نتائج البحث عن (مساقاة) 13 نتيجة

المساقاة: دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره.
المساقاة:[في الانكليزية] Share -tenancy [ في الفرنسية] Bail a complant مفاعلة من السّقي بالقاف وهي لغة أن يستعمل رجلا في نخيل أو كرم ليقوم بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم مما تغلّه. وشريعة دفع الشجر إلى من يصلحه بتنظيف السواقي والسّقي والحراسة وغيرها بجزء شائع من ثمرة أي ممّا يتولّد منه رطبة كانت أو غيرها، وذلك بأن يقول دفعت إليك هذه النخلة مثلا مساقاة بكذا، ويقول المساقي قبلت. فركنها الإيجاب والقبول. والمراد بالشجر كلّ نبات بالفعل أو بالقوة يبقى في الأرض سنة أو أكثر فيشتمل أصول الرّطبة وبصل الزعفران وما غرس وزرع في فضاء مدفوعة وغيرها. ومن قال هي دفع الشجر والكرم الخ أي بالعطف فقد سها. وقيل هذا التفسير والتفسير اللغوي واحد، هكذا يستفاد من جامع الرموز وشرح أبي المكارم لمختصر الوقاية. وفي الكفاية: المساقاة باطلة عند أبي حنيفة وجائز عندهما، والكلام فيها كالكلام في المزارعة وشرائطها عندهما هي الشرائط التي في المزارعة. منها بيان نصيب العامل، فإن بيّنا نصيب العامل وسكتا عن نصيب الدافع جاز كما في المزارعة. ومنها الشركة في الخارج مشاعا نحو النصف والثلث والربع ونحوها كما في المزارعة. ومنها التّخلية بين الأشجار والعامل كما في المزارعة. ومنها بيان الوقت أي مدّة المعاملة فإن سكتا عنها جاز استحسانا ويقع العقد على أول ثمرة تكون في تلك السنة، فإن لم تخرج في تلك السنة ثمرة أصلا تنتقض المعاملة انتهى.
الْمُسَاقَاة: مفاعلة من السَّقْي. وَفِي الشَّرْع معاقدة دفع الْأَشْجَار إِلَى من يعْمل فِيهَا على أَن الثَّمر بَينهمَا - وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ الْمُعَامَلَة فِي الْأَشْجَار بِبَعْض الْخَارِج مِنْهَا وَتسَمى مُعَاملَة فِي لُغَة مَدَنِيَّة.
المساقاة: لغة، من السقي. وشرعا معاقدة جائز التصرف مثله على نخل أو كرم مغروس معين مرئي مدة يثمر فيها غالبا بجزء معلوم بينهما من الثمرة.
المُسَاقاة: وهي معاقدة دفع الشجر إلى من يُصلحه بجزء من ثمره وهي المُعَامَلة.
المُسَاقَاة: تَسْلِيم النخيل، والكروم للتعهد بِجُزْء من ثَمَرهَا.
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمُسَاقَاةُ فِي اللُّغَةِ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ - بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ - وَهِيَ دَفْعُ النَّخِيل وَالْكُرُومِ إِلَى مَنْ يَعْمُرُهُ وَيَسْقِيهِ وَيَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل سَهْمٌ (نَصِيبٌ) وَالْبَاقِي لِمَالِكِ النَّخِيل.
وَأَهْل الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهَا الْمُعَامَلَةَ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال الْجُرْجَانِيُّ: هِيَ دَفْعُ الشَّجَرِ إِلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُزَارَعَةُ:
2 - الْمُزَارَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزِّرَاعَةِ (3) ، وَتُسَمَّى مُخَابِرَةً مِنَ الْخَبَارِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ - وَهِيَ الأَْرْضُ اللَّيِّنَةُ (4) .
__________
(1) لسان العرب.
(2) التعريفات للجرجاني.
(3) المغرب للمطرزي ص 207، ونيل الأوطار 5 / 273، وبدائع الصنائع 6 / 175.
(4) كشاف القناع 3 / 532.

وَالْمُزَارَعَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ (1) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ الشَّجَرُ، وَمَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ الْبَذْرُ وَالزَّرْعُ.

ب - الْمُنَاصَبَةُ:
3 - الْمُنَاصَبَةُ وَتُسَمَّى الْمُغَارَسَةَ (2) : وَهِيَ دَفْعُ أَرْضٍ بَيْضَاءَ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَغْرِسَ فِيهَا وَتَكُونَ الأَْرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا (3) . أَوْ هِيَ كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ دَفْعُ الشَّجَرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ بِلاَ غَرْسٍ مَعَ أَرْضِهِ لِمَنْ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَل عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَرِهِ أَوْ مِنْهُمَا.
وَتَخْتَلِفُ الْمُسَاقَاةُ عَنِ الْمُنَاصَبَةِ فِي أَنَّ الشَّجَرَ فِي الْمُسَاقَاةِ مَغْرُوسٌ، وَفِي الْمُنَاصَبَةِ غَيْرُ مَغْرُوسٍ (4) .

ج - الإِْجَارَةُ:
4 - الإِْجَارَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلأُْجْرَةِ، وَهِيَ كِرَاءُ الأَْجِيرِ (5) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ (6) .
__________
(1) الدر المختار مع حاشية رد المحتار 5 / 174.
(2) كشاف القناع 3 / 532، وشرح منتهى الإرادات 2 / 343.
(3) حاشية ابن عابدين 5 / 183.
(4) كشاف القناع 3 / 532.
(5) المغرب، ومقاييس اللغة.
(6) تبيين الحقائق للزيلعي 5 / 105.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ هِيَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَعَمُّ مِنَ الإِْجَارَةِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهَا جَائِزَةٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (1) ، وَالْحَنَابِلَةِ (2) ، وَالشَّافِعِيَّةِ (3) ، وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ (4) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (5) ".
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ مِنْ حَيْثُ الشَّرِكَةُ فِي النَّمَاءِ فَقَطْ دُونَ الأَْصْل (6) .

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ.
__________
(1) القوانين الفقهية 284، والكافي لابن عبد البر 2 / 106، والمدونة 4 / 2.
(2) شرح منتهى الإرادات 2 / 343، وكشاف القناع 3 / 532.
(3) نهاية المحتاج 5 / 247.
(4) المبسوط 23 / 18، وحاشية ابن عابدين 5 / 174، 181.
(5) حديث ابن عمر: " أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبير اليهود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 462) ، ومسلم (3 / 1186) واللفظ للبخاري.
(6) نهاية المحتاج 5 / 244، 245، والحاوي 9 / 164، وما بعدها، وبداية المجتهد 2 / 242، والقوانين الفقهية 269، وبدائع الصنائع 6 / 175، 185، والمبسوط 23 / 18، وحاشية ابن عابدين 5 / 181.

الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا، وَلاَ يُكَارِهَا بِثُلُثٍ وَلاَ رُبُعٍ وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى (2) "، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْمُزَارَعَةِ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ - وَهُوَ الْكِرَاءُ بِجُزْءٍ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ - وَارِدٌ فِي الْمُسَاقَاةِ أَيْضًا (3) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (4) "، وَغَرَرُ الْمُسَاقَاةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَعَدَمِهَا، وَبَيْنَ قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، فَكَانَ الْغَرَرُ أَعْظَمُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْل بِإِبْطَالِهَا أَحَقُّ (5) .
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ (6) "، وَالْمَعْنَى الَّذِي نَهَى لأَِجَلِهِ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسَاقَاةِ،
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 185، والمبسوط 23 / 17، 18، وحاشية ابن عابدين 5 / 181.
(2) حديث: " من كانت له أرض فليزرعها. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1181) ، والنسائي (7 / 42) واللفظ للنسائي.
(3) بدائع الصنائع 6 / 175، والاختيار 3 / 75.
(4) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ". أخرجه مسلم (3 / 1153) .
(5) الحاوي للماوردي 9 / 163.
(6) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان ". أخرجه الدارقطني (3 / 47) وضعفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) (4 / 306) وقال: (هذا منكر ورجله لا يعرف) .

لأَِنَّهَا اسْتِئْجَارُ الْعَامِل بِبَعْضِ مَا يُخْرِجُ مِنْ عَمَلِهِ (1) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ فِي الْمَعْقُول: أَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (2) .

صِفَّةُ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ
6 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ ابْتِدَاءً فَوْرَ انْعِقَادِهَا مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْعَقْدِ أَوْ جَوَازُهُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (3) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (4) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (5) ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (6) إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَإِنَّهُ لاَ خِيَرَةَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي فَسْخِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى لُزُومِ الْعَقْدِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: -
أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي التَّنْفِيذِ.
- وَأَنَّهَا كَالإِْجَارَةِ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ الْعَقْدِ عَلَى عَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا.
- وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً غَيْرَ لاَزِمَةٍ وَفَسَخَ
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 175، والاختيار 3 / 75.
(2) بدائع الصنائع 6 / 185.
(3) المبسوط 23 / 101، بدائع الصنائع 6 / 186.
(4) الشرح الكبير للدردير 3 / 545، 546.
(5) مغني المحتاج 2 / 329.
(6) كشاف القناع 3 / 537، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 564، 565، 569.

الْمَالِكُ الْعَقْدَ قَبْل ظُهُورِ الثِّمَارِ فَقَدْ فَاتَ عَمَل الْعَامِل وَذَهَبَ سُدًى (1) .
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَهُوَ قَوْل السُّبْكِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (2) وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي مُعَامَلَةِ أَهْل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، وَوَرَدَ فِيهِ: نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا (3) "، وَلَوْ كَانَتْ عَقْدًا لاَزِمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَل الْخِيَرَةَ إِلَيْهِ فِي مُدَّةِ إِقْرَارِهِمْ، وَلَمَا جَازَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَال فَكَانَتْ جَائِزَةً غَيْرَ لاَزِمَةٍ كَالْمُضَارَبَةِ (4) .
وَتَفَرَّعَ عَلَى الْقَوْل بِاللُّزُومِ أَحْكَامٌ مِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الاِسْتِقْلاَل بِفَسْخِ الْمُسَاقَاةِ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ وَلاَ الاِمْتِنَاعَ مِنَ التَّنْفِيذِ إِلاَّ بِرِضَا الطَّرَفِ الآْخَرِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَالِكِ الشَّجَرِ إِخْرَاجُ الْعَامِل إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ (5) .
وَكَذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَى الْقَوْل " بِعَدَمِ اللُّزُومِ "
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 329، وبدائع الصنائع 6 / 186، وحاشية الدسوقي 3 / 545، 546.
(2) مغني المحتاج 3 / 330، وكشاف القناع 3 / 537.
(3) حديث: " نقركم بها على ذلك ما شئنا. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 252) ومسلم (3 / 1187 - 1188) واللفظ لمسلم.
(4) كشاف القناع 3 / 537.
(5) المبسوط 23 / 101، وبدائع الصنائع 6 / 187، ورد المحتار 5 / 181 ط. بولاق، والشرح الكبير للدردير 3 / 545 - 546.

أَحْكَامٌ مِنْهَا: أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخَهَا مَتَى شَاءَ وَلَوْ قَبْل الْعَمَل، وَأَنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ يَحْصُل الْكَمَال فِيهَا، وَأَنَّهَا تَبْطُل بِمَا تَبْطُل بِهِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَالْحَجْرِ وَالْعَزْل (1) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
7 - الْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْمُسَاقَاةِ تَحْقِيقُ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعُ الْحَاجَةِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الشَّجَرَ وَلاَ يَهْتَدِي إِلَى طُرُقِ اسْتِثْمَارِهِ أَوْ لاَ يَتَفَرَّغُ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْتَدِي إِلَى الاِسْتِثْمَارِ وَيَتَفَرَّغُ لَهُ وَلاَ يَمْلِكُ الشَّجَرَ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِل (2) .

أَرْكَانُ الْمُسَاقَاةِ
8 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: أَرْكَانُ الْمُسَاقَاةِ خَمْسَةٌ وَهِيَ: الأَْوَّل: الْعَاقِدَانِ، وَالثَّانِي: الصِّيغَةُ، وَالثَّالِثُ: مُتَعَلِّقُ الْعَمَل (الشَّجَرُ) ، وَالرَّابِعُ: الثِّمَارُ، الْخَامِسُ: الْعَمَل، وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ: الْمُدَّةَ فَهِيَ سِتَّةٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَارِدٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ الرُّكْنَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 537، والشرح الكبير مع المغني 5 / 566.
(2) حاشية البجيرمي مع المنهج 3 / 175، والشرح الكبير في ذيل المغني لابن قدامة 5 / 556، ودرر الحكام 3 / 504.

وَالْبَوَاقِي أَطْرَافٌ (1) .
وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:

الرُّكْنُ الأَْوَّل: الْعَاقِدَانِ:
وَيُرَادُ بِهِمَا الْعَامِل وَالْمَالِكُ:
9 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْعَامِل فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ عَاقِلاً أَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَتَجُوزُ مُزَارَعَةُ وَمُسَاقَاةُ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ (3) : تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ بِالْوِلاَيَةِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ لِلاِحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: الصِّيغَةُ:
10 - الْمُرَادُ بِهَا الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بِكُل مَا يُنْبِئُ عَنْ إِرَادَةِ الْمُسَاقَاةِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى عُلِمَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي قَضِيَّةِ اعْتِبَارِ اللَّفْظِ أَمِ الْمَعْنَى فِي الْعَقْدِ (4) .
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 150، والمنهاج مع مغني المحتاج 2 / 323، وبداية المجتهد 2 / 319، والقوانين الفقهية 284 - 289، وحاشية الدسوقي 3 / 539 - 550، وكشاف القناع 3 / 532، 540، وشرح منتهى الإرادات 2 / 343 - 347، والاختيار 3 / 79 - 80، وبدائع الصنائع 6 / 176، 185، وما بعدها.
(2) مغني المحتاج 2 / 323، وبدائع الصنائع 6 / 185، وكشاف القناع 3 / 532.
(3) مغني المحتاج 2 / 323.
(4) روضة الطالبين 5 / 157.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَحَل وَشُرُوطُهُ:
يُقْصَدُ بِالْمَحَل هُنَا: مُتَعَلَّقُ الْعَمَل فِي الْمُسَاقَاةِ، أَيْ مَا يَقُومُ الْعَامِل بِسَقْيِهِ وَرِعَايَتِهِ مُقَابِل جُزْءٍ مِنَ الْعُمُرِ.
وَيَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَل الْمُسَاقَاةِ شُرُوطًا هِيَ:

أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ:
11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِجِوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى جِوَازِهَا فِي النَّخْل وَاخْتَلَفُوا فِي جِوَازِهَا فِي: الْعِنَبِ، وَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَغَيْرِ الْمُثْمِرِ، وَكَذَا الْبُقُول وَالرِّطَابُ وَنَحْوُهَا.
وَتَبِعَ ذَلِكَ اخْتِلاَفُ الشُّرُوطِ الْخَاصَّةِ بِكُل مَحَلٍّ عَلَى حِدَةٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمَذَاهِبِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
12 - قَال الْحَنَفِيَّةُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ نَوْعٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الشَّجَرِ، فَالْمُثْمِرُ وَغَيْرُ الْمُثْمِرِ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَتَصِحُّ فِي الْحَوَرِ، وَالصَّفْصَافِ وَفِيمَا يُتَّخَذُ لِلسَّقْفِ وَالْحَطَبِ، كَمَا أَنَّهُ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ فِي الرِّطَابِ، وَجَمِيعِ الْبُقُول، قَال فِي تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَرْحِهِ: وَتَصِحُّ فِي الْكَرْمِ وَالشَّجَرِ وَالرِّطَابِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا جَمِيعُ الْبُقُول، وَأُصُول الْبَاذِنْجَانِ وَالنَّخْل، وَتَصِحُّ فِي نَحْوِ الْحَوَرِ وَالصَّفْصَافِ مِمَّا لاَ

ثَمَرَةَ لَهُ، وَالْبُقُول غَيْرُ الرِّطَابِ، فَالْبُقُول مِثْل الْكُرَّاتِ وَالسِّلْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالرِّطَابُ كَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَالسَّفَرْجَل وَالْبَاذِنْجَانِ (1) فَإِنْ سَاقَى عَلَيْهَا قَبْل الْجُذَاذِ، كَانَ الْمَقْصُودُ الرَّطْبَةَ فَيَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَوَّل جَزَّةٍ، وَإِنْ سَاقَى بَعْدَ انْتِهَاءِ جُذَاذِهَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْبَذْرَ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ الْبَذْرِ، كَمَا يَقْصِدُ الثَّمَرَ مِنَ الشَّجَرِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِمَّا يُرْغَبُ فِيهِ وَحْدَهُ (2) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الْجِوَازَ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ عَمَّتْ، وَأَثَرُ خَيْبَرَ لاَ يَخُصُّهَا لأَِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الأَْشْجَارِ وَالرِّطَابِ أَيْضًا (3) .
13 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الشَّجَرُ الَّذِي يُسَاقَى عَلَى قِسْمَيْنِ:

الْقَسْمُ الأَْوَّل: مَا لَهُ أُصُولٌ ثَابِتَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطَانِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُثْمِرُ فِي عَامِهِ، فَلاَ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِي صِغَارِ الأَْشْجَارِ، قَال عِيَاضٌ (4) : مِنْ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ: أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ إِلاَّ فِي أَصْلٍ يُثْمِرُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ ذَوَاتِ
__________
(1) تنوير الأبصار مع الدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 183 ط. بولاق، وانظر الهداية 4 / 60.
(2) العناية على الهداية 8 / 399.
(3) الهداية 4 / 60، وتبيين الحقائق 5 / 283، 285، والاختيار 3 / 80.
(4) التاج والإكليل 5 / 372.

الأَْزْهَارِ وَالأَْوْرَاقِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ.
وَقَال ابْنُ غَازِي (1) : وَقَوْلُهُمْ يُثْمِرُ أَوْ ذِي ثَمَرٍ - أَخْرَجَ بِهِ الشَّجَرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الإِْطْعَامِ كَالْوَدِيِّ فَإِنَّ مُسَاقَاتَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ، صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُخَلِّفُ وَهُوَ الَّذِي إِذَا قُطِفَ مِنْهُ ثَمَرَةٌ لاَ يُثْمِرُ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مُعْظَمُ أَشْجَارِ الْفَاكِهَةِ بِخِلاَفِ الْمَوْزِ فَإِنَّهُ مِمَّا يُخَلِّفُ إِذَا نَبَتَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ بِجَانِبِ الأُْولَى مِنْ قَبْل أَنْ تُقْطَعَ هَذِهِ الثَّمَرَةُ، فَالثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ يَنَالُهَا شَيْءٌ مِنْ عَمَل الْعَامِل، وَلاَ تَتَّضِحُ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْعَمَل، فَلاَ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِي مِثْل هَذَا النَّوْعِ مِنَ الشَّجَرِ (2) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَيْسَتْ لَهُ أُصُولٌ ثَابِتَةٌ كَالْمَقَاثِيِّ وَالزَّرْعِ، وَهَذَا تَصِحُّ مُسَاقَاتُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالشُّرُوطِ التَّالِيَةِ:
- أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَ ظُهُورِهَا.
- وَأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِ ثَمَرِهَا.
- وَأَنْ يَعْجَزَ رَبُّ الأَْرْضِ عَنْ تَعَهُّدِهَا.
- وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُخَلِّفُ بَعْدَ قَطْفِهِ.
__________
(1) مواهب الجليل 5 / 372.
(2) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 539، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل 5 / 373.

- وَأَنْ يُخَافَ مَوْتُهَا لَوْ تُرِكَ الْعَمَل فِيهَا (1) .
14 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِي النَّخْل وَالْكَرْمِ دُونَ غَيْرِهِمَا، لأَِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ (أَخَذَ صَدَقَةَ ثَمَرَتِهَا بِالْخَرْصِ، وَثَمَرُهَا مُجْتَمِعٌ بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ لاَ حَائِل دُونَهُ يَمْنَعُ إِحَاطَةَ النَّاظِرِ إِلَيْهِ، وَثَمَرُ غَيْرِهَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ وَرَقٍ لاَ يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلاَّ عَلَى النَّخْل وَالْكَرْمِ (2) ،
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الشَّجَرِ مِنَ النَّبَاتِ مُثْمِرًا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

الْقَسْمُ الأَْوَّل: لاَ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي جِوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ وَهُوَ: النَّخْل وَالْكَرْمُ.

وَالْقَسْمُ الثَّانِي: مَا لاَ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي بُطْلاَنِ الْمُسَاقَاةِ فِيهِ، وَهُوَ مَا لاَ سَاقَ لَهُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ، وَالْبُقُول الَّتِي لاَ تَثْبُتُ فِي الأَْرْضِ وَلاَ تُجَزُّ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلاَ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا لاَ يَجُوزُ عَلَى الزَّرْعِ.
فَإِنْ كَانَتْ تَثْبُتُ فِي الأَْرْضِ وَتُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ وَهُوَ الأَْصَحُّ (3) .
__________
(1) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 541 - 542، والقوانين الفقهية ص 284.
(2) الحاوي للماوردي 9 / 169، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 61.
(3) الحاوي 9 / 169، وروضة الطالبين 5 / 150 - 151.

وَالْقَسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ شَجَرًا، فَفِي جِوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجِوَازُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي الأَْشْجَارِ مَعْنَى النَّخْل مِنْ بَقَاءِ أَصْلِهَا وَالْمَنْعِ مِنْ إِجَارَتِهَا كَانَتْ كَالنَّخْل فِي جِوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِأَرْضِ خَيْبَرَ شَجَرٌ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِفْرَادُهَا عَنْ حُكْمِ النَّخْل، وَلأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ مُشْتَقَّةُ الاِسْمِ مِمَّا يَشْرَبُ بِسَاقٍ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَبِهِ قَال فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ، أَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الشَّجَرِ بَاطِلَةٌ، اخْتِصَاصًا بِالنَّخْل وَالْكَرْمِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْفَرَقِ بَيْنَ النَّخْل وَالْكَرْمِ وَبَيْنَ الشَّجَرِ:
وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ: اخْتِصَاصُ النَّخْل وَالْكَرْمِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا دُونَ مَا سِوَاهُمَا مِنْ جَمِيعِ الأَْشْجَارِ.
وَالثَّانِي: بُرُوزُ ثَمَرِهِمَا وَإِمْكَانُ خَرْصِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الأَْشْجَارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّخْل شَجَرٌ قَلِيلٌ فَسَاقَاهُ عَلَيْهِمَا صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ فِيهِمَا، وَكَانَ الشَّجَرُ تَبَعًا، كَمَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ النَّخْل وَيَكُونُ تَبَعًا.
15 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَلْتَقُونَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ

فِي سَائِرِ الأَْشْجَارِ، دُونَ غَيْرِهَا، وَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ الأَْشْجَارُ مُثْمِرَةً وَثَمَرُهَا مَقْصُودٌ كَالْجَوْزِ وَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الثَّمَرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي " مُعَامَلَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل خَيْبَرَ " (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَأَمَّا مَا لاَ ثَمَرَ لَهُ مِنَ الشَّجَرِ كَالصَّفْصَافِ وَالْحَوَرِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالصَّنَوْبَرِ وَالأَْرْزِ فَلاَ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ، وَهَذَا لاَ ثَمَرَةَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقْصَدُ وَرَقُهُ كَالتُّوتِ وَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرِ وَلأَِنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُل عَامٍ وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مِنْهُ فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْل حُكْمِهِ (3) .

16 - وَمُسَاقَاةُ الْوَدِيِّ وَصِغَارِ الشَّجَرِ تَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الاِتِّفَاقِ بِالْجُمْلَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْوَدِيُّ مَغْرُوسًا
__________
(1) المغني لابن قدامة 5 / 393.
(2) حديث ابن عمر " في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 462) ، ومسلم (3 / 1186) ولفظ مسلم فيه التصريح بذكر " الثمر ".
(3) المغني 5 / 394.

وَسَاقَاهُ عَلَيْهِ وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا عَلَى الْعَمَل فَإِنْ قَدَّرَ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ مُدَّةً يُثْمِرُ الْوَدِيُّ فِيهَا غَالِبًا صَحَّ الْعَقْدُ وَإِلاَّ بِأَنْ قَدَّرَ مُدَّةً لاَ يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا فَلاَ تَصِحُّ لِخُلُوِّهَا عَنِ الْعِوَضِ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى شَجَرَةٍ لاَ تُثْمِرُ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَعَمِل الْعَامِل لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً إِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لاَ تُثْمِرُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِلاَّ اسْتَحَقَّ.
وَيُرْجَعُ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لأَِهْل الْخَبِرَةِ بِالشَّجَرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ (1) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ النَّخْل أَوْ صِغَارِ الشَّجَرِ إِلَى مُدَّةٍ يَحْمِل فِيهَا غَالِبًا وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ مِنَ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ صَحَّ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَل الْعَامِل يَكْثُرُ وَنَصِيبُهُ يَقِل وَهَذَا لاَ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَمَا لَوْ جَعَل لَهُ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ لَمْ نَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لاَزِمٌ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَل الْمُدَّةَ زَمَنًا يَحْمِل فِيهِ غَالِبًا فَيَصِحُّ (2) .
ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ صَحَّتْ وَحَمَل فِيهَا فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِل فِيهَا فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 326.
(2) المغني 5 / 413 - 414.

الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهَا إِلَى زَمَنٍ لاَ يَحْمِل فِيهِ غَالِبًا فَلاَ يَصِحُّ، وَإِنْ عَمِل فِيهَا فَهَل يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَمَل فِي الْمُدَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا جَعَل لَهُ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شُرِطَ فِيهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَجْعَل الْمُدَّةَ زَمَنًا: يَحْتَمِل أَنْ يَحْمِل فِيهَا وَيَحْتَمِل أَنْ لاَ يَحْمِل فَهَل يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَصِحُّ اسْتَحَقَّ الأَْجْرَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ فَحَمَل فِي الْمُدَّةِ اسْتَحَقَّ مَا شُرِطَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِل فِيهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (1) .
وَقَال: وَإِنْ شَرَطَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ وَنِصْفَ الأَْصْل لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي النَّمَاءِ وَالْفَائِدَةِ، فَإِذَا شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الأَْصْل لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْمُضَارَبَةِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي رَأْسِ الْمَال، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَل لَهُ جُزْءًا مِنْ ثَمَرَتِهَا مُدَّةَ بَقَائِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ جَعَل لَهُ ثَمَرَةَ عَامٍ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّهُ خَالَفَ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ (2) .

ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ مَحَل الْمُسَاقَاةِ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا:
17 - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَحَل الْمُسَاقَاةِ مَعْلُومًا
__________
(1) المغني 5 / 414.
(2) المغني 5 / 414.

مُعَيَّنًا لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ إِجَارَةٌ ابْتِدَاءً وَشَرِكَةٌ انْتِهَاءً، فَكَمَا تُشْتَرَطُ مَعْلُومِيَّةُ مَحَل الإِْجَارَةِ تُشْتَرَطُ مَعْلُومِيَّةُ مَحَل الْمُسَاقَاةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالإِْشَارَةِ أَوِ الْوَصْفِ أَوِ التَّحْدِيدِ، أَوِ الرُّؤْيَةِ (1) .

ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ بِحَيْثُ يَزِيدُ ثَمَرُهُ بِالسَّقْيِ وَالتَّعَهُّدِ:
18 - أَوْرَدَ هَذَا الشَّرْطَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ سَحْنُونَ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ قَوْلاَنِ أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ، كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (2) .

رَابِعًا: التَّخْلِيَةُ:
19 - التَّخْلِيَةُ بِمَعْنَى تَسْلِيمِ الشَّجَرِ إِلَى الْعَامِل وَانْفِرَادِ الْعَامِل بِوَضْعِ الْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ، وَذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَل مَتَى شَاءَ (3) .

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الثِّمَارُ:
20 - وَيُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنْهُ ب (الْخَارِجِ) وَلَهُ شُرُوطُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ.
__________
(1) كشاف القناع 3 / 534، والقوانين الفقهية 184، وبداية المجتهد 2 / 320، وبدائع الصنائع 6 / 177، 186، والمغني 5 / 400، وروضة الطالبين 5 / 151، والحاوي 9 / 165، وانظر حاشية البجيرمي وشرح المنهج 3 / 175.
(2) بدائع الصنائع 6 / 186، والقوانين الفقهية ص 184، وروضة الطالبين 5 / 152، والمغني 5 / 400.
(3) شرح المحلي على المنهاج 3 / 68، حاشية البجيرمي على المنهج 3 / 175.

1 - أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِل، لاَ أَنْ يَكُونَ لأَِحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا (1) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ مَعْنَى الشَّرِكَةِ لاَزِمٌ لِهَذَا الْعَقْدِ وَكُل شَرْطٍ يَكُونُ قَاطِعًا لِلشَّرِكَةِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ (2) .
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِل أَوِ الْمَالِكِ (3) .
وَخَرَجَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْحَةٌ لاَ مُسَاقَاةٌ (4) .
ب - أَنْ يَكُونَ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْخَارِجِ جُزْءًا مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ (5) ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ كَوْنَ التَّعْيِينِ بِالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْبَلَدِ (6) .
ج - أَنْ يَكُونَ الاِشْتِرَاكُ فِي الْخَارِجِ عَلَى وَجْهِ الشُّيُوعِ لاَ عَلَى التَّعْيِينِ أَوِ الْعَدَدِ (7) .
وَمُحَصَّل هَذَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الثَّمَرَةِ جُزْءًا شَائِعًا مَعْلُومًا، وَذَلِكَ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْمُسَاقَاةِ، وَهُوَ الْعَمَل فِي الشَّجَرِ لِقَاءَ جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ الثَّمَرِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 186، والقوانين الفقهية 184، وكشاف القناع 3 / 535، وحاشية الدسوقي 3 / 540، ومغني المحتاج مع المنهاج 2 / 326.
(2) بدائع الصنائع 6 / 177.
(3) الشرح الكبير للدردير 3 / 540.
(4) بداية المجتهد 2 / 318.
(5) المراجع السابقة.
(6) حاشية الدسوقي 3 / 540.
(7) بدائع الصنائع 6 / 186، والقوانين الفقهية 184، وكشاف القناع 3 / 535، والدسوقي 3 / 540، ومغني المحتاج 2 / 326.

الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْعَمَل:
يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ هِيَ:

أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْعَامِل وَحْدَهُ بِدُونِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْمَالِكِ.
21 - هَذَا الشَّرْطُ - فِي الْجُمْلَةِ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (1) حَتَّى يَفْسُدَ الْعَقْدُ بِوَجْهٍ عَامٍّ بِاشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنَ الْعَمَل وَمُؤْنَتِهِ وَلَوَازِمِهِ عَلَى الْمَالِكِ، لأَِنَّهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهُوَ: أَنَّ الْعَمَل عَلَى الْعَامِل، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ إِذَا شَرَطَ فِيهَا الْعَمَل عَلَى رَبِّ الْمَال.

ثَانِيًا: أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِل مَا لاَ يَدْخُل فِي جِنْسِ عَمَلِهِ.
22 - قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْجُمْلَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِل هُوَ السَّقْيُ وَالإِْبَارُ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةٍ زَائِدَةٍ، مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَلاَ شَيْئًا مِنَ الأَْشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُسَاقَاةِ (2) .
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 155، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير 3 / 546، بدائع الصنائع 6 / 186، والمغني لابن قدامة 5 / 565 وما بعدها، كشاف القناع 3 / 540.
(2) روضة الطالبين 5 / 155، والمغني 5 / 401، 402، وبداية المجتهد 2 / 318.

ثَالِثًا: أَنْ يَنْفَرِدَ الْعَامِل بِالْحَدِيقَةِ:
23 - مِنْ شُرُوطِ الْعَمَل: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْعَامِل بِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَل مَتَى شَاءَ فَلَوْ شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ، أَوْ مُشَارَكَتَهُ فِي الْيَدِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ سَلَّمَ الْمِفْتَاحَ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ الْمَالِكُ الدُّخُول عَلَيْهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا دَخَل، كَانَتِ الْحَدِيقَةُ فِي يَدِهِ، يَتَعَوَّقُ بِحُضُورِهِ عَنِ الْعَمَل (1) .

مَا يَلْزَمُ الْعَامِل فِي الْمُسَاقَاةِ وَالاِشْتِرَاطُ عَلَيْهِ
فِي ضَبْطِ مَا عَلَى الْعَامِل بِالْعِقْدِ عِنْدَ إِطْلاَقِهِ وَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ التَّفْصِيل التَّالِي:
24 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ ضَابِطَيْنِ:

الضَّابِطُ الأَْوَّل: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ قَبْل إِدْرَاكِ الثَّمَرِ مِنَ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِل، وَمَا بَعْدَ الإِْدْرَاكِ كَالْجُذَاذِ وَهُوَ الْقَطْفُ، وَحِفْظُهُ فَهُوَ عَلَيْهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَ قَطْفَ الثَّمَرِ عَلَى الْعَامِل لَمْ يَجُزْ لأَِنَّهُ لاَ عُرْفَ فِيهِ (2) .

الضَّابِطُ الثَّانِي: أَنَّ مَا لاَ تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْعَقْدِ فَهُوَ عَلَى الْعَامِل، فَاشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَمَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بَعْدَهَا كَغَرْسِ
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 155.
(2) الهداية 4 / 58، وحاشية ابن عابدين 5 / 185.

الأَْشْجَارِ وَنَصْبِ الْعَرَائِشِ، وَإِلْقَاءِ السِّرْقِينِ، فَاشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِل يُفْسِدُ الْعَقْدَ (1) .
25 - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَأَرْجَعُوا الأَْمْرَ إِلَى الْعُرْفِ، فَقَرَّرُوا: أَنَّ كُل مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الثَّمَرُ عُرْفًا يَجِبُ عَلَى الْعَامِل وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ الْمُسَاقَاةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَفْصِيل الْعَمَل، وَيُحْمَل عَلَى الْعُرْفِ إِنْ كَانَ مُنْضَبِطًا، وَإِلاَّ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْبَيَانِ (2) .
وَلَهُمْ ضَابِطٌ تَفْصِيلِيٌّ قَرِيبٌ مِنْ ضَابِطِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - أَنَّ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ وَلاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِصْلاَحِهَا لاَ يَلْزَمُ الْعَامِل بِالْعِقْدِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ إِلاَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ كَسَدِّ الْحِيطَانِ وَإِصْلاَحِ مَجَارِي الْمِيَاهِ (3) .
ب - مَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ وَيَبْقَى بَعْدَهَا أَوْ يَتَأَبَّدُ، كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ سَاقِيَةٍ أَوْ بِنَاءِ بَيْتٍ يُخَزِّنُ فِيهِ الثَّمَرَ، أَوْ غَرْسِ فَسِيلٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ (4) ، وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهَدِ (5) : وَأَمَّا مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِصْلاَحِ الثَّمَرِ وَيَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرِ فَيَدْخُل عِنْدَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْمُسَاقَاةِ لاَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
ج - مَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ وَلاَ يَبْقَى أَوْ لاَ يَتَأَبَّدُ
__________
(1) الدر المختار مع رد المحتار 5 / 185، والهداية 4 / 58.
(2) مواهب الجليل 5 / 375.
(3) القوانين الفقهية ص 184، وبداية المجتهد 2 / 319.
(4) القوانين الفقهية ص 184.
(5) بداية المجتهد 2 / 317 - 318.

فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِل بِالْعِقْدِ، كَالسَّقْيِ وَالْحَفْرِ، وَالتَّنْقِيَةِ وَالتَّذْكِيرِ، وَالْجُذَاذِ وَشِبْهِ ذَلِكَ (1) .
26 - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ أَوَسْعُ - وَيَلْتَقُونَ بِالْجُمْلَةِ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَفْقَ الْبَيَانِ التَّالِي:
قَال فِي الْحَاوِي (2) : قَال الشَّافِعِيُّ: وَكُل مَا كَانَ فِيهِ مُسْتَزَادٌ فِي الثَّمَرِ مِنْ إِصْلاَحِ الْمَاءِ وَطَرِيقِهِ وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَإِبَارِ النَّخْل، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْل وَنَحْوِهِ جَازَ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِل، فَأَمَّا شَدُّ الْحَظَائِرِ فَلَيْسَ فِيهِ مُسْتَزَادٌ وَلاَ صَلاَحَ فِي الثَّمَرَةِ فَلاَ يَجُوزُ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِل.

قَال الْمَاوَرْدِيُّ: الْعَمَل الْمَشْرُوطُ فِي الْمُسَاقَاةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ
أَحَدُهَا: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْل.
وَالثَّانِي: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل دُونَ الثَّمَرَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل وَالثَّمَرَةِ.
وَالرَّابِعُ: مَا لاَ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الثَّمَرَةِ وَلاَ النَّخْل.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الأَْوَّل: وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى
__________
(1) القوانين الفقهية 184، وبداية المجتهد 2 / 218.
(2) الحاوي 9 / 178 - 179 ط. دار الفكر.

الثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْل، فَمِثْل إِبَارِ النَّخْل وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَتَلْقِيحِ الثَّمَرَةِ وَلِقَاطِهَا رُطَبًا وَجُذَاذُهَا ثَمَرًا، فَهَذَا الضَّرْبُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِل، وَيَنْقَسِمُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ:
أ - قِسْمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَهُوَ كُل مَا لاَ تَحْصُل الثَّمَرَةُ إِلاَّ بِهِ كَالتَّلْقِيحِ وَالإِْبَارِ.
ب - وَقِسْمٌ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إِلاَّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ كُل مَا فِيهِ مُسْتَزَادٌ لِلثَّمَرَةِ وَقَدْ تَصْلُحُ بِعَدَمِهِ، كَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَتَدَلِّيهِ الثَّمَرَةَ.
ج - قِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ كُل مَا تَكَامَلَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَهُ كَاللِّقَاطِ وَالْجُذَاذِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْعَامِل إِلاَّ بِشَرْطٍ لِتَكَامُل الثَّمَرَةِ بِعَدِمِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِل بِغَيْرِ شَرْطٍ، لأَِنَّ الثَّمَرَةَ لاَ تَسْتَغْنِي عَنْهُ وَإِنْ تَكَامَلَتْ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل دُونَ الثَّمَرَةِ، فَمِثْل شَدِّ الْحَظَائِرِ وَحَفْرِ الآْبَارِ وَشَقِّ السَّوَّاقِي وَكَرْيِ الأَْنْهَارِ، فَكُل هَذَا مِمَّا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل دُونَ الثَّمَرَةِ، فَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِل، وَكَذَا مَا شَاكَلَهُ مِنْ عَمَل الدَّوَالِيبِ وَنَحْوِهَا.
فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَال عَلَى الْعَامِل شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلاً وَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً.

وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَبْطُل الشَّرْطُ وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ، حَمْلاً عَلَى الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ فِي الرَّهْنِ تَبْطُل وَلاَ يَبْطُل مَعَهَا الرَّهْنُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل وَالثَّمَرَةِ، فَكَالسَّقْيِ وَالإِْثَارَةِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْل. إِلَى مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا فِيهِ صَلاَحُ النَّخْل وَمُسْتَزَادٌ فِي الثَّمَرَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لاَ تَصْلُحُ الثَّمَرَةُ إِلاَّ بِهِ، كَالسَّقْيِ فِيمَا لاَ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنَ النَّخْل حَتَّى يُسْقَى سَيْحًا فَهُوَ عَلَى الْعَامِل، كَنَخْل الْبَصْرَةِ فَهُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرُوطِ هَذَا الْفَصْل سَوَاءٌ، وَهُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي فِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ، وَفِيهِ لأَِصْحَابِنَا ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِل بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلاَحِ النَّخْل وَزِيَادَةِ الثَّمَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى رَبِّ النَّخْل، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِل مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ لأَِنَّهُ بِصَلاَحِ النَّخْل أَخَصُّ مِنْهُ بِصَلاَحِ الثَّمَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِل لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الثَّمَرَةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى رَبِّ النَّخْل لِمَا فِيهِ مِنْ صَلاَحِ النَّخْل فَلَمْ يَتَنَافَ الشَّرْطَانِ فِيهِ فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى

الْعَامِل لَزِمَهُ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَى رَبِّ النَّخْل لَزِمَهُ، وَإِنْ أَغْفَل لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْعَامِل فَلأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ أَوْ مِنْ شُرُوطِهِ، وَأَمَّا رَبُّ النَّخْل فَلأَِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى تَثْمِيرِ مَالِهِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا لاَ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْل وَلاَ عَلَى الثَّمَرَةِ فَهُوَ كَاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِل أَنْ يَبْنِيَ لَهُ قَصْرًا أَوْ يَخْدِمَهُ شَهْرًا أَوْ يَسْقِيَ لَهُ زَرْعًا، فَهَذِهِ شُرُوطٌ تُنَافِي الْعَقْدَ، وَتَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ لأَِنَّهُ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِهِ، وَلاَ تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ فِي مَصْلَحَتِهِ (1) .
27 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَلْزَمُ الْعَامِل بِإِطْلاَقِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مَا فِيهِ صَلاَحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا مِثْل حَرْثِ الأَْرْضِ تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْبَقَرِ الَّتِي تَحْرُثُ وَآلَةُ الْحَرْثِ وَسَقْيِ الشَّجَرِ وَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَإِصْلاَحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَتَنْقِيَتِهَا وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ وَالشَّوْكِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْيَابِسِ وَزِبَارِ الْكَرْمِ وَقَطْعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ وَتَسْوِيَةِ الثَّمَرِ وَإِصْلاَحِ الأَْجَاجِينِ وَهِيَ الْحُفَرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ عَلَى أُصُول النَّخْل وَإِدَارَةِ الدُّولاَبِ، وَالْحِفْظِ لِلثَّمَرِ فِي الشَّجَرِ وَبَعْدَهُ حَتَّى يُقْسَمَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَمَّسُ فَعَلَيْهِ تَشْمِيسُهُ.
وَعَلَى رَبِّ الْمَال مَا فِيهِ حِفْظُ الأَْصْل كَسَدِّ
__________
(1) الحاوي 9 / 179 - 180 ط. دار الفكر.

الْحِيطَانِ وَإِنْشَاءِ الأَْنْهَارِ وَعَمَل الدُّولاَبِ وَحَفْرِ بِئْرِهِ وَشِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ.
وَعَبَّرَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ عَنْ هَذَا بِعَبَّارَةٍ أُخْرَى فَقَال: كُل مَا يَتَكَرَّرُ كُل عَامٍ فَهُوَ عَلَى الْعَامِل وَمَا لاَ يَتَكَرَّرُ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَال، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْعَمَل، فَأَمَّا شِرَاءُ مَا يُلَقِّحُ بِهِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَال وَإِنْ تَكَرَّرَ، لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْعَمَل.
وَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ وَلَمْ يُبَيِّنَا مَا عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَا عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا مِمَّا يَلْزَمُ الآْخِرَ، فَقَال الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَفْسَدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْعَامِل جَازَ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يُخِل بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَلاَ مَفْسَدَةَ فِيهِ فَصَحَّ كَتَأْجِيل الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَل مَعْلُومًا لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى التَّنَازُعِ وَالتَّوَاكُل فَيَخْتَل الْعَمَل، وَأَنْ لاَ يَكُونَ مَا عَلَى رَبِّ الْمَال أَكْثَرَ الْعَمَل، لأَِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ فَإِذَا لَمْ يَعْمَل أَكْثَرَ الْعَمَل كَانَ وُجُودُ

عَمَلِهِ كَعَدِمِهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
فَأَمَّا الْجُذَاذُ وَالْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ فَهُوَ عَلَى الْعَامِل، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي الْحَصَادِ، لأَِنَّهُ مِنَ الْعَمَل فَكَانَ عَلَى الْعَامِل كَالتَّشْمِيسِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْجُذَاذِ أَنَّهُ إِذَا شُرِطَ عَلَى الْعَامِل فَجَائِزٌ لأَِنَّ الْعَمَل عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْهُ فَعَلَى رَبِّ الْمَال بِحِصَّتِهِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ (1) .

مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ
28 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَهُمْ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ، وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ مَعْلُومٌ وَقَلَّمَا يُتَفَاوَتُ فِيهِ فَيَدْخُل فِيهِ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَلأَِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاءَهُ لَمْ يَضْرِبُوا مُدَّةً لأَِهْل خَيْبَرَ.
وَالْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تُذْكَرَ الْمُدَّةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الإِْجَارَةِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ فَصَحَّ تَوْقِيتُهَا وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ فَلَمْ يُشْتَرَطِ التَّوْقِيتُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ مُعْرِفَةُ الْعَمَل جُمْلَةً لاَ تَفْصِيلاً بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَلاَ تَصِحُّ مُطْلَقَةً وَلاَ مُؤَبَّدَةً لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ
__________
(1) المغني 5 / 401 - 403.

فَأَشْبَهَتِ الإِْجَارَةَ. (1)
بَيَانُ الْمُدَّةِ:
29 - قَال الْحَنَفِيَّةُ (2) : الْمُسَاقَاةُ كَالْمُزَارَعَةِ فِي الْخِلاَفِ وَالْحُكْمِ وَفِي الشُّرُوطِ إِلاَّ الْمُدَّةَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُذْكَرَ الْمُدَّةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الإِْجَارَةِ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا، وَتَقَعُ عَلَى أَوَّل ثَمَرَةٍ تَخْرَجُ، لأَِنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ قَلِيلٌ وَيَدْخُل فِيهِ الْمُتَيَقَّنُ، بِخِلاَفِ الزَّرْعِ فِيهِ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً رَبِيعًا وَخَرِيفًا وَغَيْرَ ذَلِكَ.
أ - فَفِي حَال ذِكْرِ الْمُدَّةِ: إِنْ ذَكَرَ مُدَّةً يُثْمِرُ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةً لاَ يُثْمِرُ خِلاَلَهَا فَسَدَتْ، وَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةً يُحْتَمَل أَنْ يُثْمِرَ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا وَأَنْ لاَ يُثْمِرَ تَصِحُّ أَيْضًا لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ إِنْ خَرَجَ الثَّمَرُ خِلاَل هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ صَحَّتْ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا فَسَدَتْ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الثَّمَرُ أَصْلاً صَحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّ الذَّهَابَ كَانَ بِآفَةٍ لاَ بِسَبَبِ فَسَادِ تَسْمِيَةِ الْمُدَّةِ، فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا فَلاَ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ الْمُدَّةِ.
ب - وَفِي حَال عَدَمِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ يَقَعُ الْعَقْدُ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 5 / 182، والاختيار 3 / 79، والشرح الصغير 3 / 718، 719، ومغني المحتاج 2 / 327، وكشاف القناع 3 / 538.
(2) الاختيار 3 / 79، والهداية 4 / 44 - 45، ودرر الحكام 2 / 328، والدر المختار ورد المحتار 5 / 182.

صَحِيحًا وَيَنْصَرِفُ إِلَى أَوَّل ثَمَرَةٍ تَخْرَجُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ لاَ إِلَى مَا بَعْدَهُ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَمِثْل الشَّجَرِ فِي ذَلِكَ الرِّطَابُ، إِذَا دَفَعَهَا مُسَاقَاةً حَتَّى يُدْرِكَ بَذْرُهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ لأَِنَّ لإِِدْرَاكِ الْبَذْرَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً.
أَمَّا لَوْ دَفَعَهَا رَيْثَمَا يَذْهَبُ أُصُولُهَا وَيَنْقَطِعُ نَبْتُهَا فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمُسَاقَاةَ، إِذْ لَيْسَ لِذَلِكَ أَمَدٌ مَعْلُومٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَهَابِ الأُْصُول وَأَطْلَقَ جَازَ الْعَقْدُ وَانْصَرَفَ إِلَى أَوَّل جَزَّةٍ (1) .
30 - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَمَذْهَبُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَجَائِزٌ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَامًا وَاحِدًا وَعَامَيْنِ وَأَعْوَامًا مِنَ الْجُذَاذِ إِلَى الْجُذَاذِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَلَوْ سَاقَاهُ إِلَى أَجَلٍ فَانْقَضَى الأَْجَل وَفِي النَّخْل ثَمَرٌ لَمْ يَجُزْ جُذَاذُهُ، وَلَمْ يَحِل بَيْعُهُ فَهُوَ عَلَى مُسَاقَاتِهِ حَتَّى يُجَزَّ، لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهُ.
وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ إِلَى الْجُذَاذِ وَإِلَى الْقِطَافِ، لاَ إِلَى الأَْجَل.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِيمَا طَال مِنَ السِّنِينَ وَانْقِضَاءُ السِّنِينَ فِيهَا هُوَ بِالْجُذَاذِ لاَ بِالأَْهِلَّةِ (2) .
__________
(1) الهداية 4 / 59، والاختيار 3 / 79 - 80 والمراجع السابقة.
(2) مواهب الجليل 5 / 378، والكافي 2 / 108، وبداية المجتهد 2 / 320.

31 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ بِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الإِْطْلاَقُ فِيهَا وَلاَ التَّأْبِيدُ، وَرَتَّبُوا عَلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَحْكَامًا مِنْ حَيْثُ إِدْرَاكُ الثَّمَرِ وَعَدَمُ إِدْرَاكِهِ.
قَال النَّوَوِيُّ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً، فَإِنْ وَقَّتَ بِالشُّهُورِ أَوِ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ فَذَاكَ، وَلَوْ وَقَّتَ بِالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَازَ إِذَا عَلِمَاهَا.
فَإِنْ أَطْلَقَا لَفْظَ السَّنَةِ انْصَرَفَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ.
وَإِنْ وَقَّتَ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ فَهَل يَبْطُل كَالإِْجَارَةِ أَمْ يَصِحُّ لأَِنَّهُ الْمَقْصُودُ؟
وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَوَّلُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ (1) ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ حَيْثُ قَال: وَلْيُعْرَفِ الْعَمَل جُمْلَةً، فَإِنْ عُرِفَ بِإِدْرَاكِ الثِّمَارِ جَازَ عَلَى الأَْصَحِّ (2) .
وَلَوْ قَال: سَاقَيْتُكَ سَنَةً وَأَطْلَقَ فَهَل يُحْمَل عَلَى السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَمْ سَنَةِ الإِْدْرَاكِ وَجْهَانِ: زَعَمَ أَبُو الْفَرْجِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ أَصَحَّهُمَا: الثَّانِي، فَإِنْ قُلْنَا بِالأَْوَّل أَوْ وَقَّتَ بِالزَّمَانِ، فَأَدْرَكَتِ الثِّمَارُ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ لَزِمَ الْعَامِل أَنْ يَعْمَل فِي تِلْكَ الْبَقِيَّةِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ.
وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ طَلْعٌ أَوْ
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 156.
(2) الوجيز 1 / 228.

بَلَحٌ فَلِلْعَامِل نَصِيبُهُ مِنْهَا وَعَلَى الْمَالِكِ التَّعَهُّدُ إِلَى الإِْدْرَاكِ.
وَإِنْ حَدَثَ الطَّلْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَلاَ حَقَّ لِلْعَامِل فِيهِ (1) .
وَلَوْ سَاقَاهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَفِي صِحَّتِهِ أَقْوَالٌ، فَعَلَى الْقَوْل بِالْجِوَازِ هَل يَجِبُ بَيَانُ حِصَّةِ كُل سَنَةٍ، أَمْ يَكْفِي قَوْلُهُ سَاقَيْتُكَ عَلَى النِّصْفِ لاِسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ كُل سَنَةٍ؟ قَوْلاَنِ أَوْ وَجْهَانِ كَالإِْجَارَةِ.
وَقِيل: يَجِبُ هُنَا قَطْعًا لِكَثْرَةِ الاِخْتِلاَفِ فِي الثَّمَرِ (2) .
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلِهِ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ عَيَّنَ السَّنَةَ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا كَانَتْ مَجْهُولَةً، وَإِنْ عَيَّنَهَا فَقَدْ شَرَطَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ فِيهَا.
وَلَوْ جَعَل لَهُ نِصْفَ الثَّمَرَةِ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الْعَشَرَةِ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ لِلْجَهْل بِهَا، وَإِنْ عَيَّنَهَا نَظَرَ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ، لأَِنَّهُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ بَعْدَ حَقِّهِ مِنَ الثَّمَرَةِ عَمَلاً لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَإِنْ كَانَتِ السَّنَةَ الأَْخِيرَةَ فَفِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَل
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 156.
(2) روضة الطالبين 7 / 156، وانظر الحاوي 9 / 170 - 171 ط. دار الفكر.

فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي بَعْضِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ يَعْمَل فِيهَا مُدَّةً تُثْمِرُ فِيهَا وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ثَمَرِهَا وَبِهَذَا الْمَعْنَى خَالَفَ السَّنَةَ الْوَاحِدَةَ (1) .
وَإِذَا سَاقَاهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَأَطْلَعَتْ ثَمَرَةُ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ تَقَضِّيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِل فِي ثَمَرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ حَقٌّ، لِتَقَضِّي مُدَّتِهِ وَزَوَال عَقْدِهِ، وَلَوْ أَطْلَعَتْ قَبْل تَقَضِّي تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ تَقَضَّتْ وَالثَّمَرَةُ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا - وَهِيَ بَعْدُ طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ - كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْهَا لِحُدُوثِهَا فِي مُدَّتِهِ.
فَإِنْ قِيل: إِنَّهُ أَجِيرٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا طَلْعًا أَوْ بَلَحًا، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ إِلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَإِنْ قِيل: إِنَّهُ شَرِيكٌ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهَا إِلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَتَنَاهِي الثَّمَرَةِ (2) .
32 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: وَيَصِحُّ تَوْقِيتُ مُسَاقَاةٍ كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ لأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِبْقَاؤُهُ وَفَسْخُهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّوْقِيتِ كَالْمُضَارَبَةِ.
وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا إِلَى جُذَاذٍ وَإِلَى إِدْرَاكٍ وَإِلَى مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ لاَ إِلَى مُدَّةٍ لاَ تَحْتَمِلُهُ لِعَدَمِ
__________
(1) الحاوي 9 / 171 ط. دار الفكر.
(2) الحاوي للماوردي 9 / 171 ط. دار الفكر.

حُصُول الْمَقْصُودِ بِهَا (1) .
وَإِنْ سَاقَاهُ إِلَى مُدَّةٍ تَكْمُل فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا فَلَمْ تَحْمِل الثَّمَرَةُ تِلْكَ السَّنَةَ فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى ذَلِكَ (2) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ ابْتِدَاءً:
33 - يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ الْعَدِيدُ مِنَ الأَْحْكَامِ مِنْهَا:
أ - أَنَّهُ يَجِبُ قِيَامُ الْعَامِل بِكُل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّجَرُ مِنَ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ، لأَِنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَمَل، وَسَبَقَ ذِكْرُ الضَّابِطِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ يَجِبُ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ كُل مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الشَّجَرِ مِنَ السَّمَادِ وَاللِّقَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ب - لاَ يَمْلِكُ الْعَامِل أَنْ يَدْفَعَ الشَّجَرَ مُعَامَلَةً إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ إِذَا قَال لَهُ الْمَالِكُ: اعْمَل بِرَأْيِكَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الشَّرِكَةِ فِي مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالثَّمَرُ عِنْدَئِذٍ لِلْمَالِكِ. وَلِلْعَامِل الثَّانِي أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْعَامِل الأَْوَّل، وَلاَ أَجْرَ لِلأَْوَّل لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْوِيضٍ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ (3) .
__________
(1) شرح منتهى الإرادات 2 / 345، وانظر كشاف القناع 3 / 538.
(2) كشاف القناع 3 / 538 - 539.
(3) بدائع الصنائع 6 / 187، وحاشية ابن عابدين 5 / 185 - 186.

وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ (1) قِيَاسًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ.
وَاسْتَدَل ابْنُ قُدَامَةَ: بِأَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْمَال بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَامِل غَيْرَهُ فِيهِ كَالْمُضَارِبِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَل فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ كَالْوَكِيل.
وَقَال: وَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ لأَِنَّهُ إِمَّا مَالِكٌ لِرَقَبَةِ ذَلِكَ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ (2) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِقَيْدٍ، قَال الدُّسُوقِيُّ (3) : وَجَازَ مُسَاقَاةُ الْعَامِل عَامِلاً آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْحَائِطِ، وَمَحَل الْجَوَازِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَبُّ الْحَائِطِ عَمَل الْعَامِل بِعَيْنِهِ وَإِلاَّ مُنِعَ مِنْ مُسَاقَاتِهِ لآِخَرَ، مَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا - أَيْضًا - وَلَوْ أَقَل أَمَانَةً لاَ غَيْرَ أَمِينٍ، - وَفَرَّقُوا فِي هَذَا الصَّدَدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضَارِبِ - قَال الدُّسُوقِيُّ: بِخِلاَفِ عَامِل الْقِرَاضِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَامِل عَامِلاً آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَال مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ أَمِينًا، لأَِنَّ مَال الْقِرَاضِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ بِخِلاَفِ الْحَائِطِ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (لاَ غَيْرَ أَمِينٍ) أَيْ إِنْ كَانَ غَيْرَ
__________
(1) المغني 5 / 413.
(2) المغني 5 / 413.
(3) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 3 / 545.

أَمِينٍ لاَ تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل مِثْلَهُ فِي عَدَمِ الأَْمَانَةِ؛ لأَِنَّ رَبَّ الْحَائِطِ رُبَّمَا رَغِبَ فِي الأَْوَّل لأَِمْرٍ لَيْسَ فِي الثَّانِي، وَيَضْمَنُ الْعَامِل الأَْوَّل مُوجِبَ فِعْل الثَّانِي، إِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ أَمِينٍ أَوْ مَجْهُول الْحَال، وَإِنْ كَانَ الاِتِّفَاقُ بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا جُعِل لِلأَْوَّل فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَالزَّائِدُ عَلَى الْعَامِل الأَْوَّل، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَالزَّائِدُ لِلْعَامِل الأَْوَّل.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَالُوا بِالْجِوَازِ بِقَيْدِ التَّوَافُقِ فِي الْمُدَّةِ وَالنَّصِيبِ، قَال فِي الْحَاوِي (1) : فَإِنْ أَرَادَ الْعَامِل أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا مُدَّةَ مُسَاقَاتِهِ جَازَ بِمِثْل نَصِيبِهِ فَمَا دُونَ، كَالإِْجَارَةِ، وَلاَ يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ حَيْثُ كَانَ لِلْعَامِل أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ لِلْعَامِل أَنْ يُضَارِبَ بِهَا، أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَال لأَِنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِلاَزِمٍ فَلَمْ يَمْلِكْ مَا بَاتَ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، وَتَصَرُّفَ الْعَامِل فِي الْمُسَاقَاةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ فَيَمْلِكُ الاِسْتِنَابَةَ فِي تَصَرُّفِهِ.
ج - إِذَا قَصَّرَ الْعَامِل فِي سَقْيِ الشَّجَرِ حَتَّى يَبِسَ ضَمِنَ، لأَِنَّ الْعَمَل وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَالشَّجَرَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ، فَيَضْمَنُ بِالتَّقْصِيرِ وَلَوْ أَخَّرَ السَّقْيَ تَأْخِيرًا مُعْتَادًا لاَ يَضْمَنُ لِعَدَمِ
__________
(1) الحاوي للماوردي 9 / 168 ط. دار الفكر.

التَّقْصِيرِ، وَإِلاَّ ضَمِنَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) ، كَذَلِكَ قَال الْمَالِكِيَّةُ بِالضَّمَانِ إِنْ قَصَّرَ عَمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ.
قَال فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (2) : إِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَل أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، كَالْحَرْثِ أَوِ السَّقْيِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَحَرَثَ أَوْ سَقَى مَرَّتَيْنِ حُطَّ مِنْ نَصِيبِهِ بِنِسْبَتِهِ، فَيُنْظَرُ قِيمَةُ مَا عَمِل مَعَ قِيمَةِ مَا تَرَكَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا تَرَكَ الثُّلُثَ مَثَلاً حُطَّ مِنْ جُزْئِهِ الْمُشْتَرَطِ لَهُ ثُلُثُهُ.
وَقَوْلُهُ: قَصَّرَ، يُشْعِرُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَصِّرْ، بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ السَّقْيَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَسَقَى مَرَّتَيْنِ، وَأَغْنَاهُ الْمَطَرُ عَنِ الثَّالِثَةِ، لَمْ يُحَطَّ مِنْ حِصَّتِهِ شَيْءٌ وَكَانَ لَهُ جُزْؤُهُ بِالتَّمَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ، قَال ابْنُ رُشْدٍ بِلاَ خِلاَفٍ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ عَلَى سِقَايَةِ حَائِطٍ زَمَنَ السَّقْيِ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ وَجَاءَ مَاءُ السَّمَاءِ فَأَقَامَ بِهِ حَيْنًا فَإِنَّهُ يُحَطُّ مِنَ الأُْجْرَةِ بِقَدْرِ إِقَامَةِ الْمَاءِ فِيهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الإِْجَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَالْمُسَاقَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ لأَِنَّهَا رُخْصَةٌ وَالرُّخْصَةُ تَسْهِيلٌ.
د - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ جَائِزَةٌ بِوَجْهٍ عَامٍّ وَكَذَلِكَ الْحَطُّ مِنْهُ،
__________
(1) حاشية ابن عابدين 5 / 179، ومجمع الضمانات ص 314 - 315.
(2) حاشية الدسوقي 3 / 550.

وَذَلِكَ فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِنْ لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُ الثَّمَرِ كَانَتْ جَائِزَةً مِنْهُمَا - الْعَامِل وَرَبِّ الأَْرْضِ - لأَِنَّ إِنْشَاءَ الْعَقْدِ جَائِزٌ فِي هَذِهِ الْحَال فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنْهُمَا أَيَّهُمَا كَانَ.
الثَّانِيَةُ: وَإِنْ تَنَاهَى عِظَمُ الثَّمَرِ وَتَمَّ نُضْجُهُ جَازَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ قِبَل الْعَامِل لِرَبِّ الأَْرْضِ، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ فِي هَذِهِ الْحَال بِمَثَابَةِ حَطٍّ، وَلاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنْ قِبَل الْمَالِكِ لأَِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِي مُقَابِل الْعَمَل، وَالْمَحَل لاَ يَحْتَمِلُهُ، إِذْ قَدْ نَضِجَ الثَّمَرُ، وَلِهَذَا لاَ يَحْتَمِل إِنْشَاءُ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْحَال.
وَالأَْصْل فِي هَذَا - كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ - أَنَّ كُل مَوْضِعٍ احْتَمَل إِنْشَاءَ الْعَقْدِ احْتَمَل الزِّيَادَةَ وَإِلاَّ فَلاَ، وَالْحَطُّ جَائِزٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (1) .

أَحْكَامُ الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ فِي الاِنْتِهَاءِ:
34 - الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا دُونَ فَسْخٍ أَوِ انْحِلاَلٍ تَبْرُزُ فِي الأَْحْكَامِ الآْتِيَةِ:
أَوَّلاً: اقْتِسَامُ الْخَارِجِ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهَذَا حُكْمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 187، ودرر الحكام 3 / 510 - 511.

وَإِنْ لَمْ تُثْمِرِ الأَْشْجَارُ شَيْئًا فَلاَ أَجْرَ لِلْعَامِل وَلاَ لِلْمَالِكِ لأَِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ بَعْضُ الْخَارِجِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلاَ يُخَالِفُ أَحَدٌ فِي هَذَا (1) .
ثَانِيًا: الْعَمَل فِي الثِّمَارِ بَعْدَ إِدْرَاكِهَا قَبْل قِسْمَتِهَا مِنَ الْجُذَاذِ وَالْقَطْفِ وَالْحَصَادِ وَالتَّجْفِيفِ وَاللِّقَاطِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا عَلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَدْرِ - حِصَصِهِمَا، وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَال الْمُسَاقَاةِ لاِنْتِهَائِهَا بِالإِْدْرَاكِ، حَتَّى لاَ يَجُوزَ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الْعَامِل، لأَِنَّهُ لاَ عُرْفَ فِي ذَلِكَ (2) .
وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَشْرِطَهُ عَلَى الْعَامِل (3) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (4) ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا عَلَى الْعَامِل، وَأَنَّهَا لاَزِمَةٌ بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ (5) .
__________
(1) درر الحكام 3 / 513، والقوانين الفقهية 184 - 185.
(2) بدائع الصنائع 6 / 187، والهداية 4 / 44، وشرح المحلي مع القليوبي 3 / 69.
(3) المغني 5 / 403، وكشاف القناع 3 / 540، والإنصاف 5 / 486.
(4) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 544، وبداية المجتهد 2 / 317.
(5) مغني المحتاج 2 / 329، وروضة الطالبين 5 / 159، وكشاف القناع 3 / 540، والإفصاح لابن هبيرة 2 / 47.

أَمَّا الأَْعْمَال الَّتِي تَلِي الْقِسْمَةَ فَتَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً لِتَمْيِيزِ مِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ (1) .
ثَالِثًا: إِنِ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْعَامِل فِي الْمِقْدَارِ الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ لِلْعَامِل.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل لِلْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّ الْعَامِل يَدَّعِي الزِّيَادَةَ، وَالْمَالِكَ يُنْكِرُ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْعَامِل، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ رَجَحَتْ بَيِّنَةُ الْعَامِل، لأَِنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَلاَ يَتَحَالَفَانِ هُنَا أَيْ بَعْدَ نُضْجِ الثَّمَرِ وَاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْعَامِل لِخُلُوِّهِ مِنَ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا يَتَحَالَفَانِ قَبْل بَدْءِ الْعَمَل وَحَال قِيَامِهِ، وَيَتَرَادَّانِ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِل فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَكَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا تَنَاوَلَتْهُ الْمُسَاقَاةُ فِي الشَّجَرِ، لأَِنَّ رَبَّ الْمَال مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْعَامِل فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (3) "، فَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَفِي أَيِّهِمَا
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 182 - 187، والهداية 4 / 44.
(2) المبسوط 23 / 88 - 89.
(3) حديث: " البينة على المدعي واليمين. . . ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10 / 252) وإسناده صحيح.

تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِل وَالْخَارِجِ، فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لاِثْنَيْنِ فَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا الْعَامِل وَكَذَّبَهُ الآْخَرُ أُخِذَ نَصِيبُهُ مِنْ مَال الْمُصَدِّقِ فَإِنْ شَهِدَ عَلَى الْمُنْكَرِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَدْلاً، لأَِنَّهُ لاَ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا وَلاَ يَدْفَعُ ضَرَرًا وَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً كَانَتْ شَهَادَتُهُ كَعَدَمِهَا، وَلَوْ كَانَ الْعَامِل اثْنَيْنِ وَرَبُّ الْمَال وَاحِدًا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَيْضًا (1) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الاِخْتِلاَفُ قَبْل الْعَمَل فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ
وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَمَل وَيَنْعِ الثَّمَرِ: فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَا يُشْبِهُ مُسَاقَاةَ الْمِثْل فَالْقَوْل لَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُسَاقَاةَ الْمِثْل وَجَبَ تَحْلِيفُهُمَا فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلاَ وَجَبَتْ مُسَاقَاةُ الْمِثْل، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَل الآْخَرُ قُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِل.
فَإِنْ كَانَتْ مُسَاقَاةُ الْمِثْل مُخْتَلِفَةً كَأَنْ كَانَتْ عَادَةُ أَهْل الْمِنْطَقَةِ الْمُسَاقَاةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ قُضِيَ بِالأَْكْثَرِ.
وَإِنْ أَشْبَهَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي دَعْوَاهُ مُسَاقَاةَ الْمِثْل فَالْقَوْل لِلْعَامِل بِيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَالأَْصْل
__________
(1) المغني لابن قدامة 5 / 410، 411.

عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى أَقْوَى الْمُتَدَاعَيَيْنِ شُبْهَةً (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِل، وَلاَ بَيِّنَةَ تَحَالَفَا كَمَا فِي الْقِرَاضِ، وَإِذَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا قَبْل الْعَمَل فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُل مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَالأَْظْهَرُ أَنَّهُمَا تَتَسَاقَطَانِ فَيَتَحَالَفَانِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ أَنَّهُمَا تُسْتَعْمَلاَنِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ قَال: وَلَوْ سَاقَاهُ شَرِيكَانِ فِي الْحَدِيقَةِ، فَقَال الْعَامِل: شَرَطْتُمَا لِي نِصْفَ الثَّمَرِ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَقَال الآْخَرُ: بَل شَرَطْنَا الثُّلُثَ، فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ مَقْسُومٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِل.
وَأَمَّا نَصِيبُ الْمُكَذِّبِ فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ وَلَوْ شَهِدَ الْمُصَدِّقُ لِلْعَامِل أَوِ الْمُكَذِّبِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (2) .

مَا يُفْسِدُ الْمُسَاقَاةَ
تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ بِمَا يَلِي:

35 - أَوَّلاً: اشْتِرَاطُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الثَّمَرَةِ بِالْكَيْل أَوْ بِالْوَزْنِ أَوْ: بِغَيْرِهِمَا لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ تَخْصِيصُ جَانِبٍ مِنَ الْكَرْمِ أَوِ
__________
(1) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 549، وبداية المجتهد 2 / 321.
(2) الوجيز 1 / 229، وروضة الطالبين 5 / 146 - 147 - 165.

الْبُسْتَانِ لأَِحَدِهِمَا، أَوِ اشْتِرَاطُ جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ الثَّمَرِ يُفْسِدُهَا لأَِنَّهُ مِنْ مَوْرِدِ النَّهْيِ الثَّابِتِ فِي السُّنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلأَِنَّهُ قَدْ لاَ يُثْمِرُ الشَّجَرُ إِلاَّ الْقَدْرَ الْمُسَمَّى، وَلأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ شَرِكَةٌ فِي الثَّمَرَةِ فَقَطْ، وَلِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِمِثْل هَذَا الشَّرْطِ (1) .
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ سِرَاجٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَثْنَى حَالَةَ الضَّرُورَةِ: كَأَنْ لاَ يَجِدَ رَبُّ الْحَائِطِ عَامِلاً إِلاَّ مَعَ دَفْعِهِ لَهُ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْجُزْءِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَيَجُوزُ (2) .

36 - ثَانِيًا: اشْتِرَاطُ مُشَارَكَةِ الْمَالِكِ لِلْعَامِل فِي عَمَلِهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ إِذْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْعَامِل وَالشَّجَرِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَهِيَ تَفُوتُ بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ مُقْتَضَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَل فِيهَا عَلَى الْعَامِل كَمَا هُوَ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْكَاسَانِيُّ (3) فِي الْمُزَارَعَةِ، وَالْمُسَاقَاةُ مِثْلُهَا وَكَذَا النَّوَوِيُّ (4) .
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 186، والقوانين الفقهية 184، والشرح الكبير 2 / 540، 541، 548، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي ص 67، والمغني لابن قدامة 5 / 412، 413، والحاوي 9 / 177 ط. دار الفكر. وحديث رافع سبق تخريجه ف (5) .
(2) حاشية الدسوقي 3 / 548.
(3) بدائع الصنائع 6 / 168.
(4) روضة الطالبين 5 / 155.

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِاشْتِرَاطِ إِخْرَاجِ مَا كَانَ مِنَ الرَّقِيقِ أَوِ الدَّوَابِّ فِي الْبُسْتَانِ الْكَبِيرِ إِذْ لِلْعَامِل انْتِفَاعُهُ بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا فِيهِ، وَإِنَّ الْمُفْسِدَ أَيْضًا: اشْتِرَاطُ تَجْدِيدِ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْهَا وَقْتَ الْعَقْدِ، عَلَى الْمَالِكِ أَوِ الْعَامِل (1) .
بَل اسْتَثْنَى فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ - كَمَا سَبَقَ - جَوَازُ اشْتِرَاطِ الْعَامِل مُعَاوَنَةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَالِكُ مَنْفَعَتَهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالرُّؤْيَةِ أَوِ الْوَصْفِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُفْسِدَ اشْتِرَاطُ أَكْثَرِ الْعَمَل عَلَى الْمَالِكِ (2) .

37 - ثَالِثًا: أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِل عَمَلاً يَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ بَعْدَ أَنْ يُونِعَ الثَّمَرُ، وَتَنْتَهِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ، كَنَصْبِ الْعَرَائِشِ، وَغَرْسِ الأَْشْجَارِ، وَبِنَاءِ الْجُدْرَانِ، وَتَشْيِيدِ الْبُيُوتِ لِحِفْظِ الثِّمَارِ، وَتَسْوِيرِ الْحَدَائِقِ، وَاسْتِحْدَاثِ حَفْرِيَّاتٍ مَائِيَّةٍ، فَهَذَا مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ (3) ، كَمَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ، وَأَنَّهُ اشْتِرَاطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعَمَل فِي الشَّجَرِ فِي شَيْءٍ (4) ، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ.
__________
(1) الشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 540.
(2) المغني 5 / 566 - 567.
(3) المبسوط 23 / 80 - 81.
(4) مغني المحتاج 2 / 327.

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَاسْتَثْنَوُا اشْتِرَاطَ الْيَسِيرِ الْقَلِيل عَلَى الْعَامِل مِمَّا لاَ يَبْقَى غَالِبًا بَعْدَ الْمُسَاقَاةِ كَإِصْلاَحِ الْحِيَاضِ وَتَحْصِينِ الْجُدُرِ (1) .

38 - رَابِعًا: اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنَ الأَْعْمَال عَلَى الْعَامِل بَعْدَ أَنْ تَنْتَهِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَيَحِينَ الأَْكْل، كَالْقِطَافِ وَالْحِفْظِ وَالتَّجْفِيفِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَِحَدِهِمَا وَلَمْ يَجْرِ بِهِ التَّعَامُل، فَكَانَ مِنْ مُؤَنِ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ جَرَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعُرْفُ صَحَّ الْعَقْدُ وَجَازَ اشْتِرَاطُهُ، وَهُوَ الَّذِي رِوَاهُ بِشْرٌ وَابْنُ سَمَاحَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (2) .
غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ - كَمَا سَبَقَ - عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْعَامِل، فَلاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِاشْتِرَاطِهَا عَلَى الْعَامِل، لأَِنَّهَا مِنَ الْعَمَل الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُفْسِدَ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الْعَامِل.
فَقَدْ قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا فِي الْمُحَلَّى عَلَى الْمِنْهَاجِ (3) : أَنَّ مَا عَلَى الْمَالِكِ إِذَا شُرِطَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْعَامِل بَطَل الْعَقْدُ، وَكَذَا مَا عَلَى
__________
(1) حاشية الدسوقي 3 / 544 - 545، ومواهب الجليل 5 / 376.
(2) المبسوط 23 / 36، وبدائع الصنائع 6 / 186.
(3) المحلي على المنهاج 3 / 69.

الْعَامِل إِذَا شُرِطَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمَالِكِ بَطَل الْعَقْدُ.
وَكَذَا قَرَّرَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا شُرِطَ عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِمَّا يَلْزَمُ الآْخَرَ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَفْسَدَهُ (1) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَمَعَ أَنَّهُمْ ذَهَبُوا مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَنَّ الْجُذَاذَ وَنَحْوَهُ عَلَى الْعَامِل لَكِنَّهُمْ قَالُوا: أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَهُ الْعَامِل عَلَى الْمَالِكِ جَازَ، بَل قَرَّرُوا هَذَا الْمَبْدَأَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ: وَهُوَ: أَنَّهُ إِذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِشَيْءٍ وَاشْتَرَطَ خِلاَفَهُ عَمِل بِالشَّرْطِ؛ لأَِنَّهُ كَالنَّاسِخِ لِلْعَادَةِ (2) .

39 - خَامِسًا: اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لأَِحَدِهِمَا لاِنْقِطَاعِ مَعْنَى الشَّرِكَةِ بِهِ، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْخَارِجِ لِغَيْرِهِمَا (3) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِل أَوِ الْمَالِكِ وَإِنْ نَفَاهُ بَعْضُهُمْ.
(ر: ف 20) .

40 - سَادِسًا: اشْتِرَاطُ الْحَمْل وَالْحِفْظِ بَعْدَ
__________
(1) المغني لابن قدامة 5 / 402.
(2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 544، وبداية المجتهد 2 / 317.
(3) بدائع الصنائع 6 / 180، ومغني المحتاج 2 / 326.

قِسْمَةِ الْمَحْصُول عَلَى الْعَامِل، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل الْمُسَاقَاةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَسَادَ بِهَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ كُلْفَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ (1) ، قَال الدَّرْدِيرُ: أَوِ اشْتَرَطَ الْعَامِل عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ حَمْل نَصِيبِ الْعَامِل لِمَنْزِل الْعَامِل إِذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَإِلاَّ جَازَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ لَهُ أُجْرَةَ الْحَمْل فِي الْمَمْنُوعَةِ مَعَ أُجْرَةِ الْمِثْل (2) ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ رَبِّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِل ذَلِكَ (3) .

41 - سَابِعًا: تَحْدِيدُ مُدَّةٍ لاَ يُثْمِرُ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا، وَهَذَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ، وَمَنْ يَشْتَرِطُ التَّوْقِيتَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يُجِيزُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الْجُذَاذِ فِي الْعَادَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ فِيهَا الإِْطْلاَقُ وَلاَ التَّأْبِيدُ وَلاَ التَّوْقِيتُ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ كَمَا سَبَقَ عِنْدَ شَرْطِ الْمُدَّةِ وَأَحْكَامِهَا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُدَّةٍ لاَ تَكْمُل فِيهَا الثَّمَرَةُ فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ (4) .

42 - ثَامِنًا: شَرِكَةُ الْعَامِل فِيمَا يَعْمَل فِيهِ، كَمَا
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 186.
(2) حاشية الدسوقي 3 / 549.
(3) الشرح الكبير للدردير 3 / 540.
(4) حاشية ابن عابدين 5 / 182، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 542، ومغني المحتاج 2 / 327، 328، والمغني 5 / 406.

لَوْ كَانَ بُسْتَانًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُسَاقَاةً مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا مُثَالَثَةً، ثُلُثَاهُ لِلْعَامِل وَثُلُثُهُ لِلْمَالِكِ، فَإِنَّهُ تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ، وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل، وَهَذَا لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ إِجَارَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الإِْنْسَانِ لِلْعَمَل فِي شَيْءٍ هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ، وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَتَسْلِيمُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، لأَِنَّ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبُسْتَانِ الَّذِي يَعْمَل فِيهِ هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَيَكُونُ عَامِلاً فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلاَ يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ (1) .
وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ: فَأَجَازُوا مُسَاقَاةَ الشَّرِيكِ بِشَرْطَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَشْرِطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَشْرِطْ لَهُ زِيَادَةً عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ، لِخُلُوِّهَا عَنِ الْعِوَضِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ بِالْعَمَل لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَالآْخَرُ: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْعَامِل بِالْعَمَل وَيَسْتَقِل بِهِ حَتَّى لَوْ شَارَكَهُ الْمَالِكُ بِالْعَمَل لَمْ تَصِحَّ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ سَاقَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ وَجَعَل لَهُ مِنَ الثَّمَرِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِثْل أَنْ يَكُونَ الأَْصْل بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَجَعَل لَهُ ثُلُثَيِ
__________
(1) الهداية 3 / 178.
(2) الوجيز 1 / 227، ومغني المحتاج 2 / 327.

الثَّمَرَةِ صَحَّ، وَكَانَ السُّدُسُ حِصَّتَهُ مِنَ الْمُسَاقَاةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَال: سَاقَيْتُكَ عَلَى نَصِيبِي بِالثُّلُثِ وَإِنْ جَعَل الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ جَعَل لِلْعَامِل الثُّلُثَ فَهِيَ مُسَاقَاةٌ فَاسِدَةٌ؛ لأَِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ نِصْفَهَا بِمِلْكِهِ فَلَمْ يَجْعَل لَهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا، وَإِذَا شَرَطَ لَهُ الثُّلُثَ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّ غَيْرَ الْعَامِل يَأْخُذُ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِل ثُلُثَهُ، وَيَسْتَعْمِلُهُ بِلاَ عِوَضٍ فَلاَ يَصِحُّ، فَإِذَا عَمِل فِي الشَّجَرِ بِنَاءً عَلَى هَذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل بِعَمَلِهِ شَيْئًا، لأَِنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ لِرِضَاهُ بِالْعَمَل بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال لَهُ: أَنَا أَعْمَل فِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لأَِنَّهُ عَمِل فِي مَال غَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدِ الْمُسَاقَاةَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْل، لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا فَلَمْ تَسْقُطْ بِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِهِ كَالنِّكَاحِ إِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمُسَمَّى يَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْل (1) .

أَحْكَامُ الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ
43 - إِذَا وَقَعَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً، وَاطَّلَعَ عَلَى الْفَسَادِ وَقَبِل الشُّرُوعَ فِي الْعَمَل وَجَبَ فَسْخُهَا هَدَرًا بِلاَ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ أَوِ الْعَامِل،
__________
(1) الشرح الكبير مع المغني 5 / 580.

لأَِنَّ الْوُجُوبَ أَثَرٌ لِلْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ (1) .
أَمَّا إِذَا اطَّلَعَ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاتِجِ وَنَصِيبِ الْعَامِل وَالْمَالِكِ، أَوْ مَا يَكُونُ لِلْعَامِل وَلِلْمَالِكِ وَفْقَ الْبَيَانِ التَّالِي:
1 - أَطْلَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ الْقَوْل بِوُجُوبِ الأُْجْرَةِ لِلْعَامِل وَاسْتِحْقَاقِ الْمَالِكِ لِلثَّمَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ قِيَاسُ رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ (2) .
ب - أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ الْعَامِل عَلَى الْعَمَل لأَِنَّ الْجَبْرَ عَلَى الْعَمَل بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَمْ يَصِحَّ.
ج - أَنَّ أَجْرَ الْمِثْل لاَ يَجِبُ فِي الْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ مَا لَمْ يُوجَدِ الْعَمَل.
5 - أَنَّ أَجْرَ الْمِثْل فِيهَا يَجِبُ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى لاَ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَجِبُ تَامًّا.
وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ حِصَّةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل تَامًّا بِلاَ خِلاَفٍ
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 182 - 188، وبداية المجتهد 2 / 321، والقوانين الفقهية 184، وكشاف القناع 3 / 544، ومواهب الجليل 5 / 385، وحاشية الشرقاوي على التحرير 2 / 85.
(2) حاشية الشرقاوي على التحرير 2 / 85، وبداية المجتهد 2 / 321، وكشاف القناع 3 / 544، وبدائع الصنائع 6 / 183، 188.

، قَال الْكَاسَانِيُّ (1) : وَوَجْهُ قَوْل مُحَمَّدٍ: أَنَّ الأَْصْل فِي الإِْجَارَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْل لأَِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمَبْنَى الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ، وَذَلِكَ فِي وُجُوبِ أَجْرِ الْمِثْل، لأَِنَّهُ الْمِثْل الْمُمْكِنُ فِي الْبَابِ إِذْ هُوَ قَدْرُ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ ضَرْبَ جَهَالَةٍ وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْبَدَل تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ أَيْضًا، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْبَدَل الأَْصْلِيِّ لِلْمَنَافِعِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْل وَلِهَذَا إِذَا لَمْ يُسَمَّ الْبَدَل أَصْلاً فِي الْعَقْدِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ.
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الأَْصْل مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْل بَدَلاً عَنِ الْمَنَافِعِ قِيمَةً لَهَا لأَِنَّهُ هُوَ الْمِثْل بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ لَكِنْ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى، لأَِنَّهُ كَمَا يَجِبُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْبَدَل فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ يَجِبُ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، لأَِنَّ اعْتِبَارَ تَصَرُّفِ الْعَاقِل وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أَجْرِ الْمِثْل بِالْمُسَمَّى، لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمُسَمَّى وَالآْجِرَ مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ عَنْهُ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْمُسَمَّى فِي تَقْدِيرِ أَجْرِ الْمِثْل بِهِ عَمَلاً بِالدَّلِيلَيْنِ وَرِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 183، 188.

فَكَانَ أَوْلَى، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَدَل سُمِّيَ فِي الْعَقْدِ لأَِنَّ الْبَدَل إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى أَصْلاً لاَ حَاجَةَ إِلَى اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ أَجْرِ الْمِثْل فَهُوَ الْفَرْقُ (1) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَفَصَّلُوا فِي الاِطِّلاَعِ عَلَى الْفَسَادِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ (2) فِي بَيَانِ الْمَذْهَبِ، بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْمَذْكُورَةُ عِنْدَ بَيَانِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ قَال: وَقِيل: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْل بِإِطْلاَقٍ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَال فِي بَعْضِهَا: تُرَدُّ إِلَى مُسَاقَاةٍ مِثْلِهَا، وَفِي بَعْضِهَا: إِلَى إِجَارَةِ الْمِثْل.

انْفِسَاخُ الْمُسَاقَاةِ
تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةِ بِالْمَوْتِ، وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالاِسْتِحْقَاقِ، وَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ، وَالْفَسْخِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْمَوْتُ:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسْخِ الْمُسَاقَاةِ بِالْمَوْتِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَبْطُل الْمُسَاقَاةُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الإِْجَارَةِ، فَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ قَبْل
__________
(1) بدائع الصنائع 6 / 183.
(2) بداية المجتهد 2 / 321 - 322، والقوانين الفقهية 184، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 547 - 549، ومواهب الجليل 5 / 385 - 387.

الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلاَ يُلْزَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لِلآْخَرِ.
وَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ بَعْدَ نُضْجِ الثَّمَرِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَقُسِمَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ.
وَلَوْ طَرَأَ الْمَوْتُ وَالثَّمَرُ فِجٌّ فَقَالُوا بِبَقَاءِ الْعَقْدِ حُكْمًا وَإِنْ بَطَل قِيَاسًا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يَمُوتَ رَبُّ الأَْرْضِ وَلَمَّا يَنْضَجِ الثَّمَرُ، بِأَنْ كَانَ بُسْرًا أَوْ فِجًّا، فَيَجُوزُ لِلْعَامِل أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَنْضَجَ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ وَرَثَتُهُ لأَِنَّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ إِضْرَارًا بِهِ وَإِبْطَالاً لِمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ فِي الأَْشْجَارِ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ، فَإِذَا انْتَقَضَ الْعَقْدُ، تَكَلَّفَ الْجُذَاذَ قَبْل الإِْدْرَاكِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَإِذَا جَازَ نَقْضُ الإِْجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَلأَِنْ يَجُوزَ بَقَاؤُهَا لِدَفْعِهِ أَوْلَى، وَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ (1) ، فَلَوْ أَرَادَ الْعَامِل تَحَمُّل الضَّرَرَ وَرَضِيَ بِقَطْعِ الثَّمَرِ فِجًّا أَوْ بُسْرًا، تَخَيَّرَ وَرَثَةُ الْمَالِكِ بَيْنَ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يَقْسِمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ.
الثَّانِي: أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ يَوْمَئِذٍ فِجًّا،
__________
(1) الاختيار 3 / 80، والمبسوط 23 / 58، ودرر الحكام 3 / 514.

وَيَبْقَى الثَّمَرُ لَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ يَرْجِعُوا عَلَى الْعَامِل بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقُوا، لأَِنَّ الْعَمَل عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ (1) وَهَذَا لأَِنَّ الْعَامِل لَمَّا امْتَنَعَ عَنِ الْعَمَل لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ إِبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْبُطْلاَنِ وَهُوَ الْمَوْتُ اسْتِحْسَانًا لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ هُوَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، فَيُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ بَيْنَ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ (2) .

الْحَال الثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ الْعَامِل وَالثَّمَرُ كَذَلِكَ بُسْرٌ، فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، إِنْ شَاءَ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْعَمَل حَتَّى نُضُوجِ الثَّمَرِ وَلاَ يَحِقُّ لِصَاحِبِ الأَْشْجَارِ مَنْعُهُ؛ لأَِنَّهُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ عَنِ الاِسْتِمْرَارِ عَلَى الْعَمَل فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَل، وَلَكِنْ يَكُونُ صَاحِبُ الشَّجَرِ مُخَيَّرًا بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاَثَةِ التَّالِيَةِ:
الْوَجْهُ الأَْوَّل: إِنْ شَاءَ اقْتَسَمَ الثَّمَرَ الْغَيْرَ النَّاضِجِ مَعَ الْوَارِثِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوطِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِنْ شَاءَ أَدَّى لِلْوَارِثِ حِصَّتَهُ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرِ الْغَيْرِ النَّاضِجِ.
__________
(1) الاختيار 3 / 80.
(2) تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي 5 / 284 - 285، والمبسوط 23 / 56 - 58، وابن عابدين 5 / 184.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَإِنْ شَاءَ يَصْرِفْ قَدْرًا مَعْرُوفًا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْعَمَل، وَيَأْخُذُ الْمَبْلَغَ الْمَصْرُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَارِثِ، وَلَكِنْ لاَ يَتَجَاوَزُ هَذَا الْمَبْلَغُ الْمَصْرُوفُ فِي أَيِّ حَالٍ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرِ (1) .

الْحَال الثَّالِثُ: إِذَا تُوُفِّيَ كِلاَهُمَا فَيَكُونُ وَرَثَةُ الْعَامِل مُخَيَّرِينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا لأَِنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَامِل، وَقَدْ كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ هَذَا الْخِيَارُ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الأَْرْضِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَال الدَّرْدِيرُ: وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ - أَيِ الْمُسَاقَاةُ - بِالْفَلَسِ الطَّارِئِ فَكَذَا بِالْمَوْتِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ كَالْفَلَسِ، وَالْمُسَاقَاةَ كَالْكِرَاءِ لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُتَكَارِيَيْنِ (2) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَوْتِ الْمَالِكِ وَمَوْتِ الْعَامِل:
فَإِنْ مَاتَ مَالِكُ الشَّجَرِ فِي أَثَنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ بَل يَسْتَمِرُّ الْعَامِل وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ (3) .
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الْوَارِثُ، أَيْ إِذَا سَاقَى الْمُوَرِّثُ مَنْ يَرِثُهُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ (4) ، وَكَذَا لَوْ سَاقَى الْبَطْنُ الأَْوَّل الْبَطْنَ
__________
(1) درر الحكام 3 / 514، 515.
(2) الشرح الكبير 3 / 283، 546.
(3) روضة الطالبين 5 / 162.
(4) مغني المحتاج 2 / 331.

الثَّانِيَ ثُمَّ مَاتَ الأَْوَّل فِي أَثَنَاءِ الْمُدَّةِ وَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْفَسِخَ كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ، لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ عَامِلاً لِنَفْسِهِ (1) .
وَإِنْ مَاتَ الْعَامِل يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ أَوْ عَلَى ذِمَّتِهِ: فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِمَوْتِ الأَْجِيرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَيَّدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا إِذَا مَاتَ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل وَإِلاَّ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِلاَّ نَحْوُ التَّجْفِيفِ فَلاَ تَنْفَسِخُ (2) .
وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ:
الأَْوَّل: تَنْفَسِخُ، لأَِنَّهُ لاَ يَرْضَى بِيَدِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ: لاَ تَنْفَسِخُ كَالإِْجَارَةِ بَل يُنْظَرُ:
أ - إِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً تَمَّمَ وَارِثُهُ الْعَمَل، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل وَإِلاَّ، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل بِنَفْسِهِ أَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتَمِّمُ، فَعَلَى الْمَالِكِ تَمْكِينُهُ إِنْ كَانَ مُهْتَدِيًا إِلَى أَعْمَال الْمُسَاقَاةِ وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَشْرُوطَ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
ب - وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً لَمْ يَقْتَرِضْ عَلَى الْمَيِّتِ وَلِلْوَارِثِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 331.
(2) القليوبي والمحلي 3 / 66.

وَيُسَلِّمَ لَهُ الْمَشْرُوطَ.
قَال الْغَزَالِيُّ (1) : فَإِنْ أَبَى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أُجْرَةَ الْعَمَل الْمَاضِي وَفُسِخَ الْعَقْدُ لِلْمُسْتَقْبَل.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لاَزِمٍ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ فَسَخَهَا أَحَدُهُمَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِلُزُومِهَا - وَهُوَ غَيْرُ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فَلاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى نَحْوِ التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي مَوْتِ الْعَامِل وَلَمْ يَتْرُكْ تَرِكَةً، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ أَوْ تَعَذَّرَ الاِسْتِئْجَارُ مِنْهَا بِيعَ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَكْمِيل الْعَمَل وَاسْتُؤْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ أَيْ نَصِيبَ الْعَامِل هُوَ أَوْ وَارِثُهُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِالْعَمَل جَازَ لأَِنَّهُ مِلْكُهُ (2) .

ب - مُضِيُّ الْمُدَّةِ:
45 - الْغَالِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَقَدْ نَضِجَ الثَّمَرُ فَيَنْتَهِي الْعَقْدُ وَيُقْسَمُ الثَّمَرُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ يَحْدُثُ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَالثَّمَرُ فِجٌّ، وَالْقِيَاسُ يَقْضِي بِبُطْلاَنِ
__________
(1) الوجيز للغزالي 1 / 229.
(2) كشاف القناع 2 / 538، وانظر: الشرح الكبير مع المغني لابن قدامة 5 / 568 - 569.

الْعَقْدِ كَمَا يَقْضِي بِبُطْلاَنِهِ لِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، لَكِنَّ الاِسْتِحْسَانَ يَقْضِي بِبَقَائِهِ حُكْمًا هُنَا كَمَا قَضَى بِبَقَائِهِ هُنَاكَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَفْقَ الأَْحْكَامِ التَّالِيَةِ:
أ - يَتَخَيَّرُ الْعَامِل بَيْنَ الْمُضِيِّ فِي الْعَمَل عَلَى الشَّرْطِ حَتَّى يُدْرِكَ وَبَيْنَ تَرْكِهِ.
ب - إِذَا اخْتَارَ الْمُضِيَّ فِي الْعَمَل لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَجْرُ حِصَّتِهِ حَتَّى يُدْرِكَ الثَّمَرُ، لأَِنَّ الشَّجَرَ لاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ، وَهُوَ بِخِلاَفِ الْمُزَارَعَةِ حَيْثُ يَجِبُ الأَْجْرُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ (1) .
ج - الْعَمَل كُلُّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِل وَحْدَهُ هُنَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ الأَْجْرِ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ بِخِلاَفِ الْمُزَارَعَةِ، فَإِنَّ الْعَمَل فِيهَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَةِ - حِصَصِهِمَا، لأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْعَامِل مِنْ أَجْرِ الأَْرْضِ بِنِسْبَةِ نَصِيبِهِ مِنَ الْخَارِجِ وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ عَمَل مِثْل نِسْبَةِ نَصِيبِهِ مِنَ الْخَارِجِ، لأَِنَّ بِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ أَصْبَحَ الزَّرْعُ مَالاً مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا (2) .
وَإِنِ اخْتَارَ الْعَامِل التَّرْكَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى
__________
(1) الهداية 4 / 61، والاختيار 3 / 81.
(2) درر الحكام 3 / 515، والمبسوط 23 / 57، وبدائع الصنائع 6 / 184 - 185.

الْعَمَل، لَكِنَّهُ لاَ يُمَكَّنُ مِنْ قَطْفِ الثَّمَرِ فِجًّا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمَالِكِ وَيَتَخَيَّرُ هَذَا عِنْدَئِذٍ بَيْنَ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ سَابِقًا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَحْكَامِ انْفِسَاخِ الْمُسَاقَاةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي هَذَا الأَْمْرِ:
فَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَحْصُل الطَّلْعُ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِيمَا عَمِل وَيَضِيعُ تَعَبُهُ فِي الْمُدَّةِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرَةٌ، لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ الطَّلْعُ فَعِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ يَكُونُ التَّعَهُّدُ إِلَى الإِْدْرَاكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ عَلَيْهِمَا، وَلاَ يَلْزَمُ الْعَامِل لِتَبْقِيَتِهَا أُجْرَةً.
وَلأَِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْعَامِل يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرِ بِظُهُورِهِ وَانْعِقَادِهِ بَعْدَ الظُّهُورِ (1) .
وَإِنْ أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ قَبْل انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَجَبَ عَلَى الْعَامِل أَنْ يَعْمَل بَقِيَّتَهَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ (2) .

ج - الاِسْتِحْقَاقُ:
46 - إِذَا اسْتُحِقَّ الشَّجَرُ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ وَفَسَخَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُسَاقَاةَ تَنْفَسِخُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ حَصَل بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ فَلِلْعَامِل أَجْرُ مِثْلِهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّجَرِ،
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي 3 / 68، ومغني المحتاج 2 / 328، وروضة الطالبين 5 / 156.
(2) مغني المحتاج 2 / 328، وحاشية عميرة على شرح المنهاج 3 / 68.

وَإِذَا كَانَ قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرِ فَلاَ يَأْخُذُ الْعَامِل شَيْئًا.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اسْتَحَقَّ الْحَائِطَ بَعْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فِيهِ خُيِّرَ الْمُسْتَحِقُّ بَيْنَ إِبْقَاءِ الْعَمَل وَفَسْخِ عَقْدِهِ، لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّ الْعَاقِدَ لَهُ غَيْرُ مَالِكٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَدْفَعُ لَهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ بَعْدَ الْعَمَل مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِ الْمُسَاقِي كَأَنْ أَوْصَى بِثَمَنِ الشَّجَرِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ أَوْ خَرَجَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا فَلِلْعَامِل عَلَى الْمُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْل لِعَمَلِهِ، لأَِنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهَا، هَذَا إِذَا عَمِل جَاهِلاً بِالْحَال، فَإِنْ عَلِمَ الْحَال فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ قَبْل الْعَمَل (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ ظَهَرَ الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْعَمَل أَخَذَ الشَّجَرَ رَبُّهُ وَأَخَذَ ثَمَرَتَهُ لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلاَ حَقَّ لِلْعَامِل فِي ثَمَرَتِهِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ عَلَى رَبِّ الشَّجَرِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَل وَلِلْعَامِل عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لأَِنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ.
__________
(1) درر الحكام 3 / 515، وانظر حاشية ابن عابدين 5 / 181.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 546.
(3) المنهاج مع شرحه مغني المحتاج 2 / 331.

وَقَالُوا أَيْضًا: وَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الثَّمَرَةُ بَعْدَ أَنِ اقْتَسَمَهَا الْغَاصِبُ وَالْعَامِل وَأَكَلاَهَا فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُل وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ لأَِنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ يَدِ الْعَامِل فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْعَامِل قَدْرَ نَصِيبِهِ لِتَلَفِهِ تَحْتَ يَدِهِ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْكُل رَجَعَ عَلَى الْعَامِل بِقَدْرِ نَصِيبِهِ، وَيَرْجِعُ الْعَامِل عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لأَِنَّهُ غَرَّهُ (1) .

د - تَصَرُّفُ الْمَالِكِ:
47 - الْمُرَادُ بِتَصَرُّفِ الْمَالِكِ: بَيْعُ الْمَالِكِ الْحَدِيقَةَ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ هِبَتُهَا؛ أَوْ رَهْنُهَا، أَوْ وَقْفُهَا.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ يُشْبِهُ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيُّ: أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ بَاعَهَا قَبْل خُرُوجِ الثَّمَرَةِ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّ لِلْعَامِل حَقًّا فِي ثِمَارِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الأَْشْجَارِ وَنَصِيبُ الْمَالِكِ مِنَ الثِّمَارِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لأَِنَّهَا مَبِيعَةٌ مَعَ الأُْصُول، وَيَكُونُ الْعَامِل مَعَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ.
وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَحْدَهَا، لَمْ يَصِحَّ
__________
(1) المغني لابن قدامة 5 / 415، وكشاف القناع 3 / 539.

لِلْحَاجَةِ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَتَعَذُّرِهِ فِي الشَّائِعِ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ حَسَنٌ (1) .
قَال الطَّبَرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ قَال: سُئِل مَالِكٌ عَنِ الرَّجُل يَبْتَاعُ الأَْرْضَ وَقَدْ سَاقَاهَا صَاحِبُهَا رَجُلاً قَبْل ذَلِكَ سِنِينَ، فَقَال الْمُسَاقِي: أَنَا أَحَقُّ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَنِي (فَقَال) لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ سِقَائِهِ إِلاَّ أَنْ يَتَرَاضَيَا (2) .

هـ - الْفَسْخُ بِالإِْقَالَةِ وَالْعُذْرِ
48 - لَمَّا كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَقْدًا لاَزِمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِفَسْخِهَا، وَإِنَّمَا تُفْسَخُ بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:

الأَْمْرُ الأَْوَّل: الاِتِّفَاقُ الصَّرِيحُ عَلَى الْفَسْخِ وَالإِْقَالَةِ، وَلاَ يُخَالِفُ فِي هَذَا أَحَدٌ.
وَالَّذِينَ يَرَوْنَ مِنَ الْفُقَهَاءِ - كَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ - أَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، يَسْتَجِيزُونَ لِكِلاَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخَ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ وَعَلَى الْعَامِل إِتْمَامُ الْعَمَل، وَإِنْ وَقَعَ الْفَسْخُ قَبْل ظُهُورِ الثَّمَرَةِ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَسَخَ هُوَ الْعَامِل فَلاَ شَيْءَ لَهُ، لأَِنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ،
__________
(1) روضة الطالبين 5 / 167، 252 - 255.
(2) اختلاف الفقهاء للطبري ص 143.

وَإِنْ كَانَ الْمَالِكَ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل لِلْعَامِل لأَِنَّهُ مَنَعَهُ إِتْمَامَ عَمَلِهِ (1) .

الأَْمْرُ الثَّانِي: الْفَسْخُ بِالْعُذْرِ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: جَوَازُ الْفَسْخِ لِحُدُوثِ عُذْرٍ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ حَيْنَ الْعُذْرِ لَلَزِمَ صَاحِبَ الْعُذْرِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَصْل جَوَازِ الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: عَدَمُ جَوَازِ الْفَسْخِ بِالأَْعْذَارِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ وَهُوَ بِاتِّفَاقِهِمَا فَلاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِاتِّفَاقِهِمَا (2) .
(ر: إِجَارَةٌ ف 64 - 65) .

نَوْعَا الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ
الْعُذْرُ لِجِهَةِ الْعَاقِدَيْنِ نَوْعَانِ: عُذْرُ الْمَالِكِ، وَأَعْذَارُ الْعَامِل.

الأَْوَّل: عُذْرُ الْمَالِكِ:
49 - فَمِنْ عُذْرِ الْمَالِكِ أَنْ يَفْدَحَهُ دَيْنٌ لاَ يَجِدُ لَهُ قَضَاءً إِلاَّ بِبَيْعِ الشَّجَرِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَمْكَنَ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَامِل، كَأَنْ يَفْسَخَ قَبْل أَنْ يَعْمَل الْعَامِل أَوْ بَعْدَ أَنْ عَمِل
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 331، والشرح الكبير مع المغني 5 / 565 - 566، وكشاف القناع 3 / 537.
(2) القليوبي 3 / 80.

وَقَدْ أَدْرَكَ الثَّمَرُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ الأَْرْضَ بِدَيْنِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ يَفْسَخُ الْعَقْدَ وَلاَ تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ الْعُذْرِ.
وَتَجْوِيزُ الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الْحَال لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَالِكِ إِذَا كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِي الْعَقْدِ إِلاَّ بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى فَسْخِ الإِْجَارَةِ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْفَسْخُ إِلاَّ بِضَرَرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ أَنْ عَمِل الْعَامِل وَقَبْل أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلاَ أَنْ يَبِيعَ الشَّجَرَ، بَل يَبْقَى حُكْمُ الْعَقْدِ حَتَّى يَبْلُغَ الثَّمَرُ، فَعِنْدَئِذٍ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرِ، وَيَبِيعُ الشَّجَرَ فِي دَيْنِهِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ، لأَِنَّ الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَرِ، وَلإِِدْرَاكِهِ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَفِي الاِنْتِظَارِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي نَقْضِ الْمُعَامَلَةِ إِضْرَارٌ بِالْعَامِل مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ إِبْطَال حَقِّهِ مِنْ نَصِيبِ الثَّمَرِ، فَلِدَفْعِ الضَّرَرِ قُلْنَا: يُمْنَعُ الْمَالِكُ مِنْ بَيْعِ الشَّجَرِ، وَيَبْقَى الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا خَرَجَ مِنَ الثَّمَرِ (1) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِإِفْلاَسِ الْمَالِكِ إِذَا طَرَأَ الْفَلَسُ عَلَى الْعَقْدِ قَبْل الْعَمَل أَوْ بَعْدَهُ، بَل يُبَاعُ الشَّجَرُ عَلَى
__________
(1) المبسوط 23 / 101 - 102، وبدائع الصنائع 6 / 183، والاختيار 3 / 81.

أَنَّهُ مُسَاقًى وَلَوْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ، كَمَا تُبَاعُ الدَّارُ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ (1) .

الثَّانِي: أَعْذَارُ الْعَامِل:
50 - مِنْ أَهَمِّ أَعْذَارِ الْعَامِل:
أ - عَجْزُ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل.
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا عَجَزَ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوِ الشَّيْخُوخَةِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عَجَزَ الْعَامِل عَنِ الْعَمَل بِسَبَبِ الْمَرَضِ الَّذِي يُضْعِفُهُ عَنِ الْعَمَل، أَوِ الشَّيْخُوخَةِ، جَازَ فَسْخُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ إِلْزَامَهُ بِالْعَمَل بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْعَقْدِ، كَمَا لاَ يُؤْمَرُ بِاسْتِئْجَارِ مَنْ يَعْمَل عَمَلَهُ لأَِنَّ فِيهِ أَيْضًا إِلْحَاقَ ضَرَرٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فِي الْعَقْدِ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عَجَزَ الْعَامِل وَقَدْ حَل بَيْعُ الثَّمَرِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَل وَإِنْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَظِّهِ مِنَ الثَّمَرِ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ضَعُفَ الْعَامِل وَهُوَ أَمِينٌ، ضُمَّ إِلَيْهِ عَامِلٌ قَوِيٌّ أَمِينٌ وَلاَ تُنْزَعُ يَدُهُ، لأَِنَّ
__________
(1) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 3 / 546، ومواهب الجليل 5 / 383.
(2) المبسوط 23 / 102.
(3) بداية المجتهد 2 / 271.

الْعَمَل مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَلاَ ضَرَرَ فِي بَقَاءِ يَدِهِ.
أَمَّا إِنْ عَجَزَ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَامُ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَل عَلَيْهِ وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ، لأَِنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَل وَهَذَا مِنْ تَوْفِيَتِهِ (1) .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ لِطُرُوءِ الْمَرَضِ عَلَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَكَذَا الْهَرَبُ أَوِ الْحَبْسُ أَوِ الاِمْتِنَاعُ عَنِ الْعَمَل، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل أَوْ قَبْل الشُّرُوعِ فِيهِ.
قَالُوا: إِنْ تَبَرَّعَ غَيْرُهُ بِعَمَلِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُتَبَرِّعُ الْمَالِكَ، بَقِيَ حَقُّ الْعَامِل، لأَِنَّ مَا يُنْفِقُهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ يُعْتَبَرُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُتَبَرِّعُ أَجْنَبِيًّا فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ، إِذْ قَدْ لاَ يَرْضَى بِدُخُولِهِ مِلْكَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ غَيْرُهُ رُفِعَ الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لِلْعَامِل مَالٌ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَى ذِمَّتِهِ: اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّ الْعَمَل، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِ الْعَامِل لاَ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ فِي هَذِهِ الْحَال بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ الإِْبْقَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِل مَالٌ فَإِنْ ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ اسْتَأْجَرَ مِنْهَا، وَإِلاَّ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِئْجَارُ عَامِلٍ يَعْمَل بِمُؤَجَّلٍ إِلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فَعَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ
__________
(1) المغني مع الشرح الكبير 5 / 574 - 575.

غَيْرِهِ وَيُوَفَّى نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، أَوْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الإِْنْفَاقِ، لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَنْفَقَ.
أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَالِكُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ، أَوْ رَفَضَ الْحَاكِمُ إِجَابَتَهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْ إِثْبَاتِ دَعْوَاهُ مَرَضُ الْعَامِل أَوْ هَرَبُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَالِكِ الإِْشْهَادُ عَلَى مَا يُنْفِقُهُ أَوْ يَعْمَلُهُ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ أَوْ بِأُجْرَةِ مَا عَمِل، وَوَجَبَ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِالرُّجُوعِ فِي إِشْهَادِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِشْهَادُهُ كَذَلِكَ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ أَيْضًا لاَ رُجُوعَ لَهُ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَلَكِنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْفَسْخِ إِنْ شَاءَ (1) .
ب - سَفَرُ الْعَامِل، لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِمُطَالَبَةِ غَرِيمٍ لَهُ أَوِ الْحَجِّ.
ج - تَرْكُ حِرْفَتِهِ، لأَِنَّ مِنَ الْحِرَفِ مَا لاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهِ، وَلاَ مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْعَمَل.
وَمَعَ ذَلِكَ ذُكِرَتْ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - رِوَايَتَانِ فِي الْفَسْخِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ - الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَتَرْكِ الْحِرْفَةِ - وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْعِنَايَةِ
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي وعميرة 3 / 66، وانظر أيضًا حاشية الشرقاوي على شرح التحرير 2 / 85، والوجيز 1 / 228 - 229، وفتح الوهاب وحاشية البجيرمي عليه 3 / 380، ومغني المحتاج 2 / 330.

عَلَيْهَا أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَرْكِ الْعَمَل، غَيْرَ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا التَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهَا عُذْرٌ يُبِيحُ الْفَسْخَ إِذَا شَرَطَ عَلَى الْعَامِل أَنْ يَعْمَل بِنَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُذْرٍ مُبِيحٍ لِلْفَسْخِ إِذَا أَطْلَقَ، لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل مَنَابَهُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْفَسْخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ: فَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْفَسْخُ بِالْقَضَاءِ.
فَيَنْفَرِدُ ذُو الْعُذْرِ بِالْفَسْخِ، وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ أَوِ التَّرَاضِي (1) .
د - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَامِل لِصٌّ، يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الشَّجَرِ أَوِ الثَّمَرِ فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ (2) . وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَتْ خِيَانَةُ الْعَامِل بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ مِنَ الْعَامِل عَلَى الْمَالِكِ ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ إِلَى أَنْ يَتِمَّ الْعَمَل، وَعَلَى الْعَامِل أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ بِالْمُشْرِفِ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَال الْعَامِل عَامِلٌ يُتِمُّ الْعَمَل، وَعَلَى الْعَامِل أُجْرَةُ الْمُشْرَفِ أَيْضًا (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ:
__________
(1) الهداية وشروحها 8 / 49، وحاشية ابن عابدين 5 / 185، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 5 / 286.
(2) بدائع الصنائع 6 / 188، والمبسوط 23 / 101.
(3) الشرح الكبير مع المغني 5 / 573 - 574، وكشاف القناع 3 / 541.

وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانَةُ عَامِلٍ فِي الْمُسَاقَاةِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ إِلَى أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل وَلاَ تُزَال يَدُهُ، لأَِنَّ الْعَمَل حَقٌّ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَتَعَيَّنَ سُلُوكُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَأُجْرَةُ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ، نَعَمْ لَوْ لَمْ تَثْبُتِ الْخِيَانَةُ وَلَكِنِ ارْتَابَ الْمَالِكُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ وَأُجْرَتُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بِالْمُشْرِفِ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَال الْعَامِل مَنْ يُتِمُّ الْعَمَل لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعَمَل الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، نَعَمْ إِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ: أَنَّهُ لاَ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ بَل يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْخِيَارُ (1) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُتَحَفَّظَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّحَفُّظُ سَاقَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عَامِلاً آخَرَ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُتَّفَقُ عَلَى الْعَامِل الثَّانِي أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَوْ أَكْثَرَ فَالزِّيَادَةُ لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ (2) .

أَحْكَامُ الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال:
51 - إِذَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ قَبْل أَنْ يُثْمِرَ
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 331.
(2) بداية المجتهد 2 / 321، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 549.

الشَّجَرُ انْتَقَضَ الْعَقْدُ وَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل وَإِنْ كَانَ قَدْ سَقَى الشَّجَرَ وَقَامَ عَلَيْهِ وَحَفِظَهُ، لأَِنَّ الْمُسَاقَاةَ شَرِكَةٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ بِهِ تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَقِيل هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ اسْتِرْضَاءُ الْعَامِل فِي الدِّيَانَةِ.
وَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ أَزْهَرَ الشَّجَرُ أَوْ أَثْمَرَ وَلَمَّا يَنْضَجْ بَعْدُ فَالْحُكْمُ مَا يَأْتِي:
أ - يَبْقَى الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا فِي الْعَقْدِ حَتَّى يَكْتَمِل نُضْجُهُ.
ب - الْعَمَل فِي الشَّجَرِ فِيمَا بَقِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّهُ عَمَلٌ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَمَل فِيهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا.
ج - عَلَى الْعَامِل أَنْ يَدْفَعَ أَجْرَ مِثْل نِصْفِ الشَّجَرِ إِلَى الْمَالِكِ، لاِنْتِهَاءِ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ، وَفِي قَطْفِ الثَّمَرِ فِي حَالِهِ الرَّاهِنَةِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَفِي تَرْكِهِ بِلاَ أَجْرٍ إِضْرَارٌ بِصَاحِبِ الأَْرْضِ فَكَانَ فِي التَّرْكِ بِأَجْرِ الْمِثْل نَظَرٌ لِلطَّرَفَيْنِ.
د - وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الشَّجَرِ فِي هَذِهِ الْحَال، رِعَايَةً لِحَقِّ الْعَامِل إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهُ وَيُسْقِطَ حَقَّهُ (1) .
وَالْمَالِكِيَّةُ يُجِيزُونَ بَيْعَ الشَّجَرِ وَهُوَ مُسَاقًى وَلَوْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ إِلَى سِنِينَ كَمَا تُبَاعُ الدَّارُ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ (2) .
__________
(1) المبسوط 23 / 57 - 58، وبدائع الصنائع 6 / 184، ودرر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه 2 / 327.
(2) الشرح الكبير للدردير 3 / 546.

هـ - إِنِ اسْتُحِقَّتِ الأَْرْضُ أَوِ الشَّجَرُ كَانَ الثَّمَرُ لِلْمُسْتَحِقِّ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلشَّجَرِ وَيَرْجِعُ الْعَامِل عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الشَّجَرَ مُسَاقَاةً بِأَجْرِ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِل، لِفَسَادِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الثَّمَرِ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ مُسْتَوْفًى بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْل.
وَإِنْ حَدَثَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَ نُضْجِ الثَّمَرِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ (1) .

حُكْمُ الْجَائِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ
52 - إِذَا أُجِيحَ الْحَائِطُ كُلُّهُ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَهَذَا مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَال: إِنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: نَقَل الْمُتَوَلِّي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُثْمِرِ الأَْشْجَارُ أَصْلاً أَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِجَائِحَةٍ أَوْ غَصْبٍ، فَعَلَى الْعَامِل إِتْمَامُ الْعَمَل وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ، كَمَا أَنَّ عَامِل الْقِرَاضِ يُكَلَّفُ التَّنْضِيضَ وَإِنْ ظَهَرَ خُسْرَانٌ وَلَمْ يَنَل إِلاَّ التَّعَبَ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل وَتَكَامُل الثِّمَارِ (2) .
__________
(1) المبسوط 13 / 57 - 58، وبدائع الصنائع 6 / 184، ودرر الحكام وحاشية الشرنبلالي عليه 2 / 327.
(2) روضة الطالبين 5 / 163.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا هَلَكَ بَعْضُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَإِذَا أُجِيحَ بَعْضُ الْحَائِطِ سَقَطَ عَنْهُ بَعْضُ مَا أُجِيحَ مِنْهُ، إِذَا كَانَ لاَ يُرْجَى مِنْهُ ثَمَرَةٌ، وَمَا جُذَّ مِنَ النَّخْل لَمْ يَلْزَمْهُ سَقْيُهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْقِيَ مَا لَمْ يَجُذَّ حَتَّى يَجُذَّ وَإِنْ جَذَّ غَيْرُهُ قَبْلَهُ.
وَإِنْ أُجِيحَ ثُلُثُهُ فَصَاعِدًا فَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَامِل بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْمُسَاقَاةِ وَالإِْقَامَةِ عَلَيْهَا، وَالأُْخْرَى: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لاَزِمَةٌ لَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْجَائِحَةُ أَتَتْ عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ النَّخْل وَالشَّجَرِ بِعَيْنِهَا، فَتَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا وَحْدَهَا دُونَ مَا سِوَاهَا.
وَإِنْ أَتْلَفَتِ الْجَائِحَةُ أَقَل مِنْ ثُلُثِ الْحَائِطِ، فَالْمُسَاقَاةُ صَحِيحَةٌ لاَزِمَةٌ.
وَلَوِ انْهَارَتِ الْبِئْرُ انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ الْعَامِل أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ فِي صَلاَحِ الْبِئْرِ، وَيَكُونُ عَلَى مُسَاقَاتِهِ، وَيَرْتَهِنُ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنَ الثَّمَرَةِ بِمَا أَنْفَقَ، فَذَلِكَ لَهُ (1) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهَا فَلِلْعَامِل الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُتِمَّ الْعَمَل وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ (2) .
__________
(1) الكافي 2 / 109.
(2) روضة الطالبين 5 / 163.

13 - المساقاة والمزارعة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

13 - المساقاة والمزارعة
• * فضل المساقاة والمزارعة:.
• * حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة:.

فضل المساقاة والمزارعة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* فضل المساقاة والمزارعة:
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2320)، ومسلم برقم (1553).

حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة:
من الناس من يملك الأرض والشجر أو يملك الأرض والحب ولكن لا يستطيع سقيها والعناية بها، إما لعدم معرفته، أو لانشغاله، ومن الناس من يملك القدرة على العمل لكن ليس في ملكه شجر ولا أرض، فلمصلحة الطرفين أباح الإسلام المساقاة والمزارعة؛ عمارة للأرض، وتنمية للثروة، وتشغيلاً للأيدي العاملة التي تملك القدرة على العمل ولا تملك المال والشجر.
* المساقاة والمزارعة عقد لازم، ولا يجوز فسخها إلا برضى الآخر، ويشترط لها مدة معلومة ولو طالت، وأن تكون برضى الطرفين.
* يجوز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر بجزء معلوم مشاع من الثمرة، وبزرعه الأرض بجزء معلوم مشاع من المزروع.
عن ابن عُمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامَلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه (¬1).
* المخابرة: أن يجعل المزارع لصاحب الأرض ما على الجداول والسواقي أو يجعل له جانباً معيناً من الزرع، وهي محرمة؛ لأن في ذلك غرراً وجهالة وخطراً، فقد يسلم هذا ويهلك هذا فتقع الخصومة.
* تجوز إجارة الأرض بالنقود وبجزء معلوم مشاع مما يخرج منها كالنصف أو الثلث ونحوهما.
* تجوز معاملة الكفار في الزراعة والصناعة والتجارة والبناء ونحو ذلك بما لا يتنافى مع الشرع.
* يحرم على المسلم اقتناء الكلاب إلا ما فيه مصلحة، ككلب صيد، أو ماشية، أو زرع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنه يَنْقُصُ أجره قيراطان كل يوم)). متفق عليه (¬2).
* من أوقد النار في ملكه لغرض صحيح فطيرتها الريح فأحرقت مال غيره ولا يملك ردها فلا يضمنه.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2328)، واللفظ له، ومسلم برقم (1551).
(¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2322)، ومسلم برقم (1575)، واللفظ له.

17 - المساقاة والمزارعة

موسوعة الفقه الإسلامي

17 - المساقاة والمزارعة
- المساقاة: هي دفع شجر له ثمر إلى آخر ليقوم بسقيه بجزء معلوم مشاع من ثمره كالربع أو النصف ونحوهما، والباقي للمالك.
- المزارعة: هي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع مما يخرج منها كالنصف أو الربع ونحوهما، والباقي لمالك الأرض.
- فضل المساقاة والمزارعة:
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أوْ إِنْسَانٌ، أوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (¬1).
- حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة:
الله عز وجل قسّم الأرزاق والطاقات بين الناس، فمن الناس من يملك الأرض والشجر، أو يملك الأرض والحب، ولكنه لا يستطيع سقيها والعناية بها، إما لعدم معرفته، أو لانشغاله، أو لعدم قدرته، ومن الناس من يملك القدرة على العمل، لكنه لا يملك الأرض والشجر.
فلمصلحة الطرفين أباح الإسلام المساقاة والمزارعة؛ عمارة للأرض، وتنمية للثروة، وتشغيلاً للأيدي العاملة التي تملك القدرة على العمل، ولا تملك المال والشجر.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2320) , ومسلم برقم (1553).

الطريقة النافعة في المساقاة والمخابرة والمزارعة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الطريقة النافعة، في المساقاة والمخابرة والمزارعة
للشيخ، تقي الدين: علي بن عبد الكافي السبكي.
المتوفى: سنة 756، ست وخمسين وسبعمائة.
من المفاعلة التي تكون من الواحد، وهو قليل، نحو: سافر، وعافاه الله، والمساقاة: من السقي، لأن أصلها مساقية.
وذكر الجوهري: أن المساقاة: استعمال رجل رجلا في نخل أو كرم يقوم بإصلاحها ليكون له سهم معلوم من غلتها.
وشرعا: جاء في «الاختيار» : المساقاة: أن يقوم بما يحتاج إليه الشجر.
- وفي «أنيس الفقهاء» : دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره.
- وفي «الدستور» : معاقدة دفع الأشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمر بينهما، وبعبارة أخرى: هي المعاملة في الأشجار ببعض الخارج منها وتسمى معاملة في لغة مدنية.
قال ابن عرفة: المساقاة: عقد على عمل مئونة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل.
- وفي «التعريفات» : دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره.
- وفي «التوقيف» : معاقدة جائز التصرف مثله على نخل أو كرم مغروس معين مرئي مدة يثمر غالبا بجزء معلوم بينهما من الثمرة.
- وفي «الروض المربع» : دفع شجر له ثمر مأكول ولا غير مغروس إلى آخر ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره.
- وفي «المطلع» : أن يدفع الرجل شجرة إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره.
وفي «معجم المغني» مثل ذلك.
- وفي «المعاملات» : عقد على خدمة شجر ونخل وزرع بشروط مخصوصة.
- وفي «نيل الأوطار» : ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الذي يثمر بجزء معلوم من الثمرة للأجير.
«الزاهر في غرائب ألفاظ الإمام الشافعي ص 166، والاختيار 2/ 344، وفتح المعين ص 83، والكافي لابن عبد البر ص 381، وأنيس الفقهاء ص 274، 275، ودستور العلماء 3/ 251، وشرح الزرقانى على موطإ الإمام مالك 3/ 363، وشرح حدود ابن عرفة ص 508، والتعريفات ص 188، والتوقيف ص 653، والروض المربع ص 300، ومعجم المغني 5/ 554 5/ 226، والمطلع ص 262، والمعاملات 1/ 157، ونيل الأوطار 5/ 273».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت