتها على هذا الأساس الإثني وليس على أساس ديني.
ومثل هذه الاستجابات الواعية، ذات الطابع النظري، كان يتم طرحها في وقت تتم فيه العملية اليومية للدمج على قدم وساق على المستوى البنيوي الكامن، وذلك رغم تعثُّرها على مستوى الشكل الظاهر.
ألكسندر الثالث (1881-1894)
‏Alexander III
قيصر روسيا، اعتلى العرش مع تفاقم أزمة النظام القيصري، وتبنَّى سياسة رجعية انعكست في قوانين مايو عام 1882.
نيقولا الثاني (1894-1918)
‏Nicholas II
آخر قياصرة آل رومانوف. وصلت أزمة النظام الروسي القيصري في عهده إلى ذروتها، ثم اندلعت الثورة البلشفية التي أعدمته. وقعت عدة مذابح في عهده ضد أعضاء الجماعات اليهودية. وكان راسبوتين من أهم الشخصيات في بلاطه الملكي.
قوانين مايو
‏May Laws

«قوانين مايو» مجموعة من القوانين المؤقتة أصدرتها الحكومة الروسية في مايو عام 1882، وبمقتضاها أصبح من المحظور على أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا أن يعيشوا أو يمتلكوا أي عقار إلا في المدن الموجودة داخل منطقة الاستيطان اليهودي. ولقد أصدرت الحكومة الروسية هذه القوانين بعد أن قامت، خلال سنين عديدة، بعدة محاولات لدمج الجماعة اليهودية اقتصادياً وحضارياً في المجتمع الروسي. وباءت كل هذه المحاولات بالفشل لأسباب عدة من بينها تخلف يهود روسيا الاقتصادي. ورغم اندماج أعداد لا بأس بها منهم في المجتمع، فإن معدل تَزايُد يهود روسيا كان يفوق كثيراً معدل الهجرة والاندماج. ومما عقَّد الأمور، ظهور الأفكار السلافية القومية الاستبدادية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) . وكان هناك عنصر مسيحي أرثوذكسي قوي في هذه الدعوة السلافية، وهو ما أقام كثيراً من الصعوبات في طريق أعضاء الجماعة اليهودية نحو الاندماج الحضاري.
ولقد كان من أسباب تفاقم المشكلة أيضاً زيادة معدلات تطور الرأسمالية الروسية، الأمر الذي أدَّى إلى سرعة تحطيم الكثير من مخلفات الإقطاع، مثل الجيتو والشتتل، والكثير من الأشكال الاقتصادية الاجتماعية الأخرى التي كان اليهود مرتبطين بها، شأنهم في ذلك شأن بعض الأقليات القومية والدينية الأخرى، وكذلك سكان المناطق الآسيوية. كما أن الوجود اليهودي الملحوظ في الحركات الثورية الاشتراكية، جعلهم هدفاً لهجمات العنصريين الرجعيين، أي أن فشل يهود روسيا في التأقلم مع الاقتصاد الجديد وتخلُّفهم الحضاري وتكاثرهم، وسرعة معدل تطوُّر الرأسمالية الروسية، واستبدادية القومية السلافية، واشتراك اليهود في الحركات الثورية، هذه العناصر جميعاً أدَّت إلى فشل محاولات تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وأدَّت بالتالي إلى اتخاذ الحكومة الروسية إجراءات قانونية اقتصادية لمجابهة هذا الوضع.

وفي 22 أغسطس عام 1881، أصدر القيصر أوامره بالقيام بتحريات عن النشاطات الاقتصادية " الضارة " التي تمارسها الجماعة اليهودية توطئةً للقضاء عليها. وفي أكتوبر 1889، أصدر القيصر أوامره إلى اللجنة المكلفة بإعادة النظر في المسألة اليهودية. وعُرفت هذه اللجنة باسم «لجنة إيجناتييف» ، اشترك فيها ممثلون عن مختلف الطبقات والجماعات وترأسها حاكم المقاطعة لتقرير أنواع النشاط الاقتصادي التي تضر بحياة السكان. وعبَّر الفلاحون وسكان المدن عن شكواهم من اليهود، وحاول ممثلو الجماعة اليهودية الدفاع عن أنفسهم. وفي ربيع عام 1882، قدمت هذه اللجنة تقريرها عن المسألة اليهودية. وجاء في هذا التقرير أن سياسة ألكسندر الثاني «المتسامحة» فشلت، وأن قيام المعارضة الشعبية ضد اليهود في روسيا نفسها برهن على أنه من الواجب اتخاذ إجراءات جديدة ضد اليهود الروس. وفي نهاية التقرير، قدمت اللجنة عدة توصيات لعلاج الموقف. وأخذت الحكومة بهذه التوصيات ووضعها موضع التنفيذ في صورة إجراءات مؤقتة. ونظراً لأن هذه الإجراءات المؤقتة صارت نافذة المفعول في يوم 2 مايو عام 1882، فإنها يُشار إليها دائماً بأنها «قوانين مايو» . وكانت هذه القوانين أو هذه الإجراءات تَصدُر تباعاً، وعلى فترات، كلما رأت الحكومة الروسية خطراً عليها من النشاط السياسي أو الاقتصادي الذي يمارسه اليهود. ويمكن أن نوجز هذه القوانين فيما يلي:
1 ـ لا يُسمَح لليهود بالسكنى خارج المدن أو في المدن الصغيرة في أية منطقة ريفية في روسيا (حتى لو كانت داخل منطقة الاستيطان نفسها) .
2 ـ من حق السكان الروس في القرى طرد اليهود من قراهم، وذلك بقرار خاص يصدره رئيس القرية.
3 ـ أي يهودي يغادر قريته لا يُسمح له بالعودة إليها مرة ثانية.
4 ـ لا تُحدَّد عقود الإيجار المبرمة مع اليهود.
5 ـ لا يُسمح بتشغيل أي يهودي في المناطق الريفية.

6 ـ لا يُسمح لليهود المقيمين في المناطق الريفية باستجلاب أي قريب لهم إلى هذه المناطق، وإذا حدث ذلك يُطرَد اليهودي من قريته.
7 ـ عدد الطلاب اليهود في المدارس الإعدادية والثانوية أو في الجامعات يكون بنسب معيَّنة يحددها المجلس التعليمي في روسيا. وحُدِّد النصاب المسموح لليهود عام 1886 بنحو 10% داخل منطقة الاستيطان و3% خارجها.
8 ـ خُفِّضت نسبة عضوية الأعضاء اليهود في سلك القضاء الروسي من 22% إلى 9% (مُنع اليهود منعاً باتاً من الانضمام إلى سلك القضاء عام 1889) .
9 ـ أي يهودي يعيش خارج منطقة الاستيطان ويقوم بتوسيع مجال نشاطه الاقتصادي يُعاد فوراً إلى منطقة الاستيطان.
10 ـ أي يهودي يغيِّر وضعه من مهني إلى تاجر، يسقط حقه في الإقامة في روسيا ويُعاد إلى منطقة الاستيطان.
11 ـ تحريم إقامة اليهود في موسكو (صدر هذا القرار عام 1891) .
12ـ إغلاق معبد موسكو وتحريم استخدامه. كما تم حرمان اليهود من حق الاشتراك في الحكومة المحلية.
قلَّصت قوانين مايو نطاق منطقة الاستيطان، كما قضت على فرص اندماج بعض القطاعات اليهودية في المجتمع الروسي، وهو ما زاد معدلات هجرتهم إلى الولايات المتحدة، كما خلقت مناخاً اقتصادياً فكرياً قضى على الحركات التنويرية الاندماجية وشجع الأفكار الصهيونية، وخصوصاً أن صدور قوانين مايو صاحبه وقوع بعض الحوادث الدامية ضد الأقليات الدينية والقومية في روسيا.
ووجهت اللجان الروسية القيصرية نقدها إلى هذه القوانين وطالبت بإلغائها. بل إن وزير داخلية روسيا، مثل فون بليفيه، وجد أن القوانين مجحفة وتخل بالأمن، ولكن الحكومة استمرت مع ذلك في وضعها موضع التنفيذ. ومع هذا، فقد خُفِّفت ابتداءً من عام 1903 حينما صُرح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في القرى التي أصبحت مدناً صغيرة وكان عددها يبلغ ثلاثمائة قرية.

وتؤرخ الكتابات الصهيونية لظهور الحركة الصهيونية بوقوع حوادث عام 1881 الدامية، متجاهلة أن السبب الأساسي الذي أدَّى إلى وقوع المذابح وصدور قوانين مايو هو وضع اليهود كأقلية مثل سائر الأقليات الأخرى داخل بناء اقتصادي حضاري ينتقل من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، ومتجاهلة أيضاً أن الاضطهاد الموجه ضد اليهود ليس سبباً لهجرة اليهود إلى الولايات المتحدة ولا لانتشار الأفكار الصهيونية بين اليهود وإنما تعبير جزئي عن بناء كامل متكامل. وإذا أردنا استخدام الواقعة التاريخية الجزئية (الجزء) للإشارة إلى الحركة التاريخية الكاملة المتكاملة (الكل) ، فإننا نجد أن «قوانين مايو» أشد دلالة من المذابح الدامية، ذلك أن المذابح الدامية مسألة متكررة في حياة الأقليات كافة في روسيا وضمن ذلك اليهود. وقد كانت مذابح شميلنكي، ومن قبلها مذابح الصليبيين، أكثر عنفاً وضراوة من أية حوادث وقعت عام 1881. ومع هذا، فإن هذه المذابح لم تؤد إلى ظهور الصهيونية أو أية نزعات مماثلة. أما قوانين مايو، فإنها تصلح كمؤشر على ظهور الحركة الصهيونية بين اليهود لأنها تعبير متكامل عن حركة التاريخ الروسي في أواخر القرن التاسع عشر وعن تعثُّر التحديث في المجتمع الروسي وأزمته العامة.
وقد ظلت قوانين مايو أو الإجراءات المؤقتة نافذة المفعول حتى عام 1915 حيث أُلغي العمل بها. ثم أُلغيت رسمياً عام 1917 بقيام الثورة البلشفية حيث حُلَّت المسألة اليهودية (أو أخذت شكلاً جديداً) ضمن عملية حل أزمة المجتمع الروسي ككل.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - الولايات المتحدة حتى منتصف القرن التاسع عشر

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الولايات المتحدة: مقدمة عامة
‏United States: General Introduction
يمكن القول بأن تاريخ الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، التي صارت جماعة واحدة فيما بعد، جزء لا يتجزأ من التاريخ الغربي بشكل عام والتاريخ الأمريكي بشكل خاص، ذلك أن أصولها تعود إلى هجرة الشعوب الأوربية إلى العالم الجديد. وتعكس تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة كل الإيجابيات والسلبيات التي تسم تجربة الإنسان الأمريكي.

ويُعدُّ وصول الإنسان الغربي إلى الأمريكتين (فيما يُسمَّى «اكتشاف العالم الجديد» ) من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسان في العصر الحديث إذ فتح مجالات جديدة للاستثمار أمام الإنسان الغربي وزاد ثروته بشكل مذهل بعد أن كان الغرب من أفقر مناطق العالم. ومن هنا، اتجه الفائض السكاني الغربي (كما كان يشار إلى الأفراد الذين لم يحققوا شيئاً من الحراك الاجتماعي ولم يتمكنوا من تحقيق هوياتهم الدينية والثقافية) إلى العالم الجديد ليحقق أعضاؤه من خلال التشكيلات الاستعمارية الغربية ما فشلوا في تحقيقه داخل التشكيلات القومية الغربية. ولكن كل عملية هجرة لها قطبان: أحدهما إيجابي هو عنصر الجذب إلى الوطن الجديد، والآخر سلبي هو عنصر الطرد من الوطن القديم. وقد ذكرنا بعض عناصر الطرد الخاصة بالمجتمع الغربي ككل حينما تحدثنا عن الفائض السكاني، وهي تنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية انطباقها على الآخرين. ولكن عملية الهجرة إلى العالم الجديد تزامنت مع عدة عناصر طاردة خاصة بالجماعات اليهودية وحدها جعلت نسبة اليهود المهاجرين أعلى من نسب الجماعات الأخرى (ربما باستثناء الأيرلنديين) . ونوجز هذه العناصر فيما يلي:
1 ـ طرد اليهود السفارد من إسبانيا، ثم استيطانهم في أنحاء العالم الغربي والدولة العثمانية.
2 ـ هجمات شميلنكي في منتصف القرن السابع عشر في بولندا والتي كانت تضم الجزء الأكبر من يهود العالم.
3 ـ تقسيم بولندا في نهاية القرن الثامن عشر بما نتج عنه من توزيع اليهود فيها على روسيا وألمانيا والنمسا، وما نجم عن ذلك من قلقلة وعدم استقرار.

4 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وكان يضم آنذاك يهود اليديشية وهم أغلبية يهود العالم الساحقة، بل ووصول عملية التحديث إلى طريق مسدود في نهاية الأمر. وترك ذلك أثراً عميقاً في أعضاء الجماعات اليهودية إذ خلق لديهم إحساساً عميقاً بالإحباط، وخصوصاً أعضاء الطبقة الوسطى.
5 ـ لكن من أهم الأسباب التي تهم اليهود، أكثر من أية جماعة أوربية أخرى، أن المجتمع الأمريكي مجتمع علماني تماماً. ومع أن الديباجات والرموز الدينية المسيحية كانت منتشرة في المراحل الأولى، إلا أن كل هذه الأشياء ضمرت سريعاً وهيمنت الرؤية البرجماتية المادية النفعية حيث أصبح الحكم على كل شيء في الواقع، وضمن ذلك الإنسان، يَصدُر عن منظور مدى نفعه (المادي) . وينطلق دستور الولايات المتحدة من أطروحات الاستنارة والإيمان بالمساواة بين البشر ومن أن هدف الحياة هو البحث عن السعادة أو المتعة. وفي عام 1840، اعترض المواطنون على حاكم جنوب كارولينا لأنه أشار إلى الثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر. وكان هذا الحادث من أهم الوقائع التي تدل على تراجع المسيحية حتى على مستوى الرموز العامة، وهو أمر يشكل جاذبية خاصة للمهاجر اليهودي.
6 ـ يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون) ،أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفاً كامناً مع المهاجرين اليهود وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم إذ أن النسق الرمزي لا يستبعدهم.

7 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني بناؤه الطبقي في حالة سيولة وانفتاح شديدين ولا يضع أية عقبات أمام المهاجر اليهودي.
8 ـ ساهم أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الجماعات المهاجرة، في صياغة رؤية أمريكا لنفسها كمجتمع تعددي، وفي تشكيل الواقع الأمريكي كواقع لا تتحكم فيه مؤسسات وسيطة (قبائل أو كنيسة مركزية) .
لكل هذا أصبحت الولايات المتحدة «الجولدن مدينا» بحق أي «البلد الذهبي» وملجأ الغالبية الساحقة من يهود العالم ووطنهم.
لكل هذه الأسباب، سواء الجاذبة أم الطاردة، لم يكن من الغريب انتقال الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة أساساً أو إلى غيرها من المجتمعات الاستيطانية الجديدة مثل أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين، إذ أن الهجرة اليهودية هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من الهجرة الاستيطانية الغربية.
ويمكن تقسيم تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى المراحل التالية:
1 ـ المرحلة الكولونيالية: السفارد وبداية وصول الإشكناز الألمان.
أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1764) .
ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) .
2 - المرحلة الألمانية:
أ) الفترة الأولى (1776 ـ 1820) .
ب) الفترة الثانية (1820 ـ 1880) .
3 ـ بداية المرحلة اليديشية أو مرحلة الهجرة اليديشية الكبرى (1880 ـ 1929) .
4 ـ نهاية المرحلة اليديشية (1929ـ 1945) ، وظهور اليهود الأمريكيين.
5 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (من بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1970) .
6 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1971 - حتى الوقت الحاضر) .

وإن تكن هناك وحدة ما في تاريخ الجماعة اليهودية فهي وحدة أمريكية خاصة وليست يهودية عامة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ إلا في هذا الإطار إذ أننا لو اكتفينا بالإطار اليهودي فسنلاحظ اختلافات حادة وعميقة. وقد حاول السفارد إيقاف هجرة الإشكناز الألمان الذين حاولوا بدورهم استصدار تشريعات لوقف هجرة يهود اليديشية. وقد نشبت الصراعات الدينية العميقة بين الأرثوذكس من جهة والفرق الدينية الأخرى مثل المحافظين والإصلاحيين والتجديديين من جهة أخرى، وبين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين. ولو نظرنا إلى هذه الخلافات بمعزل عن التاريخ الأمريكي وداخل إطار التاريخ اليهودي لتحوَّلت إلى مجموعة من الأحداث المتناقضة التي لا يحكمها أي منطق داخلي. ولكن، في ضوء مسار التاريخ الأمريكي، يمكن النظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مجموعات من المهاجرين أتوا من بلاد مختلفة، لهم انتماءات حضارية ودينية غير متجانسة وتمت أمركتهم ثم دمجهم تماماً في المجتمع مع توقُّف الهجرة من الخارج. ويمكن فهم هيمنة الصهيونية عليهم واحتجاجهم عليها، ورفضهم لها أحياناً ومحاولتهم التملص منها أحياناً أخرى في ذلك الإطار نفسه.

وتجب الإشارة إلى أن تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة كانت تجربة فريدة بالنسبة لهم (ولغيرهم من المهاجرين) إذ فتحت الأبواب أمامهم وأتاحت لكل منهم تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي يتناسب مع كفاءته وشراسته. ومع أن المهاجرين باعتبارهم أعضاء في جماعات وظيفية حملوا معهم ميراثهم الاقتصادي الذي حد من الوظائف التي يمكنهم شغلها، كما أن كونهم مهاجرين كان يفرض حدوداً معينة عليهم، فإنهم مع هذا لم يضطروا إلى لعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو الدور الذي اضطروا إلى الاضطلاع به في المجتمعات الغربية قبل الثورة الفرنسية. ولذا، فلا غرو أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم بل في التاريخ، فالعبرانيون في فلسطين لم يتجاوز عددهم مليونين. ورغم أن عدد يهود روسيا القيصرية كان يصل أحياناً إلى سبعة ملايين، إلا أنهم كانوا موزعين بين تشكيلات حضارية وسياسية وجغرافية مختلفة داخل الإمبراطورية. أما يهود بولندا، وهم أهم الجماعات اليهودية طراً، فلم يزد عددهم قط عن 3.300.000، كما أنهم لم يتمتعوا بحقوق يهود الولايات المتحدة أو قوتهم. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد يهود الولايات المتحدة في الفترة من 1650 حتى 1989.
السنة / العدد / النسبة المئوية إلى عدد السكان
1650 /244 / ــــ
1790 / 2.500 / ــــ
1818 / 3.000 / ــــ
1826 / 6.000 / ــــ
1830 / 10.000 / ــــ
1840 / 15.000 / ــــ
1850 / 50.000 / 0.5
1877 / 230.000 / 0.2
1887 / 400.000 / 1.3
1897 / 938.000 / 0.7
1907 / 1.777.000 / 3.2
1919 / 3.389.000 / 3.7
1927 / 4.228.000 / 3.1
1937 / 4.771.000 / 2.0
1947 / 5.000.000 / 2.8
1957 / 5.200.000 / 3.7
1967 / 5.800.000 / 3.5
1970 / 6.000.000 / 2.5
1980 / 5.800.000 / 2.9
1989 / 5.920.000

وحسبما جاء في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1992، يبلغ تعداد يهود الولايات المتحدة 5.515.000 فقط، من مجموع السكان البالغ عددهم 247.341.000، أي أنهم حوالي 2.23%.
المرحلة الكولونيالية
‏The Colonial Era
أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1664) :
يعود تاريخ استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى عام 1654 حين استقر في مدينة نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) مجموعة من اليهود السفارد (المارانو) يبلغ عددهم ثلاثة وعشرين يهودياً هاربين من محاكم التفتيش البرتغالية في البرازيل. وكان هؤلاء يعملون بالتجارة، فاستمروا في مهنتهم دون أية عوائق. وقد ساد آنذاك في الأوساط الهولندية فكر تجاري يغلِّب المصلحة المادية على الانتماءات الدينية، الأمر الذي هيأ الجو لأن يحصل اليهود على حقوقهم، كعناصر نافعة، ويمارسوا نشاطهم التجاري دون قيود. ولكن الجماعة اليهودية اختفت بعد قليل نظراً لظهور فرص أعظم في أجزاء أخرى من الأطلنطي، وخصوصاً في جزر الهند الغربية.
ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) :

بعد أن استولى الإنجليز على نيو أمستردام وأصبحت تُسمَّى نيويورك (عام 1664) ، وبعد تصفيتهم للجيب الهولندي في شمال أمريكا، ازداد النشاط التجاري في هذا الجزء من العالم وبدأ اليهود يتجهون نحوه بشكل متزايد. ولم يحل عام 1700 إلا وكان هناك ما بين مائتي وثلاثمائة يهودي، ثم بلغ عددهم 2500 عام 1776. وكان معظم المستوطنين من الأثرياء. وقد ظل العنصر السفاردي (من إسبانيا والبرتغال) هو الغالب حتى عام 1720 حيث بدأ العنصر الإشكنازي (الألماني أساساً) يصبح غالباً. وهذا هو النمط الأساسي للاستيطان اليهودي في الغرب بعد القرن الخامس عشر إذ كان السفارد يشكِّلون دائماً النواة الأولى ثم يتبعهم الإشكناز حتى يصبحوا العنصر الغالب بكثافتهم البشرية. وقد تكونت جماعات يهودية في نيوبورت وفيلادلفيا ونيويورك وتشارلستون (في ساوث كارولينا) وأتلانتا (في جورجيا) .

وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون أساساً بالتجارة، فكان هناك الأرستقراطية الثرية التي كانت تتاجر في المنتجات الزراعية وتُصدِّرها إلى الخارج. وكان منهم مُلاَّك السفن والمتعهدون العسكريون الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بما يحتاج إليه من مؤن وتموينات. وكان هناك عامة اليهود من تجار متجولين يتاجرون مع الهنود وغيرهم. وكان منهم بعض الحرفيين من إسكافيين ومقطري خمور وصانعي لفائف التبغ والصابون وسروج الخيل والحقائب الجلدية والمشتغلين في سك الفضة وتصنيعها. واشتغل بعض كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية بأهم تجارة آنذاك وهي تجارة الرقيق، حيث كانت نسبة اليهود المركزين في هذه التجارة عالية. وكان من بين التجار حاخام (رئيس الجماعة اليهودية في مدينته) وهو ما يعني القبول الاجتماعي لهذه التجارة. واليهود في هذا لا يختلفون عن كل الأمريكيين الذين استفادوا من استيراد العبيد وتشغيلهم. أما الأعمال الزراعية وأعمال الري، فقد اقتصرت على عدد قليل جداً من اليهود. وكل هذا يبيِّن أن أعضاء الجماعة حملوا معهم إلى العالم الجديد ميراثهم الاقتصادي (الوظيفي والمهني) الأوربي. ومع هذا، لا يمكن القول بأنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة، وهو أمر غير وارد في المجتمعات الرأسمالية التي يُعَد النشاط التجاري والمالي فيها نشاطاً أساسياً. وقد استمر هذا الوضع حتى الأربعينيات من القرن العشرين، مع توقُّف تدفق الهجرة من أوربا، وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أمريكيين خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي والغربي المتاحة لهم.

وقد تم تأسيس أول جماعة دينية في نيويورك عام 1658 (الأبرشية اليهودية) وتبعتها جماعات دينية أخرى. ويُلاحَظ أن الأشخاص العاديين، الذين لم يتلقوا أيَّ تعليم حاخامي تلمودي كانوا هم المتحكمين في المعبد اليهودي، على عكس الوضع في أوربا حيث نجد أن الحاخام هو الشخصية الأساسية. وقد استأجرت أول أبرشية يهودية حاخاماً عام 1840 وكانت صلاحياته دينية وحسب، إذ لم تكن هناك أية محاكم دينية لها صلاحيات قضائية. وظل هذا أحد ثوابت وضع اليهود في العالم الجديد. وكانت الأطر التنظيمية اليهودية الأخرى مسألة اختيارية طوعية، على خلاف القهال في شرق أوربا حيث كان على اليهود أن ينضموا إليه ويمارسوا حقوقهم وواجباتهم من خلاله. وكانت جهود الجماعة تتجه نحو رعاية فقراء اليهود من بين المهاجرين الجدد والعجزة والعجائز، كما كانت تتجه إلى مساعدة المدارس اليهودية.
وقد حصل اليهود على جميع الحقوق التي حصل عليها غيرهم من المستوطنين، فكانوا يقومون بالخدمة في الميليشيا ويتمتعون بحق الملكية والسفر والسكنى في أي مكان. ففي هذا المجتمع التجاري الجديد، لم تكن للقيم التقليدية الدينية فعالية كبيرة إذ سادت القيم النفعية والعملية.

وفي هذا الإطار، كان يُنظر إلى العنصر اليهودي باعتباره عنصراً نافعاً يساهم في تطوير المستعمرات الجديدة. ولم يكن هناك قطاع اقتصادي يهودي مستقل عن القطاع المسيحي، كما لم تكن هناك حرف أو وظائف يهودية رغم أن الموروث الاقتصادي الأوربي لليهود وخبراتهم السابقة كانت تحدِّد اختياراتهم الاقتصادية في كثير من الأحيان وتحدُّ منها في بعض الأحيان. ولم يكن هناك نظام تعليمي يهودي مستقل، باستثناء بضع مدارس لتعليم اليهود الذين يضطلعون بوظائف المؤسسة الدينية أو لتعليم أطفال اليهود تعاليم دينهم أو تدريبهم على احتفالات بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) التي أصبحت من أهم ملامح الحياة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت المدارس العلمانية مفتوحة على مصراعيها أمامهم، فكان أبناء أثرياء اليهود يلتحقون بها. ولكن لم تُبد أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي بسبب توجُّههم الاقتصادي. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يتميزون بأزياء أو لغة خاصة بهم، بل كانوا يسلكون سلوك بقية أعضاء المجتمع. وأدَّى كل هذا إلى اختفاء كثير من القيم التقليدية اليهودية التي حملها المهاجرون معهم من أوطانهم الأصلية، بل كان أبناؤهم يسخرون منها تماماً. كما أن كثيراً من الشعائر الدينية أخذ يطويها النسيان والإهمال، ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشعرون بأن وطنهم الجديد هو المنفى (جالوت) الذي تتحدث عنه الكتب الدينية، بل اعتبروه وطنهم النهائي والقومي والوحيد (تماماً كما فعل أعضاء الجماعة في بابل من قبل) .
ويمكن القول بأن الملامح الأساسية للجماعة اليهودية، وكذلك ثوابت تاريخها، تحدَّدت في تلك المرحلة بحيث وسمت تطورها اللاحق بميسمها. ولم تشهد مراحل التطور اللاحقة سوى تعديل بعض السمات وتعميق البعض الآخر.

وقد أدَّى هذا المناخ الجديد إلى اندماج اليهود سريعاً، بل وإلى انصهارهم. وعلى سبيل المثال، تزوج كل وجهاء اليهود في ولاية كونتيكت من غير اليهود، وكان الزواج المُختلَط أمراً مألوفاً في المدن الكبيرة بكل ما ينتج عنه من انصهار كامل.
المرحلة الألمانية الأولى (1776-1820)
(The First German Era (1776-1820
عند إعلان استقلال الولايات المتحدة، لم يكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن عددهم وصل إلى أربعة آلاف عام 1820. وقد تحدَّدت مواقفهم حسب مواقف الجماعات غير اليهودية التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها أو الطبقة التي كانوا ينتمون إليها. ولما كانت أغلبيتهم من التجار الذين لا تربطهم علاقة كبيرة بالوطن الأم (إنجلترا)
، فقد كانوا من مؤيدي إعلان الاستقلال. ومع هذا، كانت هناك أقلية ضمن الحزب الموالي لإنجلترا. وقد أكد إعلان استقلال أمريكا، وكذلك دستورها، المساواة الكاملة بين الأفراد، فأُلغي كل ما تبقَّى من تفرقة، مثل فرض القَسَم المسيحي على أيّ طالب وظيفة. ولم يكن اليهود مجموعة من الناس الذين يتم التسامح معهم أو استبعادهم كما كان الحال في أوربا، وإنما كانوا مواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات، ولم يكونوا أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. وقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على الفصل الفوري للدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن بعض الولايات الأمريكية لم تطبق الدستور، الأمر الذي كان يعني التفاوت في وضع أعضاء الجماعة اليهودية من ولاية إلى أخرى. ولكن الوضع، بشكل عام، كان يتسم بالمساواة وبتطبيق مُثُل الاستنارة والانعتاق.

وأدَّى التوسع في زراعة القطن إلى أن أصبح بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أصحاب الأراضي وكبار التجار. كما اتجه بعضهم إلى الاشتغال في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات وفي قطاع الصناعة، وفتحوا المصارف. كذلك دخل بعض أعضاء الجماعة اليهودية (عام 1820) مهناً جديدة، مثل: القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة. وكان اليهود موزعين على معظم مدن الولايات المتحدة.
أما من ناحية تنظيم الجماعة اليهودية، فيُلاحَظ أن الهيمنة كانت ولا تزال للعناصر غير الدينية. ولم يكن المعبد اليهودي والحاخام سوى جزء من كلٍّ يدار حسب القيم العامة للمجتمع الأمريكي وليس حسب القيم الدينية أو التقليدية اليهودية الخاصة. ومن الناحية الثقافية، لم يكن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية الثقافي في الحضارة الأمريكية إسهاماً ذا بال. وعلى كلٍّ، فقد كانت التقاليد الثقافية الأمريكية نفسها لا تزال آنذاك تابعة لأوربا، ولم يكن هناك بعد إبداع أمريكي مستقل.
لقد كان أعضاء الجماعة اليهودية بشكل عام مندمجين في مجتمعهم الأمريكي، ولم تكن لهم ثقافة مستقلة. وكان انتماؤهم إلى ثقافتهم اليهودية (الدينية أو الإثنية) مسألة شكلية وحسب. وفي هذه الفترة، أصبح العنصر الإشكنازي الألماني العنصر الغالب تماماً.
المرحلة الألمانية الثانية (1820-1880)
(The Second German Era (1820-1880

لا شك في أن التطور الأساسي الذي طرأ على أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هو ازدياد عددهم وتحوُّل الجماعة من أقلية صغيرة إلى واحدة من أكبر الجماعات اليهودية خارج شرق أوربا. وعند بداية هذه المرحلة، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية نحو أربعة آلاف، زاد إلى ستة آلاف عام 1826 ثم إلى 15 ألفاً عام 1840. وقُدِّر عدد اليهود بمائة وخمسين ألفاً عام 1860، ويُقال إنه وصل إلى مائتين وثمانين ألفاً مع نهاية هذه الفترة (عام 1880)
. وكان المهاجرون، أساساً، من أصل ألماني، وخصوصاً من منطقة بافاريا وبوزنان بعد ضمها من بولندا، أو كانوا من اليهود الألمان أو من بوهيميا والمجر جاءوا مع موجة الهجرة الألمانية إذ هاجر خمسة ملايين ألماني من بينهم مائتا ألف يهودي (1825 ـ 1890) . وكانت أغلبية المهاجرين من الفلاحين الألمان الذين اضطروا إلى الهجرة، فهاجر معهم صغار التجار اليهود الذين كانوا مرتبطين اقتصادياً بهم واستوطنوا على مقربة منهم في الولايات المتحدة. وقد وصلت الهجرة إلى ذروتها بعد إخفاق ثورات 1848 ـ 1849 في أوربا وبعد الكساد الاقتصادي. وقد كان يهود ألمانيا ألمانيين، تماماً مثلما كان السفارد إسبانيين وبرتغاليين.
وقد استقر أكبر عدد من أعضاء الجماعة اليهودية في نيويورك، فبلغوا أربعين ألفاً عام 1860، وتجئ بعدها مدن أخرى مثل فيلادلفيا وبالتيمور. كما تمركزوا في المراكز التجارية بالداخل، على الأنهار وعلى ضفاف البحيرات الكبيرة، واتجهوا نحو الغرب في سيراكيوز وبفالو وكليفلاند وشيكاغو وديترويت، وفي سينسناتي ومنيابوليس وسانت لويس ونيو أورليانز. وتدافعت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا في الأعوام 1849 ـ 1852 مع حُمَّى الاندفاع نحو الذهب، إذ بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين استوطنوا سان فرانسيسكو وحدها عشرة آلاف.

وقد عمل أعضاء الجماعة اليهودية موردين لحاجات الباحثين عن الذهب في كاليفورنيا، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى قلة نادرة. وكانت نسبة العاملين في مهن مثل الطب والقانون صغيرة، إذ كانت الأغلبية العظمى تعمل بالتجارة. ورغم أن كثيراً من المهاجرين عملوا حرفيين في أوربا، فإنهم فضلوا أن يعملوا تجاراً متجولين بسبب ارتفاع الأرباح التي كان بوسعهم تحقيقها. ومع هذا، قد يكون من الأدق أن نذكر أنهم كانوا حرفيين يعملون تجاراً متجولين أيضاً إذ أن بعض السلع التي كان يسوِّقها هؤلاء، مثل الملابس والأحذية، كانت من صنعهم. وقد بدأ التجار من أعضاء الجماعة اليهودية في عملية التسويق سيراً على الأقدام، فتحولوا إلى تجار يتجولون بعرباتهم التي تجرها الخيول، ثم إلى تجار يفتحون دكاكين صغيرة على مفارق الطرق، ثم إلى تجار كبار. واستمر هذا الاتجاه حتى العصر الحديث حيث نجد أن تجارة التجزئة والمتاجر الكبرى ذات الأقسام المتعددة (بالإنجليزية: دبارتمنت ستورز department stores) يمتلكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية. كما قاموا بالبيع من خلال الكتالوج، وهو البديل الحديث للبائع المتجول. بل إن الصناعات التي تركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية هي الصناعات الخفيفة التي يلتقي فيها التاجر بالصانع. ومن أهم الباعة الجائلين الذين تحولوا إلى تجار كبار أبراهام شتراوس وجمبل، وهما من أصحاب المحال التجارية الشهيرة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية معدلاً عالياً من الاندماج في معظم مناطق الولايات المتحدة، ولكن يُلاحَظ أن اندماجهم في مجتمع الجنوب كان أعلى بكثير منه في الشمال. ويعود هذا إلى أن معيار التضامن في الجنوب كان اللون وحسب. ومن هذا المنظور، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الجماعة البيضاء المهيمنة. وذلك على عكس الشمال حيث كان الدين واللون هما الأساس، ومن ثم كانت النخبة من المسيحيين البروتستانت البيض من أصل أنجلو

ساكسوني (الذين يقال لهم الواسب) .
وقد تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية أزياء أعضاء النخبة الجنوبية البيضاء ولغتهم وعاداتهم ومهنهم، وامتلكوا العبيد وتاجروا فيهم، وكان هناك عدد من كبار تجار العبيد من اليهود. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مؤسسة الرقيق ولا يختلف وضعهم هذا عن وضعهم في الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر، فهم قد يوجدون في أهم المؤسسات وأكثرها حيوية، مثل المصارف، مع بقاء دورهم تابعاً مهما زاد عددهم ونفوذهم.
وقد شهدت هذه الفترة اندلاع الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) . ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا بمنأى عن الحوار الذي دار حول مؤسسة الرقيق باستثناء حالات فردية، الأمر الذي أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويُلاحَظ أن الحاخام إسحق وايز، أهم شخصية يهودية آنذاك، قد لزم الصمت تماماً بشأن هذه القضية. ولعله كان، في موقفه هذا، لا يختلف كثيراً عن موقف بقية المواطنين في مدينة سينسناتي، وهي مدينة تقع على الحدود بين الفريقين المتصارعين في الشمال والجنوب. ولابد أن نذكر هنا أن أعضاء الجماعة اليهودية ككل لم يكن لهم موقف «يهودي» مستقل، وإنما تحددت ولاءاتهم بحسب موقعهم الجغرافي، فكان يوجد سبعة آلاف جندي يهودي في جيوش الشمال وثلاثة آلاف في جيوش الجنوب، الأمر الذي يعكس اندماجهم في المجتمع وتقبُّلهم المواقف السياسية السائدة فيه.

وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة.

وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1843 وجمعية الشباب العبريين عام 1874، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام 1885، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات.

ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (1849 ـ 1887) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1971

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

بداية المرحلة اليديشية (1880-1922)
‏The Beginning of the Yiddish Era 1880-1922
أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (1880 - 1929) :
تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة.....

ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام 1918) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من 280 ألفاً من مجموع سكان تعداده 50.155.000 عام 1880 إلى 4.500.000 من مجموع سكان تعداده 115.000.000عام 1925. وبلغ عدد المهاجرين 2.378.000 بين عامي 1880 و1925، وكانت أعوام الذروة هي أعوام 1904 ـ 1908 حينما وصل 642 ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد.
وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام 1880، بلغت النسبة 25%، وانخفضت إلى 8% عام 1908، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام 1919. وكان عمر المهاجرين بين 15 و40 سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية.
وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام 1918 نحو 1.603.923، وفي ولاية ماساشوسيتس 189.671 نسمة، وفي ولاية نيوجرسي 149.476نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا 322.406 نسمة، وفي ولاية أوهايو 166.361نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا 63.562 نسمة.

وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر.

وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام 1914 حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام 1913 ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة 1909 ـ 1916، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات

التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة.
أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو 500 ـ 600 ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام 1927) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت.

وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) .
وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام 1915 في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية.

ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان 74% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل 64% من البولنديين و46% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع.
ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية.

وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام 1898، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام 1902، ومجلس أمريكا الحاخامي عام 1913. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية.
وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام 1886، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام 1900، ومعبد أمريكا الموحَّد عام 1913 (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى.
وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل.

ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام 1925، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام 1940. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية

وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام 1930، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية.
وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين.
ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى.

وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام 1884، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام 1893. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 1897، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة.
كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام 1906 اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام 1917. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام 1914.
نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (1929-1945)
(The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (1929-1945

كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين)
، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع.
بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق.

تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان 49% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي 9% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها.
وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام 1924. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام 1933 حتى عام 1937، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى 124 ألفاً في الفترة بين 1938 و1941. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1933 إلى 1945، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو 174.678 فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية.

وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين 85 و90% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة 1933 ـ 1945. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار.
ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن 50% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء.

ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام 1941) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم.
ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ 10.500 منهم حياتهم وجرح 24 ألفاً وحصل 36 ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي.

وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام 1942 في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق.
اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1945-1970)
(Neo-Jews or Jewish Americans (1945-1970
تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام 1947 أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة.

وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1944 حتى 1959 لا يزيد على 191.693 إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام 1965. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من 1960 إلى 1968 نحو 73 ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام 1957، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي.
ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى 5.200.000 عام 1957، ووصل إلى 6.000.000 عام 1970، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من 1945 حتى عام 1969، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو 700 ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين)
. وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط.

وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام 1900. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو 75% من كل أعضاء الجماعة اليهودية.
ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى.
ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام 1945 كان عددهم يبلغ 150 ألفاً، زاد إلى 510 آلاف عام 1968. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من 7500 عام 1937 إلى 40 ألفاً عام 1948 و150 ألفاً عام 1970، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من 333 ألفاً عام 1946 إلى 285 ألفاً عام 1969.

وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام 1945 تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام 1948، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من 1941 إلى 1959 من 11% إلى 25%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى

جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية.
ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام 1960، بلغ عدد المهنيين بين اليهود 25% (مقابل 23% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل 30% (مقابل 10.7% بين الأمريكيين ككل) ، و25% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ 20% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى.

ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية.
وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه.

وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام 1948 لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى.
وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته.

ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وسندات إسرائيل عام 1950، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام 1950. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً.

ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة.
ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي.
ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام 1945) ، جاء أن 18% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل 65% من البروتستانت و83% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام 1958 ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت 40% من البروتستانت و74% بالنسبة إلى الكاثوليك.

ولكن نسبة 18% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو 10% أو 20% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني.
ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على 60%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي.

ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (10% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - العنصرية والإرهاب الصهيونيان - الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي حتى عام 1948

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

العنف والرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ
‏Violence and the Zionist View of Reality and History
» العنف «هو «الشدة والقسوة» وهو ضد الرفق واللين، وهي من «عَنَّف» بمعنى «عامله بشدة وقسا عليه» . وأحد الأشكال الأساسية «للعنف الصهيوني» هو رفض الصهاينة قبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة. ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية (غير اليهودية) المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية. والإرهاب الصهيوني إن هو إلا محاولة تستهدف فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب، ولذا يمكن القول بأن الإرهاب هو العنف المسلح (مقابل العنف الإدراكي (.

والعنف النظري والإدراكي سمة عامة في الفكر العلماني الشامل الإمبريالي. والصهيونية لا تمثل أي استثناء من القاعدة، فقد نشأت في تربة أوربا الإمبريالية التي سادت فيها الفلسفات النيتشوية والداروينية والرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتخطى الخير والشر والتي تحوسل العالم والناس بحيث يصبح الآخر مجرد أداة أو شيئاً يُستخدَم. ومع هذا يظل العنف الصهيوني ذا جذور خاصة تمنحه بعض السمات المميزة:
1 ـ لم تكن الصهيونية حركة استعمارية وحسب وإنما هي حركة استيطانية إحلالية (أرض بلا شعب) وهو ما يعني ضرورة أن تُخلي الأرض التي سيُنفَّذ فيها المشروع الصهيوني من السكان الأصليين، ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال أقصى درجات العنف النظري والإرهاب الفعلي.
2 ـ من السمات الأساسية للأيديولوجيات العلمانية الحلولية العضوية أنها تحوي مركزها أو مرجعيتها (أو مطلقها) داخلها، ومن ثم فهي تشكل نسقاً مغلقاً ملتفاً حول نفسه يخلع القداسة على الذات ويجعلها موضع الحلول والكمون ويحجبها عن الآخرين (الذين يقعون خارج دائرة القداسة) فيهدر حقوقهم ويبيدهم، فهم ليسوا موضع الحلول.
والصهيونية وريثة الطبقة الحلولية اليهودية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) هي عقيدة علمانية حلولية كمونية تجعل اليهود شعباً عضوياً ذا علاقة عضوية خاصة بالأرض (إرتس يسرائيل) أي فلسطين، وهي علاقة تمنحهم حقوقاً مطلقة فيها، الأمر الذي يعني طَرْد السكان الأصليين الذين لا تربطهم بأرضهم رابطة عضوية حلولية مماثلة.
وقد حوَّلت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور للشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضتها جماعة يسرائيل أو العبرانيون مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب، فقاموا بطرد بعضهم وإبادة البعض الآخر. وجماعة يسرائيل يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدَّسة لأن الإله يحل فيه.

3 ـ ورثت الصهيونية ميراث الجماعة الوظيفية اليهودية بفصلها الحاد بين الشعب المقدَّس والأغيار وبما يتسم به ذلك من ازدواجية في المعايير تجعل الآخر مباحاً تماماً وتجعل استخدام العنف تجاهه أمراً مقبولاً.
لكل هذا، أصبح العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلولية الوثنية مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا الأمة اليهودية في نشأتها جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيها "رايات اليهود مرتفعة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهودي بهما يوم السبت. هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك "لأجدادنا الأوائل ... إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء"، أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر. ولهذا لا يتردد جابوتنسكي في رفض التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود.

ويبدو أن هذا السيف المقدَّس (رمز الذكورة والقوة والعنف) كان محط إعجاب كل الصهاينة الذين كثيراً ما عبَّروا عن إعجابهم وانبهارهم بالعسكرية البروسية الرائعة (هذا بالطبع قبل أن يهوى هذا السيف البروسي على الرقاب اليهودية في أوشفتس) . وتمتلئ كتابات هرتزل بعبارات الإعجاب بهذا السيف، إذ كتب في مذكراته يشيد ببسمارك الذي أجبر الألمان على شن عدة حروب، الواحدة تلو الأخرى، وبذلك فرض عليهم الوحدة وبدأ تاريخهم الحديث كدولة موحدة. فالعنف العسكري هو وحده محرك التاريخ الحقيقي، "إن شعباً كان نائماً زمن السلم، رحب بالوحدة في ابتهاج في زمن الحرب". وبينما كان هرتزل ينظر من نافذة أحد المسئولين الألمان شاهد مجموعات من الضباط الألمان يسيرون بخطى عسكرية، فعبَّر عن انبهاره بهم في يومياته وذهب إلى أن هؤلاء هم صناع تاريخ ألمانيا: "ضباط المستقبل لألمانيا التي لا تُقهَر". بل إنهم قد يكونون أيضاً صناع التاريخ الصهيوني نفسه، إذ يشير هرتزل إلى تلك "الدولة التي تريد وضعنا تحت حمايتها".
وتَغنَّى ناحوم جولدمان أيضاً بهذه الروح العسكرية البروسية في شبابه: "ألمانيا تجسد مبدأ التقدم ونجدها واثقة من النصر. ألمانيا ستنتصر وستحكم الروح العسكرية العالم. ومن يريد أن يندم على هذه الحقيقة ويعبِّر عن حزنه فله أن يفعل، ولكن محاولة إعاقة هذه الحقيقة هي شيء من قبيل العناد وجريمة ضد عبقرية التاريخ الذي تحركه السيوف وقعقة السلاح".
وقد تبع مناحم بيجين أستاذه جابوتنسكي، وكل الصهاينة من قبله، في تأكيد أهمية السيف باعتباره محركاً للتاريخ إذ يقول: "إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليست السلام بل السيف".

وغني عن القول أن العنف الصهيوني الإدراكي يصل إلى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الإحلالي، أن يلتزموا الصمت تماماً تجاهه، فلا يذكرونه من قريب أو بعيد. أو أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبئ الحد الأقصى من العنف. فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما كان الادعاء، جرى إلى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهدَّأ الأخير من روعه وقال له إن الأمر ستتم تسويته فيما بعد. وكان هرتزل يعرف تماماً كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الإمبريالية، ونحن نعرف كيف تمت تسويتها في فلسطين. وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيراً عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.
ويُعَد هذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والواقع والتاريخ والآخر، وهو قد يعبِّر عن نفسه بطريقة مباشرة، كما بيَّنا في الاقتباسات السابقة، ولكنه قد يعبِّر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات. وما قانون العودة الإسرائيلي إلا ترجمة لهذا العنف حين يُعطي أيُّ يهودي في العالم حق "العودة" إلى إسرائيل في أي وقت شاء ويُنكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من فلسطين على دفعات منذ عام 1948، رغم أن يهود العالم لا يودون الهجرة إلى إسرائيل بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها. ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تحوسل كل البشر (العرب واليهود) والزمان (تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين) والمكان (فلسطين) . وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهدأ إلا تعبيراً عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل إلى نهاية التاريخ: نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.

العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية
‏Zionist Violence and the Modernization of the Jewish Personality
ثمة عنف أساسي في الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. ولم يكن هناك مفر من أن يُترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع ولرفض الرؤية اليهودية الحاخامية. ولتحقيق هذا الهدف كان حتمياً أن تُنتَج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف، وهذا ما سماه الصهاينة «تحديث الشخصية اليهودية» ، أي علمنتها وجعلها قادرة على تغيير قيمها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبنِّي قيم نيتشوية وداروينية لا علاقة لها بمكارم الأخلاق أو بالمطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية.

وقد بيَّن الصهاينة أن اليهودية الحاخامية طلبت من اليهود الانتظار في صبر وأناه لعودة الماشيَّح، وألا يتدخلوا في مشيئة الإله، لأن في هذا كفراً وتجديفاً. ولكن الصهاينة، الرافضين للعقيدة اليهودية، تمردوا على هذا الموقف أو وصفوه بالسلبية ونادوا بأن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول الماشيَّح، إذ ينبغي أن يعمل اليهودي بكل ما لديه من وسائل على العودة إلى أرض الميعاد. فالمنفى بالنسبة إلى بن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري، "وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومُقتلَعة ومشرَّدة عن الأرض، وعن العمل وعن الصناعة الأساسية. واجبنا هو أن ننفصل كلياً عن هذا الاتكال، وأن نصبح أسياد قدرنا". ويلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه في التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية:"القضية الحقيقية الآن، كما كانت في الماضي، تتركز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا. على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل إن عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية" (مثل الفانتوم والنابالم مثلا) . وهذا ما يُسمَّى أيضاً في الأدبيات الصهيونية «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة» (انظر المدخل بهذا العنوان) .

لكل هذا تنطلق الصهيونية من نقد نيتشوي للشخصية اليهودية في المنفى فيقول ماكس نوردو إن اليهودي، خلال ثمانية عشر قرناً من النفي، أصبح مترهل العضلات (وهذه هي إحدى الأوصاف السائدة لليهود بين أعداء اليهود) . ولذلك "أقترح أن يُقلع اليهودي عن قهر جسده، وأن يعمل على تنمية قواه الجسدية وعضلاته، أسوة بذلك البطل بركوخبا، آخر تجسيد لتلك اليهودية في صلابة عودها المقاتل وحبها لقعقعة السلاح". والفكرة نفسها تَرد في كتابات جابوتنسكي الذي رفض أخلاقيات العبيد ونادى بتفضيل العقل على الفكر وأخلاق السادة على أخلاق العبيد والسيف على الكتاب حتى يظهر اليهودي الجديد المتحرر من أغلال الدين والقيم.

إن العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية. فاليهودي، في هذا التصور، يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية. وكان الكاتب الصهيوني بن هكت يشعر بسعادة في قرارة نفسه في كل مرة يقتل فيها جندياً بريطانياً لأنه، على حد قوله، كان يتحرر من مخاوفه ويُولَد من جديد، تماماً مثل شارلوت كورداي في قصيدة لجابوتنسكي بعنوان "شارلوت المسكينة". فشارلوت تتخلص من رتابة حياتها وسخافتها وتروي تَعطُّشها للعمل البطولي بأن تقوم بتسديد الضربة إلى جان مارا فترديه قتيلاً في الحمام. العنف هنا يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما يصل أحد أفرادها إلى سن الرجولة. فاليهودي حينما يقوم بهذا الفعل الذي كان يخاف منه أجداده (ذبح أحد الأغيار) يتخلص من مخاوفه، ويصبح جديراً بحمل رمز الذكورة. وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب الثورة الذي ألفه مناحم بيجين، والذي يقلب فيه عبارة ديكارت المعروفة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لتصبح "أنا أحارب، إذن أنا موجود". ثم يضيف: "من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال، نموذج غير معروف البتة للعالم في الألف وثماني السنين الماضية: اليهودي المحارب".

وحتى الليبرالي الأمريكي الهادئ برانديز، يُشير (باستحسان شديد) إلى وظيفة العنف الصهيوني في إعادة صياغة الشخصية اليهودية: "غرست الصهيونية في الشباب اليهودي الشجاعة، فألفوا الجمعيات، وتدربوا على الأعمال الرياضية وعلى اللعب بالسيف، وصارت الإهانة تُرَدُّ بإهانة مثلها. وفي الوقت الحاضر، يجد أفضل لاعبي السيف الألمان أن الطلبة الصهيونيين يستطيعون أن يُدموا الخدود، كما يفعل التيوتون، ويرون أيضاً أن اليهود سوف يكونون أفضل لاعبي السيف في الجامعة" (وفي الشرق الأوسط فيما بعد) . لقد كان برانديز يفكر في الطالب الآري "وحش نيتشه الأشقر" حينما كان يتحدث عن بطله اليهودي.

والعنف عند بن جوريون يقوم بالوظيفة نفسها في إعادة صياغة الشخصية اليهودية، إذ يصف الرواد الصهاينة بأنهم لم يكن لهم حديث إلا الأسلحة "وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً. كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا". إن موقف بن جوريون مبني على تصوُّر جديد للشخصية اليهودية باعتبارها شخصية محاربة منذ الأزل "إن موسى، أعظم أنبيائنا، هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا". ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشى ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر للتوراة هو الجيش، فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن، فيفسر بذلك كلمات أنبياء العهد ويحققها. ولنلاحظ النمط الحلولي الكموني الذي يبدأ بوضع السيف في خدمة التوراة، ثم يصبح السيف موازياً لها، ثم تصبح هي تابعة له، فالسيف هو الذي يفسر التوراة ويفرض عليها المعنى، وكأنه أحد نقاد ما بعد الحداثة أو هارولد بلوم الناقد الأمريكي القبَّالي الذي يرى أن الناقد هو الذي يفرض المعنى على النص، أو كأنه "الشعب المختار" اختاره الإله ثم حل فيه ثم أصبح تابعاً له، أو كأنه الشريعة الشفوية (تفاسير البشر) التي جاءت للوجود لتفسر الشريعة المكتوبة ولكنها حلت محلها بالتدريج.
الإرهاب الصهيوني: تعريف
‏Zionist Terrorism: Definition

«الإرهاب» بالمعنى الضيق للكلمة هو القيام بأعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب لتحقيق غرض ما مثل بث الرعب في قلب سكان منطقة ما ليرحلوا عنها أو لتتم الهيمنة عليهم وتوظيفهم وإجبارهم على قبول وضع قائم مبني على الظلم (من منظور الضحية) . ويمكن أن يتسع مفهوم الإرهاب ليشمل مختلف الممارسات الاقتصادية السياسية والعسكرية، المادية والمعنوية. وفي حالة الإرهاب الصهيوني فإن هذا يتضمن سرقة الأراضي بالاحتيال والتزوير والقانون إلى طَرْد أصحابها بقوة السلاح، ومن فرض أنظمة تعليمية تُشوه الوعي الفلسطيني إلى تحقيق شروط اقتصادية غير مواتية لنمو المنتجين العرب. وإذا كان الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هو عنف إدراكي، فإن الإرهاب الصهيوني هو الممارسات التي تُحوِّل النظرية والإدراك إلى واقع قائم "وتخلق حقائق جديدة" على حد قول موشيه ديان، وسنتناول في مداخل هذا الباب الإرهاب بالمعنى الضيق والمباشر.
والإرهاب الصهيوني ليس حدثاً عابراً عرضياً وإنما هو أمر كامن في المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي وفي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. كما أن حلقات وآليات هذا الإرهاب مترابطة متلاحقة، فالهجمات الإرهابية التي شُنَّت ضد بعض القرى العربية أدَّت إلى استسلام بقية سكان الأراضي المحتلة، أي أن المذابح والاعتقالات والإبعادات إن هي إلا آلية من آليات الاستيطان الصهيوني الإحلالي، ولا يمكن تَخيُّل إمكانية تَحقُّق المشروع الصهيوني بدونها.

والإرهاب الصهيوني هو الآلية التي تم بها تفريغ جزء من فلسطين من سكانها وفرض المستوطنين الصهاينة ودولتهم الصهيونية على شعب فلسطين وأرضها. وقد تم هذا من خلال الإرهاب المباشر، غير المنظم وغير المؤسسي، الذي تقوم به المنظمات الإرهابية غير الرسمية (المذابح ـ ميليشيات المستوطنين ـ التخريب ـ التمييز العنصري) والإرهاب المباشر، المنظم والمؤسسي، الذي تقوم به الدولة الصهيونية (التهجير ـ الهيكل القانوني للدولة الصهيونية ـ التفرقة العنصرية من خلال القانون ـ الجيش الإسرائيلي ـ الشرطة الإسرائيلية ـ هدم القرى) .
ورغم أننا نفرِّق بين الإرهاب المؤسسي وغير المؤسسي إلا أنهما مرتبطان تمام الارتباط ويتم التنسيق بينهما ويجمع بينهما الهدف النهائي، وهو إفراغ فلسطين من سكانها أو إخضاعهم وحصارهم. ولعل واقعة دير ياسين (قبل عام 1948) وفرق الموت المعروفة باسم «المستعرفيم» هي أمثلة أخرى واضحة على هذا التعاون والتنسيق.
والإرهاب الصهيوني مرتبط تمام الارتباط بالدعم الإمبريالي الغربي حين قامت حكومة الانتداب بحماية المستوطنين وتأمين موطئ قدم لهم وسمحت بتأسيس البنية التحتية العسكرية المكونة من المستوطنات التعاونية (وبخاصة الكيبوتس) فيما نسميه «الزراعة المسلحة» ،كما ساعدت المنظمات الصهيونية المسلحة المختلفة ودعمتها، فكانت بمنزلة قوة مسلحة كامنة قامت بالانقضاض على أرض فلسطين وأهلها عام 1948. وبعد إنشاء الدولة، استمرت الدول الغربية "الديموقراطية" في دَعْم الكيان الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، رغم ممارساته الإرهابية التي تتسم بكل الجدة والاستمرار، ورغم الحروب العديدة التي شنها على العرب ورغم توسعيته التي لا تعرف أية حدود.

ويحاول الصهاينة قدر استطاعتهم أن يصنفوا المقاومة الفلسطينية المشروعة (من منظور القانون الدولي والأعراف الإنسانية) على أنها شكل من أشكال «الإرهاب» ، ومن هنا الإشارة للفدائيين الفلسطينيين بأنهم «إرهابيين» ، والإشارة للعمليات الاستشهادية بأنها «عمليات انتحارية إرهابية» .
الإرهاب الصهيوني حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية: تاريخ
‏Zionist Terrorism till the Outbreak of the Second World War: History
يبدأ تاريخ الإرهاب الصهيوني مع الاستعداد للهجرة الاستيطانية، فموجات الهجرة الأولى جاءت بنموذج اليهودي الذي رفض ما يسميه الصهاينة «السلبية اليهودية الحاخامية» والذي كان يرى أن عليه أن يصوغ مستقبله بنفسه عن طريق اغتصاب أرض فلسطين وطرد أصحابها ليخلق لنفسه مجالاً حيوياً يمارس فيها سيادته القومية. وكان تنظيم "الهاشومير" من طلائع التنظيمات في هذه الفترة وهي المنظمة التي تُعَد الهاجاناه امتداداً لها. وكانت الاشتباكات آنذاك تقتصر على استخدام السكاكين والعصي.
ومع قرب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأت بشائر المرحلة الثانية حيث أخذ الصهاينة يجمعون السلاح لتبدأ بعد ذلك مرحلة قتالية جديدة وطور جديد من أطوار ممارسة الإرهاب المسلح وإن لم يصل إلى حد المواجهة المباشرة بل اكتفى بأسلوب الكر والفر. وبعد الحرب العالمية الأولى، وبعد وضع فلسطين تحت حكم الانتداب البريطاني، يبدأ التاريخ الحقيقي للإرهاب الصهيوني.

فمنذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين أخذ البناء التنظيمي للإرهاب الصهيوني في النمو والرسوخ في فلسطين مستفيداً من دعم الاستعمار البريطاني للحركة الصهيونية وتأمينه هجرة آلاف الصهاينة من الشباب الذين سرعان ما انخرطوا في تنظيمات الإرهاب. وقد استقر البناء التنظيمي للإرهاب الصهيوني منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين حين تأسَّست الهاجاناه ممثلة الذراع العسكري والباطش للوكالة اليهودية عام 1920، والتي نظمت داخل تنظيمها فرقاً خُصِّصت للهجمات الإرهابية ومنها كتائب بوش التي تقرَّر تشكيلها عام 1937 وكذا فرق البالماخ. وفي السنة التالية أيضاً لاندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 انشق أنصار الصهيونية التصحيحية عن الهاجاناه وكوَّنوا تنظيماً اتخذ لنفسه مظهراً أشد تطرفاً ودموية هو عصابة الأرجون تسفاي ليومي (الإتسل) . وفيما بعد انشق عن "إتسل" جماعة أبراهام شتيرن وكوَّنت عام 1940 جماعة ليحي. وتُعَد هذه المنظمات الثلاث (الهاجاناه ـ إتسل ـ ليحي) العمود الفقري للإرهاب الصهيوني حتى عام 1948، حتى أنه يندر أن نجد عملاً إرهابياً وقع في فلسطين منسوباً إلى جماعة غيرها، فضلاً عن أن بعض الحلقات الإرهابية الصهيونية كانت خاضعة لإشرافها.

وهكذا كما ترسخت بنية الإرهاب الصهيوني في العشرينيات والثلاثينيات، شهد النصف الثاني من الثلاثينيات قفزة واضحة بالنسبة لحجم النشاط الإرهابي الصهيوني في فلسطين. وهي القفزة التي تجدر مناقشتها على ضوء المد العالمي للفاشية، وتدفُّق جيل من الشباب الصهاينة الذين تمرسوا على العمل السري والإرهابي في بلدان أوربا الشرقية خاصة. وتشير مذكرة رسمية بريطانية صادرة عن وزارة الدولة للمستعمرات إلى أن الإرهابيين الصهاينة يأتون من روسيا وبولندا والبلقان ولا يعرفون التسامح ولا يعترفون بحقوق الآخرين وتقرِّر أنهم نتاج أنظمة تعليمية تغذي التعصب والشوفينية. كما ترتبط القفزة الواضحة في حجم النشاط الإرهابي الصهيوني آنذاك بتصاعُد الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي كان قد حقَّق تراكماً كافياً في أدواته وإمكاناته تؤهله للصدام مع الفلسطينيين والشروع في التحرك على عجل لتحقيق غايته وتأسيس الدولة الصهيونية.

ومن بين السجل الحافل للنشاط الصهيوني في فلسطين خلال المرحلة الثانية (حتى الحرب العالمية الثانية) يمكن الإشارة لبعض العمليات المهمة من بينها قيام إرهابيي الهاجاناه بقتل مواطنين عربيين فلسطينيين بجوار مستعمرة بتاح تكفا رمياً بالرصاص حيث كان كوخهما، وذلك في 16 أبريل عام 1936. وهو نفس العام الذي أصدرت فيه الهاجاناه سبعة قرارات بإطلاق النار على العرب أينما كانوا. كما شهد عام 1937 سلسلة من عمليات إلقاء القنابل اليدوية على تجمعات المواطنين الفلسطينيين العزل في المقاهي ووسائل النقل والأسواق، وكان من أشهرها إلقاء إتسل قنبلة على سوق الخضار المجاور لبوابة نابلس في القدس فسقط عشرات من العرب بين قتيل وجريح. كما أطلق أعضاء نفس المنظمة النار على قافلة عربية فقتلوا ثلاثة ركاب بينهم امرأتان في 14 نوفمبر 1937 وهو اليوم الذي أُطلق عليه لقب «الأحد الأسود» في القدس، حين نفَّذ الإرهابيون الصهاينة أكثر من عملية في المدينة كمظهر لاستعراض القوة.

وفي 6 مارس عام 1937 لقي 18 عربياً مصرعهم وأصيب 38 آخرون من جراء إلقاء قنبلة يدوية في سوق حيفا. كما تعرض نفس السوق في شهر يوليه من العام نفسه إلى تفجير سيارة ملغومة أودت بحياة 350 عربياً فلسطينياً وجرحت 70 آخرين، بينما يفتخر المؤرخون الصهاينة بأن عدد الضحايا كان أكثر بكثير مما أعلنت عنه سلطات الانتداب. وفي اليوم التالي سقط 27 عربياً فلسطينياً وأصيب 46 آخرون بجراح من جراء قنبلة يدوية ألقتها العصابات الصهيونية على السوق المزدحم. كما تعرَّض سوق القدس في 26 أغسطس عام 1938 إلى انفجار سيارة ملغومة أسفر عن مقتل 34 عربياً وجرح 35 آخرين وفق أقل التقديرات. وفجَّرت إتسل قنبلة يدوية أمام أحد المساجد في مدينة القدس في 15 يوليه 1938 أثناء خروج المصلين فقتلت عشرة أشخاص وأصابت ثلاثين. وعن أحداث العام نفسه يفتخر الصهاينة بهجوم الإرهابي شلومو بن يوسف واثنان من رفاقه من جماعة إتسل على سيارات عربية فلسطينية يستقلها مواطنون عُزَّل. وقد نفَّذت السلطات البريطانية حكم الإعدام في شولمو فحوَّله المستوطنون الصهاينة إلى بطل قومي مثالي ويحمل طابع بريد إسرائيلي صورته، واختارت إحدى منظمات الإرهاب الصهيوني السرية في الثمانينات اسمه لتطلقه على عملية مماثلة جرت في الضفة الغربية.

ومن بين العمليات الإرهابية الصهيونية خلال عام 1939 شهد يوم 27 فبراير وحده سقوط 27 قتيلاً عربياً وجرح 39 آخرين في حيفا إثر تفجير منظمة إتسل قنبلتين. كما سقط ثلاثة من العرب وجُرح رابع في تل أبيب. بينما قُتل ثلاثة آخرون وجُرح ستة في القدس. إلا أن من أبرز العمليات الإرهابية التي شهدها العام الهجوم الذي دبرته إتسل على سينما ركس في القدس حيث جرى تخطيط متعدد المراحل لتحقيق أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية بواسطة المتفجرات التي تم تسريبها إلى المبنى إضافة إلى إلقاء القنابل داخله ثم فتح نيران الرشاشات على رواد السينما الذين خرجوا في حالة من الذعر والهلع، وقد تم تنفيذ هذه العملية الإرهابية في 29 مايو 1939.
ولم تكن الهاجاناه بعيدة عن التنافس مع إتسل، فقد هاجمت عناصرها قرية بلدة الشيخ بجوار حيفا في 12 يوليه 1939 واختطفت خمسة من سكانها ثم قتلتهم. كما جرى في 29 يوليه الهجوم على ست سيارات عربية فلسطينية في تل أبيب ورحبوت وبتاح تكفا كانت حصيلتها قتل 11 عربياً. وأسفر إلقاء القنابل في مدينة يافا في 26 أغسطس عن مصرع 24 عربياً فلسطينياً وجرح 35 آخرين.
وقد وجدت المنظمات الصهيونية سنوات الحرب العالمية فرصة لتطوير نفوذها وتقوية هياكلها وتسليحها تمهيداً للانطلاق عند انتهاء الحرب. فزادت عدداً وعدة وأضفت على وجودها قدراً من الشرعية بالتعاون مع بريطانيا والحلفاء. وهكذا أعدت المنظمات نفسها للانطلاق لاحقاً نحو هدفين: الأول إجبار الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين على مغادرة أراضيهم بما فيها تلك التي يشكلون فيها أغلبية ساحقة وهي الأرض التي خصهم بها مشروع التقسيم لاحقاً. والثاني الضغط على البريطانيين لإلغاء القيود المفروضة وبخاصة على الهجرة والعمل من أجل إقامة دولة صهيونية بأسرع الوسائل.
الإرهاب الصهيوني منذ عام 1945 وحتى إعلان الدولة الصهيونية: تاريخ

‏Zionist Terrorism from 1945 till the Declaration of the Zionist State: History
تكتسب طبيعة العلاقة بين المنظمات الإرهابية الثلاث الأساسية (الهاجاناه ـ إتسل ـ ليحي) ، قبل أن يتقرر حلها ودمجها في جيش الدفاع الإسرائيلي مع قيام الدولة، أهمية خاصة. فرغم أن المنظمات الثلاث احتفظت باستقلالها التنظيمي فقد تبلور التعاون فيما بينها خلال هذه الفترة واتخذ شكلاً مؤسسياً حين وقَّع قادتها، مع نهاية الحرب العالمية وباشتراك الوكالة اليهودية، اتفاقاً ثلاثياً تضمنت بنوده:
1 ـ تدخل منظمة الهاجاناه المعركة العسكرية ضد السلطات البريطانية. وهكذا قامت حركة العصيان العبري.
2 ـ يجب على منظمتي ليحي وإتسل عدم تنفيذ خططها القتالية إلا بموافقة قيادة حركة العصيان.
3 ـ تنفذ ليحي وإتسل الخطط القتالية التي تكلفان بها من قبَل قيادة الحركة.
4 ـ يجب ألا يكون النقاش حول العمليات المقترحة شكلياً فيجتمع مندوبو المنظمات الثلاث في جلسات ثابتة أو حسب الحاجة، على أن يتم خلال هذه الجلسات مناقشة الخطط من الناحيتين السياسية والعملية.
5 ـ بعد أخذ الموافقة المبدئية على العمليات المقترحة يناقش خبراء المنظمات الثلاث تفاصيل تنفيذ هذه العمليات.
6 ـ ضرورة الحصول على موافقة قيادة حركة العصيان لتنطبق على العمليات التي يجري تنفيذها ضد الممتلكات مثل الاستيلاء على الأسلحة من أيدي البريطانيين أو الحصول على الأموال.
7 ـ الاتفاق بين المنظمات الثلاث يرتكز على "أمر افعل".
8 ـ إذا أمرت منظمة الهاجاناه في يوم من الأيام بالتخلي عن الحرب ضد البريطانيين تواصل المنظمات إتسل وليحي حربهما.

وهكذا تشكَّل ما سُمِّي "حركة العصيان العبري" وتمثلها قيادة حركة المقاومة المتحدة للإشراف على الأمور التنفيذية. وضمت هذه القيادة ممثلين عن الهاجاناه مثل إسرائيل جاليلي وموشي سنيه ومن إتسل مناحم بيجين ومن ليحي أبراهام شيترن وياليني مور. وتوضح نصوص الاتفاقية المسئولية المشتركة للمنظمات الإرهابية الصهيونية وهو الأمر الذي سعت الهاجاناه إلى التنصل منه تاريخياً.
وكانت باكورة أعمال حركة العصيان نسف محطة سكك حديد رام الله في أول نوفمبر عام 1945. إلا أن العلاقة بين المنظمات الثلاث لم تكن بسيطة بأي حال. فقد عادت العلاقة بين أطراف حركة العصيان للتوتر وبخاصة بين إتسل والهاجاناه، وعادةً ما كان الخلاف بينهما يتخذ طابع المنافسة على السيطرة على المُستوطَن الصهيوني. ولم يكن اللجوء إلى العنف بعيداً عن خلافات العصابات الصهيونية نفسها إلى الحد الذي أثار مخاوف الصهاينة من نشوب حرب أهلية بين منظمات الإرهاب. ولأكثر من مرة تبادلت إتسل والهاجاناه أعمال خطف لعناصرهما. كما كوَّنا فرقاً للاعتداء والضرب لتأديب بعضهما البعض شمل ضررها عائلات يهودية بكاملها. ووصلت موجة الاختطاف إلى ألمانيا حين تولت عناصر الهاجاناه أمر أربعة من أعضاء إتسل ولقي أحدهم مصرعه تحت التعذيب. وحتى عقب التوصل إلى اتفاق جديد بين إتسل والهاجاناه في 7 مارس 1948 تعرَّض الاتفاق وفي وقت حرج إلى اختبار صعب حين جرت معركة مسلحة بين إتسل ورجال البالماخ كادت تعرِّض وحدة جيش الدولة المنتظرة للخطر بسبب النزاع على شحنة سلاح كانت قادمة على ظهر السفينة التالينا. وكادت الاشتباكات أن تودي بحياة مناحم بيجين زعيم إتسل، كما سقط عدد من الجرحى والقتلى من الجانبين قبل احتواء الموقف. وبصفة عامة تبادل زعماء هذه المنظمات اتهامات الخيانة والتعاون مع البريطانيين واغتصاب أموال بعضهم البعض.

وعلى أية حال فإن العنف المتبادل بين المنظمات الإرهابية الصهيونية قد تجاوز مراراً حدود التراشق بالاتهامات مثل اتهام الهاجاناه لإتسل وليحي "بالفاشية اليهودية" أو إطلاق هاتين المنظمتين صفة "قتلة الأطفال" على الهاجاناه التي قامت بعملية قتلت خلالها أمًّا عربية وستة من أطفالها، أو التهديدات المتبادلة.
وإذا كان التنافس على النفوذ والسيطرة على قيادة الحركة الصهيونية فضلاً عن الاختلاف حول السياسة التي يتعين اتباعها إزاء بريطانيا قد يكونان عاملين أساسيين في تصعيد الخلافات بين منظمات الإرهاب الصهيونية، فقد كان الاتفاق على الغايات الصهيونية وتنفيذ المخطط الاستيطاني على حساب العرب هو عامل الوحدة والتعاون الحاسم فيما بينها.
وقد حرصت الكتابات التاريخية الصهيونية على تصوير الإرهاب الصهيوني في هذه المرحلة باعتبارها نضالاً يهودياً للتحرر القومي في مواجهة الاستعمار البريطاني لجأ خلاله الصهاينة إلى السلاح. وهو الأمر الذي يخالف حقيقة الحركة الصهيونية فضلاً عن مجافاته لوقائع التاريخ التي تؤكد أن العرب الفلسطينيين ظلوا دائماً هم الهدف الأول للإرهاب الصهيوني.
فقد نال الفلسطينيون والعرب الحظ الأوفر من العمليات الإرهابية الصهيونية وبخاصة خلال عامي 1947 و1948 الحاسمين، حيث كثَّف الإرهابيون الصهاينة جهودهم لاقتلاع الفلسطينيين، الأمر الذي أدَّى إلى تشريد حوالي 900 ألف فلسطيني إلى خارج أراضيهم ووطنهم. ففي هذه السنوات غلب أسلوب مهاجمة القرى والمدن العربية وارتكاب المذابح الجماعية دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل وكهل، أو بين أولئك العُزل وبين من يحملون السلاح دفاعاً عن حقوقهم.

وإذا كانت دير ياسين أشهر المذابح التي خلَّفها تاريخ تلك المرحلة، فإن مذابح لا تقل أهمية عنها لا يمكن حصرها قد وقعت خلال العامين 1947 و1948 خاصة. وبينها على سبيل المثال مذابح قرى حساس ويازور وسعسع والدوايمة والرملة وبلدة الشيخ. وهي مذابح راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني. وتذهب بعض التقديرات إلى أن تلك المذابح قد تسببت في هجر السكان الفلسطينيين خلال حرب 1948 لحوالي 350 قرية ومدينة بشكل كلي أو جزئي من بين 450 سيطرت عليها العصابات الصهيونية. وإلى جانب الإبادة كان المقصود هو ارتكاب أبشع أنواع الفظاعات ونشر أنبائها لخلق حالة من الذعر بين المواطنين الفلسطينيين تدفعهم إلى الرحيل.
إلا أن الأمر الأكثر حاجة إلى إعادة التأكيد أن التنظيمات العسكرية الصهيونية (وضمن ذلك الهاجاناه) قد اشتركت دون استثناء في تخطيط وتدبير وتنفيذ هذه المجازر التي جرى معظمها في إطار خطط عسكرية سياسية عامة وصفتها القيادة الصهيونية، وكان أشهرها الخطة (د) التي ارتُكبت في إطارها مأساة دير ياسين.
الإرهاب الصهيوني ضد حكومة الانتداب البريطاني وأعضاء الجماعات اليهودية
‏Zionist Terrorism against the British Mandate Government and the Jewish Communities

كان الفلسطينيون والعرب بطبيعة الحال الهدف الأساسي للنشاط الإرهابي الصهيوني، ومع هذا توجد بعض الاستثناءات. فمصالح الدولة الاستعمارية الراعية لا تتفق تمام الاتفاق مع مصالح الجيب الاستيطاني، فمصالح الأولى عالمية، أما الثانية فمصالحها محلية. ومن هنا الصراع الذي نشب بين المستوطنين والدول الاستعمارية، التي رعتهم في بادئ الأمر. فعلى سبيل المثال أصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض في مايو عام 1939 (الذي صدر لتهدئة العرب وللظهور بمظهر من يتصف بالعدالة والإنصاف) فشرعت الحركة الصهيونية في الضغط على سلطات الانتداب البريطاني للتراجع عما جاء بالكتاب، ومن ثم بدأت في تنفيذ عمليات ضد أهداف بريطانية. ففي 21 أغسطس 1939 قتلت إتسل ضابطين بريطانيين بلغم استهدف الضابط المسئول عن الدائرة اليهودية في أجهزة الأمن التابعة لسلطة الانتداب.
إلا أن طبيعة النشاط الإرهابي المحدود الذي وجهته المنظمات الصهيونية ضد البريطانيين كان مختلفاً تماماً عن الاعتداءات التي استهدفت الفلسطينيين لكونهم مجرد فلسطينيين. فقد جرى انتقاء الضحايا البريطانيين في البداية بصورة محددة (شخص محدد وراءه مبررات محددة واضحة) . أما الأهداف العربية فقد تم انتقاؤها وتنفيذ عملياتها بشكل يهدف إلى قتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الضحايا الذين لا يعلم عنهم الإرهابي الصهيوني المنفِّذ والمخطِّط شيئاً محدداً سوى أنهم فقط من الفلسطينيين والعرب. ويتضح ذلك في اختيار الأماكن المزدحمة بروادها العرب (مقاهي - أسواق - قافلات) . كما افتخر منفِّذو هذه الجرائم باتباع أكثر الأساليب ضماناً لسقوط عدد أكبر من الضحايا ومن بينها استخدام غاز البروم مع المتفجرات.

ويلفت النظر أيضاً أن الإرهاب الصهيوني خلال الفترة بين إعلان الانتداب ومطلع الحرب العالمية يدخل في إطار ما يُسمَّى أسلوب "اضرب واجر" إذ تحاشى الإرهابيون الصهاينة في الأغلب الأعم الدخول في مواجهات مسلحة (كأن يقوموا بحصار قرية مثلاً) .
وما كانت آلة الإرهاب الصهيوني التي نمت تحت سمع وبصر السلطات البريطانية خلال هذه المرحلة أن تبلغ هذا الشأن إلا بمساعدة بريطانيا نفسها. وعبارة الإرهابي الصهيوني إسحق بن تسفي ذات دلالة، إذ قال: "نعم.. هناك جبهة بريطانية يهودية.. إن لم تكن في السياسة فهي في الخنادق"، بمعنى أنه رغم الاختلافات السياسية إلا أن السلطات البريطانية هي التي أمدت المنظمات العسكرية الصهيونية بالسلاح ومنحت المستوطنين الصهاينة تراخيص حملة (جرى منح 120 رخصة لليهود في مدينة القدس وحدها) وحجبت هذه التراخيص عن المواطنين العرب، وهي أيضاً التي اعترفت بهذه المنظمات، ومن المعروف أن 800 عضو في الهاجاناه التحقوا بصفوف الشرطة البريطانية في فلسطين وتدربوا على البندقية البريطانية عام 1936 في وضح النهار.
ولقد اشتركت المؤسسات الصهيونية على اختلافها في الإعداد للعمل الإرهابي حيث كانت التدريبات تجرى أسبوعياً في المدارس العبرية والدينية والمصانع الصغيرة والحمامات ودور العبادة اليهودية. وهكذا لم يكن النشاط الإرهابي عملاً على هامش الحركة الصهيونية. بل كان عملاً يرتبط بالوجود الصهيوني وبطبيعة الاستيطان الإحلالية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية دخلت المنظمات العسكرية الصهيونية في جدل حول السياسة التي يتعين اتباعها إزاء السلطات البريطانية. فهل تواصل الطريق الذي شرعت فيه بعد صدور الكتاب الأبيض عام 1939 فتوجِّه قسطاً من أعمال العنف تجاه أهداف بريطانية، أم تلتزم بمهادنة بريطانيا ودعمها في الحرب ضد النازية؟ وإذا كانت أعمال الإرهاب الصهيوني في فلسطين لم تتوقف تماماً خلال فترة الحرب العالمية، فإن نشاطها الذي خفَّت حدته كثيراً بين عامي 1940 و1944 يمكن وصفه بالكمون مقارنة بسنوات قبل الحرب وبعدها. وقد لا يعود ذلك إلى محض اختيار المنظمات العسكرية الصهيونية، فالسلطات البريطانية من جانبها شدَّدت قبضتها على البلاد مع نشوب الحرب فاعتقلت على الفور نشطاء وقيادات الحركة الصهيونية إلى جانب الثوار العرب. وتوصلت إلى تسويات مع الهاجاناه وإتسل قبل أن تعيد إطلاق سراح المعتقلين. وهكذا أعلنت قيادة الحركة الصهيونية أثناء فترة الحرب نبذ أعمال الإرهاب وهو الأمر الذي أعلنت كل من الهاجاناه وإتسل قبوله (ورفضته منظمة ليحي) .
وقد وجدت المنظمات الصهيونية سنوات الحرب العالمية فرصة لتطوير نفوذها وتقوية هياكلها وتسليحها تمهيداً للانطلاق عند انتهاء الحرب. فزادت عدداً وعدة وأضفت على وجودها قدراً من الشرعية بالتعاون مع بريطانيا والحلفاء. وهكذا أعدت المنظمات نفسها للانطلاق لاحقاً نحو هدفين: الأول إجبار الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين على مغادرة أراضيهم بما فيها تلك التي يشكلون فيها أغلبية ساحقة وهي الأرض التي خصهم بها مشروع التقسيم لاحقاً. والثاني الضغط على البريطانيين لإلغاء القيود المفروضة وبخاصة على الهجرة والعمل من أجل إقامة دولة صهيونية بأسرع الوسائل.

هذا لا ينفي امتداد دائرة العنف الصهيوني لتشمل البريطانيين والأوربيين بل أحياناً اليهود. ففي عام 1944 أعلنت إتسل وقف هدنتها مع البريطانيين بنسف منزل في يافا بحجة أنه مقر للشرطة البريطانية، وكررت نفس الأعمال في حيفا والقدس. وقد بلغ النشاط الإرهابي الصهيوني ضد البريطانيين ذروته بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحديداً خلال عام 1946، حيث اتفقت المنظمات على توجيه ضربات للبريطانيين كان أشهرها نسف فندق الملك داود في 22 يوليه عام 1946 والذي كان يضم مكاتب إدارة الانتداب البريطاني، والتي افتخر بيجين بتنفيذها باتفاق مسبق مع الهاجاناه وليحي. وقد أسفر الانفجار عن مقتل 91 شخصاً بينهم 41 عربياً و28 بريطانياً و17 يهودياً وخمسة من جنسيات أخرى بينهم أمريكيون.
إلا أن الطابع الذي غلب على العمليات التي استهدفت سلطات الانتداب البريطاني كان السعي لتدمير البنية الأساسية للبلاد مثل السكك الحديدية والجسور والمطارات والموارد الاقتصادية مثل خط البترول الواصل إلى حيفا. ويبدو أن الهدف من ذلك كان إظهار عجز السلطات البريطانية عن إدارة البلاد وحفظ الأمن. ولقد أصدرت السلطات البريطانية في يوليه عام 1946 كتاباً أبيض يكشف وقائع الإرهاب الصهيوني والتنسيق بين المنظمات الثلاث، وهو الكتاب الذي اعترف بيجين بمصداقية ما جاء فيه.

ويلفت النظر أن فترة ما بعد إعلان الحرب العالمية الثانية قد شهدت ما يمكن تسميته إعادة تصدير بؤر النشاط الإرهابي الصهيوني إلى المنطقة العربية وأوربا. ولا يقف الأمر عند حدود قيام إلياهو حكيم وإلياهو بيت زوري من عصابة ليحي بقتل الوزير البريطاني اللورد موين في القاهرة في 6 نوفمبر عام 1944. (اعترف بن جوريون لاحقاً أنه ساهم في التستر على القتلة رغم تظاهره بإدانة الحادث) . فقد نفَّذت العصابات الصهيونية العديد من الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها أبرياء في أوربا، فدبرت ليحي انفجاراً في فندق بفيينا ينزل به ضباط بريطانيون أسفر عن مصرع سيدة نمساوية. وقد بلغ إجرام العصابات الصهيونية حد التخطيط في مطلع عام 1948 لتسميم مصادر المياه في العاصمة البريطانية بجراثيم الكوليرا. وقد تولَّى إلياب، أحد قادة ليحي بنفسه، تدبير زجاجات الجراثيم عبر بعض الأطباء اليهود في معهد باستير في باريس. إلا أن صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والإعلان عن إنهاء الانتداب البريطاني عليها جعل المنظمة تصرف النظر عن تنفيذ العملية التي كانت قد بلغت نهاية مرحلة الإعداد. وذلك كما ورد في مذكرات يعقوب إلياب نفسه. (من المعروف أن وباء الكوليرا انتشر في مصر بعد عام 1948، وقد انتشرت شائعات في ذلك الحين عن أن الأمر قد يكون له علاقة بالدولة الصهيونية) .

ويُلاحَظ أن مثل هذا النشاط الذي جرى خارج فلسطين لم يقف وراءه فقط مبعوثو منظمات الإرهاب الصهيوني المتجولون في أنحاء العالم، بل إن العديد من الخلايا الإرهابية تم زرعها لتستقر في مدن وعواصم العالم والشرق الأوسط وبخاصة بغداد. والجدير بالذكر أن عزرا وايزمان كان عضواً في خلية إرهابية زرعتها إتسل في بريطانيا. ولقد أدخل الإرهاب الصهيوني إلي المنظمات أساليب الطرود الملغومة والاختطاف واغتيال الشخصيات البارزة (مثل الوزير) البريطاني اللورد موين في معاهدة 1946) على نطاق واسع منذ الأربعينيات.
كما تواصل قبل قيام الدولة عام 1948 قيام منظمات الإرهاب الصهيونية بالأعمال التي تضم عصابات السرقة والإجرام العادية. إلا أن الأكثر مدعاة للتأمل هو تفاخر قادة المنظمات الصهيونية العسكرية (وقادة الدولة الإسرائيلية فيما بعد) بقيامهم بتخطيط وتنفيذ السطو على البنوك والممتلكات. ومن بين هذه الأعمال سرقة البنك العثماني في 13 سبتمبر 1946 وبنك باركليز في أغسطس عام 1947 لحساب ليحي. وقد أُلقي القبض على بعض أعضاء الجماعات الإرهابية الصهيونية وحُكم على بعضهم بالسجن بسبب تلك الأعمال المشينة ومن بين هؤلاء يهوشاع زلتر الذي حُكم عليه بـ 15 عاماً بسبب سطوه على أحد البنوك في تل أبيب. والملاحظ أن العديد من تلك الأعمال مثل سرقة 27 ألف ليرة من بنك ديسكونت في 24 مارس 1947 لحساب ليحي قد حظيت باهتمام مذكرات قيادات الإرهاب الصهيوني والتي أبرزت وقائعها المشينة في وصف ملئ بالفروسية والإثارة والتفاخر.
إلا أن التعبير الأساسي والمتبلور عن الإرهاب الصهيوني في هذه الفترة هو سلسلة المذابح التي ارتكبت ضد العرب بهدف إبادة الأقلية وإرهاب الأٌلبية حتى يترك الفلسطينيون أرضهم لتصبح أرضاً بلا شعب.

ولم ترحم آلة الإرهاب الصهيونية المهاجرين اليهود أنفسهم، حيث تصدت المنظمات العسكرية الصهيونية في الثلاثينيات لجماعات البوند وحزب بوعليه صهيون (عمال صهيون) الذين جاءوا من بولندا مطالبين بإلغاء سيطرة اللغة العبرية على المُستوطَن الصهيوني والاعتراف الرسمي باليديشية. فأشبعوهم ضرباً وتهديداً ورجماً بالحجارة وتهشيماً لواجهات حوانيتهم التي تحمل لافتات كتبت باليديشية. كما قام عضوان من الحركة التصحيحية في عام 1933 بقتل حاييم أرلوزوروف رئيس القسم السياسي في الوكالة اليهودية وأحد قادة الماباي. كما قامت إحدى المنظمات الصهيونية باغتيال يعقوب دهان المفكر الديني اليهودي الذي كان معروفاً بعدائه للصهيونية. وقد اعترف قتلته بارتكاب الحادث في الثمانينيات بعد ما يزيد عن نصف قرن من الإنكار، وبعد التلميح لعدة سنوات بأن يعقوب دهان كانت تربطه علاقة شاذة مع أحد الشبان العرب، وأن هذا هو الذي تسبب في مصرعه.
ولعل أشهر الحوادث التي تعرَّض لها اليهود في المنطقة خلال عام 1940 كان على أيدي العصابات الصهيونية نفسها حين فجَّر إرهابيو الهاجاناه السفينة باتريا في ميناء حيفا وسقط ضحية العمل 250 يهودياً ثمناً للضغط على السلطات البريطانية كي تستجيب لطوفان الهجرة غير الشرعية بعد تحميلها وزر هؤلاء الضحايا. أما الأطفال اليهود في اليمن والعراق فقد اختطفهم الإرهاب الصهيوني عنوة بالعشرات من أُسرهم إلى فلسطين.

إلا أن خط الحركة الصهيونية وتنظيماتها العسكرية لم يكن مستقيماً بأية حال إزاء الأطراف المتحاربة. فرغم الضجة العنصرية التي أحاطت بها الصهيونية ما تعرَّض له يهود أوربيين على أيدي النازية، فإن المذكرات والكتابات التاريخية للصهاينة أنفسهم قد كشفت في وقت لاحق الروابط التي تم نسجها بين الحركتين الصهيونية والنازية وتحديداً في مجال النشاط الإرهابي. وبين ذلك التعاون السياسي والاستخباري بين الهاجاناه وجهاز الأمن الألماني منذ وصول النازيين إلى السلطة. وقد قام أيخمان نفسه بالفعل بزيارة يافا عام 1973 وأسفرت الزيارة عن إنشاء مكتب لتنظيم الهجرة تابع لجهاز الهاجاناه. أما أيخمان نفسه (الذي اختطفته السلطات الإسرائيلية فيما بعد وقامت بإعدامه) فكان مسئولاً عن الهجرة اليهودية لدى السلطات الألمانية النازية. كما كان للجانبين الصهيوني والألماني النازي عميل مشترك يُدعَى "بوليكي" وهو صهيوني كان يمد النازيين بمعلومات استخبارية عن الحلفاء والحركتين القومية العربية والشيوعية. وكان يتم إعداد وتدريب وتسليح الإرهابيين الصهاينة في بولندا حتى عام 1940 بالاتفاق مع من أسمتهم المصادر الصهيونية بالمعادين لليهود. وذلك في إطار خطة جابوتنسكي وإتسل الرامية إلى إعداد جيش من 40 ألف صهيوني يقوم بغزو فلسطين. وقد اعترف الإرهابي الصهيوني إلياب أن العديد من كوادر إتسل وليحي قد طورت قدراتها الإرهابية تدريباً وتسليحاً في إطار هذه الخطة. كما فضح استمرار التعاون مع النازية والفاشية حين ذكر أن ليحي حصلت على أسلحة أثناء الحرب العالمية من الأراضي اللبنانية التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي وعن طريق الألمان والإيطاليين ولأغراض سياسية مشتركة.
المذابح الصهيونية بين عامي 1947 و1948
‏Zionist Massacres between 1947 and 1948

تعتبر مذبحة دير ياسين من أهم المذابح الصهيونية وأكثرها منهجية ومع هذا لم تكن دير ياسين سوى جزء من نمط أعم: القيام بمذابح ذات طابع إبادي محدود، يتم الإعلان عنها بطريقة درامية لتبث الذعر في نفوس العرب الفلسطينيين فيهربون. وبذا تتم عملية التطهير العرْقي وتصبح فلسطين أرضاً بلا شعب. كما كانت فرق الإرهاب الصهيونية تنفِّذ بعض المذابح للانتقام ولتلقين العرب الفلسطينيين درساً في عدم جدوى المقاومة. ومن أهم المذابح الصهيونية قبل عام 1948 ما يلي:
مذبحة قريتي الشيخ وحواسة (31 ديسمبر عام 1947) : انفجرت قنبلة خارج بناء شركة مصفاة بترول حيفا وقتلت وجرحت عدداً من العمال العرب القادمين إلى المصفاة. وإثر ذلك ثار العمال العرب بالشركة وهاجموا الصهاينة العاملين بالمصفاة بالمعاول والفؤوس وقضبان الحديد وقتلوا وجرحوا منهم نحو ستين صهيونياً. وكان قسم كبير من العمال العرب في هذه المصفاة يقطنون قريتي الشيخ وحواسة الواقعتين جنوب شرق حيفا، ولذا خطط الصهاينة للانتقام بمهاجمة البلدتين.
وفي ليلة رأس السنة الميلادية 1948 بدأ الصهاينة هجومهم بُعيد منتصف الليل وكان عدد المهاجمين بين 150، 200 صهيوني ركزوا هجومهم على أطراف البلدتين، ولم يكن لدى العرب سلاح كاف، ولم يتعد الأمر وجود حراسات محلية بسيطة في الشوارع.
هاجم الصهاينة البيوت النائية في أطراف هاتين القريتين وقذفوها بالقنابل اليدوية ودخلوا على السكان النائمين وهم يطلقون نيران رشاشاتهم. وقد استمر الهجوم ساعة انسحب إثرها الصهاينة في الساعة الثانية صباحاً بعد أن هاجموا حوالي عشرة بيوت وراح ضحية ذلك الهجوم نحو 30 فرداً بين قتيل وجريح معظمهم من النساء والأطفال وتركوا شواهد من الدماء والأسلحة تدل على عنف المقاومة التي لقوها.

مذبحة قرية سعسع (14 ـ 15 فبراير 1948) : شنت كتيبة البالماخ الثالثة هجوماً على قرية سعسع، فدمرت 20 منزلاً فوق رؤوس سكانها، وأسفر ذلك عن مقتل 60 عربياً معظمهم من النساء والأطفال. وقد وُصفت هذه العملية بأنها "مثالية".
مذبحة رحوفوت (27 فبراير 1948) : حدثت في مدينة حيفا قرب رحوفوت حيث تم نسف قطار القنطرة الأمر الذي أسفر عن استشهاد سبعة وعشرين عربياً وجرح ستة وثلاثين آخرين.
مذبحة كفر حسينية (13 مارس 1948) : قامت الهاجاناه بالهجوم على القرية وقامت بتدميرها وأسفرت المذبحة عن استشهاد ثلاثين عربياً.
مذبحة بنياميناه (27 مارس 1948) : حدثت مذبحتان في هذا الموضع حيث تم نسف قطارين، أولهما نُسف في 27 مارس وأسفر عن استشهاد 24 فلسطينياً عربياً وجرح أكثر من 61 آخرين، وتمت عملية النسف الثانية في 31 من نفس الشهر حيث استُشهد أكثر من 40 عربياً وجُرح 60 آخرون.
مذبحة دير ياسين (9 أبريل 1948) : (انظر: «مذبحة دير ياسين» ) .
مذبحة ناصر الدين (14 أبريل 1948) : اشتدت حدة القتال في مدينة طبربة بين العرب والصهاينة، وكان التفوق في الرجال والمعدات في جانب الصهاينة منذ البداية. وجرت محاولات لنجدة مجاهدي طبرية من مدينة الناصرة وما جاورها. وجاءت أنباء إلى أبناء البلدة عن هذه النجدة وطُلب منهم التنبه وعدم فتح النيران عليها. ولكن هذه الأنباء تسربت إلى العدو الصهيوني الذي سيطر على مداخل مدينة طبرية فأرسلت منظمتا ليحي والإرجون في الليلة المذكورة قوة إلى قرية ناصر الدين يرتدي أفرادها الملابس العربية، فاعتقد الأهالي أنهم أفراد النجدة القادمة إلى طبرية فاستقبلوهم بالترحاب، وعندما دخل الصهاينة القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم، ولم ينج من المذبحة سوى أربعين عربياً استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة. وقد دمر الصهاينة بعد هذه المذبحة جميع منازل ناصر الدين.

مذبحة تل لتفنسكي (16 أبريل 1948) : قامت عصابة يهودية بمهاجمة معسكر سابق للجيش البريطاني يعيش فيه العرب وأسفر الهجوم عن استشهاد 90 عربياً.
مذبحة حيفا (22 أبريل 1948) : هاجم المستوطنون الصهاينة مدينة حيفا في منتصف الليل واحتلوها وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها، فهرع العرب الفلسطينيون العُزل الباقون للهرب عن طريق مرفأ المدينة فتبعهم اليهود وأطلقوا عليهم النيران، وكانت حصيلة هذه المذبحة أكثر من 150 قتيلاً و40 جريحاً.
مذبحة بيت داراس (21 مايو 1948) : حاصر الإرهابيون الصهاينة قرية بيت داراس التي تقع شمال شرق مدينة غزة، ودعوا المواطنين الفلسطينيين إلى مغادرة القرية بسلام من الجانب الجنوبي، وسرعان ما حصدت نيران الإرهابيين سكان القرية العُزل وبينهم نساء وأطفال وشيوخ بينما كانوا يغادرون القرية وفق تعليمات قوة الحصار. وكانت نفس القرية قد تعرضت لأكثر من هجوم صهيوني خلال شهري مارس وأبريل عام 1948. وبعد أن نسف الإرهابيون الصهاينة منازل القرية وأحرقوا حقولها أقاموا مكانها مستعمرتين.
مذبحة اللد (أوائل يوليه 1948) : أي بعد إعلان الدولة الصهيونية (انظر: «مذبحة اللد» (.
مذبحة دير ياسين (9 أبريل 1948 (
‏Deir Yassin Massacre
مذبحة ارتكبتها منظمتان عسكريتان صهيونيتان هما الإرجون (التي كان يتزعمها مناحم بيجين، رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد) وشتيرن ليحي (التي كان يترأسها إسحق شامير الذي خلف بيجين في رئاسة الوزارة) . وتم الهجوم باتفاق مسبق مع الهاجاناه، وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينياً من أهالي القرية العزل. وكانت هذه المذبحة، وغيرها من أعمال الإرهاب والتنكيل، إحدى الوسائل التي انتهجتها المنظمات الصهيونية المسلحة من أجل السيطرة على الأوضاع في فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة الصهيونية.

تقع قرية دير ياسين على بُعد بضعة كيلو مترات من القدس على تل يربط بينها وبين تل أبيب. وكانت القدس آنذاك تتعرض لضربات متلاحقة، وكان العرب، بزعامة البطل الفلسطيني عبد القادر الحسيني، يحرزون الانتصارات في مواقعهم. لذلك كان اليهود في حاجة إلى انتصار حسب قول أحد ضباطها "من أجل كسر الروح المعنوية لدى العرب، ورفع الروح المعنوية لدى اليهود"، فكانت دير ياسين فريسة سهلة لقوات الإرجون. كما أن المنظمات العسكرية الصهيونية كانت في حاجة إلى مطار يخدم سكان القدس. كما أن الهجوم وعمليات الذبح والإعلان عن المذبحة هي جزء من نمط صهيوني عام يهدف إلى تفريغ فلسطين من سكانها عن طريق الإبادة والطرد.
كان يقطن القرية العربية الصغيرة 400 شخص، يتعاملون تجارياً مع المستوطنات المجاورة، ولا يملكون إلا أسلحة قديمة يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى.
في فجر 9 أبريل عام 1948 دخلت قوات الإرجون من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات شتيرن من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمين. وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة. وكما يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون: "إن المهاجمين لم يخوضوا مثل تلك المعارك من قبل، فقد كان من الأيسر لهم إلقاء القنابل في وسط الأسواق المزدحمة عن مهاجمة قرية تدافع عن نفسها.. لذلك لم يستطيعوا التقدم أمام هذا القتال العنيف".

ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ في أحد المعسكرات بالقرب من القدس حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين. ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تماماً من أية مقاومة، فقررت قوات الإرجون وشتيرن (والحديث لميرسييون) "استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيداً، وهو الديناميت. وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتاً بيتاً. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا "بتنظيف" المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ". وأوقفوا العشرات من أهل القرية إلى الحوائط وأطلقوا النار عليهم. واستمرت أعمال القتل على مدى يومين. وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة) ، وأُلقي بـ 53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رمياً بالرصاص. وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. وكما يقول ميرسييون: "وخلال دقائق، وفي مواجهة مقاومة غير مسبوقة، تحوَّل رجال وفتيات الإرجون وشتيرن، الذين كانوا شباباً ذوي مُثُل عليا، إلى "جزارين"، يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوات النازية يفعلون". ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم. بينما قام أفراد الهاجاناه الذين احتلوا القرية بجمع جثث أخرى في عناية وفجروها لتضليل مندوبي الهيئات الدولية وللإيحاء بأن الضحايا لقوا حتفهم خلال صدامات مسلحة (عثر مبعوث الصليب الأحمر على الجثث التي أُلقيت في البئر فيما بعد) .

وقد تباينت ردود أفعال المنظمات الصهيونية المختلفة بعد المذبحة، فقد أرسل مناحم بيجين برقية تهنئة إلى رعنان قائد الإرجون المحلي قال فيها: "تهنئتي لكم لهذا الانتصار العظيم، وقل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في إسرائيل". وفي كتابه المعنون الثورة كتب بيجين يقول: "إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي". وأضاف قائلاً: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل". وقد حاولت بعض القيادات الصهيونية التنصل من مسئوليتها عن وقوع المذبحة. فوصفها ديفيد شالتيل، قائد قوات الهاجاناه في القدس آنذاك، بأنها "إهانة للسلام العبري". وهاجمها حاييم وايزمان ووصفها بأنها عمل إرهابي لا يليق بالصهاينة. كما ندَّدت الوكالة اليهودية بالمذبحة. وقد قامت الدعاية الصهيونية على أساس أن مذبحة دير ياسين مجرد استثناء، وليست القاعدة، وأن هذه المذبحة تمت دون أي تدخُّل من جانب القيادات الصهيونية بل ضد رغبتها. إلا أن السنوات التالية كشفت النقاب عن أدلة دامغة تثبت أن جميع التنظيمات الصهيونية كانت ضالعة في ارتكاب تلك المذبحة وغيرها، سواء بالاشتراك الفعلي في التنفيذ أو بالتواطؤ أو بتقديم الدعم السياسي والمعنوي.
1 ـ ذكر مناحم بيجين في كتابه الثورة أن الاستيلاء على دير ياسين كان جزءاً من خطة أكبر وأن العملية تمت بكامل علْم الهاجاناه "وبموافقة قائدها"، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسئولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة.
2 ـ ذكرت موسوعة الصهيونية وإسرائيل (التي حررها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي) أن لجنة العمل الصهيونية (اللجنة التنفيذية الصهيونية) وافقت في مارس من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".

3 ـ كانت الهاجاناه وقائدها في القدس ديفيد شالتيل يعمل على فرض سيطرته على كل من الإرجون وشتيرن، فلما أدركتا خطة شالتيل قررتا التعاون معاً في الهجوم على دير ياسين. فأرسل شالتيل رسالة إليهما تؤكد لهما الدعم السياسي والمعنوي في 7 أبريل، أي قبل وقوع المذبحة بيومين، جاء فيها: "بلغني أنكم تخططون لهجوم على دير ياسين. أود أن ألفت انتباهكم إلى أن دير ياسين ليست إلا خطوة في خططنا الشاملة. ليس لدي أي اعتراض على قيامكم بهذه المهمة، بشرط أن تجهِّزوا قوة كافية للبقاء في القرية بعد احتلالها، لئلا تحتلها قوى معادية وتهدِّد خططنا".
4 ـ جاء في إحدى النشرات الإعلامية التي أصدرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية أن ما وصف بأنه "المعركة من أجل دير ياسين" كان جزءاً لا يتجزأ من "المعركة من أجل القدس".
5 ـ أقر الصهيوني العمالي مائير بعيل في السبعينيات بأن مذبحة دير ياسين كانت جزءاً من مخطط عام، اتفقت عليه جميع التنظيمات الصهيونية في مارس 1948، وعُرف باسم «خطة د» ، وكان يهدف إلى طَرْد الفلسطينيين من المدن والقرى العربية قبيل انسحاب القوات البريطانية، عن طريق التدمير والقتل وإشاعة جو من الرعب والهلع بين السكان الفلسطينين وهو ما يدفعهم إلى الفرار من ديارهم.
6 ـ بعد ثلاثة أيام من المذبحة، تم تسليم قرية دير ياسين للهاجاناه لاستخدامها مطاراً.
7 ـ أرسل عدد من الأساتذة اليهود برسائل إلى بن جوريون يدعونه فيها إلى ترك منطقة دير ياسين خالية من المستوطنات، ولكن بن جوريون لم يرد على رسائلهم وخلال شهور استقبلت دير ياسين المهاجرين من يهود شرق أوربا.

8 ـ خلال عام من المذبحة صدحت الموسيقى على أرض القرية العربية وأقيمت الاحتفالات التي حضرها مئات الضيوف من صحفيين وأعضاء الحكومة الإسرائيلية وعمدة القدس وحاخامات اليهود. وبعث الرئيس الإسرائيلي حاييم وايزمان برقية تهنئة لافتتاح مستوطنة جيفات شاؤول في قرية دير ياسين (مع مرور الزمن توسعت القدس إلى أن ضمت أرض دير ياسين إليها لتصبح ضاحية من ضواحي القدس) .
وأياً ما كان الأمر، فالثابت أن مذبحة دير ياسين والمذابح الأخرى المماثلة لم تكن مجرد حوادث فردية أو استثنائية طائشة، بل كانت جزءاً أصيلاً من نمط ثابت ومتواتر ومتصل، يعكس الرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ والآخر، حيث يصبح العنف بأشكاله المختلفة وسيلة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية وتنقيتها من السمات الطفيلية والهامشية التي ترسخت لديها نتيجة القيام بدور الجماعة الوظيفية. كما أنه أداة تفريغ فلسطين من سكانها وإحلال المستوطنين الصهاينة محلهم وتثبيت دعائم الدولة الصهيونية وفَرْض واقع جديد في فلسطين يستبعد العناصر الأخرى غير اليهودية المكوِّنة لهويتها وتاريخها.
وقد عبَّرت الدولة الصهيونية عن فخرها بمذبحة دير ياسين، بعد 32 عاماً من وقوعها، حيث قررت إطلاق أسماء المنظمات الصهيونية: الإرجون، وإتسل، والبالماخ، والهاجاناه على شوارع المستوطنة التي أُقيمت على أطلال القرية الفلسطينية.
مذبحة اللد (أوائل يوليه 1948 (
‏Lod Massacre

تُعَد عملية اللد أشهر مذبحة قامت بها قوات البالماخ. وقد تمت العملية، المعروفة بحملة داني، لإخماد ثورة عربية قامت في يوليه عام 1948 ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد صدرت تعليمات بإطلاق الرصاص على أي شخص يُشاهَد في الشارع، وفتح جنود البالماخ نيران مدافعهم الثقيلة على جميع المشاة، وأخمدوا بوحشية هذا العصيان خلال ساعات قليلة، وأخذوا يتنقلون من منزل إلى آخر، يطلقون النار على أي هدف متحرك. ولقي 250 عربياً مصرعهم نتيجة ذلك (وفقاً لتقرير قائد اللواء) . وذكر كينيث بيلبي، مراسل جريدة الهيرالد تريبيون، الذي دخل اللد يوم 12 يوليه، أن موشي دايان قاد طابوراً من سيارات الجيب في المدينة كان يُقل عدداً من الجنود المسلحين بالبنادق والرشاشات من طراز ستين والمدافع الرشاشة التي تتوهج نيرانها. وسار طابور العربات الجيب في الشوارع الرئيسية، يطلق النيران على كل شيء يتحرك، ولقد تناثرت جثث العرب، رجالاً ونساء، بل جثث الأطفال في الشوارع في أعقاب هذا الهجوم. وعندما تم الاستيلاء على رام الله أُلقى القبض، في اليوم التالي، على جميع من بلغوا سن التجنيد من العرب، وأُودعوا في معتقلات خاصة. ومرة أخرى تجوَّلت العربات في المدينتين، وأخذت تعلن، من خلال مكبرات الصوت، التحذيرات المعتادة. وفي يوم 13 يوليه أصدرت مكبرات الصوت أوامر نهائية، حدَّدت فيها أسماء جسور معيَّنة طريقاً للخروج".
التنظيمات الصهيونية العسكرية قبل مايو 1948
‏Zionist Military Organizations before May 1948

يمكن تقسيم التنظيمات الصهيونية العسكرية قبل عام 1948 من منظور الوظيفة التي تضطلع بها إلى قسمين أساسيين. فكانت بعض التنظيمات توجه عملياتها العسكرية ضد السكان العرب الفلسطينيين أصحاب البلاد، وكان البعض الآخر يُوظِّف نفسه في خدمة الدولة الإمبريالية الراعية وصراعاتها الممتدة إلى خارج المنطقة. وهذا الازدواج في الوظائف نتيجة طبيعية لوضع المستوطنين الصهاينة كجماعة وظيفية (ثم دولة وظيفية) في وسط معاد، وهي في حربها ضده تحتاج إلى دعم إمبريالي من الخارج، وعليها أن تدفع الثمن، وهو أن تضع نفسها تحت تصرف الراعي الإمبريالي.
ومن المنظمات التي أسِّست لخدمة الأغراض الداخلية (أي الهجوم على العرب) نجد منظمة بارجيورا، ثم منظمة الحارس (الهاشومير) التي أسِّست عام 1909، ثم النوطريم التي أسستها سلطات الانتداب البريطاني بالتعاون مع الهاجاناه للمساعدة في قمع الانتفاضات الفلسطينية العربية التي قامت في فلسطين في الفترة من 1936 وحتى 1939. ومنها أيضاً منظمة إتسل التي قامت في فلسطين عام 1931 انطلاقاً من أفكار فلاديمير جابوتنسكي.
وأما المنظمات التي تم تأسيسها للمشاركة في تدفُّق المجهود الحربي الاستعماري فنجد منها منظمة الحارس نفسها، ثم فرقة البغالة الصهيونية والكتائب 38 و39 و40 التي شكلت الفيلق اليهودي في الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى الهاجاناه والبالماخ واللواء اليهودي الذي تم تشكيله بقرار من الحكومة البريطانية عام 1944. هذا بالإضافة إلى منظمة ليحي (شتيرن) التي طرحت فكرة الوقوف إلى جانب ألمانيا النازية للتخلص من الاحتلال البريطاني لفلسطين، ومن ثم إقامة الدولة اليهودية.

وفي عام 1948 كان التجمُّع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين يضم ثلاثة تنظيمات عسكرية هي: الهاجاناه وهي كبرى التنظيمات الثلاثة وكانت خاضعة للوكالة اليهودية، ومنظمة إتسل المنبثقة عن أفكار جابوتنسكي التنقيحية وكانت آنذاك بزعامة مناحم بيجين، ومنظمة ليحي وهي أصغر المنظمات وكانت قد اشتهرت باسم قائدها أبراهام شتيرن. وقد تم بناء الجيش الإسرائيلي على هذه المنظمات الثلاث. ففي السادس والعشرين من مايو عام 1948، وفي غمرة معارك الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى، تم إعلان قيام جيش الدفاع الإسرائيلي، وذلك بتحويل منظمة الهاجاناه إلى نواة لهذا الجيش، ودخول التنظيمين الأخيرين، إتسل وليحي، في دائرة هذه النواة.
بارجيورا (منظمة (
‏Bar Giora
منظمة عسكرية صهيونية سرية أسسها في فلسطين عام 1907 كل من: يتسحاق بن تسفي، وإسرائيل شوحط، وغيرهما من المستوطنين الصهاينة الأوائل، وكان شعارها "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم يهودا"، وقد استلهمت اسمها من اسم شيمون بارجيورا ـ قائد التمرد اليهودي الأول ضد الرومان في فلسطين ما بين عام 66 وعام 70.
تولت المنظمة أعمال حراسة المستوطنات الصهيونية في الجليل، كما عملت على خلق قوة مسلحة يهودية في فلسطين. واستمرت تعمل حتى 1909 حيث أتاح تطورها فرصة تأسيس منظمة أكثر اتساعاً واستقراراً وهي منظمة الحارس.
الحارس (منظمة (
‏Ha-Shomer
منظمة عسكرية صهيونية، تُسمَّى بالعبرية «هاشومير» ، أسسها عام 1909 في فلسطين يتسحاق تسفي وإسرائيل جلعادي وألكسندر زيد وإسرائيل شوحط الذي كان بمنزلة العقل السياسي المحرك والقيادة الفعلية للمنظمة. أما الأعضاء فجاء معظمهم من صفوف حزب عمال صهيون، ومن بين مهاجري روسيا الأوائل. ورغم ذلك رفضت المنظمة أن تكون تابعة لسلطة الحزب بشكل مباشر. كما رفضت الخضوع لإشراف المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية العالمية.

وتُعَدُّ منظمة الحارس استمراراً متطوراً لمنظمة بار جيورا السرية، وهي بذلك من المحاولات الأولى لتأسيس قوة مسلحة يهودية في فلسطين تعمل على فرض الاستيطان الصهيوني وتدعيمه. وقد بدأت الحارس كمنظمة سرية ولم يزد عدد أعضائها عند التأسيس عن ثلاثين عضواً، وتولت حراسة المستوطنات الصهيونية في الجليل نظير مقابل مالي. ثم توسعت فيما بعد لتعمل في مناطق أخرى، رغم اعتراض قيادات اليشوف القديم على هذه الأنشطة لما تثيره من استفزاز للسكان الفلسطينيين. وكان نموذج الحارس هو اليهودي حامل السلاح الذي يجيد اللغة العربية ويرتدي الزي العربي أو الشركسي. وكان العضو ينضم إلى المنظمة بعد المرور بسنة اختبار، وبعد الحصول على موافقة ثلثي الحاضرين في المؤتمر السنوي العام للمنظمة.
ولم يقتصر نشاط المنظمة على الحراسة، بل قامت بدور أساسي في إقامة المستعمرات الصهيونية في فلسطين، حيث أسست أول مستعمرة لها في تل عداشيم (1913) ثم ألحقتها بمستعمرة أخرى في كفر جلعادي (1916) ثم مستعمرة تل هاي (1918) . كما كانت المنظمة أحد الأطر الرئيسية لتدريب العناصر العسكرية التي شكلت فيما بعد قوام منظمة الهاجاناه.

وأثناء الحرب العالمية الأولى، والحملة البريطانية على فلسطين، انضم قسم من أعضاء منظمة الحارس إلى الفيلق اليهودي وقاتل في صفوف الجيش البريطاني، بينما انضم قسم آخر إلى جانب الأتراك. وكانت تلك بداية الصراعات الداخلية التي تطورت لتصل إلى ذروتها خلال المؤتمر العام للمنظمة في مايو 1920، حيث تباينت الآراء بين الحفاظ على استقلال المنظمة، وبين تحويلها إلى منظمة موسعة للدفاع تخضع لإشراف المؤسسات السياسية العامة لليشوف الاستيطاني. وقد تقرَّر في النهاية حل المنظمة والانضمام للهاجاناه، إلا أن عدداً محدوداً من الأعضاء ظل متمسكاً بفكرة استمرار المنظمة، وحقها في تولِّي الأعمال العسكرية بلا منافس. وقد احتفظ هؤلاء بمخزن خاص للسلاح، ولم يسلموه إلى الهاجاناه إلا عام 1929 مع اندلاع انتفاضة العرب الفلسطينيين.
البيتار (منظمة (
‏Betar
» البيتار «اختصار للعبارة العبرية «بريت يوسف ترومبلدور» ، أي «عهد ترومبلدور» أو «حلف ترومبلدور» . وهو تنظيم شبابي صهيوني تصحيحي أسسه في بولندا عام 1923 يوسف ترومبلدور، وكان هدفه إعداد أعضائه للحياة في فلسطين بتدريبهم على العمل الزراعي وتعليمهم مع التركيز على العبرية بالإضافة إلى التدريب العسكري. وكان أعضاؤها يتلقون أيديولوجيا واضحة التأثر بالأيديولوجيات الفاشية التي سادت أوربا آنذاك، فكانوا يتعلمون مثلاً أن أمام الإنسان اختيارين لا ثالث لهما: "الغزو، أو الموت"، وأن كل الدول التي لها رسالة قامت على السيف وعليه وحده. وبشكل عام، يمثل التنظيم أفكار جابوتنسكي زعيم الصهيونية التنقيحية.

ولم يقتصر نشاط بيتار على بولندا بل امتد إلى العديد من الدول، فأسست عام 1934 قاعدة للتدريب البحري في إيطاليا وأخرى للتدريب على الطيران في باريس، كما أسست فروعاً في اللد (1938) وجنوب أفريقيا (1939) ونيويورك (1941) . وقد ظلت القاعدة الأساسية للتنظيم وهيئته العليا حتى الحرب العالمية الثانية خارج فلسطين، ثم انتقلت بعد ذلك إليها، حيث كان بعض أتباع بيتار قد أسسوا عدة مستوطنات زراعية.
وقد انشق تنظيم بيتار عن المنظمة الصهيونية إثر النزاعات بين جابوتنسكي وزعمائها، وهي النزاعات التي انتهت بانفصاله، وتشكيل المنظمة الصهيونية الجديدة في 1934 نتيجة معارضة سياسة الهستدروت. وداخل بيتار، تشكلت الكوادر الأساسية لمنظمة الإرجون الإرهابية ولحركة حيروت. وكان مائير كاهانا مؤسس جماعة كاخ عضواً في تنظيم بيتار.
الفيلق اليهودي
‏Jewish Legion

«الفيلق اليهودي» هو تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين حاربوا في صفوف القوات البريطانية والحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى مثل الكتيبة اليهودية رقم 38 التي جُنِّدت في إنجلترا عام 1915 ـ 1917، والكتيبة 39 التي نظمها بن جوريون وبن تسفي في الولايات المتحدة بين عامي 1917 ـ 1918، والكتيبة 40 التي تم تشكيلها في فلسطين، وكذلك كتائب حملة البنادق الملكية وفرقة البغالة الصهيونية التي نظمها جابوتنسكي وترومبلدور في مصر عام 1915. وقد بلغ عدد أفراد كل هذه المنظمات 6400 رجل وكان يُشار إليها جميعاً باسم «الفيلق اليهودي» . وترجع فكرة هذه التشكيلات إلى تصوُّر الصهاينة أنه يتعيَّن عليهم مساعدة بريطانيا، القوة الاستعمارية الصاعدة، حتى تساعدهم هي على تأسيس وطن قومي لليهود. وقد واجه الصهاينة صعوبات جمة في بادئ الأمر حيث تجاهلتهم وزارة الدفاع البريطانية وهاجمهم اليهود الاندماجيون، وكذلك اليساريون في أوساط الشباب اليهودي، إلا أن الجو في بريطانيا آنذاك كان ملبداً بمعاداة اليهود «الأجانب» الذين يفدون من روسيا ويستقرون ويكسبون رزقهم في بريطانيا دون أن يتحملوا مشقة الدفاع عنها. ولذلك، سارعت الحكومة البريطانية بتجنيد هؤلاء "الأجانب" لتهدئة مشاعر الغضب من جراء وضعهم الفريد، وكان هذا الإجراء هو العنصر الرئيسي الذي أدَّى إلى إضعاف المعارضة اليهودية لفكرة الفرقة العسكرية الصهيونية.

وقد أعلنت الحكومة البريطانية في أغسطس 1916 موافقتها على اقتراح جابوتنسكي بتشكيل كتيبة يهودية، وذلك بينما كانت الجهود الرامية لإصدار وعد بلفور تجري على قدم وساق. وكانت النية تتجه إلى جعل الفرقة يهودية خالصة، ولكن الجناح المعادي للصهيونية نجح في منع هذه الخطوة، ولذلك أُطلق على الكتيبة اسم «الكتيبة 38، حملة البنادق الملكية» وتولَّى قيادتها الضابط البريطاني جون باترسون. وقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في بريطانيا ومصر، ثم توجهت إلى فلسطين. ورغم اشتراك هذه الكتيبة في الهجوم على شرق الأردن واحتلال مدينة السلط في سبتمبر 1918، فإن أداءها لم يكن مرضياً حيث انتشرت الملاريا في صفوف الجنود الأمر الذي أدَّى إلى فرار الكثيرين (ومنهم بن جوريون) وتَشتُّت الكتيبة.
ولدى دخول الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً في الحرب، وافقت الحكومة الأمريكية في يناير 1918 على تشكيل كتيبة أخرى من اليهود الأمريكيين والمتطوعين من كندا والأرجنتين، وأُطلق عليها اسم «الكتيبة 39» . وقد نُقل قسم منها إلى مصر وشرق الأردن في منتصف عام 1918، بينما وصل القسم الأعظم إلى فلسطين بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
وفي يونيه 1918، تم تشكيل كتيبة أخرى هي «الكتيبة 40» بناءً على اقتراح قائد الفرقة الأسكتلندية في فلسطين الذي دعا إلى تجنيد اليهود في المناطق التي احتلتها القوات البريطانية. وقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها في التل الكبير ولم تشارك في الهجوم على شمال فلسطين عام 1918، ولكنها نُقلت إلى فلسطين في نهاية ذلك العام.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت تتمركز على أرض فلسطين ثلاث كتائب يهودية تضم حوالي خمسة آلاف فرد يمثلون سدس جيش الانتداب البريطاني، وقد أصبح اسمهم هو «الكتيبة العبرية» وشعارها المينوراه (وهو شعار القبَّالاه ثم الدولة الصهيونية فيما بعد) . وبعد أن ترسخت دعائم الاحتلال البريطاني في فلسطين، بدأت الحكومة البريطانية في تسريح تلك الكتائب ولم تعبأ بنداءات المنظمة الصهيونية العالمية من أجل زيادة عدد أفراد الكتائب والإبقاء عليها ضمن القوات البريطانية. وفي عام 1921، تم حل هذه الكتائب نهائياً وانضم كثير من أعضائها إلى الهاجاناه.
فرقة البغالة الصهيونية
‏Zion Mule Corps
وحدة عسكرية صهيونية مساعدة للجيش البريطاني شُكِّلت عام 1915 إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكان جابوتنسكي أول من فكر في تكوين هذه الوحدة لاقتناعه بأهمية التحالف مع بريطانيا للتخلص من الإدارة العثمانية لفلسطين وضرورة القوة المسلحة اليهودية لبناء الدولة الصهيونية. وقد اتصل جابوتنسكي بترومبلدور ليقوما بتجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود الذين أبعدتهم السلطات العثمانية عن فلسطين إلى مصر لأنهم لم يكونوا رعايا عثمانيين. وكان الهدف من ذلك وضعهم تحت تصرف القوات البريطانية أثناء غزوها فلسطين. ولكن الجنرال ماكسويل، قائد القوات البريطانية في مصر آنذاك، رفض الفكرة لأنه كان ضد تجنيد الأجانب، واقترح أن يقتصر دور المتطوعين على مساعدة الجيش في حمل المؤن والذخائر للقوات المحاربة في أي مكان غير فلسطين. ورغم اعتراض جابوتنسكي، وافق ترومبلدور وشُكِّلت الفرقة من بعض اليهود المصريين وبعض اليهود الذين رُحِّلوا إلى الإسكندرية. وقد ضمت الفرقة 650 ضابطاً وجندياً و20 حصاناً للضباط والمساعدين و750 بغلاً (ومن هنا جاءت التسمية) ، وقد اتخذت الفرقة نجمة داود شعاراً لها وكانت معظم تدريباتها تجري بالعبرية.

وفي أبريل 1915، أبحرت الفرقة إلى جاليبولي بقيادة الضابط البريطاني جون باترسون، وقامت بخدمات حيوية في مجال نقل المؤن، وكانت الفرقة تشارك في القتال أحياناً. وفي نوفمبر 1915، تخلَّى باترسون عن قيادة الفرقة لمرضه وخلفه ترومبلدور الذي اصطدم بمشاكل تنظيمية عديدة لعدم انضباط أفرادها ولوجود صراعات عرْقية بينه (وهو إشكنازي) وبين بعض الأفراد من السفارد. وبعد انسحاب قوات الحلفاء من جاليبولي في نهاية العام، سُرحت الفرقة وأُعيدت إلى مصر بعد أن قُتل ثمانية من أفرادها وجُرح خمسة وخمسون. وقد حاول ترومبلدور والقادة الصهاينة الحيلولة دون حل الفرقة لكي يحارب أفرادها في فلسطين، ولكنها حُلَّت رسمياً عام 1916. وفيما بعد، قُبل 150 متطوعاً من أفرادها السابقين في الجيش البريطاني وكوَّنوا نواة الفيلق اليهودي. ورغم عمرها القصير، مثلت هذه الفرقة علامة بارزة ورائدة ضمن محاولات الحركة الصهيونية تشكيل قوة عسكرية ووضع مشروعهم في السياق الاستعماري والقيام بدور الأداة لإحدى القوى الاستعمارية.
النوطريم
‏Notrim
«النوطريم» كلمة عبرية تعني «الحرس أو الخفراء» ، وهي الشرطة اليهودية الإضافية التي شكلتها سلطات الانتداب البريطاني بالتعاون مع الهاجاناه للمساعدة في قمع الانتفاضات العربية في فلسطين في الفترة 1936 ـ 1939. وتم، في هذا الإطار، تجنيد مئات الخفراء من مختلف المدن والمستوطنات، وأُرسلوا لحماية المستوطنات الواقعة على الحدود وفي غور الأردن. وشملت قوات الخفراء في البداية 750 خفيراً على نفقة سلطات الانتداب و1800 خفير على نفقة قيادة المستوطنين الصهاينة. وفي يونيه 1936، ونظراً لتصاعد المظاهرات العربية، تم تجنيد 1240 خفيراً آخر أُطلق عليهم اسم «خفراء إضافيون» .

وفي يوليه 1938 أعادت قيادة المستوطنين تنظيم قوات الخفراء لتصبح وحدة شرطة منظمة، أُطلق عليها اسم «شرطة المستوطنات العبرية» ، وتم تقسيمها إلى عشرات الكتائب لتتناسب إلى حدٍّ ما مع توزيع قوات الهاجاناه، وقامت هذه القوات بحماية القطارات والسكك الحديدية والمرافق العامة، كما شاركت في نقل المهاجرين اليهود غير الشرعيين.
الهاجاناه
‏Haganah
«الهاجاناه» كلمة عبرية تعني «الدفاع» ، وهي منظمة عسكرية صهيونية استيطانية، أُسِّست في القدس عام 1920 لتحل محل منظمة الحارس. وجاء تشكيلها ثمرة نقاشات طويلة بين قيادة التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، فكان جابوتنسكي صاحب فكرة تأسيس مجموعات عسكرية يهودية علنية تتعاون مع سلطات الانتداب البريطاني، بينما كان قادة اتحاد العمل والماباي يفضلون خلق قوة مسلحة غير رسمية مستقلة تماماً عن السلطات البريطانية وسرية بطبيعة الحال. وقد قُبل في النهاية اقتراح إلياهو جولمب بإنشاء منظمة عسكرية سرية تحت اسم «هاجاناه وعفودا» أي «الدفاع والعمل» ثم حُذفت كلمة العمل فيما بعد. وقد ارتبطت الهاجاناه في البداية باتحاد العمل ثم بحزب الماباي والهستدروت، رغم أن ميثاقها كان يصفها بأنها فوق الحزبية، وأنها عصبة للتجمع الاستيطاني الصهيوني. وعَكَس نشاط الهاجاناه الارتباط الوثيق والعضوي بين المؤسسات الصهيونية الاستيطانية والمؤسسات العسكرية والزراعية التي تهدف إلى اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج، وإن كان اهتمامها الأساسي قد انصب على العمل العسكري. وفي عام 1929، شاركت الهاجاناه في قمع انتفاضة العرب الفلسطينيين، وقامت بالهجوم على المساكن والممتلكات العربية ونظَّمت المسيرات لاستفزاز المواطنين العرب وإرهابهم. كما ساهمت في عمليات الاستيطان، وخصوصاً بابتداع أسلوب «السور والبرج» لبناء المستوطنات الصهيونية في يوم واحد. وبالإضافة إلى ذلك، قامت الهاجاناه منذ تأسيسها بحماية المستعمرات

الصهيونية وحراستها.
وقد تعرَّضت الهاجاناه لعدة انشقاقات كان أبرزها عام 1931 عندما انشق جناح من غير أعضاء الهستدروت بقيادة أبراهام تيهومي وكوَّن تنظيماً مستقلاً سُمِّي «هاجاناه ب.» ، وهو الذي اندمج مع منظمة بيتار في العام نفسه لتشكيل منظمة إتسل. ولم تتوقف عمليات الصراع والمصالحة بين الهاجاناه والجماعات المنشقة عنها، واستمر الخلاف بشكل مستتر حتى بعد قيام الدولة.
وقد شَهدت سنوات الانتفاضة العربية في فلسطين (1936 ـ 1939) تعاوناً كبيراً بين الهاجاناه وقوات الاحتلال البريطاني، وبرز التعاون بخاصة مع تعيين تشارلز وينجيت ضابطاً للمخابرات البريطانية في فلسطين عام 1936، حيث أشرف على تكوين الفرق الليلية الخاصة والسرايا المتحركة التابعة وتنسيق الأنشطة بين المخابرات البريطانية وقسم المخابرات بالهاجاناه والمعروف باسم «الشاي» . وفي الوقت نفسه، تعاونت القوات البريطانية والهاجاناه في تشكيل شرطة حراسة المستوطنات اليهودية والنوطريم، وكان معظم أفرادها من أعضاء الهاجاناه. وقد مرت العلاقة بين الطرفين بفترة توتر قصيرة في أعقاب صدور الكتاب الأبيض عام 1939 حيث واجهته الهاجاناه بتشجيع الهجرة غير الشرعية لليهود، إلا أن نشوب الحرب العالمية الثانية أدَّى إلى استعادة علاقات التحالف القديمة، إذ اعتبرها الصهاينة بمنزلة فرصة لاستغلال التناقضات بين الأطراف المتصارعة وتحقيق مشروعهم المتمثل في إقامة الدولة الصهيونية. وهكذا وقفت الهاجاناه إلى جانب بريطانيا والحلفاء وانضم كثير من أعضائها إلى اللواء اليهودي للقتال في صفوف القوات البريطانية، وتصدت بشدة للجماعات الصهيونية الأخرى التي طالبت آنذاك بالانضمام إلى النازي وفي مقدمتها منظمة ليحي، بل أمدت السلطات البريطانية بما تحتاجه من معلومات لتَعقُّب عناصر تلك المنظمة واعتقالها. وفي المقابل، ساعدت بريطانيا في إنشاء وتدريب القوة الضاربة للهاجاناه المسماة «البالماخ» ، كما

نظمت فرقة مظليين من بين أعضاء الهاجاناه للعمل في المناطق الأوربية التي احتلتها قوات النازي. ومع انتهاء الحرب، تَفجَّر الصراع من جديد فشاركت الهاجاناه مع ليحي وإتسل في عمليات تخريب المنشآت البريطانية ونسف الكباري وخطوط السكك الحديدية وهو ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية» كما نشطت من جديد جهود الهاجاناه في مجال الهجرة غير الشرعية.
وقبيل إعلان قيام دولة إسرائيل، كان عدد أعضاء الهاجاناه يبلغ نحو 36.000 بالإضافة إلى 3000 من البالماخ، كما اكتمل بناؤها التنظيمي، الأمر الذي سهَّل عملية تحويلها إلى جيش موحد ومحترف للدولة الصهيونية، حيث أصدر بن جوريون في 31 مايو 1948 قراراً بحل الإطار التنظيمي القديم للهاجاناه وتحويلها إلى جيش الدفاع الإسرائيلي. ولا شك في أن حجم الهاجاناه واتساع دورها بهذا الشكل يبين أهمية المؤسسة العسكرية لا في بناء إسرائيل فحسب بل في اتخاذ القرارات المتعلقة بمختلف المجالات فيها أيضاً.
البالماخ
‏Palmach
» البالماخ «اختصار للعبارة العبرية «بلوجوت ماحاتس» ، أي «سرايا الصاعقة» ، وهي القوات الضاربة للهاجاناه التي شُكِّلت عام 1941 لتعمل كوحدات متقدمة وقادرة على القيام بالمهام الخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك بالإضافة إلى إمداد الهاجاناه باحتياطي دائم من المقاتلين المدربين جيداً. ويُعَدُّ يتسحاق ساريه مؤسسها الفعلي وأول من تولى قيادتها.

وقد ارتبطت البالماخ منذ البداية بحركة الكيبوتس وحزب المابام. وقد تميَّز أفراد هذه القوات بدرجة عالية من التثقيف السياسي الذي يركز على مبادئ الصهيونية العمالية. كما تلقوا تدريباً مناسباً في مجالات الطيران والبحرية واستخدام الرادار وأعمال المخابرات. وقد شكَّلت البالماخ عدة وحدات لتقسيم العمل داخلها، ومن أبرز تلك الوحدات: «دائرة الجوالين» التي تولت بالتعاون مع مصلحة المعلومات إعداد ملفات تتضمن معلومات تفصيلية عن القرى الفلسطينية، و «الدائرة العربية» التي شاركت في الحملة البريطانية ضمن قوات حكومة فيشي في سوريا ولبنان، و «الدائرة البلقانية» التي تكونت من بعض اليهود المهاجرين من دول البلقان والدانوب، للقيام بأعمال التجسس داخل هذه البلدان، و «الدائرة الألمانية» التي ضمت عدداً من اليهود الذين تم تدريبهم ليكتسبوا النمط الألماني في السلوك بالإضافة إلى إجادة اللغة الألمانية وذلك للتسلل إلى معسكرات الأسرى الألمان والحصول منهم على معلومات. ومن أهم وحدات البالماخ، «وحدة المستعربين» (بالعبرية: المستعرفيم) التي ضمت عناصر تجيد اللغة العربية ولديها إلمام بالعادات والتقاليد العربية، وذلك للتغلغل في أوساط الفلسطينيين والحصول على معلومات تتصل بأوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيام بعمليات اغتيال للعرب. وقد عملت البالماخ خلال عامي 1941 و1942 بتنسيق تام مع القوات البريطانية في فلسطين، وتلقى أفرادها تدريباً مكثفاً على أيدي خبراء الجيش البريطاني للقيام بعمليات خلف الخطوط الألمانية في حالة نجاح قوات النازي في احتلال فلسطين.

وعند نهاية الحرب، كانت البالماخ تضم نحو 2000 فرد موزعين على 11 سرية، وكان ثلث القوات تقريباً من الفتيات. ومنذ خريف 1945 وحتى صيف 1946، شاركت البالماخ ـ بالتعاون مع إتسل وليحي ـ في أعمال عسكرية ضد القوات البريطانية في فلسطين شملت نسف خطوط السكك الحديدية والكباري ومحطات الرادار، وإغراق السفن البريطانية وغير ذلك من أعمال التخريب فيما عُرف باسم حركة المقاومة العبرية. ومع تصاعُد الصدام بين الطرفين، واكتشاف القوات البريطانية عدداً من مخازن السلاح الرئيسية للهاجاناه، صدرت الأوامر للبالماخ بتوجيه جهودها نحو تشجيع الهجرة الشرعية إلى فلسطين وتأمينها.
وفي عام 1948، كانت البالماخ القوة الرئيسية التي تصدت للجيوش العربية في الجليل الأعلى والنقب وسيناء والقدس، وخسرت في تلك المعارك أكثر من سدس أفرادها البالغ عددهم آنذاك نحو 5000.
وعقب قيام إسرائيل مباشرةً، وكانعكاس للصراع السياسي بين الماباي والمابام، ظهر إصرار بن جوريون على حل البالماخ التي كانت في نظره تمثل اتجاهاً يسارياً، وذلك من أجل تأسيس الجيش المحترف المستقل عن الأحزاب. وقد أدَّى ذلك إلى خلافات شديدة، إلا أن قيادة البالماخ قَبلت في النهاية، وعلى مضض، مسألة الحل هذه. شكّلت البالماخ القوام الأساسي لقوات الصاعقة في جيش الدفاع الإسرائيلي، ومن بين صفوفها ظهر أبرز قادة إسرائيل العسكريين من أمثال آلون ورابين وبارليف وإليعازر وهور.
إتسل
‏Etzel

«إتسل» اختصار للعبارة العبرية «إرجون تسفاي ليومي بإرتس إسرائيل» أي «المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل» وتُعرف أيضاً باسم «الإرجون» . وهي منظمة عسكرية صهيونية تأسَّست في فلسطين عام 1931 من اتحاد أعضاء الهاجاناه الذين انشقوا على المنظمة الأم وجماعة مسلحة من بيتار، وكان من أبرز مؤسسيها: روبرت بيتكر ـ الذي كان أول رئيس للمنظمة ـ وأبراهام يتهومي (سيلبر) وموشي روزنبرج ودافيد رازئيل ويعقوب ميردور. وقد بُنيت المنظمة على أفكار فلاديمير جابوتنسكي عن ضرورة القوة اليهودية المسلحة لإقامة الدولة، وعن حق كل يهودي في دخول فلسطين. وكان شعار المنظمة عبارة عن يد تمسك بندقية وقد كُتب تحتها "هكذا فقط".
وفي عام 1973، توصَّل رئيس إتسل آنذاك أبراهام يتهومي إلى اتفاق مع الهاجاناه لتوحيد المنظمتين، وأدَّى ذلك إلى انشقاق في إتسل حيث لم يوافق على اقتراح يتهومي سوى أقل من نصف الأعضاء البالغ عددهم 3000، بينما رأت الأغلبية ضرورة الحفاظ على استقلال المنظمة. وفي عام 1940، حدث الانشقاق الثاني بخروج جماعة أبراهام شتيرن التي شكلت فيما بعد منظمة ليحي نظراً لاختلافهم بشأن الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث رأى أعضاء شتيرن ضرورة تدعيم ألمانيا النازية لتُلحق الهزيمة ببريطانيا ومن ثم يتم التخلص من الانتداب البريطاني على فلسطين ويصبح بالإمكان تأسيس دولة صهيونية، في حين اتجهت المنظمة الأم إلى التعاون مع القوات البريطانية وبخاصة في مجال المخابرات.

وحتى عام 1939، كانت أنشطة إتسل موجهة بالأساس ضد الفلسطينيين. وبعد صدور الكتاب الأبيض، أصبحت قوات بريطانيا في فلسطين هدفاً لعمليات تخريبية من جانب المنظمة فضلاً عن قيامها بتشجيع الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية توقفت أنشطة إتسل ضد القوات البريطانية، وبدأ التعاون بينهما للتصدي للنازي. إلا أن الصدام سرعان ما تكرر من جديد عقب انتهاء الحرب، حيث تزايد التنسيق بين إتسل وليحي والهاجاناه لضرب المنشآت البريطانية في فلسطين ضمن ما أُطلق عليه «حركة المقاومة العبرية» . وخلال تلك الفترة، أخذ دور مناحم بيجين ـ زعيم إتسل الجديد ـ في البروز بشكل واضح.
وكان للعمليات الإرهابية التي قامت بها إتسل ضد المزارعين الفلسطينيين دور كبير في إرغام بعض هؤلاء المزارعين على مغادرة البلاد. كما لجأت المنظمة إلى الهجوم على السيارات العربية المدنية، ونفذت بالتعاون مع ليحي وبمباركة الهاجاناه مذبحة دير ياسين الشهيرة في 9 أبريل 1948.
وبعد قيام إسرائيل، أُدمجت المنظمة في جيش الدفاع الإسرائيلي، بعد مقاومة من جانبها لهذا الدمج، ويُعَد حزب حيروت امتداداً لأيديولوجيا المنظمة الإرهابية. وقد كرَّم الرئيس الإسرائيلي قيادات إتسل في نوفمبر 1968 تقديراً لدورهم القيادي في تأسيس دولة إسرائيل.
الإرجون
‏Irgun
انظر: «إتسل» .
ليحي
‏Lehi

«ليحي» اختصار العبارة العبرية «لوحمي حيروت يسرائيل» أي «المحاربون من أجل حرية إسرائيل» ، وهي منظمة عسكرية صهيونية سرية أسسها أبراهام شتيرن عام 1940 بعد انشقاقه هو وعدد من أنصاره عن إتسل. وقد أطلق المنشقون على أنفسهم في البداية اسم «إرجون تسفاي ليومي بإسرائيل» أي «المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل» ، تمييزاً عن اسم المنظمة الأم، ثم تغيَّر فيما بعد إلى «ليحي» . ومنذ عام 1942، أصبحت المنظمة تُعرَف أيضاً باسم مؤسسها شتيرن بعد مقتله على أيدي سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين. وقد تركزت الخلافات التي أدَّت إلى الانشقاق حول الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية، حيث اتجهت إتسل إلى التعاون مع بريطانيا، بينما طرحت جماعة شتيرن الوقوف إلى جانب ألمانيا النازية للتخلص من الاحتلال البريطاني لفلسطين ومن ثم إقامة الدولة الصهيونية.
ورغم أن ليحي لم تر هتلر إلا بوصفه قاتل اليهود، إلا أنها بررت لنفسها ـ حسب قول شتيرن ـ "الاستعانة بالجزار الذي شاءت الظروف أن يكون عدواً لعدونا"! واعتبرت ليحي أن الانضمام لجيش «العدو» البريطاني يُعَدُّ جريمة، وسعت في المقابل للاتفاق مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإن كان سعيها قد باء بالفشل. ونفذت المنظمة بعض العمليات التخريبية ضد المنشآت البريطانية بالإضافة إلى عمليات السلب كما حدث في السطو على البنك البريطاني الفلسطيني في سبتمبر 1940. ووصل هذا النشاط إلى ذروته باغتيال اللورد موين ـ المفوض البريطاني بالقاهرة ـ في نوفمبر 1944. وقد أدَّى كل هذا إلى صدامات بين ليحي وإتسل من ناحية، وبينها وبين الهاجاناه من ناحية أخرى، حيث تعاونت الهاجاناه مع السلطات البريطانية في مطاردة أعضاء ليحي واعتقالهم.

ولإبراز أهدافها وترويج مبادئها، أصدرت المنظمة دوريتين هما: «هافريت» أي «الجبهة» ، و «هاماس» أي «العقل» ، درجت على توزيعهما في أوساط التجمع الاستيطاني الصهيوني وأعضاء إتسل والبالماخ. كما أصدرت مجلة داخلية سُمِّيت «بمحتريت» أي «في العمل السري» ، واعتمدت أيضاً على الدعاية الإذاعية، وكانت قد استولت عند انشقاقها على جهاز البث التابع لإتسل. والواقع أن مبادئ ليحي كانت أقرب إلى الشعارات الإنشائية منها إلى البرنامج السياسي، "فشعب إسرائيل" ـ كما تُعرِّفه ـ هو "شعب مختار، خالق دين الوحدانية، ومُشرِّع أخلاقيات الأنبياء، وحامل حضارات العالم، عظيم في التقاليد والبذل، وفي إرادة الحياة"، أما "الوطن" فهو "أرض يسرائيل في حدودها المفصلة في التوراة (من نهر مصر وحتى النهر الكبير ـ نهر الفرات) هي أرض الحياة يسكنها بأمان الشعب العبري كله". وتمثلت أهداف المنظمة في "إنقاذ البلاد، وقيام الملكوت (مملكة إسرائيل الثالثة) ، وبعث الأمة"، وذلك عن طريق جَمْع شتات اليهود بأسرهم وذلك بعد أن يتم حل مشكلة السكان الأجانب (أي العرب) بواسطة تَبادُل السكان.

وقد تعرضت ليحي لعدة صراعات وهزات داخلية بدأت بعد أشهر من تشكيلها بانسحاب اثنين من أبرز المؤسسين هما هانوخ قلعي وبنيامين زرعوني، وقد انضما إلى إتسل ثم انسحبا فيما بعد وسلّما نفسيهما للسلطات البريطانية. وجاءت الأزمة الثانية بعد مقتل شتيرن، إذ ألقت السلطات البريطانية القبض على عشرات من أعضاء المنظمة وحصلت منهم على اعترافات مهمة تتضمن أسماء زملائهم ومخابئ السلاح. وكادت هذه الأزمات أن تؤدي إلى تصفية المنظمة تماماً، إلا أنها استعادت قوتها بانضمام مجموعة من بيتار بزعامة يسرائيل شيف عقب هجرتهم من بولندا إلى فلسطين عام 1942، وكذلك بعد نجاح اثنين من قادتها هما يتسحاق شامير وإلياهو جلعادي في الهرب من السجن عام 1942، ثم نجاح نيثان فرديمان ـ يلين (مور) ومعه 19 من قادة ليحي في الهرب من السجن أيضاً عام 1943. إلا أن صراعاً نشب من جديد بين شامير وجلعادي بسبب اختلاف الآراء حول توجهات المنظمة، وقد حُسم الصراع لصالح شامير إذ تمكَّن من تدبير مؤامرة لاغتيال منافسه في رمال حولون.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شاركت ليحي مع كلٍّ من الهاجاناه وإتسل في العمليات المضادة للسلطات البريطانية ضمن ما سُمِّي «حركة المقاومة العبرية» . واستمر نشاط ليحي حتى بعد تَوقُّف الحركة عام 1946. كما شاركت في الهجوم على القرى والممتلكات العربية ونفذت مع إتسل ـ وبمباركة الهاجاناه ـ مذبحة دير ياسين الشهيرة في 9 أبريل 1948. وبعد إعلان قيام إسرائيل، حُلَّت ليحي مع غيرها من المنظمات العسكرية وأُدمجت في جيش الدفاع الإسرائيلي. ومع هذا، ثارت شكوك قوية حول مسئوليتها عن اغتيال برنادوت. ومع حل المنظمة، فشلت مساعي تحويلها إلى حزب سياسي. وتقديراً للدور الإرهابي للمنظمة، قررت الحكومة الإسرائيلية احتساب سنوات الخدمة فيها عند تقدير مكافآت الخدمة والمعاشات للموظفين، كما حصلت أرملة شتيرن على وشاح التكريم الذي أهداه رئيس إسرائيل زلمان شازار إلى كل المنظمات والمجموعات التي شاركت في جهود تأسيس الدولة.
ورغم تباين الآراء حول دور ليحي، وما تخلعه بعض الكتابات الصهيونية عليها من أوصاف «الخيانة» نظراً لموقفها من النازي، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن المنظمة لم تَحد عن الطريق الصهيوني المعتاد في القيام بدور الأداة لهذه القوة الإمبريالية أو تلك. ولم يكن الأسلوب الانتهازي في التحالف مع الجزار وقفاً على ليحي وحدها، والحقيقة أن موقفها في ذلك لا يزيد عن تعاون هرتزل مع الوزير القيصري بليفيه (المسئول عن المجازر ضد اليهود في روسيا القيصرية) ، أو اتفاق جابوتنسكي مع بتليورا الأوكراني المعروف بعدائه لليهود إبان الثورة البلشفية، أو عرض حاييم وايزمان التعاون مع إيطاليا الفاشية في مجال الصناعات الكيماوية مقابل تسهيل مرور اللاجئين اليهود عبر الموانئ الإيطالية، أو اتفاق الهعفراه بين الوكالة اليهودية وألمانيا النازية.
شتيرن (منظمة (
‏Stern

منظمة عسكرية صهيونية أسسها أبراهام شتيرن، وكانت تُسمَّى «ليحي» ثم سُمِّيت باسم مؤسسها بعد مقتله.
المستعربون (المستعرفيم (
‏Mustarivim
«المستعرفيم» كلمة عبرية تعني «المستعربون» وهي وحدات عسكرية سرية صهيونية كانت تعمل في فلسطين والبلاد العربية المجاورة منذ عام 1942، وكان هدف هذه الوحدات، التي كانت آنئذ جزءاً من البالماخ، الحصول على معلومات وأخبار، والقيام بعمليات اغتيال للعرب من خلال تَسلُّل أفرادها إلى المدن والقرى العربية متخفين كعرب محليين. وكانت وحدات «المستعرفيم» تجنِّد في المقام الأول، من أجل عملياتها السرية، اليهود الذين كانوا في الأصل من البلاد العربية. واعترف شيمون سوميخ، الذي كان قائداً في المستعرفيم خلال السنوات 1942 ـ 1949، بأن الاغتيال كان جزءاً من عمل الوحدات السرية المبكرة.

وقد تم بعث فرق المستعرفيم عام 1988 لمواجهة الانتفاضة وكانت تنقسم إلى قسمين: «الدُّفْدُفان» (الكراز) وقد أسسها إيهود باراك (رئيس حزب العمل ورئيس الأركان السابق) ، والأخرى تعمل في غزة واسمها السري «شمشون» . وهدف فرق المستعرفيم هو التسلل إلى الأوساط الفلسطينية النشيطة في الضفة والقطاع، والعمل على إبطال نشاطها أو تصفيتها. وعادةً ما يستقل أعضاء هذه الفرق سيارات غير عسكرية تحمل اللوحات الخاصة بالضفة الغربية أو قطاع غزة ويرتدون ملابس مدنية صنعت محلياً أو ألبسة عربية تقليدية. وقد يرتدي الجنود الشعر الاصطناعي والعكازات المزيفة والثياب الفضفاضة لإخفاء الأسلحة (كانت الأزياء التنكرية في بداية الأمر تشمل التنكر كصحافيين أجانب إلى أن قدَّمت جمعية الصحافة الأجنبية احتجاجاً رسمياً) . وعادةً ما يجيد أحد أعضاء الوحدة الخاصة اللغة العربية. وتقوم وحدات المستعرفيم بالتنسيق والتخطيط مع وحدات أخرى من الجيش ومع جهاز الشين بيت الذي يوفر المعلومات والخلفيات في شأن الضحية المقصودة. ويتم دعم هذه الوحدة من أعلى درجات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
اللواء اليهودي
‏Jewish Brigade
«اللواء اليهودي» وحدة عسكرية يهودية تُسمَّى بالعبرية «هاهايل» . شُكِّلت بقرار من الحكومة البريطانية عام 1944 لتقاتل أثناء الحرب العالمية الثانية في صفوف قوات الحلفاء، إلا أن جذورها تعود إلى عام 1939 حينما رأى قادة التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أن هناك إمكانية لتحقيق الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة الدولة عن طريق مساعدة الحلفاء أثناء الحرب. وقد تطوع في العام نفسه نحو 130.000من المستوطنين اليهود في فلسطين للقتال ضد دول المحور.

وكان لجهود حاييم وايزمان في لندن، وموشى شرتوك (شاريت) في القدس، دور مهم في إقناع بريطانيا بفكرة تكوين قوة مسلحة يهودية، فسمحت الحكومة البريطانية ليهود فلسطين عام 1940 بالانضمام إلى كتيبة كنت الشرقية، ومن ثم ظهرت 15 سرية يهودية خاصة نُظِّمت بين عامي 1942 و1943 في شكل ثلاث كتائب مشاة ليشكلوا «الوحدة الفلسطينية» التي تولت أعمال الحراسة في برقة ومصر. وقد استمرت عملية الضغط على الحكومة البريطانية لتكوين القوة اليهودية المسلحة. وفي الولايات المتحدة، تبنت المنظمة الحاخامية قرارات تدعو الرئيس روزفلت لإقناع بريطانيا بتحقيق هذا المطلب. ورداً على الحجة البريطانية بعدم كفاية الأسلحة، اقترح مجلس الطوارئ الصهيوني الأمريكي تسليح القوة اليهودية بأسلحة أمريكية طبقاً لقواعد الإعارة والتأجير.
وبعد تأسيسه، أمضى اللواء اليهودي فترة تدريب في برج العرب القريبة من الإسكندرية في أكتوبر 1944، ثم انضم بعدها إلى الجيش الثامن البريطاني في إيطاليا حيث قاتل ضد قوات المحور. وقد أسهم اللواء اليهودي في تنظيم هجرة يهود أوربا إلى فلسطين. ومع انتهاء الحرب وتصاعُد الصدام بين بريطانيا من ناحية والمنظمات العسكرية الصهيونية من ناحية أخرى، وتشكيل هذه المنظمات لما عُرف باسم «حركة المقاومة العبرية» ، بدأ اللواء اليهودي في إصدار نشرة نصف أسبوعية ثم أصدر نشرة أخرى يومية. وقد انتقدت هذه النشرات سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين، وهو ما حدا ببريطانيا إلى اتخاذ قرار بحل اللواء اليهودي في صيف عام 1946 وإعادة رجاله إلى فلسطين حيث انضموا إلى التنظيمات العسكرية الصهيونية القائمة آنذاك. وقد ظهر من بين صفوف اللواء اليهودي عدد من القادة العسكريين في إسرائيل مثل مردخاي ماكليف وحاييم لاسكوف.

8 - 8:الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثامن *الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى الاستعمار: هو السيطرة التى تفرضها دولة قوية على أخرى ضعيفة، وهذه السيطرة قد تأخذ أشكالا مختلفة، مثل السيطرة العسكرية على البلاد أو السيطرة الفكرية والاقتصادية على الأمم المقهورة.
وقد ادعت الدول الأوربية كذبًا أنها قامت بحركة التوسع الاستعمارى بهدف تحضير وتطوير العالم الثالث، وأن ذلك رسالة الرجل الأبيض تجاه شعوب العالم الثالث، وليس أبلغ فى الدلالة على كذب هذه الدعوى من رفض الكتاب والمفكرين الغربيين لها.
كانت الدولة العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر قوة عظمى تسيطر على غرب ووسط «آسيا» وشمال «إفريقيا»، وجنوب شرق «أوربا»، ثم أخذت الدولة العثمانية فى الضعف وطمعت دول «أوربا» فى ممتلكاتها.
الاستعمار البريطاني: أولا: الجنوب العربى: تعرض الجنوب العربى وبخاصة «عدن» لسيطرة الاستعمار المبكرة، ففى سنة (1214هـ= 1799م) احتلت «بريطانيا» «بريم»، وعين أول مندوب بريطانى فى اليمن سنة (1216هـ= 1801م)، ثم أنشأ الإنجليز مستودعًا للفحم سنة (1245هـ= 1829م)، وأرادت «إنجلترا» أن تشترى مرفأ «عدن» من السلطان العثمانى ولكنه رفض واستولت عليه بالقوة فى (1255هـ= 1839م).
وبعد افتتاح «قناة السويس» سنة (1286هـ= 1869م) امتد نفوذ «بريطانيا» إلى «حضرموت»، واخترعت نوعًا جديدًا للسيطرة الاستعمارية وهو فرض الحماية على كل زعماء ومشايخ المنطقة كل على حدة.
ثانيًا: وادى النيل: أراد «إسماعيل باشا» والى «مصر» أن يتشبه بالمدنية الأوربية، وأن يجعل «مصر» قطعة من «أوربا»، وعمل على أن تكون له إمبراطورية إفريقية امتدت جنوبًا إلى خط الاستواء؛ حيث ضمت «دارفور» ومنابع «نهر النيل»، كما ضمت «إريتريا» و «هرر» و «الصومال» فى شرق «إفريقيا»، ولكنه مع ذلك أغرق نفسه فى الديون التى شجعته عليها دول «أوربا» حتى وقع فى أزمة مالية، فانتهزت «إنجلترا» الفرصة

حَتّى الابتدائيّة

معجم القواعد العربية

هي حَرْف تَبْتَدِئُ بَعدَهُ الجُمَلُ فيدخلُ على الجُمَلِ الاسْمِيَّةِ كقول جرير:
فَمَا زَالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِمَاءَها ... بَدجْلَةَ حتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ (الأشكل: حمرة مختلطة ببياض، ورواية اللسان: تمورُ دماؤها)
وتدخلُ على الجُمْلَةِ الفِعليَّةِ كقولِ حَسَّان:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كِلابُهُم ... لا يَسْألُون عَنِ السَّواد المُقبلِ

التي تُضمَرُ "أنْ" بعدهَا - لا يَنْتَصِبُ المضارعُ بـ " أَنْ" بعدَ "حتَى" إلاَّ إذا كانَ مُسْتقبلاً، فإذا كان اسْتِقْبَالُه بالنظر إلى زَمَنِ التَّكلُّمِ فالنَّصْب واجبٌ نحو {{قالوا لَنْ نَبْرَحَ عَليْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسَى}} (الآية "91" من سورة طه "20").
وإذا كانَ اسْتِقْبَالُه بالنسبةِ إلى ما قَبْلَها (أي قبل حتى من المعنى والمراد) خاصَّة فيجوزُ الرفعُ والنَّصب نحو: {{وَزُلْزِلُوا حتى يقولُ الرَّسُولُ}} (الآية "214" من سورة البقرة "2").
فإن قولهم إنما هو مستقبلٌ بالنَّظَر إلى زَمَنٍ الزِّلزالِ لا بالنَّظر إلى زَمَنِ قَصِّ ذلك عَلَيْنا ولها مَعْنَيَان:
الأول بمعنى "إلى أنْ" نحو" أنا أسيرُ حتى تطلعَ الشَّمْس". ونحو: {{حَتَّى يَرْجِعَ إلينا مُوسَى}} (الآية "91" من سورة طه "20")
والثاني: بمعنى "كي" التَّعْلِيليَّة نحو: {{وَلاَ يَزَالُون يُقَاتِلُونَكُمْ حتَّى يَرُدُّوكُمْ}} (الآية "217" من سورة البقرة "2") وقولك: اتّقِ اللَّهَ حتى تَدْخُلَ الجَنَّة". فكلُّ ما اعْتَورَه وَاحِدٌ من هَذِين المعْنَيَيْن فالنَّصْب له لازمٌ. وعلى كلٍّ فالمضارعُ بعدَها منصوبٌ بأَنْ مُضْمَرَةً وُجُوباً وأَنْ وما بعدها في تأويلِ المصدَر في محلِّ جَرٍّ بَحتَّى.

حتى التي يرتَفَعُ المُضارِعُ بعدَهَا

معجم القواعد العربية


يَرْتَفِعُ المُضارِعُ بعدَ" حتَّى" بثلاثة شُرُوطٍ:
الأوَّلُ: أن يكونَ حَالاً (أي لا مُسْتقبلاً) أو مُؤَوَّلاً بالحالِ نحو" مَرِضَ زيدٌ حَتّى لا يَرْجُونَهُ".
الثاني: أنْ يكونَ مُسَبباً عَمَّا قبلها فلا يجوزُ "سِرْت حتَّى تطلعُ الشمس" بضمِّ العينِ من تطلع والنصبُ واجب.
الثالث: أن يكون فَضلَةً فلا يَصحُّ الرفعُ في نحو" سَيْرِي حَتَّى أَدخلَها" ويصحُّ في نحو" سَيْرِي أَمْسِ حَتَّى أَدْخُلُهَا" بضم اللام.
ويقولُ سيبويه: واعلم أنَّ "حتَّى" تَنْصِب على وَجْهين: أحدُهما: أنْ تَجْعَل الدُّخُولَ غايةً لِمَسِيركَ، وذلكَ قَوْلُك: "سِرْتُ حتى أدْخُلَهَا" كأنك قلت: " سِرْتُ إلى أنْ أدخُلَها " فَالفِعْل إذا كان غَايَةً نُصِبَ، والاسْمُ إذا كانَ غايةً جَرٌّ والمُرادُ النَّصْب بأنْ المُضْمَرة بعد حتى، واعلَمْ أنَّ "حَتَّى" يُرْفَع الفِعْل بَعْدَها على وَجْهين: تقول: " سِرْتُ حتَّى أدْخُلُهَا" تَعْني أنَّه كانَ دخولُك دُخولاً متصِّلاً بالسير، كاتِّصاله بالفاء إذا قلت: "سِرْت فإذا أنا في حالِ دُخُول، والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يكونَ الدُّخُولُ وَمَا أشْبَهَهُ الآنَ - أي في الحال تقول في ذلك" لقد سِرْتُ حتَّى أدْخُلُها ما أُمْنَع" أي حتَّى أني الآن أدْخُلها كَيْفَما شِئْتُ، ومثل ذلك قولهم: " لقد مَرِضَ حتى لا يرجونه" قال الفرزدق:
فَيَا عَجَباً حتَّى كُلِيبٌ تَسُبُّني ... كَأَنَ أبَاها نَهْشَلٌ أو مُجَاشِعُ
فحتى هنا كحرفٍ من حُروفِ الابتداء، ومثلُ ذلك: "
شَرِبَتْ حَتّى يَجيءُ البَعِيرُ يَجُرُّ بطْنَه" شَرِبَتْ: يَعْني الإِبِل، ومثل ذلكَ قولُ حَسَّان بنِ ثَابت:
يُغْشَون حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ... لا يَسْألون عن السِّوادِ المُقْبِل
ويكونُ العَملُ بعدحَتَّى من اثْنَيْن، وذلكَ قَوْلُكَ: "
سِرْتُ حتَّى يدخلَهَا زَيْدٌ" إذا كان دُخُولُ زَيدٍ لم يُؤَدَّه سَيْرَكَ، ولم يَكُن سَبَبَه، فَيصيرُ هذا كقولك: "سِرْتُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ" لأنَّ سَيركَ لا يَكْون سَبَباً لِطُلوعِ الشَّمس ولا يُؤَدِّيهِ ولكنَّكَ لَوْ قُلْتَ: "سِرْتُ حتَّى يَدْخُلُها ثَقَلِي" و "سرْتُ حتَّى يَد خُلُها بَدَنِي" لَرَفَعْتَ.
حَتَّى "
حرفُ جَرٍّ": وهي بمَنْزِلَةِ "إلى" في انتِهَاءِ الغَايَةِ مَكانيَّةً أو زمانِيَّةً نحو: {{سَلاَمٌ هي حَتَّى مطْلَع الفَجْرِ}} (الآية "5" من سورة القدر "97") وتَنْفَرِدُ عَنْ "إلى" بأُمُورٍ ثلاثة:
(أ) أنَّ مَجْرُورَها لا يَكُونُ إلاَّ ظَاهِراً فلا تجُرُّ المُضْمَرَ.
(ب) أنَّ مَجْرُورَهَا آخِرٌ نحو "
شَرِبْتُ "الكَأسَ حَتَّى الثُّمَالَةِ" أو مُتَّصِلاً بالآخر نحو: {{سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}}.
(جـ) أَنَّ كلاًّ مِنْهُما قد يَنْفَرِدُ بمحَلٍّ لا يَصْلُحُ للآخَرِ، فانْفَرَدَتْ "إلى" بنحو "كَتَبَتْ إلى زَيدٍ" و "أنا إلى عَمْروٍ" أيْ هو غَايَتي و "سرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكوفَةِ".
وانفَرَدَتْ "حَتَّى" بمُبَاشَرَةِ المُضارِعِ مَنْصُوباً بعدَها بـ "أَنْ" مُضْمَرةً وقدْ تَقَدَّمَتْ.
حَتَّى العَاطِفَة: لحَتَّى العاطِفَةِ ثَلاثَةُ شُرُوطٍ:
(1) أن يكونَ المعطوفُ بـ "حتى" ظاهِراً لا مُضْمَراً.
(2) أنْ تكونَ إمّا بَعْضاً من جَمْعٍ قَبْلَها نحو "قَدِمَ النَّاسُ حتى أُمَرَاؤُهم" وإمَّا جُزْءاً مِنْ كلٍّ نحو "أكَلْتُ السَّمَكَةَ حتى رَأْسَها" أو كَجُزْءٍ نحو "أعْجَبَنِي الكِتَابُ حتى جِلْدُهُ".
(3) أن تكونَ غَايةً لما قَبْلَهَا، إمَّا في زِيادةٍ أوْ في نَقْصٍ، نحو: "ماتَ النَّاسُ حتّى الأنبياءُ" و "زارَكَ النَّاسُ حَتَّى الحَجَّامُونَ".
وقد اجْتَمَعا في قَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَهَرْنَاكُمُ حَتى الكُمَاةَ فَأَنْتُمُ ... تهابُونَنَا حتى بَنِيْنا الأَصَاغِرا
ويقولُ سيبويه: ومِمَّا يُختارُ فيه النَّصْبُ لنَصْب الأول قبله، ويكون الحرفُ الذي بَيْنَ الأَوَّلِ والآخر بمنزلةِ الوَاوِ والفاءِ وثُمَّ - أي حرف عطف - قولُك: "لقِيتُ القَومَ كلَّهم حتَّى عبدَ اللَّه لَقِيتُه" و "ضربتُ القومَ حتَّى زَيْداً ضَرَبْتُ أخاه" و "أتَيْتُ القومَ أَجْمَعِين حتى زَيْداً مَرَرْتُ به"، فحتى تَجْري مَجْرى الوَاوِ وثُم لَيْست بمنزلة "أما".
وكلُّ أنواعِ "حَتَّى" المذكورة - إلاّ الابتدائية - لانْتِهاءِ الغاية، ومعنى "حتَّى" أن يَتَّصلَ ما بعدَها بما قَبْلها إلاَّ إنْ وُجِدَتْ قَرِينةٌ تُعيّن المقصودَ فمثَل التي يتصل ما بعدها بما قبلها قول الشاعر:
أَلْقَى الصَّحِيفةَ كيْ يُخفِّف رَحْلَه ... والزَّادَ حتَّى نَعْلَه أَلْقَاها
ومثل حَتّى التي تُفيد عدَم الاتصال في قرينة قولِ الشاعر:
سَقَى الحَيَا الأَرضَ حتَّى أمْكُنٌ عُزِيَتْ ... لَهُمْ فلا زَال عنها الخَير مَجْدُود

فضل الصلاة على الجنازة واتباعها حتى تدفن

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* فضل الصلاة على الجنازة واتباعها حتى تدفن:
السنة اتباع الجنازة إيماناً واحتساباً حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، واتباع الجنائز للرجال دون النساء، ولا تُصحب الجنازة بصوت، ولا نار، ولا قراءة، ولا ذكر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تُدفن فإنه يرجع بقيراط)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (47)، واللفظ له، ومسلم برقم (945).

المطلب الثاني تأخير قضاء رمضان بغير عذر حتى دخول رمضان آخر

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثاني: تأخير قضاء رمضان بغير عذرٍ حتى دخول رمضان آخر
من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
القول الأول: يلزمه القضاء مع الفدية، وهي إطعام مسكينٍ عن كل يوم، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3)، واختاره ابن باز (¬4).
وذلك لِمَا أفتى به جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه ((أنه قال في رجل مرض في رمضان، ثم صح فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال: يصوم الذي أدركه ويطعم عن الأول لكل يوم مدًّا من حنطة لكل مسكين فإذا فرغ من هذا صام الذي فرط فيه)) (¬5).
كما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: (أطعم عن كل يوم مسكيناً)). ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلافه (¬6).
القول الثاني: لا يلزمه إلا القضاء فقط، وهذا مذهب الحنفية (¬7)، وهو اختيار ابن حزم (¬8)، والشوكاني (¬9)، وابن عثيمين (¬10)، (¬11).
الدليل:
عموم قوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184]
فالله سبحانه وتعالى قد قال: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وعمومه يشمل ما قضاه قبل رمضان الثاني أو بعده، ولم يذكر الله تعالى الإطعام؛ ولذا فلا يجب عليه إلا القضاء فقط.
¬_________
(¬1) ((التمهيد لابن عبدالبر)) (7/ 162)، ((القوانين الفقهية لابن جزي)) (ص 84).
(¬2) ((المجموع للنووي)) (6/ 364).
(¬3) قال ابن قدامة: (وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق) ((المغني)) (3/ 40)، ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 333).
(¬4) قال ابن باز: (ومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان آخر لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 182).
(¬5) رواه الدارقطني في ((السنن)) (2/ 421) وقال: إسناده صحيح موقوف.
(¬6) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 40).
(¬7) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 104) و ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 307).
(¬8) قال ابن حزم: (ومن كانت عليه أيامٌ من رمضان فأخر قضاءها عمداً, أو لعذر, أو لنسيانٍ حتى جاء رمضان آخر، فإنه يصوم رمضان الذي ورد عليه كما أمره الله تعالى، فإذا أفطر في أول شوال قضى الأيام التي كانت عليه، ولا مزيد, ولا إطعام عليه في ذلك، وكذلك لو أخرها عدة سنين، ولا فرق إلا أنه قد أساء في تأخيرها عمداً سواء أخرها إلى رمضان أو مقدار ما كان يمكنه قضاؤها من الأيام) ((المحلى)) (6/ 260).
(¬9) قال الشوكاني: (وقد بينا أنه لم يثبت في ذلك عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم شيء ... وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل هاهنا، فالظاهر عدم الوجوب) ((نيل الأوطار)) (4/ 235).
(¬10) قال ابن عثيمين: (إذا ترك الإنسان قضاء رمضان إلى رمضان الثاني بلا عذرٍ فهو آثمٌ، وعليه أن يقضي ما فاته ولا إطعام عليه على القول الصحيح) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (19/ 385).
(¬11) نقل ابن المنذر هذا القول عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي. ((الإشراف)) (3/ 147, 148).

قيام الخليفة المتوكل بالاحتيال على الأمير إيتاخ وحبسه حتى الموت.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الخليفة المتوكل بالاحتيال على الأمير إيتاخ وحبسه حتى الموت.
235 جمادى الآخرة - 850 م
كان إيتاخ قائد جيش المتوكل وإليه المغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة, فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب ذات يوم فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له, فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه فاحتال عليه إسحاق حتى حبسه وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلا فمات.

صلاح الدين الأيوبي يمد حدود مصر حتى جنوب النوبة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

صلاح الدين الأيوبي يمد حدود مصر حتى جنوب النوبة.
568 جمادى الأولى - 1173 م
سار شمس الدولة توارنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة، فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ويتملكه، وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر وأخذها منهم، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن، حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد، فإن قووا على منعه أقاموا بمصر، وإن عجزوا عن ذلك ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي افتتحوها؛ فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان؛ ومنها إلى بلد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة، لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب، فسلموها، فملكها وأقام فيها، ولم ير للبلاد دخلاً يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله، وقوتهم الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة، وتركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري.

السلطان لاجين يقر بأنه مؤقت في الملك حتى يكبر الملك الناصر محمد بن قلاوون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السلطان لاجين يقر بأنه مؤقت في الملك حتى يكبر الملك الناصر محمد بن قلاوون.
697 صفر - 1297 م
استدعى السلطان حسام لاجين قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي، وصي الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقال له: الملك الناصر ابن أستاذي، وأنا قائم في السلطنة كالنائب عنه إلى أن يحسن القيام بأمرها، والرأي أن يتوجه إلى الكرك وأمره بتجهيزه، ثم قال السلطان للملك الناصر محمد بن قلاوون: لو علمت أنهم يخلوك سلطانا والله تركت الملك لك، لكنهم لا يخلونه لك وأنا مملوكك ومملوك والدك، احفظ لك الملك، وأنت الآن تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع وترتجل وتتحرج وتجرب الأمور وتعود إلى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة فيها، فقال له الناصر: فاحلف لي أن تبقي على نفسي وأنا أروح فحلف كل منهما على ما أراده الآخر، فخرج الناصر في أواخر صفر، ومعه الأمير سيف الدين سلار أمير مجلس، والأمير سيف الدين بهادر الحموي، والأمير أرغون الدوادار، وطيدمر جوباش رأس نوبة الجمدارية، فوصل إلى الكرك في رابع ربيع الأول، فقام لخدمته الأمير جمال الدين أقوش الأشرف نائب الكرك.

جماعة من التتار تقتل تجارا قادمين إلى الشام ولا تبقي منهم حتى الأطفال.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

جماعة من التتار تقتل تجارا قادمين إلى الشام ولا تبقي منهم حتى الأطفال.
717 ذو القعدة - 1318 م
اتفق أنه في هذا الشهر ذي القعدة تجمع جماعة من التجار بماردين وانضاف إليهم خلق من الجفال من الغلا قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحقهم ستون فارسا من التتار فمالوا عليهم بالنشاب وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيا، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تنفلوني بمال من الغنيمة فقتلهم كلهم عن آخرهم، وكان جملة من قتل من التجار ستمائة، ومن الجفلان ثلثمائة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلات بهم رحمهم الله، ولم يسلم من الجميع سوى رجل واحد تركماني، هرب وجاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم الوجيع، فاجتهد متسلم ديار بكر سوياي في طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى رجلين.

اشتداد البرد بالقاهرة حتى جمدت المياه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اشتداد البرد بالقاهرة حتى جمدت المياه.
844 شعبان - 1441 م
اشتد البرد بالقاهرة، حتى جمدت المياه بعدة مواضع، وبيع الجليد بالأسواق في يوم الخميس الحادي عشر من شعبان، وجمدت بركة من مستنقع ماء النيل في بعض الضواحي بحيث صارت قطعة واحدة، ومشي فوقها الأوز، وأصبحت زروع كثيرة من الفول وقد اسودت وحفت، فحملت وأوقدت في الأفران، واسود ورق كثير من شجر الجميز وغيره.

سقوط فلسطين حتى مدينة عكا في يد نابليون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

سقوط فلسطين حتى مدينة عكا في يد نابليون.
1213 رمضان - 1799 م
سار الفرنسيون بقيادة بونابرت إلى جهة الشام مارين بفلسطين وخرجوا من مصر في مستهل شهر رمضان، وأول ما أخذوا غزة حيث بات العسكر الفرنسي في خان يونس في التاسع عشر من رمضان ثم توجهوا فجرا تجاه غزة فكشفوا قبل الظهر بساعة عسكر المماليك وعسكر الجزارجالسين ثم انهزم العسكر المملوكي ومن معه ودخل الفرنسيون غزة بقيادة كلهبر، ثم ملكوا قلعة يافا حيث انتقلوا من غزة في ثالث عشرين رمضان ووصلوا إلى الرملة وقد هرب جيش أحمد باشا الجزار ثم وصلوا في سادس عشرين الشهر إلى بندر يافا وحاصروها من الشرق والغرب وتكامل العسكر الفرنسي على الحصار ولم يرض صاحب يافا من تسليمها وحصلت مناوشات خارج القلعة أولا ثم أرسلوا إلى القلعة أن يسلموها بالأمان ولكنهم رفضوا فبدا ضرب المدافع وتعطلت مدافع يافا ثم انخرق سور يافا وارتج له القوم وفي أقل من ساعة استطاع الفرنسيون أن يملكوا البندر والأبراج ثم بدا النهب حتى اليوم الثاني أعطي الأمان وكان من قتل من عسكر الجزار أكثر من أربعة آلاف ثم استهل ذو القعدة وقد أخذوا حيفا ومن ثم حاصورا عكا وضربوا عليها وهدموا جزء من سورها وبلغوا السور الجواني والحرب قائمة بين الطرفين ثم هدم السور ودخلوا المدينة وانهزم أكثر أهلها إلى البحر فأصبحت فلسطين في قبضتهم.

8 - 8:الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثامن *الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى الاستعمار: هو السيطرة التى تفرضها دولة قوية على أخرى ضعيفة، وهذه السيطرة قد تأخذ أشكالا مختلفة، مثل السيطرة العسكرية على البلاد أو السيطرة الفكرية والاقتصادية على الأمم المقهورة.
وقد ادعت الدول الأوربية كذبًا أنها قامت بحركة التوسع الاستعمارى بهدف تحضير وتطوير العالم الثالث، وأن ذلك رسالة الرجل الأبيض تجاه شعوب العالم الثالث، وليس أبلغ فى الدلالة على كذب هذه الدعوى من رفض الكتاب والمفكرين الغربيين لها.
كانت الدولة العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر قوة عظمى تسيطر على غرب ووسط «آسيا» وشمال «إفريقيا»، وجنوب شرق «أوربا»، ثم أخذت الدولة العثمانية فى الضعف وطمعت دول «أوربا» فى ممتلكاتها.
الاستعمار البريطاني: أولا: الجنوب العربى: تعرض الجنوب العربى وبخاصة «عدن» لسيطرة الاستعمار المبكرة، ففى سنة (1214هـ= 1799م) احتلت «بريطانيا» «بريم»، وعين أول مندوب بريطانى فى اليمن سنة (1216هـ= 1801م)، ثم أنشأ الإنجليز مستودعًا للفحم سنة (1245هـ= 1829م)، وأرادت «إنجلترا» أن تشترى مرفأ «عدن» من السلطان العثمانى ولكنه رفض واستولت عليه بالقوة فى (1255هـ= 1839م).
وبعد افتتاح «قناة السويس» سنة (1286هـ= 1869م) امتد نفوذ «بريطانيا» إلى «حضرموت»، واخترعت نوعًا جديدًا للسيطرة الاستعمارية وهو فرض الحماية على كل زعماء ومشايخ المنطقة كل على حدة.
ثانيًا: وادى النيل: أراد «إسماعيل باشا» والى «مصر» أن يتشبه بالمدنية الأوربية، وأن يجعل «مصر» قطعة من «أوربا»، وعمل على أن تكون له إمبراطورية إفريقية امتدت جنوبًا إلى خط الاستواء؛ حيث ضمت «دارفور» ومنابع «نهر النيل»، كما ضمت «إريتريا» و «هرر» و «الصومال» فى شرق «إفريقيا»، ولكنه مع ذلك أغرق نفسه فى الديون التى شجعته عليها دول «أوربا» حتى وقع فى أزمة مالية، فانتهزت «إنجلترا» الفرصة

تأتي بأربعة أوجه: ١ ـ جارّة، ٢ ـ عاطفة، ٣ ـ ابتدائية، ٤ ـ ناصبة.

حتى الجارّة: تجرّ الاسم الظاهر دون الضمير، نحو: «قرأت الدرس حتّى آخر كلمة فيه» (٣) . («حتّى: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، متعلّق بالفعل «قرأت») . وتجرّ المصدر المؤوّل من «أن» المضمرة وجوبا بعدها والفعل المضارع المنصوب، ومن معانيها:

ـ انتهاء الغاية، نحو: «سأدرس حتّى يحلّ الظلام» («يحلّ»: فعل مضارع منصوب، بـ «أن» مضمرة وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. والمصدر المؤوّل من «أن» والفعل «يحلّ» في محل جرّ بحرف الجرّ، والتقدير: سأدرس حتّى حلول الظلام) .

ـ التعليل (أي انّ ما قبلها سبب وعلّة لما بعدها، نحو: «شربت الدواء حتّى أصحّ») .

والإعراب هنا كالحالة السابقة. والجدير بالملاحظة هنا أنّ ما بعد «حتى» غاية، فإذا قلت: «قرأت الكتاب حتى الصفحة العشرين» تكون الصفحة العشرون مقروءة (٤) ، وذلك بخلاف «إلى»، فإن ما

(١) ويجوز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: الممدوح.

(٢) لا يتقدّم على «حبّذا» المخصوص بالمدح، ولا التمييز، فلا يقال: «زيد حبّذا مجتهدا» ولا «مجتهدا حبّذا زيد». ولكن يجوز تقديم التمييز على المخصوص بالمدح، نحو قول الشاعر:
ألا حبّذا قوما سليم فإنّهم
...
وفوا وتواصوا بالإعانة والصّبر

(٣) وتسمّى هنا «حتّى» الغائيّة، ويكون ما بعدها داخلا في حكم ما قبلها، فمن هذا المثال، نعرف أنّ آخر كلمة في الدرس قد قرأتها.

(٤) هدا عند جمهور النحاة، ومنهم من يرى أنّ ما بعدها قد يدخل في حكم ما قبلها وقد لا يدخل، ـ ـ والقرائن وحدها هي التي تحدّد ذلك. ومذهب هؤلاء هو الأصح.

قبلها غاية، فإذا قلت: «قرأت الكتاب إلى الصفحة العشرين» تكون الصفحة العشرون غير مقروءة.

ب ـ حتّى العاطفة: وتكون بمعنى «الواو» وتعطف الاسم على الاسم فقط (فهي لا تعطف الجمل ولا الضمير) . ومن شروطها أن يكون المعطوف بها إمّا بعضا من جمع قبلها، نحو: «قدم الطلّاب حتّى الأوّل فيهم»، وإمّا جزءا من كل، نحو: «أكلت التفاحة حتّى قشرتها»، أو كجزء من كل، نحو: «أعجبني الكتاب حتّى غلافه». ومن شروطها أيضا أن تكون غاية لما قبلها إمّا في زيادة أو نقص، نحو: «مات الناس حتّى الأنبياء» («حتّى»: حرف عطف مبنيّ على السكون لا محل له من الإعراب. «الأنبياء»: اسم معطوف مرفوع بالضمّة لفظا) . و «حتى» الجارة أعمّ من العاطفة، فكل موضع جاز فيه العطف يجوز فيه الجرّ، ولا عكس. وإذا عطف بـ «حتى» على مجرور، فالأحسن إعادة الجار.

ج ـ حتى الابتدائيّة: يستأنف بعدها الكلام، وتكون الجملة بعدها لا محلّ لها من الإعراب، ومضمونها غاية لشيء قبلها (فهي تشارك الجارّة والعاطفة في معنى الغاية) ، وهذه الجملة إمّا اسميّة، نحو قول جرير:
ما زالت القتلى تمجّ دماءها
...
بدجلة، حتّى ماء دجلة أشكل

(«ماء»: مبتدأ مرفوع. «أشكل»: خبر مرفوع) ، وإمّا فعليّة مصدّرة بمضارع مرفوع، نحو الآية: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ)

(البقرة: ٢١٤) على قراءة الرفع، أو بماض، نحو الآية: (حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) (الأعراف: ٩٥) .

وعلامة «حتّى» الابتدائيّة أن يصحّ جعل الفاء في موضعها، وكون ما بعدها فضلة متسبّبا عنها كما في الأمثلة السابقة.

إبراهيم بن البراء عن سليمان الشاذكوني بخبر باطل فيمنن ربى صبياً حتى يقول لا إله إلا الله

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

مرفوعاً لم يمت نبي حتى يؤمه رجل من قومه

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

وعنه عثمان بن خرزاذ.
رواه الدارقطني في سننه.
وقال: عبد الله ليس بقوى.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت