نتائج البحث عن (الصلاة) 50 نتيجة

(الصَّلَاة) الدُّعَاء يُقَال صلى صَلَاة وَلَا يُقَال تصلية وَالْعِبَادَة الْمَخْصُوصَة المبينة حُدُود أَوْقَاتهَا فِي الشَّرِيعَة وَالرَّحْمَة وَبَيت الْعِبَادَة للْيَهُود وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد يذكر فِيهَا اسْم الله كثيرا}}
الصّلاة:[في الانكليزية] Prayer [ في الفرنسية] Priere هي فعلة من صلى وإنّما كتب بالواو التي أبدل منها الألف لأنّ العرب تفخّم أي تميلها إلى مخرج الواو، ولم تكتب بها أي بالواو في غير القرآن. ثم هي اسم لمصدر غير مستعمل وهو التّصلية يقال صلّيت صلاة ولا يقال تصلية، مأخوذة من الصّلا وهو العظم الذي عليه الأليتان. وذكر الجوهري أنّ الصلاة اسم من التّصلية، وكلاهما مستعملان، بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان فإنّ مصدرها لم يستعمل انتهى. وقيل أصل الصلاة صلاة بالتحريك قلبت واوها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وتلفظ بالألف وتكتب بالواو إشارة إلى الأصل، مثل الزكاة والحياة والرّبا، كذا في كليات أبي البقاء. فقيل الصلاة حقيقية لغوية في تحريك الصّلوين أي الأليتين، مجاز لغوي في الأركان المخصوصة لتحريك الصّلوين فيها، استعارة في الدعاء تشبيها للداعي بالراكع والساجد في التخشّع وفي المغرب إنّما سمّي الدعاء صلاة لأنّه منها. والمشهور أنّ الصلاة حقيقة في الدّعاء لغة مجاز في الرحمة لأنّها مسبّبة من الدّعاء، وكذا في الأركان المخصوصة لاشتمالها على الدّعاء، وربّما رجّح لورود الصلاة بمعنى الدّعاء قبل شرعية الصلاة المشتملة على الركوع والسجود، ولورودها في كلام من لا يعرف الصلاة بالهيئة المخصوصة. وقيل الصلاة مشتركة لفظية بين الدّعاء والرّحمة [فيكون] والاستغفار، وقيل بين الدّعاء والرّحمة فيكون الاستغفار داخلا في الدّعاء. وبعض المحقّقين على أنّ الصلاة لغة هو العطف مطلقا. لكنّ العطف بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى الرّحمة وبالنسبة إلى الملائكة الاستغفار وبالنسبة إلى المؤمنين دعاء بعضهم لبعض فعلى هذا تكون مشتركة معنوية، واندفع الإشكال من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ، ولا يحتاج في دفعه إلى أن يراد به معنى مجازي أعمّ من الحقيقي وهو إيصال النفع. فالإيصال واحد والاختلاف في طريقه.وفي التاج الصلاة من الله الرّحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدّعاء ومن الطّير والهوام التسبيح انتهى.اعلم أنّ معنى قولنا صلّ على محمد عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتضعيف أجره وتشفيعه في أمّته كما قال ابن الأثير. ولذا لا يجوز أن يطلق بالنسبة إلى غيره إلّا تبعا. وقيل الرحمة. وقيل معنى الصلاة على النبي الثّناء الكامل إلّا أنّ ذلك ليس في وسع العباد فأمرنا أن نوكّل ذلك إلى الله تعالى كما في شرح التأويلات. وفي المغني معناه العطف كما مر.فائدة:الصلاة على النبي واجب شرعا وعقلا.

أمّا شرعا فلقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ. وأمّا عقلا فلأنّ استفادة القابل من المبدأ تتوقّف على مناسبة بينهما، وهذه المقدّمة ضرورية مذكورة في براهين العلوم الحقيقية التي لا تتغيّر بتبدّل الملل والأديان وإن وقع فيها نوع خفاء بالنسبة إلى الأذهان القاصرة. ألا ترى أنّه كلما كانت المناسبة بين المعلّم والمتعلّم أقوى كانت استفادة المتعلّم منه أكثر، وكلّما كان الحطب أيبس كان أقبل للاحتراق من النار بسبب المناسبة في اليبوسة. ولذا كان الأدوية أشدّ تأثيرا في الأبدان المتسخّنة. ولهذه المقدمة أمثلة لا تكاد تنحصر. ولا شك أنّ النّفس الناطقة في الأغلب منغمسة في العلائق البدنية أي متوجّهة إلى تدبير البدن وتكميله بالكلية مكدّرة بالكدورات الطبيعية الناشئة من القوة الشهوية، وذات المفيض عزّ اسمه في غاية التّنزّه عنها فليست بينهما بسبب ذلك مناسبة يترتّب عليها فيضان كمال. فلا جرم وجب عليها الاستعانة في استفاضة الكمالات من تلك الحضرة المنزّهة بمتوسّط يكون ذا جهتين:التجرّد والتعلّق، ويناسب بذلك كلّ واحد من طرفيه باعتبار حتى يقبل ذلك المتوسّط الفيض عن المبدأ الفيّاض بتلك الجهة الروحانية التجرّدية، وتقبل النفس منه أي من ذلك المتوسّط الفيض بهذه الجهة الجسمانية التعلّقية؛ فوجب لنا التوسّل في استحصال الكمالات العلمية والعملية إلى المؤيّد بالرئاستين الدينية والدنيوية، مالك أزمّة الأمور في الجهتين التجرّدية والتعلّقية، وإلى أتباعه الذين قاموا مقامه في ذلك بأفضل الفضائل، أعني الصلاة عليه أصالة وعليهم تبعا، والثناء عليه بما هو أهله ومستحقّه من كونه سيّد المرسلين وخاتم النبيين، وعليهم بكونهم طيّبين طاهرين عن رجس البشرية وأدناسها. فإن قيل هذا التوسّل إنّما يتصوّر إذا كانوا متعلّقين بالأبدان، وأمّا إذا تجرّدوا عنها فلا، إذ لا جهة مقتضية للمناسبة.قلنا يكفيه أنّهم كانوا متعلّقين بها متوجّهين إلى تكميل النفوس الناطقة بهمة عالية، فإنّ أثر ذلك باق فيهم. ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدّة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر ويشهدون به.وقد قال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي رحمة الله عليه في كتاب: «مدراج النبوّة» في بيان وجوب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم من قبل أمته: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أحسن إلينا بهدايتنا، ومنحنا الأمل بشفاعته في الآخرة. ولهذا أمرنا سبحانه وتعالى بقضاء حقّه علينا في إحسانه إلينا في الدنيا كما أمرنا بالتقرّب منه والارتباط الباطني به بسبب رجاء شفاعته في الآخرة، وقد علم الله منّا سبحانه العجز عن أداء حقّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لهدايتنا في الدنيا، وكذلك عدم قدرتنا على تحصيل وسائل القرب من النبي صلّى الله عليه وسلّم من أجل نوال شفاعته في الآخرة.لذلك فإنّه أمرنا بالدّعاء له والاتّكال على الله والطلب إليه أن يبلّغ عنا نبيه ذلك الدّعاء، وطلب الرحمة كما هو لائق بجنابه ومقامه. وثمة اختلاف حول حكم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم. والمختار أنّه فرض مرة واحدة في العمر بدليل أنّ صيغة الأمر التي هي للوجوب لا تقتضي التكرار.

وقال بعضهم: بل هي واجبة. والإكثار منها بلا تحديد وقت ولا تعيين عدد. وذلك لأنّه سبحانه أمر بذلك ولم يعيّن لذلك وقتا ولا عددا. وعليه فيجب علينا ما وسعنا ذلك في أيّ وقت وبأيّ قدر أن نؤدّي ذلك الأمر.

وقال بعضهم: إنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم تجب كلّما ذكر اسمه الشريف. وقال بعضهم:هذا هو المختار.

وقال في المواهب (اللدنية): وممن يقول بهذا الطحاوي وجماعة من الحنفية وبعض الشافعية والمالكية واستدلّوا بحديث: «رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي وصحّحه الحاكم وإنّ حديث: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». أخرجه الطبراني. وعن علي رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي. لأنّ الوعيد على الترك من علامات الوجوب، وأيضا: إنّ فائدة الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو نوع من المكافأة على إحسانه، وإحسانه مستمر ودائم. إذن فيجب كلما ذكر. كما أنّ الصلاة شكر لله على نعمه، والنعم الإلهية هي دائمة في كلّ زمان، فعليه وجبت الصلاة في الأوقات الشريفة.ولكن جمهور العلماء رجّحوا القول الأول وقالوا: إنّ وجوب الإكثار ووجوب التكرار للصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم لم ينقل عن أحد من الصحابة، فيكون هذا القول إذن مخترعا. وأمّا من حيث النصّ الذي يعتمد عليه في هذا الباب فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً فهو وإنّ كان بصيغة الأمر إلا أنها لا تقتضي ولا توجب التكرار، ولا تحتمل أيضا التكرار كما هو مصرّح به في كتب الأصول. وأيضا: لا توجد عبادة في الشرع واجبة بدون تعيين وقتها وعددها ومقدارها، أضف إلى ذلك أن تكون مستمرة ودائمة مع هذه الجهالة. ولو كانت الصلاة على النبي واجبة في كلّ وقت يذكر فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم للزم من ذلك وجوبها على كل مؤذّن وسامع للأذان ومقيم للصلاة وسامع للإقامة. وكذلك على كلّ قارئ للقرآن متى ورد ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيها. ويدخل في ضمن ذلك من قال كلمات الشهادتين أو ممن سمعها وكذلك على وجه الخصوص من يدخل في الاسلام الذي لا بدّ له من النطق بالشهادتين وأمثال ذلك، بينما الواقع المنقول عن السلف والخلف خلاف ذلك. ويؤيّده أنّ الحمد والثناء على الله سبحانه ليس واجبا كلما ذكر اسم الله. فإذن كيف يصير واجبا الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في كلّ وقت يذكر فيه؟وأجابوا عن تلك الأحاديث المشار إليها بأنّها على سبيل المبالغة والتأكيد، وهي إنّما ترد بحق من لم يصلّ أبدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقال بعضهم: تجب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في كلّ مجلس مرة واحدة ولو تكرر ذكر اسمه الشريف.

وقال بعض آخر: هو واجب في الدعاء.

وقال غيرهم: هو واجب في أثناء الصلاة.وهذا القول منسوب لأبي جعفر محمد الباقر.

وقال آخرون: هو واجب في التشهّد.وهذا قول الشعبي وإسحاق.

وقال بعضهم: هو واجب في آخر الصلاة قبل السلام، وهذا قول الشافعي. وقال بعض آخرون: هو واجب حينما تتلى الآية الكريمة:يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، أو عند ما تسمع وخاصة عند ما يتلوها الخطيب يوم الجمعة، فتجب على السامعين أن يقولوها بقلوبهم وذلك أنّ الصمت أثناء الخطبة واجب فلا أقلّ من أن تقال سرا بالقلب.ولكن جمهور العلماء متفقون على أنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي سنّة مؤكّدة وواجبة في العمر مرة واحدة. وأمّا في المقامات المشار إليها فليست بواجبة بل هي حينا سنّة مؤكّدة وحينا مستحبة.والثابت المحقق أنّه بعد ذكر اسم الله تعالى وحمده والثناء عليه وتلاوة القرآن فإنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي أفضل الأذكار. ولا يمكن حصر الفوائد والفضائل والنتائج والعوائد لتلك الصلاة، وهي وراء العد والبيان وخارجة عن الحدّ. وهي تشتمل خيرات وبركات وحسنات ومثوبات الدنيا والآخرة. والدليل والحجة لهذا هو قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. فهو سبحانه وتعالى بذاته الشريفة يهتم بهذا الأمر ثم الملائكة يتابعون، وعلى سبيل الاستمرار والدوام على ذلك العمل هم قائمون، كما أنّ لفظة «يصلّون» تدلّ على ذلك إلى أن يأمر ربّ العالمين كلّ مؤمن بذلك اتّباعا واقتداء، أي كلما صلّى الإله وملائكته على النبي فعليكم أيضا أيها المؤمنون أن تصلّوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وبما أنّ حقّ النبي عليكم ثابت فواجب عليكم زيادة على الصلاة المفروضة أن تصلّوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتأكيد، وذلك هو السلام. وكيف لا يكون ذلك أفضل طالما أنّ ربّ العزّة يضاعف ثواب من يفعل ذلك عشر رحمات (مرات). أي كما روي في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه (بها) عشرا». وعن أنس رضي الله تعالى عنه: «من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيات ورفعت له عشر درجات». رواه النسائي.كما روي عن أبي طلحة ما معناه: طلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم ويرى عليه أثر السرور في وجهه المبارك، فقالوا: يا رسول الله: ما السّبب في ظهور السرور على وجهك المملوء بالنور؟ فقال: أتاني جبريل وقال: أما يرضيك يا محمد بأنّ ربّك يقول: ما من أحد من أمتّك يصلّي عليك إلّا صلّيت عليه عشر صلوات وتسليمات.وجاء في حديث آخر بما معناه كلّ من صلّى عليّ صلاة، صلّى الله عليه ما دام يصلّي علي. فليقل أحدكم أو يكثر. وفي رواية أخرى: فإنّ ملائكة الله يصلّون عليه سبعين صلاة. فليقل العبد أو يكثر.

ويقول المؤلّف: السبعون في الحديث ليست للحصر بل هي أكثر من ذلك بحسب التقوى والمحبة والإخلاص. وفي التخيير بين القلة والكثرة نوع من التهديد لأنّ التخيير بعد الإعلام بوجود الخير في الأمر المخبر به يتضمن التحذير من التفريط والتقصير فيه.وجاء عن عبد الله بن مسعود ما ترجمته:أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: أقربكم مني يوم القيامة أكثركم صلاة علي. وجاء في حديث آخر ما معناه: أنجاكم من أحوال وشرور يوم القيامة أكثركم صلاة علي.ونقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما معناه: أنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم تخفّف الذنوب وتزيلها أكثر مما يطفئ الماء البارد النار. وبالإجمال: فإنّ الصلاة على تلك الذات الشريفة هي منبع الأنوار والبركات ومفتاح كلّ الخيرات ومصدر كمال الحسنات ومظهر السعادة. وهي لأهل السلوك مدخل لفتح الأبواب. وكثير من المشايخ قالوا: في حال فقدان الشيخ الكامل الذي يرشد ويربّي السّالكين فإنّ الالتزام بالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي الطريق الموصل للطالب الصادق والمريد الواثق. وكلّ من أكثر من الصلاة عليه فإنّه يراه في المنام وفي اليقظة.وقال مشايخ الشاذلية التي هي شعبة من الطريقة القادرية: إنّ طريق السلوك لتحصيل المعرفة والقرب الإلهي في زمان فقدان الولي الكامل والمرشد الهادي إنما يكون بالتزام ظاهر الشريعة وإدامة الذّكر والتفكّر وكثرة الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه يظهر نور من كثرة الصلاة في باطن المريد، وبه يتضح له الطريق، وتصله الإمدادات من الرسول صلّى الله عليه وسلّم بدون واسطة. ورجّح بعضهم وفضّلوا الصلاة على الذّكر من حيث التوسّل والاستمداد، ولو أنّ الذّكر في حدّ ذاته أشرف وأفضل.هذا خلاصة ما في مدارج النبوة وشرح المشكاة وسفر السعادة. وفي كليات أبي البقاء وكتابة الصلاة في أوائل الكتاب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاري وغيره من القدماء عاريا عنها. ثم الصلاة عند الفقهاء عبارة عن الأركان المخصوصة من التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعود.والصلاة المطلقة هي التي إذا أطلقت لفظة الصلاة ولم تقيّد شملتها، فصلاة الجنازة والصلاة الفاسدة كصلاة التطوع راكبا في المصر ليستا بصلاة مطلقة إذ لو حلف لا يصلّي لا يحنث بها. وقيل هي صلاة ذات ركوع وسجود وهذا بظاهره لا يتناول صلاة المومئ المريض والراكب في السفر كذا في البرجندي. والصلاة عند الصوفية عبارة عن واحدية الحق تعالى وإقامة الصلاة إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات. فالوضوء عبارة عن إزالة النقائص الكونية، وكونه مشروطا بالماء إشارة إلى أنّها لا تزول إلّا بظهور آثار الصفات الإلهية التي هي حياة الوجود، لأنّ الماء سرّ الحياة وكون التيمم يقوم مقام الطهارة للضرورة إشارة إلى التزكّي بالمخالفات والمجاهدات والرياضات. فهذا ولو تزكّى عسى أن يكون فإنّه أنزل درجة ممّن جذب عن نفسه فتطّهر من نقائصها بماء حياة الأزل الإلهي وإليه أشار عليه السلام بقوله (آت نفسي تقوها وزكّها أنت خير من زكّاها)، أي الجذب الإلهي لأنّه خير من التّزكّي بالأعمال والمجاهدات. ثم استقبال القبلة إشارة إلى التوجّه في طلب الحقّ.ثم النية إشارة إلى انعقاد القلب في ذلك التوجّه. ثم تكبيرة الإحرام إشارة إلى أنّ الجناب الإلهي أكبر وأوسع ممّا عسى أن يتجلّى به عليه فلا تعبده بمشهد بل هو أكبر من كلّ مشهد ومنظر ظهر به على عبده فلا انتهاء له.وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأنّ الإنسان هو فاتحة الوجود، فتح الله به أقفال الموجودات، فقراءتها إشارة إلى ظهور الأسرار الربانية تحت الأستار الإنسانية. ثم الركوع إشارة إلى شهود انعدام الموجودات الكونية تحت وجود التجلّيات الإلهية. ثم القيام عبارة عن مقام البقاء، ولذا تقول فيه سمع الله لمن حمده. وهذه كلمة لا يستحقّها العبد لأنّه أخبر عن حال إلهي. فالعبد في القيام الذي هو إشارة إلى البقاء خليفة الحقّ تعالى. وإن شئت قلت عينه ليرتفع الإشكال. فلهذا أخبر عن حال نفسه بنفسه أعني ترجم عن سماع حقّه ثناء خلقه وهو في الحالين واحد غير متعدّد. ثم السجود عبارة عن سحق آثار البشرية ومحقها باستمرار ظهور الذات المقدّسة، ثم الجلوس بين السجدتين إشارة إلى التحقّق بحقائق الأسماء والصفات لأنّ الجلوس استواء في القعدة وذلك إشارة [إلى] قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. ثم السجدة الثانية إشارة إلى مقام العبودية وهو الرجوع من الحق إلى الخلق، ثم التحيّات فيها إشارة إلى الكمال الحقيّ والخلقي لأنّه عبارة عن ثناء على الله تعالى وسلام على نبيّه وعلى عباده الصالحين، وذلك هو مقام الكمال. فلا يكمل الولي إلّا بتحققه بالحقائق الإلهية وباتّباعه لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبتأدّبه بسائر عباد الله الصالحين، كذا في الإنسان الكامل.
الصلاة الوسطى:[في الانكليزية] Intermediate prayer (prayer of midday or of the morning)[ في الفرنسية] priere mediane (priere du midi ou celle du matin)وذلك كناية عن فضيلتها. وفي تعيين هذه الصلاة ثمّة اختلاف. ففي قول السيّدة عائشة أمّ المؤمنين وزيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهما أنّها صلاة الظهر، والسبب أنّه يوجد قبلها صلاتان: إحداهما ليلية والثانية نهارية، أي العشاء والفجر. ثم بعدها صلاتان على نفس المنوال أي العصر والمغرب. وثمّة أحاديث مؤيّدة لرأيهما.وهي عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن عباس، رضي الله عنهم أنّها صلاة الصبح وذلك لأنها بين صلاتين نهاريتين وصلاتين ليليتين فتكون صلاة الصبح هي الحدّ الفاصل بينهما، وبيان ذلك أنّها أي صلاة الصبح تعتبر نهارية من وجه، أي باعتبار الشرع الذي يرى أنّ الفجر الصادق هو بداية النهار، وهي من جهة أخرى ليلية باعتبار العرف واللغة حيث يعتبر بداية النهار من طلوع الشمس.ولكن الصلاة الوسطى في رأي أكثر العلماء من الصّحابة والتابعين والأئمّة كأبي حنيفة وأحمد وغيرهم إنّما هي صلاة العصر.

وعلى هذا الرأي يحمل قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، ودليلهم أحاديث كثيرة، منها: ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم الخندق: «حبسونا عن الصلاة الوسطى (صلاة العصر) ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا»، متفق عليه.إذن في هذه الحالة لم يبق مجال للاختلاف، وإنّما يمكن أن يكون الاختلاف فيما بين الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم حول تعيين المقصود بالصلاة الوسطى إنّما كان قبل سماع هذا الحديث، وإنّما اجتهدوا في تأويل الآية، ولكن بعد ثبوت هذا الحديث فقد تعيّن المراد بأنّها صلاة العصر. هكذا في شرح المشكاة للشيخ عبد الحقّ الدهلوي.
الصَّلَاة: عَن أَحْوَال السُّلْطَان الثَّانِي كتب فِي (مرْآة الاسكندري فِي تَارِيخ سلاطين كجرات) أَن شخصا مُسلما من أحد الْقرى أَتَى السُّلْطَان مَحْمُود وَقَالَ لَهُ أَنا أَبُو بَنَات وَلم أعد قَادِرًا على تَقْدِيم الْخَيْر لَهُنَّ وَفِي هَذِه اللَّيْلَة رَأَيْت جمال وَجه ذِي الْكَمَال مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَام وَقَالَ لي أَن مَا تريده هُوَ (تنكه) (أَي مائَة وَخَمْسَة وَعشْرين ألف) فَاذْهَبْ وخذها من السُّلْطَان مَحْمُود واعطه دَلِيلا على ذَلِك بِأَنَّهُ يُرْسل السَّلَام لنا يوميا مائَة ألف مرّة، فَقَالَ السُّلْطَان أَن الذَّهَب الَّذِي تريده سأعطيك إِيَّاه أما الدَّلِيل الَّذِي قلت عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ وَاقع،فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَقُول مَا سمعته من حبيب الله. وللمصادفة فَإِن السُّلْطَان رأى فِي مَنَامه الْوَاقِعَة نَفسهَا فَأصْبح مَا قيل وَاقعا وَقَالَ لَهُ الرَّسُول فِي الْمَنَام إِن السَّلَام الْوَاحِد الَّذِي تَقوله كل يَوْم يعادل ثَوَاب مائَة ألف سَلام، وَهَذَا السَّلَام الْمُعظم هُوَ:((اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد بِعَدَد أنفاس الْمَخْلُوقَات، وصل على مُحَمَّد بِعَدَد أشعار الموجودات، وصل على مُحَمَّد بِعَدَد حُرُوف اللَّوْح والدعوات، وصل على مُحَمَّد بِعَدَد البدايات والنهايات من الموجودات والمعدومات إِلَى أَبَد الآبد من أول أزمنته وأواسط عصره وَآخر بَقَائِهِ، وصل على مُحَمَّد بِعَدَد سكان الْأَرْضين وَالسَّمَوَات، وصل على خير خلقه مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ)) . وَفِي صباح تِلْكَ اللَّيْلَة استدعى السُّلْطَان ذَلِك الرجل وَأَعْطَاهُ كل مَا طلب وَزَاد عَلَيْهَا أَن ولاه وَظِيفَة. (انْتهى) .
الصَّلَاة: فِي اللُّغَة الْغَالِبَة الدُّعَاء قَالَ الله تَعَالَى {{وصل عَلَيْهِم}} أَي ادْع لَهُم. وَقيل تَحْرِيك الصلوين وهما العظمان اللَّذَان عَلَيْهِمَا الركبتان وَالْمُصَلي أَيْضا يُحَرك صلويه فِي الرُّكُوع وَلِهَذَا نقلت إِلَى أَرْكَان مَخْصُوصَة وأذكار مَعْلُومَة بشرائط محصورة فِي أَوْقَات مُعينَة مقدرَة فِي الشَّرْع. وَالدُّعَاء طلب الرَّحْمَة لَكِن إِذا أسندت إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يُقَال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تجرد عَن معنى الطّلب وَيُرَاد بهَا الرَّحْمَة مجَازًا لِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الطّلب كَمَا جرد اسرى عَن اللَّيْل فِي قَوْله تَعَالَى {{أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا}} وَقَالُوا الصَّلَاة من الله تَعَالَى رَحْمَة وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار وَمن الْمُؤمنِينَ دُعَاء وحقيقتها رَاجِعَة إِلَى نزُول الرَّحْمَة فِي الْكلوعرفوها أَيْضا بإيصال الْخَيْر إِلَى الْغَيْر فعلى هَذَا لَا يرد مَا يرد على مَا قيل إِن الصَّلَاة بِمَعْنى الدُّعَاء من أَن الصَّلَاة الَّتِي بِمَعْنى الدُّعَاء إِذا اسْتعْملت بعلى لَا بُد وَأَن تكون بِمَعْنى الضَّرَر إِذْ الدُّعَاء الْمُسْتَعْمل بِاللَّامِ بِمَعْنى النَّفْع والمستعمل بعلى بِمَعْنى الضَّرَر وَطلب الضَّرَر على النَّبِي يُوجب الْكفْر والحرمان من شَفَاعَته. وَفِي غَايَة الْهِدَايَة وَجَوَابه أَولا بِأَن الْكَلِمَة المستعملة بتينك الحرفين كَذَلِك وَإِلَّا فَلَا وَالصَّلَاة لَا تسْتَعْمل إِلَّا بعلى وَفِيه أَن السَّلَام لَيْسَ كَذَلِك مَعَ أَنه مُسْتَعْمل بهما مثل قَوْله تَعَالَى {{وَسَلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَسَلام على الياسين}} أَقُول يُمكن التَّخْصِيص بِأَن الدُّعَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَذَلِك لَا كل كلمة وَثَانِيا أَقُول لَا يلْزم كَون المترادفين متوافقين فِي الِاسْتِعْمَال كالأهل والآل فَالثَّانِي لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي ذَوي الشرافة وَلَا يسْتَعْمل مُضَافا إِلَى الزَّمَان وَالْمَكَان وَغير ذَلِك بِخِلَاف الأول.وثالثا بِأَن هَذَا مَخْصُوص بِلَفْظ الدُّعَاء وَفِيه إِن شهد لَك وَشهد عَلَيْك وَحجَّة لَك وَحجَّة عَلَيْك وَغَضب لَك وَغَضب عَلَيْك كَذَلِك أَقُول هَذَا تَخْصِيص بِالْإِضَافَة إِلَى مَا فِي مَعْنَاهُ فَيكون تَخْصِيصًا إضافيا لَا حَقِيقِيًّا انْتهى. وَفِي آخر كنز الدقائق فِي مسَائِل شَتَّى وَلَا يصلى على غير الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة إِلَّا بطرِيق التبع.وَالصَّلَاة فِي الشَّرْع عبارَة عَن الْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة الْمَعْهُودَة مَعَ الشَّرَائِط والأركان الْمَخْصُوصَة الْمَذْكُورَة فِي الْفِقْه، فَإِن قلت، مَا الدَّلِيل على أَن الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة خمس، قلت، قَوْله تَعَالَى {{حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى}} لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عددا لَهُ عدد وسط وواو الْجمع للْعَطْف الْمُقْتَضِي للمغايرة. وَأقله خمس ضَرُورَة. فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي كَون الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء أَربع رَكْعَات وَالصُّبْح رَكْعَتَيْنِ وَالْمغْرب ثَلَاثًا. قُلْنَا كل صَلَاة مِنْهَا صلاهَا نَبِي من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام. فَإِن الْفجْر صَلَاة آدم عَلَيْهِ السَّلَام حِين خرج من الْجنَّة وأظلمت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وجن عَلَيْهِ اللَّيْل فَلَمَّا انْشَقَّ الْفجْر صلى رَكْعَتَيْنِ. الاولى شكرا للنجاة من ظلمَة اللَّيْل. وَالثَّانيَِة شكرا لرجوع ضوء النَّهَار وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا. وَالظّهْر صَلَاة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أَمر بِذبح وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ عِنْد الزَّوَال. الرَّكْعَة الأولى شكرا لزوَال هم الْوَلَد، وَالثَّانيَِة لمجيء الْفِدَاء، وَالثَّالِثَة لرضى الله تَعَالَى، وَالرَّابِعَة شكرا لصبر وَلَده وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا. وَالْعصر صَلَاة يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام حِين نجاه الله تَعَالَى من أَربع ظلمات ظلمَة الذلة وظلمة الْبَحْر وظلمة الْحُوت وظلمة اللَّيْل وَكَانَ مُتَطَوعا فَفرض علينا. وَالْمغْرب صَلَاة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام الرَّكْعَة الأولى لنفي الألوهية عَن نَفسه وَالثَّانيَِة لنفي الألوهية عَن أمه وَالثَّالِثَة لإِثْبَات الألوهية لله تَعَالَى. وَالْعشَاء صلاهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين خرج من المداين وضل الطَّرِيق وَكَانَ فِي غم الْمَرْأَة وغم عَدَاوَة فِرْعَوْن وغم أَخِيه هَارُون وغم أَوْلَاده وشكر الله تَعَالَى حِين أَنْجَاهُ من الْغَرق وَأغْرقَ عدوه فَلَمَّا أَنْجَاهُ من ذَلِك كُله وَنُودِيَ من شاطئ الْوَادي صلى أَرْبعا تَطَوّعا فَأمرنَا بذلك لينجينا الله تَعَالَى من الشَّيْطَان الرَّجِيم كَذَا فِي جَوَاهِر الْحَقَائِق قَالَ قَائِل:(صَلَاة الْفجْر صلاهَا أَبونَا...صَلَاة الظّهْر صلاهَا الْخَلِيل)

(صَلَاة الْعَصْر يُونُس ثمَّ عِيسَى...على وَقت الْغُرُوب لَهُ دَلِيل)

(صَلَاة اللَّيْل صلاهَا كليم...فَأوجب خَمْسَة رب جليل)

اعْلَم أَن الإِمَام الرَّازِيّ نقل فِي التَّفْسِير الْكَبِير اتِّفَاق الْمُتَكَلِّمين على أَن من عبد ودعا لأجل الْخَوْف من الْعقَاب. والطمع فِي الثَّوَاب لم تصح عِبَادَته وَلَا دعاؤه ذكر ذَلِك عِنْد قَوْله تَعَالَى {{ادعوا ربكُم تضرعا وخفية}} وَجزم فِي أَوَائِل تَفْسِير الْفَاتِحَة بِأَنَّهُ لَو قَالَ أُصَلِّي لثواب الله والهرب عَن عِقَابه فَسدتْ صلَاته انْتهى.وَاعْلَم أَن المصنفين رَحِمهم الله تَعَالَى من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يصلونَ على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعَلى آله الطيبين الطاهرين بِزِيَادَة كلمة (على) ردا للشيعة وَيَقُولُونَ وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وعَلى آله مثلا بِخِلَاف الشِّيعَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وَآله مثلا بِدُونِ كلمة (على) وينقلون فِي ذَلِك حَدِيثا عَن النَّبِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَيْثُ قَالُوا قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من فصل بينى وَبَين آلى بعلى لم ينل شَفَاعَتِي وَفِي رِوَايَة فقد جفاني - وَقيل فِي الْجَواب إِن الحَدِيث بعد تَسْلِيم صِحَّته مَخْصُوص بِحَال تشهد الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة وَقيل إِنَّه مَخْصُوص بِالْفَصْلِ بَين اسْمه الْمُقَدّس أَعنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَين آله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَفِيه أَنه وَقع كَذَلِك فِي الْأَدْعِيَة المأثورة وَقيل إِن الْفَصْل بِمَعْنى الْفرق أَي من فرق بيني وَبَين آلى بعلى أَي بِكَلِمَة على أَي فرق بَين الدُّعَاء لَهُم بِأَن يسْتَعْمل الدُّعَاء الَّذِي لنا بِاللَّامِ وَالدُّعَاء الَّذِي لَهُم بِكَلِمَة على وَحَاصِله أَن من صلى عَليّوَلعن عَلَيْهِم نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك لم ينل شَفَاعَتِي - وَالْأولَى فِي الْجَواب بل التَّحْقِيق الْحقيق بِالصَّوَابِ أَن يُقَال إِن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ بِصَحِيح الرِّوَايَة وَلِهَذَا وَقعت المناقشة فِيمَا بَين الشِّيعَة فِي صِحَّته أَيْضا وَمن يَقُول مِنْهُم بِصِحَّتِهِ يقْرَأ صُورَة حرف الْجَرّ اسْمه كرم الله وَجهه وَيحمل الْبَاء على السَّبَبِيَّة وَيَقُول إِن الْمَعْنى أَن من فصل بيني وَبَين آلى بِسَبَب عداوته وخصومته لعَلي كرم الله وَجهه فَلم ينل شَفَاعَتِي - وَإِن سلمنَا أَن الحَدِيث صَحِيح فَالْوَاجِب حمله على هَذَا إِذْ من المستبعد جدا أَن يحكم بالحرمان من شَفَاعَته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمُجَرَّد إِيرَاد كلمة على بَين النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَآله الْكِرَام، والمحروم من شَفَاعَته عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا هُوَ الْكَافِر وَوجه وجوب الصَّلَاة على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَآله الْعِظَام مَذْكُور فِي الْحَمد.
  • الصلاة
الصلاة[هي في الأصل: الإقبال على شيء . ومنه: الركوع، ومنه: التعظيم، والتضرّع والدعاء. وهي كلمة قديمة، بمعنى الصلاة والعبادة. جاءت في الكلدانية بمعنى الدعاء والتضرّع . وفي العبرانية بمعنى الصلاة والركوع .ومن هذا الأصل صلِيَ النارَ: أقبل عليها، ثم بمعنى دخل النار، كما قال تعالى:{{سَيَصْلَى نَارًا}} .وأيضاً: {{وَيَصْلَى سَعِيرًا}} .ومنه: التصلية، كما قال تعالى: {{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}} . واستعملت العرب كل ذلك ] .جهات الصلاة (من أصول الشرائع أيضاً) . هي: إقرارٌ بالتوحيد. وذكرٌ لعهدنا بعبوديته الخالصة. والذكرُ هو الذي يجعل المعتقد به راسخاً في النفس حتى تتكيف به. أصلُ الخِلقة تعبُّدٌ للخالق. فتركُ العبادةِ تناقضٌ في الوجود. ولذلك كلُّ خلقٍ يعبدُ الرب. والصلاةُ مخّ العبادة، فلزم جميعَ الخلق لزومَ التوحيد والتعبّد. وقد يُعبَّر عن الصلاة بالتسبيح . فكلُّ خلقٍ له صلاةٌ، كما قال تعالى:{{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}} .وقال تعالى:{{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}} .وقال تعالى:{{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}} .وقال تعالى: {{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}} الصلاةُ عهدُنا بالله. قال تعالى: {{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}} .وقال تعالى:{{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}} .[4] (*) وعبادتُه هو الدعاء الخالص له، كما قال تعالى:{{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}} .وقال: {{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}} . الصلاة شكرٌ لربّنا، وهو الربُّ الواحدُ. فالشركُ في الدعاءِ كفرٌ، كما أن تركَ الصلاة والإعراضَ عن ذكره كفرٌ. قال تعالى:{{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}} . فبناءُ الصلاةِ الصبرُ، وكذلك بناءُ الشكرِ الصبرُ . (*) ويجب علينا هذا الشكر خاصة، لأنه تعالى أمرَ الملائكةَ بالسجدةِ لآدم، فوجب عليه أن يسجد لِربّه.قال تعالى: {{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}} .فتركُ الصلاة مِنّا صار أشدَ كفراً من عصيانِ إبليس بثلاث مرات:1 - لوجوبِها فطرةً.2 - لوجوبها بما وَعَدْنا أن نَعبدَ.3 - لوجوبها شكراً لما جُعِلَ الملائكةُ ساجدين لنا. الصلاة رجوعٌ إلى الرب، فهي ذكرٌ للمعاد وصورةٌ له، وكذلك للمبدأ، فإنّه كمالُ الطاعة والتعبد قال تعالى:{{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}} .ولذلك هي عسير على المنكر بالمعاد. قال تعالى:{{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}} .وقال تعالى:{{وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ}} . فكما أن الصلاةَ تهدي إلى الصِّراط، فكذلك الإيمان بالآخرة. الصلاةُ تقرّبٌ وحضور. قال تعالى:{{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}} .فهي طريق إلى الرب، وفيها الدعاء للهداية إلى الصراط المستقيم. الصلاةُ قربانٌ لبهيمةِ النفسِ عقلاً، ولهذا جُمِعَتْ بالنحر والنُّسُك. قال تعالى:{{فَصَلِّ لِربِّكَ وَاْنحَرْ}} .وقال عن إبراهيم عليه السلام:{{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}} . فالصلاةُ حياةٌ، كما أن "مماتي لله تعالى نُسُكي". والنسُكُ علامة لقربانٍ نفسيٍّ لله تعالى . الصلاةُ صِنْوٌ للصبر، وتحقيقٌ له. ولهذا تُستعمل بدلاً منه. قال تعالى:{{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}} .وقال تعالى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}} .فَذَكرَ الصبرَ هاهنا، كما ذَكَرَ الصلاةَ هناك، واكتفَى بواحدٍ منهما عن الآخر. ثم ذكَرَ قصةَ قُربانِ إسماعيل، فأشار إلى ثلاث جِهَاتٍ منها:1 - الصبر.2 - والقربان.3 - والحياة، للصابرين المتقرِّبين أنْفُسَهم.ومِن كونِ الصبرِ والصلاةِ صِنوَين ترتّب نتيجة الصلاة مِن اللهِ على الصبر، فإنّ الجزاءَ مثل العمل . الصلاةُ استعانةٌ بالله تعالى، لقوله تعالى:{{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}} .ولِما جاء في سورة الصلاة:{{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}} .وهذه استعانة جامعة. والاستعانة التامة هي التوكل. وقد قال تعالى:{{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}} إلى قوله {{فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}} ... {{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ}} الآية.
الصلاة: عند المعتزلة: من الأسماء الشرعية، واختلف في وجه التشبيه على أقوال. قال الإمام الرازي: والأقرب أنها من الدعاء إذ لا صلاة إلا وفيها الدعاء أو ما يجري مجراه. وقال أصحابنا من المجازات المشهورة لغة إطلاق اسم الجزء على الكل، فلما كانت مشتملة على الدعاء أطلق اسم الدعاء عليها مجازا. قال: فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا فهو حق، وإن أرادوا أن الشرع ارتجل هذه اللفظة فذلك ينافيه {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}} . إلى هنا كلام الإمام. وقال ابن الكمال: أصلها الدعاء سميت به هذه العبادة التي هي أفعال وأقوال مفتتحة بتكبير مختتمة بتسليم كتسمية الشيء باسم ما يتضمنه. والصلاة من العبادات التي لا تنفك شريعة منها وإن اختلفت صورها بحسب شرع، شرع ولذلك قال {{إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}} . وفي المصباح: الصلاة الدعاء، سميت بها هذه الأفعال لاشتمالها على الدعاء وهل سبيله النقل فتكون الصلاة حقيقة شرعية في هذه الأفعال مجازا لغويا في الدعاء لأن النقل في اللغات كالنسخ في الأحكام، أو يقال استعمال اللفظ في المنقول إليه مجاز راجح وفي المنقول حقيقة مرجوحة فيه خلاف بين أهل الأصول.

الاخْتِصار في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

الاخْتِصار في الصلاة: هو الاتكاء على المخصرة أي العصا أو العصا أو العُكَّازة وقيل: هو قراءة آية أو آيتين من آخر السورة. الاختِصاصات الشرعية عند الأصوليين: هي الأغراضُ المرتبة على العقود والفسوخ كملك الرقبة في البيع وملك المنفعة في الإجارة والبينونة في الطلاق.
آداب الصلاة: مندوباتُها التي تركها لا يُوجب إساءة ولا عِتاباً.
التبليغ في الصلاة: هو إبلاغ صوت الإمام.
التصفيق في الصلاة: هو أن تضرب المرأة بطنَ كفها الأيمن على ظهر الأيسر.

تعديل الأركان في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

تعديل الأركان في الصلاة: هو تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومةِ والجلسةِ حتى يطمئن مفاصلُه، وأدناه مقدارُ تسبيحة قال النسفي: "تسويتُها: إتمام فرائضها"، وتعديلُ الشهود: هو التزكيةُ قد مرَّ.

التمطِّي في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

التمطِّي في الصلاة: هو التمدد فيها.
الصلاة في اللغة: الدعاءُ، وفي الشريعة، عبارة عن أركان مخصوصة وأذكار معلومة بشرائطَ محصورة بصفات معيَّنة، وأيضاً: طلب التعظيم للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة وقيل في آية: {{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}} [الأحزاب:56]. الصلاةُ من الله: الرحمةُ، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء.

العَمَل الكثير في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

العَمَل الكثير في الصلاة: هو ما يعلم ناظرُه أن عامله غيرُ مصلٍّ، وقيل: ما يحتاج فيه إلى اليدين وقيل: ما يستكثره المصلي.
القيام في الصلاة: هو الانتصاب مع الاعتدال بحيث لو مَدَّ يديه لا ينال رُكْبَتَيْه.

النَّفْخ في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

النَّفْخ في الصلاة: هو إخراج الريح من الفم.

النَّقْر في الصلاة

التعريفات الفقهيّة للبركتي

النَّقْر في الصلاة: تخفيفُ السجود على النقصان.

أبواب السعادة، في مسائل الصلاة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أبواب السعادة، في مسائل الصلاة
فارسي.
للشيخ: عثمان بن محمد الغزنوي.
أذكار الصلاة
لزين المشايخ، أبي الفضل: محمد بن أبي القاسم البقالي، الخوارزمي، الحنفي.
المتوفى: سنة 562، اثنتين وستين وخمسمائة. (576).

أسماء النبي – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أسماء النبي - عليه الصلاة والسلام -
صنف فيه: أبو الحسن علي بن أحمد الحراني.
المتوفى:...
واقتصر: على تسعة وتسعين، كالأسماء الحسنى.
وأبو الحسين: أحمد بن فارس اللغوي.
المتوفى: سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
وسماه: (المغني).
والشيخ: عبد الرحمن بن عبد المحسن الواسطي.
المتوفى: سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
اقتصر منها: على تسعة وتسعين اسما، ليناسب عدد الأسماء الحسنى.
ثم شرحها.
وذكر السخاوي في: (القول البديع) ما زاد على الأربعمائة.
وللقاضي، ناصر الدين، أبي عبد الله: محمد بن عبد الدائم، المعروف: بابن المبلق.
المتوفى: سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
كراسة.
لخص فيها: كتاب ابن دحية، المسمى: (بالمستوفي).
وسيأتي.
وجمع: أبو عبد الله القرطبي، كتابا، نظمه أرجوزة.
ثم شرحها.
وفيه: (النهجة السوية، والرياض الأنيقة).
يأتي.

الإعلام، بحكم عيسى – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإعلام، بحكم عيسى - عليه الصلاة والسلام -
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911.
رسالة.
كتبها: في جواب سائل سأله، سنة: ثمان وثمانين وثمانمائة.

الاقتفا، في فضائل المصطفى – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الاقتفا، في فضائل المصطفى - عليه الصلاة والسلام -
لناصر الدين: أحمد بن محمد بن المنير.
المتوفى: سنة 683، ثلاث وثمانين وستمائة.
عارض به: (الشفا).
ورتب على قسمين:
الأول: في فضائله.
والثاني: في سيره.
وبسط قصة المعراج بسطا في: أربعة أبواب، وفيه فوائد كثيرة.

أقضية الرسول – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أقضية الرسول - عليه الصلاة والسلام -
للشيخ، الإمام، ظهير الدين: علي بن عبد الرزاق المرغياني، الحنفي.
المتوفى: سنة 506.
ولها: شرح.
وللشيخ، أبي عبد الله: محمد بن فرج المالكي.
كان في: حدود سنة 550.
أولها: (الحمد لله كما حمد نفسه... الخ).

الإيمان التام، بالنبي – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإيمان التام، بالنبي - عليه الصلاة والسلام -
لأبي الحسن: علي بن أحمد الحرالي التجيبي.
المتوفى: سنة 637.
أوله: (أحمد الله الذي بدأ النبوة بخليفة علمه الأسما... الخ).

الباهر، في حكم النبي – عليه الصلاة والسلام – في الباطن والظاهر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الباهر، في حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - في الباطن والظاهر
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
ذكر فيه: قصة موسى عليه السلام مع الخضر.

بغية ذوي الأحلام، بأخبار من فرج كربه برؤية المصطفى – عليه الصلاة والسلام – في المنام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

بغية ذوي الأحلام، بأخبار من فرج كربه برؤية المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في المنام
للشيخ: علي الحلبي.
المتوفى: في حدود سنة ألف (1022).
وهو: مختصر.
أوله: (الحمد لله مفرج الكروب بعد شدتها... الخ).

تحصيل المرام، في تفضيل الصلاة على الصيام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحصيل المرام، في تفضيل الصلاة على الصيام
لمحمد بن طلحة الشافعي، النصيبي.
المتوفى: سنة اثنتين وخمسين وستمائة.

تحفة الطلاب المستهام، في رؤية النبي – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحفة الطلاب المستهام، في رؤية النبي - عليه الصلاة والسلام -
للشيخ، شمس الدين، أبي عبد الله: محمد الأظعاني، الحلبي.
المتوفى: سنة 727.

ترغيب السامع، في الصلاة على خير شافع

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

ترغيب السامع، في الصلاة على خير شافع
للشهاب: أحمد بن عبد السلام الشافعي.
الذي ولد: سنة سبع وأربعين وثمانمائة.
وتوفي: سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة.
ترغيب الصلاة
فارسي.
لمحمد بن أحمد الزاهد.
جمعه من: نحو مائة كتاب.
ورتبه على: ثلاثة أقسام.
الأول: في فرضية الصلاة.
والثاني: في الطهارة.
والثالث: في نواقض الوضوء.
ترغيب الصلاة
للإمام: أحمد... البيهقي.

تنبيه الأنام، في بيان علو مقام نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تنبيه الأنام، في بيان علو مقام نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -
لعبد الجليل بن محمد بن أحمد بن حطوم المرادي، القيرواني.
مجلد.
أوله: (الحمد لله الذي زين سماء الأذكار... الخ).
جمع فيه: الصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - المروية، أو المأثورة.
واستوعب وذكر: فضائل الصلوات، ومحبته - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وحرمته.
ثم: لخصه.
وسماه: (تذكرة أهل الإسلام، في الصلاة على خير الأنام).
ذكر: أنه استخرج ما فيه من الأحاديث، من زهاء: مائة ألف حديث، محذوفة الأسانيد.
قال: ربما سميتها: (شفاء الأسقام، ومحو الآثام، في الصلاة على خير الأنام).

جزء السلام، من سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

جزء السلام، من سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام
لجلال الدين، السيوطي.
جمع ما وقع له من عشاريات.
وهي ثلاثة وعشرون حديثاً.
فرغ من جمعه، في شهر ربيع الآخر، سنة: 911 إحدى عشرة وتسعمائة.

جلاء الإفهام، في فضل الصلاة والسلام، على خير الأنام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

جلاء الإفهام، في فضل الصلاة والسلام، على خير الأنام
لشمس الدين: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، الحنبلي، الدمشقي.
المتوفى: سنة 751، إحدى وخمسين وسبعمائة.
الصَّلاة: عبَادَة ذَات عقد وَسَلام، وَقيل: قُرْآن ضم إِلَيْهَا أَفعَال مَخْصُوصَة.
علم أسرار الصلاة
ولها مرتبتان: إحداهما ما لا تتحقق الصلاة بدونها وهي التي ينظر الفقيه إليها
وثانيتهما: ما تكمل به الصلاة وتحسن وهي النظر في الشروط الباطنة من أعمال القلب كالخشوع وحضور القلب وكالتعظيم وهذا غير الخشوع إذ كم من حاضر القلب متوجه إليه ليس فيه تعظيم لأنه إنما يتولد من معرفة جلال الله تعالى وعظمته ومعرفة حقارة النفس وكونها مسخرة لربها وكالهيبة وهي أمر زائد على التعظيم منشأها خوف يصدر عن الإجلال وكالرجاء وسببه معرفة لطف الله وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة للمصلي وكالحياء وسببه استشعار التقصير في العبادات وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله - سبحانه وتعالى.

علم مواقيت الصلاة

أبجد العلوم لصديق حسن خان

علم مواقيت الصلاة
علم يتعرف منه أوقات الصلوات الخمس على الوجه الوارد في الشرع ويفترض علم تلك المواقيت تقريبا وأما علمه تحقيقا ففرض كفاية فلا بد في كل بلد من يعرفها على وجه التحقيق كذا في مدينة العلوم.
قلت: للسيد الإمام العلامة المجتهد شيخ شيوخنا محمد بن إسماعيل الأمير اليماني رحمه الله رسالة سماها اليواقيت في المواقيت ألفها في ذكر أوقات الصلوات الخمس على ما وردت به السنة المطهرة صرح فيها بأن العمل في الصلاة والصوم على علم المواقيت بدعة قبيحة من أحداث الملوك ولا يتوقف عليه معرفة أوقات الصلاة وهذه الرسالة نفيسة جداً.

الصَّلَاة

المخصص

قد أَكثر النّاس فِي شرحها والتّعبير عَنْهَا وَأَنا أورد فِي ذَلِك أحسن مَا سقط إِلَيّ من لفظ الشّيخ أبي عَليّ الْفَارِسِي، قَالَ: الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدّعاء، قَالَ الْأَعْشَى فِي الْخمر: وقابَلها الرّيحُ فِي كِنِّها وصلّى على دَنِّها وارتسمْ فَكَانَ معنى قَوْله عز وَجل: (وصلِّ عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سَكنٌ لَهُم) .
وادع لَهُم فَإِن دعاءك لَهُم تسكن إِلَيْهِ نُفُوسهم وتطيب بِهِ فإمَّا قَوْلهم صلّى الله على رَسُوله وعَلى مَلَائكَته فَلَا يُقَال فِيهِ إِنَّه دُعَاء لَهُم من الله كَمَا لَا يُقَال فِي نَحْو وَيْل للمكذبين أَنه دُعَاء عَلَيْهِم وَلَكِن الْمَعْنى فِيهِ أَن هَؤُلَاءِ مِمَّن يسْتَحق عنْدكُمْ أَن يُقَال فيهم هَذَا النّحو من الْكَلَام، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (بل عَجِبْتَ ويسخرون) .
فِيمَن ضم التّاء وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَإِذا كَانَت الصَّلَاة مصدرا وَقع على الْجَمِيع والمفرد على لفظ وَاحِد كَقَوْلِه: (لصوت الْحمير) فَإِذا اخْتلف جَازَ أَن يجمع لاخْتِلَاف ضروبه كَمَا قَالَ عز وَجل: (إِن أنكر الْأَصْوَات) وَمِمَّا جَاءَ بِهِ الصَّلَاة مُفردا يُرَاد بِهِ الْجمع قَوْله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام إلاّ مُكاءً وتصديةً) .
وَقَوله: (وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزّكاة)

فالزكاة فِي هَذَا كَالصَّلَاةِ وَكَأن الْمَفْرُوض والمتنفَّل بهَا سميت صَلَاة لما فِيهَا من الدّعاء إلاّ أَنه اسْم شَرْعِي فَلَا يكون الدّعاء على الِانْفِرَاد حَتَّى تنضم إِلَيْهَا خِلالٌ أُخَر جَاءَ بهَا الشّرع كَمَا أَن الْحَج الْقَصْد فِي اللُّغَة فَإِذا أُرِيد بِهِ النّسك لم يتم بِالْقَصْدِ وَحده دون خِصَال أخر تنضم إِلَى الْقَصْد كَمَا أَن الِاعْتِكَاف لُبْثٌ وَإِقَامَة والشّرعي يَنْضَم إِلَيْهِ معنى آخر وَكَذَلِكَ الصَّوْم وحسَّن ذَلِك جمعهَا حَيْثُ جُمعت لِأَنَّهَا صَارَت فِي التّسمية بهَا وَكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لَهَا كالخارجة من حكم المصادر وَإِذا جُمعت المصادر نَحْو قَوْله: إِن أنكر الْأَصْوَات فَأن يُجمع مَا صَار بالتّسمية كالخارج عَن حكم المصادر أَجْدَر.
إلاّ ترى أَن سِيبَوَيْهٍ جعل دّرَّاً من قَوْلك لله دَرُّك بِمَنْزِلَة لله بلادك وَجعله خَارِجا عَن حكم المصادر فَلم يُعمله إعمالها مَعَ أَنه لم يُخص بالتّسمية بِهِ شَيْء وَجعله بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال خَارِجا عَن حكم المصادر، وَلم يُجز أَن يُضيف دَرّ إِلَى الْيَوْم من قَوْله: لله دَرُّ اليومَ مَن لامَها على حد قَوْله: (بل مكر اللَّيْل والنّهار) فَهَذَا قَول من جمع فِي نَحْو قَوْله: (حَافظُوا على الصَّلوات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى) .
فَإِن قلت فَهَلا جعل بِمَنْزِلَة دَرّ فَلم يجز فِيهِ إلاّ الإِفراد إلاّ أَن تخْتَلف ضروبه كَمَا لم يجز فِي درّ الْأَعْمَال قيل لَيْسَ كل شَيْء كثر اسْتِعْمَاله يُغير عَن أَحْوَال نَظَائِره فَلم تُغير الصَّلَاة عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ فِي الأَصْل من كَونهَا مصدرا وَإِن كَانَ قد سمي بِهِ لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ قد انْضَمَّ إِلَى الدّعاء غَيره لم يخرج من أَن يكون الدّعاء مرَادا بهَا وَمثل ذَلِك من كَلَامهم قَوْلهم أَرَأَيْت زيدا مَا فعل.
فَلم يُخرجه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ دُخُول معنى فالتّسمية بِهِ مِمَّا يُقوي الْجمع فِيهِ إِذا عُني بِهِ الرّكعات لِأَنَّهَا جَارِيَة مجْرى الْأَسْمَاء والإفراد لَهُ فِي نَحْو: (وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت) يُجوِّزه أَنه فِي الأَصْل مصدر فَلم يُغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الأَصْل وَمن أفرد فِيمَا يُرَاد بِهِ الرّكعات كَانَ جَوَازه على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا على أَنه فِي الأَصْل مصدر من جنس المصادر لِأَنَّهَا أَجنَاس مِمَّا يفرد فِي مَوْضِع الْجَمِيع إلاّ أَن تخْتَلف فتجمع من أجل اختلافها وَالْآخر أَن الْوَاحِد قد يَقع فِي مَوْضِع الْجمع كَقَوْلِه: يُخرجكم طفْلا، وَقَوله: قد عضّ أَعْنَاقهم جِلدُ الجواميسِ صَاحب الْعين: قد يكون التّسبيح بِمَعْنى الصَّلَاة وَفِي التّنزيل: (فلولا أَنه كَانَ من المُسبِّحين) .
أَي المُصلين قبل ذَلِك، وَأنْشد: وسَبِّح على حينِ العشيَّةِ والضّحى أَي صلِّ بالصباح والمساء وَهُوَ معنى قَوْله عز وَجل: (فسبحان الله حِين تُمسون وَحين تُصبحون) وَقيل: السّبْحَة: الدّعاء وَصَلَاة التّطوع وَسَيَأْتِي ذكر سُبْحَانَ الله بِمَعْنَاهُ وتعليله وافتتاح الصَّلَاة التّكبيرة الأولى وفواتح السّوَر أوائلها مِنْهُ وفاتحة الْقُرْآن الْحَمد وَقَالَ التّثويب: الدّعاء للصَّلَاة وَغَيرهَا وَأَصله أَن الرَّجُل إِذا جَاءَ مُستصرخاً لوَّح بِثَوْبِهِ فَكَانَ ذَلِك كالدّعاء.
ابْن السّكيت: هِيَ صَلَاة الوِتْر.
صَاحب الْعين: وَقد أوْتَرْت: صليت الوِتر.
أَبُو عُبَيْد: أَحرمت بِالصَّلَاةِ وأحرمت فِيهَا وأحرمتها وَالْإِحْرَام عقدُها ودخولها الِاسْم والمصدر فِي ذَلِك سَوَاء وَقد قيل الإِحرام الْمصدر والحُرْم الِاسْم.
قَالَ أَبُو عَليّ: الإِحرام الِاسْم والمصدر.
أَبُو عُبَيْد: حَرُمَت الصلاةُ على الْمَرْأَة حُرْماً وحُرُماً لُغَتَانِ وحَرِمَت عَلَيْهَا حَرَماً وحَراماً والهَيْنَمة: الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة بالسّر والجهر وَقد تقدم أَنَّهَا الْأَصْوَات المختلطة فَأَما القَنْت والقُنوت فقد قيل هُوَ الْقِرَاءَة فِيهَا وَقيل الدّعاء وَقيل إطالتّها.
صَاحب الْعين: القُنوت: الطّاعة لله تَعَالَى وَقيل هُوَ الإِمساك عَن الْكَلَام والخشوع وَمِنْه

قَنَتَتِ الْمَرْأَة لبعلها انقادت والإقنات الانقياد، قَنَت يقنُت قُنوتاً.
صَاحب الْعين: أقنع الرَّجُل يَدَيْهِ فِي القُنوت: مدهما واسترحم ربه وَقَالَ: صلينَا أعْقاب الْفَرِيضَة وَهُوَ إِذا صلى عقب الظّهر وَهُوَ وَاحِد الأعقاب وَقَالَ نحر الرَّجُل فِي الصَّلَاة ينحَر إِذا انتصب ونَهد صَدره وَقَوله تَعَالَى: (فصلِّ لِرَبِّك وانحر) .
قيل مَعْنَاهُ وانحر البُدْن وَقيل هُوَ وضع الْيَمين على الشّمال فِي الصَّلَاة.
ابْن دُرَيْد: ركَع يركَع رَكْعاً ورُكوعاً فَهُوَ رَاكِع والراكع: الَّذِي يكبو على وَجهه وَمِنْه الرّكوع فِي الصَّلَاة، قَالَ الشّاعر: وأفلتَ حاجبٌ فَوْتَ العوالي على شَقَّاءَ تركعُ فِي الظّرابِ والرُّكْعَة: الهُوَّة فِي الأَرْض لُغَة يَمَانِية.
صَاحب الْعين: كل قَوْمَة من الصَّلَاة رَكْعَة وكل شَيْء ينكبُّ لوجهه فتمَسُّ رُكبته الأَرْض أَو لَا تمس بعد أَن يُطأطئ رَأسه فَهُوَ رَاكِع، قَالَ لبيد: أُخَبِّرُ أَخْبَار الْقُرُون التّي مَضَت أَدِبُّ كَأَنِّي كلما قُمت راكعُ وَالْجمع رُكَّع ورُكوع ورَكَع الشّيخ: انحنى.
أَبُو عُبَيْد: التّحْنِيَة: وضع الْيَدَيْنِ على الرّكبتين وَالْأَرْض فِي الصَّلَاة.
صَاحب الْعين: السّاجد: المنتصب.
أَبُو عُبَيْد: حَقِيقَة السّجود الخضوع، سَجَد يسجُد سُجوداً: إِذا وضع جَبهته بِالْأَرْضِ وأسجَد الْبَعِير طأطأ رَأسه وانحنى وَأنْشد: وقُلن لَهُ أسْجِد ليلى فأسجَدا وَجمع السّاجد سُجود.
قَالَ الْفَارِسِي: وَإِذا حُقِّر رُدّ إِلَى واحده كَمَا يُفعل بالقُعود والبُكِيّ جمع قَاعد وَبَاكٍ وَأما المَسْجِد فَإِنَّهُ أحد الْحُرُوف الشّاذة التّي جَاءَت من فَعَلَ يفْعُل على مَفْعِل وَهَذَا إِذا عُني الْموضع الَّذِي يُسجَد فِيهِ فَأَما من جعله اسْما للبيت فعلى من جعل المَضْرِب اسْما للحديدة فَلَا يكون على هَذَا شاذاً إِنَّمَا هُوَ اسْم كالمُدِقِّ حِين جَعَلُوهُ اسْما كالجُلمود.
أَبُو حَاتِم: المِسْجَدَة: الخُمرة المَسجود عَلَيْهَا.
صَاحب الْعين: قَوْله عز وَجل: (وَأَن الْمَسَاجِد لله) قيل هِيَ مَوَاضِع السّجود من الإِنسان الْجَبْهَة وَالْيَدَانِ وَالركبَة وَالرجلَانِ فَأَما الإِسجاد فِي النّظر فقد قيل إِنَّه الإِدامة وَقيل الفُتور وَهَذَا أشبه لِأَنَّهُ مَيل وانخفاض وَلَيْسَ السّجود.
أَبُو زيد: حَرِجَت الصَّلَاة على الْمَرْأَة: حَرُمَت زمن الْحيض وَقَالَ حانت الصَّلَاة حَيْناً وحَيْنونة: وَجَبت.
صَاحب الْعين: التّرْويحة فِي شهر رَمَضَان: سميت بذلك لاستراحة الْقَوْم بعد كل أَربع رَكْعَات وَقَالَ: رَهِقَتنا الصَّلَاة رَهَقاً: حانت، وَقَالَ: التّشَهُد: قِرَاءَة التّحيات، واشتقاقه من أشهد أَن لَا إِلَه إلاّ الله وَأَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله.
غَيره: الذِّكْر: الصَّلَاة لله والدّعاء إِلَيْهِ والثّناء عَلَيْهِ وَفِي الحَدِيث: (كَانَت الْأَنْبِيَاء إِذا حَزَبَهُم حازِبٌ فَزِعوا إِلَى الذِّكر) أَي الصَّلَاة يقومُونَ فيُصلون والذِّكر أَيْضا الْكتاب الَّذِي فِيهِ تَفْصِيل الدّين وَوضع المِلَّة.
اللغوي: النحوي: عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فتوح، أبو محمد الحضرمي الداني، المعروف بعبدون، وبابن صاحب الصلاة.
ولد: سنة (517 هـ) سبع عشرة وخمسمائة.
من مشايخه: أبو عبد الله بن سعيد، وأبو الحسن طاهر بن سبيطة وغيرهما.
من تلامذته: أبو جعفر الذهبي، وأبو الحسن بن صريق وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• تكملة الصلة: "نزل شاطبة فأقرأ بها. ودرس الأدب والنحو زمانا ثم نقله السلطان إلى بلنسية وأستأدبه لبنيه لما كان عليه من التصاون والعدالة وأباح له الإقراء فكان يعلمهم العربية بالقصر ويعلم الناس أيضًا بمسجد رحبة القاضي بها. وكان أديبا، مبرزا في صناعة العربية مشاركا في
¬__________
* معجم المفسرين (1/ 329)، طبقات المفسرين للداودي (1/ 257)، غاية النهاية (1/ 463)، بغية الوعاة (1/ 265)، إنباه الرواة (2/ 134)، الفهرست لابن النديم (57)، معجم المؤلفين (2/ 305)، هدية العارفين (1/ 440).
(¬1) اليزيدي: منسوب إلى يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد الحميري خال المهدي العباس، وكان أبوه يحيى بن المبارك منقطع إليه.
* الوافي (17/ 668)، بغية الوعاة (2/ 65)، تكملة الصلة (2/ 857)، تاريخ الإسلام (وفيات 578) ط. تدمري.

الفقه والأدب وقرض الشعر، ظاهر التواضع، طاهر الخُلُق"
أ. هـ.
• الوافي: "أقرأ النحو بشاطبة زمانًا وأدب بني صاحب بلنسية وكان مبرزًا في العربية مشاركًا في الفقه ويقول الشعر وفيه تواضع وطيبة أخلاق" أ. هـ.
وفاته: سنة (578 هـ) ثمان وسبعين وخمسمائة.

المقرئ: محمّد بن حسن بن محمّد بن عبد الله وقيل يوسف بن خلف الأنصاري يكني أبا عبد الله ويعرف بابن الحاج وابن صاحب الصلاة.
من مشايخه: أبو الحجاج بن الشيخ، وأبو الحجاج بن كوثر، وأبو خالد بن يزيد بن رفاعة وغيرهم.
من تلامذته: ابن حوط الله، وأبو القاسم الملّاحي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الديباج: "كان مقرئًا صدرًا من أئمة التجويد محدّثًا، متقنًا ضابطًا، نبيل الخط والتقييد، مصنف
¬__________
* بغية الملتمس (1/ 97)، معجم أصحاب الصدفي (166)، تكلمة الصلة لابن الأبار (2/ 475)، إنباه الرواة (3/ 105)، العبر (4/ 126)، معرفة القراء (1/ 505)، السير (20/ 185)، تاريخ الإسلام (وفيات 547) ط. تدمري، المقفي (5/ 562)، النجوم (5/ 303)، غاية النهاية (2/ 121)، الشذرات (6/ 238)، شجرة النور (142).
* تاريخ الإسلام (وفيات 609) ط. تدمري، المقفي (5/ 563)، الديباج المذهب (2/ 284).

في الحديث ... "
أ. هـ.
وفاته: سنة (609 هـ) تسع وستمائة، استشهد بوقعة العقاب في صفر. وهي الوقعة المشهورة بين المسلمين والنصاري الإسبان، وكانت في منتصف شهر صفر واستشهد فيها جماعة كبيرة من العلماء المجاهدين.

أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْوَقْتُ: مِقْدَارٌ مِنَ الزَّمَانِ مُقَدَّرٌ لأَِمْرٍ مَا، وَكُل شَيْءٍ قَدَّرْتُ لَهُ حِينًا فَقَدْ وَقَّتُّهُ تَوْقِيتًا. وَأَوْقَاتُ الصَّلاَةِ هِيَ: الأَْزْمِنَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الشَّارِعُ لِفِعْل الصَّلاَةِ أَدَاءً، فَالْوَقْتُ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَصِحُّ قَبْل دُخُولِهِ، وَتَكُونُ (قَضَاءً) بَعْدَ خُرُوجِهِ (1) .

أَقْسَامُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ:
2 - تَنْقَسِمُ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: صَلَوَاتٌ مَفْرُوضَةٌ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: صَلَوَاتٌ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: صَلَوَاتٌ مَسْنُونَةٌ، كَالسُّنَنِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
وَالْجُمْهُورُ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَالْوِتْرُ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْعِيدَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ
أَصْل مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ:
3 - أَصْل مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ عُرِفَ بِالْكِتَابِ،
__________
(1) المصباح مادة " وقت " والطحطاوي ص 93.

قَال تَعَالَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمَدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (1)
قَال بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاَةُ، أَيْ: صَلُّوا حِينَ تُمْسُونَ، أَيْ حِينَ تَدْخُلُونَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. وَ {حِينَ تُصْبِحُونَ} الْمُرَادُ بِهِ صَلاَةُ الصُّبْحِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَشِيًّا} صَلاَةُ الْعَصْرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صَلاَةُ الظُّهْرِ. (2)
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (3)
وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ كَحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصُّهُ: أَمَّنِي جِبْرِيل عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ سَفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ
__________
(1) سورة الروم / 17، 18.
(2) أحكام القرآن للقرطبي 14 / 14.
(3) سورة الإسراء / 78.

الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل وَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (1)
عَدَدُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ:
4 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَدَدَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ خَمْسٌ بِقَدْرِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ فَيَكُونُ عَدَدُ الأَْوْقَاتِ سِتًّا لَيْسَ صَحِيحًا، بَل إِنَّهُ يَقُول: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَقَل رُتْبَةً مِنَ الْفَرْضِ. (2)
مَبْدَأُ كُل وَقْتٍ وَنِهَايَتُهُ
مَبْدَأُ وَقْتِ الصُّبْحِ وَنِهَايَتُهُ:
5 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ (3) وَيُسَمَّى الْفَجْرُ الثَّانِي، وَسُمِّيَ صَادِقًا؛ لأَِنَّهُ بَيَّنَ وَجْهَ الصُّبْحِ وَوَضَّحَهُ، وَعَلاَمَتُهُ بَيَاضٌ يَنْتَشِرُ فِي الأُْفُقِ عُرْضًا. أَمَّا الْفَجْرُ الْكَاذِبُ، وَيُسَمَّى الْفَجْرُ الأَْوَّل، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَلاَ يَدْخُل بِهِ وَقْتُ الصُّبْحِ، وَعَلاَمَتُهُ بَيَاضٌ يَظْهَرُ طُولاً يَطْلُعُ وَسَطَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْمَحِي بَعْدَ ذَلِكَ.
__________
(1) حديث: " أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر. . . " أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. (سنن الترمذي 1 / 178 - 280 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 221، وجامع الأصول 5 / 209، 210) .
(2) بدائع الصنائع 1 / 123 الطبعة الأولى سنة 1327 هـ، وبداية المجتهد 1 / 47 المطبعة المولوية بفاس سنة 1327 هـ.
(3) البدائع 1 / 142، وبداية المجتهد 1 / 51، والإقناع في شرح ألفاظ أبي شجاع 1 / 273 مطبعة بولاق. والمغني 1 / 395 مطبعة المنار بمصر.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ مُقَدَّرٌ بِثَلاَثِ دَرَجَاتٍ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حَيْثُ قَال: ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذِهِ الْوَقْتَيْنِ (1)
6 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الصُّبْحِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: قُبَيْل طُلُوعِ الشَّمْسِ (2) ، وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ الأَْقْوَال عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ لِلصُّبْحِ إِلَى الإِْسْفَارِ، وَبَعْدَ الإِْسْفَارِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لأَِصْحَابِ الأَْعْذَارِ، كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ بَعْدَ الإِْسْفَارِ، وَمِثْل ذَلِكَ النُّفَسَاءُ، وَالنَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ، وَالْمَرِيضُ يَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ، جَازَ لِهَؤُلاَءِ الصَّلاَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ كُل وَقْتِهِ اخْتِيَارِيٌّ. (3)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصُّبْحَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الإِْسْفَارِ، وَجَوَازٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ إِلَى الْحُمْرَةِ، وَكَرَاهَةٌ بَعْدَ الْحُمْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ أَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ الاِخْتِيَارِ، وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الْجَوَازِ بِلاَ كَرَاهَةٍ مَا لاَ ثَوَابَ فِيهِ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الاِخْتِيَارِيِّ الإِْسْفَارُ. وَبَعْدَ الإِْسْفَارِ وَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَمَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةِ
__________
(1) حديث: " أمني جبريل. . . " سبق تخريجه (ف / 3) .
(2) ابن عابدين 1 / 240.
(3) بلغة السالك 1 / 83.

الصُّبْحِ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلاَّ بَعْدَ الإِْسْفَارِ، جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِلاَ كَرَاهَةٍ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَيْقَظَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَخَّرَ صَلاَةَ الصُّبْحِ إِلَى مَا بَعْدَ الإِْسْفَارِ بِدُونِ عُذْرٍ، كَانَتْ صَلاَتُهُ مَكْرُوهَةً. (1)
7 - مِمَّا تَقَدَّمَ يُعْرَفُ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاً وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ (2)

مَبْدَأُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنِهَايَتُهُ:
8 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ تُجَاهَ الْغَرْبِ، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاؤُهَا قَبْل الزَّوَال. (3)
وَيُعْرَفُ الزَّوَال بِأَنْ تَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَالشَّمْسُ لاَ زَالَتْ فِي الْمَشْرِقِ، فَمَا دَامَ ظِل الْخَشَبَةِ يُنْتَقَصُ فَالشَّمْسُ قَبْل الزَّوَال، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَشَبَةِ ظِلٌّ، أَوْ تَمَّ نَقَصَ الظِّل، بِأَنْ كَانَ الظِّل أَقَل مَا يَكُونُ، فَالشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تُحْظَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ، فَإِذَا انْتَقَل الظِّل مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَبَدَأَ فِي الزِّيَادَةِ، فَقَدْ زَالَتِ
__________
(1) نهاية المحتاج 1 / 353 وما بعدها.
(2) حديث: " إن للصلاة أولا وآخرا. . . " أخرجه الترمذي مطولا وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث حسن (سنن الترمذي 1 / 238، 284 ط الحلبي، وجامع الأصول 5 / 214، 215.) ".
(3) بداية المجتهد 1 / 48.

الشَّمْسُ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَدَخَل وَقْتُ الظُّهْرِ.
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ الظُّهْرِ الزَّوَال، حَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمُ.
وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الظُّهْرِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَعَهُمْ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ (1) .
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: حِينَ يَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال: وَالْمُرَادُ بِفَيْءِ الزَّوَال: الظِّل الْحَاصِل لِلأَْشْيَاءِ حِينَ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لأَِنَّ الظِّل رَجَعَ إِلَى الْمَشْرِقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الْمَغْرِبِ، وَيَخْتَلِفُ ظِل الزَّوَال طُولاً وَقِصَرًا وَانْعِدَامًا بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ. وَكُلَّمَا بَعُدَ الْمَكَانُ مِنْ خَطِّ الاِسْتِوَاءِ كُلَّمَا كَانَ فَيْءُ الزَّوَال أَطْوَل، وَهُوَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَل مِنْهُ فِي الصَّيْفِ. (2)
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، بِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ كَانَ بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْل التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. ثُمَّ أُوتِيَ أَهْل الإِْنْجِيل الإِْنْجِيل فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ،
__________
(1) راجع المراجع المذكورة لجميع الفقهاء في أوقات الصلاة. والمغني (1 / 374، 375) ط الرياض.
(2) ابن عابدين 1 / 240، وبلغة السالك 1 / 83، ونهاية المحتاج 1 / 353، والمغني 1 / 395.

فَعَمِلَنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَال: أَهْل الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً؟ قَال: قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: هَل ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا: لاَ. قَال: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ (1)
دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمِثْلَيْنِ.
وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَالإِْبْرَادُ لاَ يَحْصُل إِلاَّ إِذَا كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لاَ سِيَّمَا فِي الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ كَالْحِجَازِ (2) .
وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الظُّهْرَ لَهُ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى آخِرِهِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْجَمْعِ. (3)
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ لِلظُّهْرِ إِلَى بُلُوغِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَوَقْتُهُ الضَّرُورِيُّ حِينَ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي
__________
(1) حديث: " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر. . . " أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (فتح الباري 2 / 38 ط السلفية، وعمدة القاري 5 / 50 ط المنيرية) .
(2) حديث أبي سعيد: " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم. . . . " أخرجه البخاري مرفوعا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه (فتح الباري 2 / 18 ط السلفية) وانظر البدائع 1 / 122، 123، وبداية المجتهد 1 / 48.
(3) حاشية شرح المنهاج 1 / 270.

الظُّهْرَ بَعْدَ بُلُوغِ الظِّل مِثْلَهُ، إِلَى مَا قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ إِلاَّ صَلاَةَ الْعَصْرِ. (1)

مَبْدَأُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَنِهَايَتُهُ:
9 - أَمَّا مَبْدَأُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ (2) وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَدَاخُل وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا صَلَّى الظُّهْرَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَآخَرُ صَلَّى الْعَصْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَتْ صَلاَتُهُمَا أَدَاءً، وَخَالَفَ فِي هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ (3) .
اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَل مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ. . .، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ فِي الْحَدِيثِ؛ لأَِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَهُوَ يَتَعَارَضُ مَعَ صَلاَتِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل
__________
(1) بلغة السالك 1 / 82، 83 ط بيروت.
(2) المراجع المذكور في أوقات الصلاة.
(3) بلغة السالك 1 / 82.

وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَدَفْعًا لِهَذَا التَّعَارُضِ قَالُوا: إِنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل. (1)
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل الْوَقْتَيْنِ.
10 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (2) وَيُضِيفُ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ وَقْتَ الاِخْتِيَارِ يَنْتَهِي بِمَبْدَأِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: حِينَ يَصِيرُ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ (3) ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَصْرَ لَهُ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ، فَضِيلَةٌ: أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ: إِلَى الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ - لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ - فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ تَطْهُرَانِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضُ يَبْرَأُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَيْضًا، وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ وَهُوَ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 22.
(2) حديث: " من أدرك. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 56 ط السلفية) .
(3) حديث: " إذا صليتم العصر. . . " أخرجه مسلم مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو (صحيح مسلم 1 / 426 ط عيسى الحلبي) وبداية المجتهد 1 / 49.

حُرْمَةٍ، وَهُوَ مَا قَبْل آخِرِ الْوَقْتِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ جَمِيعَهَا. (1)

مَبْدَأُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَنِهَايَتُهُ:
11 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعِهِمَا.
أَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ (2) .
وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ امْتِدَادَ لَهُ، بَل يُقَدَّرُ بِقَدْرِ ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ تَحْصِيل شُرُوطِهَا مِنْ مَكَارِهِ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ. (3) وَلِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي وَقْتُهَا بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَهِيَ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ الْمَغْرِبُ وَرَكْعَتَانِ سُنَّةٌ بَعْدَهَا. (4)

مَبْدَأُ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَنِهَايَتُهُ:
12 - يَبْدَأُ وَقْتُ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا
__________
(1) نهاية المحتاج 1 / 353.
(2) حديث: " وقت صلاة المغرب. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 427 ط عيسى الحلبي) .
(3) بداية المجتهد 1 / 51 - 52.
(4) البدائع 1 / 123، وجواهر الإكليل 1 / 33، ونهاية المحتاج 1 / 353، 354، وحاشية القليوبي على المنهاج 1 / 114 ط عيسى الحلبي، والمغني 1 / 374، 375.

فِي مَعْنَى الشَّفَقِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ بَعْدَ ذَهَابِ الْحُمْرَةِ الَّتِي تَعْقُبُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْحُمْرَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّفَقَيْنِ يُقَدَّرُ بِثَلاَثِ دَرَجَاتٍ، وَهِيَ تَعْدِل اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَقِيقَةً. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْعِشَاءِ سَبْعَةَ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَاخْتِيَارٌ إِلَى آخِرِ ثُلُثِ اللَّيْل الأَْوَّل، وَقِيل إِلَى نِصْفِ اللَّيْل لِحَدِيثِ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََخَّرْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْل (1) وَجَوَازٌ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِلْفَجْرِ الأَْوَّل، وَبِكَرَاهَةٍ إِلَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ.
اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ، بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ: إِنَّ آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ يَسْوَدُّ الأُْفُقُ (2) وَإِنَّمَا يَسْوَدُّ إِذَا خَفِيَتِ الشَّمْسُ فِي الظَّلاَمِ، وَهُوَ وَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَْبْيَضِ. (3)
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْحُمْرَةُ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ عِنْدَ
__________
(1) حديث: " لولا أن أشق. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ". وقال: حديث أبي هريرة حديث صحيح (تحفة الأحوذي 1 / 508 نشر المكتبة السلفية) .
(2) حديث: " إن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق. . . " أورده الزيلعي في نصب الراية بلفظ: " آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق " واستغربه، وقال ابن حجر في الدراية: لم أجده لكن في حديث أبي مسعود عند أبي داود: ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ويصلي العشاء حين يسود الأفق (نصب الراية 1 / 234، والدراية 1 / 103، وعون المعبود 1 / 152 ط الهند) .
(3) بدائع الصنائع 1 / 124.

مَغِيبِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ (1) وَهُوَ وَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ. (2)
13 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، فَحِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَآخِرُهُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ (3) وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا ثُلُثُ اللَّيْل، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلاَّهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ثُلُثِ اللَّيْل.
__________
(1) حديث: " أنه كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث النعمان بن بشير بلفظ " أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة " قال ابن العربي: هو حديث صحيح. (تحفة الأحوذي 1 / 507 نشر المكتبة السلفية، وسنن النسائي 1 / 264 وسنن أبي داود 1 / 291، 292 ط استانبول، ونيل الأوطار 2 / 9، 10 ط المطبعة العثمانية) .
(2) بدائع الصنائع 1 / 124.
(3) حديث: " أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وآخره حين يطلع الفجر " الشطر الأول من الحديث أخرجه الترمذي بلفظ " إن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق " ضمن حديث طويل، وقال عبد القادر الأرناؤوط: هو حديث حسن. وأما الشطر الثاني من الحديث أورده ابن حجر في الدراية بلفظ: " آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر " وقال: لم أجده، لكن قال الطحاوي: يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس وأبي موسى وأبي سعيد الخدري رووا أنه أخرها إلى ثلث الليل، وفي حديث أبي هريرة وأنس: أنه أخرها حتى انتصف، وفي حديث عائشة: أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل، فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى: وصل العشاء أي الليل شئت. وحديث أبي قتادة: " ليس في النوم تفريط " (سنن الترمذي 1 / 283، 284 ط الحلبي. وجامع الأصول 5 / 241، 215، والدراية 1 / 103 ط الفجالة) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الاِخْتِيَارِيِّ ثُلُثُ اللَّيْل، وَبَعْدَهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ مَرِيضًا شُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتَا. (1)

انْقِسَامُ الْوَقْتِ إِلَى مُوَسَّعٍ وَمُضَيَّقٍ وَبَيَانُ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الأَْدَاءِ

14 - الْوَقْتُ الْمُوَسَّعُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِكُلٍّ مِنَ الْفَرَائِضِ هُوَ: مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ إِلَى أَلاَّ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ أَكْثَرُ مِمَّا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ لِلصَّلاَةِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلاَّ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ لِلصَّلاَةِ فَهُوَ وَقْتٌ مُضَيَّقٌ، يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ. وَعِنْدَ زُفَرَ: يَتَضَيَّقُ الْوَقْتُ إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَا يَتَّسِعُ لِرَكَعَاتِ الصَّلاَةِ.
أَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَهُوَ مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ إِلَى مَا قَبْل خُرُوجِهِ بِزَمَنٍ يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ أَوْ ثَلاَثَ رَكَعَاتِ الْمَغْرِبِ مَثَلاً.
وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ فَهُوَ الْوَقْتُ الْبَاقِي الَّذِي يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ أَوْ ثَلاَثَ رَكَعَاتِ الْمَغْرِبِ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (2) ، وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَقَبْل آخِرِ الْوَقْتِ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَبَيْنَ عَدَمِ أَدَائِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ
__________
(1) بداية المجتهد 1 / 9، وجواهر الإكليل 1 / 33، وقليوبي 1 / 114، والمغني 1 / 381، والمراجع السابقة.
(2) بدائع الصنائع 1 / 94 - 95.

يَتَعَلَّقُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ. (1)
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي مُقِيمٍ سَافَرَ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِينَ يَقْضِي الظُّهْرَ يَقْضِيهِ رَكْعَتَيْنِ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ مُسَافِرًا، فَيَقْضِي صَلاَةَ الْمُسَافِرِينَ. وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ يَقْضِي الظُّهْرَ أَرْبَعًا؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْجُزْءِ الأَْوَّل مِنَ الْوَقْتِ وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الأَْوَّل مِنَ الْوَقْتِ كَانَ مُقِيمًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلاَةِ الْمُقِيمِينَ.
وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ هَذَا الْفَرْضِ إِذَا زَال الْمَانِعُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَهَؤُلاَءِ جَمِيعًا لَيْسُوا أَهْلاً لِلْخِطَابِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الأَْدَاءُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ.

الأَْوْقَاتُ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ:

وَقْتُ الصُّبْحِ الْمُسْتَحَبِّ (2) :
15 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِْسْفَارُ بِالْفَجْرِ أَيْ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَنْتَشِرَ الضَّوْءُ وَيَتَمَكَّنَ كُل مَنْ يُرِيدُ الصَّلاَةَ بِجَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَنْ يَسِيرَ فِي الطَّرِيقِ بِدُونِ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ، كَأَنْ تَزِل قَدَمُهُ، أَوْ يَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْضْرَارِ الَّتِي تَنْشَأُ
__________
(1) القليوبي 1 / 115، 117، والمغني 1 / 397.
(2) المستحب: هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو رغب فيه ولم يوجبه، ولم يواظب عليه.

مِنَ السَّيْرِ فِي الظَّلاَمِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَْجْرِ (1) .
وَلأَِنَّ فِي الإِْسْفَارِ تَكْثِيرًا لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي التَّغْلِيسِ أَيِ السَّيْرِ فِي الظُّلْمَةِ تَقْلِيلُهَا، فَكَانَ أَفْضَل، هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال، أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ أَوَّل الْوَقْتِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الشَّابَّاتُ وَالْعَجَائِزُ، لاَ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ فِي مُزْدَلِفَةَ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ، يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ فِي أَوَّل الْوَقْتِ؛ لِيَتَفَرَّغَ لِوَاجِبِ الْوُقُوفِ الَّذِي يَبْدَأُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْوُقُوفَ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (2)
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (3) إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ - أَيِ السَّيْرَ فِي الظَّلاَمِ - أَفْضَل؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاَةَ لاَ يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ (4)
__________
(1) حديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر. . . " أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال: هذا حديث حسن صحيح قال الحافظ ابن حجر في الفتح: رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد (سنن أبي داود 1 / 294 ط استانبول، وتحفة الأحوذي 1 / 477 - 479 نشر المكتبة السلفية، وفتح الباري 2 / 55 ط السلفية) .
(2) حاشية الطحطاوي على المراقي ص 98، وابن عابدين 2 / 178 ط الأولى، وبدائع الصنائع 1 / 125.
(3) بلغة السالك 1 / 73، والإقناع 1 / 378 - 379، والمغني 1 / 405.
(4) حديث عائشة رضي الله عنهما: " كن نساء المؤمنات " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 54 ط السلفية) .

16 - أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ الْمُسْتَحَبُّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الإِْبْرَادِ بِظُهْرِ الصَّيْفِ، وَالتَّعْجِيل بِظُهْرِ الشِّتَاءِ، إِلاَّ فِي يَوْمِ غَيْمٍ فَيُؤَخِّرُ. (1)
وَمَعْنَى الإِْبْرَادِ بِالظُّهْرِ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ تَخِفَّ حِدَّةُ الْحَرِّ، وَيَتَمَكَّنُ الذَّاهِبُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنَ السَّيْرِ فِي ظِلاَل الْجُدَرَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْخِيرُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ (2)
وَلأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَفِي التَّعْجِيل تَقْلِيلَهَا فَكَانَ أَفْضَل. أَمَّا ظُهْرُ الشِّتَاءِ فَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ فِي أَوَّل وَقْتِهَا رِضْوَانُ اللَّهِ، وَلاَ مَانِعَ مِنَ التَّعْجِيل؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّعْجِيل فِي ظُهْرِ الصَّيْفِ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِالْمُصَلِّينَ، الأَْمْرُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيل الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا الْمَانِعُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي ظُهْرِ الشِّتَاءِ، فَكَانَ التَّعْجِيل أَفْضَل. أَمَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَيُؤَخِّرُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْل دُخُول وَقْتِهِ. (3)
وَذَهَبَتِ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّعْجِيل أَفْضَل صَيْفًا وَشِتَاءً إِلاَّ لِمَنْ يَنْتَظِرُ جَمَاعَةً، فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ بِرُبُعِ الْقَامَةِ، أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ الظِّل نِصْفَ قَامَةٍ. (4)
وَالْمُرَادُ بِرُبُعِ الْقَامَةِ أَوْ نِصْفِهَا - اللَّذَيْنِ يُنْدَبُ
__________
(1) المراجع المذكورة للحنفية والحنابلة في أوقات الصلاة.
(2) حديث: " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم. . . " سبق تخريجه (ف / 8) .
(3) واللجنة ترى أن هذا إذا لم يكن هناك ضوابط للوقت كالساعات وغيرها.
(4) بلغة السالك 1 / 73.

التَّأْخِيرُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - رُبُعُ الْمِثْل أَوْ نِصْفُهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ يُعَجِّل، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ يُؤَخِّرُ حَتَّى يَكُونَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ (1) .
17 - أَمَّا وَقْتُ الْعَصْرِ الْمُسْتَحَبُّ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً (3) وَلِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّنَفُّل قَبْلَهَا؛ لأَِنَّ التَّنَفُّل بَعْدَهَا مَكْرُوهٌ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَقْتُ الأَْوَّل مِنَ الصَّلاَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الآْخِرُ عَفْوُ اللَّهِ (4)
18 - أَمَّا وَقْتُ الْمَغْرِبِ الْمُسْتَحَبُّ: فَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِهَا؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ - أَوْ قَال عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ
__________
(1) الإقناع 1 / 398 - 399.
(2) ابن عابدين 1 / 246، 247.
(3) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. . . ". أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري. (عون المعبود 1 / 158 ط الهند، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 1 / 240 نشر دار المعرفة) .
(4) حديث: " الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله " أخرجه الترمذي والبيهقي من طريق يعقوب بن الوليد المدني، وقال البيهقي: هذا الحديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، وضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ نسبوه إلى الوضع، وقد روي بأسانيد أخر كلها ضعيفة. (سنن الترمذي 1 / 321 ط الحلبي، والسنن الكبرى للبيهقي 1 / 435 ط الهند، ونصب الراية 1 / 242، 243) .

يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ (1) وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مَخَافَةَ أَنْ تُصَلَّى قَبْل دُخُول وَقْتِهَا. (2)
19 - أَمَّا وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُسْتَحَبُّ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْل ثُلُثِ اللَّيْل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ (3) ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى النِّصْفِ مُبَاحٌ، وَبَعْدَ النِّصْفِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً.
وَالْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ عِقَابًا أَقَل مِنْ عِقَابِ تَارِكِ الْفَرْضِ، أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ عَمْدًا.
وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مَظِنَّةَ الْمَطَرِ أَوِ الْبَرْدِ؛ لأَِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى تَقْلِيل الْجَمَاعَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُصَلِّينَ؛ لِحَدِيثِ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي. . . الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا.
أَمَّا أَوْقَاتُ الاِسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ.

أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةُ وَالْمَسْنُونَةُ
20 - الصَّلَوَاتُ الْوَاجِبَةُ - غَيْرُ الْفَرْضِ - الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، هِيَ: الْوِتْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعِيدَانِ.
أ - أَمَّا الْوِتْرُ: فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ
__________
(1) حديث: " لا تزال أمتي بخير. . . " أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده حسن. (عون المعبود 1 / 161 ط الهند، وجامع الأصول 5 / 233) وانظر المراجع المذكورة سابقا.
(2) المراجع المذكورة، والبدائع 1 / 123، والمغني 1 / 319.
(3) حديث: " لولا أن أشق. . . " سبق تخريجه (ف / 12) .

الْوِتْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَبْدَأُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الأَْبْيَضِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى الْوِتْرُ قَبْل الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ اللاَّزِمِ بَيْنَهُمَا. وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِهِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (1)
اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِدَلِيلٍ مَعْقُولٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَل الْعِشَاءَ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ لأََنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّهَا، وَيَسْتَحِيل أَنْ تَنْشَغِل ذِمَّتُهُ بِصَلاَةِ الْوِتْرِ بِدُونِ فِعْل الْعِشَاءِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ هُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ: الْوِتْرُ، الْوِتْرُ (2) وَكَلِمَةُ (بَيْنَ) فِي الْحَدِيثِ تَدُل عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ.
وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ حَقِيقِيٌّ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حَال مَا إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْوِتْرَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعِيدُ الْعِشَاءَ دُونَ الْوِتْرِ؛ لأَِنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، أَمَّا الْوِتْرُ
__________
(1) انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 288، وابن عابدين 1 / 241، 247، وجواهر الإكليل 1 / 75، وقليوبي 1 / 212، والمغني 2 / 161.
(2) حديث: " إن الله زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر الوتر. . . " روي بعدة طرق منها ما أخرجه أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي بصرة الغفاري، قال الهيثمي: له إسنادان عند أحمد، أحدهما رجاله رجال الصحيح عدا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة. (مجمع الزوائد 2 / 239 نشر مكتبة القدسي، ونصب الراية 2 / 108 وما بعدها) .

فَلاَ يُعِيدُهُ؛ لأَِنَّهُ صَلاَّهُ فِي وَقْتِهِ بِوُضُوءٍ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُعِيدُ الْوِتْرَ وَالْعِشَاءَ. أَمَّا الْوِتْرُ فَلأَِنَّهُ صَلاَّهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلأَِنَّهُ صَلاَّهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ. (1)
أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْوِتْرِ فَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً. . . الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2)
ب - أَمَّا الْعِيدَانِ فَوَقْتُهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ وَقْتُهُمَا بِاخْتِلاَفِ الأَْمْكِنَةِ.
وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِهِمَا فَزَوَال الشَّمْسِ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا.
21 - أَمَّا السُّنَنُ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ وَتُسَمَّى السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تُطْلَبُ كُل يَوْمٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْرِ، وَأَرْبَعٌ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْل الْجُمُعَةِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، فَتَكُونُ الرَّكَعَاتُ الْمَطْلُوبَةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بِخِلاَفِ سَائِرِ الأَْيَّامِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا فِي كُل يَوْمٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وَالأَْصْل فِي هَذِهِ السُّنَنِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْرِ، وَأَرْبَعٍ قَبْل الظُّهْرِ،
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 272.
(2) المراجع السابقة.

وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ (1)
وَأَمَّا الأَْرْبَعُ الَّتِي بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَل أَرْبَعًا (2) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَا الْفَجْرِ. قَال: وَتَأَكُّدُ النَّفْل قَبْل الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا، وَقَبْل الْعَصْرِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَلاَ حَدَّ فِي الْجَمِيعِ، وَيَكْفِي فِي تَحْصِيل النَّدْبِ رَكْعَتَانِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (3) . لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: حَفِظْتُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ (4) .
__________
(1) حديث: " من ثابر على ثنتي عشرة ركعة. . . " أخرجه الترمذي (2 / 273 ط الحلبي، والنسائي 3 / 260، 261 ط المطبعة المصرية، وابن ماجه 1 / 361 ط الحلبي من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا وإسناده حسن. كما قال المباركفوري وشعيب الأرناؤوط (تحفة الأحوذي 2 / 467 نشر السلفية، وشرح السنة بتحقيق شعيب الأرناؤوط 3 / 444) وفي الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأبي موسى وابن عمر. قال الترمذي: وحديث أم حبيبة من طريق عنبسة حديث حسن صحيح.
(2) حديث: " من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا. . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم 2 / 600 ط الحلبي) . وانظر البدائع 1 / 284.
(3) الإقناع 1 / 390 - 391، والمغني 1 / 762، وبلغة السالك 1 / 771.
(4) حديث ابن عمر " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 58 ط السلفية) .

22 - أَمَّا الْمَنْدُوبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَأَرْبَعٌ قَبْل الْعَصْرِ وَقَبْل الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ، وَسِتٌّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ. (1) وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤَكَّدِ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا، وَيُنْدَبُ أَرْبَعٌ قَبْل الْعَصْرِ، وَاثْنَتَانِ قَبْل الْعِشَاءِ. وَلِتَفْصِيلِهِ وَرَأْيِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ارْجِعْ إِلَى الْمَنْدُوبِ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي (بَابِ النَّوَافِل) .

أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ
أَوَّلاً - أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ لأَِمْرٍ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ
عَدَدُ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ:
23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ عَدَدَهَا ثَلاَثَةٌ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ بِمِقْدَارِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُول، وَعِنْدَ اصْفِرَارِهَا بِحَيْثُ لاَ تُتْعِبُ الْعَيْنَ فِي رُؤْيَتِهَا إِلَى أَنْ تَغْرُبَ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ الصَّلاَةَ بِمَكَّةَ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا يَأْتِي. (2)
وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الأَْوْقَاتُ أَوْقَاتَ كَرَاهَةٍ؛ لأَِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَسْتَوِي وَتَصْفَرُّ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ فَتَكُونُ الصَّلاَةُ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ تَشَبُّهًا بِمَنْ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَهَا فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ
__________
(1) البدائع 1 / 290.
(2) ابن عابدين 1 / 246، والمغني 1 / 753، والبجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها.

قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا، وَنَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ (1) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَدَدَ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ اثْنَانِ: عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الاِصْفِرَارِ، أَمَّا وَقْتُ الاِسْتِوَاءِ فَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهِ عِنْدَهُمْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ، وَعَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لأَِنَّ الْمَدِينَةَ مَوْطِنُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْوَحْيُ كَانَ يَنْزِل بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى النَّهْيِ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ، لَعَمِلُوا بِهِ. (2)
وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْقَاتَ الثَّلاَثَةَ مَكْرُوهَةٌ إِلاَّ فِي مَكَّةَ، وَإِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ. أَمَّا فِي مَكَّةَ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (3) .
وَأَمَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ فَلأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ حَتَّى
__________
(1) حديث: " إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان. . . " أخرجه مالك في الموطأ واللفظ له والنسائي وابن ماجه، وقال الحافظ البوصيري: إسناده مرسل ورجاله ثقات (الموطأ 1 / 219 ط الحلبي، وسنن النسائي 1 / 275، وسنن ابن ماجه 1 / 397 ط الحلبي) .
(2) بداية المجتهد 1 / 53.
(3) البجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها. وحديث: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف. . . " أخرجه الترمذي والبغوي من حديث جبير بن مطعم وصححاه (سنن الترمذي 3 / 220 ط الحلبي، وشرح السنة 3 / 331 نشر المكتب الإسلامي) .

يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ لِيَخْطُبَ فِيهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
24 - وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. أَمَّا السُّنَنُ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى كَرَاهَتِهَا (1) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيل الشَّمْسُ، وَحِينَ تُضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ - أَيْ حِينَ تَمِيل - حَتَّى تَغْرُبَ (2) . وَالْمُرَادُ بِقَبْرِ الْمَوْتَى فِي الْحَدِيثِ صَلاَةُ الْجِنَازَةِ، لاَ الدَّفْنُ، فَإِنَّ الدَّفْنَ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا إِبَاحَةُ السُّنَنِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، إِلاَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ: كَرَاهَةُ السُّنَنِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ.
وَحُجَّتُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى: أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ دَلِيلاَنِ مُتَعَارِضَانِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (أَحَدُهُمَا) حَدِيثُ عُقْبَةَ الْمَارُّ ذِكْرُهُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ أَيَّ صَلاَةٍ كَانَتْ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ.
(ثَانِيهِمَا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ غَفَل فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (3) ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ فِي كُل وَقْتٍ عِنْدَ التَّذَكُّرِ. وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 315 وما بعدها.
(2) حديث عقبة بن عامر: " ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 568، 569 ط الحلبي) .
(3) أخرجه مسلم (1 / 477 - ط الحلبي) .

الْحَدِيثَيْنِ، بِأَنْ نَسْتَثْنِيَ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ السُّنَنَ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُنَصَّبًا عَلَى الْفَرَائِضِ، أَمَّا السُّنَنُ فَلَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ السُّنَنِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ: حَدِيثُ عُقْبَةَ الَّذِي يَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مُطْلَقًا فِيهَا. (1)
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ صَلاَةَ الْكُسُوفِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ لاَ لِغَرَضِ أَنْ يُصَلِّيَهَا، بِأَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ، ثُمَّ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ (2) .
وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ.
25 - وَأَمَّا حُكْمُ صَلاَةِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ الْمَارِّ ذِكْرُهُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا مُطْلَقًا.
وَلاَ تَجُوزُ صَلاَةُ الْجِنَازَةِ إِذَا حَضَرَتْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ أُخِّرَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا بِدُونِ عُذْرٍ إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. وَلاَ تَجُوزُ سَجْدَةُ تِلاَوَةٍ تُلِيَتْ آيَتُهَا أَوْ سُمِعَتْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سَجَدَ لَهَا التَّالِي أَوِ السَّامِعُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. أَمَّا إِذَا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَمِثْل ذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ إِذَا تُلِيَتْ آيَتُهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سَجَدَ لَهَا التَّالِي أَوِ السَّامِعُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، إِذَا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ فِي الْوَقْتِ غَيْرِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ أُخِّرَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ: حَدِيثُ
__________
(1) بداية المجتهد 1 / 53.
(2) البجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها.

عُقْبَةَ الْمَارُّ ذِكْرُهُ. وَدَلِيلُهُمْ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ: أَنَّ مَا وَجَبَ فِي وَقْتٍ نَاقِصٍ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَا وَجَبَ فِي كَامِلٍ لاَ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ، وَمَنْ أَجْل ذَلِكَ صَحَّ عَصْرُ الْيَوْمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، إِذَا أُدِّيَ فِي وَقْتِ الاِصْفِرَارِ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ فِي نَاقِصٍ فَيُؤَدَّى كَمَا وَجَبَ، وَلَمْ يَصِحَّ عَصْرُ أَمْسِ إِذَا أَدَّاهُ فِي وَقْتِ الاِصْفِرَارِ الْيَوْمَ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ فِي كَامِلٍ فَلاَ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ. (1)
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ غَفَل عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، دَل الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي كُل وَقْتٍ عِنْدَ التَّذَكُّرِ. (2)
ثَانِيًا: أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ لأَِمْرٍ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ
26 - وَهِيَ عَشْرَةُ أَوْقَاتٍ، كَمَا ذَكَرَهَا الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: وَأَوْصَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ إِلَى نَيِّفٍ وَثَلاَثِينَ مَوْضِعًا، أَهَمُّهَا: (3)
الْوَقْتُ الأَْوَّل: قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ.
27 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى كَرَاهِيَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ إِلاَّ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهُ بِاللَّيْل، فَلَمْ يُصَلِّهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَلِّغَ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ،
__________
(1) ابن عابدين 1 / 250.
(2) بداية المجتهد 12 / 53 وما بعدها، والبجيرمي على الإقناع 2 / 209 وما بعدها، والمغني 1 / 753 وما بعدها.
(3) ابن عابدين 1 / 254.

وَلاَ تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنِ. (1)
أَيْ لاَ صَلاَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. (2)

الْوَقْتُ الثَّانِي: بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ:
28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل الْمُطْلَقِ (وَهُوَ مَا لاَ سَبَبَ لَهُ) بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، (3) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ كُل صَلاَةٍ لَهَا سَبَبٌ، كَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالطَّوَافِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ فَائِتَةً فَرْضًا أَمْ نَفْلاً، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَال: هُمَا اللَّتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ. (4)
__________
(1) حديث: ليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين " أخرجه أبو داود واللفظ له والترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى وروى عنه غير واحد. وذكر الزيلعي طرقا أخرى للحديث من غير طريق قدامة بن موسى، وقال: وكل ذلك يعكر على الترمذي في قوله: لا نعرفه إلا من حديث قدامة. ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له - من حديث حفصة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركع وسنن الترمذي 2 / 279، 280 ط الحلبي، وفتح الباري 3 / 58 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 500 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 255، 256) .
(2) اللباب شرح مختصر القدوري ط المطبعة الأزهرية 1 / 50، وابن عابدين 1 / 254، والإقناع 2 / 110، والمغني 1 / 447، وبلغة السالك 1 / 77.
(3) المراجع السابقة.
(4) البجيرمي على الخطيب 2 / 101 والحديث أخرجه البخاري 3 / 105

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الإِْتْيَانِ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذَا نَسِيَهَا وَلَمْ يَتَذَكَّرْهَا إِلاَّ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الصُّبْحَ، فَوَجَدَنِي أُصَلِّي، فَقَال: مَهْلاً يَا قَيْسُ أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ رَكَعْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. قَال: فَلاَ إِذَنْ (1) ظَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرَّجُل يُصَلِّي الصُّبْحَ بَعْدَ أَنْ صَلاَّهُ مَعَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. وَلأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدِ الْعَصْرِ، وَسُنَّةُ الْفَجْرِ فِي مَعْنَاهَا. (2)

الْوَقْتُ الثَّالِثُ: بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ:
29 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل الْمُطْلَقِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ. (3)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ قَضَاءِ سُنَّةِ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةَ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ. (4)

الْوَقْتُ الرَّابِعُ: قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ:
30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ
__________
(1) حديث قيس بن فهد " خرج رسول الله. . . " أخرجه الترمذي (2 / 285 ط الحلبي) والحاكم (1 / 274 - 275 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(2) المغني 1 / 757.
(3) ابن عابدين 1 / 254 وما بعدها، والشرح الصغير 1 / 404، والقليوبي وعميرة 1 / 211.
(4) المغني 1 / 758.

إِلاَّ الْمَغْرِبَ. (1) وَالْمُرَادُ بِالأَْذَانَيْنِ: الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، فَبَيْنَ أَذَانِ الصُّبْحِ وَإِقَامَتِهِ سُنَّةُ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ أَذَانِ الظُّهْرِ وَإِقَامَتِهِ سُنَّةُ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةُ، وَبَيْنَ أَذَانِ الْعَصْرِ وَإِقَامَتِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَنْدُوبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَيْنَ أَذَانِ الْعِشَاءِ وَإِقَامَتِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَنْدُوبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ الْمَغْرِبَ لِقِصَرِ وَقْتِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: صَلاَةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ؛ لِلأَْمْرِ بِهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد صَلُّوا قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، (2) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: هُمَا جَائِزَتَانِ، وَلَيْسَتَا بِسُنَّةٍ. (3)
كَمَا اسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، (4) فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُل الْغَرِيبَ لَيَدْخُل الْمَسْجِدَ، فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلاَةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. (5)
__________
(1) حديث " بين كل أذانين صلاة إلا المغرب. . . ". أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيهما من طريق حيان بن عبيد الله العدوي من حديث بريدة بلفظ: " إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب " رواه البزار في مسنده وقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد ال ونصب الراية 2 / 140، وعمدة القاري 5 / 138 ط المنيرية) .
(2) الحديث أخرجه البخاري (3 / 59) .
(3) المراجع السابقة، والمغني 2 / 129.
(4) أي أسرع كل واحد منهم إلى عمود من أعمدة المسجد لصلاة الركعتين.
(5) المغني 1 / 466. وحديث: " كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب. . . " أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (صحيح مسلم 1 / 573 ط الحلبي) .

الْوَقْتُ الْخَامِسُ: عِنْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ:
31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل عِنْدِ خُرُوجِ الْخَطِيبِ إِلَى الْمِنْبَرِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ. (1) دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِالإِْنْصَاتِ، كَانَ أَمْرُهُ لَغْوًا مِنَ الْكَلاَمِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ بِالإِْنْصَاتِ - وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ - لَغْوًا مِنَ الْكَلاَمِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَانَ التَّنَفُّل لَغْوًا مِنَ الأَْعْمَال مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّنَفُّل يُفَوِّتُ الاِسْتِمَاعَ إِلَى الْخَطِيبِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، فَلاَ يُتْرَكُ الْوَاجِبُ مِنْ أَجْل النَّفْل.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِمَنْ دَخَل وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ، فَأَجَازُوا التَّنَفُّل بِرَكْعَتَيْنِ. (2)
لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ، فَقَال لَهُ: يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا. (3)

الْوَقْتُ السَّادِسُ: عِنْدَ الإِْقَامَةِ:
32 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل عِنْدَ الإِْقَامَةِ لِلصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، إِلاَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، أَمَّا إِذَا خَافَ فَوْتَهَا تَرَكَهَا، وَإِنَّمَا كُرِهَ التَّنَفُّل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ
__________
(1) حديث: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " أخرجه البخاري مرفوعا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (فتح الباري 2 / 414 ط السلفية) .
(2) ابن عابدين 1 / 255 وما بعدها، والشرح الصغير 1 / 513، والبجيرمي 1 / 189، والمغني 2 / 319 ط الرياض.
(3) حديث جابر: " قال جاء سليك الغطفاني. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 2 / 597 ط الحلبي) .

الْمَكْتُوبَةَ. (1) وَاسْتَثْنَى مِنَ الْحَدِيثِ سُنَّةَ الْفَجْرِ لِكَوْنِهَا آكَدَ السُّنَنِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الإِْمَامَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَلْيَدْخُل مَعَهُ فِي صَلاَتِهِ، وَيَتْرُكْ سُنَّةَ الْفَجْرِ. وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ: فَإِنْ خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الإِْمَامُ بِرَكْعَةٍ تَرَكَ سُنَّةَ الْفَجْرِ وَقَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَفُوتَهُ الإِْمَامُ بِرَكْعَةٍ أَتَى بِالسُّنَّةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. (2)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَكَوْنِهِ دَاخِلَهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَاخِل الْمَسْجِدِ وَصَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَالإِْمَامُ يُصَلِّي الصُّبْحَ، كَانَتَا صَلاَتَيْنِ مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَيَكُونُ مُخْتَلِفًا مَعَ الإِْمَامِ، فَهُوَ يُصَلِّي نَفْلاً، وَالإِْمَامُ يُصَلِّي فَرْضًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَال: سَمِعَ قَوْمٌ الإِْقَامَةَ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ وَذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْل الصُّبْحِ. (3)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ يَشْرَعُ فِي صَلاَةٍ نَافِلَةٍ وَلَوْ رَاتِبَةً، وَلَوْ
__________
(1) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. (صحيح مسلم 1 / 493 ط الحلبي) .
(2) الشرح الصغير 1 / 409.
(3) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: " سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون. . . " أخرجه مالك في الموطأ وقال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: في إسناده أيضا شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، وهو جامع الأصول 6 / 22) .

شَرَعَ فِيهَا لاَ تَنْعَقِدُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ سُنَّةُ الْفَجْرِ وَغَيْرُهَا مِنَ السُّنَنِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (1)

الْوَقْتُ السَّابِعُ: قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا:
33 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ فِي الْمَنْزِل وَالْمَسْجِدِ، وَبَعْدَ الصَّلاَةِ يُكْرَهُ التَّنَفُّل فِي الْمَسْجِدِ، وَلاَ يُكْرَهُ فِي الْمَنْزِل؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يُصَلِّي قَبْل الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِل صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. (2)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ. (3)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِغَيْرِ الإِْمَامِ. (4)

الْوَقْتُ الثَّامِنُ: بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ:
34 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي عَرَفَةَ، وَالْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ، فَإِذَا جَمَعَ الإِْمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 409 ط. دار المعارف. والبجيرمي على الخطيب 2 / 4 ط دار المعرفة، وكشاف القناع 1 / 459، والمغني 2 / 387.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري. قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. (سنن ابن ماجه 1 / 41 ط الحلبي، وفتح الباري 2 / 476 ط السلفية) .
(3) الشرح الصغير 1 / 189، والمغني 2 / 387.
(4) القليوبي 1 / 308.

وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةَ، وَمِثْل ذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ الْبَعْدِيَّةَ؛ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَيْنَهُمَا.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَأَمَّا الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِعَمَلٍ غَيْرِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَل فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا. (1) وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَلاَّ يَتَطَوَّعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. (2)

الْوَقْتُ التَّاسِعُ: عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ:
35 - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّنَفُّل عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُ الظُّهْرِ مَثَلاً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ مَا يَسَعُ صَلاَتَهُ، حَرُمَ التَّنَفُّل لِمَا فِي التَّنَفُّل مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالاِشْتِغَال بِالنَّفْل، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ نَافِلَةً - وَلَوْ رَاتِبَةً - مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (3)
__________
(1) حديث أسامة بن زيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 240 ط السلفية) .
(2) تفسير القرطبي 2 / 424، 425 في تفسير قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات) في المسألة الخامسة عشر، ونهاية المحتاج 3 / 281، وكشاف القناع 2 / 492، والدر المختار ورد المحتار 1 / 485، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي ص 239.
(3) كشاف القناع 1 / 261، ونهاية المحتاج 2 / 114، وابن عابدين 1 / 483، والحطاب 2 / 66.

حُكْمُ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا
تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِلاَ عُذْرٍ:
36 - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا بِدُونِ عُذْرٍ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، لاَ يُرْفَعُ إِلاَّ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَبْدِ، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ أَيْ مُقَصِّرٌ، حَيْثُ قَال: لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ. (1)
37 - أَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النِّسْيَانِ، فَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَى هَذَا التَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (2)
38 - وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النَّوْمِ، فَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. (3)
أَنَّ النَّوْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا لاَ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُفَرِّطًا، وَقَدْ نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي حَدِيثِ التَّعْرِيسِ (4) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: سِرْنَا مَعَ
__________
(1) حديث: " ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة. . . " أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأصل الحديث أخرجه مسلم مطولا (سنن الترمذي 1 / 3341، 335 ط الحلبي، وسنن أبي داود 1 / 304 ط عزت عبيد دعاس، وصحيح مسلم 1 / 472، 473 ط الحلبي) .
(2) حديث: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . " سبق تخريجه في مصطلح أهلية (ف / 39) .
(3) حديث: " ليس في النوم تفريط. . . " سبق تخريجه (ف / 36) .
(4) التعريس: نزول القوم المسافرين في مكان الاستراحة آخر الليل، ثم يرتحلون بعد ذلك.

رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ، قَال بِلاَلٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَال: يَا بِلاَل أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَال: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلاَل قُمْ فَأَذِّنِ النَّاسَ بِالصَّلاَةِ، فَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ (1) غَيْرَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ تَفُوتُهُ الصَّلاَةُ يُكَلِّفُ أَحَدًا بِإِيقَاظِهِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (2) وَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ، لِحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. (3)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل الصَّلاَةِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ كَرَاهَةُ النَّوْمِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ، أَمَّا قَبْل دُخُولِهِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ. (4)
39 - أَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ تَقْدِيمُهَا بِعُذْرِ السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِعُذْرِ
__________
(1) حديث أبي قتادة " سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البخاري، وزيادة " بالناس " عند أبي داود فقط. (فتح الباري 2 / 66، 67 ط السلفية، وسنن أبي داود 1 / 307 ط عزت عبيد دعاس) .
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 246، وبلغة السالك في أوقات الصلاة 1 / 232 وما بعدها.
(3) حديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبلها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 49 - ط السلفية) ومسلم (1 / 447 ط الحلبي) .
(4) رد المحتار 1 / 246، وشرح المحلى على المنهاج 1 / 115.

السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ (1) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَجَّل بِهِ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. (2) وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ - أَيْ قَبْل أَنْ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ - أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَل، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (3) دَل الْحَدِيثُ الأَْوَّل عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا، وَأَسْرَعَ فِي السَّيْرِ؛ لِيَصِل إِلَى غَرَضِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. وَدَل الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَإِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، صَلاَّهَا ثُمَّ سَافَرَ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَيُسْتَدَل لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلسَّفَرِ وَغَيْرِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَجْمَعُ الإِْمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَاتٍ، وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بِمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 92، والإقناع 2 / 169، والمغني 1 / 409.
(2) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (الفتح 2 / 572 ط السلفية) ومسلم (1 / 489 ط الحلبي) .
(3) حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري (الفتح 2 / 582 ط السلفية) ومسلم (1 / 489 ط الحلبي) .

وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ.
وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَوَازِ هَذَا الْجَمْعِ: أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ لاَ عُمْرَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ - أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَجَازُوا لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاَةَ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، أَمَّا الْجَمْعُ فِي مُزْدَلِفَةَ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ غَيْرُ الإِْحْرَامِ وَالْمَكَانِ، وَهُوَ مُزْدَلِفَةُ.
40 - وَقَدْ تَضَمَّنَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَيْنِ: (الأَْوَّل) أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ. (الثَّانِي) لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ.
أَمَّا الأَْمْرُ الأَْوَّل فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا نُسُكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجِّهِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ هَذَا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ.
وَأَمَّا الأَْمْرُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ - فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ عُرِفَتْ مُؤَقَّتَةً بِأَوْقَاتِهَا بِالدَّلاَئِل الْمَقْطُوعِ بِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَلاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا بِنَوْعٍ مِنَ الاِسْتِدْلاَل وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالسَّفَرُ أَوِ الْمَطَرُ لاَ أَثَرَ لَهُمَا فِي تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تَقْدِيمِهَا عَنْ وَقْتِهَا. (1)

مَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ
41 - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ
__________
(1) انظر رد المحتار 1 / 256، والبدائع 1 / 127.

الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، كَسُكَّانِ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَفِي لَيْلٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أُخْرَى، كَمَا يَقُول الْجُغْرَافِيُّونَ، فَهَل يَجِبُ عَلَى سُكَّانِ هَذِهِ الْمَنَاطِقِ - إِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ - أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا، بِأَنْ يُقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا أَوْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ؟ .
وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، تَأْتِي فِيهَا فَتَرَاتٌ لاَ يُوجَدُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، أَوْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مُبَاشَرَةً.
وَفِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ لاَ تَغِيبُ الشَّمْسُ مُطْلَقًا.
ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ عَنْهُمْ، وَيُقَدِّرُونَ لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا، فَفِي السِّتَّةِ الأَْشْهُرِ الَّتِي تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ يُقَدِّرُونَ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَالْفَجْرِ وَقْتًا، مِثْل ذَلِكَ السِّتَّةُ الأَْشْهُرِ الأُْخْرَى يُقَدِّرُونَ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا، بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ الَّتِي لاَ تَتَوَارَى فِيهَا الأَْوْقَاتُ الْخَمْسَةُ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَيَّامِ الدَّجَّال، الَّذِي هُوَ مِنْ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّقْدِيرِ فِيهَا، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَال: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّال وَلُبْثَهُ فِي الأَْرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قَال الرَّاوِي: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْيَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنِ اقْدُرُوا لَهُ. أَيْ صَلُّوا صَلاَةَ سَنَةٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ كَسَنَةٍ، وَقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا. (1)
__________
(1) حديث: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال ولبثه في الأرض. . . " أخرجه أحمد والترمذي مطولا من حديث النواس بن سمعان الكلابي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. (مسند أحمد بن حنبل 4 / 181 ط الميمنية، وسنن الترمذي 4 / 510 - 514 ط الحلبي) .

وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا عُدِمَ السَّبَبُ - وَهُوَ الْوَقْتُ - عُدِمَ الْمُسَبَّبُ وَهُوَ الْوُجُوبُ. (1)
وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْبِلاَدِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا اللَّيْل أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الصَّيْفِ، فَقَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَْحْمَرُ، يَظْهَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ فَلاَ يُوجَدُ وَقْتٌ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ؛ لأَِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ قَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ.
فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ عَنْ أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، بَل يُقَدِّرُونَ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَقْتًا بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ. وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ نُورِ الإِْيضَاحِ وَعِبَارَتُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ. لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَذْهَبِ وَمَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (2) إِلَى تَقْدِيرِ مَغِيبِ شَفَقِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ أَقْرَبُ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ يَغِيبُ فِيهَا الشَّفَقُ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمُدَّةُ اللَّيْل فِي هَذِهِ الْبِلاَدِ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، فَيَكُونُ أَوَّل الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار عليه 1 / 242، 244.
(2) بلغة السالك 1 / 72، والمنهاج 1 / 110.

غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا كَانَتْ مُدَّةُ اللَّيْل فِي الْبِلاَدِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً، فَيُقَدَّرُ مَغِيبُ الشَّفَقِ عِنْدَهُمْ بِسَاعَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأَِنَّ مُدَّةَ بَقَاءِ الشَّفَقِ فِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ سَاعَةٌ، وَهِيَ تُعَادِل الثُّمُنَ مِنَ اللَّيْل؛ لأَِنَّ اللَّيْل عِنْدَهُمْ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، وَالْبِلاَدُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ وَلَيْلُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، يُقَدَّرُ لِغِيَابِ الشَّفَقِ ثُمُنَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ سَاعَةٌ وَنِصْفٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ. (1)
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَقَلُوا فِيهَا الْخِلاَفَ بَيْنَ ثَلاَثَةٍ مِنْ مَشَايِخِنَا وَهُمُ: الْبَقَّالِيُّ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْبُرْهَانِيُّ الْكَبِيرُ، وَأَفْتَى الْبَقَّالِيُّ: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ وَافَقَ الْبَقَّالِيَّ حِينَمَا أَرْسَل إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ أَسْقَطَ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: أَيَكْفُرُ؟ فَأَجَابَ الْبَقَّالِيُّ السَّائِل: مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلاَهُ كَمْ فُرُوضُ وُضُوئِهِ؟ قَال: ثَلاَثٌ. قَال: فَكَذَلِكَ الصَّلاَةُ، فَاسْتَحْسَنَ الْحَلْوَانِيُّ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْل الْبَقَّالِيِّ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. أَمَّا الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فَقَدْ رَجَّحَ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، وَمَنَعَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَقَّالِيُّ مِنَ الْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، كَمَا يَسْقُطُ غُسْل الْيَدَيْنِ عَنْ مَقْطُوعِهِمَا.
وَقَال: لاَ يَرْتَابُ مُتَأَمِّلٌ فِي ثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَل الْفَرْضِ، وَبَيْنَ عَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ. إِلَى أَنْ قَال: وَانْتِفَاءُ الدَّلِيل عَلَى الشَّيْءِ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ انْتِفَاءُ هَذَا الشَّيْءِ؛ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ
__________
(1) المنهاج 1 / 110.

مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الإِْسْرَاءِ، مِنْ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَعْلِهَا شَرْعًا عَامًّا لأَِهْل الآْفَاقِ، لاَ تَفْضِيل بَيْنَ قُطْرٍ وَقُطْرٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالأَْرْجَحُ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا قَال بِهِ إِمَامٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَل يَنْوِي الْقَضَاءَ أَوْ لاَ يَنْوِيهِ؟ ذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقَضَاءَ لِفَقْدِ وَقْتِ الأَْدَاءِ، وَاعْتَرَضَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَضَاءَ يَكُونُ أَدَاءً، ضَرُورَةً لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ لَيْسَتْ أَدَاءً؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي صُلِّيَتْ فِيهِ لَيْسَ وَقْتًا لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ، بَل وَقْتٌ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ. (1)
وَمَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: افْتِرَاضُ أَنَّ الْوَقْتَ مَوْجُودٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتًا لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا مِنْ مَذْهَبِهِمْ. (2)
أَمَّا الْبِلاَدُ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، فَيَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ بَعْدَ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ لاَ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْمُصَلِّي مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، فَلَمْ نَجِدْ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ نَصًّا عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

أَوْقَاتُ الْكَرَاهِيَةِ
انْظُرْ: أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 242، 243.
(2) واللجنة ترى أن الأخذ بالرأي الثاني أقرب إلى مقاصد الشريعة ألا وهو الذي يؤيده حديث الدجال، وفي الموضوع مسائل عصرية يرجع إليها في ملحق المسائل المستجدة

الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (أَوِ الدَّابَّةِ)

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الصَّلاَةُ يُنْظَرُ تَعْرِيفُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة) .
وَالرَّاحِلَةُ مِنَ الإِْبِل: الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ عَلَى الأَْسْفَارِ وَالأَْحْمَال، وَهِيَ الَّتِي يَخْتَارُهَا الرَّجُل لِمَرْكَبِهِ وَرَحْلِهِ عَلَى النَّجَابَةِ وَتَمَامِ الْخَلْقِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ، وَإِذَا كَانَتْ فِي جَمَاعَةِ الإِْبِل تَبَيَّنَتْ وَعُرِفَتْ.
وَالرَّاحِلَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: كُل بَعِيرٍ نَجِيبٍ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَالْجَمْعُ رَوَاحِل، وَدُخُول الْهَاءِ فِي الرَّاحِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَقِيل: سُمِّيَتْ رَاحِلَةً؛ لأَِنَّهَا ذَاتُ رَحْلٍ (1) .

وَالدَّابَّةُ: كُل مَا يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ. وَقَدْ غَلَبَ هَذَا الاِسْمُ عَلَى مَا يُرْكَبُ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ إِبِلٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ (2) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السَّفِينَةُ:
2 - السَّفِينَةُ: الْفُلْكُ، وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
__________
(1) لسان العرب، مادة (رحل) .
(2) لسان العرب مادة: (دبب) ، وابن عابدين 1 / 469، والشرح الصغير 1 / 109، والمغني لابن قدامة 1 / 434.

الرَّاحِلَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرْكَبُ، وَكَمَا أَنَّ لِلصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَحْكَامًا خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ لِلصَّلاَةِ فِي السَّفِينَةِ أَحْكَامًا خَاصَّةً تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سَفِينَة) .

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ:
أ - صَلاَةُ النَّفْل:
3 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ صَلاَةُ النَّفْل عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (1) قَال ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهَهُ (2) وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (3) .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَلاَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ.
__________
(1) سورة البقرة / 115.
(2) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته ". أخرجه البخاري (الفتح2 / 578 - ط السلفية) .
(3) حديث جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 503 - ط السلفية) .

وَأَمَّا السَّفَرُ الْقَصِيرُ، وَهُوَ مَا لاَ يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ فَإِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ.
وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُبَاحُ إِلاَّ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ؛ لأَِنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ فَاخْتَصَّ بِالطَّوِيل كَالْقَصْرِ.
وَاسْتَدَل الأَْوَّلُونَ بِالآْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْل ابْنِ عُمَرَ فِيهَا، وَحَدِيثِهِ الَّذِي قَال فِيهِ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ (1) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ السَّفَرُ وَإِنَّمَا قَيَّدُوا جَوَازَ النَّفْل. عَلَى الرَّاحِلَةِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَ الْمِصْرِ مَحَل الْقَصْرِ، أَيْ فِي الْمَحَل الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ الصَّلاَةِ فِيهِ (2) .
وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْمِصْرِ وَقَال: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ - وَسَمَّاهُ - عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ رَاكِبٌ (3) .
__________
(1) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 488 - ط السلفية)
(2) ابن عابدين 1 / 4960، والزيلعي 1 / 177، وفتح القدير 1 / 330، 331، والمغني 1 / 434، 435 ومغني المحتاج 1 / 42 وكشاف القناع 1 / 302.
(3) حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب الحمار في المدينة يعود سعد ابن عبادة ". ذكرالعيني في البناية (2 / 578 ط دار الفكر) هذا الحديث وأشار إلى شذوذه بعد أن ذكر أن أبا يوسف رواه.

وَأَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَخَافَةَ الْغَلَطِ لِمَا فِي الْمِصْرِ مِنْ كَثْرَةِ اللَّغَطِ (1) .
كَمَا أَجَازَ التَّنَفُّل عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيُّ مُحْتَسِبَ بَغْدَادَ يَطُوفُ السِّكَكَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ (2) .
4 - وَالتَّطَوُّعُ الْجَائِزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَشْمَل النَّوَافِل الْمُطْلَقَةَ وَالسُّنَنَ الرَّوَاتِبَ وَالْمُعَيَّنَةَ وَالْوِتْرَ وَسُجُودَ التِّلاَوَةِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (3))
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ (4) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُعْتَبَرُ وَاجِبًا عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْفَرَائِضِ كَالْوِتْرِ لاَ يَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِدُونِ عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ (5) .
__________
(1) فتح القدير 1 / 330 - 331 والزيلعي مع الشلبي 1 / 177.
(2) الشلبي على الزيلعي 1 / 177، والمجموع شرح المهذب 3 / 203 تحقيق المطيعي.
(3) الدسوقي 1 / 255، وأسنى المطالب 1 / 134، والمغني (1 / 437 ط الرياض) .
(4) المغني / 437.
(5) ابن عابدين 1 / 469.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَنْزِل عَنْ دَابَّتِهِ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لأَِنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ (1) .
وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ، وَلاَ كَرَاهَةَ هُنَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ النَّفَل (2) . غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُلاَقِي بَدَنَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَثِيَابِهِ مِنَ السَّرْجِ، وَالْمَتَاعِ، وَاللِّجَامِ طَاهِرًا. وَهَذَا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الأَْصْل.
وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيَّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لاَ تَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى السَّرْجِ نَجَاسَةٌ فَسَتَرَهَا لَمْ يَضُرَّ (3) .
5 - وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَطَوُّعًا فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
__________
(1) الزيلعي 1 / 177.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على حماره النفل ". تقدم تخريجه ف3.
(3) البدائع 1 / 109 والمجموع شرح المهذب 3 / 203 تحقيق المطيعي، وشرح منتهى الإرادات 1 / 160، 161، والشرح الصغير 1 / 109.

وَلاَ يُبَاحُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ: كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ؛ لأَِنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلإِْعَانَةِ عَلَى تَحْصِيل الْمُبَاحِ فَلاَ يُنَاطُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مُسَافِرٌ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّرَخُّصُ كَالْمُطِيعِ (1) .

ب - صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ:
6 - الأَْصْل أَنَّ صَلاَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ لِعُذْرٍ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (2) .
قَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَلأَِنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول لاَ يَجُوزُ.
وَلأَِنَّ شَرْطَ الْفَرِيضَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ مُسْتَقِرًّا فِي جَمِيعِهَا،
__________
(1) المغني 2 / 261 - 263 بتصرف.
(2) حديث جابر بن عبد الله: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 575 - ط السلفية) .

فَلاَ تَصِحُّ مِنَ الرَّاكِبِ الْمُخِل بِقِيَامٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ (1) .
7 - وَقَدْ عَدَّدَ الْفُقَهَاءُ الأَْعْذَارَ الَّتِي تُبِيحُ الصَّلاَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ، أَوْ خَوْفِ الاِنْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ، أَوِ التَّأَذِّي بِالْمَطَرِ وَالْوَحْل؛ فَفِي مِثْل هَذِهِ الأَْحْوَال تَجُوزُ صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالإِْيمَاءِ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ لأَِنَّ عِنْدَ اعْتِرَاضِ هَذِهِ الأَْعْذَارِ عَجْزًا عَنْ تَحْصِيل هَذِهِ الأَْرْكَانِ (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ: إِمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلاَّ بِالْهَرَبِ، أَوِ الْمُسَابَقَةِ، أَوِ الْتِحَامِ الْحَرْبِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْمُطَارَدَةِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ رَاجِلاً وَرَاكِبًا إِلَى الْقِبْلَةِ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ إِلَى غَيْرِهَا إِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَإِذَا عَجَزَ عَنِ
__________
(1) فتح الباري 2 / 575، والبدائع 108، وابن عابدين 1 / 469 - 470، والدسوقي 1 / 339، والحطاب 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 142، والشرح الصغير 1 / 109.
(2) البدائع 1 / 108، والدسوقي 1 / 229 - 230، ونهاية المحتاج 1 / 48 - 409، وشرح منتهى الإرادات 1 / 273.

الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا وَيَنْحَنِي إِلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنِ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ سَقَطَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ، أَوِ الْقُعُودِ، أَوْ غَيْرِهِمَا سَقَطَ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ فَعَل ذَلِكَ وَلاَ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا (1) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} (2) .
وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَل مِنْهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ (3) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (صَلاَةُ الْخَوْفِ، وَاسْتِقْبَال ف 38) .
8 - وَإِذَا كَانَتْ صَلاَةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ لِعُذْرٍ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْفَرِيضَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ مُسْتَقِرًّا فِي جَمِيعِهَا وَمُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا، فَإِنَّ مَنْ
__________
(1) المغني (1 / 432 ط الرياض) وانظر شرح منتهى الإرادات 1 / 273.
(2) سورة البقرة / 239.
(3) حديث يعلى بن أمية: " أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق ". أخرجه أحمد (4 / 173 - 174 ط الميمنية) والبيهقي (2 / 7 ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: في إسناده ضعف.

أَمْكَنَهُ صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ الإِْتْيَانِ بِكُل شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ صَحَّتْ صَلاَتُهُ وَذَلِكَ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - قَال الْحَنَابِلَةُ: وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الرَّاحِلَةُ سَائِرَةً أَمْ وَاقِفَةً، لَكِنِ الشَّافِعِيَّةُ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ وَهِيَ وَاقِفَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً. أَمَّا لَوْ كَانَتْ سَائِرَةً فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ سَيْرَهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ بِدَلِيل جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَيْهَا. وَلَوْ كَانَ لِلدَّابَّةِ مَنْ يَلْزَمُ لِجَامَهَا وَيُسَيِّرُهَا، بِحَيْثُ لاَ تَخْتَلِفُ الْجِهَةُ جَازَ ذَلِكَ، وَقَال سَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ الصَّلاَةِ عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا لِدُخُولِهِ عَلَى الْغَرَرِ (1) .

قِبْلَةُ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ:
9 - مُصَلِّي النَّافِلَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، بَل يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتِ الدَّابَّةُ أَوْ صَوْبَ سَفَرِهِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَتَكُونُ هَذِهِ عِوَضًا عَنِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، أَيْ جِهَةَ مَقْصِدِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (2) .
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 109، والدسوقي 1 / 225، وشرح منتهى الإرادات 1 / 273، ومغني المحتاج 1 / 144.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته ". تقدم فقرة 3.

وَالْحِكْمَةُ فِي التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُسَافِرِ: أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى الأَْسْفَارِ. فَلَوْ شُرِطَ فِيهَا الاِسْتِقْبَال لأََدَّى إِلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ.
10 - غَيْرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ سَهْلَةً غَيْرَ مَقْطُورَةٍ بِأَنْ كَانَتْ وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً وَزِمَامُهَا بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَل بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ (1) ؛ وَلأَِنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلاَةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَالصَّلاَةِ كُلِّهَا.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُشْتَرَطُ الاِسْتِقْبَال فِي السَّلاَمِ - أَيْضًا - لأَِنَّهُ آخِرُ طَرَفَيِ الصَّلاَةِ فَاشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: لاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ يَعْنِي فِي السَّلاَمِ لأَِنَّ الاِفْتِتَاحَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلاَةِ
__________
(1) حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع ". أخرجه أبو داود (2 / 21 تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسن إسناده المنذري في مختصره لأبي داود (2 / 59 نشر دار المعرفة) .

فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ فَسَقَطَ شَرْطُ الاِسْتِقْبَال فِي السَّلاَمِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلاَ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُل اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ بِأَنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ سَائِرَةً وَهِيَ مَقْطُورَةٌ، وَلَمْ يَسْهُل انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ كَانَتْ جَمُوحًا لاَ يَسْهُل تَحْرِيفُهَا فَلاَ يَجِبُ الاِسْتِقْبَال؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَاخْتِلاَل أَمْرِ السَّيْرِ عَلَيْهِ، فَيُحْرِمُ إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الاِسْتِقْبَال مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَهُل عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لاَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ (1) .
11 - وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ كَمَحْمَلٍ وَاسِعٍ وَهَوْدَجٍ وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي صَلاَتِهِ وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَقَال أَبُو الْحَسَنِ الآْمِدِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ لاَ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ لأَِنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرُهُ (2) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّطَوُّعِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الاِسْتِقْبَال لِلْعُذْرِ - فَقَطْ - عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
__________
(1) ابن عابدين 1 / 469، والدسوقي 1 / 225، ومغني المحتاج 1 / 143، وأسنى المطالب 1 / 134، والمغني (1 / 436 ط. الرياض) .
(2) المغني (1 / 435 - 436 ومغني المحتاج 1 / 142، والدسوقي 1 / 22) .

كَيْفِيَّةُ الصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ:
12 - مَنْ جَازَتْ لَهُ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَإِنَّهُ يُومِئُ فِي صَلاَتِهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَل سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، قَال جَابِرٌ: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ (1) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءَ صَلاَةِ اللَّيْل إِلاَّ الْفَرَائِضَ (2) .
قَال ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ تَنَفَّل فِي مَحْمَلِهِ فَقِيَامُهُ تَرَبُّعٌ، وَيَرْكَعُ كَذَلِكَ وَيَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهُمَا، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ وَقَدْ ثَنَى رِجْلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْمَأَ مُتَرَبِّعًا (3) .
وَمَنِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَل فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَيَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ صَلاَتِهِ وَيُتِمُّهَا بِالأَْرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا،
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ عَلَى قَوْل مَنْ يُجَوِّزُ الإِْيمَاءَ فِي النَّافِلَةِ لِلصَّحِيحِ غَيْرِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلاَتَهُ
__________
(1) حديث جابر: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ". أخرجه أبو داود (2 / 22 تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على راحلته ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 489 - ط السلفية) من حديث ابن عمر.
(3) الزيلعي 1 / 176، والحطاب مع المواق 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 143، وكشاف القناع 1 / 304، والمغني (1 / 435 ط. الرياض) .

عَلَى دَابَّتِهِ بِالإِْيمَاءِ إِذَا دَخَل الْمَدِينَةَ (1) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَسْتَقْبِل صَلاَتَهُ وَلاَ يَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ؛ لأَِنَّ أَوَّل صَلاَتِهِ بِالإِْيمَاءِ وَآخِرَهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ فَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِذَا نَزَل بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً اسْتَقْبَل؛ لأَِنَّ مَا قَبْل أَدَاءِ الرَّكْعَةِ مُجَرَّدَ تَحْرِيمَةٍ وَهِيَ شَرْطٌ، فَالشَّرْطُ الْمُنْعَقِدُ لِلضَّعِيفِ كَانَ شَرْطًا لِلْقَوِيِّ، وَأَمَّا إِذَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَدْ تَأَكَّدَ فِعْل الضَّعِيفِ فَلاَ يُبْنَى عَلَيْهِ الْقَوِيُّ (2) .
13 - وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ وَهُوَ فِي صَلاَةِ نَفْلٍ أَتَمَّهُ رَاكِبًا، كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَبْنِي؛ لأَِنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ (3) . وَمَنِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ خَارِجَ الْمِصْرِ، ثُمَّ دَخَل الْمِصْرَ، أَوْ نَوَى النُّزُول بِبَلَدٍ دَخَلَهُ نَزَل عَنْ دَابَّتِهِ لاِنْقِطَاعِ سَفَرِهِ وَأَتَمَّ صَلاَتَهُ مُسْتَقْبِلاً الْقِبْلَةَ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الأَْكْثَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ،
__________
(1) ابن عابدين 1 / 470، والزيلعي 1 / 177 - 178، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 225، والحطاب 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 144، شرح منتهى الإردات 1 / 160.
(2) الزيلعي 1 / 18، وابن عابدين 1 / 470.
(3) ابن عابدين 1 / 470، والزيلعي 1 / 178، وكشاف القناع 1 / 303.

وَقِيل: يُتِمُّ عَلَى الدَّابَّةِ بِإِيمَاءٍ (1) .
وَلَوْ رَكِبَ الْمُسَافِرُ النَّازِل وَهُوَ فِي صَلاَةٍ نَافِلَةٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ حَالَتَهُ إِقَامَةٌ فَيَكُونُ رُكُوبُهُ فِيهَا كَالْعَمَل الْكَثِيرِ مِنَ الْمُقِيمِ، وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَبْنِي عَلَى صَلاَتِهِ (2) .
__________
(1) الزيلعي 1 / 178، وابن عابدين 1 / 470، ومغني المحتاج 1 / 144، وكشاف القناع 1 / 303.
(2) كشاف القناع 1 / 303، ومغني المحتاج 1 / 144، والزيلعي 1 / 178.

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1 - الْمَقْصُودُ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدُّعَاءُ لَهُ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَالتَّعْظِيمُ لأَِمْرِهِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ مِنَ اللَّهِ:
رَحْمَتُهُ، وَرِضْوَانُهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ، وَمِنَ الْمَلاَئِكَةِ: الدُّعَاءُ لَهُ وَالاِسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الأُْمَّةِ: الدُّعَاءُ لَهُ، وَالاِسْتِغْفَارُ، وَالتَّعْظِيمُ لأَِمْرِهِ (1) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
2 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِلأَْمْرِ بِهَا، قَال تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2) قَال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ (3) : الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَخْبَرَ عِبَادَهُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ عِنْدَهُ فِي الْمَلأَِ الأَْعْلَى؛ بِأَنَّهُ يُثْنِي عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ
__________
(1) تفسير القرطبي 14 / 232.
(2) سورة الأحزاب / 56.
(3) تفسير ابن كثير (3 / 506) وجلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم ص 93 وما بعدها.

الْمَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْهِ. ثُمَّ أَمَرَ جَل شَأْنُهُ بِالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ؛ لِيَجْتَمِعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الْعَالَمَيْنِ: السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ جَمِيعًا
، وَجَاءَتِ الأَْحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: قِيل لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ، وَاسْتِحْبَابِهَا فِي مَوَاطِنَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوَاطِنِ الْوُجُوبِ.
__________
(1) حديث البخاري: " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آ (فتح الباري8 / 5532 ط. السلفية) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.

4 - فَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالُوا: تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً لِلأَْمْرِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1) وَقَال الطَّحَاوِيُّ: تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْلِيمِ التَّشَهُّدِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَلْفَاظَ التَّشَهُّدِ: إِذَا قُلْتَ هَذَا، أَوْ فَعَلْتَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ (2) .
وَقَالُوا: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَأَهْل الْكُوفَةِ، وَجُمْلَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ.
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عِنْدَهُمْ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ (3) فَإِنْ أَتَى بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) سورة الأحزاب / 56.
(2) حديث تعليم التشهد: إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ". أخرجه أبو داود (سنن أبي داود 1 / 593 ط. تركيا) من حديث القاسم بن مخيمرة بلفظ " أخذ علقمة بيدي، فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول
(3) رد المحتار 1 / 343، فتح القدير 1 / 273، مواهب الجليل 1 / 543، الإنصاف 2 / 76، المغني 1 / 537.

عَامِدًا فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل كُرِهَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ. أَوْ سَاهِيًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَتَفْسُدُ صَلاَتُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ تَعَمَّدَ بِإِتْيَانِهَا (1) .
5 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهَا تَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ مِنْ كُل صَلاَةٍ، وَبَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَفِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَلاَ تَجِبُ خَارِجَ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2) فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ أَوْلَى مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ. وَوَجَدْنَا الدَّلاَلَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَصَفْنَا؛ مِنْ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي الصَّلاَةِ، لاَ فِي خَارِجِهَا. فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ؛ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ يَعْنِي فِي الصَّلاَةِ.
فَقَال: تَقُولُونَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ (3)
__________
(1) المصادر السابقة.
(2) سورة الأحزاب / 56.
(3) حديث أبي هريرة أنه قال: " يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ " أخرجه الشافعي كما في جلاء الأفهام لابن القيم (ص41 - ط دار ابن كثير) ثم ذكر ابن القيم ما يقتضي تضعيف أحد رواته.

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلاَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ نَقُول: التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَالْخَبَرُ فِيهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةُ فَرْضِ الْقُرْآنِ.
وَقَال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَعَلَى كُل مُسْلِمٍ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ - أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّشَهُّدَ، وَالصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَتَشَهَّدْ فِيهَا، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ - فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا. وَإِنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَل عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ
__________
(1) حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد علمنا، أو عرفنا، كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محم

يَتَشَهَّدْ، فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُهُمَا عَلَى وَجْهِهِمَا أَتَى بِمَا أَحْسَنُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُجْزِهِ إِلاَّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِاسْمِ تَشَهُّدٍ، وَصَلاَةٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْ أَحْسَنَهُمَا فَأَغْفَلَهُمَا، أَوْ عَمَدَ بِتَرْكِهِمَا فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، وَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ قَال بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
فَمِنَ الصَّحَابَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُقَاتِل بْنُ حَيَّانَ. وَمِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ: إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ (1) .
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل، فِي الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلاَثِيَّةِ، فَهِيَ سُنَّةٌ فِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَالآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ إِنْ تَرَكَهُ (2) .
__________
(1) الأم للشافعي 1 / 117، المجموع للنووي 3 / 465، روضة الطالبين 1 / 263، الإنصاف 2 / 163، المغني 1 / 541.
(2) المصادر السابقة، والإنصاف 2 / 76 - 77.

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
6 - تُسْتَحَبُّ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَ الصَّلاَةِ فِي كُل الأَْوْقَاتِ، وَتَتَأَكَّدُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتُهَا، وَعِنْدَ الصَّبَاحِ، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ، وَعِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ، وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْقَوْمِ، وَتَفَرُّقِهِمْ، وَعِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَعِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَعَقِبَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْهَمِّ وَالشَّدَائِدِ، وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَعِنْدَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ، وَعِنْدَ الْوَعْظِ، وَإِلْقَاءِ الدَّرْسِ، وَعِنْدَ خِطْبَةِ الرَّجُل الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ.
وَفِي كُل مَوْطِنٍ يُجْتَمَعُ فِيهِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (1) .

أَلْفَاظُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
7 - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ - صِيَغٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا. قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: إِنَّ أَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ
__________
(1) جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ص: 251، وما بعدها، ابن عابدين 1 / 248، تفسير ابن كثير في تفسير آية الأحزاب {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} الأذكار للنووي 108، وما بعدها.

عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: قَدْ عَلِمْنَا - أَوْ عَرَفْنَا - كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (2) .
__________
(1) حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا:. . . إلخ ". سبق تخريجه ف2.
(2) حديث: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 169، ط السلفية) ومسلم (1 / 306 ط الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي، واللفظ لمسلم.

وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخْرَى. وَأَقَل مَا يُجْزِئُ هُوَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ (1) .

الصَّلاَةُ عَلَى سَائِرِ الأَْنْبِيَاءِ:
8 - أَمَّا سَائِرُ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُسَلَّمُ. قَال تَعَالَى فِي نُوحٍ: {سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} (2) وَفِي إِبْرَاهِيمَ: {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (3) وَفِي مُوسَى وَهَارُونَ: {سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} (4) .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي (5) . وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ
__________
(1) المجموع 3 / 464، والمصادر السابقة.
(2) سورة الصافات / 79.
(3) سورة الصافات 109 / 110.
(4) سورة الصافات / 120.
(5) حديث: " صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني ". أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي بإسناده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لابن إسحاق القاضي ص 18. وفي إسناده عمر بن هارون هو متروك (تقريب التهذي وأخرجه البيهقي في (كتاب الدعوات الكبير ص 121 تحقيق بدر البدر) ، وفي إسناده موسى بن عبيدة المذكور. وأخرجه الخطيب في تاريخه (7 / 380) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا، وفي إسناده الحسن بن علي الطوابيقي، قال عنه الخطيب: مجهول.

الصَّلاَةَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ مَشْرُوعَةٌ (1) .

الصَّلاَةُ عَلَى غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ:
9 - أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَى غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ؛ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى سَبِيل التَّبَعِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ فَهَذَا جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَفْرَدَ غَيْرَ الأَْنْبِيَاءِ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ. فَقَال قَائِلُونَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} (2) وَقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} (3) وَقَوْلِهِ: {وَصَل عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (4) .
وَبِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (5) .
__________
(1) جلاء الأفهام لابن القيم 348، تفسير ابن كثير، والفتوحات الإلهية، والقرطبي في تفسير آية الأحزاب - الأذكار للنووي 108.
(2) سورة الأحزاب / 43.
(3) سورة البقرة / 157.
(4) سورة التوبة.
(5) حديث عبد الله بن أوفى " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 169 ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم 2 / 756 - 757 - ط. الحلبي) واللفظ له.

وَقَال الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لاَ يَجُوزُ إِفْرَادُ غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ بِالصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا شِعَارٌ لِلأَْنْبِيَاءِ إِذَا ذُكِرُوا، فَلاَ يَلْحَقُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَلاَ يُقَال: قَال أَبُو بَكْرٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَال: عَلِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، كَمَا لاَ يُقَال: مُحَمَّدٌ عَزَّ وَجَل، وَإِنْ كَانَ عَزِيزًا جَلِيلاً؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ شِعَارِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل (1) .
أَمَّا السَّلاَمُ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ - مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ، فَلاَ يُسْتَعْمَل فِي الْغَائِبِ، وَلاَ يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأَْنْبِيَاءِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الأَْحْيَاءُ وَالأَْمْوَاتُ. وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَيُخَاطَبُ بِهِ، فَيُقَال: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، وَسَلاَمٌ عَلَيْكَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ يُدْعَى لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِالْمَغْفِرَةِ (2) .
__________
(1) تفسير ابن كثير في تفسير آية الأحزاب، الأذكار للنووي ص 108.
(2) تفسير ابن كثير في تفسير آية {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} .

صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
1 - الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْعِيدَيْنِ: أَنَّ كُل قَوْمٍ لَهُمْ يَوْمٌ يَتَجَمَّلُونَ فِيهِ وَيَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِزِينَتِهِمْ (1) . فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: كَانَ لأَِهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُل سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَال: كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَْضْحَى (2) .

حُكْمُ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ:
2 - صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَالْمُرَادُ مِنَ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ - وَدَلِيل ذَلِكَ: مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا مِنْ دُونِ تَرْكِهَا وَلَوْ مَرَّةً، وَأَنَّهُ لاَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ بِجَمَاعَةٍ - مَا خَلاَ قِيَامِ رَمَضَانَ وَكُسُوفِ الشَّمْسِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ،
__________
(1) حجة الله البالغة للدهلوي 2 / 23.
(2) حديث: " كان لكم يومان. . . ". أخرجه النسائي (3 / 179 - 180 ط المكتبة التجارية) .

فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لاَسْتَثْنَاهَا الشَّارِعُ كَمَا اسْتَثْنَى التَّرَاوِيحَ وَصَلاَةَ الْخُسُوفِ (1) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلأَْعْرَابِيِّ - وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَال لَهُ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَال لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (2) .
قَالُوا: وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّرْعِ، كَصَلاَةِ الضُّحَى (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (4) ، وَلِمُدَاوَمَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا (5) .

شُرُوطُهَا:
شُرُوطُ الْوُجُوبِ:
3 - شُرُوطُ وُجُوبِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ
__________
(1) انظر بدائع الصنائع 1 / 274، 275، والهداية 1 / 60 وتحفة الفقهاء 1 / 283.
(2) حديث الأعرابي: " هل علي غيرهن. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 287 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 41 - ط. مسلم) من حديث طلحة بن عبيد الله.
(3) انظر المجموع للنووي 5 / 3، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1 / 101.
(4) سورة الكوثر 2.
(5) المغني لابن قدامة 2 / 304.

عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ بِعَيْنِهَا شُرُوطُ وُجُوبِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ. فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا. (1) الإِْمَامُ (2) الْمِصْرُ (3) الْجَمَاعَةُ (4) الْوَقْتُ (5) الذُّكُورَةُ (6) الْحُرِّيَّةُ (7) صِحَّةُ الْبَدَنِ (8) الإِْقَامَةُ.
إِلاَّ الْخُطْبَةَ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ بَعْدَ الصَّلاَةِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ - وَهُوَ يُقَرِّرُ أَدِلَّةَ هَذِهِ الشُّرُوطِ -: أَمَّا الإِْمَامُ فَشَرْطٌ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا الْمِصْرُ لِمَا روَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ وَلاَ فِطْرَ وَلاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نَفْسَ الْفِطْرِ وَنَفْسَ الأَْضْحَى وَنَفْسَ التَّشْرِيقِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجَدُ فِي كُل مَوْضِعٍ، بَل الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ؛ وَلأَِنَّهَا مَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَارُثِ مِنَ الصَّدْرِ الأَْوَّل إِلاَّ فِي الأَْمْصَارِ. وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ لأَِنَّهَا مَا أُدِّيَتْ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ، وَالْوَقْتُ شَرْطٌ فَإِنَّهَا لاَ تُؤَدَّى إِلاَّ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ وَكَذَا الذُّكُورَةُ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَصِحَّةُ الْبَدَنِ، وَالإِْقَامَةُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا كَمَا هِيَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَلأَِنَّ تَخَلُّفَ شَرْطٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ يُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلأََنْ تُؤَثِّرَ فِي إِسْقَاطِ

الْوَاجِبِ أَوْلَى (1) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ - وَصَلاَةُ الْعِيدَيْنِ عِنْدَهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - فَإِنَّمَا شَرَطُوا لِفَرْضِيَّتِهَا: الاِسْتِيطَانَ، وَالْعَدَدَ الْمُشْتَرَطَ لِلْجُمُعَةِ (2) .
وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُمْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ - شَرَطُوا لِذَلِكَ، أَيْ لِتَأْكِيدِ سُنِّيَّتِهَا: تَكَامُل شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُتَلَبِّسًا بِحَجٍّ. فَإِذَا فُقِدَ أَحَدُ الشُّرُوطِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ هُوَ عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِالْحَجِّ فَصَلاَةُ الْعِيدِ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ هُوَ أَحَدُ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، كَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ، فَهِيَ فِي حَقِّهِمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ. قَال الصَّفْتِيُّ: وَهِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا إِلاَّ الْحَاجَّ فَلاَ تُسَنُّ لَهُ وَلاَ تُنْدَبُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْمُسَافِرُ فَتُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِمْ (3) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ كُل مُكَلَّفٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا لِسُنِّيَّتِهَا شَرْطًا آخَرَ غَيْرَ التَّكْلِيفِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 275، المبسوط 2 / 37، وتحفة الفقهاء 1 / 284.
(2) كشاف القناع 1 / 455.
(3) حاشية الصفتي على الجواهر الزكية: 104.

وَقَالُوا بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالْحَجِّ لأَِدَائِهَا جَمَاعَةً، أَيْ فَالْحَاجُّ تُسَنُّ لَهُ صَلاَةُ الْعِيدِ مُنْفَرِدًا لاَ جَمَاعَةً (1) .

شُرُوطُ الصِّحَّةِ:
4 - كُل مَا يُعْتَبَرُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ أَيْضًا، مَا عَدَا الْخُطْبَةَ فَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعِيدَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ.
وَيُسْتَثْنَى - أَيْضًا - شَرْطُ عَدَمِ التَّعَدُّدِ (رَاجِعْ صَلاَةَ الْجُمُعَةِ) فَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِصَلاَةِ الْعِيدِ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَتُؤَدَّى بِمِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ اتِّفَاقًا، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: مُقَرِّرًا هَذَا الْكَلاَمَ: وَالْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجُمُعَةِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا: (1) الإِْمَامُ (2) وَالْمِصْرُ (3) وَالْجَمَاعَةُ (4) وَالْوَقْتُ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّهَا شُرُوطٌ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا (2) .
هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدِ اشْتَرَطُوا الْوَقْتَ وَالْجَمَاعَةَ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِلاَّ الْوَقْتُ (3) .
أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي صِحَّةِ
__________
(1) انظر مغني المحتاج: 1 / 301.
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 555.
(3) الدسوقي 1 / 396، وما بعدها، وأسنى المطالب 1 / 279، وما بعدها، وكشاف القناع 1 / 455، 2 / 50.

الصَّلَوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ طَهَارَةٍ وَاسْتِقْبَال قِبْلَةٍ. . . إِلَخْ فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ خِلاَفٍ.
وَلِمَعْرِفَتِهَا (ر: صَلاَة) .

الْمَرْأَةُ وَصَلاَةُ الْعِيدَيْنِ:
5 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ خُرُوجِ الشَّابَّاتِ وَذَوَاتِ الْجَمَال لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا فِي الْمُقَابِل خُرُوجَ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ مِنْهُنَّ وَاشْتِرَاكَهُنَّ مَعَ الرِّجَال فِي الصَّلاَةِ.
وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضِ فِي الْعِيدِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَكُنَّ يَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ (1) .
وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجْنَ فِي ثِيَابٍ لاَ تَلْفِتُ النَّظَرَ دُونَ تَطَيُّبٍ وَلاَ تَبَرُّجٍ (2) .
وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي إِبَاحَةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا. أَمَّا الشَّابَّاتُ مِنَ النِّسَاءِ وَذَوَاتُ الْجَمَال مِنْهُنَّ، فَلاَ يُرَخَّصُ لَهُنَّ
__________
(1)) العواتق جمع عاتق، وهي الفتاة التي تجاوزت الحلم، وحديث أم عطية أخرجه البخاري (الفتح 3 / 504 - ط. السلفية) ومسلم (2 / 606 ط. الحلبي) .
(2) المجموع للنووي 5 / 6، 8 والمغني لابن قدامة 2 / 310، 311، وحاشية الصفتي: 104.

فِي الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ وَلاَ غَيْرِهَا كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ (1) وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (2) .
وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ لِلْعِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
غَيْرَ أَنَّ الأَْفْضَل عَلَى كُل حَالٍ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: هَل تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِلصَّلاَةِ أَمْ لِتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ (3) ؟ .

وَقْتُ أَدَائِهَا:
6 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ يَبْتَدِئُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ بِحَسَبِ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ - وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تَحِل فِيهِ النَّافِلَةُ - وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى ابْتِدَاءِ الزَّوَال (4) .
__________
(1) المبسوط للسرخسي 2 / 41، والبدائع للكاساني 1 / 275.
(2) سورة الأحزاب / 33.
(3) انظر بدائع الصنائع 1 / 275، 276، ولعل المقصود من خروج المرأة لصلاة العيد تحقيق كلا الأمرين، فمن كانت طاهرة تصلي مع الجماعة، ومن كانت حائضا تعتزل جانبا وتسمع الموعظة وتكثر سواد المسلمين، وهكذا كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) تحفة الفقهاء 1 / 284، والهداية 1 / 60، والدر المختار 1 / 583، والدسوقي 1 / 396، وكشاف القناع 2 / 50.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ وَقْتَهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَبْدَأُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ سَبَبٍ فَلاَ تُرَاعَى فِيهَا الأَْوْقَاتُ الَّتِي لاَ تَجُوزُ فِيهَا الصَّلاَةُ (1) .
أَمَّا الْوَقْتُ الْمُفَضَّل لَهَا، فَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الأَْضْحَى، وَذَلِكَ كَيْ يَفْرُغَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهَا لِذَبْحِ أَضَاحِيِّهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلاً عَنْ هَذَا الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ انْتِظَارًا لِمَنِ انْشَغَل فِي صُبْحِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ.
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ عِنْدَ سَائِرِ الأَْئِمَّةِ (2) ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنْ يُقَدِّمَ صَلاَةَ الأَْضْحَى وَيُؤَخِّرَ صَلاَةَ الْفِطْرِ (3) .
__________
(1) انظر نهاية المحتاج للرملي 2 / 276.
(2) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 583، والدسوقي 1 / 396، والمجموع للنووي 5 / 3، والمغني لابن قدامة 2 / 312.
(3) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى بعض أصحابه: أن يقدم صلاة الأضحى ". أخرجه الشافعي في الأم (1 / 232 نشر دار المعرفة) وضعفه ابن حجر في التلخيص (2 / 83 - ط شركة الطباعة الفنية) .

حُكْمُهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا:
لِفَوَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ عَنْ وَقْتِهَا ثَلاَثُ صُوَرٍ:
7 - الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ تُؤَدَّى صَلاَةُ الْعِيدِ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا مِنَ الْيَوْمِ الأَْوَّل وَلَكِنَّهَا فَاتَتْ بَعْضَ الأَْفْرَادِ، وَحُكْمُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا فَاتَتْ إِلَى غَيْرِ قَضَاءٍ، فَلاَ تُقْضَى مَهْمَا كَانَ الْعُذْرُ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ خَاصَّةٌ لَمْ تُشْرَعْ إِلاَّ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَبِقُيُودٍ خَاصَّةٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ تَكَامُلِهَا جَمِيعًا، وَمِنْهَا الْوَقْتُ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِمَشْرُوعِيَّةِ قَضَائِهَا - عَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ - فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَكَيْفَمَا كَانَ: مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ أَنَّ نَوَافِل الصَّلاَةِ كُلَّهَا يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا (2) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَالُوا: لاَ تُقْضَى صَلاَةُ الْعِيدِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ صَلاَّهَا أَرْبَعًا، إِمَّا بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ، وَإِمَّا بِسَلاَمَيْنِ (3) .
8 - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لاَ تَكُونَ صَلاَةُ الْعِيدِ
__________
(1) البدائع 1 / 276، والدسوقي 1 / 396، 400.
(2) المجموع: 5 / 27 و 28.
(3) المغني لابن قدامة 2 / 324.

قَدْ أُدِّيَتْ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا مِنَ الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَذَلِكَ إِمَّا بِسَبَبِ عُذْرٍ: كَأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمُ الْهِلاَل وَشَهِدَ شُهُودٌ عِنْدَ الإِْمَامِ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل بَعْدَ الزَّوَال، وَإِمَّا بِدُونِ عُذْرٍ.
فَفِي حَالَةِ الْعُذْرِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى الْيَوْمِ الثَّانِي سَوَاءٌ كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى؛ لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى مِنَ الْغَدِ (1) .
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيُشْرَعُ قَضَاءُ صَلاَةِ الْعِيدِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ تَأَخُّرِ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِعَدَمِ قَضَائِهَا فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال (2) .
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَ صَلاَتَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَضَاءً إِذَا تَأَخَّرَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى مَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. بَل لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ حِينَئِذٍ وَيُعْتَبَرُ الْيَوْمُ الثَّانِي أَوَّل أَيَّامِ الْعِيدِ، فَتَكُونُ الصَّلاَةُ قَدْ أُدِّيَتْ فِي وَقْتِهَا (3) .
__________
(1) حديث: " أن قوما شهدوا برؤية الهلال في آخر يوم من أيام رمضان ". أخرجه أبو داود (1 / 586 - 587 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والدارقطني (2 / 170 ط. دار المحاسن) وحسنه الدارقطني.
(2) انظر بداية المجتهد 1 / 212.
(3) انظر المحلى على المنهاج 1 / 309.

9 - الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تُؤَخَّرَ صَلاَةُ الْعِيدِ عَنْ وَقْتِهَا بِدُونِ الْعُذْرِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ: إِنْ كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ سَقَطَتْ أَصْلاً وَلَمْ تُقْضَ. وَإِنْ كَانَ عِيدَ أَضْحَى جَازَ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثَالِثِ أَيَّامِ النَّحْرِ، أَيْ يَصِحُّ قَضَاؤُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِلاَّ فَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ إِلَى أَوَّل الزَّوَال، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَكِنْ تَلْحَقُهُ الإِْسَاءَةُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ بِذَلِكَ (1) .

مَكَانُ أَدَائِهَا:
10 - كُل مَكَان طَاهِرٍ، يَصْلُحُ أَنْ تُؤَدَّى فِيهِ صَلاَةُ الْعِيدِ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدًا أَوْ عَرْصَةً وَسَطَ الْبَلَدِ أَوْ مَفَازَةً خَارِجَهَا. إِلاَّ أَنَّهُ يُسَنُّ الْخُرُوجُ لَهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ أَوْ إِلَى مَفَازَةٍ وَاسِعَةٍ خَارِجَ الْبَلَدِ تَأَسِّيًا بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الإِْمَامُ غَيْرَهُ فِي الْبَلْدَةِ لِيُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ بِالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ لَهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ (2) .
وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا أَفْضَلِيَّةَ الصَّلاَةِ فِي
__________
(1) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 1 / 103، 104، ومجمع الأنهر 1 / 169، والبدائع 1 / 276.
(2) انظر الدر المختار 1 / 581، مع حاشية ابن عابدين عليه. وبدائع الصنائع 1 / 275.

الصَّحْرَاءِ بِمَا إِذَا كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ ضَيِّقًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا لاَ يَتَزَاحَمُ فِيهِ النَّاسُ، فَالصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ أَشْرَفُ وَأَنْظَفُ. وَنَقَل صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ: إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الصَّحْرَاءِ كُرِهَتْ؛ لأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ، وَإِذَا تَرَكَ الصَّحْرَاءَ وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الضَّيِّقِ تَأَذَّوْا بِالزِّحَامِ، وَرُبَّمَا فَاتَ بَعْضَهُمُ الصَّلاَةُ (1) .

كَيْفِيَّةُ أَدَائِهَا:
أَوَّلاً - الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ:
11 - صَلاَةُ الْعِيدِ، لَهَا حُكْمُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَشْرُوعَةِ؛ فَيَجِبُ وَيُفْرَضُ فِيهَا كُل مَا يَجِبُ وَيُفْرَضُ فِي الصَّلَوَاتِ الأُْخْرَى.
وَيَجِبُ فِيهَا - زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ - مَا يَلِي:
أَوَّلاً: - أَنْ تُؤَدَّى فِي جَمَاعَةٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ثَانِيًا: - الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَذَلِكَ لِلنَّقْل الْمُسْتَفِيضِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثَالِثًا: أَنْ يُكَبِّرَ الْمُصَلِّي ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ
__________
(1) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي مع شرحه المجموع للنووي 5 / 4.

زَوَائِدَ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَأَنْ يُكَبِّرَ مِثْلَهَا - أَيْضًا - بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
وَسِيَّانِ (بِالنِّسْبَةِ لأَِدَاءِ الْوَاجِبِ) أَنْ تُؤَدَّى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ قَبْل الْقِرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا، مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ أَوْ بِدُونِهِمَا، وَمَعَ السُّكُوتِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ الاِشْتِغَال بِتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهِ (1) .
أَمَّا الأَْفْضَل فَسَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ عِنْدَ الْبَحْثِ فِي كَيْفِيَّتِهَا الْمَسْنُونَةِ.
فَمَنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ: فَإِنْ كَانَ لاَ يَزَال فِي الْقِيَامِ كَبَّرَ الْمُؤْتَمُّ لِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ، وَتَابَعَ الإِْمَامَ. أَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ، وَلْيُكَبِّرْ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ أَثْنَاءَ رُكُوعِهِ بَدَلٌ مِنْ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ (2) .
وَهَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ الزَّائِدَةُ قَدْ خَالَفَ فِي وُجُوبِهَا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ وَمَكَانِهَا.
فَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: هِيَ سَبْعٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَبَدْءِ الْقِرَاءَةِ، وَخَمْسٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَبَدْءِ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا سِتُّ
__________
(1) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 584، 585، والهداية 1 / 60، والبدائع 1 / 277.
(2) الدر المختار 1 / 584، 585.

تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ عَقِبَ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ قَبْل الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ. وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ (1) .

ثَانِيًا: الْمَنْدُوبُ مِنْ ذَلِكَ:
12 - يُنْدَبُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ كُل مَا يُنْدَبُ فِي الصَّلَوَاتِ الأُْخْرَى: فِعْلاً كَانَ، أَوْ قِرَاءَةً، وَتَخْتَصُّ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ بِمَنْدُوبَاتٍ أُخْرَى نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً - يُسَنُّ أَنْ يَسْكُتَ بَيْنَ كُل تَكْبِيرَتَيْنِ مِنَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ قَدْرَ ثَلاَثِ تَسْبِيحَاتٍ وَلاَ يُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِل بَيْنَهُمَا بِذِكْرٍ أَوْ تَسْبِيحٍ.
ثَانِيًا - يُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، بِخِلاَفِ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَهَا.
ثَالِثًا - يُسَنُّ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُكَبِّرَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى قَبْل الْقِرَاءَةِ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا، فَتَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ مُتَّصِلَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
رَابِعًا - يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى سُورَةَ
__________
(1) راجع حاشية الصفتي على الجواهر الزكية: 104، والمغني لابن قدامة 2 / 314، 318.

الأَْعْلَى وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ وَلاَ يَلْتَزِمُهُمَا دَائِمًا كَيْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ هَجْرُ بَقِيَّةِ سُوَرِ الْقُرْآنِ.
خَامِسًا - يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ، لاَ يَخْتَلِفُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا عَنْ خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ. إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ الأُْولَى مِنْهُمَا بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ مِثْلَهَا (1) .
هَذَا وَلاَ يُشْرَعُ لِصَلاَةِ الْعِيدِ أَذَانٌ وَلاَ إِقَامَةٌ، بَل يُنَادَى لَهَا: الصَّلاَةَ جَامِعَةً.
13 - وَلَهَا - أَيْضًا - سُنَنٌ تَتَّصِل بِهَا وَهِيَ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا قَبْل غُدُوِّهِ إِلَى الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْمَطْعُومُ حُلْوًا كَتَمْرٍ وَنَحْوِهِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُل تَمَرَاتٍ (2) .
ثَانِيًا: يُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِل وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
ثَالِثًا: يُسَنُّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى مَاشِيًا، فَإِذَا عَادَ نُدِبَ لَهُ أَنْ يَسِيرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى
__________
(1) انظر البدائع 1 / 277، والدر المختار 1 / 285، ومجمع الأنهر 1 / 169، والمبسوط 2 / 39.
(2) حديث: " كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ". أخرجه البخاري (الفتح2 / 446 - ط. السلفية) من حديث أنس.

غَيْرَ الَّتِي أَتَى مِنْهَا. وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَعُودَ رَاكِبًا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْعِيدُ فِطْرًا سُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى بِدُونِ جَهْرٍ بِالتَّكْبِيرِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) .
رَابِعًا: إِنْ كَانَ أَضْحَى فَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ.
قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: قِيل: وَفِي الْمُصَلَّى أَيْضًا وَعَلَيْهِ عَمَل النَّاسِ الْيَوْمَ (2) .
وَاتَّفَقَتْ بَقِيَّةُ الأَْئِمَّةِ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى مَاشِيًا وَالْعَوْدِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَأَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْل خُرُوجِهِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَأَنْ يَغْتَسِل وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمُصَلَّى فَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي ذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى وَالْجَهْرُ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْ عِيدَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى.
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الْمُصَلَّى: فَقَدْ ذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ (فِي الأَْصَحِّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ) إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلنَّاسِ الاِسْتِمْرَارُ فِي التَّكْبِيرِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ الإِْمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ (3) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - إِلَى ذَلِكَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 1 / 581.
(2) الدر المختار 1 / 586.
(3) انظر المجموع للنووي 5 / 32

اسْتِحْسَانًا. قَال الْعَلاَّمَةُ الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: وَأَمَّا التَّكْبِيرُ جَمَاعَةً وَهُمْ جَالِسُونَ فِي الْمُصَلَّى فَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتُحْسِنَ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا (1) .
وَأَمَّا التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي الصَّلاَةِ: فَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي اسْتِحْبَابِ مُوَالاَتِهَا، وَعَدَمِ فَصْل أَيِّ ذِكْرٍ بَيْنَهَا كُلٌّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ ذَهَبَ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِل بَيْنَهَا بِذِكْرٍ، وَأَفْضَلُهُ أَنْ يَقُول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. أَوْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
كَمَا خَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل عَدَمُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْهَا. كَمَا خَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ، فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ الْخُطْبَةِ بِهَا. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ أَنْ تُفْتَتَحَ الْخُطْبَةُ بِالتَّكْبِيرِ وَلاَ تَحْدِيدَ لِلْعَدَدِ عِنْدَهُمْ (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ سُنَّةَ لَهَا قَبْلِيَّةً وَلاَ بَعْدِيَّةً، وَلاَ تُصَلَّى أَيُّ نَافِلَةٍ قَبْلَهَا وَقَبْل الْفَرَاغِ
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 320، والمغني لابن قدامة 1 / 310.
(2) انظر جواهر الإكليل شرح مختصر الشيخ خليل 1 / 103.

مِنْ خُطْبَتِهَا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، فَلاَ يُصَلَّى فِيهِ غَيْرُ الْعِيدِ. أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ فَلاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا لِمَا عَدَا الإِْمَامَ، سَوَاءٌ صُلِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ الْمُصَلَّى (2) . وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إِلَى الزَّوَال، إِنْ أُدِّيَتْ فِي الْمُصَلَّى وَلاَ يُكْرَهُ إِنْ أُدِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ (3) .
وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ آخَرُ فَقَدْ قَالُوا: لاَ يَتَنَفَّل قَبْل الصَّلاَةِ وَلاَ بَعْدَهَا كُلٌّ مِنَ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي صُلِّيَتْ فِيهِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَلاَ بَأْسَ (4) .

مُفْسِدَاتُ صَلاَةِ الْعِيدِ:
14 - لِصَلاَةِ الْعِيدِ مُفْسِدَاتٌ مُشْتَرَكَةٌ وَمُفْسِدَاتٌ خَاصَّةٌ.
أَمَّا مُفْسِدَاتُهَا الْمُشْتَرَكَةُ: فَهِيَ مُفْسِدَاتُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (رَاجِعْ: صَلاَة)
وَأَمَّا مُفْسِدَاتُهَا الْخَاصَّةُ بِهَا، فَتُلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَثْنَاءَ أَدَائِهَا بِأَنْ
__________
(1) تحفة الفقهاء 1 / 294، والمبسوط 2 / 41، والبدائع 1 / 280.
(2) المجموع للنووي 5 / 13.
(3) شرح الدردير على متن خليل 1 / 322.
(4) المغني لابن قدامة 2 / 321، 323.

يَدْخُل وَقْتُ الزَّوَال، فَتَفْسُدَ بِذَلِكَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ يَفْسُدُ وَصْفُهَا وَتَنْقَلِبُ نَفْلاً، اتِّفَاقًا إِنْ كَانَ الزَّوَال قَبْل الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَعَلَى قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ بَعْدَهُ (1) .
الثَّانِي: انْفِسَاخُ الْجَمَاعَةِ أَثْنَاءَ أَدَائِهَا.
فَذَلِكَ - أَيْضًا - مِنْ مُفْسِدَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ. وَهَل يُشْتَرَطُ لِفَسَادِهَا أَنْ تُفْسَخَ الْجَمَاعَةُ قَبْل أَنْ تُقَيَّدَ الرَّكْعَةُ الأُْولَى بِالسَّجْدَةِ، أَمْ تَفْسُدُ مُطْلَقًا؟ يَرِدُ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلُهُ فِي مُفْسِدَاتِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ (ر: صَلاَةُ الْجُمُعَةِ) . وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لاِنْفِسَاخِ الْجَمَاعَةِ.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسَادِهَا:
15 - قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: إنْ فَسَدَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ بِمَا تَفْسُدُ بِهِ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ مِنَ الْحَدَثِ الْعَمْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَسْتَقْبِل الصَّلاَةَ عَلَى شَرَائِطِهَا، وَإِنْ فَسَدَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، أَوْ فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الإِْمَامِ سَقَطَتْ وَلاَ يَقْضِيهَا عِنْدَنَا (2) .
وَسَائِرُ الأَْئِمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدِ إِذَا فَسَدَتْ بِمَا تَفْسُدُ بِهِ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ
__________
(1) ابن عابدين على الدر المختار 1 / 583.
(2) بدائع الصنائع 1 / 279.

الأُْخْرَى، تُسْتَأْنَفُ مِنْ جَدِيدٍ.
أَمَّا إِنْ فَسَدَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَضَائِهَا أَوْ إِعَادَتِهَا، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيل الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى وَقْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ ف 7 وَمَا بَعْدَهَا.

شَعَائِرُ وَآدَابُ الْعِيدِ:
16 - أَمَّا شَعَائِرُهُ فَأَبْرَزُهَا: التَّكْبِيرُ.
وَصِيغَتُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (1) .
وَخَالَفَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَذَهَبُوا إِلَى جَعْل التَّكْبِيرَاتِ الأُْولَى فِي الصِّيغَةِ ثَلاَثًا بَدَل ثِنْتَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّكْبِيرَ يُعْتَبَرُ شِعَارًا لِكُلٍّ مِنْ عِيدَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى، أَمَّا مَكَانُ التَّكْبِيرِ وَحُكْمُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فَقَدْ مَرَّ الْحَدِيثُ عَنْهُ ف / 12.
وَأَمَّا حُكْمُهُ وَمَكَانُهُ فِي عِيدِ الأَْضْحَى، فَيَجِبُ التَّكْبِيرُ مُرَّةً عَقِبَ كُل فَرْضٍ أُدِّيَ جَمَاعَةً، أَوْ قُضِيَ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَتْرُوكًا فِيهَا، مِنْ بَعْدِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى مَا بَعْدِ عَصْرِ يَوْمٍ الْعِيدِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ كُل فَرْضٍ مُطْلَقًا،
__________
(1) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 587

وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ مُسَافِرًا أَوِ امْرَأَةً، مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى مَا بَعْدَ عَصْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (1) .
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ التَّكْبِيرِ: فَسَائِرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ سُنَّةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يُشْرَعُ التَّكْبِيرُ عِنْدَهُمْ إِثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلاَةً تَبْدَأُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (2) .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ الصَّلاَةِ الَّتِي يُشْرَعُ بَعْدَهَا التَّكْبِيرُ: فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ الْمَذَاهِبُ:
فَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّكْبِيرُ عَقِبَ كُل الصَّلَوَاتِ فَرْضًا كَانَتْ أَمْ نَافِلَةً عَلَى اخْتِلاَفِهَا لأَِنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْوَقْتِ فَلاَ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الصَّلاَةِ دُونَ آخَرَ (3) .
وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْفُرُوضِ الْمُؤَدَّاةِ جَمَاعَةً مِنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلاَ يُشْرَعُ عَقِبَ مَا أُدِّيَ فُرَادَى مِنَ الصَّلَوَاتِ (4) .
وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ عَقِبَ
__________
(1) الدر المختار 1 / 587، 588، ومجمع الأنهر 1 / 170، 171.
(2) انظر شرح الدردير 1 / 322.
(3) انظر المحلى على المنهاج 1 / 309.
(4) المغني لابن قدامة 2 / 328.

الْفَرَائِضِ الَّتِي تُصَلَّى أَدَاءً، فَلاَ يُشْرَعُ عَقِبَ مَا صُلِّيَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءً مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَتْرُوكَاتِ الْعِيدِ أَمْ لاَ (1) . ر: تَكْبِير ج 13 ف 7، 14، 15. مِنَ الْمَوْسُوعَةِ

17 - وَأَمَّا آدَابُهُ فَمِنْهَا: الاِغْتِسَال وَيَدْخُل وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْل، وَالتَّطَيُّبُ، وَالاِسْتِيَاكُ، وَلُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ. وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل الصَّلاَةِ، وَأَدَاءُ فِطْرَتِهِ قَبْل الصَّلاَةِ.
وَمِنْ آدَابِ الْعِيدِ: إِظْهَارُ الْبَشَاشَةِ وَالسُّرُورِ فِيهِ أَمَامَ الأَْهْل وَالأَْقَارِبِ وَالأَْصْدِقَاءِ، وَإِكْثَارُ الصَّدَقَاتِ (2) . قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَالتَّهْنِئَةُ بِتَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ لاَ تُنْكَرُ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ الْخِلاَفَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ صَحَّحَ الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لاَ يُنْكَرُ، وَاسْتَنَدَ فِي تَصْحِيحِهِ هَذَا إِلَى مَا نَقَلَهُ عَنِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ مِنْ قَوْلِهِ: بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَا اعْتَادَهُ أَهْل الْبِلاَدِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِبَعْضٍ: عِيدٌ مُبَارَكٌ (3) .
وَذَكَرَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ - أَيْضًا - أَنَّ هَذِهِ التَّهْنِئَةَ عَلَى اخْتِلاَفِ صِيَغِهَا مَشْرُوعَةٌ،
__________
(1) شرح الدردير على متن خليل 1 / 322.
(2) الدر المختار 1 / 581، والهداية 1 / 60، وتحفة الفقهاء 1 / 295، ومجمع الأنهر 1 / 167.
(3) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 581.

وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيُّ عَقَدَ لَهُ بَابًا فَقَال: بَابُ مَا رُوِيَ فِي قَوْل النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْعِيدِ: تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَسَاقَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَخْبَارٍ وَآثَارٍ ضَعِيفَةٍ لَكِنْ مَجْمُوعُهَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ قَال الشِّهَابُ: وَيُحْتَجُّ لِعُمُومِ التَّهْنِئَةِ بِسَبَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ يَنْدَفِعُ مِنْ نِقْمَةٍ بِمَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ (1) ، وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ لَمَّا تَخَلَّفَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِقَبُول تَوْبَتِهِ مَضَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهَنَّأَهُ (2) .
كَمَا يُكْرَهُ حَمْل السِّلاَحِ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَخَافَةَ عَدُوٍّ مَثَلاً؛ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) .

الصَّلاَةُ عَلَى الْغَائِبِ

الموسوعة الفقهية الكويتية


انْظُرْ: جَنَائِز
__________
(1) انظر مغني المحتاج 1 / 316، وفتح الباري 2 / 304.
(2) حديث كعب بن مالك في قصة توبته " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 116 - ط السلفية) ومسلم (4 / 2126 - ط. الحلبي) .
(3) فتح الباري 2 / 455، وحديث النهي عن حمل السلاح في العيد أخرجه ابن ماجه (1 / 417 - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، وضعفه ابن حجر في الفتح (2 / 455 - ط السلفية) .
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت