المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْحيَاء) الاحتشام وَمن ذَوَات الْخُف والظلف فرجهَا
|
|
الحياء:[في الانكليزية] Decency [ في الفرنسية] Pudeur بالفتح والياء المثناة التحتانية وهو انكسار وتغيّر يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به أو يذمّ على ما قال الزمخشري، كذا في بحر الجواهر. وفي الشرع عبارة عن خلق باعث على ترك القبيح كما في تيسير القارئ ترجمة صحيح البخاري. وفي رسالة السّيد الجرجاني الحياء انقباض النفس من شيء وتركه حذرا عن اللوم فيه وهو نوعان: نفساني وهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلّها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمتنع المؤمن من فعل المعاصي خوفا من الله تعالى.
|
|
الإحياء:[في الانكليزية] Vivification ،resurrection [ في الفرنسية] Vivification ،resurrection لغة جعل الشيء حيّا أي ذا قوة إحساسية أو نامئة. وفي عرف الشرع التصرّف في أرض موات بالبناء أو الغرس أو الزرع أو السقي أو غيرها، كما في الخلاصة وغيرها، كذا في جامع الرموز. وعند الصوفية حصول التجلّي للنفس وتنوّرها بالأنوار الإلهية كما عرفت.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الأَحياءُ:
جمع حيّ من أحياء العرب، أو حيّ ضد الميت، قال ابن إسحاق: غزا عبيدة بن الحارث بن المطّلب الأحياء، وهو ماء أسفل من ثنية المرة. والأحياء أيضا: قرى على نيل مصر من جهة الصعيد، يقال لها أحياء بني الخزرج، وهو الحيّ الكبير، والحيّ الصغير، وبينها وبين الفسطاط نحو عشرة فراسخ. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
حَياءُ:
بالفتح، والمد، من الاستحياء: واد في أقصى بلاد بني قشير. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحيَاء: انقباض النَّفس من الشَّيْء وَتَركه حذرا من اللوم فِيهِ وَهُوَ على نَوْعَيْنِ نفساني وإيماني - (أما النفساني) فَهُوَ الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِي النُّفُوس كلهَا كالحياء عَن كشف الْعَوْرَة وَالْجِمَاع بِحُضُور النَّاس - (وَأما الإيماني) فَهُوَ مَا يمْنَع الْمُؤمن من فعل الْمعاصِي خوفًا من الله تَعَالَى.
|
|
الحياء: انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصا حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن. وقيل التراقي عن المساويء خوف الذم، وقيل انقباض النفس من شيء حذرا من الملام وهو نوعان: نفساني وهو المخلوق في النفوس كلها كالحياء عن كشف العورة، والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمتنع المسلم عن فعل المحرم خوفا من الله.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
إِحْدَى الأحياءالجذر: أ ح د
مثال: قَابَلته في إِحْدَى الأحياء جنوبي بيروتالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لمخالفة قاعدة المطابقة بين العدد المفرد والمعدود في التذكير والتأنيث. الصواب والرتبة: -قابلته في أحد الأحياء جنوبي بيروت [فصيحة] التعليق: الواجب في اللفظ «أحد» أن يطابق المعدود دائمًا في التذكير والتأنيث. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
أَحْياءُالجذر: ح ي ي
مثال: الشُّهَداءُ أَحْيَاءُ عند ربهمالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لمنع الكلمة من الصرف، دون مسوِّغ لذلك. الصواب والرتبة: -الشُّهداءُ أَحْياءٌ عند ربّهم [فصيحة] التعليق: تستحق كلمة «أحياء» الصرف؛ لأنَّ همزتها منقلبة عن أصل، فهي ليست زائدة كما توهَّمها من منعها من الصرف، ووزنها: أَفْعال. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
إحياء الأرض: في الشرع: التصرفُ في أرض مَوَات وإعمارها بالبناء والغرس والزرع والسقي وغير ذلك من الأغراض الصحيحة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
إحياء الليل: ترك النوم طول الليل والشغلُ والذكر والصلاة فيه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الحَياء: انقباض النفس من شيء وتركه حذراً من اللوم فيه قاله السيد. وأيضاً الحياء فيما يكره من الشاة وغيرها من الذبائح هو بالمد الفرج من ذوات الخف والظلف وجمعُه أحيية.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إحياء علوم الدين
للإمام، حجة الإسلام، أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي، الشافعي. المتوفى: بطوس، سنة 505، خمس وخمسمائة. وهو: من أجل كتب المواعظ، وأعظمها. حتى قيل فيه: إنه لو ذهبت كتب الإسلام، وبقي (الإحياء) أغنى عما ذهب. وهو: مرتب على أربعة أقسام: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات. في كل منها عشرة كتب: في الأول: العلم، قواعد العقائد، أسرار الطهارة، أسرار الصلاة، أسرار الزكاة، أسرار الصيام، أسرار الحج، تلاوة القرآن، الأذكار، والأوراد. وفي الثاني: آداب الأكل، آداب الكسب، آداب النكاح، الحلال والحرام، آداب الصحبة، العزلة، آداب السفر، السماع، الأمر بالمعروف، وآداب المعيشة، وأخلاق النبوة. وفي الثالث: شرح عجائب القلب، رياضة النفس، آفة الشهوتين، آفات اللسان، آفة الغضب، ذم الدنيا، ذم المال، ذم الجاه والرياء، ذم الكبر والغرور. وفي الرابع: التوبة، الصبر والشكر، الخوف والرجاء، الفقر والزهد، والتوحيد، المحبة، النية والصدق، المراقبة، التفكر وذكر، الموت. فالجملة: أربعين كتابا. أوله: (الحمد لله تعالى أولاً حمداً كثيراً... الخ). وأول ما دخل إلى المغرب، أنكر فيه بعض المغاربة أشياء، فصنف (الإملاء، في الرد على الإحياء) ثم رأى ذلك المصنف رؤيا ظهرت فيها كرامة الشيخ، وصدق نيته، فتاب عن ذلك ورجع. كذا قال: المولى أبو الخير، وأشار إلى حكاية ابن حرزهم، التي نقلها ابن السبكي، في (طبقاته)، عن الشيخ: ياقوت الشاذلي. قال أبو الفرج بن الجوزي: قد جمعت أغلاط الكتاب، وسميته (إعلام الأحياء، بأغلاط الإحياء)، وأشرت إلى بعض ذلك في كتاب: (تلبيس إبليس). وقال سبطه، أبو المظفر: وضعه على مذاهب الصوفية، وترك فيه قانون الفقه، فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث، التي لم تصح. انتهى. قال المولى أبو الخير: وأما الأحاديث التي لم تصح، لا ينكر على إيرادها، لجوازه في الترغيب والترهيب. انتهى. أقول: وذلك ليس على إطلاقه، بل بشرط أن لا يكون موضوعا. وقد صنف الحافظ، زين الدين: عبد الرحيم بن الحسين العراقي. المتوفى: سنة 806، ست وثمانمائة. كتابين في تخريج أحاديثه. أحدهما: كبير، وهو الذي صنفه: سنة 751، إحدى وخمسين وسبعمائة. وقد تعذر الوقوف فيه على بعض أحاديثه، ثم ظفر كثيرا مما عزب عنه، إلى سنة: ستين وسبعمائة. فصنف صغيره، المسمى: (بالمغني عن حمل الأسفار بالأسفار)، في تخريج ما في (الإحياء) من الأخبار. أوله: (الحمد لله الذي أحيى علوم الدين... الخ). اقتصر فيه: على ذكر طرق الحديث، وصحابيه، ومخرجه، وبيان صحته، وضعف مخرجه، وحيث كرر المصنف ذكر الحديث اكتفى بذكره في أول مرة، وربما أعاد لغرض. ثم إن تلميذه: الحافظ ابن حجر العسقلاني. المتوفى: سنة 852. استدرك عليه: ما فاته. في مجلد. وصنف: الشيخ، زين الدين: قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المصري. المتوفى: بها، سنة تسع وسبعين وثمانمائة. أيضا كتابا، سماه: (تحفة الأحياء، فيما فات من تخاريج أحاديث الإحياء). وللغزالي كتاب، في حل مشكلاته، سماه: (الإملاء، على مشكل الإحياء)، ويسمى أيضا (الأجوبة المسكتة، عن الأسئلة المبهتة) كما سبق. وللإحياء: مختصرات، أحسنها وأجودها: مختصر: الشيخ، شمس الدين: محمد بن علي بن جعفر العجلوني البلالي. المتوفى: سنة 812، شيخ خانقاه سعيد السعداء بمصر. وهو الراجح على غيره، كما ذكره المناوي. وهو: نحو عشر حجمه. أوله: (الحمد لله الذي بنعمته تم الصالحات...). ومختصر: أخيه، الشيخ: أحمد بن محمد الغزالي. المتوفى: بقزوين، سنة عشرين وخمسمائة. سماه: (لباب الإحياء). ومختصر: محمد بن سعيد اليمني. المتوفى: 595. ومختصر: الشيخ، أبي زكريا: يحيى بن أبي الخير اليمني. ومختصر: أبي العباس: أحمد بن موسى الموصلي. المتوفى: سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وله: مختصر آخر أصغر حجما من الأول. ومختصر: الشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة. وله: مختصر، مسمى: (بعين العلم). لبعض علماء الهند. وشرحه: المولى علي القاري. وسماه: (فهم المعلوم). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إحياء المهج، بحصول الفرج
لشهاب الدين: أحمد بن محمد بن عبد السلام. الذي ولد: سنة سبع وأربعين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إحياء الميت، بفضائل أهل البيت
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. أوله: (الحمد لله وكفى... الخ). أورد فيه: ستين حديثا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إحياء النفوس، في صنعة إلقاء الدروس
مختصر. للشيخ، تقي الدين: علي بن عبد الكافي السبكي، الشافعي. المتوفى: سنة ست وخمسين وسبعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإملاء، على مشكل الإحياء
لصاحبه أيضا. سبق. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تحفة الأحياء، فيما فات من تخاريج أحاديث الإحياء
سبق في: الألف. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تخريج أحاديث: (الإحياء)
سبق. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تذكرة قلوب الأحياء
للشيخ، شهاب الدين: أحمد الحموي، الحنبلي. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
إِحْيَاءُ المَواتِ: تملك أَرض لَا مَالك لَهَا بالعمارة.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحَيَاءُ: انحصار النَّفس عَن خوف ارْتِكَاب القبائح، أَو عَن خوف مَا يعاب، وَقيل: انقباض النَّفس عَن القبائح.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحَيَاءُ: وجود الهيبة فِي الْقلب مَعَ وَحْشَة مَا سبق. وَقيل: ذوبان الحشا لاطلاع الْمولى، وَقيل: انقباض الْقلب لتعظيم الرب.
|
المخصص
|
أَبُو عبيد، الخَفِرة، الحَيِيَّة وَقد خَفِرتْ خَفَراً وتَخَفَّرت والخَفَر - شِدَّة الحَيَاء والخَرِيدة والخَرِيد مِثْلها، ابْن دُرَيْد، خَرِيدَة بَيِّنَة الخَردَ وَالْجمع خُرُدُ، الْأَصْمَعِي، التَّخَرُّد - الاسْتحِيْاء، صَاحب الْعين، جارِيَة خَرِيدةٌ - بِكْر لم تُمْسَسْ قَطٌّ والجميع الخَرَائِدُ والخُرَّد والخَرُود - الخَفِرة الحَيِيِّة الَّتِي قد جازَتِ الإعصار وَلم تبلُغِ التَّعْنيسَ، قَالَ ابْن جنى، خَرِيدة وخُرَّدٌ وَهُوَ أحدُ مَا خَرَج إِلَى فُعَّل فِي الشُّذُوذ، ابْن دُرَيْد، الخَودْ - الحَيِيِّة وَقد تقدم أَنَّهَا الحَسَنة الخَلْق وَقَالَ امْرَأَة سَتِرةٌ وسَتِيرةٌ وسَتِير - خَفِرَة، صَاحب الْعين، البَهْنانَة - اللَّيِّنَة فِي مَنْطِقها وعَمَلها وَقد تقدم أَنَّهَا الضَّحَّاكة وَأَنَّهَا الطَّيِّبة الرِّيح، ابْن السّكيت، الحَصَان - الحافِظَة لَفَرْجِها، قَالَ سِيبَوَيْهٍ، امْرَأَة حَصَانٌ على نَحْو قَوْلهم بناءٌ حَصِين فِي المعنَى أرادُوا أَن يُخبِروا أَن البِنَاء مُحْرز لمن لَجَأَ إِلَيْهِ وَأَن الْمَرْأَة مُحْرِزة لِفْرجها وخالَفُوا فِيهِ بَين البناءَيْن على نَحْو العِدْل والعَدِيل، أَبُو عَليّ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فرسٌ حِصَانٌ لِأَنَّهُ مُحْرِز لفارِسِه، ابْن السّكيت، حَصُنَت حُصْناً وتَحَصَّنتْ وَأنْشد: الحُصْن أَدْنَى لُوْ تَأَيْيِّته من حَثْيِك التُّرْبَ على الرَّاكِبِ سِيبَوَيْهٍ، حَصُنَتْ حِصْناً، أَبُو عبيد، امْرَأَة حَصَانٌ بَيِّنة الحَصَانة والحُصْنِ والحَصْنِ، قَالَ أَبُو عَليّ، وأمَّا الحَوَاصِن فعلَى قَوْلهم امْرَأَة حاصِنٌ وَأنْشد: حَوَاصِنِها والمُبْرِقاتِ الرَّوانِي ابْن السّكيت، امْرَأَة مُحْصِنَة ومُحْصَنَة - وَهِي الحُرَّة مالم تَفْضَح نفْسَها بِرِيبة ورجُل مُحْصَنٌ ومُحْصِن - وَهُوَ الَّذِي تَزَوَّج - قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا للْمَرْأَة حَصُنَت حُصْنا وَهِي حَصَان كَجُبنَت وَهِي جَبَان وَإِنَّمَا هَذَا كالحِلْم والعَقْل وَقَالُوا حِصْنا كَمَا قَالُوا عِلْماً، ابْن السّكيت، الرَّزانُ - الرَّزِينة وَهِي العاقِلَة اللازِمة لمقْعدها وَقد رَزُنت وَقد رَزُنت رَزَانة ورزُونا، قَالَ سِيبَوَيْهٍ، الرَّزِين من الحِجارة والحَديد وَالْمَرْأَة رَزَانٌ فَرّقُوا بَين مَا يُحْمَل وَبَين مَا ثَقُل فِي مَجْلِسه فَلم يَخِفَّ، صَاحب الْعين، الرَّزِين - الثَّقِيل من كُلِّ شَيْء، أَبُو زيد، رَزَنْت الشيءَ أَرْزُنة رَزْناً - رُزْتِ ثقَله، أَبُو عبيد، الثَّقَال كالرَّزَان وَقد ثَقُلَت، أَبُو عَليّ، القَوْل فِي الثَّقَال والثَّقِيل كالقول فِي الرَّزان والرَّزِين
وَقد تقدم أَن الثَّقَال الِكْفال، ابْن السّكيت، ومنهنَّ العَفِيفَة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ، عَفَّ كَمَا قَالُوا قلَّ قِلَّةً، ابْن السّكيت، عَفَّت تَعِفُّ عِفَّة وعَفَافاً وعَفَافة - هُوَ تَرْك كلِّ قَبِيح أَو حرامٍ، صَاحب الْعين، العَفِيفة من النِّساء - السَّيِّدة الخَيِّرة الَّتِي لَا فَوْقَ لَهَا وَلَا بَعْد لَهَا إِذا فَضَّلوها وأصل العِفَّة الكَفُّ عَمَّا لَا يَحِلُّ وَعَن كل قَبِيح وَقد تَعَفَّفَت وَالرجل عَفٌّ وعَفِيف، ابْن السّكيت، وَمِنْهُم المَأْمُونة - وَهِي المُسْتَراد لمْثلها يُقَال لكل من رُغِب فِيهِ إنَّه لُمْستَرادٌ لِمثْله - أَي أَن مِثْلَه مَطْلوب، صَاحب الْعين، امْرَأَة قَدِعة وقَدُوع - كثِيرَة الخَير قليلةُ الْكَلَام - أَبُو عبيد، العَقِيلةُ من النِّسَاء - الكَرِيمة وَقيل هِيَ الَّتِي خُدِّرت مشتَقٌ من العَقْل وَهُوَ الحبْسُ، ابْن الْأَعرَابِي، امْرَأَة مَنِيعة ومُمْتَنِعة ومُتَمَنِّعة - لاتُؤَاتِي على فاحِشَة وَقد مَنُعت مَنَاعة وكل من امْتَنَع فقد مَنُع مَنَاعة ومَنَعاً، |
المخصص
|
أَبُو عُبَيْد: حَيِيت مِنْهُ حَياءً واستَحْيَيت.
قَالَ أَبُو عَليّ: ذكر سِيبَوَيْهٍ: اسْتَحَيْت، فَقَالَ عَن الْخَلِيل أَنه جَاءَ على حايا وَلم يسْتَعْمل فَعَل مِنْهُ وَكَذَلِكَ استَحَيْت أسكَنوا الْيَاء الأولى مِنْهُمَا كَمَا سكنت فِي بِعْت وسكنت الثّانية لِأَنَّهَا لَام الْفِعْل فحذفت الأولى لِأَنَّهُ لَا يلتقي ساكنان وَإِنَّمَا فعلوا هَذَا حَيْثُ كثر كَلَامهم وكانتا ياءين حذفوها وألقوا حركتها على الْحَاء كَمَا ألزموا يَرى الْحَذف وكما قَالُوا لم يَكُ وَلَا أَدْرِ. قَالَ أَبُو عُثْمَان: استحيت: حذفوا الْيَاء التّي هِيَ عين وألقوا حركتها على الْحَاء وَلم تحذف لالتّقاء السّاكنين وَلَو كَانَ حذفهَا لَهُ لردها إِذا قَالَ هُوَ يفعل يَقُول هُوَ يَسْتَحْيِي، وَقد قَالَ قوم حذفوا لالتّقاء السّاكنين وَلم يردوا فِي يفعل لأَنهم لَو ردوا فِي يفعل رفعوا مَا لَا يرْتَفع مثله فِي كَلَامهم وَذَلِكَ أَن الْأَفْعَال المضارعة إِذا كَانَ آخرهَا مُعْتَلًّا لم يدخلهَا الرّفع فِي شَيْء من الْكَلَام ويُقوّي أَنه لَيْسَ لالتّقاء السّاكنين قَوْلهم فِي الِاثْنَيْنِ اسْتَحَيا لِأَن اللَّام لَا ضمة فِيهَا وَلَكِن هَذَا حذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كَمَا قَالُوا فِي أَشْيَاء كَثِيرَة الْحَذف مثل: أَحَسْتُ وظِلْت ومِسْت، وَلم يستعملوا الْفِعْل من استحييت إلاّ بِالزِّيَادَةِ كَرَاهِيَة أَن يلْزمهُم فِيهِ مَا يلْزمهُم فِي آيَة وَأَخَوَاتهَا وَالْقَوْل فِيهِ عِنْدِي أَن المثلين والمُتقاربين إِذا اجْتمعَا خفف بِأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء بِالْإِدْغَامِ نَحْو ردَّ وشدّ وحَيَّة وقُوَّة أَو الإِبدال نَحْو أمْلَيْت، وذوائِب جمع ذُؤابة فَأَما الْحَذف فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يحذف الْحَرْف مَعَ جَوَاز الإِدغام وإمكانه نَحْو قَوْلهم بَخٍ فِي بَخٍ وَالْآخر أَن يحذف لِامْتِنَاع الإِدغام لسكون الْحَرْف المدغم فِيهِ وَلُزُوم ذَلِك لَهُ كَقَوْلِهِم عَلْماء بَنو فلَان وبَلْحارِث أَو لما يلْزم من تَحْرِيك حرف غير مدغم فِيهِ يلْزمه السّكون كَقَوْلِهِم يسطيع وحذفهم التّاء لما كَانَ يلْزم من تَحْرِيك السّين فِي استفعال لَو أدغمت فِي مقاربها وَقَوْلهمْ استحيت مِمَّا حذف لِامْتِنَاع جَوَاز الْحَرَكَة فِي المدغم فِيهِ وَامْتِنَاع تحركه من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن هَذِه اللَّام يلْزمهَا السّكون كَمَا يلْزم سَائِر اللامات إِذا اتَّصل بهَا ضمير الْفَاعِل وَالْأُخْرَى أَنه لَو أدغم فِي الْمَاضِي مَعَ اتِّصَال الضّمير بِهِ فِي اللُّغَة القليلة التّي حَكَاهَا عَن الْخَلِيل من قَوْلهم رَدَّتُ ورَدَّنَ للَزِمَ أَن يتبعهُ الْمُضَارع فِي الإِدغام كَمَا تبع يشقيان شَقِي فَتحَرك مَا لم يُحَرك مثله وَهَذَا الإِدغام إِنَّمَا كَانَ يلْزم فِي الْمَاضِي إِذا اتَّصل بضمير الْفَاعِل فَإِذا لم يتَّصل لم يلْزم الإِدغام لانقلاب الْحَرْف الثّاني ألفا وَزَوَال المثلية بانقلابه فَلَمَّا كَانَ الإِدغام فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيك مَا لَا يَتَحَرَّك لما ذكرنَا وَكَانَت الْكَلِمَة مستعملة بحروف زَائِدَة خفف بالحذف كَمَا خفف عَلْماء بَنو فلَان ويسطيع وبَلْحارث وبَلْعنبر وَنَحْو ذَلِك فحذفت الْعين حذفا كَمَا حذفت هَذِه الْحُرُوف لَا لالتّقاء السّاكنين لِأَنَّهُ لَو حذف لَهُ لردّ فِي استِحاء ثمَّ ألْقى حَرَكَة الْحَرْف للتَّخْفِيف على الْفَاء وَإِن لم يكن الْحَذف لالتّقاء السّاكنين كَمَا ألْقى حَرَكَة الْمَحْذُوف من ظَلِلْت ومَسِسْت على الْفَاء فِي قَوْلهم ظِلْت وَإِن لم تحذف الْعين لالتّقاء السّاكنين فَهَذَا القَوْل عِنْدِي فِي حذف الْعين من استحيت وَالْقَوْل فِي حذفهم لَهَا من يستحي كالقول فِي الْحَذف من استحيت فِي أَن الْمَحْذُوف الْعين للتَّخْفِيف. أَبُو زيد: استَحْيَيْته واستحْيَيْت مِنْهُ وَكَذَلِكَ استحَيْت فيهمَا، وَرجل حَيْيّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى حَيِيَّة، وَقَالَ: خَجِل الرَّجُل خَجلاً: فعل فِعْلاً يُستحى مِنْهُ، وأخْجَله الْأَمر، وخَجَّلْته. أَبُو عُبَيْد: خَمَرْت الرَّجُل أخْمِره: استحيت مِنْهُ، والتُّؤَبَة: الاستحياء، وَقد أتأَب، وَأنْشد: من يلق هَوْذَةَ يسجدْ غير مُتَّئِبٍ إِذا تعمّم فَوق التّاج أَو وضعا ابْن السّكيت: وَأَبَ يَئِب إبَةً: استحيا. أَبُو زيد: أوْأَبْت الرَّجُل وأتْأَبْته: أخجلته. وَقَالَ: قلت لَهُ قولا فَمَا لاحَ بِهِ: أَي مَا استحيا مِنْهُ. ابْن دُرَيْد: إِنَّه ليتَصَحَّت عَن مُجالسَتنا: أَي يستحي. صَاحب الْعين: أَخَتَّ الرَّجُل: استحيا وَقيل لَهُ كَلَام فَأَخَتَّ مِنْهُ: أَي استحيا مِنْهُ، وَأنْشد: فَمن يَك من أَوَائِله مُخِتَّاً فَإنَّك يَا وليد بهم فخورُ ابْن السّكيت: اخْتَنَأْت مِنْهُ: استحيت. أَبُو زيد: هُوَ أَن تخَاف أَن يلحقك مِنْهُ شَيْء وَقد تقدم أَنه الفَرَق. ابْن السّكيت: خَزِي خَزَايَة: استحيا. سِيبَوَيْهٍ: خَزِي خِزْياً وخَزىً. ابْن السّكيت: خَزِيت فلَانا وخَزِيت مِنْهُ: استحييت. سِيبَوَيْهٍ: رجل خَزْيان وَامْرَأَة خَزْيا، وَالْجمع خَزايا. أَبُو عُبَيْد: خازاني فخَزَيْته: أَي كنت أَشد خِزْياً مِنْهُ. غَيره: وَفِي الدّعاء اللَّهُمَّ احشرنا غير خَزايا وَلَا نادمين: أَي غير مُستحيِين من الإِعمال، وخَزِي خِزْياً وَقع فِي بليَّة. صَاحب الْعين: الحِشْمَة: الْحيَاء والانقباض، وَقد احتشمت مِنْهُ وَعنهُ وَلَا يُقَال احتشمته، وَمَا الَّذِي حَشَّمك وأحْشَمك. أَبُو عُبَيْد: حشمته أحشِمه وأحشُمه: وَهُوَ أَن يجلس إِلَيْك فتؤذيه وتُسمعه مَا يكره، وَقد تقدم أَن الحِشْمة الْغَضَب. ابْن دُرَيْد: تَضَرَّج الخدّ عِنْد الخجل: احمرّ. أَبُو حنيفَة: قَنِيَ حَياؤه قَنْوً: لزمَه وَقيل أَصَابَهُ حَيَاء. الكلابيون: القَزازة: الْحيَاء، رجل قَزٌّ من قوم أقِزَّاء. أَبُو حَاتِم: الرّجْب: الْحيَاء وَالْعَفو، وَأنْشد: فغيرك يستحيي وَغَيْرك يَرْجُبُ الْكسَائي: ضَبَأْت مِنْهُ: استحييت. أَبُو عُبَيْد: اضْطَنَأْت مِنْهُ كَذَلِك. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
معنى الحياء لغة واصطلاحاً.
معنى الحياء لغة:. تقول: رجل حَيِيٌّ ذو حَياءٍ بوزن فَعِيلٍ، والأُنثى بالهاء وامرأَة حَيِيَّة واسْتَحْيا الرجل واسْتَحْيَت المرأَة، وللعرب في هذا الحرف لغتان يقال اسْتَحَى الرجل يَسْتَحي بياء واحدة، واسْتَحْيا فلان يَسْتَحْيِي بياءَين، والقرآن نزل بهذه اللغة الثانية في قوله عز وجل إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مثلاً [البقرة:26] (¬1).ويقال استحيت بياء واحدة وأصله استحييت. والحياء ممدود الاستحياء (¬2).والحياءمشتق من الحياة (¬3).. (قَالَ الْإِمَامُ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ وَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ مِنْ قُوَّةِ الْحَيَاةِ فِيهِ لِشِدَّةِ علمه بمواقع الغيب) (¬4).. معنى الحياء اصطلاحاً:. هو: (انقباض النفس من شيء وتركه حذراً عن اللوم فيه) (¬5).. وقال الحافظ ابن حجر: (الحياء: خلق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فيحق ذي الحق) (¬6).. وقيل هو: (تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم ومحله الوجه ومنعه من القلب) (¬7).. ¬_________. (¬1) [937]- ((لسان العرب)) لابن منظور. بتصرف يسير (14/ 218). (¬2) [938]- ((مختار الصحاح)) (ص86).. (¬3) [939]- ((الجواب الكافي)) (ص69).. (¬4) [940]- ((شرح النووي على مسلم)) (2/ 5).. (¬5) [941]- ((التعريفات للجرجاني)) (ص94).. (¬6) [942]- ((فتح الباري)) (1/ 52).. (¬7) [943]- ((التبيان تفسير غريب القرآن)) (ص61). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الحياء صفة من صفات الله عز وجل.
(حياء الله صفة من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة وهي صفة كمال تدل على الكرم والفضل والجود والجلال، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إذا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) (¬1).. قال ابن القيم في (النونية) (2/ 80):. وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ... عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ. لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ... فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ. قال الهرَّاس: (وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر). اهـ) (¬2).. ¬_________. (¬1) [944]- رواه أبو داود (1488)، وابن حبان (3/ 160) (876)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (1/ 220) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه. وسكت عنه أبو داود، وقال محمد المناوي في ((تخريج أحاديث المصابيح)) (2/ 259): في إسناده جعفر بن ميمون قال أحمد: ليس بالقوي. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (1488).. (¬2) [945]- ((صفات الله الواردة في الكتاب والسنة)) لعلوي السقاف (ص148 - 149). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الفرق بين الحياء والخجل.
(الخجل: معنى يظهر في الوجه لغم يلحق القلب عند ذهاب حجة أو ظهور على ريبة وما أشبه ذلك فهو شيء تتغير به الهيبة.. والحياء: هو الارتداع بقوة الحياء ولهذا يقال فلان يستحي في هذا الحال أن يفعل كذا، ولا يقال يخجل أن يفعله في هذه الحال لأن هيئته لا تتغير منه قبل أن يفعله فالخجل مما كان والحياء مما يكون.. وقد يستعمل الحياء موضع الخجل توسعا، وقال الأنباري: أصل الخجل في اللغة الكسل والتواني وقلة الحركة في طلب الرزق ثم كثر استعمال العرب له حتى أخرجوه على معنى الانقطاع في الكلام.. وفي الحديث (إذا جعتن وقعتن وإذا شبعتن خجلتن) (¬1) وقعتن أي: ذللتن، وخجلتن: كسلتن.. وقال أبو عبيدة: الخجل هاهنا الأشر وقيل هو سوء احتمال العناء.. وقد جاء عن العرب الخجل بمعنى: الدهش.. قال الكميت:. فلم يدفعوا عندنا ما لهم ... لوقع الحروب ولم يخجلوا. أي لم يبقوا دهشين مبهوتين) (¬2).. ¬_________. (¬1) [946]- ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (6/ 377) وقال: رواه ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن منصور بن المعتمر مرسلا.. (¬2) [947]- ((الفروق اللغوية)) (ص244). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
فضل الحياء.
الحياء فضيلة من فضائل الفطرة, وهو مادة الخير والفضيلة وبهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الحياء خير كله)) (¬1).. ومن فضائله أنه:. - يحبه الله:. روي في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: ((عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) (¬2).. - الحياء من سنن الأنبياء والمرسلين:. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالْحِلْمُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ.)) (¬3).. - الحياء خلق الإسلام:. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ)) (¬4).. - الحياء مفتاح لكل خير:. روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه, قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (¬5).. يقول ابن حجر رحمه اللَّه: (إذا صار الحياء عادة وتخلق به صاحبه يكون سببًا يجلب الخير إليه فيكون منه الخير بالذات والسبب) (¬6).. - الحياء مغلاق لكل شر:. وجاء في الصحيح عن أبي مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (¬7).. قال الخطابي: (الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذي يكف الإنسان عن مواقعة الشر هو الحياء فإذا تركه صار كالمأمور بارتكاب كل شر) (¬8).. وقال ابن القيم: (خُلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة كما أنه ليس معه من الخير شيء) (¬9).. - الحياء يكسب محبة الله تعالى:. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف ويحب الحيي العفيف المتعفف)) (¬10).. ¬_________. (¬1) [948]- رواه مسلم (37) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.. (¬2) [949]- رواه أبو داود (4012)، والنسائي (406) من حديث يعلى رضي الله عنه. وصححه النووي في ((الخلاصة)) (1/ 204)، وحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (1729)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (1/ 317): رجال إسناده رجال الصحيح.. (¬3) [950]- رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (11/ 186) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (3959)، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (2857).. (¬4) [951]- رواه ابن ماجه (4181)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (2/ 210)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (5/ 363) من حديث أنس رضي الله عنه. وضعفه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (2411)، وحسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (3389).. (¬5) [952]- رواه البخاري (6117)، ومسلم (37) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.. (¬6) [953]- ((فتح الباري)) (10/ 522).. (¬7) [954]- رواه البخاري (3484) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.. (¬8) [955]- ((فتح الباري)) (10/ 523).. (¬9) [956]- ((مفتاح دار السعادة)) (1/ 277) بتصرف يسير.. (¬10) [957]- رواه البيهقي في شعب ((الإيمان)) (8/ 263) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال: في إسناده ضعف. وحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (1668)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1711). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الترغيب والحث على الحياء من القرآن والسنة.
الترغيب والحث على الحياء من القرآن الكريم:. - قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة:26]. أي: لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً ولو كان مثلاً حقيراً ما دام يثبت به الحق (¬1).. - وقال تعالى: وَرِيشًا وَلِبَاسُ التقوى [الأعراف:26]. فُسر لباس التقوى بأنه الحياء كما روي عن الحسن (¬2)، ومعبد الجهني (¬3).. - وقال تعالى: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: 25].. قال مجاهد: (يَعْنِي: وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لَيْسَتْ بِخَرَّاجَةٍ وَلَا وَلَّاجَةٍ) (¬4).. قال الطبري: (فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَهِيَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ) (¬5).. - وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53].. قال ابن كثير: (وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَكُمْ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَتَأَذَّى بِهِ، لَكِنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ) (¬6).. وقال الشوكاني: (أَيْ يَسْتَحْيِي أَنْ يَقُولَ لَكُمْ: قُومُوا، أَوِ اخْرُجُوا) (¬7).. الترغيب والحث على الحياء من السنة النبوية:. - عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (¬8).. قال الخطابي: (قال الشيخ: معنى قوله النبوة الأولى أن الحياء لم يزل أمره ثابتاً واستعماله واجباً منذ زمان النبوة الأولى وأنه ما من نبي إلاّ وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم ولم يبدل فيما بدل منها) (¬9).. وقال ابن دقيق العيد: (معنى قوله: "من كلام النبوة الأولى" إن الحياء لم يزل ممدوحاً مستحسناً مأموراً به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين) (¬10).. وقال المناوي: (والمراد الحياء الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود) (¬11).. ¬_________. (¬1) [962]- ((تفسير القرآن)) للعثيمين (1/ 96).. (¬2) [963]- ((تفسير الآلوسي)) (4/ 344).. (¬3) [964]- ((تفسير الثعالبي)) (3/ 19).. (¬4) [965]- ((تفسير مجاهد)) (ص529).. (¬5) [966]- ((جامع البيان)) للطبري (18/ 221).. (¬6) [967]- ((تفسير ابن كثير)) (6/ 454).. (¬7) [968]- ((فتح القدير)) للشوكاني (4/ 342).. (¬8) [969]- رواه البخاري (3484) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.. (¬9) [970]- ((معالم السنن)) للخطابي (4/ 109).. (¬10) [971]- ((شرح الأربعين النووية)) لابن دقيق العيد (ص78).. (¬11) [972]- ((فيض القدير)) للمناوي (3/ 428). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
أقوال السلف والعلماء في الحياء.
- وقال عمر رضي الله عنه: (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه) (¬1).. - قال ابن القيم في حقيقة الحياء: (قال صاحب المنازل: الحياء: من أول مدارج أهل الخصوص يتولد من تعظيم منوط بود إنما جعل الحياء من أول مدارج أهل الخصوص: لما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه وأول سلوك أهل الخصوص: أن يروا الحق سبحانه حاضرا معهم وعليه بناء سلوكهم وقوله: إنه يتولد من تعظيم منوط بود يعني: أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء والجنيد يقول: إن تولده من مشاهدة النعم ورؤية التقصير ومنهم من يقول: تولده من شعور القلب بما يستحيي منه فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمى الحياء ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن للحياء عدة أسباب) (¬2).. - وقال أيضاً: (حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم.. - قال الجنيد رحمه الله: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.. - ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق.. - وقال السري: إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا وفي أثر إلهي يقول الله عز وجل: ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت من أم الكتاب زلاتك وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة (¬3).. - وفي أثر آخر: أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: عظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني: أن تعظ الناس (¬4).. - وقال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقاوة: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل (¬5)، وفي أثر إلهي ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده ويعصيني ولا يستحيي مني) (¬6).. - وقال أبو عبيدة الناجي: سمعت الحسن يقول: (الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله عز وجل بهما) (¬7). - (وقال ابن عطاء: العلم الأكبر: الهيبة والحياء؛ فإذا ذهبت الهيبة والحياء لم يبق فيه خير.. - وقال ذو النون المصري: الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى.. - وقال أبو عثمان: من تكلم في الحياء ولا يستحي من الله عز وجل فيما يتكلم به، فهو مستدرج.. - وقال الجريري: تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين، حتى رق الدين .. ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة.. - وقيل: من علامات المستحي: أن لا يرى بموضع يستحيا منه.) (¬8). - وقال ابن أبي الدنيا: قيل لبعض الحكماء: ما أنفع الحياء؟ قال: أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره (¬9).. - وقال ربيط بني إسرائيل: (زين المرأة الحياء، وزين الحكيم الصمت) (¬10). ¬_________. (¬1) [987]- رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (2/ 370)، والبيهقي في ((الشعب)) (7/ 59) من حديث الأحنف بن قيس رضي الله عنه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/ 305): فيه دويد بن مجاشع ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.. (¬2) [988]- ((مدارج السالكين)) (2/ 253).. (¬3) [989]- رواه القشيري في ((رسالته)) (2/ 368)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (34/ 150) عن أبي سليمان الداراني رحمه الله.. (¬4) [990]- ((وصية الشيخ السلمي)) (42).. (¬5) [991]- رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (10/ 182)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (48/ 416).. (¬6) [992]- ((الرسالة القشيرية)) (2/ 370).. (¬7) [993]- ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (1/ 43).. (¬8) [994]- ((الرسالة القشيرية)) (2/ 368 - 369) بتصرف.. (¬9) [995]- ((التوبة)) لابن أبي الدنيا (ص91).. (¬10) [996]- ((الصمت)) لابن أبي الدنيا (ص263). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
أقسام الحياء.
(ينقسم الحياء باعتبار محله إلى قسمين:. 1 - القسم الأول: حياء فطري: وهو الذي يولد مع الإنسان متزوداً به، ومن أمثلته: حياء الطفل عندما تنكشف عورته أمام الناس، وهذا النوع من الحياء منحة أعطاها الله لعباده.. 2 - والقسم الثاني: حياء مكتسب: وهو الذي يكتسبه المسلم من دينه، فيمنعه من فعل ما يذم شرعاً، مخافة أن يراه الله حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.. وينقسم باعتبار متعلقه إلى قسمين:. 1 - القسم الأول: الحياء الشرعي: وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام، وهو محمود.. 2 - القسم الثاني: الحياء غير الشرعي: وهو ما يقع سبباً لترك أمر شرعي، وهذا النوع من الحياء مذموم، وهو ليس بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة) (¬1).. ¬_________. (¬1) [997]- ((الأخلاق الإسلامية)) لحسن السعيد المرسي (ص146). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
فوائد الحياء.
للحياء فوائد عديدة وسمات حميدة، فيزيد عزة المرء بنفسه، ويعظم قدره عند غيره، ويكسب رضا ربه.. فمن فوائده:. - الحياء من خصال الإيمان.. - هجر المعصية خجلا من الله سبحانه وتعالى.. - الإقبال على الطاعة بوازع الحب لله عز وجل.. - يبعد عن فضائح الدنيا والآخرة.. - أصل كل شعب الإيمان.. - يكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يخل بالمروءة والتوقير ولا يؤذي من يستحق الإكرام.. - لا يمنع من مواجهة أهل الباطل ومرتكبي الجرائم.. - هو دليل على كرم السجية وطيب المنبت.. - صفة من صفات الأنبياء والصحابة والتابعين (¬1).. - من استحى من الله ستره الله في الدنيا والآخرة.. - يعد صاحبه من المحبوبين عند الله وعند الناس.. - يمنع الشخص عن الفواحش، ويجعله يستتر بها إذا هو سقط في شيء من أوحالها.. - يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، والتخلي عن كل قبيح مكروه (¬2).. ¬_________. (¬1) [998]- ((نضرة النعيم)) (5/ 1814).. (¬2) [999]- ((الأخلاق الإسلامية)) لعبد الرحمن الميداني (2/ 491). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
درجات الحياء.
قسم شيخ الإسلام الهروي الحياء إلى ثلاث درجات:. (الدرجة الأولى: حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة ويحمله على استقباح الجناية ويسكته عن الشكوى.. الدرجة الثانية: حياء يتولد من النظر في علم القرب؛ فيدعوه إلى ركوب المحبة ويربطه بروح الأنس ويكره إليه ملابسة الخلق.. الدرجة الثالثة: حياء يتولد من شهود الحضرة وهي التي لا تشوبها هيبة ولا تقارنها تفرقة ولا يوقف لها على غاية) (¬1).. ¬_________. (¬1) [1000]- ((مدارج السالكين)) (2/ 246 - 267). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
صور الحياء.
صور الحياء المحمود:. الحياء المحمود من الصفات الحميدة والأخلاق النبيلة التي حثنا عليها الشرع والتي تدل على ترك القبيح، ولهذه الصفة صور نذكر منها:. - الحياء من الله: وذلك بالخوف منه ومراقبته، وفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه، وأن يستحي المؤمن أن يراه الله حيث نهاه، وهذا الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي والآثام لأنه مرتبط بالله يراقبه في حله وترحاله.. - الحياء من الملائكة: وذلك عندما يستشعر المؤمن بأن الملائكة معه يرافقونه في كل أوقاته، ولا يفارقونه إلا عند الغائط وعند أن يأتي الرجل أهله، فهذا يدل على قوة إيمان المؤمن، وهو بهذا يستحي أن يقترف ما حرم الله.. - الحياء من الناس: وهو دليل على مروءة الإنسان؛ فالمؤمن يستحي أن يؤذي الآخرين سواء بلسانه أو بيده، فلا يقول القبيح ولا يتلفظ بالسوء، ولا يطعن أو يغتاب أو ينم على الآخرين، وكذلك يستحي من أن تنكشف عوراته فيطلع عليها الناس.. - الحياء من النفس: وذلك عندما يكون الإنسان لوحده بعيداً عن أنظار الناس، فيستحي عن اقتراف الذنوب والآثام حياء من نفسه التي بين جنبيه، وهذا الحياء هو يثبت حقيقة الحياء من الله.. - الحياء من الوالدين.. - والحياء من الضيف والمبادرة بإكرامه.. صور الحياء المذموم:. من صور الحياء المذموم الذي يرفضه الإسلام:. - الحياء في طلب العلم:. إذا تعلق الحياء بأمر ديني، يمنع الحياء من السؤال فيه أو عرضه في تعليم أو دعوة، فإن مما ينبغي العمل به هو رفع الحرج، ومدافعة هذا الحياء الذي يمنع من التحصيل العلمي أو الدعوة إلى الله سواء عند الرجال أو النساء (¬1).. وورد أن أم سليم رضي الله عنها ((جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ قال نعم تربت يمينك فيم يشبهها ولدها)) (¬2).. وعن مجاهد، قال: (إن هذا العلم لا يتعلمه مستح ولا متكبر) (¬3).. في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب ((أن أباموسى قال لعائشة - رضي الله عنها: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ لاَ تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَتْ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((إذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)) (¬4).. ¬_________. (¬1) [1001]- ((المرأة المسلمة المعاصرة .. إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة)) لأحمد بن محمد أبا بطين (ص388 - 389). (¬2) [1002]- رواه البخاري (130)، ومسلم (313) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.. (¬3) [1003]- ((حلية الأولياء)) (3/ 287).. (¬4) [1004]- رواه مسلم (349) من حديث عائشة رضي الله عنه. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
من مظاهر قلة الحياء.
- المجاهرة بالذنوب والمعاصي وعدم الخوف من الله.. - لبس النساء الكاسيات العاريات الملابس التي تصف الأجسام أو الضيقة أو المفتوحة من الأعلى والأسفل.. - حديث المرأة مع الرجل الأجنبي عند خروجها واختلاطها به مثل البائع وغيره.. - التلفظ والتفوه بالألفاظ البذيئة والسيئة التي تجرح الآخرين.. - كلام الرجل مع غيره بالأسرار الزوجية والأمور الخاصة التي تحصل بينه وبين زوجته.. - عدم ستر العورات، فقد ((رَأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) (¬1).. ¬_________. (¬1) [1010]- رواه أبو داود (4012)، والنسائي (406) من حديث يعلى رضي الله عنه. وصححه النووي في ((الخلاصة)) (1/ 204)، وحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (1729)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (1/ 317): رجال إسناده رجال الصحيح. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
موانع اكتساب الحياء.
- الغناء:. روى البيهقي وابن أبي الدنيا عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: (يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة) (¬1). - ارتكاب المعاصي:. بين ابن القيم أن الذنوب والمعاصي تذهب الحياء فقال: (ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل كل خير وذهاب كل خير بأجمعه وفي الصحيح عنه أنه قال: ((الحياء خير كله)) (¬2). وقال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (¬3). وفيه تفسيران أحدهما أنه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح إذ الحامل على تركها الحياء فإذا لم يكن هناك حياء نزعه من القبائح فإنه يواقعها وهذا تفسير أبي عبيدة والثاني أن الفعل إذا لم تستح فيه من الله فافعله وإنما الذي ينبغي تركه ما يستحي فيه من الله وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هاني فعلى الأول يكون تهديدا كقوله اعملوا ما شئتم وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة فإن قيل فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين قلت لا ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعله والحامل على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع وإذا رأى إبليس طلعة وجهه) (¬4).. ¬_________. (¬1) [1011]- ((روح المعاني)) (11/ 68). (¬2) [1012]- رواه مسلم (37) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.. (¬3) [1013]- رواه البخاري (3484) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.. (¬4) [1014]- (الجواب الكافي) لابن القيم (ص69 - 70). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الوسائل المعينة على اكتساب الحياء.
الحياء موجود في فطرة الإنسان، وعلينا أن نجعله رفيقاً لنا في كل أقوالنا وأفعالنا، وهناك بعض الوسائل التي تنمي هذه الصفة وتقويها في نفوسنا، ومن هذه الوسائل:. - اتباع أوامر الله سبحانه والخوف منه ومراقبته في كل حين واستشعار معيته.. - اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في حياته القولية والفعلية.. - غض البصر عما حرم الله سبحانه وتعالى، وعدم تتبع عورات الآخرين.. - الصبر عن المعصية: لأن الصبر على البعد عن المعصية تعين على ملازمة الحياء.. - تربية الأولاد على الحياء.. - مجالسة من يتصف بصفة الحياء. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
نماذج من حياء الأنبياء والمرسلين:.
- حياء أبينا آدم وأمنا حواء:. إن الحياء خاصية من الخصائص التي حبا الله بها الإنسان ليبتعد عن مزاولة الذنوب والمعاصي والشهوات، وحينما أكل آدم وحواء من شجر الجنة التي نهاهما الله عن الأكل منها، بدت لهما سوءاتهما، فأسرعا يأخذان من أوراق الجنة ليسترا عوراتهما، فتحدث القرآن الكريم عن ذلك بقوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ... . [الأعراف:22]. وهذا يدل على أن الإنسان مفطور على الحياء، وأما قلة الحياء فهي منافية للفطرة، بل من اتباع الشيطان.. - حياء نبي الله موسى عليه السلام:. جاء في وصف موسى عليه السلام أنه كان حيّيّا ستِّيراً، حتى كان يستر بدنه، ويستحي أن يظهر مما تحت الثياب شيئاً حتى مما ليس بعورة. وبسبب تستره الزائد آذاه بعض بني إسرائيل في أقوالهم، فقالوا: ما يبالغ في ستر نفسه إلا من عيب في جسمه، أو من أدرة (¬1) هو مصاب بها (¬2).. فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا فذلك قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا. [الأحزاب:69])) (¬3).. ¬_________. (¬1) [1015]- الأدرة: هي انتفاخ في الخصي بسبب فتق.. (¬2) [1016]- ((الأخلاق الإسلامية)) لعبد الرحمن الميداني (2/ 495).. (¬3) [1017]- رواه البخاري (3404) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*إحياء علوم الدين كتاب ألفه حجة الإسلام أبو حامد الغزالى المتوفى سنة (505 هـ) ، أحد أئمة علم الكلام والفقه والتصوف فى القرن الخامس الهجرى.
ويشتمل هذا الكتاب على بحوث فى التوحيد والفقه والحديث والتصوف والاجتماع وعلم النفس والتربية. وقسم الغزالى كتابه أربعة أقسام، هى: العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات. واستعان بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وآثار الصحابة والصالحين. ولاقى هذا الكتاب منذ تأليفه إعجاب العلماء، حتى قال الحافظ العراقى: إنه من أجلِّ كتب الإسلام فى معرفة الحلال والحرام. ورغم هذا الإعجاب فقد وُجِّهتْ له بعض الانتقادات منها: احتواؤه على ألفاظ ومصطلحات غامضة، استشهاده بالكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ولأهمية الكتاب فقد اختصره بعض العلماء، كما خرَّج بعض العلماء أحاديثه. أما أعظم الأعمال التى خُدِم بها هذا الكتاب فهو كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للسيد محمد بن محمد الحسينى الزبيدى صاحب قاموس تاج العروس، ويقع هذا الشرح فى (10) مجلدات. وقد تأثر جمهور المسلمين بهذا الكتاب على مختلف المستويات العلمية والأخلاقية. |
|
في الفرنسية/ Pudeur
في الانكليزية/ decency, Shame في اللاتينية/ Pudor الحياء الحشمة وانقباض النفس من الشيء وتركه خوفا من اللوم فيه، وهو عند (مسكويه): انحصار النفس خوف اتيان القبائح والحذر من الذم (تهذيب الاخلاق ص 20). وقيل: الحياء صفة رجل يستر ما ابتلي به من المعاصي، أو يمتنع عن كشف ما يخصه من صميم الامور الباطنة، ولا سيما الأمور المتعلقة بالحياة الجنسية. وقد يطلق الحياء على امتناع المرء عن التمدح بما في نفسه من الكمالات والفضائل خوف الظهور بمظهر الكبر والاعجاب بالنفس. قال الجرجاني: الحياء نوعان: نفساني، وهو الذي خلقه اللّه في كل نفس كالحياء من كشف العورة، وايماني، وهو امتناع المؤمن عن فعل المعاصي خوفا من اللّه (التعريفات). (راجع: الخجل). |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْحْيَاءُ مَصْدَرُ " أَحْيَا " وَهُوَ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا، أَوْ بَثُّ الْحَيَاةِ فِي الْهَامِدِ (1) ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَحْيَاهُ اللَّهُ إِحْيَاءً، أَيْ جَعَلَهُ حَيًّا، وَأَحْيَا اللَّهُ الأَْرْضَ، أَيْ أَخْصَبَهَا بَعْدَ الْجَدْبِ (2) ، جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَل الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}} (3) . وَلَمْ يَخْرُجِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ " إِحْيَاءُ " عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَالُوا: " إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ "، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ إِنْبَاتَ الأَْرْضِ الْمُجْدِبَةِ، وَقَالُوا: إِحْيَاءُ اللَّيْل، وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ شَغْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ، وَعَدَمَ تَعْطِيلِهِ وَجَعْلِهِ كَالْمَيِّتِ فِي عُطْلَتِهِ (4) . وَقَالُوا: إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ دَوَامَ وَصْلِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَعَدَمَ الاِنْقِطَاعِ عَنْهُ كَالاِنْقِطَاعِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَهَكَذَا. وَقَالُوا: إِحْيَاءُ السُّنَّةِ وَأَرَادُوا إِعَادَةَ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا. وَيَخْتَلِفُ الإِْحْيَاءُ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، فَهُنَاكَ: أ - إِحْيَاءُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. ب - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ. ج - إِحْيَاءُ اللَّيْل. د - وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِمَارَةُ الْبَيْتِ بِالْحَجِّ، وَبِالْعُمْرَةِ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، تَشْبِيهًا لِلْمَكَانِ الْمَعْمُورِ بِالْحَيِّ، وَلِغَيْرِ الْمَعْمُورِ بِالْمَيِّتِ (5) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: 2 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ إِحْيَاءَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالْحَجِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُل عَامٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى كُل مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَحُجَّ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضًا وَلاَ تَطَوُّعًا مِمَّنْ يَحْصُل بِهِمُ الشِّعَارُ عُرْفًا فِي كُل عَامٍ، فَإِنَّ الإِْثْمَ يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، إِذِ الْمَقْصُودُ الأَْعْظَمُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ هُوَ الْحَجُّ، فَكَانَ بِهِ إِحْيَاؤُهَا، وَلِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا وَاحِدًا مَا أُمْطِرُوا. وَمِثْل الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْعُمْرَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالتَّادَلِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَلاَ يُغْنِي عَنْهُمَا الطَّوَافُ وَالاِعْتِكَافُ وَالصَّلاَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّاعَاتُ وَاجِبَةً أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُل بِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَتَطْبِيقًا عَلَى هَذَا فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُرْسِل جَمَاعَةً فِي كُل سَنَةٍ لإِِقَامَةِ الْمَوْسِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ فَعَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (6) . هَذَا وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ نَصًّا لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: 3 - تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ إِحْيَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِالتَّفْصِيل فِي أَوَّل كِتَابِ الْجِهَادِ، لِمُنَاسَبَةِ حُكْمِ الْجِهَادِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ، حَيْثُ تَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَأَحْكَامِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّل كِتَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى حُكْمِ الْحَجِّ. وَالَّذِينَ جَمَعُوا أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ فِي تَآلِيفَ خَاصَّةٍ، أَوْ عَقَدُوا فِي كُتُبِهِمْ فَصْلاً خَاصًّا بِأَحْكَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، تَعَرَّضُوا لَهُ أَيْضًا كَالْبَدْرِ الزَّرْكَشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: " إِعْلاَمِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ ". __________ (1) القليوبي 3 / 246 ط عيسى الحلبي (2) الحطاب 5 / 37 (3) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط (4) محيط المحيط. (5) سورة فاطر / 9 (6) النهاية لابن الأثير، مادة (حيي) . (7) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير 2 / 178 ط الحلبي، والنهاية لابن الأثير (حيا) ، والخرشي 3 / 108 ط بولاق، والحطاب 2 / 465 (8) الجمل 1 / 183، وكشاف القناع 2 / 375 ط الرياض، وإعلام الساجد ص 84، والحطاب 2 / 465، والخرشي 3 / 108 |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ. وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ السُّنَّةِ هُنَا: إِعَادَةُ الْعَمَل بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ إِهْمَال الْعَمَل بِهَا. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: 2 - إِحْيَاءُ السُّنَّةِ الْمُمَاتَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا إِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ الأَْصْل، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل فَرْضِ الْعَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل النَّدْبِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ (1) . __________ (1) كشاف اصلاحات الفنون 3 / 704 ط كلكتة. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْحْيَاءُ فِي اللُّغَةِ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا (1) ، وَيُرِيدُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوْلِهِمْ: " إِحْيَاءُ اللَّيْل " قَضَاءَ اللَّيْل أَوْ أَكْثَرَهُ بِالْعِبَادَةِ، كَالصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (2) . وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْمُدَّةُ هِيَ أَكْثَرُ اللَّيْل، وَيَكُونُ الْعَمَل عَامًّا فِي كُل عِبَادَةٍ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - قِيَامُ اللَّيْل: 2 - الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل قَدْ لاَ يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا لأَِكْثَرِ اللَّيْل، بَل يَتَحَقَّقُ بِقِيَامِ سَاعَةٍ مِنْهُ (3) . أَمَّا الْعَمَل فِيهِ فَهُوَ الصَّلاَةُ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَدْ يُطْلِقُونَ قِيَامَ اللَّيْل عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل. فَقَدْ قَال فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: مَعْنَى الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلاً مُعْظَمَ اللَّيْل بِطَاعَةٍ، وَقِيل سَاعَةً مِنْهُ، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) . __________ (1) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط (2) حاشية ابن عابدين 1 / 460 طبعة بولاق الأولى، وشرح المنهاج 2 / 127 طبع مصطفى الحلبي 1369 هـ. (3) ابن عابدين 1 / 461 (4) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 219 طبع المطبعة العثمانية. وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ لاَ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ. ب - التَّهَجُّدُ: 3 - التَّهَجُّدُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ نَوْمٍ (1) . وَلَكِنْ يُطْلِقُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْل مُطْلَقًا (2) . مَشْرُوعِيَّتُهُ: 4 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ الَّتِي وَرَدَ بِشَأْنِهَا نَصٌّ، كَمَا يُنْدَبُ إِحْيَاءُ أَيِّ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّل اللَّيْل وَيُحْيِي آخِرَهُ (3) ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ بِالْعِبَادَةِ فِي اللَّيْل، كَالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ فِي سَاعَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا، وَخَاصَّةً فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنَ اللَّيْل، وَلاَ سِيَّمَا فِي الأَْسْحَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَْسْحَارِ} (4) ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ فِي اللَّيْل لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَل اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (5) ، __________ (1) مغني المحتاج 1 / 228، والفروع 1 / 430 ط الأولى للمنار، وحاشية ابن عابدين 1 / 359، وحاشية الدسوقي 2 / 211 طبع دار الفكر. (2) حاشية الدسوقي 2 / 211 (3) حديث عائشة " كان رسول الله ينام أول الليل. . . " أخرجه البخاري بلفظ " كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلى " وقال ابن حجر: وأخرجه مسلم (فتح الباري 3 / 32 ط السلفية) . (4) سورة آل عمران / 17 (5) حديث جابر " إن في الليل لساعة " أخرجه الإمام أحمد ومسلم في الصلاة عن جابر (فيض القدير 2 / 472) فَهُوَ مِمَّا يَدْخُل فِي النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَحُضُّ عَلَى الْعِبَادَةِ (1) . أَنْوَاعُهُ: 5 - أ - إِحْيَاءُ لَيَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَرَدَ نَصٌّ بِإِحْيَائِهَا كَالْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. ب - إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ كُل لَيْلَةٍ، وَهَذَانِ النَّوْعَانِ مَوْضُوعُ الْبَحْثِ. الاِجْتِمَاعُ لإِِحْيَاءِ اللَّيْل: 6 - كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِجْتِمَاعَ لإِِحْيَاءِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرِ التَّرَاوِيحِ (2) ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ إِحْيَاءَ النَّاسِ اللَّيْل فُرَادَى (3) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ إِحْيَاءَ اللَّيْل بِصَلاَةِ قِيَامِ اللَّيْل جَمَاعَةً، كَمَا أَجَازُوا صَلاَتَهُ مُنْفَرِدًا، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل الأَْمْرَيْنِ، وَلَكِنْ كَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً، وَبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ مَرَّةً (4) . وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الاِجْتِمَاعِ عَلَى إِحْيَاءِ اللَّيْل بِقِيَامِهِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ، وَبَيْنَ الْمَكَانِ الْمُشْتَهَرِ وَالْمَكَانِ غَيْرِ الْمُشْتَهَرِ، فَأَجَازُوا - بِلاَ __________ (1) المجموع 4 / 47 ط الأولى بالمطبعة المنيرية. (2) حاشية ابن عابدين 1 / 461، والبحر الزخار 2 / 56 مطبعة السعادة، والمبسوط 1 / 144 طبع مطبعة السعادة (3) حاشية ابن عابدين 1 / 461، وأسنى المطالب شرح روض الطالب 1 / 208 نشر المكتبة الإسلامية (4) المغني 1 / 779 ط الثالثة للمنار كَرَاهَةٍ - اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ الْقَلِيل عَلَيْهِ إِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ غَيْرِ مُشْتَهَرٍ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ لإِِحْيَائِهَا مِنَ اللَّيَالِي الَّتِي صُرِّحَ بِبِدْعَةِ الْجَمْعِ فِيهَا، كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، فَيُكْرَهُ (1) . إِحْيَاءُ اللَّيْل كُلَّهُ: 7 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قِيَامِ اللَّيْل كُلِّهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ (2) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاسْتَثْنَوْا إِحْيَاءَ لَيَالٍ مَخْصُوصَةٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا دَخَل الْعَشْرُ الأَْوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْل كُلَّهُ (3) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. كَيْفِيَّتُهُ: 8 - يَكُونُ إِحْيَاءُ اللَّيْل بِكُل عِبَادَةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالأَْحَادِيثِ، وَسَمَاعِهَا، وَبِالتَّسْبِيحِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) . وَيُصَلِّي فِي إِحْيَاءِ اللَّيْل وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ. وَالتَّفْصِيل فِي عَدَدِ مَا يُصَلِّي وَكَوْنِهِ مَثْنَى أَوْ __________ (1) الخرشي 1 / 366 ط دار صادر بيروت (2) المجموع 4 / 47، وشرح الروض 1 / 208، وكشاف القناع 1 / 437 ط الثانية. وحديث عائشة عزاه النووي في المجموع (4 / 47) بهذا اللفظ إلى صحيح مسلم، ولم نجده به عند مسلم. والذي عنده من حديث طويل " ولا صلى ليلة إلى الصبح. . . الحديث) ، (صحيح مسلم 1 / 514. بتحقيق محمد عبد الباقي) . (3) رياض الصالحين ص 436 (4) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 1 / 460 - 461 رُبَاعَ، مَوْطِنُهُ " قِيَامُ اللَّيْل (1) ". وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَ اللَّيْل بِالصَّلاَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَهُ بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْيَا اللَّيْل أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْل كُلِّهَا. وَآكَدُهُ النِّصْفُ الأَْخِيرُ، وَأَفْضَلُهُ عِنْدَ الأَْسْحَارِ (2) . وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَقُول: أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً (3) . وَقَال نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْل، ثُمَّ يَقُول: يَا نَافِعُ، أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاَةَ. ثُمَّ يَسْأَل، فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ (4) . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: سَمِعْتُ رَجُلاً فِي السَّحَرِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ يَقُول: يَا رَبِّ أَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ، وَهَذَا سَحَرٌ، فَاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ (5) . __________ (1) حاشية ابن عابدين 1 / 460، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 217، والجمل 1 / 484 نشر دار إحياء التراث العربي (2) المجموع 4 / 47، ومغني المحتاج 1 / 229، طبع مصطفى البابي الحلبي. (3) قول أنس: " أمرنا أن نستغفر. . . " ذكره القرطبي 4 / 39 ط دار الكتب بالقاهرة ولم ينسبه إلى شيء من كتب الحديث. وقد رواه الطبري بسنده في تفسيره 6 / 266، ط دار المعارف. (4) أثر ابن عمر ذكره القرطبي (4 / 39) ط دار الكتب بالقاهرة ولم ينسبه إلى شيء من كتب الحديث، وقد رواه الطبري بسنده في تفسيره (6 / 266) ط دار المعارف ببعض اختلاف. (5) الأثر عن ابن مسعود ذكر القرطبي 4 / 40 والطبري في تفسير 6 / 266 ط دار المعارف وقال محققه: فيه حريث الحناط قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ: 9 - اللَّيَالِي الْفَاضِلَةُ الَّتِي وَرَدَتِ الآْثَارُ بِفَضْلِهَا هِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَتَا الْعِيدَيْنِ، وَلَيَالِي رَمَضَانَ، وَيُخَصُّ مِنْهَا لَيَالِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُخَصُّ مِنْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيَالِي الْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَاللَّيْلَةُ الأُْولَى مِنْ رَجَبٍ. وَحُكْمُ إِحْيَاءِ هَذِهِ اللَّيَالِي فِيمَا يَلِي: إِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ: 10 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بِصَلاَةٍ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي (1) . أَمَّا إِحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ يُكْرَهُ، لاَ سِيَّمَا الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا. وَلاَ يُكْرَهُ إِحْيَاؤُهَا مَضْمُومَةً إِلَى مَا قَبْلَهَا، أَوْ إِلَى مَا بَعْدَهَا، أَوْ إِلَيْهِمَا، قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّوْمِ (2) . وَظَاهِرُ كَلاَمِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ نَدْبُ إِحْيَائِهَا بِغَيْرِ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ مَرَاقِي الْفَلاَحِ سَاقَ حَدِيثَ: خَمْسُ لَيَالٍ لاَ يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا __________ (1) حديث " لا تخصوا ليلة الجمعة. . .) ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ولفظه " لا تختصوا "، وله تكملة (الفتح الكبير 3 / 318) (2) مغني المحتاج 2 / 228 الْعِيدِ (1) . وَلَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ. إِحْيَاءُ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ: 11 - يُنْدَبُ إِحْيَاءُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ (الْفِطْرِ، وَالأَْضْحَى) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (2) . لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ (3) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ اتِّبَاعًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُ الإِْحْيَاءِ بِصَلاَةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً، وَالْعَزْمِ عَلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً (4) . إِحْيَاءُ لَيَالِي رَمَضَانَ: 12 - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُنِّيَّةِ قِيَامِ لَيَالِي رَمَضَانَ عَمَلاً بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (5) . __________ (1) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 219، حديث " خمس ليال لا يرد فيهن الدعاء. . " ذكره في فيض القدير بلفظ " خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الجمعة وليلة الفطر وليلة النحر " وقال رواه ابن عساكر، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة، والبيهقي، من حديث عمر، قال ابن حجر: وطرقه كلها معلولة (فيض القدير 3 / 455) (2) المجموع 4 / 45، وشرح المنهاج 2 / 127، وابن عابدين 1 / 460، ومراقي الفلاح ص 318، وكشف المخدرات ص 86، والبحر الرائق 2 / 256 ط الأولى بالمطبعة العلمية، وحاشية الرهوني 1 / 181 طبع بولاق 1306، والمغني 1 / 159 (3) حديث " من قام ليلتي العيد محتسبا لم يمت. . . " أخرجه ابن ماجه، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: فيه بقية بن الوليد مدلس. (4) ابن عابدين 1 / 462 (5) حديث " من قام رمضان إيمانا. . . " رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة (الفتح الكبير 3 / 221) وَيُخَصُّ مِنْهَا الْعَشْرُ الأَْخِيرُ (1) ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَانَ الْعَشْرُ الأَْوَاخِرُ طَوَى فِرَاشَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ (2) . وَذَلِكَ طَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ إِحْدَى لَيَالِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اطْلُبُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ (3) . وَكُل هَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ. إِحْيَاءُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: 13 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى نَدْبِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (4) ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِل فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُول: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلاَ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقُهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيهِ. . . كَذَا. . . كَذَا. . . حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ (5) . __________ (1) مراقي الفلاح ص 218، والبحر الرائق 2 / 56، وابن عابدين 1 / 460، وشرح المنهاج 2 / 127 (2) حديث " كان رسول الله إذا كان العشر الأواخر. . . " أخرجه الترمذي. وفي البخاري معناه. (مجمع الزوائد 3 / 172) (3) حديث " اطلبوا ليلة القدر. . . " رواه أحمد وابنه عبد الله في زوائد المسند، والبزار. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح. ورواه الضياء والطبراني في الكبير (تحقيق المعجم الكبير للطبراني 2 / 244) (4) البحر الرائق 2 / 56، وحاشية ابن عابدين 1 / 460 ومراقي الفلاح ص 219، وشرح الإحياء للزبيدي 3 / 425، ومواهب الجليل 1 / 74، والخرشي 1 / 366، والفروع 1 / 440 (5) حديث (إذا كانت ليلة النصف. . . " رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان كلاهما عن علي. قال في الزوائد إسناده ضعيف، وفيه ابن أبي سبرة قال فيه أحمد وابن معين: يضع الحديث (الفتح الكبير 1 / 148 ومحمد فؤاد عبد الباقي في تحقيقه لابن ماجه 1 / 444) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ (1) . وَبَيَّنَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ كَيْفِيَّةً خَاصَّةً لإِِحْيَائِهَا، وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّافِعِيَّةُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةَ وَاعْتَبَرُوهَا بِدْعَةً قَبِيحَةً (2) ، وَقَال الثَّوْرِيُّ هَذِهِ الصَّلاَةُ بِدْعَةٌ مَوْضُوعَةٌ قَبِيحَةٌ مُنْكَرَةٌ (3) . الاِجْتِمَاعُ لإِِحْيَاءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: 14 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ الاِجْتِمَاعِ لإِِحْيَاءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الاِجْتِمَاعَ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ وَعَلَى الأَْئِمَّةِ الْمَنْعُ مِنْهُ (4) . وَهُوَ قَوْل عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ إِلَى كَرَاهَةِ الاِجْتِمَاعِ لَهَا فِي الْمَسَاجِدِ لِلصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ الاِجْتِمَاعَ عَلَى إِحْيَاءِ __________ (1) حديث (إذا كانت ليلة النصف. . . " رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان كلاهما عن علي. قال في الزوائد إسناده ضعيف، وفيه ابن أبي سبرة قال فيه أحمد وابن معين: يضع الحديث (الفتح الكبير 1 / 148 ومحمد فؤاد عبد الباقي في تحقيقه لابن ماجه 1 / 444) (2) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 3 / 423 (3) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 3 / 423 (4) مواهب الجليل 1 / 74 دار الفكر بيروت) والخرشي 1 / 366 هَذِهِ اللَّيْلَةِ لَمْ يُنْقَل عَنِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَذَهَبَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ وَلُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَائِهَا فِي جَمَاعَةٍ (1) . إِحْيَاءُ لَيَالِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ: 15 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى نَدْبِ إِحْيَاءِ اللَّيَالِي الْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (2) . لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِل صِيَامُ كُل يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُل لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (3) . إِحْيَاءُ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ: 16 - ذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ جُمْلَةِ اللَّيَالِي الَّتِي يُسْتَحَبُّ إِحْيَاؤُهَا أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَعُلِّل ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ اللَّيَالِي الْخَمْسِ الَّتِي لاَ يُرَدُّ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَهِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا الْعِيدِ (4) . __________ (1) مراقي الفلاح ص 219 - 220 (2) مراقي الفلاح 219، وحاشية ابن عابدين 1 / 460، والبحر الرائق 2 / 56، والفروع 1 / 398، والشرح الكبير بهامش المغني 2 / 264 (3) حديث " ما من أيام أحب الحديث. . " أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث غريب، وسألت محمدا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فلم يعرفه. وقال ابن الجوزي: ضعيف. وأورده في الميزان من المناكير (فيض القدير 5 / 474) (4) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص 219، والفروع 1 / 438 إِحْيَاءُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ: 17 - ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ (1) . إِحْيَاءُ لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ: 18 - ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ. إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (2) : مَشْرُوعِيَّتُهُ: 19 - الْوَقْتُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنَ الأَْوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَ إِحْيَاؤُهُ بِالطَّاعَاتِ، مِنْ صَلاَةٍ - وَهِيَ الأَْفْضَل - أَوْ تِلاَوَةِ قُرْآنٍ، أَوْ ذِكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (3) . وَقَدْ كَانَ يُحْيِيهِ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ. كَمَا نُقِل إِحْيَاؤُهُ عَنِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ (4) . وَقَدْ وَرَدَ فِي إِحْيَاءِ هَذَا الْوَقْتِ طَائِفَةٌ مِنَ الأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ، وَإِنْ كَانَ كُل حَدِيثٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ لاَ يَخْلُو مِنْ مَقَالٍ، إِلاَّ أَنَّهَا بِمَجْمُوعِهَا تَنْهَضُ دَلِيلاً عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، مِنْهَا: 1 - مَا رَوَتْهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ __________ (1) الفروع 1 / 438، 440 (2) ممن عبر بذلك بصراحة الغزالي في إحياء علوم الدين 1 / 363، وابن مفلح في الفروع 1 / 439، وغيرها. ولم نقف على تسميته بذلك عند المالكية. (3) إعانة الطالين 1 / 258 ط مصطفى الحلبي. (4) نيل الأوطار 3 / 58 المطبعة العثمانية المصرية 1357 هـ، والفروع 1 / 439 عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (1) . 2 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُتِبَ مِنَ الأَْوَّابِينَ (2) . حُكْمُهُ: 20 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِحْيَاءَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُسْتَحَبٌّ. وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا. وَكَلاَمُ الْحَنَابِلَةِ يُفِيدُهُ (3) . عَدَدُ رَكَعَاتِهِ: 21 - اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ إِحْيَاءِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَبَعًا لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ فِيهَا. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ إِحْيَاءَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، يَكُونُ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ __________ (1) حديث عائشة: " من صلى بعد المغرب. . . " رواه ابن ماجه 1 / 437، من حديث عائشة قال محققه: في إسناده يعقوب بن الوليد اتفقوا على ضعفه، قال فيه الإمام أحمد: من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث. (2) الحديث عن ابن عمر مرفوعا ذكره ابن الهمام في شرح فتح القدير بهذا اللفظ، ولم نجده. والمروي عن ابن عمر " من صلى ست ركعات بعد المغرب قبل أن يتكلم غفر له بها ذنوب خمسين سنة " رواه ابن نصر. وعن محمد بن المنكدر: " من صلى ما بين المغرب والعشاء فإنها صلاة الأوابين " رواه ابن نصر مرسلا (كنز العمال 7 / 387، 388) (3) إعانة الطالبين 1 / 258، وبلغة السالك 1 / 145، وحاشية كنون بهامش الرهوني 2 / 32، والفروع 14 / 418، والكافي 1 / 192، نشر مكتبة الرياض الحديثة، والمغني 1 / 774، والبحر الرائق 2 / 53، 54، وفتح القدير 1 / 371 الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ (1) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ أَنَّهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً (2) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرَهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً (3) . وَذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهَا وَلَكِنَّ الأَْوْلَى أَنْ تَكُونَ سِتَّ رَكَعَاتٍ (4) . وَتُسَمَّى هَذِهِ الصَّلاَةُ بِصَلاَةِ الأَْوَّابِينَ، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَتُسَمَّى صَلاَةُ الْغَفْلَةِ. وَتَسْمِيَتُهَا بِصَلاَةِ الأَْوَّابِينَ لاَ تُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلاَةُ الأَْوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَال " (5) ، لأَِنَّهُ لاَ مَانِعَ أَنْ تَكُونَ كُلٌّ مِنَ الصَّلاَتَيْنِ صَلاَةَ الأَْوَّابِينَ (6) . صَلاَةُ الرَّغَائِبِ: 22 - وَرَدَ خَبَرٌ بِشَأْنِ فَضْل صَلاَةٍ تُسَمَّى صَلاَةُ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّل لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ. وَقَدْ قَال عَنْهُ الْحَافِظُ __________ (1) فتح القدير 1 / 317، البحر 2 / 53،54، والكافي 1 / 192 (2) الفروع 1 / 418، والشرح الكبير بهامش المغني 1 / 774 ط المنار. (3) الإقناع 1 / 108 ط مصطفى الحلبي 1359 هـ (4) بلغة السالك على الشرح الصغير 1 / 145، وانظر المدني على هامش الرهوني 2 / 53 (5) حديث: " صلاة الأوابين. . . " رواه أحمد ومسلم (الفتح الكبير 2 / 195) (6) نيل الأوطار 3 / 55، وفتح القدير 1 / 317 والإقناع 1 / 108 الْعِرَاقِيُّ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَقَدْ نَبَّهَ الْحَجَّاوِيُّ فِي الإِْقْنَاعِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلاَةَ بِدْعَةٌ لاَ أَصْل لَهَا (1) . إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ 1 - الإِْحْيَاءُ فِي اللُّغَةِ جَعْل الشَّيْءِ حَيًّا، وَالْمَوَاتُ: الأَْرْضُ الَّتِي خَلَتْ مِنَ الْعِمَارَةِ وَالسُّكَّانِ. وَهِيَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ. وَقِيل: الْمَوَاتُ الأَْرْضُ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا، وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ (2) . وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ كَمَا قَال الأَْتْقَانِيُّ شَارِحُ الْهِدَايَةِ: التَّسَبُّبُ لِلْحَيَاةِ النَّامِيَةِ بِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ كَرْبٍ (حِرَاثَةٍ) أَوْ سَقْيٍ (3) . وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الأَْرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنِ انْتِفَاعِهِ بِهَا (4) . وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ عِمَارَةُ الأَْرْضِ الْخَرِبَةِ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا، وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ (5) . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ عِمَارَةٌ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ (6) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: 2 - مِنَ الأَْلْفَاظِ ذَاتِ الصِّلَةِ: التَّحْجِيرُ أَوِ الاِحْتِجَارُ، وَالْحَوْزُ، وَالاِرْتِفَاقُ، وَالاِخْتِصَاصُ، __________ (1) تخريج الإحياء للحافظ العراقي بهامش الإحياء 1 / 202، مطبعة الاستقامة، والإقناع للحجاوي 1 / 154 ط دار المعرفة. (2) القاموس والمصباح. (3) متن الدر وحاشية ابن عابدين 5 / 277. ط الأميرية. (4) مواهب الجليل 6 / 2 نشر مكتبة النجاح. (5) البجيرمي على الخطيب 3 / 192 نشر دار المعرفة. (6) المغني 5 / 563 ط الرياض. وَالإِْقْطَاعُ، وَالْحِمَى. أ - التَّحْجِيرُ: 3 - التَّحْجِيرُ أَوِ الاِحْتِجَارُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: مَنْعُ الْغَيْرِ مِنَ الإِْحْيَاءِ بِوَضْعِ عَلاَمَةٍ، كَحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى الْجَوَانِبِ الأَْرْبَعَةِ وَهُوَ يُفِيدُ الاِخْتِصَاصَ لاَ التَّمْلِيكَ (1) . ب - الْحَوْزُ وَالْحِيَازَةُ: 4 - الْحَوْزُ وَالْحِيَازَةُ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ. وَكُل مَنْ ضَمَّ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ حَازَهُ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْحِيَازَةِ اصْطِلاَحًا وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ. وَهِيَ لاَ تُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: " حِيَازَةٌ " (2) . ج - الاِرْتِفَاقُ: 5 - الاِرْتِفَاقُ بِالشَّيْءِ لُغَةً الاِنْتِفَاعُ بِهِ (3) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ - فِي الْجُمْلَةِ - عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، عَلَى خِلاَفٍ فِيمَا يُرْتَفَقُ بِهِ. وَمَوْضِعُهُ مُصْطَلَحِ: (ارْتِفَاقٌ) . د - الاِخْتِصَاصُ: 6 - الاِخْتِصَاصُ بِالشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: كَوْنُهُ لِشَخْصٍ دُونَ غَيْرِهِ (4) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ. __________ (1) المصباح، وحاشية ابن عابدين 5 / 282 ط الأميرية، والفتاوى الهندية 5 / 386 (2) البهجة في شرح التحفة 2 / 254 ط الحلبي. (3) المصباح (4) المصباح وَالاِخْتِصَاصُ أَحَدُ الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ. هـ - الإِْقْطَاعُ: 7 - الإِْقْطَاعُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: جَعْل الإِْمَامِ غَلَّةَ أَرْضٍ رِزْقًا لِلْجُنْدِ أَوْ غَيْرِهِمْ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ إِقْطَاعَ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيهِ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الإِْحْيَاءِ (1) . وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِخْتِصَاصِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْطَاعٌ) (2) . صِفَةُ الإِْحْيَاءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) : 8 - حُكْمُهُ الْجَوَازُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ (3) . عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ (4) . وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الأَْقْوَاتِ وَالْخِصْبِ لِلأَْحْيَاءِ. أَثَرُ الإِْحْيَاءِ (حُكْمُهُ الْوَضْعِيُّ) : 9 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُحْيِيَ يَمْلِكُ مَا أَحْيَاهُ إِذَا تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، خِلاَفًا __________ (1) المغني 5 / 578 (2) هامش مواهب الجليل 6 / 165 نشر مكتبة النجاح. (3) حديث: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " رواه الترمذي (4 / 630 ط السلفية) ، وعله الترمذي بالإرسال لكن له شاهد من حديث عائشة في البخاري (5 / 18 تلخيص الجيد ص 3 / 54) (4) حديث: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " رواه الترمذي (4 / 630 ط السلفية) ، وعله الترمذي بالإرسال لكن له شاهد من حديث عائشة في البخاري (5 / 18 تلخيص الجيد ص 3 / 54) لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، كَالْفَقِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ أَحْمَدَ الْبَلْخِيِّ، إِذْ قَالُوا: إِنَّهُ يَثْبُتُ مِلْكُ الاِسْتِغْلاَل لاَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، قِيَاسًا عَلَى السَّبْقِ لِلاِنْتِفَاعِ بِالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، كَالْمَجَالِسِ، وَخِلاَفًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لاَ يَمْلِكُ الإِْحْيَاءَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، إِنَّمَا يَمْلِكُ الاِنْتِفَاعَ (1) . أَقْسَامُ الْمَوَاتِ: 10 - الْمَوَاتُ قِسْمَانِ: أَصْلِيٌّ وَهُوَ مَا لَمْ يُعَمَّرْ قَطُّ، وَطَارِئٌ: وَهُوَ مَا خَرِبَ بَعْدَ عِمَارَتِهِ (2) . الأَْرَاضِي الَّتِي كَانَتْ جَزَائِرَ وَأَنْهَارًا: 11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْنْهَارَ وَالْجَزَائِرَ وَنَحْوَهُمَا إِذَا انْحَسَرَ عَنْهَا الْمَاءُ فَصَارَتْ أَرْضًا يَابِسَةً تَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لأَِحَدٍ أَوْ وَقْفًا أَوْ مَسْجِدًا عَادَتْ إِلَى الْمَالِكِ أَوِ الْوَقْفِ أَوِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا، لَكِنْ قَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَالِكُ مَلَكَ الأَْرْضَ بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ كَانَ مَلَكَهَا بِالإِْحْيَاءِ جَازَ لِلْغَيْرِ إِحْيَاؤُهَا (3) . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لأَِحَدٍ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ لِلأَْرْضِ مَالِكٌ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّهْرَ إِذَا كَانَ بَعِيدًا، بِحَيْثُ لاَ يَعُودُ إِلَيْهِ الْمَاءُ، تَكُونُ أَرْضُهُ مَوَاتًا __________ (1) ابن عابدين 5 / 278، والزيلعي 6 / 35، والحطاب 6 / 11 و 12، والإقناع على الخطيب 3 / 295، والمغني 5 / 566 (2) الشرح الخطيب 3 / 194 نشر دار المعرفة. (3) الفتاوى الهندية 5 / 386، وابن عابدين 5 / 278، والتاج والإكليل بهامش الحطاب 6 / 2 نشر مكتبة النجاح، والخطيب 3 / 195 نشر دار المعرفة. يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا كَانَ النَّهْرُ قَرِيبًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّ الْمَوَاتَ اسْمٌ لِمَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لأَِحَدٍ، وَلاَ حَقًّا خَاصًّا لَهُ، لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهِ، فَكَانَ مَوَاتًا، بَعِيدًا عَنِ الْبَلَدِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا. وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْل الطَّحَاوِيِّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ - لاَ يَكُونُ مَوَاتًا إِذَا كَانَ قَرِيبًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الْقَرْيَةِ لاَ يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ، فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الاِنْتِفَاعِ، حَتَّى لاَ يَجُوزَ إِحْيَاءُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْل الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَيَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا لاَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعَامِرِ (1) . 12 - وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ. وَأَصَحُّ مَا قِيل فِيهِ أَنْ يَقُومَ الرَّجُل عَلَى طَرَفِ عُمْرَانِ الْقَرْيَةِ، فَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ، فَأَيُّ مَوْضِعٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ صَوْتُهُ يَكُونُ مِنْ فِنَاءِ الْعُمْرَانِ؛ لأَِنَّ أَهْل الْقَرْيَةِ يَحْتَاجُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِرَعْيِ الْمَوَاشِي أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الْمَوَاتِ. وَرَأَى سَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ مِثْل ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِجَوَازِ عَوْدِ الْمِيَاهِ، لأَِنَّ الأَْنْهَارَ الَّتِي لَمْ يُنْشِئْهَا النَّاسُ لَيْسَتْ مِلْكًا لأَِحَدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ طَرِيقٌ لِلْمُسْلِمِينَ لاَ يَسْتَحِقُّهَا مَنْ كَانَ يَلِي النَّهْرَ مِنْ جِهَتَيْهِ. وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ أَنَّ بَاطِنَ النَّهْرِ إِذَا يَبِسَ يَكُونُ مِلْكًا لِصَاحِبَيِ الأَْرْضِ الَّتِي بِجَنْبِ النَّهْرِ، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُجَاوِرُ أَرْضَهُ مُنَاصَفَةً. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ إِذَا مَال النَّهْرُ __________ (1) اللجنة ترى وجاهة هذا الرأي لأنه يحقق المصلحة العامة. عَنْ مَجْرَاهُ إِلَى الأَْرْضِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ (1) . وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّهْرِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنَ الأَْنْهَارِ وَالْجَزَائِرِ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ بِرَغْمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا مِنْ قَبْل. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إِعْطَاؤُهُ لأَِحَدٍ. قَالُوا: " وَلَوْ رَكِبَ الأَْرْضَ مَاءٌ أَوْ رَمْلٌ أَوْ طِينٌ فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكٌ لِلأَْرْضِ وَانْحَسَرَ مَاءُ النَّهْرِ عَنْ جَانِبٍ مِنْهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إِقْطَاعُهُ - أَيْ إِعْطَاؤُهُ - لأَِحَدٍ، كَالنَّهْرِ وَحَرِيمِهِ. وَلَوْ زَرَعَهُ أَحَدٌ لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. نَعَمْ لِلإِْمَامِ دَفْعُهُ لِمَنْ يَرْتَفِقُ بِهِ بِمَا لاَ يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ. وَمِثْلُهُ مَا يَنْحَسِرُ عَنْهُ الْمَاءُ مِنَ الْجَزَائِرِ فِي الْبَحْرِ. وَيَجُوزُ زَرْعُهُ وَنَحْوُهُ لِمَنْ لَمْ يَقْصِدْ إِحْيَاءَهُ. وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَلاَ الْغِرَاسُ وَلاَ مَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ. وَكُل هَذَا إِذَا رُجِيَ عَوْدُ مَالِكِ الأَْرْضِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَال فَلِلإِْمَامِ إِقْطَاعُهَا رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَصَرُّفِهِ جَوْرٌ، لَكِنَّ الْمُقْطَعَ يَسْتَحِقُّ الاِنْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ الإِْقْطَاعِ خَاصَّةً (2) ". 13 - وَفِي الْمُغْنِي: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنَ الْجَزَائِرِ لَمْ يُمْلَكْ بِالإِْحْيَاءِ. قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى: إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ إِلَى فِنَاءِ رَجُلٍ لَمْ يَبْنِ فِيهَا، لأَِنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ. فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إِلَى __________ (1) الرهوني على الزرقاني 7 / 98، 99 (2) البجيرمي على الخطيب 3 / 195، 196 ط دار المعرفة الْجَانِبِ الآْخَرِ فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ؛ وَلأَِنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلأَِ وَالْحَطَبِ فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ حِمَى فِي الأَْرَاكِ (1) . وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ (2) . يَعْنِي أَبَاحَ مَا يَنْبُتُ فِي الْجَزَائِرِ مِنَ النَّبَاتِ. وَقَال: " إِذَا نَضَبَ الْفُرَاتُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ نَبَتَ عَنْ نَبَاتٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إِنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى مِلْكِ إِنْسَانٍ ثُمَّ عَادَ فَنَضَبَ عَنْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ، فَلاَ يَزُول مِلْكُهُ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ فَعَمَرَهُ رَجُلٌ عِمَارَةً لاَ تَرُدُّ الْمَاءَ، مِثْل أَنْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَحَجِّرٌ لِمَا لَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ حَقٌّ، فَأَشْبَهَ التَّحَجُّرَ فِي الْمَوَاتِ (3) ". إِذْنُ الإِْمَامِ فِي الإِْحْيَاءِ: 14 - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ مُخْتَلِفُونَ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ هَل هِيَ مُبَاحَةٌ فَيَمْلِكُ كُل مَنْ يَحِقُّ لَهُ الإِْحْيَاءُ أَنْ يُحْيِيَهَا بِلاَ إِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ، أَمْ هِيَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَحْتَاجُ إِحْيَاؤُهَا إِلَى إِذْنٍ؟ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِْحْيَاءَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ الإِْمَامِ، فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا بِلاَ إِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ مَلَكَهَا. __________ (1) حديث: " لا حمى في الأراك " رواه أبو داود وابن حبان عن أبيض بن حمال، والحديث سكت عنه المنذري (عون المعبود 8 / 319، وانظر الفتح الكبير 3 / 343 (2) الأثر عن عمر رضي الله عنه (أنه أباح الجزائر) هكذا ذكره ابن قدامة في المغني (5 / 576) ولم نجد له تخريجا في كتب الحديث والآثار. (3) المغني 5 / 576 ط مكتبة الرياض. وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَشْتَرِطُ إِذْنَ الإِْمَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الأَْرْضُ الْمَوَاتُ قَرِيبَةً مِنَ الْعُمْرَانِ أَمْ بَعِيدَةً. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ إِذْنَ الإِْمَامِ فِي الْقَرِيبِ قَوْلاً وَاحِدًا. وَلَهُمْ فِي الْبَعِيدِ طَرِيقَانِ: طَرِيقُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ لإِِذْنِ الإِْمَامِ، وَالطَّرِيقُ الآْخَرُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلإِْذْنِ. وَالْمَفْهُومُ مِنْ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ وَمَا لاَ يَحْتَاجُونَهُ، فَمَا احْتَاجُوهُ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الإِْذْنِ، وَمَا لاَ فَلاَ. احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ (1) ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلاَ يَفْتَقِرُ مِلْكُهَا إِلَى إِذْنِ الإِْمَامِ كَأَخْذِ الْحَشِيشِ، وَالْحَطَبِ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلاَّ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ (2) ، وَبِأَنَّ هَذِهِ الأَْرَاضِي كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ ثُمَّ صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَصَارَتْ فَيْئًا، وَلاَ يَخْتَصُّ بِالْفَيْءِ أَحَدٌ دُونَ رَأْيِ الإِْمَامِ، كَالْغَنَائِمِ؛ وَلأَِنَّ إِذْنَ الإِْمَامِ يَقْطَعُ الْمُشَاحَّةَ. وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي حُكْمِ اسْتِئْذَانِ الإِْمَامِ فِي تَرْكِهِ مِنَ الْمُحْيِي الْمُسْلِمِ جَهْلاً. أَمَّا إِنْ تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا تَهَاوُنًا بِالإِْمَامِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الأَْرْضَ مِنْهُ زَجْرًا لَهُ (3) . وَكُل هَذَا فِي الْمُحْيِي __________ (1) سبق تخريجه في حواشي فقرة 8 (2) حديث: " ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه " أخرجه الطبراني من حديث معاذ، وقد أخرجه إسحاق والطبراني في الكبير والأوسط بلفظ مختلف، وأخرجه البيهقي في المعرفة في باب إحياء الموات، وقال: هذا إسناد لا يحتج به (الدراية 2 / 244، 128) (3) ابن عابدين 5 / 382 ط الأميرية، والزيلعي 6 / 35، والحطاب 6 / 11، 12 نشر مكتبة النجاح، والإقناع على الخطيب 3 / 195 ط دار المعرفة، والمغني 5 / 566 ط الرياض، والمنتقى شرح الموطأ 6 / 29 نشر مكتبة السعادة، والدسوقي 4 / 69 الْمُسْلِمِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ. 15 - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لإِِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَقَال الْحَنَابِلَةُ: الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ فِي الإِْحْيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لإِِذْنِ الإِْمَامِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ فِيهِ إِلاَّ فِي الإِْحْيَاءِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الإِْذْنِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي إِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ إِذْنَ الإِْمَامِ اتِّفَاقًا (1) بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي شَرْحِ الدُّرِّ. وَمَنَعُوا الإِْحْيَاءَ لِلْمُسْتَأْمَنِ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. وَلَمْ يُجَوِّزِ الشَّافِعِيَّةُ إِحْيَاءَ الذِّمِّيِّ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ مُطْلَقًا. مَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ: 16 - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لأَِحَدٍ أَوْ حَقًّا خَاصًّا لَهُ أَوْ مَا كَانَ دَاخِل الْبَلَدِ لاَ يَكُونُ مَوَاتًا أَصْلاً فَلاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ. وَمِثْلُهُ مَا كَانَ خَارِجَ الْبَلَدِ مِنْ مَرَافِقِهَا مُحْتَطَبًا لأَِهْلِهَا أَوْ مَرْعًى لِمَوَاشِيهِمْ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ الإِْمَامُ إِقْطَاعَهَا. وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْمِلْحِ وَالْقَارِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا لاَ يَسْتَغْنِي الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ أَوْ يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءٌ فِي عَرَفَةَ وَلاَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلاَ مِنًى، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى __________ (1) الدر المختار بهامش ابن عابدين 5 / 382، خلافا للإطلاق في الفتاوى الهندية،وانظر الدسوقي 4 / 69 / 3 243 / 3 بِالْمُسْلِمِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَاسْتِوَاءِ النَّاسِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْمَحَال. وَقَال الزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَيَنْبَغِي إِلْحَاقُ الْمُحَصَّبِ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يُسَنُّ لِلْحَجِيجِ الْمَبِيتُ بِهِ. وَقَال الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَيْسَ الْمُحَصَّبُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ. فَمَنْ أَحْيَا شَيْئًا مِنْهُ مَلَكَهُ (1) . 17 - وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحَجَّرَةَ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاؤُهَا؛ لأَِنَّ مَنْ حَجَّرَهَا أَوْلَى بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ أَهْمَلَهَا فَلِفُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلاَتٌ: فَالْحَنَفِيَّةُ وَضَعُوا مُدَّةً قُصْوَى لِلاِخْتِصَاصِ الْحَاصِل بِالتَّحْجِيرِ هِيَ ثَلاَثُ سَنَوَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِإِحْيَائِهَا أَخَذَهَا الإِْمَامُ وَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ. وَالتَّقْدِيرُ بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، فَإِنَّهُ قَال: لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ حَقٌّ (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَهْمَل الأَْرْضَ الَّتِي حَجَّرَهَا بِأَنْ لَمْ يَعْمَل فِيهَا، مَعَ قُوَّتِهِ عَلَى الْعَمَل مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ إِلَى ثَلاَثِ سَنَوَاتٍ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، عَمَلاً بِالأَْثَرِ السَّابِقِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا التَّحَجُّرَ إِحْيَاءً إِلاَّ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِاعْتِبَارِهِ كَذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّحْجِيرَ بِلاَ عَمَلٍ لاَ يُفِيدُ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِمَنْ أَحْيَا تِلْكَ __________ (1) كشاف القناع 4 / 158، ومطالب أولي النهى 4 / 180، شرح المنهاج للمحلي بهامش القليوبي وعميرة 3 / 90 (2) والأثر عن عمر رواه أبو يوسف في كتاب الخراج عن الحسن بن عمارة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال عمر: من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنين، وإسناده واه (الدراية 2 / 245) وانظر ابن عابدين 5 / 282 ط بولاق، والفتاوى الهندية 5 / 386،387 الأَْرْضَ؛ لأَِنَّ الإِْحْيَاءَ أَقْوَى مِنَ التَّحْجِيرِ (1) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَهْمَل الْمُتَحَجِّرُ إِحْيَاءَ الأَْرْضِ مُدَّةً غَيْرَ طَوِيلَةٍ عُرْفًا، وَجَاءَ مَنْ يُحْيِيهَا، فَإِنَّ الْحَقَّ لِلْمُتَحَجِّرِ؛ لأَِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَتْ لأَِحَدٍ (2) - وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ (3) أَنَّهَا لاَ تَكُونُ لَهُ إِذَا كَانَ فِيهَا حَقٌّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (4) . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: " مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ - يَعْنِي مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا - فَعَطَّلَهَا ثَلاَثَ سِنِينَ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا (5) " وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ مَنْ عَمَّرَهَا قَبْل ثَلاَثِ سِنِينَ لاَ يَمْلِكُهَا؛ لأَِنَّ الثَّانِيَ أَحْيَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ، كَمَا لَوْ أَحْيَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ __________ (1) الرهوني 7 / 101 - 114، والدسوقي 4 / 70 (2) وحديث: " من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد. . . " أخرجه البخاري وأحمد والنسائي (تلخيص الحبير 3 / 61) (3) الإقناع بهامش بجيرمي على الخطيب 3 / 199. وقوله " في غير حق مسلم فهي له " رواه البيهقي في حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف (تلخيص الحبير 3 / 62) ، وقال في التقريب (2 / 132) : كثير ضعيف من السابعة منهم من نسبه إلى الكذب. (4) حديث: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه. . . " رواه أبو داود في حديث أسحر بن مضرس (3 / 239 ط مصطفى محمد) ، قال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، وصححه الضياء في المختارة (التلخيص 3 / 63) (5) أثر عمر " من كانت له أرض. . . " لم نجده بهذا اللفظ، وهو في الخراج لأبي يوسف (ص 61 ط السلفية) بلفظ " ثم تركها ثلاث سنين، فلم يعمرها، فعمرها قوم آخرون، فهم أحق بها. . . " وقال ابن حجر: رجاله ثقات (الدراية ص 245) / 3 244 / 3 الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ، فَكَانَ أَوْلَى، كَحَقِّ الشَّفِيعِ، يُقَدَّمُ عَلَى شِرَاءِ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ عَلَى الإِْهْمَال بِحَسَبِ الْعُرْفِ بِلاَ عُذْرٍ أَنْذَرَهُ الإِْمَامُ؛ لأَِنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ أَوْ شِرْعَةِ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ، لاَ يَنْتَفِعُ، وَلاَ يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ. فَإِنِ اسْتُمْهِل بِعُذْرٍ أَمْهَلَهُ الإِْمَامُ وَالإِْمْهَال لِعُذْرٍ يَكُونُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَإِنْ أَحْيَا غَيْرُهُ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ فَلِلْحَنَابِلَةِ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ. وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَعْمُرْ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمُرَهُ وَيَمْلِكَهُ؛ لأَِنَّ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لَهُ لِيَنْقَطِعَ حَقُّهُ بِمُضِيِّهَا (1) . حَرِيمُ الْعَامِرِ وَالآْبَارُ وَالأَْنْهَارُ وَغَيْرُهَا: 18 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ حَرِيمِ الْمَعْمُورِ، وَأَنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ. وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ وَحَرِيمُ النَّهْرِ. وَالْمُرَادُ بِحَرِيمِ الْمَعْمُورِ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَهُوَ مِلْكٌ لِمَالِكِ الْمَعْمُورِ، بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ إِحْيَائِهِ بِجَعْلِهِ دَارًا مَثَلاً، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْمُرُورِ فِيهِ، وَلاَ الْمَنْعُ مِنْ رَعْيِ كَلأٍَ فِيهِ، وَالاِسْتِقَاءُ مِنْ مَاءٍ فِيهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لاَ حَرِيمَ لَهَا. وَحَرِيمُ الْبِئْرِ مَا لَوْ حَفَرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا، أَوْ خِيفَ انْهِيَارُهَا. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِصَلاَبَةِ الأَْرْضِ وَرَخَاوَتِهَا. 19 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ وَالنَّهْرِ وَالشَّجَرِ. __________ (1) المغني 5 / 569،570 ط الرياض، والشرح الكبير الحنبلي 6 / 148، 168، وكشاف القناع 4 / 187،193 ط الرياض. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ حَرِيمَ بِئْرِ الْعَطَنِ (وَهِيَ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا لِلْمَوَاشِي) أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا. قِيل: الأَْرْبَعُونَ مِنَ الْجَوَانِبِ الأَْرْبَعِ مِنْ كُل جَانِبٍ عَشَرَةٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُل جَانِبٍ. وَأَمَّا حَرِيمُ الْبِئْرِ النَّاضِحِ (وَهِيَ أَنْ يَحْمِل الْبَعِيرُ الْمَاءَ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ لِسَقْيِ الزَّرْعِ) فَهُوَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ أَعْرِفُ إِلاَّ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا. وَبِهِ يُفْتَى. وَمَنْ أَحْيَا نَهْرًا فِي أَرْضِ مَوَاتٍ فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا، وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا بِالإِْجْمَاعِ. وَذَكَرَ فِي النَّوَازِل: وَحَرِيمُ النَّهْرِ مِنْ كُل جَانِبٍ نِصْفُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ مِنْ كُل جَانِبٍ بِمِقْدَارِ عَرْضِ النَّهْرِ. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ. وَمَنْ أَخْرَجَ قَنَاةً فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ اسْتَحَقَّ الْحَرِيمَ بِالإِْجْمَاعِ. وَحَرِيمُهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَرِيمُ الْبِئْرِ. إِلاَّ أَنَّ الْمَشَايِخَ زَادُوا عَلَى هَذَا فَقَالُوا: الْقَنَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ مَنْزِلَةُ الْعَيْنِ الْفَوَّارَةِ، حَرِيمُهَا خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالإِْجْمَاعِ. أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَقَعُ الْمَاءُ عَلَى الأَْرْضِ فَحَرِيمُهَا مِثْل النَّهْرِ. وَقَالُوا: إِنَّ حَرِيمَ الشَّجَرَةِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ (1) . الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْبِئْرَ لَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مُقَدَّرٌ، فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: " أَمَّا الْبِئْرُ فَلَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مَحْدُودٌ لاِخْتِلاَفِ الأَْرْضِ بِالرَّخَاوَةِ وَالصَّلاَبَةِ، وَلَكِنْ حَرِيمُهَا مَا لاَ ضَرَرَ مَعَهُ عَلَيْهَا. وَهُوَ مِقْدَارُ مَا لاَ يَضُرُّ بِمَائِهَا، وَلاَ يُضَيِّقُ مُنَاخَ إِبِلِهَا وَلاَ مَرَابِضَ مَوَاشِيهَا عِنْدَ الْوُرُودِ. وَلأَِهْل الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ __________ (1) الفتاوى الهندية 5 / 387 - 388 يَحْفِرَ بِئْرًا فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ. وَقَالُوا: إِنَّ لِلنَّخْلَةِ حَرِيمًا، وَهُوَ قَدْرُ مَا يُرَى أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَتَهَا، وَيَتْرُكَ مَا أَضَرَّ بِهَا، وَيُسْأَل عَنْ ذَلِكَ أَهْل الْعِلْمِ. وَقَدْ قَالُوا: مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا إِلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، وَذَلِكَ حَسَنٌ. وَيُسْأَل عَنِ الْكَرَمِ أَيْضًا وَعَنْ كُل شَجَرَةٍ أَهْل الْعِلْمِ بِهِ، فَيَكُونُ لِكُل شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا (1) ". وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ (هِيَ مَا كَانَتْ مَطْوِيَّةً، وَيَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْهَا) : مَوْقِفُ النَّازِحِ مِنْهَا، وَالْحَوْضُ الَّذِي يَصُبُّ فِيهِ النَّازِحُ الْمَاءَ، وَمَوْضِعُ الدُّولاَبِ (وَهُوَ مَا يَسْتَقِي بِهِ النَّازِحُ، وَمَا يَسْتَقِي بِهِ بِالدَّابَّةِ) وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْتَمَعُ فِيهِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ مِنْ حَوْضٍ وَنَحْوِهِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْرَحُ فِيهِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَوْضِ وَنَحْوِهِ، كُل ذَلِكَ غَيْرُ مُحَدَّدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ. وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ (وَهِيَ الْمَحْفُورَةُ مِنْ غَيْرِ طَيٍّ لِيَجْتَمِعَ الْمَاءُ فِيهَا وَيُؤْخَذُ لِنَحْوِ الْمَزَارِعِ) : مَا لَوْ حَفَرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا، أَوْ خِيفَ سُقُوطُهَا. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِصَلاَبَةِ الأَْرْضِ وَرَخَاوَتِهَا (2) . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِأَنَّهُ بِحَفْرِ بِئْرٍ يَمْلِكُ حَرِيمَهَا. أَمَّا تَقْدِيرُ الْحَنَابِلَةِ لِلْحَرِيمِ مِنْ كُل جَانِبٍ فِي بِئْرٍ قَدِيمَةٍ فَهُوَ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَفِي غَيْرِهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ. وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَنَهْرٌ مِنْ جَانِبَيْهِ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِطَرْحِ كَرَايَتِهِ (أَيْ مَا يُلْقَى مِنَ النَّهْرِ طَلَبًا لِسُرْعَةِ جَرْيِهِ) ، وَحَرِيمُ شَجَرَةٍ: __________ (1) التاج والإكليل بهامش الحطاب 6 / 3 (2) حاشية القليوبي مع عميرة 3 / 89،90 ط الحلبي. قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا، وَحَرِيمُ أَرْضٍ تُزْرَعُ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ (1) . إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ الْمُقَطَّعِ: 20 - يُقَال فِي اللُّغَةِ: أَقْطَعَ الإِْمَامُ الْجُنْدَ الْبَلَدَ إِقْطَاعًا أَيْ جَعَل لَهُمْ غَلَّتَهَا رِزْقًا (2) ، وَاصْطِلاَحًا إِعْطَاءُ مَوَاتِ الأَْرْضِ لِمَنْ يُحْيِيهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِمَا رَوَى وَائِل بْنُ حَجَرٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا، فَأَرْسَل مَعَهُ مُعَاوِيَةَ: أَنْ أَعْطِهَا إِيَّاهُ، أَوْ أَعْلِمْهَا إِيَّاهُ (3) . وَلاَ بُدَّ قَبْل بَيَانِ حُكْمِ هَذَا الإِْحْيَاءِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الإِْقْطَاعِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِصِيغَتِهِ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ، أَوْ إِقْطَاعَ إِرْفَاقٍ (انْتِفَاعٌ) . فَإِنْ كَانَ إِقْطَاعَ إِرْفَاقٍ فَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ بِذَاتِهِ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ، إِنْ كَانَ إِقْطَاعَ تَمْلِيكٍ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بِهِ إِقْدَامُ غَيْرِ الْمُقْطَعِ عَلَى إِحْيَائِهِ؛ لأَِنَّهُ مَلَكَ رَقَبَتَهُ بِالإِْقْطَاعِ نَفْسِهِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ إِقْطَاعَ الْمَوَاتِ مُطْلَقًا لاَ يُفِيدُ تَمَلُّكًا، لَكِنَّهُ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. __________ (1) منتهى الإرادات 1 / 544 ط دار العروبة. واللجنة ترى أن هذه التقديرات راعى فيها المجتهدون الظروف الزمانية وأساليب العيش والمرافق التي كانت سائدة في عصورهم، وأن ما ذهب إليه المالكية والشافعية من اعتبار الضرر والتعويل على رأي أهل العلم في كل شيء بحسبه هو الأجدر بالاعتبار في هذا الزمن. (2) المصباح (3) حديث وائل بن حجر " أن رسول الله أقطعه أرضا. . " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والبيهقي واللفظ له، وكذا رواه ابن حبان والطبراني (تلخيص الحبير 3 / 64) والسنن الكبرى للبيهقي (6 / 144) / 3 246 / 3 أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْقْطَاعُ مُطْلَقًا، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَل عَلَى إِقْطَاعِ الإِْرْفَاقِ؛ لأَِنَّهُ الْمُحَقَّقُ (1) . الْحِمَى: 21 - الْحِمَى لُغَةً: مَا مُنِعَ النَّاسُ عَنْهُ، وَاصْطِلاَحًا: أَنْ يَمْنَعَ الإِْمَامُ مَوْضِعًا لاَ يَقَعُ فِيهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ، لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ، وَالْخَيْل الَّتِي يُحْمَل عَلَيْهَا (2) . وَقَدْ كَانَ لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (3) ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَال: حَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيعَ (4) لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ (5) . وَأَمَّا سَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لأَِنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْل الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ، وَإِبِل الصَّدَقَةِ، وَضَوَال النَّاسِ، عَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَضَرَّرُ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الأَْئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ __________ (1) المجموع 6 / 95، والجمل على شرح المنهج 3 / 564، والمغني 5 / 578، وحاشية القليوبي 3 / 79، وشرح العناية 9 / 4، ومنتهى الإرادات 1 / 544 - 545 ط دار العروبة. الرهوني 7 / 105، والهندية 5 / 386 (2) التاج والإكليل 6 / 3، 4 ط ليبيا. (3) حديث " لا حمى إلا لله ولرسوله " رواه البخاري من حديث الصعب بن جثامة (تلخيص الحبير 2 / 280) (4) النقيع موضع قرب المدينة بينه وبين المدينة عشرون فرسخا، وهو غير نقيع الخضمات (معجم البلدان 5 / 301) (5) حديث ابن عمر حمى النبي النقيع أخرجه أحمد وابن حبان (تلخيص الحبير 2 / 281) قال ابن حجر في الفتح (5 / 45) في اسناده العمري، وهو ضعيف وَالشَّافِعِيِّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ. وَقَال فِي الآْخَرِ: لَيْسَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِيَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ (1) بِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حَمَيَا (2) ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ لأَِحَدٍ نَقْضُهُ وَلاَ تَغْيِيرُهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ. وَإِنْ زَالَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَدَعَتْ حَاجَةٌ لِنَقْضِهِ، فَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ نَقْضِهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ. وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ نَقْضِهِ إِنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيل عَلَى إِرَادَةِ الاِسْتِمْرَارِ. وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ فَغَيْرُهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ جَازَ، وَإِنْ أَحْيَاهُ إِنْسَانٌ مَلَكَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ حِمَى الأَْئِمَّةِ اجْتِهَادٌ، وَمِلْكُ الأَْرْضِ بِالإِْحْيَاءِ نَصٌّ، وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الاِجْتِهَادِ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ: لاَ يَمْلِكُهُ؛ لأَِنَّ اجْتِهَادَ الإِْمَامِ لاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، كَذَلِكَ. __________ (1) القليوبي وعميرة 3 / 92 ط الحلبي، والمغني 5 / 581 (2) الأثر في ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه البخاري (تعليق محمد حامد الفقي على الأموال لأبي عبيد ص 298 وما بعدها، وهو في الأموال أيضا) . وأما عن عثمان رضي الله عنه فلم نجده إلا فيما رواه البيهقي (في السنن الكبرى 6 / 147) عن أبي أسيد الأنصاري. / 3 247 / 3 مَنْ يَحِقُّ لَهُ الإِْحْيَاءُ أ - فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ: 22 - وَالْمُرَادُ بِهَا كَمَا بَيَّنَ الْقَلْيُوبِيُّ: مَا بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ، كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ، أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ، أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً، كَخَيْبَرَ وَمِصْرَ وَسَوَادِ الْعِرَاقِ، أَوْ صُلْحًا وَالأَْرْضُ لَنَا وَهُمْ يَدْفَعُونَ الْجِزْيَةَ. وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْبِلاَدِ أَنَّ عِمَارَتَهَا فَيْءٌ، وَمَوَاتَهَا مُتَحَجِّرٌ لأَِهْل الْفَيْءِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الْبَالِغَ الْعَاقِل الْحُرَّ لَهُ الْحَقُّ فِي أَنْ يُحْيِيَ الأَْرْضَ الْمَوَاتَ الَّتِي فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ (1) . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ كَالْمُسْلِمِ فِي حَقِّ الإِْحْيَاءِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، لَكِنَّ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنَعَا مِنْ إِحْيَائِهِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ كُلِّهِ وَالنُّجُودِ وَالْيَمَنِ) . وَقَال غَيْرُهُمَا: لَوْ قِيل إِنَّ حُكْمَ الذِّمِّيِّينَ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ، كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَجَاءَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: " أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بِالإِْحْيَاءِ كَمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ " مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِذْنِ الإِْمَامِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ اللَّذَيْنِ لاَ يَشْتَرِطَانِ إِذْنَ الإِْمَامِ لِلْمُسْلِمِ. وَعَلَّل الشَّارِحُ ذَلِكَ بِأَنَّ الإِْحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ كَمَا فِي سَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. وَالاِسْتِوَاءُ فِي السَّبَبِ يُوجِبُ الاِسْتِوَاءَ فِي الْحُكْمِ (2) ، لَكِنَّ الَّذِي فِي شَرْحِ الدُّرِّ كَمَا سَبَقَ أَنَّ __________ ( x661 ;) القليوبي على شرح المحلي للمنهاج 2 / 89 (2) الخراج لأبي يوسف ص 104 - 105 والمغني 5 / 580، والحطاب 6 / 4 ط ليبيا، والقليوبي وعميرة 3 / 92 ط الحلبي. الْخِلاَفَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ الإِْمَامِ فِي الإِْحْيَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ فَيُشْتَرَطُ الإِْذْنُ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ قَطُّ إِنْ كَانَتْ بِبِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالإِْحْيَاءِ، أَذِنَ فِيهِ الإِْمَامُ أَمْ لاَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ أَذِنَ الإِْمَامُ، فَغَيْرُ الذِّمِّيِّ مِنَ الْكُفَّارِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، فَلاَ عِبْرَةَ بِإِحْيَائِهِ، وَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَمْلِكَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَيْنٌ فِيهِ كَزَرْعٍ رَدَّهُ الْمُسْلِمُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَال، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَلاَ أُجْرَةَ عَلَيْهِ مُدَّةَ إِحْيَائِهِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لأَِحَدٍ (1) . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُسْلِمَ، وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ يَمْلِكُ مَا أَحْيَاهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْيِيَ، لَكِنْ مَا يُحْيِيهِ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ (2) . وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا عَنْ إِحْيَاءِ الْمَجْنُونِ. وَبَاقِي الْمَذَاهِبِ لَمْ يُسْتَدَل عَلَى أَحْكَامِ إِحْيَاءِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَهُمْ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ يَدُل بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ يَمْلِكَانِ مَا يُحْيِيَانِهِ. ب - فِي بِلاَدِ الْكُفَّارِ: 23 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ __________ (1) شرح الهداية 9 / 5 ط الميمنية، وشرح الدر بهامش ابن عابدين 5 / 278 ط الأميرية، والتاج والإكليل على هامش الحطاب 6 / 12 ط ليبيا، والقليوبي وعميرة 3 / 88 ط الحلبي، والمغني 5 / 566 ط الرياض (2) قليوبي وعميرة 3 / 88 / 3 248 / 3 أَنَّ مَوَاتَ أَهْل الْحَرْبِ يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ بِالإِْحْيَاءِ، سَوَاءٌ أَفُتِحَتْ بِلاَدُهُمْ فِيمَا بَعْدُ عَنْوَةً (وَهِيَ الَّتِي غُلِبَ عَلَيْهَا قَهْرًا) أَمْ صُلْحًا. وَقَال سَحْنُونٌ: مَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ مِنْ مَوَاتٍ لَمْ يُعْمَل فِيهَا وَلاَ جَرَى فِيهَا مِلْكٌ لأَِحَدٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَلِلذِّمِّيِّ إِحْيَاءُ مَوَاتِ بِلاَدِ الْكُفْرِ، لَكِنَّهُمْ قَيَّدُوا جَوَازَ إِحْيَاءِ الْمُسْلِمِ بِعَدَمِ مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ مَنَعَهُ الْكُفَّارُ فَلَيْسَ لَهُ الإِْحْيَاءُ (1) . وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَحْيَا مَوَاتًا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْل فَتْحِهَا عَنْوَةً تَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ؛ لأَِنَّ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الإِْحْيَاءُ قَبْل فَتْحِهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تَبْقَى الأَْرْضُ لَهُمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجُ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُحْتَمَل عَدَمُ إِفَادَةِ الإِْحْيَاءِ الْمِلْكَ؛ لأَِنَّهَا بِهَذَا الصُّلْحِ حُرِّمَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ أَحْيَاهَا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ وَلأَِنَّهَا مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِهِمْ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا. مَا يَكُونُ بِهِ الإِْحْيَاءُ: 24 - يَكَادُ يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الإِْحْيَاءُ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْحْيَاءَ يَكُونُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَوَاتِ، أَوِ الْغَرْسِ فِيهَا، أَوْ كَرْيِهَا (حَرْثِهَا) ، أَوْ سَقْيِهَا (2) . وَنَصَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ إِحْيَاءَ الأَْرْضِ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يُجْرِيَ عَيْنًا أَوْ يَغْرِسَ شَجَرًا أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَحْرُثَ، __________ (1) الخراج ص 63 بتصرف يسير. (2) الهندية 5 / 386 مَا فَعَل مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إِحْيَاءٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَقَال عِيَاضٌ: اتُّفِقَ عَلَى أَحَدِ سَبْعَةِ أُمُورٍ: تَفْجِيرِ الْمَاءِ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ غَامِرِهَا بِهِ، وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالْحَرْثِ، وَمِثْلُهُ تَحْرِيكُ الأَْرْضِ بِالْحَفْرِ، وَقَطْعِ شَجَرِهَا، وَسَابِعُهَا كَسْرُ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَةُ حَفْرِهَا وَتَعْدِيل أَرْضِهَا (1) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَا يَكُونُ بِهِ الإِْحْيَاءُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَإِنْ أَرَادَ مَسْكَنًا اشْتُرِطَ لِحُصُولِهِ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ بِآجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ أَوْ مَحْضِ الطِّينِ أَوْ أَلْوَاحِ الْخَشَبِ وَالْقَصَبِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَسَقْفِ بَعْضِهَا لِتَتَهَيَّأَ لِلسُّكْنَى، وَنَصْبِ بَابٍ لأَِنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي ذَلِكَ. وَقِيل لاَ يُشْتَرَطُ؛ لأَِنَّ السُّكْنَى تَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ زَرِيبَةً لِلدَّوَابِّ فَيُشْتَرَطُ التَّحْوِيطُ، وَلاَ يَكْفِي نَصْبُ سَعَفٍ أَوْ أَحْجَارٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ السَّقْفُ؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ فِي الزَّرِيبَةِ عَدَمُهُ، وَالْخِلاَفُ فِي الْبَابِ كَالْخِلاَفِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْكَنِ. وَالإِْحْيَاءُ فِي الْمَزْرَعَةِ يَكُونُ بِجَمْعِ التُّرَابِ حَوْلَهَا، لِيَنْفَصِل الْمُحْيَا عَنْ غَيْرِهِ. وَفِي مَعْنَى التُّرَابِ قَصَبٌ وَحَجَرٌ وَشَوْكٌ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَحْوِيطِ وَتَسْوِيَةِ الأَْرْضِ بِطَمِّ الْمُنْخَفِضِ وَكَسْحِ الْمُسْتَعْلِي. فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَا يُسَاقُ إِلَيْهَا فَلاَ بُدَّ مِنْهُ لِتَتَهَيَّأَ لِلزِّرَاعَةِ. وَلاَ تُشْتَرَطُ الزِّرَاعَةُ بِالْفِعْل عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ؛ لأَِنَّهَا اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الإِْحْيَاءِ. وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ بُدَّ مِنْهَا؛ لأَِنَّ الدَّارَ لاَ تَصِيرُ مُحْيَاةً إِلاَّ إِذَا حَصَل فِيهَا عَيْنُ مَال الْمُحْيِي، فَكَذَا الأَْرْضُ (2) . __________ (1) التاج والإكليل على هامش الحطاب 6 / 12، والدسوقي 4 / 69 - 70 (2) القليوبي وعميرة 3 / 90،91 ط الحلبي. وَلِلْحَنَابِلَةِ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الإِْحْيَاءُ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنِ الْقَاضِي: أَنَّ تَحْوِيطَ الأَْرْضِ إِحْيَاءٌ لَهَا سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ أَوِ الزَّرْعِ أَوْ حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، فَقَال: الإِْحْيَاءُ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ نَهْرًا. وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ تَسْقِيفٌ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَال مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ (1) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ؛ وَلأَِنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ، فَكَانَ إِحْيَاءً، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ. وَيُبَيِّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَصْدَ لاَ اعْتِبَارَ لَهُ. وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ، وَيَكُونُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ. وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبُلْدَانِ. وَرِوَايَةُ الْقَاضِي الثَّانِيَةُ: " أَنَّ الإِْحْيَاءَ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ إِحْيَاءً، لأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَعْلِيقِ الْمِلْكِ عَلَى الإِْحْيَاءِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَلاَ ذَكَرَ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى مَا كَانَ إِحْيَاءً فِي الْعُرْفِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي إِحْيَاءِ الأَْرْضِ حَرْثُهَا وَلاَ زَرْعُهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّمَا أَرَادَ الاِنْتِفَاعَ بِهَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الإِْحْيَاءِ كَسَقْيِهَا (2) ". __________ (1) حديث سمرة: " من أحاط. . . " رواه البيهقي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف (تلخيص الحبير 3 / 62) وقال في التقريب (2 / 132) كثير ضعيف، من السابعة، منهم من نسبه إلى الكذب. (2) المغني 5 / 590 - 592 ط الرياض. إِهْمَال الْمُحْيَا: 25 - مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، ثُمَّ تَرَكَهَا، وَزَرَعَهَا غَيْرُهُ، فَهَل يَمْلِكُهَا الثَّانِي، أَوْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل؟ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل، وَلاَ يَمْلِكُهَا الثَّانِي بِالإِْحْيَاءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَتْ لأَِحَدٍ فَهِيَ لَهُ، وَقَوْلِهِ: فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْرَفُ مَالِكُهَا، فَلَمْ تُمْلَكْ بِالإِْحْيَاءِ، كَالَّتِي مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ. وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُهَا، قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إِذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَال زَمَانُهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي. وَالْقَوْل الثَّالِثُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ، أَوِ اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ كَانَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ. وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ (1) . التَّوْكِيل فِي الإِْحْيَاءِ: 26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي إِحْيَاءِ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ، وَيَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَل التَّوْكِيل فِيهِ (2) . __________ (1) الفتاوى الهندية 5 / 386، والقليوبي وعميرة 3 / 88 ط الحلبي، والمغني 5 / 564 ط الرياض، والتاج والإكليل بهامش الحطاب 6 / 3، والرهوني 7 / 97 (2) الإقناع بهامش البجيرمي 3 / 112 ط دار المعرفة، والمغني 5 / 89 ط الرياض، والفتاوى الهندية 5 / 387، وحاشية ابن عابدين 5 / 383، والشرح الكبير بهامش الدسوقي 3 / 377 / 3 250 / 3 تَوَفُّرُ الْقَصْدِ فِي الإِْحْيَاءِ: 27 - لاَ بُدَّ مِنَ الْقَصْدِ الْعَامِّ لِلإِْحْيَاءِ اتِّفَاقًا. وَاخْتَلَفُوا هَل يُشْتَرَطُ فِي الإِْحْيَاءِ أَنْ يَقْصِدَ الْمُحْيِي مَنْفَعَةً خَاصَّةً فِي الْمُحْيَا، أَوْ يَكْفِي أَنْ يُهَيِّئَ الأَْرْضَ تَهْيِئَةً عَامَّةً بِحَيْثُ تَصِيرُ صَالِحَةً لأَِيِّ انْتِفَاعٍ مِنْ زِرَاعَةٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ حَظِيرَةٍ لِلْغَنَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الإِْحْيَاءِ تَوَفُّرُ الْقَصْدِ الْخَاصِّ، بَل يَكْفِي الْقَصْدُ الْعَامُّ، وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ (1) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْحْيَاءَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْقَصْدَ الْخَاصَّ، فِي الإِْحْيَاءِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ شَرَعَ فِي الإِْحْيَاءِ لِنَوْعٍ، فَأَحْيَاهُ لِنَوْعٍ آخَرَ، كَأَنْ قَصَدَ إِحْيَاءَهُ لِلزِّرَاعَةِ بَعْدَ أَنْ قَصَدَهُ لِلسُّكْنَى، مَلَكَهُ اعْتِبَارًا بِالْقَصْدِ الطَّارِئِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا قَصَدَ نَوْعًا، وَأَحْيَاهُ بِمَا لاَ يُقْصَدُ بِهِ نَوْعٌ آخَرُ، كَأَنْ حَوَّطَ الْبُقْعَةَ بِحَيْثُ تَصْلُحُ زَرِيبَةً، بِقَصْدِ السُّكْنَى لَمْ يَمْلِكْهَا، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ (2) . الْوَظِيفَةُ عَلَى الأَْرْضِ الْمُحْيَاةِ: 28 - الْمُرَادُ بِالْوَظِيفَةِ: مَا يَجِبُ فِي الأَْرْضِ الْمُحْيَاةِ لِلدَّوْمَةِ مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ. ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحْيَاةَ إِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ أَدَّى عَنْهَا الْعُشْرَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَإِنِ احْتَفَرَ فِيهَا بِئْرًا، أَوِ اسْتَنْبَطَ لَهَا قَنَاةً، كَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ، وَإِنْ أَحْيَاهَا ذِمِّيٌّ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ كَيْفَمَا كَانَتْ. __________ (1) الخراج ص 65، والمغني 5 / 590، والتاج والإكليل 6 / 12 (2) البجيرمي على الخطيب 3 / 198 وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحْيَاةَ فِيهَا الْخَرَاجُ مُطْلَقًا فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُولِحَ أَهْلُهَا (1) . الْمَعَادِنُ فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ: 29 - الْمَعَادِنُ الَّتِي تُوجَدُ فِي الأَْرْضِ الْمُحْيَاةِ قِسْمَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ. فَالظَّاهِرَةُ هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّل إِلَيْهَا بِعَمَلٍ يَسِيرٍ، كَحَفْرِ مِقْدَارِ أُصْبُعٍ لأُِنْبُوبٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالنِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْقَارِ وَالْكُحْل وَالْيَاقُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا لاَ تُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلاَ احْتِجَارُهَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا بِهِمْ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ مَعْدِنَ الْمِلْحِ، فَلَمَّا قِيل لَهُ إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ رَدَّهُ (2) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِشَرْطِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِوُجُودِهَا قَبْل الإِْحْيَاءِ، فَأَمَّا إِنْ عَلِمَهَا فَلاَ يَمْلِكُهَا، وَعَلَّلُوا مِلْكَهَا أَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، وَقَدْ مَلَكَهَا بِالإِْحْيَاءِ، فَيَمْلِكُ الْمَعَادِنَ تَبَعًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا إِلَى الإِْمَامِ، يُعْطِيهَا لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ، كَالْفَيَافِيِ أَوْ مَا جَلاَ عَنْهَا أَهْلُهَا وَلَوْ مُسْلِمِينَ، أَمْ __________ (1) الخراج لأبي يوسف ص 65، والهندية 2 / 388، وحاشية الدسوقي 4 / 477، والبجيرمي على الخطيب 3 / 195، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 195 (2) حديث أبيض بن حمال رواه أصحاب السنن الأربعة والشافعي وصححه ابن حبان وضعفه ابن القطان (تلخيص الحبير 3 / 64) ، والماء العد هو الذي له مادة لا تنقطع. / 3 251 / 3 مَمْلُوكَةً لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَمْ لِمُعَيَّنٍ (1) . أَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لاَ تَخْرُجُ إِلاَّ بِعَمَلٍ وَمَئُونَةٍ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، فَهِيَ مِلْكٌ لِمَنِ اسْتَخْرَجَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْ مَوَاتٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ إِلاَّ بِالْعَمَل وَالْمَئُونَةِ، فَيُمْلَكُ بِالإِْحْيَاءِ، كَالأَْرْضِ؛ وَلأَِنَّهُ بِإِظْهَارِ الْمَعَادِنِ أَمْكَنَ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَوَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ الْعَمَل، فَأَشْبَهَ الأَْرْضَ إِذَا جَاءَهَا بِمَاءٍ أَوْ حَائِطٍ. وَوَجْهُ عَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الإِْحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ الَّتِي تَهَيَّأَ بِهَا الْمُحْيَا لِلاِنْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وَإِخْرَاجُ الْمَعَادِنِ حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُل انْتِفَاعٍ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَعَادِنَ الْبَاطِنَةَ كَالظَّاهِرَةِ أَمْرُهَا إِلَى الإِْمَامِ (2) . وَمَوَاطِنُ التَّفْصِيل فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ. أَخٌ التَّعْرِيفُ 1 - الأَْخُ لُغَةً مَنْ وَلَدَهُ أَبُوكَ وَأُمُّكَ، أَوْ أَحَدُهُمَا. فَإِنْ كَانَتِ الْوِلاَدَةُ لأَِبَوَيْنِ فَهُوَ الشَّقِيقُ، وَيُقَال لِلأَْشِقَّاءِ الإِْخْوَةُ الأَْعْيَانُ. وَإِنْ كَانَتِ الْوِلاَدَةُ مِنَ الأَْبِ فَهُوَ الأَْخُ لأَِبٍ، وَيُقَال لِلإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 383، وحاشية الدسوقي 1 / 486 - 487، والبجيرمي على الخطيب 3 / 199، والمغني 5 / 575 (2) تاج العروس (أخو) . لأَِبٍ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ. وَإِنْ كَانَتِ الْوِلاَدَةُ مِنَ الأُْمِّ فَهُوَ الأَْخُ لأُِمٍّ، وَيُقَال لِلإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ: الأَْخْيَافُ (1) . وَالأَْخُ مِنَ الرَّضَاعِ هُوَ مَنْ أَرْضَعَتْكَ أُمُّهُ، أَوْ أَرْضَعَتْهُ أُمُّكَ، أَوْ أَرْضَعَتْكَ وَإِيَّاهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ أُرْضِعْتَ أَنْتَ وَهُوَ مِنْ لَبَنِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ لَهُمَا مِنْهُ لَبَنٌ، أَرْضَعَتْكَ إِحْدَاهُمَا وَأَرْضَعَتْهُ الأُْخْرَى (2) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: 2 - الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الأَْخِ بِأَنْوَاعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ جَعَلُوا ذَلِكَ فِي حَالَةِ عَدَمِ إِرْثِهِ (3) . فَإِنْ كَانَ وَارِثًا فَلاَ يُجْزِئُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ. وَفِي الْمِيرَاثِ يُحْجَبُ الأَْخُ بِأَنْوَاعِهِ بِالأَْبِ وَبِالْفَرْعِ الْوَارِثِ الذَّكَرِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَلِكَ يُحْجَبُ الأَْخُ لأُِمٍّ (4) بِالْجَدِّ وَالْفَرْعِ الْوَارِثِ وَلَوْ أُنْثَى. أَمَّا الأَْخُ الشَّقِيقُ أَوْ لأَِبٍ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ مَعَ الْجَدِّ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ (5) ، وَكَذَلِكَ مَعَ الْفَرْعِ الْوَارِثِ الْمُؤَنَّثِ __________ (1) الكليات (أخ) ، والمصباح المنير (خيف) ، وشرح السراجية ص 124ط الكردي، والعذب الفائض 1 / 76 ط الحلبي. (2) تاج العروس (أخو) والمغني 7 / 472 (3) الفتاوى الهندية 1 / 188، وابن عابدين 2 / 63 ط بولاق، والخرشي 2 / 214، 4 / 204 ط دار صادر، والمهذب 1 / 175 ط عيسى الحلبي، والمغني مع الشرح 2 / 512 ط المنار، (4) شرح السراجية 152، والفواكه الدواني 2 / 340، 347 ط مصطفى الحلبي، وشرح الروض 3 / 9 ط الميمنية والعذب الفائض 1 / 59 (5) شرح السراجية 150 ط الكردي، وشرح الروض 3 / 9، 10 والعذب الفائض 1 / 75، 79، 97 والفواكه الدواني 2 / 343 / 3 252 / 3 وَالأَْخُ لأَِبٍ مَعَ الْجَدِّ وَالأَْخِ الشَّقِيقِ يُحْسَبُ عَلَى الْجَدِّ أَيْ يُعَدُّ لِيَقِل نَصِيبُ الْجَدِّ، وَنَصِيبُهُ لِلأَْخِ الشَّقِيقِ (1) وَلاَ يُشَارِكُ الأَْخَ غَيْرُ شَقِيقِهِ مِنَ الإِْخْوَةِ إِلاَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْحَجَرِيَّةِ (2) . (ر: الْحَجَرِيَّةُ) . وُجْهَةُ الأُْخُوَّةِ تَتَفَاوَتُ مِنْ حَيْثُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ، فَالشَّقِيقُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، لَكِنْ يُسَوَّىَ بَيْنَ الأَْخِ لأَِبٍ وَالأَْخِ لأُِمٍّ فِي الْوَصِيَّةِ لأَِقْرَبِ الأَْقَارِبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيُقَدَّمُ الَّذِي لأَِبٍ عَلَى الأَْخِ لأُِمٍّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ قَاسُوا الْوَصِيَّةَ عَلَى الإِْرْثِ. وَفِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ وَفِي الْحَضَانَةِ يُقَدَّمُ الْجَدُّ عَلَى الأَْخِ الشَّقِيقِ أَوْ لأَِبٍ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ وَيُقَدَّمُ الأَْخُ فِيهِمَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (4) . وَتَخْتَلِفُ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي تَقْدِيمِ الأَْخِ عَلَى الْجَدِّ فِي الْوَصِيَّةِ لأَِقْرَبِ الأَْقَارِبِ (5) ، وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْخِ __________ (1) شرح الروض 3 / 13، والفواكه الدواني 2 / 347 (2) العذب الفائض 1 / 101، وشرح الروض 3 / 9، والفواكه الدواني 2 / 341 (3) شرح الروض 3 / 53، والبهجة شرح التحفة 1 / 253، 406، والمغني مع الشرق 6 / 551 ط المنار، والتاج والإكليل 6 / 373 ط ليبيا (4) البجيرمي على الخطيب 4 / 91، وشرح الروض 4 / 9، والشرواني على التحفة 6 / 408 ط دار صادر، والمغني مع الشرح 6 / 151، والإنصاف 8 / 69، البهجة شرح التحفة على الأرجوزة 1 / 253، 406 (5) التاج والإكليل 6 / 373، شرح الروض 3 / 53، والمغني مع الشرح 6 / 551 عَلَى أَخِيهِ (1) ، وَعِتْقِهِ عَلَيْهِ (2) ، وَفِي قَبُول شَهَادَتِهِ، وَفِي الْقَضَاءِ لَهُ. مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: 3 - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الأَْخِ ضِمْنَ الأَْقَارِبِ فِي الْوَقْفِ. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِحْيَاءُ يَأْتِي فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا: أ - بِمَعْنَى الْحَيَاءِ، وَهُوَ: الاِنْزِوَاءُ وَالاِنْقِبَاضُ (1) ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا الاِنْقِبَاضَ لِيَكُونَ اسْتِحْيَاءً بِأَنْ يَكُونَ انْقِبَاضًا عَنِ الْقَبَائِحِ. وَقَدْ وَرَدَ الاِسْتِحْيَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي عَدَدٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، مِنْهَا قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: {{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوَك لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}} (2) وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَل فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}} (3) وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ {{وَاَللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}} (4) وَالاِسْتِحْيَاءُ - بِهَذَا الْمَعْنَى - مُرَغَّبٌ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (حَيَاء) . ب - بِمَعْنَى الإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَيُقَال: اسْتَحْيَيْتُ فُلاَنًا إِذَا تَرَكْتُهُ حَيًّا وَلَمْ أَقْتُلْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: {{يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}} (5) أَيْ يُبْقِيهِمْ أَحْيَاءً (6) . وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ اسْتِحْيَاءٍ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَالُوا فِي الْبِكْرِ: تُسْتَأْذَنُ فِي النِّكَاحِ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا، لأَِنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ النُّطْقِ. وَقَالُوا فِي الأَْسْرَى يَقَعُونَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ شَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَحْيَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ. وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الاِسْتِحْيَاءِ بِلَفْظِ الإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَيَقُولُونَ فِي الصَّغِيرِ يَأْبَى الرَّضَاعَ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ: تُجْبَرُ أُمُّهُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِبْقَاءً عَلَى حَيَاتِهِ الاِسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى إِدَامَةِ الْحَيَاةِ: الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: إِحْيَاءٌ: 2 - كَلِمَةُ " إِحْيَاءٌ " تُسْتَعْمَل فِي إِيجَادِ الْحَيَاةِ فِيمَا لاَ حَيَاةَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ}} . (7) أَمَّا كَلِمَةُ " اسْتِحْيَاءٌ " فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي إِدَامَةِ الْحَيَاةِ الْمَوْجُودَةِ، وَعَدَمِ إِعْدَامِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الإِْحْيَاءَ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، بِخِلاَفِ الاِسْتِحْيَاءِ. صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) : 3 - لاَ يُمْكِنُ اطِّرَادُ الاِسْتِحْيَاءِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، نَظَرًا لاِخْتِلاَفِ أَحْوَال الاِسْتِحْيَاءِ، بَل تَتَعَاقَبُهُ أَكْثَرُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. فَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ وَاجِبًا، كَمَا هُوَ الْحَال فِي اسْتِحْيَاءِ مَنْ بَذَلْنَا لَهُ الأَْمَانَ (ر: أَمَان) ، وَاسْتِحْيَاءِ الصَّغِيرِ بِالإِْجْبَارِ عَلَى الرَّضَاعَةِ (ر: رَضَاع) ، وَاسْتِحْيَاءِ الإِْنْسَانِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ، وَالْحَيَوَانِ الْمَحْبُوسِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ (ر: نَفَقَة) ، وَاسْتِحْيَاءِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِنَ السَّبْيِ (ر: سَبْي) ، وَاسْتِحْيَاءِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ (ر: إِجْهَاض) . وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مَكْرُوهًا، كَاسْتِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِطَبْعِهِ. وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مُحَرَّمًا، كَاسْتِحْيَاءِ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي حَدٍّ (ر: حَدّ) ، وَاسْتِحْيَاءِ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ جُنُودُ الْعَدُوِّ قَطْعًا فِي حَرْبِهِمْ لَنَا، كَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي عَجَزْنَا عَنْ حَمْلِهَا إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ (ر: جِهَاد) . وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مُبَاحًا، كَتَخْيِيرِ الإِْمَامِ فِي أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الْقَتْل أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ أَوِ الاِسْتِرْقَاقِ. الْمُسْتَحْيِي: الْمُسْتَحْيِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسَ الْمُسْتَحْيَا (كَاسْتِحْيَاءِ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ) أَوْ غَيْرَهُ. اسْتِحْيَاءُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ: 4 - يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْمَل عَلَى اسْتِحْيَاءِ نَفْسِهِ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: بِدَفْعِ التَّلَفِ عَنْهَا بِإِزَالَةِ سَبَبِهِ، كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ (8) ، وَإِطْفَاءِ الْحَرِيقِ أَوِ الْهَرَبِ مِنْهُ، كَمَا إِذَا احْتَرَقَتْ سَفِينَةٌ وَلَمْ يُمْكِنْ إِطْفَاؤُهَا، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ رِكَابَهَا لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ نَجَوْا، وَجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ (9) . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا تَنَاوُل الدَّوَاءِ؛ لأَِنَّ الْمَرَضَ غَيْرُ مُفْضٍ إِلَى الْمَوْتِ حَتْمًا؛ وَلأَِنَّ الشِّفَاءَ بِتَنَاوُل الدَّوَاءِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ (10) ، لَكِنِ التَّدَاوِي مَطْلُوبٌ شَرْعًا؛ لِحَدِيثِ تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ (11) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَفْعِ التَّلَفِ عَنْ نَفْسِهِ إِتْلاَفٌ لِلْغَيْرِ، أَوْ لِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ إِتْلاَفٌ لِنَفْسٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِحْيَاءُ نَفْسِهِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي طَلَبِ الزَّادِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، أَوْ فِي دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ (12) . وَإِنْ كَانَ فِي إِحْيَاءِ نَفْسِهِ إِتْلاَفٌ لِنَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى هَذَا الإِْتْلاَفِ إِحْيَاءً لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِضَرَرٍ مِثْلِهِ. ثَانِيهُمَا: عَدَمُ الإِْقْدَامِ عَلَى إِمَاتَةِ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، أَمَّا إِمَاتَةُ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ كَمَا إِذَا بَعَجَ بَطْنَهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ لِيَمُوتَ، فَمَاتَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَسُمُّهُ بِيَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ وَجَأَ بَطْنَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (13) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، أَوْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الاِنْتِحَارِ (ر: انْتِحَار) . وَأَمَّا إِمَاتَةُ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، كَمَا إِذَا اقْتَحَمَ عَدُوًّا، أَوْ مَجْمُوعَةً مِنَ اللُّصُوصِ، وَهُوَ مُوقِنٌ أَنَّهُ مَقْتُولٌ لاَ مَحَالَةَ، دُونَ أَنْ يَقْتُل مِنْهُمْ أَحَدًا، أَوْ يُوقِعَ فِيهِمْ نِكَايَةً، أَوْ يُؤَثِّرَ فِيهِمْ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ؛ لأَِنَّ هَذَا إِلْقَاءٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُول: {{وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}} (14) ، وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ كِتَابُ الْجِهَادِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (ر: جِهَاد) . 5 - وَاسْتِحْيَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى اسْتِحْيَاءِ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ حُرْمَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَوْقَ حُرْمَةِ نَفْسٍ أُخْرَى (15) ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ كَانَ إِثْمُهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ قَتَل غَيْرَهُ (16) ، وَمِنْ هُنَا قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمَرْءَ يُكَلَّفُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي النَّفَقَاتِ (ر: نَفَقَة) ، وَكَمَنْ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ، وَصَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرٌّ لِطَعَامِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَصَاحِبُ الطَّعَامِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (17) . اسْتِحْيَاءُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ: 6 - يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحْيِي لِغَيْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الاِسْتِحْيَاءُ مَا يَلِي: 1 - أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحْيِي مُكَلَّفًا عَالِمًا بِحَاجَةِ الْمُسْتَحْيَا إِلَى الاِسْتِحْيَاءِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ. 2 - أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يُكَلَّفُ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} (18) ، قَال فِي الْمُغْنِي: " كُل مَنْ رَأَى إِنْسَانًا فِي مُهْلِكَةٍ فَلَمْ يُنَجِّهِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ وَقَدْ أَسَاءَ " وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يُنَجِّهِ مِنَ الْهَلاَكِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (19) ، فَالْخِلاَفُ وَاقِعٌ فِي الضَّمَانِ، لاَ فِي الاِسْتِحْيَاءِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْجِنَايَاتِ (ر: جِنَايَة) . فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَجَبَ الاِسْتِحْيَاءُ عَلَى الأَْقْرَبِ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْتَحْيَا فَالأَْقْرَبِ، عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي النَّفَقَةِ (ر: نَفَقَة) . فَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الاِسْتِحْيَاءِ انْتَقَل الْوُجُوبُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ، إِنْ كَانَ الْوَقْتُ لاَ يَتَّسِعُ إِلَى إِجْبَارِهِ عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَكَذَا إِنِ اخْتَل فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، إِلَى أَنْ يَصِل الْوُجُوبُ إِلَى مَنْ عَلِمَ مِنَ النَّاسِ. الْمُسْتَحْيَا: 7 - يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحْيَا حَتَّى يَجِبَ اسْتِحْيَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ ذَا حَيَاةٍ مُحْتَرَمَةٍ - سَوَاءٌ أَكَانَ إِنْسَانًا أَمْ حَيَوَانًا - وَتَبْدَأُ الْحَيَاةُ الْمُحْتَرَمَةُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ بِلاَ خِلاَفٍ (20) . وَفِي ابْتِدَائِهَا قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ خِلاَفٌ (21) . (ر: إِجْهَاض) . وَتُهْدَرُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِلْحَيَاةِ وَيَسْقُطُ وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ بِمَا يَلِي: أ - بِإِهْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا أَصْلاً، كَمَا هُوَ الْحَال فِي إِهْدَارِ حُرْمَةِ حَيَاةِ الْخِنْزِيرِ. ب - أَوْ بِتَصَرُّفِهِ تَصَرُّفًا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ مُوجِبًا لإِِهْدَارِ دَمِهِ، كَقِتَال الْمُسْلِمِينَ (ر: بَغْي) (وَجِهَاد) وَالْقَتْل (ر: جِنَايَة) وَالرِّدَّةِ (ر: رِدَّة) وَزِنَى الْمُحْصَنِ (ر: إِحْصَان) وَالسِّحْرِ عِنْدَ الْبَعْضِ (رَ: سِحْرٍ) . ج - أَوْ بِالضَّرَرِ، بِأَصْل خِلْقَتِهِ، كَالْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ بِأَصْل خِلْقَتِهَا، كَالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (22) وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ السَّبُعُ الْعَادِي (الْمُتَعَدِّي) وَنَحْوَ ذَلِكَ. د - أَوْ بِالضَّرَرِ وُقُوعًا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ ضَرَرِهِ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، كَالصَّائِل مِنَ الْحَيَوَانِ وَالإِْنْسَانِ. وَسَائِل الاِسْتِحْيَاءِ: 8 - لاَ تَخْرُجُ وَسَائِل الاِسْتِحْيَاءِ عَنْ كَوْنِهَا عَمَلاً، أَوِ امْتِنَاعًا عَنْ عَمَلٍ: أ - أَمَّا الْعَمَل، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تَعْتَبِرُ كُل عَمَلٍ مَشْرُوعًا - عَدَا قَتْل الْبَرِيءِ - إِذَا تَعَيَّنَ لاِسْتِحْيَاءِ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلاَكِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْعَمَل مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، أَوْ بَذْل الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ. أَوْ تَمْدِيدِ إِجَارَةِ السَّفِينَةِ الَّتِي انْتَهَتْ مُدَّةُ إِجَارَتِهَا وَهِيَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ (ر: إِجَارَة) ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمْ كَانَ مُحَرَّمًا بِأَصْلِهِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ مِنْ مَخْمَصَةٍ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِدَفْعِ غُصَّةٍ، وَالْكَذِبِ لِدَفْعِ ظَالِمٍ عَنْ بَرِيءٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (23) . ب - أَمَّا الاِمْتِنَاعُ عَنْ عَمَلٍ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنْ قَتْل النَّفْسِ، وَالاِمْتِنَاعِ عَنْ قَتْل الْغَيْرِ فَهُوَ وَاجِبٌ. الإِْجْبَارُ عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ: 9 - إِذَا تَعَيَّنَ وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ وَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ، كَمَا إِذَا رَفَضَ الصَّغِيرُ الرَّضَاعَ مِنْ ثَدْيٍ غَيْرِ ثَدْيِ أُمِّهِ، فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِهِ اسْتِحْيَاءً لَهُ. (ر: رَضَاع) . وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ: 10 - يَجِبُ الاِسْتِحْيَاءُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِهِ الاِسْتِحْيَاءُ، وَأَوَّلُهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَآخِرُهُ هُوَ الْفَرَاغُ مِنَ الاِسْتِحْيَاءِ، فَإِنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَدَّدَ لَهُ الشَّرْعُ الزَّمَانَ، فَأَوَّلُهُ: مَا يَلِي زَمَنَ السُّقُوطِ، وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ إِنْقَاذِهِ (24) . __________ (1) ابن عابدين 5 / 263، 264، وشرح الروض 4 / 357 ط الميمنية، ومطالب أولي النهى 6 / 210 ط المكتب الإسلامي، ومدارج السالكين 1 / 290، 291 ط السنة المحمدية. (2) المصباح المنير. (3) سورة القصص / 25 (4) سورة البقرة / 26 (5) سورة الأحزاب / 53 (6) سورة القصص / 4 (7) انظر في ذلك لسان العرب، ومفردات الراغب الأصفهاني، وتفسير النسفي للآية 53 من سورة الأحزاب، والآية 4 من سورة القصص. (8) سورة البقرة / 28 (9) حاشية عميرة 4 / 207. والمبسوط 30 / 265 و271 ط دار المعرفة. (10) الفتاوى الهندية 5 / 361 (11) الفتاوى الهندية 5 / 254 طبع بولاق. (12) حديث (تداووا عباد الله) أخرجه الترمذي (6 / 190 تحفة الأحوذي نشر السلفية) وقال: حسن صحيح. (13) المغني 8 / 328 (14) حديث (من تردى. . .) أخرجه مسلم 1 / 103 - 104 ط عيسى الحلبي. (15) سورة البقرة / 195، وانظر تفسبر القرطبي لهذه الآية الكريمة 2 / 363 - 364 طبع دار الكتب المصربة. (16) المبسوط 30 / 270 (17) الفتاوى الهندية 5 / 361 (18) المغني 8 / 834 (19) سورة البقرة 286 (20) الفروق للقرافي 2 / 56 طبع دار المعرفة. (21) البحر الرائق 8 / 33 طبع المطبعة العلمية، وحاشية الرهوني على الزرقاني 3 / 264 طبع بولاق، وحاشية الجمل على شرح المنهاج 5 / 490 طبع المطبعة الميمنية، والمغني 8 / 418 طبع مكتبة القاهرة. (22) البحر الرائق 8 / 233، وحاشية الدسوقي 2 / 266 طبع عيسى البابي الحلبي، وحاشية الرهوني على الزرقاني 3 / 263، وبداية المجتهد 2 / 453 طبع مكتبة الكليات الأزهرية سنة 1386 هـ. (23) حديث خمس من الدواب. . .) أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 34 ط السلفية) في الحج باب ما يقتله المحرم من الدواب، ومسلم 2 / 858 ط عيسى الحلبي في الحج باب ما يندب للمحرم وغيره قتله، وأبو داود (عون المعبود 2 / 108 ط المطبعة الأنصارية) . (24) البحر الرائق 8 / 233، وحاشية ابن عابدين 1 / 602 |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْحَيَاءُ لُغَةً مَصْدَرُ حَيِيَ، وَهُوَ: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الإِْنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ. وَفِي الشَّرْعِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ (1) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْخَجَل: 2 - الْخَجَل: وَهُوَ: الاِسْتِرْخَاءُ مِنَ الْحَيَاءِ، وَيَكُونُ مِنَ الذُّل، يُقَال: بِهِ خَجْلَةٌ أَيْ حَيَاءٌ، وَهُوَ التَّحَيُّرُ وَالدَّهَشُ مِنَ الاِسْتِحْيَاءِ. يُقَال: خَجِل الرَّجُل خَجَلاً: فَعَل فِعْلاً فَاسْتَحَى مِنْهُ. (2) وَقَال أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَجَل وَالْحَيَاءِ، أَنَّ الْخَجَل مَعْنًى يَظْهَرُ فِي الْوَجْهِ لِغَمٍّ يَلْحَقُ الْقَلْبَ عِنْدَ ذَهَابِ حُجَّةٍ، أَوْ ظُهُورٍ عَلَى رِيبَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ شَيْءٌ تَتَغَيَّرُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَالْحَيَاءُ هُوَ الاِرْتِدَاعُ بِقُوَّةِ الْحَيَاءِ، وَلِهَذَا يُقَال فُلاَنٌ يَسْتَحْيِ فِي هَذَا الْحَال أَنْ يَفْعَل كَذَا، وَلاَ يُقَال يَخْجَل أَنْ يَفْعَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ هَيْئَتَهُ لاَ تَتَغَيَّرُ مِنْهُ قَبْل أَنْ يَفْعَلَهُ، فَالْخَجَل مِمَّا كَانَ وَالْحَيَاءُ مِمَّا يَكُونُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الْحَيَاءُ مَوْضِعَ الْخَجَل تَوَسُّعًا. وَقَال الأَْنْبَارِيُّ: أَصْل الْخَجَل فِي اللُّغَةِ: الْكَسَل وَالْتَوَانِي وَقِلَّةُ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَال الْعَرَبِ لَهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَلَى مَعْنَى الاِنْقِطَاعِ فِي الْكَلاَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا جُعْتُنَّ وَقَعْتُنَّ وَإِذَا شَبِعْتُنَّ خَجِلْتُنَّ. (3) وَقَعْتُنَّ أَيْ ذَلَلْتُنَّ وَخَجِلْتُنَّ كَسِلْتُنَّ، وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَجَل هَاهُنَا الأَْشَرُ، وَقِيل: هُوَ سُوءُ احْتِمَال الْعَنَاءِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ الْخَجَل بِمَعْنَى الدَّهَشِ. قَال الْكُمَيْتُ: فَلَمْ يَدْفَعُوا عِنْدَنَا مَا لَهُمْ لِوَقْعِ الْحُرُوبِ وَلَمْ يَخْجَلُوا . أَيْ لَمْ يَبْقَوْا دَهِشِينَ مَبْهُوتِينَ (4) . ب - الْبَذَاءَةُ: 3 - الْبَذَاءَةُ لُغَةً: السَّفَاهَةُ وَالْفُحْشُ فِي الْمَنْطِقِ وَإِنْ كَانَ الْكَلاَمُ صِدْقًا، وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَيَاءُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَالإِْيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءَةُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ (5) فَجَعَل الْبَذَاءَةَ مُقَابِلَةً لِلْحَيَاءِ. وَقَرِيبٌ مِنَ الْبَذَاءَةِ الْفُحْشُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ: مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ (6) . ج - الْوَقَاحَةُ: 4 - الْوَقَاحَةُ وَالْقِحَةُ أَنْ يَقِل حَيَاءُ الرَّجُل وَيَجْتَرِئَ عَلَى اقْتِرَافِ الْقَبَائِحِ وَلاَ يَعْبَأَ بِهَا. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَيَاءِ: 5 - الْحَيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الإِْنْسَانِ، وَغَرِيزَةٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ ارْتِكَابِ كُل مَا يَشْتَهِيهِ فَلاَ يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ. وَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِيهِ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ: فَهُوَ حَيَاءٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}} (7) وَمَا رَوَاهُ سَلْمَانُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ (8) . وَالْحَيَاءُ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مَطْلُوبٌ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَغَّبَ فِيهِ، لأَِنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى أَفْعَال الْخَيْرِ وَمَانِعٌ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَحُول بَيْنَ الْمَرْءِ وَالْقَبَائِحِ، وَيَمْنَعُهُ مِمَّا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَهُ فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ خُلُقٌ مَحْمُودٌ، لاَ يُنْتِجُ إِلاَّ خَيْرًا، فَالَّذِي يَهُمُّ بِفِعْل فَاحِشَةٍ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنِ اجْتِرَاحِهَا، أَوْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ سَفِيهٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ مُقَابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، أَوْ يَسْأَلُهُ سَائِلٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ حِرْمَانِهِ، أَوْ يَضُمُّهُ مَجْلِسٌ فَيُمْسِكُ الْحَيَاءُ بِلِسَانِهِ عَنِ الْكَلاَمِ، وَالْخَوْضِ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ، فَالَّذِي يَكُونُ لِلْحَيَاءِ فِي نَفْسِهِ هَذِهِ الآْثَارُ الْحَسَنَةُ، فَهُوَ ذُو خُلُقٍ مَحْمُودٍ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَال لَهُ ﷺ: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِْيمَانِ. (9) وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ (10) وَقَال ﷺ: الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْل: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (11) وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الْحَيَاءُ وَالإِْيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآْخَرُ (12) وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ لِكُل دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِْسْلاَمِ الْحَيَاءُ (13) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ (14) ، وَعَنْهُ ﷺ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُْولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. (15) قَال الْعُلَمَاءُ: الْحَيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الْحَيَاءِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ (16) وَالرُّوحِ، وَأَوْلَى الْحَيَاءِ: الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحَيَاءُ مِنْهُ أَلاَّ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَمُرَاقَبَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: الإِْحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. (17) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَال: قُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَال: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الاِسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآْخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ (18) قَال الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : " الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الآْلاَءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى: الْحَيَاءَ ". وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمِنْ كَلاَمِ الْحُكَمَاءِ أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمُجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَا مِنَ الْقَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ. (19) 6 - وَيَجْرِي فِي الْحَيَاءِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ مُحَرَّمًا، فَالْحَيَاءُ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْهُ مَكْرُوهًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ وَاجِبًا فَالْحَيَاءُ مِنْهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُبَاحٍ فَهُوَ عُرْفِيٌّ أَوْ جَائِزٌ. (20) فَالْحَيَاءُ مِنْ تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ الْعِلْمُ بِهِ لَيْسَ بِحَيَاءٍ شَرْعِيٍّ. فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَْنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (21) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَل عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ. (22) وَالْحَيَاءُ مِنْ مُوَاجِهَةِ الظَّلَمَةِ، وَالْفُسَّاقِ وَزَجْرِهِمْ، وَتَرْكِ الْجَهْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيَاءٌ لَيْسَ بِحَيَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ حَيَاءً: مِنْ إِطْلاَقِ بَعْضِ أَهْل الْعُرْفِ: أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابِهَتِهِ الصُّورِيَّةِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ. (23) أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ: 7 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ: إِذَا أَخَذَ مَال غَيْرِهِ بِالْحَيَاءِ كَأَنْ يَسْأَل غَيْرَهُ مَالاً فِي مَلأٍَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ بِبَاعِثِ الْحَيَاءِ فَقَطْ، أَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ حَيَاءً هَدِيَّةً يَعْلَمُ الْمُهْدَى لَهُ أَنَّ الْمُهْدِي أَهْدَى إِلَيْهِ حَيَاءً لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلاَ يَحِل لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل طَلَبٌ مِنَ الآْخِذِ، فَالْمَدَارُ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَال دَفَعَهُ إِلَيْهِ حَيَاءً، وَلاَ مُرُوءَةً، وَلاَ لِرَغْبَةٍ فِي خَيْرٍ، وَمِنْ هَذَا: لَوْ جَلَسَ عِنْدَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ طَعَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْكُل مَعَهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ حَيَائِهِمْ، لاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ طَعَامِهِمْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ فِي بَيْتِ مُضِيفِهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الضِّيَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَيُطْعِمُهُ حَيَاءً. فَلِلْمَأْخُوذِ بِالْحَيَاءِ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَى الآْخِذِ رَدُّهُ، أَوِ التَّعْوِيضُ عَنْهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّعْوِيضُ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ أَوْ أَكَل مِنْ زَادِهِمْ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا كَلاَمٌ حَسَنٌ لأَِنَّ الْمَقَاصِدَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ (24) . وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ. __________ (1) المصباح المنير وفتح الباري 1 / 74، وعمدة القاري 1 / 152، وتفسير الرازي ج1 في تفسير آية (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة) . (2) لسان العرب المحيط. (3) حديث: " إذا جعتن وقعتن وإذا شبعتن خجلتن ". أورده أبو هلال العسكري في الفروق ص 203 نشر دار الكتب العلمية، كما ذكر ابن الأثير الشطر الثاني منه في النهاية (خجل) ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار. (4) الفروق ص 239. (5) حديث: " الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة الجفاء، والجفاء في النار " أخرجه الترمذي. (4 / 365 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". (6) حديث: " ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه " أخرجه الترمذي (4 / 349 - ط الحلبي) من حديث أنس، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب ". (7) سورة البقرة / 26. (8) تفسير الرازي 1 / 131 وما بعدها. وحديث: " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل يديه ". أخرجه الترمذي (5 / 557 - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث حسن غريب ". (9) حديث: " دعه، فإن الحياء من الإيمان ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 74 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 63 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. (10) حديث: " الحياء لا يأتي إلا بخير ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 521 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 64 - ط الحلبي) من حديث عمران بن حصين. (11) حديث: " الإيمان بضع وسبعون شعبة ". أخرجه مسلم (1 / 63 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (12) حديث: " الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ". أخرجه الحاكم (1 / 22 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (13) حديث: " إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء " أخرجه ابن ماجه (2 / 1399 - الحلبي) من حديث أنس، وضعفه البوصيري كما في مصباح الزجاجة (4 / 230 - ط دار العربية) . (14) حديث: كان النبي ﷺ: " أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 513 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1809 - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري. (15) حديث: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 523 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن مسعود (16) مدارج السالكين 2 / 259. (17) حديث: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 114 - ط السلفية) ومسلم (1 / 39 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (18) حديث: " استحوا من الله حق الحياء ". أخرجه الترمذي (4 / 637 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود وهو حديث حسن طرقه. (19) مدارج السالكين 2 / 259 - 260. (20) عمدة القاري 1 / 152 فتح الباري 1 / 74. (21) حديث عائشة: " نعم النساء نساء الأنصار. . . ". أخرجه مسلم (1 / 261 - ط الحلبي) . (22) حديث أم سلمة: " جاءت أم سليم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 388 - ط السلفية) ، ومسلم 1 / 251 - ط الحلبي) . (23) عمدة القاري 1 / 152. (24) نهاية المحتاج 5 / 146، حاشية الجمل 3 / 469، مطالب أولي النهى 4 / 380 - 381. |