المحيط في اللغة للصاحب بن عباد
|
العَنْكَشُ الرَّجُلُ الذي لا يُبالي أن لا يَدَّهِنَ ولا يَتَزَيَّنَ، وحَمْعُهْ عَنَاكِشُ.
|
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(عَكِشَ)الْعَيْنُ وَالْكَافُ وَالشِّينُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّجَمُّعِ. يُقَالُ عَكِشَ شَعْرُهُ إِذَا تَلَبَّدَ. وَشَعْرٌ مُتَعَكِّشٌوَقَدْ تَعَكَّشَ. قَالَ دُرَيْدٌ:
تَمَنَّيْتَنِي قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ سَفَاهَةً...وَأَنْتَ امْرُؤٌ لَا تَحْتَوِيكَ الْمَقَانِبُ وَأَنْتَ امْرُؤٌ جَعْدُ الْقَفَا مُتَعَكِّشٌ...مِنَ الْأَقِطِ الْحَوْلِيِّ شَبْعَانُ كَانِبُ وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: إِذْ تَسْتَبِيكَ بِفَاحِمٍ مُتَعَكِّشٍ...فُلَّتْ مَدَارِيهِ أَحَمُّ رَفَالُ وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ فِي النَّبَاتِ. يُقَالُ: نَبَاتٌ عَكِشٌ، إِذَا الْتَفَّ. وَقَدْ عَكِشَ عَكَشًا. وَالَّذِي ذُكِرَ فِي الْبَابِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى هَذَا كُلِّهِ. وَفِي كِتَابِ الْخَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ مُهْمَلٌ. وَقَدْ يَشِذُّ عَنِ الْعَالِمِ الْبَابُ مِنَ الْأَبْوَابِ. وَالْكَلَامُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. |
مقاييس اللغة لابن فارس
مقاييس اللغة لابن فارس
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الموحدون يحاصرون مراكش ويستولون عليها ويذبحون المرابطين.
541 - 1146 م قام الموحدون بقيادة زعيمهم عبدالمؤمن بالاستيلاء على مراكش بعد حصار دام تسعة أشهر، وكان أميرها إبراهيم بن علي بن يوسف بن تاشفين فعزله أهل مراكش لضعفه ثم قتلوه وولوا عليهم أخاه إسحاق، ولما استولى الموحدون على مراكش وقتل من بها من المقاتلة، ولم يتعرض للرعية، دانت لهم المغرب وانتهت دولةالمرابطين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بناء مسجد الكتيبة الجامع بمدينة مراكش بالمغرب الأقصى.
592 - 1195 م تبدأ قصة بناء مسجد الكتيبة منذ الأيام الأولى لانتصار الموحدين على المرابطين. فقد أبى كثير من الموحدين دخول البلدة أو الاستقرار فيها بمعنى أدق. لأنهم كانوا يسمعون مؤسس دولتهم المهدي (ابن تومرت) يقول لهم دائماً لا تدخلوا مراكش حتى تطهروها. ولما التمسوا معنى تطهيرها لدى فقهائهم أجابوهم إن مساجد مراكش فيها انحراف قليل في القبلة عن الجهة الصحيحة، فعليكم أن تبنوا مسجداً دقيق الاتجاه، صحيح القبلة فيها. وهكذا قام عبدالمؤمن بن علي أمير المرابطين بهدم مسجد قصر الحجر ذي القبلة الخطأ، وهدم الجامع الذي كان قد بناه علي بن يوسف بأدنى المدينة، ثم شرع في بناء جامع عظيم مكانه. هذا الجامع أطلق عليه اسم جامع الكتيبة الذي ابتدأ بناؤه عام 548هـ ويعتبر واحدا من ثلاثة آثار معمارية كبرى في دولة الموحدين وهذه الآثار هي: رباط تازا، وجامع تيمنلل، وجامع الكتيبة. ويذهب بعض الباحثين إلى أن الموحدين وقعوا أول الأمر رغم حرصهم في نفس خطأ المرابطين، حيث لم يصوبوا مسجدهم الجديد نحو القبلة بالدقة التي كانوا يرجونها، مما حملهم على بناء جامع آخر إلى جواره صحيح المحراب دقيق الاتجاه. ولهذا فجامع الكتيبة أنشئ في ظن هؤلاء مرتين لا مرة واحدة .. وما تزال آثار الجامع الأول ظاهرة، وارتفاع المنارة إلى أعلى تفاحات ثلاثة تتوج قبتها يصل إلى 67.5 متراً، أي مايوازي عمارة من عشرين طابقاً. وجدرانها مطلية كلها بالجص الأبيض المائل إلى الأصفر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة.
604 - 1207 م عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا، وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان، وما وراء النهر، وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال، فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى، أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فراسل إلى خوارزم شاه يقول له: إن الله، عز وجل، قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار، فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخار وسمرقند، بعد أن حلفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه، وضمنوا عنه الصدق والثبات على ما بذل، وجعلوا عنده رهائن، فشرع في إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، وجمع عساكره جميعها، وسار إلى خوارزم، وتجهز منها، وعبر جيحون، واجتمع بسلطان سمرقند، وسمع الخطا، فحشدوا، وجمعوا، وجاؤوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات، فتارة له وتارة عليه، ثم دخل خوارزم شاه نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائباً، وسار إلى هراة، فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه، وزحف إليه بعسكره، فلم يكن فيه حيلة، فاتفق جماعة من أهل هراة وقالوا: هلك الناس من الجوع والقلة، وقد تعطلت علينا معايشنا، وقد مضى سنة وشهر، وكان الوزير يعد بتسليم البلد إلى خوارزم شاه إذا وصل إليه، وقد حضر خوارزم شاه ولم يسلم، ويجب أن نحتال في تسليم البلد والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها، فانتهى ذلك إلى الوزير، فبعث إليهم جماعة من عسكره، وأمرهم بالقبض عليهم، فمضى الجند إليهم، فثارت فتنة في البلد عظم خطبها، فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه، فمضى لذلك، فكتب من البلد إلى خوارزم شاه بالخبر، وزحف إلى البلد وأهله مختلطون، فخربوا برجين من السور، ودخلوا البلد فملكوه، وقبضوا على الوزير، فقتله خوارزم شاه، وملك البلد، وذلك سنة خمس وستمائة، وأصلح حاله، وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، فلم يزل بيده حتى هلك خوارزم شاه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء السلطان محمد الشيخ السعدي على مراكش وتجديد البيعة له.
951 - 1544 م كان السلطان أبو عبدالله الشيخ بعد القبض على أخيه واستقلاله بالأمر قد أقام بالبلاد السوسية مثابرا على جهاد العدو إلى أن قلع عروق مفسدته منها وكانت مراكش في هذه المدة قد توقفت عن بيعته وتربصت عن الدخول في دعوته اتقاء للوطاسيين وارتياء في أمره إلى ماذا يؤول؟! واستمر الحال إلى سنة إحدى وخمسين وتسعمائة فانقادت له حينئذ وبايعه أهلها فقدمها واستولى عليها وخلص له جميع ما كان بيد أخيه المخلوع من تادلا إلى وادي نول. والله غالب على أمره. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
انحراف أهل مراكش عن طاعة زيدان بن المنصور وبيعتهم لأخيه أبي فارس.
1012 ربيع الأول - 1603 م كان المنصور رحمه الله قد فرق عمالات المغرب على أولاده كما مر فاستعمل الشيخ على فاس والغرب وولاه عهده، واستعمل زيدان على تادلا وأعمالها، واستخلف عند نهوضه إلى فاس ابنه أبا فارس على مراكش وأعمالها وكان يكاتبه بما مر بعضه من الرسائل. فلما اتصل بأهل مراكش وفاة المنصور وكتب إليهم أهل فاس بمبايعتهم لزيدان امتنعوا وبايعوا أبا فارس لكونه خليفة أبيه بدار ملكه التي هي مراكش ولأن جل الخاصة من حاشية أبيه كان يميل إلى أبي فارس لأن زيدان كان منتبذا عنهم بتادلا سائر أيام أبيه فلم يكن لهم به كثير إلمام ولا مزيد استئناس مع أنه كان جديرا بالأمر لعلمه وأدبه وكمال مروءته رحمه الله تعالى |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة ملك العلويين في مراكش إسماعيل بن محمد وتولي ابنه أحمد.
1139 - 1726 م توفي الملك إسماعيل بن محمد بن علي المراكشي أبو النصر الملك الثاني لدولة العلويين في مراكش كان قد جعل عاصمته مكناسة، توفي بعد أن أمضى في الحكم سبعة وخمسين عاما، وخلفه ابنه أحمد. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة ملك العلويين في مراكش أحمد الذهبي وقيام أخيه عبدالله.
1141 - 1728 م توفي ملك العلويين الحسنيين في المغرب الأقصى أحمد الذهبي بن إسماعيل بن محمد بن علي، عرف بالذهبي لبسط يده بالعطاء، كان خلال فترة حكمه خلع ثم أعيد بالعام نفسه وكانوا قد نصبوا أخاه عبدالملك وقتها، فقبض على أخيه ثم قتله ولم يلبث بعده أكثر من ثلاثة أيام حتى توفي هو أيضا وتولى بعده الأمر أخوه عبدالله بن إسماعيل. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
شمال أفريقيا (طنجة) انتزعت من (مراكش) وتم تدويلها، واستولى عليها الأسبان في الحرب العالمية الثانية، ثم انضمت إلى مراكش المغرب.
1343 - 1924 م كان لمدينة طنجة وضع خاص بسبب موقعها المهم لذا حرصت الدول المستعمرة للمغرب أن يكون لها وضع خاص وقد شغلت الدول بأحداث الحرب العالمية الأولى لذا لم تستطع وضع نظام لها فلما وضعت الحرب أوزارها وضعت الدول الكبرى لطنجة نظاما دوليا محايدا يقضي بأن يكون للميناء حاكم فرنسي إداري وله مساعدان إنكليزي وأسباني والسلطة التنفيذية بيد هيئة المراقبة المؤلفة من فرنسا وأسابنيا وإنكلترا ومندوب عن سلطان مراكش، ولم تعد طنجة إلى المغرب إلى بعد الاستقلال في عام 1375هـ / 1955م. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
افتتاح الخط الحديدي بين مراكش وتونس.
1352 شعبان - 1933 م افتتح الخط الحديدي بين مراكش وتونس وهو الخط الذي يربط بين الممتلكات الفرنسية، ويمكّنها من إرسال قوات من تونس إلى موانئ مراكش الواقعة على المحيط الأطلسي؛ وبذلك تتفادى طريق البحر المتوسط المحفوف بالأخطار. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قيام ثلاثمائة من زعماء مراكش بخلع السلطان المغربي سيدي محمد الثالث.
1371 ذو الحجة - 1952 م قام ثلاثمائة من زعماء مراكش بخلع السلطان المغربي سيدي محمد الثالث ونصبوا على العرش مولاي محمد بن عرفة على الرغم من اعتراض الفرنسيين، غير أن ثوار البربر خلعوه، وتلا ذلك اضطرابات دموية. بعد إعلان نبأ تنحية سلطان المغرب الشرعي سيدي محمد بن يوسف وتنصيب محمد بن عرفة كسلطان مزيف، انتفض الشعب المغربي قاطبة ضد الإجراء واندلعت بعض الأحداث ضد الفرنسيين. كما شُنَّت إضرابات عديدة شلت مختلف القطاعات الحيوية لاقتصاد البلاد. ونظمت عمليات للمقاومة أدت إلى مقتل العديد من المغاربة أثناء مقاومتهم للاستعمار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
33 - الحَجاج بْن يوسف الهواري، قاضي الجماعة بمَراكُش وخطيبها، يُكني أَبَا يوسف، [المتوفى: 572 هـ]
وهو من أهل بِجاية. قال ابْن الأبار: كان فصيحًا مفوهًا، بليغًا، مدركًا، نال دنيا عريضة. ولما تُوُفي حضر دفُنه السلطان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
297 - خوارزم شاه. علاء الدين، السلطان تكش ابن الملك رسلان شاه بن آتسز. [المتوفى: 596 هـ]
كذا نَسَبَه الْإِمَام أبو شامة، وقال: هُوَ من ولد طاهر بْن الْحُسَيْن. قال: وكان شجاعًا جوادًا، ملك الدّنيا من السِّنْد والهند وما وراء النّهر، إِلَى خُراسان، إِلَى بغداد، فإنه كان نوابه في حلوان. وكان في ديوانه مائة ألف مقاتل. وهو الَّذِي كسر مملوكهُ عسكرّ الخليفة وأزال دولة بني سلجوق. وكان حاذقًا بعلم الموسيقى. لم يكن في زمانه أحدٌ ألْعَب منه بالعود. قيل: إنّ الباطنّية جهزوا عليه من يقتله، وكان يحترس كثيرًا، فجلس ليلةً يلعب بالعود، فاتّفق أنّه غنّى بيتًا بالعجميّ معناه: قد أبصرتك، وفهمَه الباطنيّ، فخاف وارتعد فهرب، فأخذوه وحُمِل إليه، فقرّره فاعترف فقتله. وكان يباشر الحروب بنفسه، وذهبت عينه فِي القتال. وكان قد عزم على قصْد بغداد، وحشد فوصل إِلَى دهِسْتان فتُوُفّي بها فِي رمضان، وحُمِل إِلَى خُوارزم، ودُفن عند أهله، وقام بعده ولده خوارزم شاه مُحَمَّد، ولُقِّب علاء الدّين بلقبه. وأنبأني ابن البُزُوريّ قال: السّلطان خُوارزم شاه تكِش ملك مشهور، عنده آداب وفضائل، ومعرفة بمذهب أَبِي حنيفة، وبنى مدرسة بخُوارزم للحنفيَّة. وله المقامات المشهورة فِي رَضِيَ الدّيوان، منها محاربة السّلطان طُغْرِيل وقتله. وقع بينه وبين الوزير مؤيَّد الدين محمد ابن القصّاب خُلْف، وكان قد نُفِّذ له تشريف من الديوان فردّه، ثُمَّ ثاب إليه عقُله وندم واعتذر، وطلب تشريفًا، فنفّذ له فلبسه، ولم يزل نافذ الأمر ماضي الحكم. تُوُفّي فِي العشرين من رمضان بشهرستانة، وحمله ولده قطب الدين محمد، فدفنه بمدرسته بخوارزم. -[1071]- وذكر المنذريّ وفاته فِي سابع عشر رمضان. وقال ابن الأثير: حصل له خوانيق، فأُشير عليه بترك الحركة، فامتنع وسار، فاشتدّ مرضه ومات. وولي بعده ولده قُطْب الدّين مُحَمَّد، ولُقِّب بلقب والده علاء الدين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
478 - مُحَمَّد بن تِكش بن إيل أرسلان بن آتْسِز بن مُحَمَّد بن نوشتِكين، السُّلْطَان علاء الدِّين خُوَارِزْم شاه. [المتوفى: 617 هـ]-[516]-
قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث. أَبَاد مُلوك العالم، ودانت لَهُ الممالك، واستولى عَلَى الْأقاليم. قَالَ ابن واصل: نسب علاء الدين ينتهي إلى إيلتِكين أحد مماليك السُّلْطَان ألب أرسلان بن جغر بيك السلجوقي. قال الإمام عز الدين ابن الْأثير: كَانَ صبُورًا عَلَى التّعب وإدمان السَّيْر، غير مُتَنَعم ولا مُقْبل عَلَى اللّذات؛ إنما نَهْمته في المُلك وتدبيره وحِفْظِه وحفظ رعيته. قَالَ: وَكَانَ فاضلًا، عالمًا بالفقه والْأصول وغيرهما، وَكَانَ مُكرِمًا للعلماء محبًا لهم، محسنًا إليهم، يحبّ مناظرتهم بين يديه، ويُعظِّم أهل الدِّين ويتبرك بهم؛ فحكى لي بعضُ خدم حُجرة النَّبِيّ صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ لَمَّا عاد من خُرَاسَان قَالَ: وصلت إلى خُوَارِزْم ودخلتُ الحمام، ثُمَّ قصدتُ باب السُّلْطَان، فَلَمَّا أُدخلت عَلَيْهِ أجلَسني بعد أَن قام لي، ومشى واعتنقني، وَقَالَ لي: أَنْتَ تخدم حُجرة النَّبِيّ صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ؟ قُلْتُ: نعم. فأخذ بيدي وأمَرَّها عَلَى وجهه، وسألني عن حالنا وعَيشنا، وصفة المدينة ومقدارها، وأطال الحديثَ معي، فَلَمَّا عزمت قَالَ: لولا أنَّنا عَلَى عزم السفر الساعة لَمَا ودَّعتك، وإنَّا نريد أن نعبر جيحون إلى الخَطا، وَهَذَا طريقٌ مباركٌ حيث رأينا من يخدُم الحُجرة الشَّريفة. ثُمَّ ودّعني، وأرسل إلي جملة من النَّفقة. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر ابن الْجَوْزيّ: إِنَّهُ تُوُفِّي سنة خمس عشرة، فغلط، وَقَالَ: كَانَ قد أفنى ملوك خُرَاسَان وما وراء النَّهْر، وقتل صاحب سَمَرْقَنْد، وأخْلى البلاد من الملوك واستقلَّ بها، فَكَانَ ذَلِكَ سببًا لهلاكه. وَلَمَّا نزل همذان كاتب الوزيرُ مؤيد الدين محمد ابن القُمّي نائبُ الوزارة الإمامية عن الخليفة عساكر خوارزم شاه، ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مَعَ الخطا عَلَى قتله، وبَعَثَ القُمّي إليهم بالْأموال والخيول سرًّا، فَكَانَ ذَلِكَ سببًا لوهنه؛ وعلم بذلك، فسار من همذان إلى خُرَاسَان ونزل مَرْو، فصادف في طريقه الخيول والهدايا والكُتب إلى الخطا، وكان معه منهم سبعون ألفًا، فلم يمكنه الرجوع -[517]- لفساد عسكره. وَكَانَ خاله من أمراء الخَطا، وقد حلَّفوه أن لَا يُطلع خُوَارِزْم شاه عَلَى ما دبروا عَلَيْهِ، فجاء إِلَيْهِ في الليل، وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه، فنظر إلى السطور وفهمها، وَهُوَ يَقُولُ: خذ لنفسك، فالساعة تُقتل. فقامَ وخرجَ من تحت ذَيْل الخَيْمة ومعه وَلَداه جلال الدِّين والآخر، فركب وسار بهما، ثُمَّ دخل الخَطا والعساكر إلى خيمته فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول، فيقال: إِنَّهُ كَانَ في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار وألف حِمْل قماش أطلس وغيره، وكانت خيله عشرين ألف فرس وبَغْل، وَلَهُ عشرة آلاف مملوك. فهرب وركب في مركب صغير إلى جزيرة فيها قلعة ليتحصّن بها، فأدركه الْأجل، فدُفن عَلَى ساحل البَحْر، وهرب ولداه، وتفرقت الممالك بعده، وأخذت التَّتَار البلاد. قُلْتُ: وكانت سلطنة علاء الدِّين مُحَمَّد بن تِكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة عند موت والده السُّلْطَان علاء الدِّين تِكش. قَالَ الموفق عَبْد اللطيف: كَانَ تِكش أعْوَرَ قميئًا كثيرَ اللّعب بالملاهي، استُدعي من الدّيوان العزيز لدفع أذَى طُغريل السَّلْجُوقيّ صاحب همذان، فقَتَل طُغْريل وسَيَّر برأسه، وتَقَدَّم بطلب حُقوق السَّلْطَنة، فتحركت أمَّةُ الخَطا إلى بلاده، أَوْ حُرّكت، فألجأته الضرورة أن يرجع - يعني إلى خُوَارِزْم - وتولَّى بعده الْأمر ولداه، فَكَانَ ابنه محمدٌ شُجاعًا شَهمًا مِغْوارًا مِقْدامًا، سَعْد الوُجهَة غَزّاءً، لَا ينشف لَهُ لبد، ويقطع المسافات الشَّاسعة في زمان لَا يتوهم العدو أَنَّهُ يقطعها في أضعافه، وَكَانَ هجّامًا فاتكًا غَدَّارًا، فأوّل ما فتك بأخيه، فأُحضِرَ رأسُهُ إليه وَهُوَ عَلَى الطعام فلم يكترث، وَكَانَ قليل النَّوم كثير اليقظة، طويل النَّصب قصير الراحة، يخدم في الغارات أصحابه، ويهجعون وَهُوَ يحرسهم، وثيابه وعدَّة فرسه لَا تبلغ دينارًا، لذّته في نَصَبه، وراحته في تعبه، كثير الغنائم والْأنفال، سريع التفريق لها والإنفاق. وَكَانَ لَهُ معرفة ومشاركة للعُلماء، وصَحِبَ الفخرَ الرَّازِيّ قبل المُلك، فَلَمَّا تملَّك رَعَى لَهُ ذَلِكَ، فوسَّع عَلَيْهِ الدُّنْيَا وبسط يده. لكنّ هذا المَلِك أفْسد رأيه العُجْب والتيه والثِّقة بالسَّلامة، وأوجب لَهُ ذَلِكَ أن يستبدّ برأيه، ويُنكّب عن ذكر العواقب جانبًا، واستهان بالْأعداء، ونسي عواقب الزمان؛ فمن عُجْبه كَانَ يَقُولُ: " مُحَمَّد ينصر دين مُحَمَّد ". ثُمَّ قطع خُطبة بني العَبَّاس من مملكته، وتركَ -[518]- غزو الكُفَّار، وأخذَ يتصدّى لعداوة قِبلة الإِسْلَام وقَلْب الشريعة بَغْدَاد، وعزم عَلَى قصد تفليس ليجعلها سرير مُلكه، ويحكم منها عَلَى بلاد الروم والْأرْمن والقَفْجق، وسائر بلاد العرب والعجم؛ فأفسد الْأمور بإساءة التدبير، وقَتَل نفسه بشدَّة حرصه وحركته قبل وقته، وأراد أن يتشبّه بالإسكندر، وأين الْأعمى من المُبصر؟! وأين الوليّ من رجل تُركيّ؟! فإنّ الإسكندر مَعَ فَضْله وعدله وإظهاره كلمة التوحيد؛ كان في صحبته ثلاثمائة حكيم، يسمع منهم ويطيع، وَكَانَ معلّمه أرسطو طاليس نائبه عَلَى بلاده، ولا يحلّ ولا يعقد إِلَّا بمشورته ومُراسلته في استخراج رأيه. كذا قَالَ الموفق، وأخطأ في هَذَا كغيره، فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هُوَ الَّذِي قص الله سبحانه قصّته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأمّا الآخر فمشرك يعبد الوثن؛ واسمه إسكندر بن فلبّس المقدونيّ، عَلَى دين الحُكماء - لَا رعاهم اللَّه - ولم يملك الدُّنْيَا ولا طافَها؛ بل هُوَ من جُملة ملوك اليونان. ثُمَّ قَالَ الموفق: وقد عُلم بالتّجربة والقياس أن كل ملكٍ لَا يكون قصده إقامة وبسط العدل والعمارة فَهُوَ وشيك الزوال؛ فأول ما صنع هَذَا أَنَّهُ ظاهر أمَّة الخطا، فنازلهم بأمَّة التَّتَر حَتَّى استأصلهم، ولم يُبق منهم إِلَّا من دخل تحت طاعته وصار من عسكره. واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصّه، ثم انتقل إلى أمَّة التَّتَر فمحقهم بالسيف، ولم يبق منهم إِلَّا مستسلم في زمرته. وكانت بلاد ما وراء النَّهْر في طاعة الخطا، وملوك بخاري وَسَمَرْقَنْد وغيرهما يؤدون الْأتاوة إلى الخطا، والخطا يبسطون فيهم العدل. وكانت هذه الْأمم سدًّا بين تُرك الصين وبيننا، ففتح هَذَا الملك بقلة معرفته هَذَا السدّ الوَثيق. ثم أفسَد تلك الممالك والْأمصار، وأتى عَلَى إخراب البلاد وإفساد القلوب، وإيداعها أصناف الإحن والعداوات، وظن أَنَّهُ لم يُبق فيهم مَنْ يقاومه، فانتقل إلى خُرَاسَان وسِجستان وكِرمان ثم العراق وأَذْرَبِيجَان، وطمِعَ في الشَّام وَمِصْر، وحدَّثته نفسه بجميع أقطار الْأرض. وَكَانَ ذَلِكَ سهلًا عَلَيْهِ قد يسَّرَه اللَّه لَهُ لو ساعده التوفيق بحُسن التدبير وأصالة -[519]- الرأي والرفق وعدم العَسف. وَكَانَ يستحضر التُّجَّار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية، وفي بعض الليالي قال لي ابن يَعْلَى وزير الملك الظاهر غازي: إِنَّ السُّلْطَان الليلة مهموم؛ لِما اتصل بِهِ من أخبار خُوَارِزْم شاه وطمعه في الشَّام. فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا سعادة للسُّلطان ولك ولي. قَالَ: وكيف؟ قُلْتُ: هَذَا مَلِكٌ واسع الدّائرة لَا يقدر أن يقيم بالشام، وغَرَضه القهر والاستيلاء، وسُلطاننا فيه مَلق وحُسن تودّد ومُداراةٍ، فَإِذَا قرب لاطفه وأتحفه، فَإِذَا استولى عَلَى ممالك الشَّام لم يجد من يستنيبه عليها سواه. قَالَ: وكيف عرفت هَذَا؟ قُلْتُ: من التُّجَّار. فَلَمَّا أصبح قصّ عَلَيْهِ ما جرى فسُرّي عَنْهُ، وأمرَ أن يُحقّق ذَلِكَ، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي وحادثه، فزعم أَنَّهُ حاضره وبايعه، وذكر من أحواله أَنَّهُ يبقى أربعة أيام أَوْ نحوها عَلَى ظهر فَرسِهٍ ولا ينزل، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس، ويتضمر، ويطوي البلاد. وَأَنَّهُ ربّما أتَى البلد الَّذِي يقصده في نفرٍ يسير فيهجُمُه ثُمَّ يُصبحه من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفًا، وفي كثير من الْأوقات يأتي المدد وقد قضى الحاجة بنفسه. وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرًا وقد قضيت الحاجة أولًا. وربما هَجَم البلد في نفر دون المائة فيقضي حاجته، وربما قَتل ملك ذَلِكَ البلد أَوْ أسره ثُمَّ تتدفق جموعه. وَقَالَ: إن سرجه ولجامه لَا تبلغ قيمتها دانقًا، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين. وحكى أَنَّهُ في بعض غاراته نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسًا، فأمرهم بالهجعة، وأخذ خيلهم يسيّرها بعدما استقى من بئر وسقى الجميع، فَلَمَّا علِم أَنَّهُم قد أخذوا من النوم بنصيبٍ أيقظ بعضهم وأمرهم بالحراسة، ثُمَّ هجع يسيرًا، ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا عَلَى المدينة، وقَتَل ملكها. وسألني الوزير عَنْهُ مرة أخرى، فَقُلْتُ: لَا يمكنه أن يدخل الشَّام؛ لِأَنَّهُ إن أتى بجَمْع قليل لم ينل غرضًا مَعَ شجاعة أهل الشَّام، والفلّاحون يكفونه، وإن أتى بجمع كثير لم تحمله الشَّام؛ لأن خيلهم تأكل الحشيش، ولا حشيش بالشام، وأمّا الشعير ففي كلّ مدينة كفاية دوابها. ثُمَّ أخذتُ أحسب معه ما في حلب من الدواب فبلغت مع التكثير خمسين ألفا، فإذا ورد سبعمائة ألف فرس أخذوا عليق شهر في يوم أَوْ يومين، ثُمَّ إنهم لَيْسَ لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة، وأخذهم البلاد إنّما هُوَ بالرعب والهَيْبَة لَا بالعَدْل والمَحَبة، وهذه الحال لَا تنفع مَعَ شجاعة أهل الشَّام. وعُقيب موت الملك الظاهر -[520]- غازي، وصلَ رسوله إلى حلب، فاحتفل النَّاس، وخرجت الدولة للقائه، وإذا بِهِ رجل صوفي، وخلفه صوفي قد رفع عُكّازًا عَلَى رأسه، ومعه اثنان من عسكره ورسول صاحب إربل، فصعد القلعة، وَقَالَ بحضرة الْأمراء: سلطان السلاطين يسلم عليكم، ويعتُب إِذْ لم تهنئوه بفتح العراق وأَذْرَبِيجَان، وَإنَّ عدد عسكره قد بلغ سبعمائة ألف؛ فأحْسنوا المعذرة بأن قَالُوا: نَحْنُ في حُزن بموت ملكنا وضعف في نفوسنا، وَإِذَا بسطنا فنحن عبيده. وَكَانَ كلامه وشكله يشهد بقلة عقل مُرسله، ثُمَّ توجّه إلى الملك العادل بدمشق فَقَالَ: سلطان السلاطين يسلّم عليك، وَقَالَ: تصل الخدمة، فقد ارتضيناك أن تكون مُقدّم الركاب. فَقَالَ: السَّمْع والطاعة؛ ولكن لنا شيخ هو كبيرنا نشاوره، فَإِذَا أمر حضرنا. قَالَ: ومن هُوَ؟ قَالَ: أمير المؤمنين. فانصرف والناس يهزؤون منه. قَالَ: وسمعنا أَنَّهُ جعل عزّ الدِّين كَيْكَاوِس صاحب الروم أمير علم لَهُ، والخليفة خطيبًا، وكلّ ملك جعل لَهُ خدمة! وأمّا الملوك الدين كانوا بحضرته، فَكَانَ يذلّهم ويهينهم أصنافَا من الإهانات؛ فَكَانَ إِذَا ضُرب لَهُ النُّوبة يجعل طبول الذَّهَب في أعناق الملوك وهم قيام يضربون، وَهَذَا يدلّ عَلَى اغتراره بدُنياه وقِلَّة ثِقته باللَّه تعالى. ثُمَّ إِنَّهُ وصل همذان وإصبهان، وبث عساكره إلى حلوان وتُخوم إربل، وواصله مُظَفَّر الدِّين بالمُؤن والْأزواد، وخافه أهلُ بغداد؛ فجمعوا وحشدوا واستعدوا للحصار واللّقاء جميعًا، ثُمَّ إن اللَّه أجراهم عَلَى جميل عادته في أن يدافع عَنْهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اختلّت عَلَيْهِ بلاد ما وراء النهر، فرجع على عقبيه، وقهقر، لَا يدري ما خلفه مما بين يديه. وأيضا فَإِنَّهُ لَمَّا وصل حلوان نزل عليهم ثلْج ونوء عظيم، فَقَالَ بعض خواصّه: هَذَا من كرامات بيت النبوة. وَلَمَّا أَبَاد أمَّتي الخَطا والتَّتَر وهم أصحاب الْجَند وتُركستان وتَنْكت ظهرت أمم أخر يسمون التتر أيضا، وهم صنفان: صنف يسكنون طمغاج وما يليها ويسمّون الإيوانية، وصنف يسكنون ممّا يلي الهند وصين الصّين بجبلٍ يُسمى سَنك سُلاخ وفيه خرق إلى الهند، ومنه دخل السُّلْطَان مُحَمَّد هَذَا إلى -[521]- الهند، فجاءهم من حيث لَا يحتسبون، فوقع بين طائفتي التَّتَر، فانهزمت الإيوانية من الطَمْغاجية إلى أن خالطوا أطراف بُخَارَى وَسَمَرْقَنْد، واتصل بهم أَنَّ السُّلْطَان مُحَمَّدًا بنواحي بَغْدَاد، وأنّ المسافة بعيدة، فطمعوا في البلاد بخُلُوّها عَنْهُ، فأتاه الخبر وَهُوَ بهمذان، فارتد عَلَى عقبيه حَتَّى قَدِمَ بُخَارَى، فجمع وحَشَد وعزمَ عَلَى لقائهم، وسيَّر ولده جلال الدِّين بخمسة عشر ألفًا وجعلهم كَمينًا، فنمّ الخبر إلى الطمغاجية، وملكُهم هُوَ جنكزخان فوقعوا عَلَى الكمين فطحنوه. وهربَ جلالُ الدِّين بعد جهد جهيد حَتَّى اتصل بأبيه، فأجمع رأيه عَلَى أن يضرب معهم مصافًّا، فثبتوا عند اللقاء أَوَّل يوم، فعجب من ذَلِكَ السُّلْطَان مُحَمَّد إِذْ لم تجر لَهُ عادة أن يثبت بين يديه عدوّ، فَلَمَّا ثبتوا اليوم الثاني والثالث ضعُفت مُنَّتُه ومُنَّة أصحابه، وتغيرت نياتهم، واستشعروا الخوف والخور، ثُمَّ وصلت الجواسيس تخبره بأنّ العدوّ عَلَى نصف عسكره في العدد، فخيّل إِلَيْهِ تعسُ الجدّ أن في أصحابه مُخامرين، فقبض عَلَى كُبرائهم، فازدادت النيات فسادًا، وتوّهم أن عسكره قد صفا، فضرب معهم مصافًا آخر فتطحطح ووصل بخارى منهزما، ونادى في النَّاس: استعدّوا للحصار ثلاث سنين. فتخلّوا عَنْهُ، فرأى من الرأي أن يرجع إلى نَيْسَابُور ويجمع بها الجيوش، ولم يظنّ أَنَّ الطمغاجية يتعدون جيحون، فأخذوا بُخَارَى في ثمانية أيام وأبادوا أهلها، ثم هجموا خُرَاسَان، فأشار عَلَيْهِ وزيره عماد المُلك أن يلحق بهمذان، وضمن لَهُ أن يجمع لَهُ من العساكر والْأموال مقدار حاجته، فما وصل الري إِلَّا وطلائعهم عَلَى رأسه، فانهزم إلى قلعة بَرَجين وقد نَصَب، فأقام بها يومين وَإِذَا بهم عَلَيْهِ، فسحّب نفسه إلى دربند قارون - موضع في تخوم بارس - ومعه ثلاثمائة فارس عُراة لَيْسَ فيهم رمق، فَلَمَّا مضَّهُم الجوع استطعموا من أكرادٍ هناك فلم يحتفلوا بهم، فقالوا: السُّلْطَان معنا. فقالوا: ما نعرف السُّلْطَان. فَلَمَّا ألحفوا في المسألة أعطوهم شاتين وقصعتي لبن، فتوزعُوها. ثم رجع إلى نهاوند، ومرّ عَلَى أطراف البلاد إلى همذان ثُمَّ إلى مازندران؛ وقعقعة رماحهم وسيوفهم قد ملأت مسامعه ومناظره، فنزل ببحيرة هناك بموضع يعرف بآوْكرم، فمرض بالإسهال الذَّريع، وطلبَ دواءً فأعوزه -[522]- الخُبز، ومات هناك. وذُكر أَنَّهُ حُمل في البَحْر إلى دِهِستان، وذكر آخرون أَنَّهُ لَمَّا صار في السفينة لم يزل يضرب رأسه بجدرانها إلى أن مات. وأمَّا ابنه جلال الدِّين فتقاذفت بِهِ البلاد فرمته بالهند، ثُمَّ ألقته الهند إلى كرمان، كما يأتي في ترجمته إن شاء اللَّه. وَقَالَ شمس الدِّين الجزري - أبقاه اللَّه - في " تاريخه ": كَانَ لخُوارزم شاه علاء الدِّين تُضرب النَّوبة في أوقات الصلوات الخمس كعادة المُلوك السَّلجوقية، فَلَمَّا قصد العراق في سنة أربع عشرة وستمائة تركها تُضرب لأولاده جلال الدِّين وغيره، وجعل لنفسه نوبة ذي القرنين كانت تُضرب وقت المطلع والمغيب، فعملها سبعة وعشرين دَبْدَبة من الذَّهَب، ورصّعها بالجواهر. ونصّ يوم اختيرَ لضربها عَلَى سبعة وعشرين ملكًا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين، وقصد التَّجبّر والعظمة. ثُمَّ قصد العراق في أربعمائة ألف فوصل إلى همذان، وَقِيلَ: كَانَ معه ستمائة جتْر، تحت كلّ جِتْر ألف فارس. وَكَانَ قد أباد الملوك واستحوذ عَلَى الْأقاليم، ثم قَالَ: هَذَا ما نقله ابن الْأثير وغيره. قَالَ شمسُ الدِّين: وحكى لي تقي الدِّين أَبُو بَكْر بن عَليّ بن كمجُون الْجَزَريّ السَّفار، سنة نيّف وسبعين قَالَ: حَدَّثَنِي ابن عمّي شمس الدِّين مُحَمَّد التَّاجر - وَكَانَ صاحب الجزيرة يبعث معه إذا سافر إلى العجم هدايا إلى السُّلْطَان خُوَارِزْم شاه، فكانوا يحترمون ما يبعث بِهِ لكونه من بقايا بني أتابك زنكي - قَالَ: فكنتُ في جيش الملك خوارزم شاه ومعه يومئذ مقدار ستمائة ألف راكب ومعهم أتباع تقاربهم، وَتِلْكَ البراري تموجُ بهم كالبحر، فبينما هُوَ في بعض الليالي في المخيم، وإذا بصوت ينادي: " يا كفرة، اقتلوا الفجرة ". فتُتُبع ذَلِكَ الصوت فلم يرَ أحدٌ إِلَّا طيور طائرة، فَلَمَّا كَانَ ثاني ليلة سُمع ذَلِكَ الصوت بعينه وَرَأَى الطيور، فلما كانت الليلة الثالثة سمع ذَلِكَ الصوت بعينه، فما سكت إِلَّا وقد دخل إِلَيْهِ خاله، فحذّره من الفتك بِهِ - كما ذكرنا. -[523]- قَالَ: وحكى لي الصالح غرس الدِّين أَبُو بَكْر الإربلي قَالَ: كَانَ ابن خالتي من حُجّاب مُظَفَّر الدِّين صاحب إربل، فحدّثني قَالَ: أرسلني مُظَفَّر الدِّين إلى خُوَارِزْم شاه رسولًا فأكرمني، وأجلسوني فوق رَسُول الخليفة، وفوق الملوك الذين هم في خدمته، فَكَانَ عدَّة من التقينا من عسكره وممّن هو داخل في طاعته ثلاثمائة ألف وخمسين ألفًا، وكنّا كلما جئنا إلى مكان يقولون: هَذَا رَسُول الفقير مُظَفَّر الدِّين. فسألت بعض الوزراء: كم تكون عدَّة جيش السلطان؟ قال: المدونة ثلاثون تومانًا، التومان: عشرة آلاف. قُلْتُ: وكانت دولته إحدى وعشرين سنة. ثُمَّ رأيت سيرته وسيرة ولده لشهاب الدين مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَليّ النسوي في مُجَلَّد، فذكر فيه سعة ممالكه وقهره البلاد والعباد، واستيلائه عَلَى خُرَاسَان وخوارزم وأطراف العراق ومازندران وكرمان ومكران وكيش وسجستان والغور وغزنة وباميان وما وراء النهر والخطا، وما يقارب أربعمائة مدينة. وذكر من عظمة أمّه تركان الخَطائية أمورًا لم يُسمع بمثلها؛ من عظمتها ونفوذ أمرها، وقتلها النفوس، وجبروتها، وأن جنكزخان أسرها؛ ورأت الذُّل والهوان والجوع. قَالَ النسوي: وَلَمَّا رحل من حافة جيحون إلى نَيْسَابُور وَالنَّاس يتسللون لم يقم بها إِلَّا ساعة رُعبًا تمكّن من صدره، وذُعرًا داخل صميم قلبه، فحكى لي الْأمير تاج الدِّين عُمَر البسطامي قَالَ: وصل السُّلْطَان بسطام، فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، وَقَالَ: هذه كُلّهَا جوهر، وفي هذين الصندوقين جوهر يساوي خِراج الدُّنْيَا بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أرْدهْن، ففعلتُ، وأخذت خطّ متوليها بوصولها مختومة، فحاصر التَّتَار القلعة إلى أن صالحهم متوليها عَلَى تسليم الصناديق إليهم بختومها، فحملت إلى جنكزخان. ووصل السُّلْطَان إلى أعمال همذان في عشرين ألفًا، فلم تُرعه إِلَّا صيحة العدوّ، فقاتلهم بنفسه، وشمل القَتْل جُلّ أصحابه، ونجا هُوَ في نفر يسير إلى مازندران -[524]- حافة البَحْر، فأقام بقرية هناك يحضر المسجد ويصلّي مَعَ إمام القرية، ويبكي، وينذر النذور إنْ سلِم، إلى أن كبسه التَّتَار بها، فبادر إلى مركب فوقعت فيه سهامهم، وخاض خلفه ناس؛ فغرقوا. وَحَدَّثَنِي غير واحد ممّن كانوا مَعَ السُّلْطَان في المركب، قَالُوا: كُنّا نسوق المركب، وبالسلطان من علَّة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وَهُوَ يُظهر الاكتئاب ضجرًا، ويقول: لم يبق لنا من ملكنا قدْر ذراعين، تُحفر فنُقبر، فما الدُّنْيَا لساكنها بدار. فَلَمَّا وصل إلى الجزيرة سُرّ بذلك، وأقام بها فريدًا طريدًا والمرضُ يزداد. وَكَانَ في أهل مازندران ناس يتقربون إِلَيْهِ بالمأكول والمشروب وما يشتهيه، فَقَالَ في بعض الْأيام: اشتهي أن يكون عندي فرس ترعى حول خيمتي. فَلَمَّا سَمِعَ الملك حسن أهدَى لَهُ فرسًا. ومن قبل كَانَ اختيار الدِّين أميرُ آخر السُّلْطَان مُقدَّمًا عَلَى ثلاثين ألف فارس يَقُولُ: لو شئت لجعلتُ أصحابي ستين ألفًا من غير كُلفة، وَذَلِكَ أنني أستدعي من كل جشار للسلطان في البلاد جوبانًا فينيفون عَلَى ثلاثين ألفًا. فتأمل يا هَذَا بُعد ما بين الحالتين! ومن حمل إليه في تِلْكَ الْأيام شيئًا من المأكول وغيره كتب لَهُ توقيعًا بمنصب جليل، وربما كَانَ الرجل يتولى كتابة توقيع نفسه لعدم مُوقّع، فأمضاها بعد ولده جلال الدِّين. ثُمَّ حلّ بِهِ الحِمام، وانقضت الْأيام، فغَسَّله شمسُ الدِّين محمود الجاويش ومقرّب الدِّين الفراش، وما كَانَ عنده كفن، ودفن بالجزيرة. أذلَّ المُلُوكَ وصادَ القُرُومَ ... وصيَّرَ كُلَّ عزيزٍ ذليلا وحفَّ الملوكُ بِهِ خاضعين ... وزُفُّوا إِلَيْهِ رَعيلًا رعيلا فَلَمَّا تمكَّنَ منْ أمرِه ... وصارت لهُ الْأرضُ إِلَّا قليلا وأوهَمَهُ العزُّ أَنَّ الزمانَ ... إِذَا رامهُ ارتدَّ عَنْهُ كليلا أتتْه المنية مغتاظة ... وسلت عليه حساما صقيلا -[525]- فلم تغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد فيل عليه فتيلا كذلك يُفعل بالشّامتينِ ... ويُفنيهم الدهرُ جيلًا فجيلا |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
452 - خُوارزْمشاه، السُّلطان جلال الدِّين مَنْكُوبْرِي ابن السُّلطان علاء الدِّين مُحَمَّد بن تُكش بن أرسلان بن آتسِز بن مُحَمَّد بن نُوشْتَكين الخُوارزْميّ. [المتوفى: 628 هـ]
لمّا قصد جنكزخان بجيوشه بلاد ما وراء النّهر لخلُوّها من العساكر إذْ هُم مع السُّلطان علاء الدِّين بهَمَذَان، رَجَعَ علاءُ الدِّين مُسْرعًا وسيَّر ولده جلالَ الدِّين هذا في خمسة عشر ألفًا بين يديه، فتوغَّل في البلاد، فأحاطَ به جنكزخان بجيوشه، فطَحَنُوه، وتخلَّص بعد الْجُهْد، وتَوَصَّل إلى أبيه. ولَمّا زَال مُلْكُ أبيه وماتَ غريبًا تقاذفت بجلال الدِّين البلاد، فرمته بالهِند، ثمّ أَلقتهُ الهندُ إلى كِرمان، ثمّ إلى سَوَادِ العراق، وساقته المقاديرُ إلى بلاد أَذْرَبَيْجَان وأرَّان، وغَدَرَ بأتابكَ أزْبك، وأخرجَهُ من بلاده، وأخذَ زوجتَهُ بنت السُّلطان طُغْرِيل وتزوّجَ بها، وعَمِلَ مَصَافًا مع الكُرْج، فَكَسَرَهُم كسرةً لا انجبارَ معها، وقتلَ مُلوكَهُم، وقوي أمرُه وكثُرت جموعُه، وافتتح تَفْليس، وتقلّبت به الأَحوال. حكى الشهاب النَّسَويّ في " سيرة خُوارزم شاه " قال: كَانَ جلال -[856]- الدِّين أسمرَ قصيرًا، تركيَّ الجسارة والعبارة. وكان يَتَكَلَّمُ بالفارسية أيضًا. وأما شجاعتُه، فحسْبُكَ منها ما أوردتُه من وقعاته، فكان أسدًا ضِرغامًا، أشجعَ فرسانه إقدامًا. وكان حليمًا لا غَضُوبًا ولا شَتَّامًا، وقورًا، لا يَضْحَكُ إلّا تَبَسُّمًا، ولا يُكثر كلامًا. وكان يختار العَدْلُ غير أنَّه صادفَ أيامَ الفتنة فغُلِبَ. وهذه السيرةُ في مجلّد فيها عجائبُ لَهُ من ارتفاع وانخفاض وفرطِ شجاعة. وفي الآخر تلاشى أمرُه، وكبسهُ التّتارُ في اللّيل، فنجا في نحوِ مائة فارس، ثمّ تَفَرَّقوا عنه إلى أن بقيَ وحده وساقَ خلفه خمسة عشر من التّتار وألحُّوا في طلبه، فثبت لهم، وقَتَل منهم اثنين، فوقفوا. وطلَع إلى جبلٍ بنواحي آمِد به أكراد، فأَجَاره رجلٌ كبيرٌ منهم، فعرَّفَه أنَّه السُّلطان ووعده بكلِّ جميل، ففرح الكرديُّ، ومضى ليُحضر خيلَه، ويُعلم بني عمَّه، وينهض بأمره، وتركه عند أمّه، فجاء كرديٌ جريء فقال: أيشٍ هذا الخُوارزْميّ تخلُّونه عندكم؟ فقيل لَهُ: اسْكُتْ، ذا هُوَ السُّلطانُ. فقال: إن كَانَ هكذا، فذا قد قَتَل - بخِلاط - أخي، ثمّ شَدَّ عليه بحربةٍ معه، فقتله في الحال. وقال المُوفَّقُ عبدُ اللطيف: كَانَ أسمرَ أصفرَ نحيفًا، سَمْجًا، لأنّ أمَّه هندية. وكان يلبس طَرْطُورًا فيه من شَعْر الخَيْل، مصبغًا بألوان. وكان أَخوه غياثُ الدِّين أجملَ النّاس صورة وأرقَّهم بَشَرَة، لكنّه ظلومٌ غَشُوم وهُوَ ابن تركية. قال: والزِّنا فيهم - يعني في الخوارزميّة - فاش، واللّواط ليسَ بقبيحٍ ولا مَعْذوقًا بشرط الكِبَرَ والصِّغَر. والغَدْرُ خلقٌ لا يُزايلُهم؛ أخذوا قلعةً عند تَفْلِيس بالأمان، فلمّا نزل أهلُها، وبَعُدوا يسيرًا، عادوا عليهم، فقتلوا من كَانَ يَصْلُحُ للقتل، وسَبَوْا من كَانَ يصلح للسبي. وَرَدَّ عليَّ رجلٌ من تَفْليس كَانَ يقرأ عليَّ الطِّبَّ، فذكر لي ذلك كُلَّه، وأنّه أقام بتَفْليس ستّ سنين، واكتسب مالًا جمًّا بالطّبّ. فلمّا قرب الخُوارزميون جاء رسولُهم إلى الملكة بكلام لَيِّن، فبينا هُوَ في مجلسها وقد وصل قاصدٌ يُخبر بأنّ القومَ في أطراف البلاد يعيثون، -[857]- فَقالَتْ للرسول: أهكذا تكونُ الملوكُ يرسلون رسولًا بكلام، ويفعلون خلافه؟ وأمرت بإخراجه. وبعد خمسة عشر يوماً وصلوا، فخرج إليهم جيش الكُرْج، فقال إيواني: نُرتِّبُ العَسْكَر قَلْبًا وميمنة ومَيْسَرة، فقال شلوه: هؤلاء أحقرُ من هذا، أنا أكفي أمرهم. فنزل في قدر سبعة آلاف أكثرهم تُركمان بتَهَوُّر، وكان في رأسه سكرٌ، فتَقَدَّم فصارَ في وسطهم، وأحاطوا به، ووقع عَلَمُهُ. فقال إيواني: هذا شلوه قد كُسِرَ، رُدُّوا بنا، وأخذ في مضيقٍ، وتبِعه المُنهزمون، فتحطّموا في مضيقٍ عَمِيق حَتّى هلك أكثرهم، وتحصَّن إيواني بمن معه في القلاع. فبقي الخوارزميّون يعيثون، ويفسدون أيّ شيءٍ وجدوه، واعتصمت الملكةُ بقلاع في مضايق. ثمّ إن ابن السَّديد التَّفْلِيسيّ قصدَ الإصلاح ظَنًّا منه أنّهم يشبهون النّاسَ، وأنَّ لهم قَوْلًا وعَهْدًا، فخرجَ يَطْلُبُ الأمان لأهل المدينة أجمعين المسلمين والكُرْج واليهود، فأخذ خطَّ جلال الدِّين وأخيه غِياث الدِّين وحَمِيّهِ وختومهم، ولوحًا من فِضّة مكتوبًا بالذَّهب يُسمّى بايزة، وتوثَّق. فساعة دخلوا، نهبوا مماليك ابن السَّديد ونعمته ونَدِمَ، وعملوا بجميع النّاس كذلك، وسَمّوا المسلمين مُرْتدّين، واستحلّوا أموالَهم وحريمَهُم، وصاروا لَا يتركون زوجةً حسناء، ولا ولدًا حَسنًا، ويَهْجُمُ الواحدُ منهم على قوم، فيستدعي بطعام وشَراب، ويؤاخي زوجةَ صاحب الدَّار، ويطلبُها للفراش ويقول: هكذا أخوَّتنا، ثمّ يُصبح، فإنْ وجدَ لهم ولدًا يُعْجِبُه، أخذَهُ معه، وإن كَانَ عند أحدٍ سلعة فأراد بيعَها، فنادى عليها بخمسين دينارًا، أخذها بخمسة دنانير، فإن تكلَّم صاحبُها ضربه بمقرعةٍ معه، رأسها مطرقة، فربما مات، ورُبّما غشي عليه. قال: وعددهم لا يبلغ مائة ألف، ربّما كَانَ ستّين ألفًا، كلّهم جِياع، مُجَمَّعة ليس لهم مَدَد، وكلّهم عليهم أقبية القُطن، وسلاحهم النّشّابُ القليلُ الصنعة يرمون على قسِيّ ضِعاف لا تؤثّر في الدُّروع. وليسَ لهم ديوان ولا عَطاء، إنّما لهم نَهْبُ ما وجدوه، ولا يُمكنه أنّ يكفّهم عن شيء. قال لي: وجميعُ من جَرَّب التّتر يَشْهَدُ أنّ سيرتَهُم خيرٌ من سيرة الخُوارزميّين. ثمّ قال الموفّق: ولمّا توجّه جلالُ الدِّين إلى غَزْنَةَ والهند فارًّا من جنكزخان واستنجدَ بملكها، فأرسل معه جيشًا، فأقاموا في قتال التّتر أيامًا -[858]- كثيرة، ثمّ انهزم وحيدًا فقيدًا، وتوجَّه نحو كِرمان، وكان هناك ملكانِ كبيران، فأحسنا إليه، فلمّا قوي شيئًا غدرَ بهما، وقتلَ أحدَهُما، وفرَّ فأتي شيراز على بقر وحَمِير، وأكثر مَنْ معه رجاله، فدفع به صاحبُها نحو بغداد، فأفسد في شهرابان وتلك النّواحي. وكان أخوه غياثُ الدِّين قد انفرد في ثلاثين رجلًا هاربًا، ومعه صوفيّ يصلّي به، فلمّا نامَ توامَرَ الجماعةُ على قَتْله والتَّقَرّب برأسه إلى التّتر، فأحسَّ بذلك الصُّوفيُّ، فتركهم حَتّى ناموا وأيقظه وأَعْلَمَهُ، فعاجَلُهم فذبحهم، وترك منهم قومًا يشهدون بما عزموا عليه. ثمّ دخل أصبهان فقيراً وحيداً، فأحسنوا إليه، واجتمع إليه شُذَّاذُ عسكر أبيه، وجاءته خلعٌ من بغداد وتشريف، ووُعِدَ بالسلطنة، فسمعَ بوصول أخيه فقال: لا تصل إلّا بأمرِ الديوان، فاستأذن، فأُذن لَهُ، فلمّا وصل جلالُ الدِّين خاف من أخيه، فاعتقله، وقيَّده مُدَّة حَتّى قوي واستظهر، ثمّ أطلقه. وفي الآخر ضعف دَسْتُ جلال الدِّين، ومقتَهُ النّاس لقُبْح سيرته، ولم يترك لَهُ صديقًا من الملوك بل عادى الكُلَّ، ثمّ اختلف عليه جيشُهُ لَمّا فسد عقله بحبّ مملوكٍ، فمات المملوكُ فأسرف في الحزن عليه، وأمر أهلَ توريز بالنَّوح واللّطْم، وما دفنه، بل بقي يستصحبُه، ويصرخ عليه، والويل لمن يقول: إنّه ميّت، فاستخفّ به الأمراء وأَنِفُوا منه، وطمعت فيه التّتارُ لانهزامه من الأَشْرَفِ واستولوا على مَرَاغة وغيرها. قلتُ: وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره. ولقد كان سدّاً بين التّتر وبين المسلمين، والتقاهم غير مرَّة. وقد ذهب إليه في الرُّسْلِيّة الصاحبُ محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ، فدخل إليه، فرآه يقرأ في المصحف ويبكي، واعتذر عمّا يفعله جنده بكثرتهم وعدم طاعتهم. وفي آخر أمره كَسَرِهُ الملكُ الأَشرفُ، وصاحب الروم، فراحَ رواحًا بَخْسًا، ثمّ بعدَ أيّام اغتاله كُردي، وطعنه بحربةٍ، فقتله في أوائل سَنَة تسعٍ وعشرين بأخٍ لَهُ كَانَ قد قُتِلَ على يد الخُوارزمية. وتفرّق جيشُه من بعده وذُلُّوا. قلتُ: لم يشتهر موتُه إلّا في سَنَةِ تسع، وإنّما كَانَ في نصف شوَّال سَنَة ثمانٍ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
487 - قيصر بْن آقْسُنْقُر بْن قفجق بْن تكِش التُّرْكُمانيّ الصّوفيّ. [المتوفى: 647 هـ]
جاور بمكة نحْوا من ستّين سنة، وحدّث عن: يونس بْن يحيى الهاشميّ. أخذ عَنْهُ الأَبِيوَرْدِيّ، والدّمياطيّ، وجماعة، ومات فِي سلخ المحرم. |