المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
معجم البلدان لياقوت الحموي
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْقَدِيم بِالذَّاتِ: هُوَ الْمَوْجُود الَّذِي لَا يكون وجوده من غَيره وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ لَا غير ويقابله الْمُحدث بِالذَّاتِ وَهُوَ الَّذِي يكون وجود من غَيره. وَهَا هُنَا مغالطة مَشْهُورَة وَهِي أَنه لَا قديم فِي نفس الْأَمر لِأَن الْوَاجِب تَعَالَى مَحل الْحَوَادِث وكل مَا هُوَ كَذَلِك فَهُوَ حَادث فَالله تَعَالَى حَادث - وَإِذا ثَبت حُدُوثه ثَبت حُدُوث سَائِر الْأَشْيَاء - أما الصُّغْرَى فَلِأَن صُدُور زيد فِي هَذَا الْوَقْت عَن الْوَاجِب تَعَالَى سَوَاء كَانَ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار أَو بِالْإِيجَابِ يسْتَلْزم اتصافه تَعَالَى بِأَمْر حَادث وَهُوَ كَونه موجدا لزيد. وَلَا شكّ أَن الإيجاد قَائِم بالموجد فَيلْزم كَونه تَعَالَى محلا للحوادث - وَأما الْكُبْرَى فَهُوَ مَشْهُور برهن عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه - وَإِنَّمَا قُلْنَا إِذا ثَبت حُدُوثه ثَبت حُدُوث غَيره لِأَن القدماء الَّذين هم غَيره تَعَالَى إِمَّا صِفَاته أَو معلولاته - وَلَا شكّ أَن حُدُوث الْمَوْصُوف أَو الْعلَّة يسْتَلْزم حُدُوث الصّفة أَو الْمَعْلُول - وحلها أَن الْحَادِث هُوَ تعلق إِرَادَته تَعَالَى بِوُجُود زيد لَا نفس الإيجاد وَصفته تَعَالَى هُوَ الثَّانِي الْقَدِيم لَا الأول الْحَادِث - وَمَا قيل من أَن تعلق الإيجاد صفة للإيجاد فَيلْزم حُدُوث الإيجاد إِذْ مَحل الْحَادِث حَادث فَيَعُود الْمَحْذُور مَرْدُود بِأَن التَّعَلُّق لَيْسَ بحادث إِذْ معنى الْحُدُوث هُوَ مسبوقية الْمَوْجُود بِالْعدمِ والتعلق لَيْسَ بموجود لِأَنَّهُ أَمر اعتباري.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْقَدِيم بِالزَّمَانِ: هُوَ الْمَوْجُود الَّذِي لَا يكون وجوده مَسْبُوقا بِالْعدمِ كالعقول والأفلاك مثلا عِنْد الْحُكَمَاء ويقابله الْمُحدث بِالزَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي سبق عَدمه على وجوده سبقا زمانيا - وَاعْلَم أَن بَين الْقَدِيم بِالذَّاتِ وَالْقَدِيم بِالزَّمَانِ عُمُوما وخصوصا مُطلقًا - فَإِن كل قديم بِالذَّاتِ قديم بِالزَّمَانِ وَلَيْسَ كل قديم بِالزَّمَانِ قديم بِالذَّاتِ فَيكون الْمُحدث بِالذَّاتِ أَعم من الْمُحدث بِالزَّمَانِ لِأَن مُقَابل الْأَخَص يكون أَعم من مُقَابل الْأَعَمّ ونقيض الْأَعَمّ من شَيْء مُطلقًا يكون أخص من نقيض الْأَخَص.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْمُسْتَند إِلَى الْقَدِيم قديم: لَا مُطلقًا بل مَشْرُوط ومقيد بِمَا مر فِي الْقدَم يُنَافِي الْعَدَم.
|
|
القديم: يطلق على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقا بالعدم، وهو القديم بالذات. والقديم بالذات يقابله المحدث بالذات، وهو ما يكون وجوده من غيره، كما أن القديم بالزمان يقابل المحدث بالزمان، وهو ما سبق عدمه وجوده مسبقا زمانيا. فكل قديم بالذات قديم بالزمان ولا عكس، فالقديم بالذات أخص من القديم بالزمان، فيكون الحدوث بالذات أعم من الحدوث بالزمان.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
إِنْجَازاتك القديمة والتي
مثال: أَحَد إنجازاتك القديمة والتي تمتد لعدة أجيالالرأي: مرفوضةالسبب: لإقحام الواو قبل الاسم الموصول «التي». الصواب والرتبة: -أحد إنجازاتك القديمة التي تمتد لعدة أجيال [فصيحة]-أحد إنجازاتك القديمة والتي تمتد لعدة أجيال [صحيحة] التعليق: الاسم الموصول «التي» وصف للإنجازات القديمة، والصفة لا تعطف على الموصوف، ويمكن تخريج المثال المرفوض على اعتبار أن «أل» قبل الاسم المشتق «القديمة» موصولة، ومن ثَمَّ تكون الواو عاطفة للاسم الموصول الثاني على «أل» الموصولة. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
مُنْذ القديمالجذر: ق د م
مثال: ديانة التوحيد معروفة منذ القديمالرأي: مرفوضةالسبب: لأن القديم ضد الحديث، والمُراد: القِدَم. الصواب والرتبة: -ديانة التوحيد معروفة منذ القِدَمِ [فصيحة]-ديانة التوحيد معروفة منذ القديم [صحيحة] التعليق: القِدَمُ ضِدُّ الحدوث، والقديم خلاف الحديث. ويمكن تصحيح المثال المرفوض على اعتبار «القديم» صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الزمن القديم. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
القَديم: من الوقف والطريق وغيرهما هُو الذي لا يُوجد مَنْ يعرف أوَله.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الأقوال القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة
لبرهان الدين: إبراهيم عمر البقاعي. المتوفى: سنة خمس وثمانين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تبيين الأمر القديم، المروي في تعيين القبر الكريم، الموسوي
لتاج الدين: عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري. وهو: جزء. أوله: (الحمد لله رب العالمين... الخ). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تفسير: ابن عطية القديم
هو: أبو محمد: عبد الله بن عطية الدمشقي. المتوفى: سنة 383، ثلاث وثمانين وثلاثمائة. ذكره أبو الخير في: (مفتاح السعادة). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تفسير: الأصفهاني القديم
هو: أبو مسلم: محمد بن علي الأصبهاني، المعتزلي. الأديب. المتوفى: سنة 459، تسع وخمسين وأربعمائة. المسمى: (بجامع التأويل، لمحكم التنزيل). كما يأتي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تفسير: النيسابوري القديم
هو: أبو القاسم: الحسن بن محمد الواعظ. المتوفى: سنة 406، ست وأربعمائة. وأبو بكر: محمد بن إبراهيم المتوفى: سنة 310، عشر وثلاثمائة. وأحمد بن محمد النيسابوري. المتوفى: سنة 353، ثلاث وخمسين وثلاثمائة. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
القَديمُ بحَسَب الذَّات: مَا لَيْسَ لَهُ مبدأ عَليّ.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
القديمُ بحَسَبِ الزَّمان: مَا لَيْسَ وجوده زمانيا.
|
المخصص
|
أَبُو عبيد العادي والعدمل والعدملة والعدملي - الْقَدِيم من الشّجر وَقد عدمل وَيسْتَعْمل فِي غير الشّجر وانما الاصل لَهُ فَأَما أَبُو عبيد فَعم بِهِ من غير أَن يَجْعَل شيأ أسعدبه من شئ النَّضر الدوسر - الْقَدِيم عَامَّة أَبُو عُبَيْدَة الصامل - الْقَدِيم من الشّجر وَأنْشد: عَلَيْهَا عداميل الهشيم وصاملة وَقد تقدم فِي الكلا أبوحنيفة اذا قدمت الشَّجَرَة وَطَالَ عَلَيْهَا فَهِيَ عدولية قَالَ أبوعلي وَقد روى هَذَا الْبَيْت هَكَذَا عَلَيْهَا عدولي الهشيم وَالأَصَح عداميل وَقد تقدم العدولي فِي السفن أَبُو حنيفَة وَكَذَلِكَ العمرية والعمري
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إشكالية التاريخ اليهودي تاريخ يهودي أم تواريخ جماعات يهودية؟ Jewish History or Histories of the Jewish Communities «التاريخ اليهودي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية المتأثرة بها. وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة. ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية. يضرب المصطلح بجذوره في التشكيل الحضاري الغربي، سواء في جانبه الديني أو في جانبه الاقتصادي. لقد جاء في العهد القديم أن الخالق «اختار الشعب» . والاختيار يعني درجة من درجات الحلولية الكمونية الواحدية (إذ لماذا يختار الإله شعباً دون الشعوب الأخرى؟) . وقد تزايد الحلول والكمون الإلهي في الأمة إلى أن وصل الحلول إلى مرحلة وحدة الوجود فتوحَّد الإله والشعب وتاريخه وأرضه وأصبح هناك جوهر واحد للأمة والإله، لا يوجد الواحد منهما دون الآخر، ويتم على هذا النحو زوال ثنائية الخالق والمخلوق والإله والشعب (والمطلق والنسبي، والأزلي والزمني والمقدَّس والتاريخي) . ويصير تاريخ هذا الشعب محط عناية الاله، بل يصبح تجسيداً لفكرة مقدَّسة ومطلقة، فيتداخل المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس، وتصبح أية حادثة تقع لليهود ذات دلالة دينية عميقة. ومن هنا، فإن كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم) هو أيضاً سجل تاريخهم، حيث يتم تقديم العبرانيين وهم يخرجون من مصر تهديهم ذراع الإله القوية وتنقذهم من الغرق، ثم يُلحق بهم العذاب في الصحراء ولكنه يسدد خطاهم في غزوهم لأرض كنعان. ويعقد الإله معهم المواثيق، ويقبل منهم أفعالهم كافة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية. ولهذا، أصبح تاريخ اليهودية هو نفسه تاريخ اليهود. وكما ورثت المسيحية العهد القديم وجعلت منه أحد كتبها المقدَّسة، كذلك ورثت الحضارة الغربية هذه الرؤية. ولذا، فإن الإنسان الغربي يعتبر اليهود ورثة العبرانيين القدامى؛ ويراهم في عزلتهم لا يزالون مستمرين في مسيرتهم في الصحراء، نحو كنعان عبر التاريخ الإنساني بأسره وفي كل أرجاء العالم. وقد تبدَّى ذلك في المفهوم الكاثوليكي للشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ، شاهداً على عظمة الكنيسة. كما يتبدَّى في المفاهيم الاسترجاعية البروتستانتية التي تجعل من عودة اليهود إلى صهيون في نهاية التاريخ شرطاً لعملية الخلاص وشرطاً لتأسيس الفردوس الأرضي. وقد تمت علمنة هذا المفهوم في العصر الحديث، فتحول اليهود من شعب يهودي مقدَّس له تاريخ يهودي مقدَّس إلى الشعب اليهودي المستقل صاحب التاريخ اليهودي الفريد. وهذه كلها مفاهيم تفترض عزلة اليهود، كما تفترض أن لهم وجوداً وتاريخاً مستقلين. ومما دعم إحساس الإنسان الغربي بوجود تاريخ يهودي مستقل، اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية (المالية أوالاستيطانية) في المجتمعات الغربية. ومثل هذه الجماعات يتم عزلها عن بقية المجتمع حتى تبدو وكأنها خاضعة لآليات وحركيات تاريخية مستقلة، مع أنها في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من المجتمع، وخاضعة للآليات والحركيات التاريخية نفسها التي يخضع لها هذا المجتمع، تصعد بصعوده وتهبط بهبوطه رغم استقلالها النسبي. وقد ظل دور الجماعة الوظيفية حكراً تقريباً على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وذلك على عكس الحضارات الشرقية حيث اضطلعت جماعات إثنية ودينية مختلفة، من بينها اليهود، بدور الجماعة الوظيفية. وغني عن الذكر أن مفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري في الفكر الغربي وفي إدراك الإنسان الغربي لليهود. لكن المقدرة التفسيرية لهذا المفهوم ضعيفة إلى أقصى حد، فهو مفهوم اختزالي بسيط إلى أقصى حد. والإيمان بنموذج التاريخ اليهودي المستقل له نتائجه السلبية لا من الناحية المعرفية وحسب، وإنما من الناحية الإنسانية والأخلاقية كذلك. أما من الناحية المعرفية، فإننا نجد أن رصد واقع الجماعات اليهودية، وتفسيره من خلال نموذج التاريخ اليهودي يُبسِّط هذا الواقع ويختزله ويجعله تافهاً، كما أنه يُضخِّم جوانب ثانوية منه ويتجاهل عناصر أساسية فيه. إن استقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلالىة أبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية الأبنية الحضارية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله. وكذلك فإن استقلالية أي بناء تاريخي تعني أن هذا البناء يضم جماعة من الناس لا وجود لها خارجه ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه. ولكن من الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم كانت تتَّسم بعدم التجانس وعدم الترابط وبأن أعضاءها كانوا يوجدون في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية اختلفت باختلاف الزمان والمكان. فيهود اليمن، في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قَبَلي عربي. أما يهود الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فكانوا يعيشون في مجتمع حضري رأسمالى غربي. فإذا بحث المرء في العنصر المشترك بين يهود الىمن ويهود الولايات المتحدة، لوجد أنه هو الدين اليهودي وحسب، وهو عنصر واحد ضمن عناصر عديدة تحدد سلوك اليهودي. بل إن الأنساق الدينية اليهودية ذاتها، بسبب تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وبسبب غياب سلطة مركزية دينية، تختلف اختلافاً حاداً وجوهرياً من حضارة إلى أخرى، ومن هنا نشأت قضية الهوية اليهودية. ولكل هذا، نجد أن سلوك اليهودي اليمني تحكمه عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي. غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس التي تُشكِّل الجانب الأكبر في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس، ولها قيمة تفسيرية ورصدية أعلى. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا من صناع القرار في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصاً في الغرب. فقد كانوا يقتربون أحياناً من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحياناً أخرى. ولكن القرار ظل دائماً في يد هذه النخبة. ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه أسحق ماركس يوسط (1793 ـ 1860) ، بدأ بالعبارة التالية: «هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟» . والواقع أن الردّ بالنفي إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخاً مستقلاً بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل. وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهاً خاطئاً، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي قررت مصير الجماعات اليهودية (كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية) تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي. وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثاًً هامشية ذات أهمية ثانوية. إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟ وهل تأتي الثورة الصناعية، مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ والواقع أننا نجد أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد وقوعه بفترة وجيزة. لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومن هنا، فإننا نجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الآليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت نفسه، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر. لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان يتأثر بالثورة الصناعية، وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبيتها وآلياتها. أما يهود إثيوبيا، مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانوا يعيشون في إطارها ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي حتى وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية في أعضاء الجماعات اليهودية هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط بآثار هذه الثورة في المجتمعات التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية. وعلى هذا، فإن الإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي مرجعاته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن! أو اضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم. وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي فإننا سنجد عبارات مثل: «وكان بورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم» أو «وتمت عدة هجمات ومذابح ضد اليهود عام 1882 في روسيا القيصرية» أو «وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين» ، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي. ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية التي اعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام 1882، أو ظهور الإمبريالية الغربية التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية عن طريق إرسال إلى هود إلى الشرق. لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد يمكن فرض أي معنى عليه. ولذا، فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر) بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض ـ شعب افتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له في كل زمان ومكان ـ وتصبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأساة. وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، سواء من ناحية الرصد أو من ناحية التفسير، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يفترض وجود جوهر يهودي كامن يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات. حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات ويصبغها بصبغته ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة ويتخذ اسم «الماضي اليهودي» أو «الاستمرار اليهودي» أو «روح اليهودية» أو «الشعب اليهودي الأزلي» أو «المستقبل اليهودي» ، وهذه جميعاً مطلقات علمانية تحل محل الإله الذي يوجه التاريخ اليهودي حسب الرؤىة الدينية الحلولية. ومن هنا، فإننا نذهب إلى القول بأن مفهوم التاريخ اليهودي (في إطاره العلماني العلمي) تعبير عن حلولي بدون إله حيث يصبح مسار هذا التاريخ هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن وللروح اليهودية الدينية القومية. ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ هي البحث عن الجوهر اليهودي والروح اليهودية وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى. كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني الدنيوي: تاريخ يشبه البناء المصمت المنغلق على نفسه ويعبِّر عن نمط أو أنماط محددة متكررة لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق. وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: منفى ثم عودة؛ المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر ثم يتم التغلغل في كنعاة والاستيلاء عليها وتأسيس المملكة العبرانية. ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل حسب مرسوم بورش (الذي يؤسس الهيكل) ، ثم تأسيس الدولة الحشمونية. ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتو وشتات اليهود وعجزهم بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة. وتصل حالة المنفى إلى قمتها في الإبادة النازية (الحدث الأكبر) ، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر) . ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية (مشيحانية) للتاريخ تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل ويظهر الفردوس الأرضي. ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك. فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الآنية والدينية الأخرى. فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الطويلات الآرامية وغيرها. كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها. فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي. لكل ما تقدَّم، استبعدنا تماماً مصطلحات مثل: «التاريخ اليهودي» و «الماضي اليهودي» و «القَدَر اليهودي» و «المصير اليهودي» ، وكذلك سائر المصطلحات التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي بشكل مباشر مثل «الاستمرار اليهودي» . كما استبعدنا كل المصطلحات التي تفترض هذه الوحدة بشكل غير مباشر مثل «العبقرية اليهودية» و «الجوهر اليهودي» . واستبدلنا بكل هذا مصطلحات تفترض التنوع وعدم التجانس مثل «الجماعات اليهودية» ، وهو مصطلح يفترض أن الجماعات اليهودية خاضعة للآليات التاريخية التي يخضع لها أعضاء المجتمعات التي يعيش في كنفها إلى هود. وقد فصلنا تماماً بين التاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والأحداث التاريخية التي وقعت للعبرانيين وللجماعات اليهودية من بعدهم، وفصلنا بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، ومن ثم فإننا لا نستخدم مصطلحات مثل «مرحلة الهيكل الأول» أو «هدم الهيكل» أو «الكومنولث الأول» أو «العصر التلمود» إلا في سياق الحديث عن التطورات الدينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية بالنسبة إلى الجماعات اليهودية ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته. ونحن، بهذا، نؤكد انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى بنىً تاريخية متعددة حيث يتسنى للدارس فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة التي تحدِّد سلوكهم. ومن الحقائق التي تستوجب الذكر أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً. وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة العربية الإسلامية، فإنهم تعلموا الكثير منها ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ. ولهذا، ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية. ونحن نرى أن نموذج التاريخ اليهودي هو النموذج الأساسي الكامن في موقف الحضارة الغربية تجاه «اليهود» أي الجماعات اليهودية. فالنزعة الصهيونية في الحضارة الغربية، والتي تمنح اليهود مركزية وقداسة، نابعة من افتراض وجود تاريخ يهودي مستقل يختلط في الأذهان بالتاريخ المقدَّس. كما أن معاداة اليهود، هي الأخرى، تعبير عن أن اليهودي شخص له سماته الفريدة والمحددة وطبيعته الخاصة النابعة من انتمائه لتاريخ يهودي مستقل. ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كلٍّ من الصهيونية والنازية (في موقفهما من اليهود) هي افتراض وجود شعب يهودي له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل. وفي تصوُّر كلٍّ من بغفور وهتلر، فإن المسألة اليهودية ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل داخل الحضارة الغربية، يدمرها وتدمره. ولذا، لابد من التخلص منه إما عن طريق إرساله إلى فلسطين أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز، فاليهودي يجب أن يخرج من الحضارة الغربية. التاريخ المقدَّس أو التوراتي (الإنجيلي ( Sacred or Biblical History «التاريخ المقدَّس أوالتوراتي (الإنجيلي) » هو القصص التاريخي الذي يرد في العهد القديم. وتاريخ العبرانيين، كما ورد في العهد القديم، يختلف عن التاريخ الفعلي ويتناقض معه أحياناً. ويصلح هذا التاريخ أحياناً مصدراً للمعلومات والفرضيات، ولكنه أحياناً أخرى لا يمكن دراسته إلا باعتباره جزءاً من الرؤية الدينية اليهودية وحسب. وهذا التاريخ المقدَّس هو جزء من العقيدة اليهودية كما أنه تعبير عن الطبقة الحلولية الواحدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. وفي تصوُّرنا، فإن هذا التاريخ يختلف تماماً عن ممارسات أعضاء الجماعة اليهودية بتجاربهم التاريخية. فالنسق الديني اليهودي، بما يجسده من قيم مطلقة ومثاليات، يختلف عن الممارسات الدينية والدنيوية للعبرانيين واليهود، وهو ما يسجله العهد القديم. وفي هذا، لا يختلف أعضاء الجماعات اليهودية عن كل الجماعات والشعوب الإنسانية الأخرى. فتاريخ الهند والأقوام الهندية ليس تاريخ الهندوكية، وتاريخ الصين ليس تاريخ الكونفوشيوسية، وتاريخ أوربا في العصور الوسطى لا يمكن تفسيره بأكمله وبكل تركيبيته بالعودة إلى النسق الديني المسيحي السائد في ذلك الوقت، رغم فعالية هذا النسق في صياغة وعي الناس ووجدانهم وتوجيه بعض جوانب سلوكهم. إن تاريخ المسيحية، ديناً وفلسفة وفكراً، لا يتطابق وتاريخ المسيحيين بحيث يكونان شيئاً واحداً (وذلك برغم ارتباط أحدهما بالآخر) . وربما يتجلى اختلاف تاريخ المسيحية عن تاريخ المسيحيين في حملات الفرنجة حيث قام الغرب الأوربي بالهجوم على الشرق باسم المسيحية فنهب القسطنطينية عاصمة المسيحية الأرثوذكسية ثم قام بالهجوم على فلسطين دون أن يُفرِّق (في معظم الأحيان) بين مسلم ومسيحي ويهودي. وكذلك تاريخ اليهودية، سواء أكانت اليهودية عقيدة أم كانت فكراً أم شيعاً وانقسامات، يختلف عن التجارب التاريخية التي خاضتها الجماعات اليهودية، برغم الارتباط الوثيق بينهما في بعض الأحيان. فتاريخ مملكة الخزر، وتَحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة في أوربا في العصور الوسطى، وتحالف الصهيونية مع الاستعمار ثم مع النازية، هذه كلها ليست جزءاً من تاريخ اليهودية وإنما تنتمي إلى تواريخ الجماعات اليهودية. ويظل تاريخ اليهودية هو تاريخ العقيدة الدينية. ونحن حين نقر هذا التمييز بين التاريخين، فإننا نتبنى بذلك نموذجاً أكثر تفسيرية إذ يظل التاريخ نتاج تفاعل عدة عناصر من بينها الدين. والتاريخ التوراتي المقدَّس الذي ورد في العهد القديم هو تاريخ ذو مغزى أخلاقي تُستخلص منه العبَر. بل إن العبرة قد تكون، في كثير من الأحيان، أهم من الحدث نفسه. وهو تاريخ يتبع نسقاً دينياً محدداً؛ يختار من الحدث ما يخدم الهدف، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة إلى المتلقي. وبالتالى، كثيراً ما تتناقض وقائع هذا التاريخ ووقائع التاريخ الدنيوي وإن كانت تتفق معها أحياناً. ولكن كثيراً من القصص التي وردت في العهد القديم، والتي تدَّعي لنفسها صفة التاريخية، لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوي. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا أحياناً صورة مختلفة تماماً. فوقائع هجرة العبرانيين من مصر، كما وردت في سفر الخروج، تختلف في كثير من النواحي عن الشذرات المتناثرة التي وصلتنا عن هذا الخروج، إن لم تكن متناقضة معها. كما يأتي ذكر سليمان في التاريخ التوراتي المقدَّس كملك عظيم مهيب، وأن المملكة المتحدة قد ازدهرت تحت حكمه حقاً. ولكننا نعرف أيضًا أن هذا الازدهار كان مؤقتاً وناتجاً عن الفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما نعرف أن مملكته لم تكن تختلف كثيراً عن الدويلات الأخرى التي ازدهرت في تلك المنطقة بسبب غياب الإمبراطوريات العظمى التي اكتسحتها فيما بعد، وتقاسمتها فيما بينها بعد ظهورها. وهذه كلها جوانب يُسقطها التاريخ المقدَّس ولا يُعنى بها. كما نعلم أن سليمان، حتى في أوج عظمته، لم يصل إلى تلك الأبعاد الأسطورية التي تتحدث عنها الرواية التوراتية. وثمة مدارس عديدة تتباين آراؤها في قصص العهد القديم، إذ يرى البعض أن التاريخ الذي يرد في العهد القديم هو تاريخ رمزي. فإبراهيم، حسب هذا التصور، ليس شخصية تاريخية وإنما يمثل مرحلة تاريخية وحسب، وبالتالى فهو رمز أكثر أهمية ودلالة وعمقاً من الواقعة التاريخية. وهناك من يذهبون إلى النقيض ويحاولون دراسة التاريخ من خلال المعلومات الواردة في العهد القديم. وثمة من يسلكون طريقاً وسطاً بين المدرستين. حيث يسترشد الباحث بالتاريخ المقدَّس في معرفة التاريخ الفعلى دون أن يكون ذلك ملزماً له. وهنا، لابد أن نشير إلى أننا أضفنا أحياناً عبارة «حسب الرواية التوراتية» ، أو عبارات مماثلة، وذلك حين استندنا إلى الوقائع التي وردت في العهد القديم، وحين استخدمنا هذه الوقائع كمادة تاريخية. والفكر الغربي واليهودي والصهيوني يتجه دائماً نحو محاولة اكتشاف الأنماط المتكررة في التاريخ المقدَّس كما تتبدَّى في تاريخ الجماعات اليهودية في العالم وعبر التاريخ، بحيث تصبح حادثة مثل الإبادة النازية تكراراً للعبودية في مصر وتكراراً للتهجير البابلي، كما أن إعلان دولة إسرائيل يشبه الخروج من مصر، والاستيطان في فلسطين يشبه التغلغل في كنعان، وهكذا. وهجرة اليهود السوفييت هي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بعد عبوديتهم في روسيا القيصرية والسوفيتية. بل إنهم يرون هذا التاريخ باعتباره تاريخاً له بداية ونهاية (وكأنه مسرحية إلهية لها حبكة واضحة) وبالتالي يشكل إعلان دولة إسرائيل نهاية التاريخ. الرؤى اليهودية للتاريخ Jewish Views of History في معظم الكتابات اليهودية أو الصهيونية التي تعالج القضايا المتصلة بالجماعات اليهودية في العالم، يُلاحظ الدارس أنه لا توجد أية تفرقة بين تواريخ الجماعات اليهودية من جهة وتاريخ اليهودية من جهة أخرى، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الفعلى. فيتداخل التاريخ المقدَّس مع تاريخ العبرانيين، ويتداخل الاثنان مع تواريخ الجماعات اليهودية، لتصبح المحصلة النهائية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وربما يعود هذا التداخل إلى التيار الحلول الواحد في العقيدة اليهودية. ففي تصورهم الحلولي الواحدي، يري اليهود أن تاريخهم مقدَّس ويعبِّر عن الإرادة الربانية، فإله إسرائيل يتدخل دائماً في مسار التاريخ لصالح شعب إسرائيل. ولم تأت الأمة اليهودية إلى الوجود إلا من خلال تَدخُّل إلهي مباشر، أي أن الإله قد حل في الشعب وتاريخه. لكن فكرة حلول الروح الإلهية في اليهود حولتهم إلى أمة من القديسين والكهنة والأنبياء. ومن الملاحَظ أن زوال ثنائية الخالق والمخلوق التي تؤدي إلى التداخل الكامل بين المطلق والنسبي، أو بين الإله والشعب، أو بين الثابت والمتغيِّر، أو بين التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني سمة بنيوية أساسية في اليهودية. فكتاب اليهود المقدَّس كتاب تاريخ الشعب، كما أن أعيادهم تحتفل بمناسبات كونية ثابتة مثل عودة الربيع وخلق العالم، وبمناسبات تاريخية متغيرة مثل الخروج من مصر. وتتركز الصلوات الدينية المختلفة حول المناسبات القومية التاريخية، كما تأخذ العلاقة مع الإله شكل حوار بين طرفين أحدهما مقدَّس مطلق، والآخر دنيوي نسبي، ومع هذا فالطرفان متساويان. والديانة اليهودية تتسم بوجود شريعتين: واحدة مكتوبة مُرسَلة من الإله، والأخرى شفوية يكتشفها حاخامات الشعب عبر تاريخهم. ومع هذا، فللشريعة الشفوية من الشرعية والصلاحية ما للشريعة المكتوبة، بل إنها تفوقها في الاتساع والشمول والدقة. وظاهرة تعدد الأنبياء في اليهودية تعبير عن حلول الإله في التاريخ، وهو حلول لا يتوقف عند نقطة ما بل يستمر من بداية التاريخ حتى نهايته. وقد كانت هذه الرؤية الحلولية الواحدية كامنة في العصر القديم ثم ازدادت عمقاً في التلمود ـ كتاب اليهودية الحاخامية الأساسي ـ ثم تبلورت وأخذت شكلاً حاداً ومتطرفاً في القبَّالاه التي سيطرت على الفكر الديني اليهودي وعلى المؤسسات الدينية اليهودية ابتداءً من القرن السادس عشر، وورثها المفكرون العلمانيون اليهود ابتداءً من إسبينوزا. ويرى بعض فلاسفة التاريخ في الغرب أن اليهود أول من اكتشف فكرة التطور والتقدم التي هي عماد الوعي التاريخي الغربي الحديث، على عكس الإغريق القدامى، وغيرهم من الشعوب القديمة، الذين كانوا يرون أن للتاريخ شكلاً فلسفياً هندسياً. كما رأى هؤلاء الفلاسفة أيضاً أن حلول الإله في التاريخ قد حوَّله إلى خطّ مستقيم يتحرك نحو هدف أعلى وغاية نهائية بدلاً من أن يكون مجرد شكل هندسي دائري يتحرك حول نفسه دون غاية. ومما لا شك فيه أن العبرانيين القدامى (حسبما ورد في الكتب المقدَّسة عند اليهود) كان لديهم إحساس قوي بما تصوروا أنه مغزى التاريخ الديني ومعناه المقدَّس. ولكن هذا الإحساس نفسه هو أحد أسباب ضعف حسهم التاريخي وضموره بل اختفائه. فالاهتمام اليهودي القديم بالتاريخ، هو اهتمام في صميمه معاد للتاريخ لأنه يَصدُر عن رؤية دينية حلولية واحدية تتجاهل أن الظواهر التاريخية لها منطقها الخاص والمستقل عن رغبات الإنسان وأحلامه وأنها ليست تجلياً لإرادة إله يحابي شعباً، وهي رؤية تذهب إلى أن التاريخ بأجمعه إن هو إلا كشف الغطاء عن الغرض الإلهي الذي لا يدور حول البشر كافة وإنما يدور حول الشعب المختار بالدرجة الأولى (باعتباره موضع الحلول الإلهي) . وهذه الرؤية تُسطّح التاريخ وتفرغه من تركيبيته وإنسانيته وعالميته، وهي السمات الأساسية التي تعطي التاريخ معناه الإنساني المتعارف عليه بين الناس. ويظهر هذا التسطيح الذي يختزل كل الوقائع ويردُّها جميعاً إلى مستوى واحد في تَصوُّر الرؤية اليهودية الحلولية الواحدية (والصهيونية فيما بعد) للظواهر التاريخية باعتبارها ظواهر مقدَّسة تقررت حركتها حسب خطة إلهية مسبقة وُضعت قبل بدء التاريخ. بل إن التدخل المستمر والعلني للإله هو تأكيد للقول بأن التاريخ يتم دفعه وتحريكه من الخارج، وأن الإرادة البشرية لا مجال لها فيه، وأن التاريخ اليهودي (المقدَّس والإنساني) بدأ من مطلق لا يقبل النقاش أو التقييم (العهد مع إبراهيم) يقطعه المطلق من آونة إلى أخرى (العهد مع إسحق ثم مع يعقوب) ، وينتهي بمطلق أخير (ظهور الماشيَّح المنتظر أو وصول العصر المشيحاني الذي يشكل نهاية التاريخ) . والتدخل المستمر للإله في التاريخ، حسب التصور اليهودي الحلولي، هو ما يكسبه معنى ويضفي على فوضاه اللامتناهية شكلاً. وترد الوقائع التاريخية في أسفار موسي الخمسة بمقدار ما تكشف الغرض الإلهي الذي يهدف إلى إعلاء جماعة ىسرائيل. وإذا كانت أسفار الأنبياء المختلفة تتحدث عن الإرادة وعن المستقبل القريب حين يتوب أعضاء جماعة يسرائيل ويعودون إلى الإله، فإن هذا الحديث قد اختفى تماماً في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) التي تتحدث عن المستقبل البعيد وعن الخلاص العجائبي. وقد تبلورت كل هذه الأفكار الحلولية الواحدية النظرة التي تجعل الشعب اليهودي الغاية النهائية وربما الوحيدة للتاريخ في عقيدة الماشيَّح. فمسار التاريخ ذو هدف واحد واضح محدد: يأتي الماشيَّح في آخر الأيام ويعود باليهود إلى أرض الميعاد ليؤسس حكومته العالمية في صهيون. وفكرة الماشيَّح قد تنطوي على فكرة التقدم نحو هدف أعلى، أي أنها تختلف عن الرؤية الهندسية الإغريقية، ولكنها مع هذا أسطورة لا تاريخية إلى أقصى حد، لأنها تفترض ثبات النقطة التي يتحرك نحوها التاريخ، كما تفترض الحتمية المطلقة لهذه الحركة، وعدم جدوى الفعل الإنساني لأن نقطة النهاية الفردوسية ستأتي عن طريق التدخل المباشر والفجائي للإله في التاريخ. وهو تَدخُل يُلغي التاريخ تماماً باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليتفاعل معه فيه وليختبره، ينتصر أو ينكسر، يهتدي أو يضل. ويبدو أن هذه الرؤىة الدينية القومية الحلولية للتاريخ هي التي شجعت النزعات المشيحانية التي اتسمت بها تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تصاعدت حدتها ابتداءً من القرن السابع عشر في الغرب. وقد أدَّى انتشار الجماعات اليهودية وتَحوُّلهم الى جماعات وظيفية منعزلة عن المجتمع إلى زيادة حدة النزعة المعادية للتاريخ بينهم. ويرجع هذا إلى الأسباب التالية: 1 ـ يميل الإنسان الذي يعيش في عزلة الى تجريد نفسه إذ يرى ذاته مستقلة عن حركيات التاريخ العام، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يظنون أنهم يتمتعون بقداسة خاصة. 2 ـ أعضاء الجماعات الوظيفية يتمتعون بحركية غير عادية، الأمر الذي يجعل من العسير عليهم رؤية تَراكُم الأحداث داخل إطار محدد. 3 ـ يتعامل التاجر والمرابي مع مجردات ليست لها أية حدود (السلع ـ النقود ـ سعر الفائدة) ، كما أن اليهود الذين اضطلعوا في العصور الوسطى بدور التجارة الدولية في المجتمعات الزراعية كانوا عناصر حركية متعددة الجنسيات عابرة للقارات غير قادرة على استيعاب فكرة الحدود التي هي جوهر الوجدان التاريخي. 4 ـ بالإضافة الى كل هذا، كانت التجارة البدائية والربا مهنتين ليست لهما علاقة فعلية بالعملية الإنتاجية ذاتها، فقد كانتا تنتميان إلى نوع من الاقتصاد المجرد داخل بناء من الاقتصاد الطبيعي المبني على تَبادُل الخدمات وعلى الاكتفاء الذاتي. 5 ـ يُركِّز أعضاء الجماعة الوظيفية على الوطن الأصلي، الحقيقي أو الوهمي، وهو بالنسبة إلى اليهود فلسطين، وهو تركيز يفقدهم الإحساس بالزمان والمكان. لكل هذا، ضمر الإحساس بالزمان وحل محله إحساس متطرف بالمكان وحسب، وتجسَّد هذا في فكرة الأرض التي هيمنت على الوجدان اليهودي الحلولي. كل هذا، جعل أعضاء الجماعات اليهودية طوائف مرشَّحة لأن تفقد حسها التاريخي، وأن تنغمس في التأملات الفردوسية والدراسات التلمودية والحسابات القبَّالية الخاصة بآخر الأيام. وقد كان الجيتو التعبير الحضاري والنفسي عن هذه العقلية التي تتصور أنها تقف خارج التاريخ. ولذلك، كان مثقف الجيتو، أو طالب المدرسة التلمودية، ينفق كل أيامه في دراسة الأساطير اليهودية والدين اليهودي وما يتصور أنه تاريخ اليهود المقدَّس، دون أي اهتمام بالدراسات التاريخية الحقة، سواء كانت التواريخ الحقيقية للجماعات اليهودية في العالم، أم تاريخ الحضارة التي يعيش بين ظهرانيها. ولقد توقفت دراسة العهد القديم هي الأخرى كتاريخ مقدَّس، وحلَّت محلها الدراسات التلمودية الفقهية التي لا يدخل فيها عنصر الزمن بتاتاً، ثم حلت محل الدراسات التلمودية التفسيرات القبَّالىة ذات الطابع الغنوصي المتطرف التي تُسقط التاريخ تماماً وتأخذ شكل بنَى هندسية لا علاقة لها بأي واقع تاريخي أو إنساني متعين، والتي تهدف إلى تعويض اليهود عما يلاقونه من عذاب حقيقي أو وهمي. لكل هذا، حينما بدأ علم التاريخ بمعناه الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، كان إسهام أعضاء الجماعات اليهودية فيه منعدماً. ولم تبدأ إسهاماتهم في الدراسات التاريخية إلا في مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر بعد أن تآكل الجيتو تماماً، وبعد أن بدأت تظهر شرائح من أعضاء الجماعات اليهودية ممن تلقوا ثقافة علمانية غربية مختلفة تماماً عن الثقافة اليهودية التقليدية. وقد قامت محاولتان داخل اليهودية لمكافحة النزعة المشيحانية المعادية للتاريخ. أولاهما محاولة اليهودية الحاخامية النظر إلى الرموز والعقائد اليهودية القديمة المختلفة، مثل العودة وصهيون والماشيَّح، باعتبارها أموراً ستتحقق بأمر الإله. ومن ثم، فإن فعاليتها تكمن خارج حدود التاريخ، وهو ما يحول التاريخ ذاته إلى رقعة يمارس فيها الإنسان حريته ويجعل اليهود بشراً ككل البشر الذين يعيشون في العالم التاريخي النسبي (رغم كل تطلعاتهم الدينية والروحية) . وقد نجحت المؤسسة الحاخامية بالفعل في كبح النزعات المشيحانية المتفجرة، الناجمة عن الرؤية الحلولية وتَوقُّع المعجزة الربانية ونهاية التاريخ في كل زمان ومكان. فقد تصدت لشبتاي تسفي، ولكل المشحاء الدجالين. أما المحاولة الثانية، فهي المحاولة التي تمت بعد إعتاق اليهود، والتي أخذت شكل فصل الدين عن القومية في اليهودية الإصلاحية، فهي محاولة جوهرها اعتراف بالوجود التاريخي النسبي لليهود مستقلاً عن مطلقاته الدينية. وقد أخذت هذه المحاولة أيضاً شكل الدراسات التاريخية اليهودية التي تحاول أن تصل إلى التاريخ الدنيوي الإنساني فيما يُسمَّى «علْم اليهودية» . ولكن اليهودية المحافظة قامت بتوظيف الاتجاه التاريخي لحساب الأهداف الصهيونية، فالتراث التقليدي الديني بكل حلوليته تمت علمنته بحيث تحوَّل إلى ميراث تاريخي إنساني دنيوي. ولكنه، مع هذا، لا يفقد شيئاً من قدسيته (فهي حلولية بدون إله) . وأصبح الشعب اليهودي مقدَّساً، لا بسبب إلهه وإنما بسبب تاريخه المقدَّس. والواقع أن الصهيونية امتداد لهذه الرؤية الحلولية للتاريخ التي تحوله من تاريخ مركب يحوي داخله عناصر إيجابية وسلبية، ومن كل متشابك يتجاوز الذات إلى أسطورة بسيطة يمكن توظيفها. الرؤية الصهيونية للتاريخ Zionist View of History تنبع رؤية الصهاينة للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي، أولهما الحلولية اليهودية بكل ما تحوي من مزج بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعه على الشعب اليهودي من مطلقية. وثانيهما التجربة التاريخية ليهود شرقي أوربا كجماعة وظيفية. فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للرؤية الصهيونية للتاريخ اليهودي، أي باعتباره كياناً مستقلاً. هذا كله أوهم المفكرين الصهاينة بأن لليهود تاريخهم اليهودي المستقل عن التاريخ العام الذي يحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية اليهود نفسها إحدى سمات المجتمع الإقطاعي في كلٍّ من روسيا وبولندا، وأن الجيتو اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر نتاج للبناء التاريخي الأساسي الروسي أو البولندي، إذ أن الذي يحكم ظهور وسقوط الجيتو أو الأشكال الإدارية اليهودية المستقلة الأخرى ليس الإرادة اليهودية المستقلة وإنما حركة التاريخ الروسي أو البولندي ومجموعة من العناصر المركبة يشكل أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً منها وحسب. ويمكن أن نقول إن الرؤية الصهيونية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الواحدية اليهودية له، ولكن هناك فارقاً واحداً هو أن الرؤية الصهيونية هي الرؤية الحلولية نفسها بعد أن تمت علمنتها، أي أنها حلولية بدون إله (أو وحدة وجود مادية) . فتاريخ اليهود، حسب تصور مارتن بوبر، هو تاريخ يتدخل (أي يحل) فيه الرب بشكل مستمر، ولذا أصبحت جماعة إسرائيل أمة ومجتمعاً دينياً في آن واحد، ولا تزال جماعة إسرائيل شعباً ومجتمعاً دينيًا (قومياً ومقدَّساً) حتى وقتنا هذا. ويفرق بوبر بين التاريخ، أي التجربة التي تعيشها الأمم، والوحي، وهي التجارب الخصوصية التي يعيشها الأعضاء الذين يُطلَق علىهم مصطلح «أنبياء» . وحينما يتحول الوحي إلى أفكار تفهمها الجماهير وتؤمن بها، فإنه يصبح عقائد. هذا هو الوضع بالنسبة لسائر الأمم. أما بالنسبة لجماعة إسرائيل، فالأمر جدُّ مختلف، إذ أن ثمة تطابقاً كاملاً بين الوحي والعقيدة والتاريخ. فجماعة إسرائيل تتلقى تجربتها الدينية الحاسمة على مستوى الشعب كله، لا على مستوى الأنبياء وحسب (وهو ما يعني في واقع الأمر أن أعضاء جماعة إسرائيل كلهم أنبياء) . ومن ثم، فإن مجتمع إسرائيل ككل يعيش التاريخ والوحي باعتبارهما ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحياً، والوحي باعتباره تاريخاً. وهكذا يتحول اليهود، تماماً كما هو الحال مع الرؤى الدينية الحلولية الكمونية الواحدية القديمة، إلى شعب من الكهنة والأنبياء، ويتحول تاريخهم إلى وحي مستمر. ولذا، فاليهود، حسب التصور الحلولي الواحدي عند بوبر، أمة تحمل وحياً إلهياً عبر تاريخها المقدَّس «الذي لم يكن سوى صراع لا ينتهي من أجل وضع مُثُل الأنبياء موضع التطبيق» كما يقول نحمان سيركين الزعيم الصهيوني العمالى. ومعنى هذا أن كلاًّ من الفيلسوف المتصوِّف والمفكر الاشتراكي يدوران في نطاق الحلولية الكمونية اليهودية ويتفقان على خصوصية وقدسية واستقلالية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . كما يتفقان على تَداخُل التاريخ المقدَّس والتاريخ الإنساني. وعلى أية حال، فإن من الواضح أن هناك تداخلاً في البنى التاريخية وعدم إلمام بحركة التاريخ ينعكسان بجلاء في الطريقة التي يقرأ بها الصهاينة الواقع التاريخي. فهم حينما نظروا إلى فلسطين، في أواخر القرن الماضي، لم يروها أرضاً فيها شعب، أي واقعاً إنسانياً تاريخياً، وإنما رأوا مفهوماً دينياً يُدعى «إرتس إسرائيل» . ولذلك، وبدلاً من التعامل مع الواقع الحي، نجدهم يلفقون شعارات مثل: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ، وهي شعارات جامدة تقترب، في اتساقها الهندسي مع نفسها، من الحسابات القبَّالية. ويتبدَّى الرفض الصهيوني للتاريخ، بشكل واضح، في المصطلح الصهيوني. فالصهاينة حينما يستخدمون كلمة «تاريخ» ، فإنهم لا يشيرون في العادة إلى التاريخ الحي المتعيِّن، وإنما إلى العهد القديم، أو إلى تراثهم الديني (المكتوب منه أو الشفوي) ، أو إلى التاريخ المقدَّس. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي الحدود المقدَّسة المنصوص عليها في العهد القديم «من نهر مصر إلى الفرات» ، وهي حدود لم يشغلها العبرانيون في أية لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان. والحقوق التاريخية هي أيضاً الحقوق المقدَّسة التي وردت في العهد القديم، والتي تؤكد أنهم شعب مقدَّس مختار، له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم، وهو عهد يعبِّر عن الحلول الإلهي فيهم. ويتبدَّى الرفض الصهيوني لتعيُّن التاريخ وتركيبيته على هيئة رؤية اختزالية تبسيطية للواقع. فمن المعروف أنه، قبل حرب السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان) ، كان لدى الإسرائيليين من المؤشرات الملموسة ما يؤكد أن المصريين سيعبرون القناة إلى سيناء. ولكن الدلالات الملموسة ظلت معلومات جامدة مبعثرة لم ينتظمها إطار، ولم تكتسب اتجاهاً محدداً لأن نموذج الصهاينة التفسيري الاختزالي معاد للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر. والصهاينة لا يمكنهم إلا التحرك داخل إطار هذا النموذج لأنهم لو فعلوا غير ذلك لطرحوا على أنفسهم إمكانية استيقاظ العرب واحتمال اختفاء الكيان الصهيوني الشاذ المشتول. وقد تكرر هذا الوضع مع الانتفاضة، إذ كان لدى المخابرات الإسرائيلية من المعلومات ما يؤكد أن ثمة تحركاً فلسطينياً ورفضاً شعبياً للاحتلال. ومع هذا، فقد أنكرت أجهزة المخابرات وجود الانتفاضة، حتى بعد اندلاعها بعدة أسابيع، وإنكارهم هذا هو إنكار لتركيبية التاريخ والإنسان ولاحتوائهما على إمكانات غير مرئية تمنح الإنسان مركزيته في هذا الكون. ولكن الصهاينة يتصورون أن بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف. فالعنف هو عادةً الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على تعيُّن الواقع وتركيبيته، ولكن العنف الصهيوني حتى الآن لم يحقق إلا جزءاً صغيراً من المخطط الصهيوني اللاتاريخي. غير أن نموذج الصهاينة الاختزالي ليس مقصوراً على تعاملهم مع التاريخ العربي أو تاريخ الأغيار وإنما يمتد إلى رؤيتهم لتواريخ الجماعات اليهودية وإلى ما يسمونه «التراث اليهودي» ككل. فقد كتبوا تواريخ الجماعات اليهودية بطريقة مأساوية فجَّة تختزل تلك التواريخ وتقسمها إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: فترات مظلمة عديدة وغير حقيقية فقدت فيها الذات اليهودية وعيها بنفسها وخرجت من الدائرة (الحلولية) اليهودية أو أخذت موقفاً سلبياً فلم تدافع عن ذاتها فوقعت ضحية سهلة للأغيار؛ وفترات أخرى مضيئة وحقيقية تمركزت فيها الذات اليهودية على نفسها ودافع اليهود فيها عن أنفسهم بضراوة وشراسة. وحسب هذا الفهم، تكون الأعوام القليلة التي قامت فيها دولة يهودية في فلسطين أكثر الفترات خصوبة فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويكون التمرد الحشموني، حين دافع اليهود عن الوجود اليهودي في فلسطين، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الحركة الصهيونية التعبير الحقيقي والأخير عن هذا التمركز اليهودي الذي يجسد روح التاريخ اليهودي ويشكل نهايته السعيدة. ولكن مشكلة التقسيم البسيط هي أن الصهيونية تكتسب شرعيتها من افتراض وجود هذا التاريخ اليهودي ومن تعبيرها عنه. ولكن التاريخ اليهودي هو أساساً نتاج انتشار اليهود في كثير من بلاد العالم، أي نتاج وجود الجماعات اليهودية في الدياسبورا أو المنفى، أي وجودهم في أنحاء العالم خارج فلسطين. ومن يتقبل نموذج التاريخ اليهودي يتقبل أيضا وجود اليهود في المنفى كحقيقة أساسية، لأن حالة المنفى جزء لا يتجزأ من البناء التاريخي اليهودي الذي يفترض الصهاينة وجوده. وتعبِّر الكتابات الصهيونية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تمجد هذا التاريخ اليهودي تمجيداً لا حد له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ اليهودي الحقيقي. ولكن الصهاينة، سواء في تمجيدهم الدياسبورا أو هجومهم عليها، يفترضون، في كل الأحوال، وجود تاريخ يهودي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش اليهود بين ظهرانيها. والحديث عن التاريخ اليهودي، مثل الحديث عن «الأدب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» وغير ذلك، يفترض أن العنصر الأساسي الذي يحرك اليهودي ويشكل شخصيته هو أساساً إيمانه بالدين اليهودي أو انتماؤه إلى التراث اليهودي. وفي هذا تقليل من شأن اليهود، وتضييق لإنسانيتهم ومساهمتهم في الحضارة البشرية. فاليهودي، مثله مثل أي إنسان آخر، ظاهرة مركبة، تحركه عناصر متشابكة، بعضها ملموس ومحدَّد وبعضها غير ملموس وغير محدَّد، وليس مجرد عنصر واحد كما يتصور الصهاينة. وبالإضافة الى ذلك، فإن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر إيمان بأن اليهود موجودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّي نموذج التاريخ اليهودي هو في جوهره عودة إلى الرؤية اليهودية القديمة الحلولية الواحدية التي فشلت في رؤية الفارق بين المقدَّس والنسبي، وبين الإلهي والتاريخي، فألغت كل الثنائيات وسدت كل المسافات. وكما بيَّنا من قبل، لعب تراث الصهاينة الحلولي دوراً كبيراً في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي اليهودي المنفصل. كما أن تجربة الصهاينة الضيقة ذاتها، والمستمدة أساساً من وجود يهود شرق أوربا كجماعة وظيفية، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الصهيونية. انتفاضة شميلنكي Chmielnicki Uprising «انتفاضة شميلنكي» انتفاضة شعبية في أوكرانيا ضد الاستعمار الاستيطاني البولندي وقوات الاحتلال التي كانت تحميه وكل المؤسسات التي تتبعه (الكنيسة الكاثوليكية والوكلاء اليهود) . والانتفاضة من أهم الحوادث التاريخية التي أثرِّت في الجماعات اليهودية في شرق أوربا، ولا تقل في أهميتها عن وعد بلفور أو الإبادة النازية لليهود. وانتفاضة شميلنكي، شأنها شأن وعد بلفور أو الإبادة النازية، لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى تاريخ العلاقة بين بولندا وأوكرانيا، وهو أمر لا علاقة له بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وقائد الانتفاضة هو بوجدان شميلنكي (1593 ـ 1657) «أتمان» (أي قائد) القوزاق أو زعيمهم (الذي أصبح فيما بعد، قائداً لأوكرانيا بعد حصولها على الاستقلال، وداعية لتوحيدها مع روسيا) . درس في مدارس اليسوعيين، وتعلم فنون الحرب أثناء غارات القوزاق على الدولة العثمانية، وعمل في الحرس الملكي الخاص بملك بولندا، ثم اشترك في الحرب ضد العثمانيين وأُسر عام 1620 وعاش عدة سنوات في تركيا. وكان شميلنكي نفسه ثرياً، فاستقر في ضيعته (في شيجيرين) تحت حماية أحد النبلاء البولنديين (شلاختا) . وحينما اختلف معه، هوجمت ضيعته بمساعدة الأرنداتور (الوكيل) اليهودي فقُتل ابنه وأُلقى القبض على زوجته. وتعود أسباب الانتفاضة إلى عدة أسباب من بينها تَزايُد الاستغلال الإقطاعي الواقع على الفلاحين الذين كانوا في واقع الأمر أقناناً تقترب حالتهم من العبودية الكاملة، وخصوصاً أن النبلاء البولنديين لم تكن تربطهم علاقة إقطاعية حقيقية بهذه الأرض، فالإقطاع البولندي في أوكرانيا كان إقطاعاً استيطانياً (وقد ضُمَّت أوكرانيا إلى بولندا في منتصف القرن السادس عشر) ، وانصرف جل هم النبلاء البولنديين إلى تعميرها حتى تدر عائداً عليهم ويستولوا على ريعها. وكان اليهودي يقرض النبيل البولندي بضمان ضيعته وريعها، ثم يتولى هو عملية إدارتها فيما يعرف باسم «نظام الأرندا» ، الأمر الذي جعل كثيراً من اليهود يتحولون إلى ممثلين للنبلاء الإقطاعيين الغائبين في وارسو، فيقومون بتحصيل الضرائب الباهظة من الفلاحين ومنها ضريبة يدفعها الفلاحون الأرثوذكس لفتح باب الكنيسة لأداء الصلاة أو غيرها من العبادات. كما كانوا يقومون ببيع السلع التي كان يحتكرها النبلاء، مثل الملح والخمور، بأسعار مرتفعة جداً. وقد كان اليهود منتشرين بين الفلاحين القوزاق والأوكرانيين في مدن صغيرة (شتتلات) ، لا يحملون السلاح بل تقف إلى جوارهم فرق بولندية مسلحة لحمايتهم. ومن الأسباب الأخرى التي أدَّت إلى توتر الأوضاع وترديها فترة جفاف دامت عشرة أعوام، ازداد فيها الفلاحون فقراً وسخطاً. كما أن محاولات الكنيسة الكاثوليكية الدائبة، لفرض نفوذها على شرق أوربا، زادت سخط الجماهير الأرثوذكسية. وقد بدأت تظهر عناصر تشد من أزر العناصر الشعبية الرافضة في أوكرانيا من بينها ظهور القوة الروسية الأرثوذكسية في هذه الآونة، والحرب المستمرة بين ملك بولندا والنبلاء والتي أضعفت الطرفين، كما كانت جيوش السويد تُهدِّد بولندا من الشمال. وتذكر الموسوعة اليهودية العالمية أن غرور اليهود وصلفهم كان عنصراً مساعداً على زيادة السخط والتوتر، وإن كان من الأفضل الحديث عن طبيعة وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بين مطرقة النبلاء وسندان الأقنان، ذلك أن صلف أداة الاستغلال وحده ليس كافياً لإضرام نيران ثورة شعبية مستمرة. ومما زاد من حدة الصراع وأوضح معالمه، ذلك التعارض الاجتماعي والديني والعرْقي الكامل بين وضع الجماهير القوزاقية والأوكرانية من جهة، ووضع النبلاء البولنديين ووكلائهم من جهة أخرى. فهذه الجماهير كانت أساساً جماهير فلاحية تتحدث الأوكرانية وتنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية. والمستغل الحقيقي كان النبيل الإقطاعي البولندي الذي يتحدث البولندية ويتبع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ولم يكن الوكيل اليهودي سوى أداته في الاستغلال وسوط عذابه. ولكنه مع هذا كان المستغل المباشر المنعزل تماماً عن الجماهير، فهو يتحدث اليديشية ويدين باليهودية. وكانت العناصر التي جرفتها الانتفاضة، هي القوة العسكرية البولندية والقساوسة الكاثوليك والوكلاء اليهود من ناحية، ومن ناحية أخرى الأقنان القوزاق والأوكرانيون والتتر وكل العناصر الأخرى التي انضمت لهم. وقد نجحت انتفاضة شميلنكي بسرعة خاطفة فوافقت بولندا عام 1649 على أن تتمتع عدة مقاطعات من أوكرانيا بالحكم الذاتي. ومع هذا فقد استمر الصراع العسكري بين بولندا والدولة الجديدة واستعان شميلنكي بالروس، فتقدمت القوات الروسية والقوزاقية، وتم ضم أوكرانيا وسمولنسك إلى روسيا عام 1667 وقد كانت انتفاضة شميلنكي في جوهرها شكلاً من أشكال الثورة الشعبية لا تختلف عن مثيلاتها من ثورات الفلاحين ضد الإقطاعيين ووكلائهم. وهي عادةً ثورات تأخذ في البداية شكل غضب شعبي عارم ورغبة شديدة في الانتقام، هو في جوهره رد فعل لا عقل له لعملية القمع القاسية اللاعقلانية التي كانت تُمارَس ضد الفلاحين. وعادةً ما ينضم الفلاحون إلى جيوش الثورة الشعبية التي لا تلتزم بقوانين الحرب المختلفة (الخاصة بالأسرى وغيرها) لجهلهم بها، بل إن الثورة الشعبية بأسرها في مراحلها الأولية تفتقر إلى البرنامج السياسي والرؤية. ولم تكن انتفاضة شميلنكي استثناءً من هذه القاعدة إذ اندلعت الثورة وعبَّر الفلاحون عن غضبهم بذبح كل من وجدوه في طريقهم ممثلاً لمؤسسة القمع: نبلاء بولنديين وقساوسة كاثوليك ووكلاء يهود. ولعل عملية الانتقام كانت أكثر سهولة ويسراً في حالة انتفاضة شميلنكي لأن العنصر المستغل (البولندي الكاثوليكي واليهودي اليديشي) .كان عنصراً استيطانياً غريباً من السهل التعرف عليه يعيش في الشتتلات. ومما يجدر ذكره أن انتفاضة شميلنكي لم تكن انتفاضة عنصرية موجهة ضد اليهود باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم ممثلين للإقطاع البولندي الاستيطاني. أي أنهم لم تكن لهم أية أهمية في حد ذاتهم، فقد كانوا مجرد أداة في يد أحد أطراف الصراع. ولذا فحينما كانت القوات البولندية تنتصر على المنتفضين كان هذا يعني عادةً عودة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الشتتلات وكان يُنَص على هذا في الاتفاقيات المبرمة. وحينما كانت كفة المنتفضين ترجح كان أحد مطالبهم أن تُخلَى المدن الأوكرانية من القوات البولندية والوكلاء اليهود. وحينما كتب شميلنكي رسالة إلى كرومويل، على أمل عقد تحالف بين القوتين الأرثوذكسية والبروتستانتية، فإنه لم يذكر اليهود بخير أو شر. وحسبما جاء في المصادر اليهودية المعاصرة، فقد أُبيد نحو ثلث يهود أوكرانيا. ولكن المؤرخين يميلون الآن إلى القول بأن هذه الأرقام مُبالَغ فيها، كما يميلون إلى أن أعداداً كبيرة من اليهود فرَّت ثم عادت بعد أن هدأت الأحوال قليلاً. وربما يفسر هذا استمرار تزايد أعداد اليهود بعد الانتفاضة. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية (أكبر جماعة يهودية في أوربا) الذين عادوا كانوا يشكلون جماعة مذعورة لا تحس بالطمأنينة الزائفة التي كانت تشعر بها قبل اندلاع الثورة، إذ تم تقويض روحها المعنوية، وفقدت الثقة في نفسها وفي وضعها، الأمر الذي جعل منها تربة خصبة للحركات الشبتانية والمشيحانية (ابتداءً من شبتاي تسفي وانتهاءً بالحسيدية) وجعلهما مادة خاماً مهيأة لأن تُنقَل إلى أي مكان حتى يمكنها الاستمرار في الاضطلاع بدورها كجماعة وسيطة (وهو الحل الذي طرحته الصهيونية ثم نفذته) . وإذا نظرنا إلى انتفاضة شميلنكي من منظور التاريخ الإنساني العام فلابد أن تُصنَّف باعتبارها ثورة شعبية ضد شكل من أشكال الظلم لم تشهد له الإنسانية مثيلاً، فقائدها بطل شعبي نجح في تحرير شعبه، ولا شك في أن هذه الانتفاضة ارتكبت الكثير من أفعال القسوة التي لا يمكن إلا أن يدمغها الإنسان من الناحية الأخلاقية، مع علمنا تمام العلم بأن هذا هو جزء من نمط الثورات الشعبية السائد، إلا أن عدالة الانتفاضة وأخلاقيتها وبطولة قائدها هي أمور لا يتطرق إليها الشك. وهكذا يحتفل بها شعب أوكرانيا، ولهذا السبب يقيم التماثيل الضخمة لقائدها ومحرر البلاد. ولكن الدراسات الصهيونية تنظر إلى هذه الحادثة في إطار التاريخ اليهودي الذي يضع اليهود في مقابل الأغيار، فنجد أن صورة اليهود في مثل هذه الدراسات، صورة اختزالية كوميدية، إذ تُصوِّر اليهود باعتبارهم أقلية صغيرة يعيش أعضاؤها آمنين في مدنهم الصغيرة يتحدثون اليديشية، لا علاقة لهم بعالم الأغيار، وفجأة يهب هذا العالم ويذبح آلاف اليهود (وتبدو الواقعة بأسرها وكأنها شيء فجائي ليس له سبب واضح لأننا لا ندرك دور اليهود الوظيفي أو علاقتهم بالأغيار البولنديين) . ومن ثم فإن انتفاضة شميلنكي تصبح «مذبحة شميلنكي» ويُقارَن شميلنكي بهتلر. وحينما تُصوِّت إحدى دول شرق أوربا ضد إسرائيل في هيئة الأمم فهذا جزء من «ميراث شميلنكي» . وتَناول كتب ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» لانتفاضة شميلنكي يبيِّن انعدام القيمة التفسيرية لهذا النموذج. الماضي والمستقبل اليهوديان Jewish Past and Future «الماضي اليهودي» تعبير يفترض أن لأعضاء الجماعات اليهودية ماضياً واحداً مستقلاً، أي تاريخاً واحداً مستقلاً، فإن لم يكن لهم حاضر موحَّد فهذا نتيجة لحادثة هدم الهيكل وشتاتهم. والمشروع الصهيوني محاولة لأن يكون لليهود مستقبل موحَّد. ولكن الدراسة المتأنية تبين أن أعضاء الجماعات اليهودية ليس لهم ماض واحد. فماضيهم في بولندا، أي تجربتهم التاريخية وموروثهم الحضاري والديني في بولندا، يختلف عن ماضي يهود الفلاشاه، وتجربة هذين الفريقين تختلف عن تجربة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. وليس لأعضاء الجماعات اليهودية حاضر واحد، فلكل جماعة يهودية مشكلاتها ونصيبها المختلف من الأفراح والأتراح. وتدل المؤشرات كافة على أن هذه الجماعات لن يكون لها مستقبل واحد. فيهود الولايات المتحدة (أكبر تجمُّع يهودي في العالم) يعتبرون أمريكا وطنهم القومي. وبرغم تعاطف أعداد كبيرة منهم مع إسرائيل والصهيونية، فإنهم لا ينوون الهجرة إليها، شأنهم في هذا شأن يهود أستراليا ونيوزلندا. أما يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، فهم يواجهون مشاكل في بلادهم قد تضطرهم إلى الهجرة ولكنهم لا يهاجرون إلى إسرائيل. بينما لا يمانع يهود الفلاشاه في الهجرة إلى إسرائيل إذ يراودهم حلم الحراك الاجتماعي. ويدل كل هذا على أن لكل جماعة يهودية مستقبلاً مستقلاً. ومع هذا، تصر الكتابات الصهيونية على تأكيد وجود ماض ومستقبل ومصير يهودي واحد منفصل عن ماضي ومستقبل ومصير المجتمعات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية. ولدعم هذا الرأي، تؤكد الكتابات الصهيوينة أهمية النظر إلى الهجمات التي تحدث ضد اليهود، كالإبادة النازية ليهود أوربا، باعتبارها جزءاً من ماض مشترك ونمط متكرر لا يمكن الخروج منه إلا بالحركة المشتركة في المستقبل. المصير اليهودي (الوحدة والتشابك ( Jewish Destiny (Unity and Entanglement) «المصير (أو القَدَر) اليهودي» عبارة تعني أن أعضاء الشعب اليهودي لهم مصير واحد، فريد ومشترك، وأنهم خاضعون لمسار واحد، ولهم تطلعات مشتركة، ويلقون نهاية واحدة. وفكرة المصير اليهودي مرتبطة بفكرة الشعب المختار، فهذا الشعب قد اختاره الإله وحلّ فيه ليكون محط عنايته واهتمامه (وأحياناً اضطهاده) ، وهو بالتالى شعب ذو مصير خاص، مقرَّر مسبقاً، يبدأ تاريخه بالخروج من مصر وينتهي بعودة الماشيَّح. وبين البداية والنهاية، يلاقي اليهود مصيرهم الموعود من اضطهاد وطرد وتهجير وهجرة، فهم أداة خلاص العالم. وقد عمقت القبَّالاه اللوريانية هذا المفهوم، وربطت بين مصير الإله ومصير الشعب. وقد تمت علمنة هذا المفهوم الديني ليكون مصير اليهود التاريخي المشترك مفهوماً دنيوياً، وهو مصير مستقل عن تواريخ الشعوب الأخرى، ولذا يُفسَّر ما يحدث لليهود بمعزل عن الظروف الحضارية والاجتماعية التي أدَّت إلى هذا الحدث، والتي لا تقع بالضرورة داخل حدود التاريخ اليهودي. فحادثة مثل الخروج من مصر، يُنظَر إلىها خارج حركيات التطور في الشرق الأدنى القديم. ولا يُنظَر إليها في علاقتها باكتشاف الحديد الذي أدَّى إلى تدهور الدولة المصرية، وكذلك طرد الهكسوس من مصر وتركهم موالىهم من العبرانيين وراءهم، ثم ظهور شعوب البحر. ويصبح تهجير اليهود إلى بابل وكأنه عقاب من الإله لليهود على ما اقترفوه من آثام وجزء من مصيرهم. وتسقط من الصورة حركيات ظهور الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية وصراعهما مع الدولة المصرية، كما تسقط من الصورة الأقوام الأخرى التي تم سبيها بحيث تظهر حادثة السبي وكأنها حدث فريد مقصور على اليهود لا يمكن فهمه إلا في إطار المصير اليهودي الفريد. ومن أهم الوقائع التي تفسَّر بهذه الطريقة، واقعة الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ تصر الأدبيات اليهودية على عدم ذكر الملايين الأخرى التي أبيدت تحت نفس الظروف. كما أن هذه الأدبيات لا تتحدث أبداً عن سبب العداوة الشرسة من قبل النازيين لليهود وكأن ذلك أمر غير مرتبط بأزمة المجتمع الصناعي الغربي في الثلاثينيات والرؤية المعرفية الإمبريالية. وتحاول هذه الأدبيات، انطلاقاً من النموذج نفسه، أن تؤكد بعض السمات الأساسية التي تتسم بها بعض الجماعات اليهودية باعتبارها جزءاً من المصير اليهودي وتعبيراً عنه. فاليهودي مكتوب علىه الانعزال وعدم الاندماج، شاء أم أبى، وهو دائماً يعزل نفسه عن الآخرين بسبب تركيبية شخصيته اليهودية، وهي مقولة وجدت طريقها إلى الأدبيات العربية التي تتناول الشأن اليهودي. ولكن الدارس المدقق يعرف أنها مقولة لا أساس لها من الصحة، فلو لم يندمج اليهود ولم ينصهروا في مجتمعاتهم لبلغ عددهم الآن مئات الملايين، فقد كان عددهم مع بداية العصر المسيحي (في بعض التقديرات) يزيد على سبعة ملايين. كما أن تنوع اليهود الإثني والعرْقي والحضاري لا يمكن فهمه إلا في إطار اندماجهم. فالفلاشاه يختلفون عن يهود الهند الذين يختلفون بدورهم عن يهود الولايات المتحدة. ومع هذا، تصر الأدبيات الصهيونية على أن مصير اليهودي وقدره هو العزلة وعدم الاندماج، وبالتالى تصبح الدولة الصهيونية نتيجة حتمية ومفهومة وأمراً طبيعياً، فهي الإطار الذي يمكن لهذا المنعزل الأزلي أن يعبِّر عن شخصيته اليهودية من خلاله. ويظهر قصور المقدرة التفسيرية لنموذج المصير اليهودي إذا ما درسنا السلوك الفعلي لأعضاء الجماعات اليهودية خارج إطار هذه المقولات الأسطورية. فيهود الولايات المتحدة قد ربطوا مصيرهم كليةً بمصير بلدهم، برغم كل ادعاءاتهم الصهيونية. كما أن اليهود الأمريكيين الذين اشتركوا في الحرب العالمية الثانية بلغ عددهم خمسمائة وخمسين ألفاً، جرح منهم أربعة وعشرون ألفاً، وحصل ستة وثلاثون ألفاً على نياشين، وقتل منهم عشرة آلاف وخمسمائة من أجل وطنهم، وهو عدد يفوق عدد جملة اليهود الذين ماتوا دفاعاً عن الوطن القومي اليهودي. كذلك، فإن يهود الولايات المتحدة لا يهاجرون الى هذا الوطن القومي، علماً بأن عدد من يزور منهم هذا الوطن للسياحة لا يزيد على 10% وابتداءً من العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أخذ المصير اليهودي (أو مصير الأغلبية العظمى من يهود العالم) يرتبط بالمصيرالأمريكى، إذ أن ملايين المهاجرين اتجهوا إلى الولايات المتحدة وتجاهلوا أرض الميعاد تماماً عدا أعداداً قليلة للغاية. ولا يزال هذا البلد الذهبي (جولدن مدينا) الغريم الأكبر للدولة الصهيونية حيث يهاجر مواطنوها بأعداد متزايدة إلى أرض الميعاد الأمريكية التي تحقق للجميع قسطاً أكبر من الأمن. وكذلك يفعل يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. كما أن المهاجرين من روسيا وأوكرانيا يتجهون أساساً، هم أيضاً، إلى الولايات المتحدة متى سنحت لهم الفرصة. فإذا أضفنا إلى هذا الاتفاق الإستراتيجي بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة، والاعتماد شبه الكامل لهذه الدولة على الدعم الأمريكي بحيث أصبح مصيرها في يد راعيها الأكبر، فإننا نستطيع أن نقول بكثير من الإطمئنان إن المصير اليهودي، إن كان ثمة مصير مستقل، هو نفسه المصير الأمريكي. فالمصير اليهودي خاضع تماماً للإرادة الأمريكية. وهو، على كلٍّ، أمر متوقَّع بعد أن قامت المنظمة الصهيونية العالمية بتوقيع عقد صامت مع الحضارة الغربية يتحول بمقتضاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعة وظيفية استيطانية في فلسطين، أو إلى جماعات توطينية خارجها، تدافع عن المصالح الغربية نظير أن تضمن هذه الحضارة أمن وبقاء الدولة الصهيونية. وقد أصبحت مقولة «المصير اليهودي» مقولة أساسية في الخطاب السياسي الإسرائيلي وتتبدَّى في عبارة مثل «إين بريرا» ، أي «لا خيار» ، وهي العبارة التي يصف بها المستوطنون الصهاينة حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها. وقد تعمق هذا المفهوم في أدبيات جوش إيمونيم، إذ يصبح المصير اليهودي جوهر حياة المستوطنين، فهو تعبير عن عبء الميثاق بين الإله والشعب، وهو عبء لا يحمله كل الشعب اليهودي، وإنما يحمله المستوطنون وحدهم، فيذهبون إلى الضفة الغربية، ويضربون خيامهم بجوار البركان. وهو أمر مكتوب عليهم، فقد جاء في العهد القديم: «هو ذا شعب وحده وبين الشعوب لا يسكن» . ولذا، فالحرب الدائمة مع العرب جزء من المصير المحتوم. ولقد حوَّلت المحكمة العليا فكرة المصير اليهودي إلى معيار ارتضته أساساً لتعريف الهوية اليهودية. ومن هنا، رُفض طلب الأخ دانيال أن يُعترَف به يهودياً، رغم أنه وُلد لأم يهودية، وذلك لأنه تبنَّى ديناً آخر ولم يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي. ومع هذا، صرح شامير بأن الدولة الصهيونية لا يمكنها أن تدافع عن كل يهود العالم، إذ أنها مشغولة بالدفاع عن نفسها، أي أنه رفض اشتباك مصير الشعب اليهودي بالدولة اليهودية. ويُلاحَظ أن الجماعات الوظيفية عادةً ما يكون لديها إحساس متضخم بخصوصية مصيرها. فالساموراي، في شعر الهايكو، يتحدثون دائماً عن مصيرهم الموعود، كما تتحدث العاهرات عن نصيبهن المكتوب على الجبين. وهذه جميعاً محاولات إنسانية لعقلنة وضع غير عقلاني وغير إنساني لا تمكن عقلنته إلا بهذه الطريقة. ولعل اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية في الحضارة الغربية، واضطلاع الدولة الصهيونية بدور الدولة الوظيفية، السبب الكامن وراء تضخُّم الحديث الصهيوني عن المصير اليهودي الفريد والمشترك. ونحن نفرِّق بين وحدة المصير اليهودي وبين تشابك المصائر، إذ أن أحوال إحدى الجماعات اليهودية تؤثر أحياناً على جماعة يهودية أخرى، وذلك رغم وجودهما في مسارين تاريخيين مختلفين، وبرغم انتمائهما إلى حركيات تاريخية مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن حركيات التحديث المتعثر في شرق أوربا قذفت بملايين اليهود الفائضين إلى غربها، فاشتبك مصيرهم بمصير يهود هذه البلاد دون أن يتَّحد المصيران بالضرورة، وبذل يهود غرب أوربا أقصى جهدهم للتخلص من الوافدين الجدد. وظهرت، في هذا الإطار، الصهيونية الخارجية التوطينية التي يُطلَق عليها مصطلح «صهيونية الدياسبورا» ، وهي صهيونية لا تطلب من المؤمن بها الاستيطان، وإنما تطلب منه المساهمة في توطين الفائض البشري اليهودي الذي يهدِّد مكانته بالخطر. وقد أثر المشروع الاستيطاني الصهيوني، وهو مشروع إشكنازي غربي بالدرجة الأولى، في الجماعات اليهودية في العالم العربي، إذ أن مصيرهم اشتبك مع مصير المستوطنين الإشكناز، الأمر الذي اضطرهم إلى الخروج من بلادهم العربية وإلى استيطان أعداد منهم فلسطين. ومع هذا، ظل الوضع الاقتصادي المتدني والهوية الحضارية المستقلة داخل المُستوطَن الصهيوني، وهو ما يعني أن مصيرهم ليس متوحداً بعد مع مصير الإشكناز وإن كان الوضع قد بدأ في التغير في الآونة الأخيرة (وقد يصبحون جزءاً من المُستوطَن الصهيوني لهم نفس مصيره) . ومع هذا، فثمة عناصر تتفاعل داخل المُستوطَن الصهيوني وتوسِّع الهوة بين الإشكناز ويهود العالم الإسلامي، وتفرض على كلٍّ مصيراً مختلفاً. القدر اليهودي Jewish Fate عبارة مرادفة لعبارة» المصير اليهودي « الاستمرار اليهودي Jewish Continuity «الاستمرار اليهودي» نموذج تفسيري يفترض أن الجماعات اليهودية تكوِّن في العصر الحديث كلاًّ متجانساً عل مستوى العالم، وأن ثمة استمرارية تاريخية وثقافية (بل أحياناً عرْقية) تسم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ويُعَدُّ هذا النموذج عنصراً محورياً في الفكر الصهيوني. وانطلاقاً منه، يذهب الصهاينة إلى أن اليهود المحدَثين هم ورثة العبرانيين القدامى، وأن حكومة إسرائيل الحالية في فلسطين المحتلة ما هي إلا الكومنولث اليهودي الثالث. ويرى بعض الصهاينة أن الصهيونية هي تعبير عن هذه الاستمرارية فأصولها تمتد بعيداً إلى أيام الأنبياء الأوائل وأن الدعوة الى العودة شيء متصل منذ بداية التاريخ اليهودي إلى الآن من الأنبياء إلى هرتزل. وفكرة الاستمرار هذه فكرة حلولية ذات أصول إنجيلية، إذ أن الوجدان الغربي ينظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الكتب المقدَّسة، فيرى العبرانيين القدامى يدخلون كنعان، ثم يرى حكم القضاة فالملوك، فالسبي البابلي، فعودة عزرا ونحميا، وبعد ذلك ثورة الحشمونيين، ثم هدم الهيكل على يد تيتوس، وهو ما أدَّى إلى نفي اليهود. وهذا ما يعني أنهم في حالة انتظار، قابعون داخل تاريخهم المقدَّس الذي حلّ فيه الإله. وتُستأنَف الحلقة بعودة اليهود مرة أخرى إلى فلسطين. وبالتالى، فإن الاستيطان الصهيوني تعبير عن نمط متكرر ومستمر ومتوقع. كما أن دخول المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، وقيامهم بذبح الفلسطينيين، ليس إلا استمراراً وتكراراً لدخول العبرانيين إلى أرض كنعان وإبادتهم لأهلها. ويُعبِّر نموذج الاستمرار هذا عن نفسه فيما يمكن تسميته القياس التاريخي الزائف الذي يفترض أن الظواهر المحيطة بيهود اليوم تشبه في كثير من الوجوه الظواهر التي واجهها اليهود في ماضيهم السحيق. فنجد، مثلاً، أن حاييم وايزمان يطالب العرب في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني العشرين (1937) بالتفاوض مع اليهود مذكراً إياهم بأنه، في الفترات العظيمة من التاريخ العربي، تعاون الشعبان معاً في بغداد وقرطبة على حفظ كنوز الثقافة العربية. فالعرب في نظره ما زالوا كما كانوا، واليهود أيضاً لم يتغيروا، أما الظروف التاريخية المتغيرة فهي أمر ثانوي يحسن التغاضي عنه كلية. ومن أطرف الأمثلة على هذا الإيمان باستمرار إسرائيل، وعلى القياس التاريخي الزائف، ما صرح به أستاذ للتاريخ بالجامعة العبرية من أن جنود إسرائيل رأوا البحر الأحمر لأول مرة في يونيه عام 1967 بعد غياب دام بضعة آلاف من السنين، أي بعد عبورهم إياه مع موسى حينما كان يطاردهم فرعون مصر! وقد كان من الشائع في الولايات المتحدة، بعد حرب 1967 مباشرة، أن يحاول بعض الحاخامات تفسير أسفار العهد القديم، مبينين أن معارك يونيه ليست إلا تكراراً لمعارك حدثت من قبل. ويحاول بن جوريون تبرير عسكرة المجتمع الإسرائيلي باللجوء إلى أسطورة الاستمرار، فيقول: «إن جنود موسى ويوشع وداود لم يكفُّوا عن القتال ... وكذلك جنود صهيون [أي دولة إسرائيل] لن يتوقفوا عن القتال» . ويقوم بعض المعلقين العسكريين الإسرائيليين بعقد المقارنات بين فرسان داود وسليمان ودبابات الجيش الإسرائيلي، كما يقيمون الندوات لبحث أوجه الشبه والخلاف بين أساليبب جدعون وتكتيكات ديان. بل إن الصراع العربي الإسرائيلي بأسره ينظر إليه على أنه استمرار لصراع العبرانيين مع الفراعنة والآشوريين والبابليين والفينيقيين. ويتبدَّى نموذج الاستمرار اليهودي في فكرة النقاء العرقي والحضاري لليهود، لأن فكرة الاندماج والاختلاط بالآخرين تنسف فكرة الاستمرار من جذورها. وتذهب الرؤية الصهيونية في تفسير هذا الاستمرار اليهودي إلى أن الوجود اليهودي عبر التاريخ اتبع نمطاً واحداً، وعبَّر عن جوهر يهودي واحد، فهو أقرب إلى التكرار منه إلى الاستمرار ويأخذ شكلاً هندسيٍّا متسقاً يشبه إلى حدٍّ كبير الأساطير البدائية التي تصل إلى درجة عالية من الاتساق العضوي مع نفسها. وعلى أية حال، فإن هذا الاتساق يجعل الصهيونية نظاماً مغلقاً مكتفيًّا بذاته لا علاقة له بالواقع المتعيِّن الحي، وهي في هذا تشبه كثيراً من الأساطير الشمولية مثل الأسطورة النازية. ويجد الصهاينة نفس القدر من الاستمرارية في ظاهرة معاداة اليهود، إذ يرون أنها دائمة ما دام اليهود في المنفى. وكما هو الحال مع «البقاء اليهودي» وغيره من المفاهيم الصهيونية، نجد أن مفهوم الاستمرار اليهودي يعطي اليهودي حقوقاً مطلقة مستمرة لا تنقطع، ويسقط الحقوق القائمة للآخرين. فباسم هذا الاستمرار يدَّعي الصهاينة لأنفسهم شرعية احتلال فلسطين وطرد أهلها. فالدولة اليهودية، حسب رؤيتهم، هي وريثة الدويلات اليهودية التي قامت منذ آلاف السنين. الاستمرار اليهودي: منظور إسلامي Jewish Continuity: An Islamic Perspective من المفاهيم الصهيونية المحورية مفهوم الاستمرار اليهودي، ويُقصَد به أن ثمة استمرارية في الصفات الأساسية (الثقافية والدينية بل والعرْقية أحياناً) التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية وتفصلهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات. وانطلاقاً من هذه الاستمرارية يرى المؤمنون بها أن كلمة «يهودي» تشير إلى يهود العالم في الحاضر والماضي والمستقبل، وأن كلمة «يهودية» تشير إلى نظامهم العقدي، وكأن سمات اليهود الثقافية لم يطرأ عليها أي تَغيُّر جوهري، وكذلك موروثهم الديني. ونحن نرى أن مثل هذا التصور يتنافى تماماً مع الواقع التاريخي ومع الرؤية الإسلامية، ويمكن أن نسجل الملاحظات الآتية: 1 ـ لا يملك الدارس المتأني إلا أن يُلاحظ وجود تَنوُّع هائل بين أعضاء الجماعات اليهودية على المستوى العرْقي، فهناك يهود بيض ويهود سود ويهود صفر، وتختلف أحجام الرأس باختلاف انتماء اليهودي، كما يظهر الاختلاف والتباين على المستوى الثقافي/الإثني (انظر الباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية» ) . 2 ـ يُلاحَظ أن اليهودية ليست عقيدة متكاملة محددة المعالم بشكل معقول فهي أساساً تركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة، بعضها يقترب من الشرك الصريح وبعضها يصل إلى التوحيد الكامل، وهذه الطبقات جميعاً جزء من اليهودية. وإن آمن اليهودي بطبقة دون أخرى، فهو مع هذا يظل يهودياً من منظور الشرع اليهودي. وفي عهد الهيكل الثاني، كان الصدوقيون الذين لا يؤمنون باليوم الآخر يجلسون في السنهدرين جنباً إلى جنب مع الفريسيين الذين يؤمنون بالبعث واليوم الآخر. وإلى جانب هؤلاء توجد بعض كتب الأنبياء في العهد القديم التي تقترب من التوحيد الخالص، بل تصل إليه أحياناً. وقد جاء في القرآن الكريم «قالت اليهود عزير ابن الله» (التوبة: 30) وبالفعل، هناك من اليهود من يستخدم مفهوم ابن الله باعتباره مفهوماً محورياً (انظر: «ابن الله» ) ، ولكن هناك من يُهمِّش هذا المفهوم بل يرفضه تماماً، ويصر على قدر عال من التوحيد. وهناك العشرات من اليهود في العصور الوسطى في الغرب ممن تقدموا إلى النار التي أُضرمت لإرغامهم على الرجوع عن التوحيد ولاقوا حتفهم وهم يرددون أن الإله واحد. وقد جمع حاخامات اليهود تفسيراتهم للعهد القديم في التلمود الذي يُسمَّى أيضاً «الشريعة الشفوية» ، وجعلوا الإيمان بهذه الشريعة الشفوية أساساً للعقيدة اليهودية يفوق في الأهمية الإيمان بالتوراة (الشريعة المكتوبة) . والتلمود يحوي آراء أقل ما تُوصَف به أنها تُناقض أية رؤية توحيدية. وقد ازداد الأمر سوءاً بظهور تراث القبَّالاه التي وصفها بعض الحاخامات بأنها شرك صريح. وكان هناك إلى جوار هذا كله أشكال من اليهودية غير الحاخامية مثل يهودية الفلاشاه في إثيوبيا ويهودية بني إسرائيل في الهند. وازدادت المسألة ارتباكاً في العصر الحديث مع ظهور اليهودية الإصلاحية واليهودية التجديدية واليهودية المحافظة، وهي صيغ مخفَّفة من اليهودية بعضها لا يؤمن أتباعه بأن التوراة مُوحىً بها، وبعضها لا يؤمن بالبعث، وهكذا. ثم ظهر لاهوت موت الإله الذي ينطلق من فكرة أن الإله مات مع الإبادة النازية (ليهود الغرب) ، وأن الدولة اليهودية حلت محل الإله! ثم ظهر أخيراً اليهود الملحدون والإثنيون الذين يرون أن يهوديتهم تكمن في خواص عرْقية أو إثنية أو حتى نفسية لا علاقة لها بالدين. 3 ـ كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم «يهوداً» وهذا أمر يحدث في كثير من العقائد حين يرفض شخص ما معيارية عقيدة ما ويرفض الاحتكام لها (مثل الإيمان بالإله في الإسلام والمسيحية واليهودية) ومع هذا يستمر في ادعاء الانتماء لها. ويُلاحَظ أن المسيحية والإسلام لا يمكن أن يقبلا مثل هذا الشخص في حظيرة الدين. فرغم وجود قدر من الاختلاف والتنوع وعدم التجانس يسمح به النسق الديني الإسلامي والمسيحي إلا أن ثمة معيارية نهائية لابد من قبولها. هذا على عكس اليهودية التي تفتقر إلى مثل هذه المعيارية، فلم تتبن تعريفاً عقيدياً وحسب (اليهودي هو من يؤمن باليهودية) ، ولكنها تبنت أيضاً تعريفاً بيولوجياً مادياً (اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) ، وفي الآونة الأخيرة تبنت تعريفاً نفسياً (اليهودي هو من يشعر بذلك في قرارة نفسه، ومن قَبل أن يربط مصيره بمصير الشعب اليهودي) ، وهذه تعريفات تُسقط المعيارية وتفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يُسمِّي نفسه يهودياً. فالتعريفان الثاني والثالث لا علاقة لهما بأية معيارية عقيدية. ولذا يمكن الحديث عن «يهودي ملحد» ، أي يهودي لا يؤمن بالإله، ولكن لا يمكن أن نتحدث عن «مسلم ملحد» أو عن «مسيحي ملحد» . انطلاقاً من كل هذا سنطرح مجموعة من الإشكاليات وسنجتهد في الإجابة عليها لنبيِّن استحالة افتراض الاستمرار اليهودي (الثقافي أو البيولوجي) من منظور إسلامي: 1 ـ إشكالية المجال الزمني لمصطلح «يهودي» (هل يشير إلى كل يهود العالم في كل زمان ومكان، في الماضي والحاضر والمستقبل، أو إلى يهود المدينة أيام البعثة المحمدية وحسب؟) : لفظ «يهودي» في اللغة من «هاد» أي «تاب ورجع إلى الحق» و «التَهوُّد» هو «التوبة والعمل الصالح» . ويُقال أيضاً «هاد» و «تهود» أي «صار يهودياً» بمعنى أنه يؤمن بالعقيدة اليهودية. ولكن كلمة «يهودي» ليست الكلمة الوحيدة التي تدل على اليهود في القرآن، فقد وردت عدة مصطلحات أخرى: بني إسرائيل [41 مرةٍ] ، واليهود [8 مرات] ، وهود [3 مرات] ، والذين هادوا [9 مرات] ، وأوتو الكتاب [12 مرة] ، وأهل الكتاب [31 مرة] . ومن الواضح أن القرآن الكريم لا يفترض وجود استمرارية بين يهود العالم، ولذا وردت هذه المصطلحات غير المترادفة ليعبِّر كل مصطلح عن وضع زماني ومكاني مختلف. فالقرآن يُفرِّق تفرقة واضحة بين اليهود الذين عاشوا في الجزيرة العربية وتعامل المسلمون معهم في فترة البعثة المحمدية من جهة وبين بني إسرائيل من جهة أخرى. فمصطلح «بني إسرائيل» جاء مخصصاً للحديث عن يهود عصر موسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، ولم يُستخدَم هذا اللفظ تخصيصاً ليهود عصر البعثة المحمدية إلا في موضعين (من المواضع الإحدى والأربعين) وهما: ـ «سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة» (سورة البقرة ـ 211 ( ـ «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون» (سورة النمل ـ 76 (. وواضح أن في هذين الموضعين إحالة إلى موروثات قديمة يمكن أن يتناقلها اليهود، أياً كانت أصولهم العرْقية، عن بني إسرائيل، أي يهود عصر موسى، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانية توجيه الخطاب العام (اليهودي) بصفة الخاص (بنو إسرائيل) الذي هو مسئول مسئولية مباشرة عن هذه الموروثات. وهذا التمييز مفهوم تماماً في إطار الواقع التاريخي. فيهود المدينة والجزيرة العربية كانوا يؤمنون بصياغة دينية يُقال إنها شبه توحيدية، فهم في أغلب الظن لم يكونوا يعرفون التلمود حتى مع احتمال أن يكون قد تم جمعه آنذاك. (ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الفكر السبئي [نسبة إلى عبد الله بن سبأ] يدل على تَصاعُد العنصر الحلولي في اليهودية) . وقد كان يهود الجزيرة العربية منعزلين عن يهود العالم، وعن مراكز الدراسة التلمودية والفقهية في فلسطين وبابل، بل ويُقال إن يهود العالم آنذاك لم يكونوا يعتبرونهم يهوداً. ومن هنا تكون التفرقة بين يهود عصر موسى ويهود المدينة، ومن هنا تكون ضرورة افتراض عدم وجود استمرار يهودي، فلابد من التفرقة بين يهود الماضي من جهة ويهود العالم الحديث في أيامنا هذه من جهة أخرى، فالمجالان الدلاليان لكلمتي «يهودي» و «بني إسرائيل» كما وردتا في القرآن محددان ولا ينطبقان بالضرورة على يهود العصر الحديث. وربما كان من المفروض أن تُولَد داخل المعجم العربي الإسلامي، من البداية، مجموعة ألفاظ للإشارة إلى المدلولات المختلفة: «بنو إسرائيل» ، و «اليهود بالمعنى القرآني» ، و «اليهود عبر التاريخ» ، و «اليهود في العصر الحديث» ، وهكذا. وقد حاولنا من جانبنا أن نولّد مبدئياً مجموعة من المصطلحات مثل: «العبرانيون» للإشارة إلى اليهود القدامى كجماعة عرْقية، و «جماعة إسرائيل» للإشارة إليهم كجماعة دينية، و «الجماعات اليهودية» للإشارة إلى الجماعات البشرية ممن اتُفق عرفاً أنهم يهود، وهو حل مؤقت للمشكلة إلى حين بحثها فقهياً ولغوياً. ولعل الفقهاء لم يتوجهوا لهذه المشكلة بالحماس المطلوب، لأن اليهود لم يكونوا يمثلون إشكالية خاصة أو مستقلة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي نظراً لعدم أهميتهم وبسبب استقرار وضعهم داخل الحضارة الإسلامية بعد استقرار مفهوم أهل الذمة. أما في القرن العشرين، بعد تَركُّز غالبية يهود العالم داخل الحضارة الغربية العلمانية أو في الدولة الصهيونية، فإن الوضع جدُّ مختلف ويتطلب فتح باب الاجتهاد والنظر في هذه المسألة. 2 ـ التناقض بين تعريف العقيدة اليهودية لليهودي والتعريف الإسلامي له: كلمة «يهود» في الإسلام تعني «أتباع الكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام» . ورغم أنهم قاموا بتحريفه أو أصروا على اتباع المحرَّف منه إلا أن ثمة مبادئ أساسية وردت فيه لم يتم تحريفها من بينها الإيمان بالله واليوم الآخر. هذا التعريف الإسلامي لو طُبِّق على يهود العالم الحديث لتم استبعاد ما يزيد عن 90% منهم، أو إذا توخينا الدقة لقلنا لاستُبعد 50% منهم (الملحدون واللاأدريون) ولتَعَذَر تَقبُّل 40% (الإصلاحيون والمحافظون والتجديديون) كيهود، ولربما قُبل الـ 10% الأرثوذكس (فقط) كيهود. وحتى هذا أمر خلافي بسبب تَزايُد النزعة الحلولية التي هيمنت على اليهودية الحاخامية. والمسلم لا يمكنه إلا أن يستبعد أولئك الذين لا ينطبق عليهم التعريف الإسلامي لليهودي، حتى لو سموا أنفسهم «يهوداً» ، وحتى لو قبلتهم الشريعة اليهودية كيهود. وقد تنبه الشهرستاني (صاحب الملل والنحل) إلى ظاهرة مماثلة إذ أشار إلى أن الجماعة التي تُسمَّى «الصابئة» في العراق ليسوا هم في حقيقة الأمر بالصابئة الذين يشير إليهم القرآن، فهؤلاء جماعة غنوصية تُدعَى «المندائية» اتخذت الاسم بغية أن يُعامَلوا معاملة أهل الكتاب، أي أن كلمة «صابئة» (كما عرَّفها القرآن) لا تنطبق في واقع الأمر على هؤلاء الذين يُسمون أنفسهم «صابئة» . 3 ـ التناقض بين مفهوم الاستمرار اليهودي ومفهوم الفطرة في الإسلام: افتراض الاستمرار اليهودي، البيولوجي والثقافي، يتناقض مع إحدى القيم الحاكمة الكبرى في الإسلام، ونقصد به مفهوم الفطرة. فالإنسان ـ حسب التصور الإسلامي ـ يُولَد على الفطرة، وإن كان ثمة صفة وراثية فهي الفطرة الإنسانية والاستعداد لعمل الخير، وهو مفهوم يضع على الفرد عبء المسئولية الخلقية ويطرح إمكانية التوبة الدائمة (من جانب المخلوق) وإمكانية المغفرة (إن شاء الخالق) . ومن ثم فإن فكرة الاستمرار اليهودي تُشكّل سقوطاً في المنطق العنصري العلماني الشامل الذي يرى الإنسان محكوماً بموروثه البيولوجي أو الاقتصادي أو العرْقي أو مجموعة من الحتميات المادية الأخرى. ومن الواضح أن النص القرآني حذَّر من ذلك ففرَّق بين اليهود عموماً من ناحية وبين الصالحين والطالحين منهم من ناحية أخرى، وحكم على كل فريق منهم بما يستحقه من خير أو شر، مُلتزماً في ذلك طريقة العدالة والصدق. والإنسان المسلم مُلزَم أولاً وأخيراً بالتعامل مع اليهود والمسيحيين من خلال مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم وأكد المساواة الكاملة والمطلقة بينهم وبين المسلمين، ولم يطرح تصوراً لوجود استمرار بيولوجي أو ثقافي بينهم. 4 ـ الفوائد العملية لافتراض الاستمرار اليهودي: رغم وضوح الموقف الإسلامي من فكرة الاستمرار اليهودي، هناك من يرى قيمة تعبوية عملية في التأكيد على النزوع اليهودي الأزلي والحتمي والطبيعي، في كل زمان ومكان، نحو الشر (وهو أمر مخالف لتعاليم الإسلام ـ كما أسلفنا) . ومثل هؤلاء يرون أن أية عملية للتفرقة بين اليهود والصهاينة وبين اليهودية والصهيونية وبين يهود الماضي ويهود الحاضر هي عملية أكاديمية تضيع الوقت ولا جدوى من ورائها، وأن من الأفضل أن يتم التعامل مع الأمور على إطلاقها. وابتداءً، فإن هذا الموقف العملي المادي يتنافى مع القيم الأخلاقية المطلقة (المُرسَلة من الله) . فالإنسان المؤمن يرفض التنازل عن قيمه بسبب نفع مادي. ولكن حتى على المستوى العملي، نجد أن تَبَنِّي هذا المنطق خطر لأقصى درجة للأسباب التالية: أ) افتراض وحدة اليهود سيقلل مقدرتنا على رصد الظواهر اليهودية والصهيونية إذ سنكتفي برصد العموميات دون رصد المنحنى الخاص للظواهر، وسنبحث عن الدلائل والقرائن التي تدعم وجهة نظرنا دون النظر إلى خصوصيات الظواهر. ب) عادةً ما يذهب دعاة الاستمرار اليهودي إلى أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، الأمر الذي ينسب لهم قوى شيطانية خارقة تُولِّد الرعب في قلب المجاهد حتى قبل دخول الحرب. جـ) ينسب دعاة الاستمرار اليهودي أولوية سببية لليهود ويجعلهم المتحكمين في شئون العالم بأسره الأمر الذي يقلب الأولويات تماماً، وخصوصاً في زمن النظام العالمي الجديد. فالدولة الصهيونية، في واقع الأمر، إن هي إلا أداة في يد الاستعمار الأمريكي على وجه الخصوص، والغربي على وجه العموم، وهذا هو العدو الحقيقي الذي يحاول أن يفرض منظومته على العالم فيُحوِّله إلى سوق ومصنع، والدولة الصهيونية هي الوسيلة والجزء وليست الغاية والكل. د) مثل هذا المنطق الذي يرى مجموعة بشرية غير متجانسة كتلة بيولوجية واحدة يُكرِّس رؤية علمانية عنصرية تُقوض دعائم القيم الأخلاقية وضرورة الحكم الأخلاقي الفردي على الآخر. وفي منطقة مثل منطقتنا العربية الإسلامية، حيث تُوجَد أقليات عديدة (دينية وإثنية ولغوية) عاشت عبر مئات السنين داخل الفسيفساء الإسلامية الثرية، نجد أن مثل هذا المنطق يؤدي إلى تَفجُّرات عرْقية وإثنية ودينية وربما أدَّى إلى تآكُل العقد الاجتماعي الإسلامي. هـ) رؤية اليهود باعتبارهم كلاً لا يتجزأ تَصوُّر صهيوني يرى أن من الصعب تفتيتهم، ويرى أن من الصعب على العناصر اليهودية الرافضة للصهيونية (وللحلولية الوثنية) أن تنشط وتظهر وتعبِّر عن نفسها. ومثل هذا الطرح يتجاهل الحقيقة التاريخية، وهي أن الصهيونية حركة إلحادية معادية لليهودية وتطرح نفسها بديلاً لها. ولذلك، فإن الطرح المجرد والتعميمي، وقبول الأمور على إطلاقها، سيجعل الاستفادة من هذه التناقضات الداخلية أمراً صعباً، وسيؤدي إلى القضاء على العناصر الرافضة. و) يُلاحَظ أن كثيراً من الحركات العلمانية الإلحادية في أوربا، في القرن الثامن عشر، كانت تخشى الهجوم على المسيحية ومؤسساتها نظراً لوجود قطاعات كبيرة في المجتمع الغربي كانت لا تزال تؤمن بالمسيحية. ولذا، بدلاً من الهجوم المباشر على المسيحية، كان يتم الهجوم على اليهود واليهودية. وكان بعض دعاة الخطاب الإلحادي يلمحون إلى أن اليهودية نموذج لأي دين وأي نظام عقيدي يستند إلى الغيب، وأصبح الهجوم على اليهود واليهودية أكبر دعاية إلحادية. ولم تتنبه الكنيسة لهذه الشفرة إلا في وقت متأخر. والهجوم على اليهود (والنصارى) يحمل حتماً تضمينات إلحادية، فهو هجوم غير واع على النموذج الإيماني ككل، طالما تضمن هجوماً على الوحي/الغيب. ز) إذا كان الهدف هو شحذ الهمم للجهاد، فلابد أن يتم هذا من منطلقات إسلامية وبديباجات إسلامية، إذ أن تَقبُّل أطروحات الآخر وديباجاته (كل اليهود صهاينة ـ كل اليهود سواء ـ اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) هو سقوط في منطقه وفقدان للهوية. والإسلام يدعو إلى الجهاد ضد أعدائه، وضد من يسلبون حقوق المسلمين دون السقوط في أية عنصرية «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة: 190) . ويقول تعالى «أُذنَ للذين يقاتلون بأنهم ُظلموا وإن الله على نصرهم لقدير» (الحج: 93) . 5 ـ اليهودية كنموذج عام: رغم ارتباط دال «يهودي» بأزمنة وأمكنة محدَّدة، ورغم أن دال «يهودية» يُشير إلى مجموعة من العقائد إلا أن بالإمكان القول بأن إحدى استخدامات كلمة «يهودي» في القرآن لها مجال دلالي عالمي متحرر من الزمان والمكان. واليهودي حسب هذا التعريف هو الشخص الذي تتوفر فيه مجموعة من السمات (بغض النظر عن انتمائه العقيدي) . ويمكن هنا مقارنة استخدام الدال «يهودي» باستخدام الدال «فرعون» فهو دال يشير إلى شخص بعينه وإلى واقعة تاريخية محددة ومع هذا لم يُقصَر أمر استخدامه على هذا الشخص أو هذه الواقعة. كما لم يربط أيٍّ من المفسرين الدال «فرعون» بحكام مصر المحدثين (إلا من قبيل المجاز) . ويبدو أن دوال مثل «مصري» أو «فرعون» دوال تشير إلى وقائع تاريخية محددة وإلى سمات وأنماط بشرية متكررة تنفصل عن سياقها التاريخي لتصبح ذات مدلول أخلاقي عام يصلح لكل زمان ومكان. وإن أخذنا بهذا الرأي فيمكن القول بأن اليهودي كنموذج واليهودية كنموذج يتسمان بالسمات الأساسية للجماعات والعقائد الحلولية الكمونية ويتضح هذا في عدة جوانب: أ) يرى القرآن أن اليهود يصبغون دينهم بصبغة مادية، ويتضح هذا في ميلهم الشديد نحو التجسيد. «وإذ قُلتُم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً» (البقرة: 255) . ويتضح هذا الاتجاه في اتخاذهم العجل إلهاً. والميل نحو التجسيد الذي يتحوَّل إلى عبادة للأوثان هو سمة أساسية في العقائد الحلولية. ب) تتضح الحلولية والنزوع نحو المادية والتجسيد في الفهم اليهودي للنصوص المقدَّسة فهو فهم يتسم بالظاهرية والحرفية، ولذا فقد فهموا دعوة القرآن للإنفاق في سبيل الله باعتباره قرضاً لله، إذ قالوا «إن الله فقير ونحن أغنياء» (آل عمران: 181) . جـ) حينما يصبح الإنسان موضع الحلول في المنظومات الحلولية فإنه يتأله فينسب لنفسه الخلود. وقد وصف القرآن اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة وبأنهم يكرهون الموت ويخافونه ولا يتمنونه أبداً. (وهو ما يتناقض مع قولهم بأنهم أولياء الله وأنهم أبناء الله وأحباؤه) ، وهم لهذا لا يقاتلون غيرهم إلا في قرى محصنة أو من وراء جُدُر. وحكى القرآن عنهم أنهم طالبوا أنبياءهم بالقتال في سبيل الله بعد إخراجهم من مصر فلما كُتب عليهم القتال تولوا، بل وعندما دعاهم موسى عليه السلام للقتال ودخول الأرض المقدَّسة قالوا لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. د) تعبِّر المنظومة الحلولية عن نفسها في موقفين متناقضين الأول زيادة الحدود والطقوس والاهتمام الشديد بالتفاصيل، والثاني إلغاء الحدود والطقوس تماماً. ويظهر هذا في الوصف القرآني لليهود إذ يصفهم بالتشدد فقد قست قلوبهم حتى أصبحت أشد قسوة من الحجارة وهو ما جعلهم يتعنتون مع الأنبياء فرفضوا أن يؤمنوا بنبي ما لم يأتهم بقربان تأكله النار (آل عمران: 183) ، وأكثروا من السؤال عن المحرمات بشكل أدى إلى تضييقهم على أنفسهم. فقد أحل الله لهم كل الطعام إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه فتشددوا جدالاً وسؤالاً حتى حرَّم عليهم كل ذي ظفر ومن الغنم والبقر الشحوم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا (الأنعام: 146) ، وهو تشريع يؤكد إغراقهم في التفاصيل ويُبيِّن إلى أي حد أكثر اليهود من السؤال والاختلاف حتى حرَّم الله عليهم بعض ما أحل لهم عقاباً لهم. وفي خروجهم من مصر تشددوا مع موسى عليه السلام في مطالبهم فطلبوا منه أن يدعوا الله أن يخرج لهم نباتاً مختلفاً لأنهم لا يصبرون على طعام واحد (البقرة: 261) ، وتعكس قصة البقرة التي رواها القرآن إلى أي حد عذبوا أنفسهم وضيقوا على أنفسهم بالسؤال مرات عديدة عن صفة البقرة وعندما ذبحوها أطاعوا الله بعد مشقة (البقرة: 67 ـ 71) هـ) أما الجانب الآخر للحلولية وهو إلغاء الحدود تماماً فيتضح في أن اليهود يحوّلون أنفسهم إلى مرجعية ذاتهم فهم يبحثون عن دين يجعلهم شعباً مختاراً. وبدلاً من طاعة الإله يطوعونه، ولذا فهم يستخدمون الدين استخداماً نفعياً. فلم يؤمن بنو إسرائيل لرسول ما لم يأت بما تهوى أنفسهم «أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون» (البقرة: 87) . ونقضهم ينبع من عملية تَوثُّن الذات هذه فقد وصف القرآن اليهود في غير موضع بنقض العهود ( «وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ... ثم توليتم من بعد ذلك» [البقرة: 63ـ 64]ـ «وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ... ثم توليتم إلا قليلاً» [البقرة: 83] و «أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون» [البقرة: 100] ) . فقد نبذوا عهود الله وعهود الأنبياء وعهود الناس، وإن كان الوصف القرآني الدقيق ينسب نبذ العهد إلى فريق وعدم الإيمان إلى الأكثرية لا إلى كل اليهود. و) وتتضح الحلولية وتحطيم الحدود في أن العقيدة اليهودية، كما يصفها القرآن، ليست لها معيارية ثابتة وإنما تتداخل مع العقائد الأخرى. ولذا فاليهود يتأثرون بعقائد وثقافات الأمم التي يعيشون بينها أو يحتكون بها " قالوا يا موسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " (الأعراف: 138) وهذا ما نعبِّر عنه بعبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» . إن وصف القرآن لليهود وللعقيدة اليهودية هو في واقع الأمر وصف لأتباع أية عقيدة حلولية. وقد لاحظ كثير من المفسرين تشابه وصف اليهود في القرآن مع بعض سمات الإنسان العلماني الشامل الحديث الذي يتوثن ويتأله ويصبح هو ذاته مرجعية ذاته، ويعيش في عالم الحواس الخمس يرفض تَجاوُزه. فكأن كلمة «يهودي» هنا تصف الإنسان الحلولي الكموني الذي يتصف بهذه الصفات، يهودياً كان أم مسيحياً أم مسلماً أم ملحداً. ولعل هذا التماثل هو الذي يجعل البعض يتصور أن اليهود مسئولون عن الشرور كافة، وما فاتهم أن وصف اليهودية في القرآن هو وصف لعقيدة حلولية وأن وصف اليهود هو وصف لأتباع عقيدة حلولية، وأن هذا الوصف لا ينطبق على اليهود ممن يدورون في إطار الحلولية وإنما ينطبق كذلك على كل أتباع العقائد الحلولية المختلفة، سواء كانوا من أتباع عقيدة الشنتو اليابانية، أو الفلسفة النيتشوية الألمانية، أو العلمانية الشاملة. البقاء اليهودي Jewish Survival «البقاء اليهودي» عبارة تتواتر في التواريخ المتأثرة بالرؤية الصهيونية، بل نجدها دائماً مقرونة بكلمة «معجزة» . ومصطلح «البقاء اليهودي» مرتبط بمصطلحات صهيونية أخرى مثل «الاستمرار اليهودي» و «الشعب اليهودي» و «التاريخ اليهودي» و «الشخصية اليهودية» ، وهي جميعاً تنبع من نموذج تفسيري واحد يفترض وجود جماعة متجانسة يُقال لها «اليهود» احتفظت بهويتها المستقلة، رغم انتقالها من مكان إلى آخر، ورغم تواجدها في أزمنة مختلفة. وعادةً ما يُقارَن هذا البقاء اليهودي باختفاء بعض الشعوب الأخرى مثل اختفاء الآراميين والبابليين، وحدوث بعض الشعوب الأخرى مثل العرب. وهذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم الصهيونية، يفترض نوعاً من الاستمرار والوحدة والتجانس لا وجود له لا على مستوى النسق الديني أو على مستوى الجماعات اليهودية. فبقاء اليهود لم يكن مطلقاً، فمن الوقائع الأساسية في التاريخ العبراني واقعة تهجير القبائل العبرانية العشر من سكان المملكة الشمالية إلى آشور، ثم لم يُسمَع بهم بعد ذلك، ولا يزال البحث عنهم جارياً. وقد أصدر حاخام السفارد الأكبر فتوى بأن الفلاشاه من قبيلة دان (إحدى هذه القبائل) .والقول نفسه ينطبق على يهود الخزر الذين لا نعرف شيئاً عن مصيرهم إلا إذا كانت بقاياهم قد اتجهت إلى المجر ومنها إلى بولندا واستقرت هناك. كما أن نسبة كبيرة من اليهود تختفي من خلال الاندماج. ولذا، فرغم أن عدد اليهود في القرن الأول الميلادي كان يصل (حسب بعض الإحصاءات) إلى ما يقرب من سبعة ملايين، فإن عددهم في القرن السابع الميلادي لم يتجاوز المليون. ويمكننا أن ننظر إلى بعض آليات بقاء بعض الجماعات اليهودية، فيُلاحَظ مثلاً أنه بعد القضاء على المملكة الشمالية قُيِّض للمملكة الجنوبية البقاء بسبب انضوائها في كنف الإمبراطورية الآشورية ثم البابلية، وهو أمر مُتوقَّع إذ كيف تستطيع دولة صغيرة أن تضمن لنفسها البقاء إلا بهذه الطريقة؟ هذا أمر يذكره ديَّان في كتاباته، كما يدركه كل المفكرين والساسة الصهاينة الذين يُصرِّون على عقد تحالف مع دولة عظمى لحماية الكيان الصهيوني، والذين لا يقومون بأية عملية عسكرية إلا بعد الحصول على غطاء من دولة عظمى. وقد انتهى الوجود العبراني حينما وقفت المملكة الجنوبية في وجه القوة البابلية العظمى. والبقاء إشكالية أساسية في كتب الأنبياء، ولذا فإنهم يحاولون دائماً العثور على إستراتيجية ما لتحقيقه مع الاحتفاظ بهوية دينية توحيدية. ومع اختفاء دويلة يهودا الجنوبية، اختفى الوجود العبراني. فالعائدون من بابل كانوا قد نسوا العبرية ـ المصدر الأساسي لهويتهم الدينية ـ كما كانوا قد تأثروا تأثراً عميقاً بالتراث الديني في بابل. وبعودتهم تبدأ الجماعة اليهودية مرحلة جديدة في تاريخها، إذ يتحقق بقاؤها لا بسبب استقلالها وإنما نتيجة خضوعها لقوى عظمى أخرى مثل القوة الفارسية ومن بعدها القوة اليونانية. كما يتحقق هذا البقاء لا بسبب تمسُّك الجماعة اليهودية بهويتها، وإنما نتيجة تَغيُّر هذه الهوية من هوية ذات طابع ديني قومي تعبِّر عن نفسها من خلال الدولة إلى هوية دينية إثنية تعبِّر عن نفسها من خلال مؤسسات مختلفة خاضعة للقوة الإمبراطورية، مثل الكاهن الأعظم والسنهدرين وأمير اليهود (بطريرك) . وحينما اصطدمت الجماهير اليهودية تحت قيادة الغيورين بالقوة الرومانية، تم القضاء على فلسطين باعتبارها مركزاً لليهود واليهودية. ومع هذا، لم يتم القضاء على اليهود بوصفهم قوماً (إثنوس) ، لا بسبب معجزة البقاء ولكن لأن القضاء على اليهود لم يكن أحد أهداف الرومان الذين كانوا يعتبرون اليهود أصدقاء لهم، بدليل أن تيتوس كان يحارب إلى جانبه جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني. وقد حققت اليهودية البقاء لأن الرومان سمحوا ليوحنان بن زكاي بأن يؤسس مدرسة يفنة التي تم تطوير أسس اليهودية الحاخامية فيها. وقد ضمن أعضاء الجماعة اليهودية بقاءهم داخل التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وهو دور يتطلب عزلة أعضاء هذه الجماعة وبقاءهم بشخصيتهم المستقلة، وذلك حتى يمكنهم القيام بوظيفتهم هذه على أكمل وجه تحت حماية الطبقات الحاكمة التي تستخدمهم كأداة. وهناك أمثلة كثيرة على أقليات دينية إثنية أخرى تمتعت بما يُسمَّى «معجزة البقاء» هذه عبر عدة قرون، دون أن تنصهر في محيطها الثقافي، وذلك لقيامها بنشاط اقتصادي واجتماعي محدَّد كما تفعل الجماعات الصينية في جنوب شرقي آسيا. ومما ساعد على بقاء اليهود أن قوى المركزية وكذلك التوحيد الإداري لم تكن قوية لا في العالم المسيحي الغربي ولا في العالم الإسلامي، كما هو الحال في معظم المجتمعات التقليدية، الأمر الذي خلق المجال لوجود جيوب إثنية ولبقائها واستمرارها. كما أن العقائد الدينية السائدة في المجتمعات المسيحية سمحت ببقاء اليهود، بوصفهم الشعب الشاهد الذي يقف شاهداً على عظمة الكنيسة وصدق العقيدة المسيحية. ولذا، كانت الكنيسة الكاثوليكية تحمي بقاءهم وتدافع عنهم. أما في المجتمعات الإسلامية فقد صُنِّف اليهود باعتبارهم من أهل الكتاب في الإسلام، حيث حُدِّدت حقوقهم وواجباتهم منذ البداية، وأصبح من واجب الدولة الإسلامية حمايتهم. وقد حقق أعضاء الجماعات في العصر الحديث بقاءهم بالطريقة نفسها تقريباً، إذ أحرزوا البقاء بأن أصبحوا جزءاً من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ويحقق يهود جنوب أفريقيا بقاءهم بالعيش في سلام في كنف الجيب السكاني الأبيض، ولن يزولوا أبداً إلا بزواله. كما أن أعداداً كبيرة منهم تُحقّق البقاء في أمريكا اللاتينية بالابتعاد عن الحركات اليسارية والقومية، وبالتعاون مع النظم الشمولية. وقد حققوا قدراً كبيراً من البقاء في أمريكا الشمالية بتَقبُّل مُثُل المجتمع والتعامل مع الواقع من خلالها. ويأخذ البقاء اليهودي شكل التكيف مع المحيط الثقافي بحيث يصبح اليهودي جزءاً من كل، فيضمن لنفسه بذلك البقاء والاستمرار، ومن هنا تَنوُّع وعدم تجانس الجماعات اليهودية وسمتها الجيولوجية، فلا يوجد يهودي خالص ولا يهودي عالمي بل هناك يهود أمريكيون ويهود صينيون ويهود عرب، وهكذا. وقد أحرزت اليهودية نفسها البقاء عن طريق تغيير هويتها تغييراً جوهرياً، فقد بدأت عبادةً إسرائيلية، هي عبادة يهوه بعد أن دخلت عليها عناصر كنعانية، ثم انفتحت على التراث الديني البابلي بنزعته العالمية، وبمعتقداته الخاصة بيوم الحساب. وانفصلت هذه العبادة عن الدولة والملك لترتبط بالهيكل، ثم انفصلت عن الهيكل على يد الفريسيين. وفي الوقت نفسه، تعدلت الشريعة حيث لم تَعُد شريعة تغطي كل جوانب الحياة وإنما بعض جوانبها وحسب. وقبلت اليهودية قوانين الدولة التي يعيش اليهود في ظلالها انطلاقاً من أن شريعة الدولة هي الشريعة. وقد تعدلت اليهودية بشكل جوهري بعد حركة الإعتاق وتداعي أسوار الجيتو، فظهرت اليهودية الإصلاحية والمحافظة والاتجاهات اليهودية المختلفة، أي أن البقاء اليهودي الديني قد تحقق هو الآخر نتيجة التغيرات الجوهرية التي غيَّرت هوية اليهودية تغييراً شاملاً. وقد اختفى كثير من العناصر التي ضمنت بقاء اليهود في التشكيل الحضاري الغربي، وذلك بظهور الدولة الحديثة والطبقات والمؤسسات التي تضطلع بوظائف الجماعات الوظيفية وتحل محلها. وكان على اليهود أن يعيدوا صياغة هويتهم وشروط بقائهم بالشكل الذي يتفق مع الأوضاع الجديدة. وهنا يُطرَح السؤال التالي: هل سيتمكن أعضاء الجماعات اليهودية من البقاء بعد أن اختفى دورهم كجماعة وظيفية وسيطة يعملون بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا وبعد ظهور نظام عالمي مصرفي وشركات متعددة الجنسيات؟ وإن هم ضمنوا البقاء لأنفسهم، فهل ستثمر هذه العملية يهوداً يُعدُّون استمراراً ليهود ما قبل عصر الانعتاق؟ يمكننا القول - في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة - بأن حركتي اليهودية الإصلاحية والمحافظة، اللتين تضمان معظم يهود الولايات المتحدة المتدينين، قد نجحتا في ضمان بقاء اليهودية عن طريق إعادة صياغتها بطريقة تتفق مع المواصفات السائدة في المجتمع العلماني المعاصر في الغرب. وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً آخر: هل توجد صلة قوية بين هؤلاء واليهودية الحاخامية التي سبقت حركة الإصلاح الديني؟ وإذا أردنا أن نجيب عن هذا السؤال من داخل النسق الديني اليهودي نفسه، فإن بوسعنا أن نشير فقط إلى حكم اليهود الأرثوذكس، الورثة الحقيقيين لليهودية الحاخامية، الذين يذهبون إلى أن هؤلاء ليسوا يهوداً ولا علاقة لهم باليهودية. إن ما حدث ليس معجزة بقاء وإنما هو استمرار وجمود لدال (اليهود واليهودية) مع تَغيُّر وتَبعثر في المدلولات. فكلمة «يهودية» التي كانت تشير إلى نسق ديني يتسم بحد أدنى من الوحدة أصبحت تشير إلى عدد هائل من الحركات الدينية التي لا يربطها رابط. وكذلك فإن مصطلح «يهودي» أصبح يشير إلى مجموعات غير متجانسة من البشر. إن بقاء اليهود بهذا المعنى لا يختلف مثلاً عن بقاء الدماهرة (أهل دمنهور) ، وهي مدينة مصرية في دلتا النيل استمرت منذ بداية التاريخ البشري تحمل نفس الاسم وتوجد في نفس المكان، ومع هذا لا توجد علاقة كبيرة بين الدمنهوري العربي المسلم المعاصر والدمنهوري الذي عاش في نفس المدينة منذ آلاف السنين في المدينة التي سُمِّيت باسم الإله حوريس التي يُقال إنه وُلد فيها أو بالقرب منها وسُمِّيت باسمه، فكلمة «دمن» معناها «مدينة» ، وكلمة «هور» من كلمة «حوريس» ، فهي إذن مدينة الإله حوريس الذي لا يعرف أهل دمنهور عنه شيئاً! ولكن حتى لو أخذنا بالمقولة الصهيونية القائلة بمعجزة البقاء هذه، فإننا نجد أنها ليست حالة مقصورة على الجماعات اليهودية، فالبقاء الصيني مثلاً مستمر وثابت يهتز بجواره هذا البقاء اليهودي. وإذا نظرنا إلى التشكيل الحضاري السامي ككلٍّ آخذ في التشكل، فإننا سنجد أن المرحلة البابلية الآشورية وما يتبعها من مراحل وتشكيلات (مثل الفينيقيين والآراميين والكنعانيين وغيرهم) إنما هي مراحل وتشكيلات أولية وسديمية في التاريخ العربي أخذت في التبلور إلى أن عبَّرت عن نفسها من خلال التراث العربي الإسلامي الذي حافظ على سماته الأساسية منذ ذلك الحين. وبالتالي، فإن الشعوب المعاصرة للعبرانيين لم تختف وإنما استمرت وبقيت، وأخذ استمرارها وبقاؤها أشكالاً مختلفة متجانسة وغير متجانسة وصلت إلى تَحدُّدها الأخير في التشكيل الحضاري العربي. وحتى لو كان البقاء اليهودي معجزة وحقيقة، فهو لا يعطي صاحبه أية حقوق ولا يفرض عليه أية واجبات. فالبقاء ليس فضيلة أو رذيلة، وإنما هو حقيقة تاريخية لا يقبلها المرء ولا يرفضها، بل يرصدها ويدرسها ويدركها فحسب. فبقاء اليهود لا يعطي يهود روسيا وأوكرانيا أية حقوق في الاستيطان في فلسطين، حتى إن أرادوا ذلك وأصروا عليه أو شعروا بحاجة نفسية جامحة إليه. وتتجلى مقولة البقاء في علاقة الدولة الصهيونية بالجماعات اليهودية، فالأطروحات الصهيونية الأولى تنادي بنفي الدياسبورا، أي تصفيتها وإنهاء بقائها تماماً لصالح المشروع الصهيوني. ولكن هذا الموقف تعدَّل، وأصبح الهدف هو استغلال الجماعات وتوظيفها لصالح المشروع الصهيوني. ويحاول الصهاينة في الوقت الحالي أن يربطوا بين بقاء الدولة الصهيونية والبقاء اليهودي خارج فلسطين، بحيث يُنظَر إلى الدولة الصهيونية باعتبارها الضمان الوحيد لاستمرار بقاء اليهود، فهي التي ستساعدهم على عدم الاندماج في الأغيار، وهي التي ستحمي هويتهم، كما أنها ستمد يد العون إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين قد يشعرون بأن وجودهم الجسدي نفسه مهدد بالفناء. ومع هذا، يمكن القول بأن الدولة الصهيونية لم تقم بدورها الذي حددته لنفسها. فمن ناحية الاندماج، لم تنجز الدولة الصهيونية شيئاً في هذا المضمار، فالثقافة السائدة فيها ثقافة غربية حديثة ذات طابع أمريكي. ومعدلات الاندماج بين يهود العالم لا تزال عالية، الأمر الذي يهدد بقاءهم من منظور صهيوني. كما أن الدولة الصهيونية لا تساعد حتى على بقاء اليهود جسدياً. فعلى سبيل المثال، لم تقم الحركة الصهيونية بجهد يذكر للحفاظ على بقاء أعضاء الجماعات في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية، بل عارضت الجهود الرامية إلى توطينهم خارج فلسطين. وبعد إعلان الدولة، دخلت الحكومة الصهيونية في علاقات تخدم مصالحها هي، بغض النظر عن مصالح أعضاء الجماعات، مثلما حدث مع الأرجنتين ومثلما يحدث الآن بالتحالف القائم بين حكومة إسرائيل والجمعيات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة (وهي جمعيات تمثل مجموعة من القيم لا تخدم صالح هذه الجماعات، بل تدعو بشكل ضمني إلى تصفيتها عن طريق تنصيرها) . وحتى إن أرادت الدولة الصهيونية الحفاظ على بقاء إحدى الجماعات اليهودية، فهي لا تملك من القوة العسكرية ما يؤهلها لإنجاز ذلك. وحينما اقتربت القوات الألمانية من الإسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية، أعد بعض المستوطنين الصهاينة خطة للانتحار إن وصلت هذه القوات إلى فلسطين. بل إن المستوطنين في الدولة الصهيونية، وأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، يدينون بأمنهم وبقائهم لدولة عظمى تمنحهم رضاها ورعايتها، وهذه قضية تعذب الوجدان الصهيوني الذي يزداد إدراكاً لاعتماده المتزايد على الولايات المتحدة. والكتابات الصهيونية التي تتباهى دائماً بمعجزة البقاء اليهودي، تشير دائماً إلى الإبادة النازية لليهود، وإلى خطر الفناء الذي يهدد اليهود إما من خلال الاندماج أو على يد المنظمات الإرهابية العربية، ثم تهيب باليهود للدفاع عن بقائهم، وهذه ديباجة مختلفة تماماً عن سابقتها. ومن الموضوعات الأساسية المطروحة في الأدبيات الخاصة بأعضاء الجماعات اليهودية «موت الشعب اليهودي» ، أي تَناقُص أعضاء الجماعات اليهودية إلى درجة التلاشي تقريباً. ويجد بعض الدارسين أن هذا الاهتمام المرضي بموضوعات مثل البقاء والإبادة وغيرها، قد سبب خللاً نفسياً عميقاً لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً الأجيال الناشئة التي تملأ الدعاية الصهيونية وجدانها بفخار البقاء اليهودي الأزلي الحتمي، وتشبعها رعباً من خطر الفناء الوشيك الذي ينتظر اليهود في كل زمان ومكان، فمثل هذه النظرة المتطرفة لا تساعد كثيراً لا على النضج ولا على الطمأنينة. وقد حوَّلت اليهودية التجديدية البقاء إلى مطلق، وأصبح معيار الإيمان مدى الالتزام ببقاء الشعب اليهودي. وقد ظهر في الفكر الديني اليهودي ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يحوِّل البقاء إلى قيمة مطلقة وهدف نهائي، بحيث يصبح البقاء الغاية من الوجود اليهودي الديني، ويكون الشعب اليهودي ببقائه قد حقق الهدف الأخلاقي من وجوده. لكن البقاء ليس قيمة أخلاقية وإنما هو قيمة طبيعية، فكل الكائنات الحية تبذل جهداً كبيراً للبقاء وبأية شروط، متجاوزة قيم الخير والشر. وبالتالي، فلاهوت البقاء لاهوت غير أخلاقي نابع من النموذج الدارويني الذي يؤكد ضرورة «الصراع من أجل البقاء» و «البقاء للأصلح» ، أي أنه خطاب علماني يستخدم ديباجات دينية. وهناك بعض المفكرين الصهاينة والإسرائيليين يرون أن رغبة يهود العالم الملحة في البقاء وتَمسُّكهم به هما السبب في تدني الشخصية اليهودية وطفيليتها، وأن الملايين التي ذهبت إلى أفران الغاز في معسكرات الاعتقال والإبادة دون مقاومة فعلت ذلك من أجل البقاء بأي ثمن وتحت أية شرط وأنهم فقدوا كرامتهم الإنسانية بذلك. ومقابل ذلك، يطرح الصهاينة عدة أساطير انتحارية، أهمها أسطورة ماسادا، حيث يقرر الإنسان اليهودي التخلي عن البقاء في سبيل الشرف، وأسطورة شمشون حيث يقرر تدمير ذاته وتدمير الآخر. وهذه الرؤية تقف على الطرف النقيض من واقع تكيُّف وبقاء يهود العالم. التمركز اليهودي Judeo-Centricity » التمركز اليهودي» مصطلح وُضع على منوال مصطلحات مماثلة مثل «إثنو سنترستي ethno-centricity» أي «التمركز حول الإثنية» أو «يورو سنترستي Euro-centricity» ، أي «التمركز حول الأوربية» . وهو يشير إلى المفهوم الكامن وراء كثير من الدراسات والتصريحات عن أعضاء الجماعات اليهودية، ذلك المفهوم الذي يتجه نحو رؤية الأمور والأحداث لا في تَعيُّنها، ولا في علاقتها بالقوى التي أدَّت إلى ظهورها أو التي تدخل في تركيبها أو في معناها العام، وإنما في مدى تأثيرها في اليهود وتأثرها بهم وبمغزاها بالنسبة إليهم. وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرحه الشخص المتمركز تمركزاً يهودياً هو: هل هذا الأمر نافع لليهود أم ضار؟ وما معناه بالنسبة إليهم؟ ذلك بدلاً من: هل هو نافع للجنس البشري أم ضار؟ أو ما معناه بالنسبة للجنس البشري؟ والتمركز اليهودي يؤدي إلى عزل اليهود عن مجرى الأحداث التاريخية العامة التي تتحكم بشكل أو بآخر في كل الجماعات البشرية الأخرى، وكأن لهم قوانينهم الخاصة التي تجعلهم سراً من الأسرار تحيطهم هالة من الغموض الميتافيزيقي. وترجع ظاهرة التمركز إلى عدة عناصر ثقافية واقتصادية، من بينها الحلولية اليهودية التي تسم النسق الديني اليهودي الذي يجعل اليهود مركز الكون ومحوره والهدف من وجوده. كما أن وجود الجماعات اليهودية على هيئة جماعات وظيفية في كثير من المجتمعات ـ والجماعة الوظيفية تكون أساساً جماعة غريبة متماسكة إثنياً ـ خلق لديها استعداداً للتمركز حول الذات من الناحية الإدراكية. والصهيونية، في رؤيتها لتواريخ الجماعات اليهودية وفي برنامجها السياسي، متمركزة تمركزاً يهودياً تاماًً. فهي في قراءتها هذه التواريخ تراها تاريخاً يهودياً واحداً ذا مركز يهودي واحد وحسب ويعبِّر عن نفسه من خلال حركيات يهودية. وبالتالي، فإن موسى بن ميمون ليس مفكراً عربياً يؤمن باليهودية، تفاعل مع التراث العربي الإسلامي وتأثر به، بل هو أحد العلماء الدينيين اليهود وحسب. ويُنظَر إليه لا في علاقته بمحيطه الحضاري وإنما في علاقته بالعلماء اليهود في البلاد الأخرى، مع أن بعضهم عارض النزعة العقلانية التي كان يمثلها، بل كفَّره بعض هؤلاء وطلبوا من محاكم التفتيش حرق أعماله. ومن أهم الأمثلة على ذلك واقعة ليو فرانك، وهو يهودي أمريكي عاش في جنوبي الولايات المتحدة وحوكم بتهمة اغتصاب فتاة مسيحية وقتلها، ولكنه بُرِّئ من تهمته فاختطفه بعض المتظاهرين وشنقوه وعلقوه من قدميه. وهذه العملية تُسمَّى في الإنجليزية الأمريكية «لينشينج lynching» . ويأتي ذكر هذه الواقعة في الدراسات التي تتناول تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بطريقة توحي بأنها نمط متكرر وبأن أعضاء الجماعة كانوا ضحايا القمع العنصري في الجنوب. ولكن الحقائق التاريخية العامة تقول إن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا مندمجين تماماً في محيطهم الحضاري الأمريكي وأن عدد الزنوج الذين قُتلوا بطريقة اللينشينج في الفترة من 1889 إلى 1918 يبلغ ألفين وخمسمائة، بينما لا يزيد عدد الضحايا اليهود في الفترة نفسها على فرد واحد فقط هو ليو فرانك نفسه. ويُنظَر إلى الشتتل والجيتو من هذا المنظور، فهما من وجهة النظر اليهودية مؤسستان يهوديتان تعبِّران عن رغبة اليهود في الاستقلال القومي، ولا تُعتبران من المؤسسات الإقطاعية أو طريقتين من طرق الإدارة التي كانت تُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وغير اليهودية دون تمييز أو استثناء. ويَخلُص الصهاينة من قراءة التاريخ بهذه الطريقة المتمركزة تمركزاً يهودياً إلى الحديث عن اليهود باعتبارهم جماعة فريدة متميزة، ثم يتحدثون عن معجزة البقاء اليهودي، كما لو كان البقاء أمراً مقصوراً على اليهود وحدهم دون عشرات الطوائف والأقليات والشعوب الأخرى، مثل الأكراد أو الأرمن أو النوبيين! ويظهر التمركز اليهودي بشكل حاد في تناول كثير من المؤلفين الغربيين اليهود وغير اليهود لظاهرة الإبادة النازية، وهي أحد إفرازات الحضارة الغربية الحديثة التي أودت بحياة الملايين من اليهود وغير اليهود داخل وخارج معسكرات الاعتقال. ومع هذا، لا حديث إلا عن ضحايا النازية من اليهود، ويتم إهمال الإشارة إلى ملايين الضحايا الآخرين الذين يفوق عددهم عدد الضحايا اليهود. ومن الناحية السياسية، قامت الحركة الصهيونية بترجمة هذا التمركز اليهودي إلى سلوك سياسي، فعزلت اليهود عن الحركات القومية والثورية في أواخر القرن التاسع عشر، وأكدت ضرورة أن يعمل اليهود لصالح اليهود وحسب وألا يشاركوا الأغيار في أنشطتهم. وكان هرتزل ينطلق من هذه المقولة دائماً، ولذا فقد تعاون مع كبار الرجعيين في الغرب ومن بينهم ألد أعداء اليهود فون بليفيه وزير الداخلية الروسي. وبيَّن أن الحركة الصهيونية ستفصل الشباب اليهودي عن نشاط الأغيار الثوري من خلال تسريب طاقاتهم داخل قنوات يهودية صهيونية. وقد اتخذت الحركة الصهيونية موقفاً مماثلاً من النازية فلم تحاول تجنيد أعضاء الجماعة لينخرطوا في صفوف حركة المقاومة ضد النازية. ولا تزال هذه هي إستراتيجية الصهيونية في الوقت الحالي، فنجد أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة تزداد محافظةً ورجعية وتتخلى عن ليبراليتها التقليدية وتتبنى سياسة الحرب الباردة وتضع نفسها في خدمة النظام العالمي لأن ذلك يخدم مصلحة اليهود وإسرائيل من وجهة نظرهم. ومن أكبر الأمثلة وضوحاً على التمركز اليهودي في الآونة الأخيرة عملية نقل الفلاشاه وإنقاذهم. فقد تجاهلت الدولة الصهيونية كل ضحايا المجاعة الآخرين، ولم تقدم لهم المعونة، بل قصرت مساعدتها على اليهود وحسب. وقد شجب القس جيسي جاكسون هذا السلوك لأنه يتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية. ويمكن القول بأن ثمة تمركزاً صهيونياً مقابل التمركز اليهودي، بمعنى أن الصهيونية تحكم على الواقع وعلى تواريخ الجماعات اليهودية لا في سياقها الإنساني أو حتى اليهودي العام، ولا من ناحية معناها الإنساني أو حتى اليهودي العام، وإنما في سياق صهيوني عقائدي ضيق. وانطلاقاً من هذا، طرح الصهاينة مفاهيم مثل نفي (الدياسبورا) ، أي تصفية الجماعات اليهودية خارج فلسطين لحساب المستقبل الصهيوني، كما طرحوا مفهوم مركزية إسرائيل في حياة الجماعات. ومن هذا المنظور وقَّع الصهاينة معاهدة الهعفراه (التهجير) مع النازيين، وتعاون رودولف كاستنر مع أيخمان وسلَّم يهود المجر إلى النازيين مقابل أن يُسمَح لبعض الصهاينة بالهجرة إلى فلسطين. الهيكل الأول والهيكل الثاني First and Second Temples يستخدم بعض المؤرخين مصطلحي «مرحلة الهيكل الأول» و «مرحلة الهيكل الثاني» للإشارة إلى مراحل ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ومرحلة الهيكل الأول، فيما يذكر هؤلاء المؤرخون، تبدأ مع بناء الهيكل في عهد سليمان عام 960 ق. م أو قبل ذلك بقليل (مع بداية مؤسسة المملكة العبرانية عام 1020 ق. م أو باعتلاء داود سدة الحكم عام 1004 ق. م) ، ثم تنتهي بسقوط المملكة الجنوبية عام 586 ق. م. أما مرحلة الهيكل الثاني، فتبدأ عام 516 ق. م مع عودة اليهود من بابل إعادة تشييد الهيكل، وتنتهي بتحطيم تيتوس له عام 70 ميلادية. وإذا كان الحديث عن الكومنولث الأول والكومنولث الثاني ينطلق من فكرة وجود اليهود ككيان سياسي مستقل، فإن تقسيم ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» إلى مرحلتي الهيكلين الأول والثاني يفترض أن التاريخ الديني لليهود هو الذي يقرر مسار تاريخهم بل مسار تاريخ كل سكان فلسطين من يهود وغير يهود، وهو افتراض عقائدي حلولي لا سند له في الواقع، بل يتناقض مع الصياغات التوحيدية اليهودية. وعبارة «الهيكل الأول» و «الهيكل الثاني» تفترض وجود نمط متكرر ووجود تشابه بين النمطين، وهو أمر تنفيه الوقائع. ففي المرحلة المسماة فترة الهيكل الأول، كان العبرانيون يشكلون دولة مستقلة هي دولة سليمان وداود (المملكة العبرانية المتحدة) . ثم انقسمت هذه الدولة إلى دويلتين عبرانيتين، فاستقلت المملكة الجنوبية بالهيكل وبنى ملوك المملكة الشمالية أماكن مستقلة للعبادة. وحينما أعيد بناء الهيكل، بناء على أمر قورش، لم تُسترجع معه الحكومة العبرانية إذ صار اليهود مجرد قوم من الأقوام التابعة للدولة الفارسية يترأسهم الكهنة. وظل هذا الوضع حتى التمرد الحشموني، حين استقلت الأسرة الحشمونية وأصبح كبير الكهنة هو الملك الحشموني، وهو أمر لم يدم طويلاً إذ ظهر الرومان وبسطوا سيطرتهم على فلسطين ثم هدموا الهيكل في نهاية الأمر. ومرحلة الهيكل الأول تضم عدة فترات سياسية تختلف تماماً عن فترة الهيكل الثاني التي تضم بدورها ثلاث أو أربع فترات مختلفة. ولهذا، فلكي نفهم تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية، يجب وضعهما في سياقهما التاريخي، بالنظر إليهما من خلال تاريخ الإمبراطوريات العظمى في المنطقة. كما ينبغي الابتعاد عن المصطلحات الدينية العقائدية التي تفترض استقلال اليهود التام عن الحضارات والشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. هذا، وتشير الأدبيات الإسرائيلية إلى الدولة الصهيونية باعتبارها «الهيكل الثالث» . الكومنولث اليهودي Jewish Commonwealth «الكومنولث اليهودي» مصطلح أوربي يُستخدَم للإشارة إلى المرحلة التي ارتبط فيها تاريخ فلسطين بوجود يهودي سياسي مستقل أو شبه مستقل، وهو متأثر بالتاريخ المقدَّس الذي يعتمد بناء الهيكل أو هدمه كواقع أساسي وإطار مرجعي. وتنقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين: أولاً: الكومنولث الأول: يشير مصطلح «الكومنولث الأول» إلى الفترة الممتدة من 1250 ق. م حتى 586 ق. م، وهي الفترة التي شهدت اتحاد القبائل وحكم القضاة،ثم فترة حكم داود التي بدأت بتوحيده القبائل العبرانية في المملكة العبرانية المتحدة التي حكمها ابنه سليمان من بعده، ثم انقسامها إلى مملكتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) ، وسقوطهما في يد الآشوريين والبابليين على التوالي. ويشير المصطلح على وجه التحديد، إلى الفترة من 1004 ق. م (حكم داود) إلى 586 ق. م (سقوط المملكة الجنوبية على يد البابليين) . ثانياً: الكومنولث الثاني: يشير مصطلح «الكومنولث الثاني» إلى المرحلة التي تبدأ بثورة الحشمونيين على حكم السلوقيين في عام 165 ق. م وإعلانهم استقلال البلاد بعد ذلك بخمسة وعشرين عاماً. وقد زاد الحشمونيون عدد اليهود عن طريق التبشير باليهودية وفرضها على الشعوب الواقعة تحت حكمهم مثل الأدوميين. وقد سقط هذا الحكم اليهودي المستقل بقيام الرومان بغزو المنطقة عام 63 ق. م، فاختفى وجود اليهود السياسي المستقل تقريباً. وتقسيم تواريخ الجماعات اليهودية إلى فترات، مثل الكومنولث الأول والثاني أو الهيكل الأول والثاني، يفترض استقلال هذا التاريخ عما حوله، وهو افتراض غير واقعي مطلقاً، ذلك أن ظهور الكومنولث الأول، على سبيل المثال، مرتبط بالفراغ السياسي المؤقت في الشرق الأدنى القديم، كما أن انهياره مرتبط بحركة الإمبراطوريات الكبرى. ولذا، فإن استخدام مثل هذه المصطلحات ليس دقيقاً، ومقدرته التفسيرية محدودة. ومن الأفضل أن نحدِّد هذا التاريخ بالعودة إلى إطاره المرجعي الصحيح، أي تاريخ الشرق الأدنى القديم. وعلى أية حال، لم تزد مدة الوجود اليهودي السياسي المستقل أو شبه المستقل في البقعة الجغرافية الحضارية التي تُعرَف باسم فلسطين على ثلاثمائة عام، تسبقها آلاف السنين من الحضارات السامية غير العبرانية وغير اليهودية، ويتبعها ما يزيد على ألفي عام من الحضارات العربية الإسلامية وغير الإسلامية. ومع هذا، يرى الصهاينة أن أي وجود غير الوجود اليهودي هو عرض زائل وظاهرة مؤقتة، وأن إسرائيل الحديثة وحدها هي الاستمرار الحقيقي والوحيد لتاريخ هذه الأرض، ولذا يُشار إليها في الأدبيات الصهيونية بمصطلح «الكومنولث الثالث» . التأريخ من خلال الكوارث Disaster-Based Historiography «التأريخ من خلال الكوارث» عبارة تستخدم للإشارة إلى اتجاه بعض كُتَّاب ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» حيث يركزون على ما يحل بالجماعات اليهودية من كوارث. ويبدأ هذا التاريخ ـ حسب هذه الرؤية ـ بالخروج من مصر نتيجة قيام الفراعنة باضطهاد جماعة يسرائيل، ويعقبه سقوط الهيكل الأول والسبي البابلي ثم سقوط الهيكل الثاني وطرد اليهود من فلسطين والقدس ونفيهم في كل بقاع الأرض. ثم تعقب ذلك عمليات الطرد المتكررة من بلاد أوربا، والمذابح التي راح اليهود ضحيتها. وتصل الكوارث إلى قمتها في الهولوكوست (أي المحرقة) . وكما كان المؤرخون في الماضي يتحدثون عن «مرحلة ما قبل أو ما بعد الهيكل الأول أو الثاني» ، فإنهم الآن يتحدثون عن «ما قبل ما بعد أوشفيتس» . والرؤية التي تركز على الكوارث هي نتاج ما نسميه «الثنائية الصلبة» المرتبطة بالرؤية الحلولية الكمونية والتي تقسم العالم إلى الأنا والآخر، المقدَّس والمدنَّس، وهي ثنائية تعبِّر عن نفسها هنا في رؤية التاريخ اليهودي باعتباره مجال الفوضى الكاملة (الكوارث) ولكنه سيتحقق في لحظة يتجلى فيها النظام الكامل (نهاية التاريخ المشيحانية) . والتركيز على الكوارث، واعتبارها أساساً للتأريخ وتقسيم التاريخ إلى فترات ومراحل، ظاهرة مرضية تترك أثراً سلبياً في نفسية أعضاء الجماعات اليهودية. ومن الصعب تحديد سبب واحد لتفسيرها. ولكن مما لا شك فيه أن التركيز على الكوارث يساعد على تماسُك الهوية، إذ يميل البشر نحو التضامن في وقت المحن. ولكن أهم الأسباب هو محاولة بعض المؤرخين اليهود أو غير اليهود، المتأثرين بالإدراك الإنجيلي لليهود، العثور على عنصر واحد مشترك بين تجارب أعضاء الجماعات اليهودية التاريخية يصلح مسوغاً لاستخدام مصطلح «تاريخ يهودي» . ولو أننا قارنا تاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا والأندلس بتاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، فلن نجد أية عناصر مشتركة، إذ أن كل جماعة لها تاريخ مستقل عن الأخرى. فتاريخ الجماعة اليهودية في إسبانيا، يبدأ قبل الميلاد ويمر بمراحل مختلفة قبل الفتح الإسلامي وإبانه وبعده، ويستمر إلى أن يُطرَد اليهود منها مع من تبقَّى من المسلمين. وقد تفاعل يهود إسبانيا مع الحضارة الإسلامية فتحدثوا العربية وأبدعوا أدباً عربياً وفكراً عربياً يهودياً، ثم تفاعلوا مع الحضارة المسيحية في إسبانيا وظهرت بينهم لهجة اللادينو، كما ظهر بينهم يهود المارانو. وبعد طردهم، استوطنوا مدن حوض البحر الأبيض المتوسط حيث كان أكبر تجمُّع لهم في سالونيكا، كما استقروا في بعض المراكز التجارية في أوربا من أهمها أمستردام. ولا يوجد أي عنصر مشترك بين هذه التجربة التاريخية وبين تجربة اليهود الذين استوطنوا بولندا في القرن الثاني عشر إبّان حروب الفرنجة وتزايد عددهم من خلال هجرة يهود الخزر والذين كانوا يتحدثون رطانة ألمانية هي اليديشية. ولكنهم نتيجة ارتباطهم بطبقة النبلاء البولنديين، تعرضوا للسخط الشعبي الفلاحي. وحين قُسِّمت بولندا، تم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية بين روسيا وألمانيا والنمسا. وحدث بينهم انفجار سكاني في منتصف القرن التاسع عشر، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة حيث تم دمجهم بسرعة، كما تم دمج بقيتهم في روسيا وأوكرانيا. وإذا بحثنا عن عنصر مشترك، فلن نعثر إلا على الاضطهاد والكوارث التي تعرَّض لها كل من يهود إسبانيا وبولندا. ولكن إذا دققنا النظر، فإن مصدر هذه الكوارث ليس يهودية اليهود وإنما الوظائف التي اضطلعوا بها باعتبارهم جماعة وظيفية في المجتمعات التي وجدوا فيها. فأساس الوحدة هنا ليس التاريخ اليهودي وإنما الوظيفة التي اضطلع بها كثير من الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، شأنها شأن كثير من أعضاء الأقليات الدينية والإثنية الأخرى. والتواريخ التي تستخدم الكوارث كنقطة مرجعية أساسية تحاول قدر إمكانها أن تجعل اليهود ضحية وحسب مقابل الأغيار. وهي، لتحقيق هذا، تستبعد العناصر الإيجابية من التجارب التاريخية للجماعات اليهودية. فعلى سبيل المثال، يجري التركيز على تحطيم الهيكل، أما واقعة إعادة بنائه بأمر قورش إمبراطور الفرس فتُذكَر بشكل عارض. ويُذكَر أن أنطيوخوس الرابع (إبيفانيس) اضطهد اليهود دون ذكر حقيقة أن الحضارة الهيلينية فتحت صدرها لهم فاندمجوا فيها تماماً. وتؤكد التواريخ أن نفي اليهود من فلسطين وشتاتهم كان نتيجة العنف الروماني الموجه ضدهم والذي تمثَّل في هدم الهيكل ولا تُذكَر حقيقة أن انتشار اليهود من فلسطين ظاهرة تاريخية سبقت تحطيم الهيكل، أو أن الانتشار كان نتيجة إتاحة الفرص أمامهم، أو أن عددهم خارج فلسطين قبل هدم الهيكل كان أكبر من عددهم فيها. ويأتي ذكر أن الكنيسة اضطهدت اليهود في العصور الوسطى، في حين يتم استبعاد قرب اليهود من النخبة الحاكمة وتمتعهم بمستوى معيشي مرتفع يفوق مستوى بقية السكان. كما تلجأ مثل هذه التواريخ إلى إسقاط دور بعض أعضاء الجماعة اليهودية في الكوارث التي تحيق بالجماعة ككل. فلا يأتي ذكر أن النخبة اليهودية الثرية كانت تؤيد موقف الرومان من المتمردين اليهود، أو أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يحارب إلى جوار تيتوس، أو أن بيرنيكي أخت أجريبا كانت عشيقة للإمبراطور، أو أن يوسيفوس فلافيوس كان مترجمه الخاص. ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في الهولوكوست (المحرقة) حيث يُسدَل ستار كثيف من الصمت على تعاون عدد لا بأس به من اليهود مع النازيين، بل يصبح الحديث عن تعاون النازيين والصهاينة شيئاً محرماً. وأخيراً، تلجأ هذه التواريخ إلى تصوير اليهود باعتبارهم الضحية الوحيدة. فحينما يقوم البابليون بسبي وتهجير كثير من الأقوام السامية في فلسطين والشام لا يُذكَر سوى العبرانيين، وحينما يبيد النازيون الملايين لا يُذكَر أي من السلاف أو الغجر أو المعوقين أو غيرهم ممن تمت إبادتهم، وذلك حتى تظل الأضواء مسلطة على اليهود وحدهم. وكما أسلفنا، فإن عمليات التأكيد والاستبعاد تهدف إلى ترسيخ نموذج اختزالي بسيط هو أن اليهود ضحية وحيدة مقابل الأغيار، الذئب الدائم. التسامح مع اليهود كمفهوم تحليلي Tolerance towards the Jews as an Analytical Concept «التسامح» من المعايير التي عادةً ما تُستخدَم في دراسة تواريخ الجماعات اليهودية إذ يحدد المؤرخ موقفه من شخصية أو مرحلة تاريخية على أساس مدى التسامح الذي تمتَّع به أعضاء الجماعات اليهودية على يد هذه الشخصية أو تلك أو إبّان هذه المرحلة أو تلك. ونحن نذهب إلى أن المقدرة التفسيرية لمقولة التسامح ضعيفة للغاية، فالتسامح قيمة أخلاقية مطلقة يتعين على الإنسان أن يتمسك بها ويدافع عنها، وهي حالة عقلية وسمة إنسانية يتسم بها بعض البشر دون غيرهم. ولكن كل هذا لا يجعل التسامح صفة في الظاهرة موضع الدراسة، وإنما هو سمة يتسم بها بعض البشر ممن يوجدون داخل الظاهرة ولا يتحكمون فيها في كليتها. إن مقولة التسامح مقولة أخلاقية مطلقة بينما الظواهر التاريخية مركبة. والتسامح أمر متعلق بإرادة الإنسان ويتم بحرية الأفراد ورغبتهم، أما الظواهر التاريخية فكثير من أبعادها يقع خارج نطاق الرغبة والإرادة والاختيار. ولذا، فإن محاولة تفسير ظاهرة ما تفسيراً مركباً يتطلب منذ البداية رؤية تركيبيتها التاريخية قبل الحكم الأخلاقي عليها. ولبيان تركيبية الظواهر وعجز مقولة التسامح بمفردها عن تفسيرها سنضرب مثلاً بـ «تسامح» ملوك بولندا ونبلائها تجاه اليهود، فقد قاموا بتوطينهم في بولندا وشجعوهم على الاستيطان فيها. ولكن «التسامح» هنا نابع من رؤية أعضاء النخبة الحاكمة في بولندا لليهود كجماعة وظيفية استيطانية يمكن الاستفادة منها. فالهدف عملي إلى حد كبير، كما أن التسامح هنا يؤدي إلى اضطهاد الآخرين، فالطبقة الحاكمة أبدت تسامحاً واضحاً مع أعضاء الجماعة اليهودية حتى يتسنى لها استخدامهم كأداة لقمع الفلاحين والأقنان في بولندا وليتوانيا وأوكرانيا. وفي واقع الأمر، فإننا نجد أن التسامح الغربي مع اليهود هو في العادة تعبير عن هذا الموقف وهذا الإدراك لنفع اليهود وإمكانية الاستفادة منهم كأداة في استغلال الآخرين، أي أنه لا ُيعبِّر عن تسامح أخلاقي حقيقي فيه تَقبُّل للآخر. ولعل موقف بلفور (وكل الصهاينة من غير اليهود) هو خير تعبير عن هذا الموقف الذي ينم بلا شك عن تسامح مع اليهود حيث وقف إلى جوارهم حتى أعلن الوعد المعروف باسمه عام 1917. ولكن من الواضح أن تسامحه هذا نابع من رغبته في وضع اليهود في خدمة المصالح الإمبريالية البريطانية بحيث يحولهم إلى أداة لقمع العرب واغتصاب أرضهم. ومن ثم، نجد أن بلفور المتسامح هو نفسه الذي حاول أن يوقف هجرة يهود اليديشية إلى إنجلترا، واستصدر من القوانين ما يكفل ذلك حينما كان رئيساً للوزراء. فكأن تسامحه مع المشروع الاستيطاني الصهيوني تعبير عن رغبته الصادقة في التخلص منهم وتوظيفهم. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن نابليون بونابرت وغيره من الزعماء الغربيين ممن أبدوا تسامحاً كبيراً تجاه اليهود. وأحياناً تكون الرغبة في التسامح حقيقيةً ولكن القوى التاريخية البنيوية (التي تتجاوز النوايا) تكون أقوى منها، فحينما استولى كاسترو على الحكم في كوبا كان معروفاً بتعاطفه مع أعضاء الجماعة اليهودية، كما كان يرغب صادقاً في أن يستفيد من خبراتهم. وللتعبير عن نواياها الحسنة تجاه أعضاء الجماعة اليهودية بذلت الحكومة الكوبية قصارى جهدها لتوفير اللحم المذبوح شرعياً لهم، غير أن التحولات الاقتصادية الجوهرية، وتأميم كثير من القطاعات الاقتصادية التي كان اليهود مركَّزين فيها، دفع أعضاء الجماعة لأن ينزحوا عن كوبا، ولم يُجد التسامح فتيلاً. وحينما انتُخب النظام الاشتراكي في شيلي بزعامة ألليندي، نزح كثير من أعضاء الجماعة اليهودية عنها، رغم أن النظام منح الأقليات حريات واسعة، ولكن أعداداً كبيرة منهم عادت مع حكم بينوشيه رغم أنه حكم شمولي. ولكل ذلك، فإن مقولة التسامح لا يمكن أن تفسر شيئاً. وقد يكون التسامح شكلاً من أشكال عدم الاكتراث بالهوية، ففي المجتمعات التعاقدية الحديثة لا يدخل الأعضاء في علاقة كاملة جوَّانية وإنما يدخلون في علاقة جزئية برانية وحسب، فالإنسان يتعامل مع الآخر لا باعتباره إنساناً وإنما باعتباره مهندساً أو بائعاً أو سمساراً، وبالتالي فالهوية الإنسانية لشخص، أو سماته المختلفة، تصبح غير ذات موضوع. وقد كان هذا وضع اليهود في الحضارة الغربية إذ كان يتم التسامح معهم كتجار، وكان وضعهم يستند إلى مواثيق خاصة تمنحهم الحماية والمزايا، وكانوا يوضعون في جيتوات خاصة تخلق المسافة اللازمة للأمن الاجتماعي وتحقق لهم العزلة بحيث يمكنهم التعبير عن هويتهم دون أن يشكل ذلك تحدياً للمجتمع، بل دون أن يشعر المجتمع بوجودهم. وقد كانت بعض الجماعات غير اليهودية تبذل جهداً غير عادي للحصول على حق استبعاد اليهود، باللاتينية: دي نون توليرانديس جودايس de non tolerandis Judaeis، أي «عدم التسامح مع اليهود» ) . وما حدث في المجتمع الحديث هو أنه أصبح مجتمعاً ذرياً يحتفظ فيه كل فرد بمسافة بينه وبين الآخر، بحيث تصبح سماته الإنسانية وهويته المتعينة أمراً شخصياً محضاً لا يعني أحداً، ويدخل في علاقة تعاقدية مع بقية أعضاء المجتمع (وهذا ما كان يعنيه ماركس بتهويد المجتمع) وهي علاقة خاضعة لقواعد عامة، ومن ثم تتوارى الهويات الخاصة ويتم التحرك في رقعة الحياة العامة، وهي الرقعة التي يفقد فيها الجميع خصوصياتهم ويصبح الإنسان إنساناً طبيعياً مادياً (إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني) . والإنسان، داخل هذا الإطار، غير مطلوب منه تَقبُّل أية خصوصيات دينية أو إثنية، فاليهودي لا يقابل المسيحي ويقبله، كما أن المسيحي لا يقابل اليهودي ويقبله (باعتباره الآخر) وإنما يجب أن يتخلى اليهودي عن يهوديته والمسيحي عن مسيحيته على أن يلتقي الجميع عند مستوى علماني مجرد من رقعة الحياة العامة باعتبارهم مواطنين. ويتم تَقبُّل اليهودي بمقدار تخليه عن يهوديته أو بمقدار إظهاره الاستعداد للتخلي عن هويته، فالتسامح هنا ليس تسامحاً مع الآخر وإنما هو تَربُّص به، وهي ليست عملية مساواة وإنما عملية تسوية. إن ما يقابله الإنسان العلماني في رقعة الحياة العامة هو الإنسان الاقتصادي والإنسان الجسماني، وهي أنماط عامة يمكن التعامل معها بكفاءة ويمكن التسامح معها بسهولة إذ أن التسامح هنا لا يعني ضبط النفس أو كبح الذات. وهذا ما عناه دعاة التنوير حينما قالوا إن على اليهودي أن يصبح إنساناً في الشارع يهودياً في منزله، فهي تعني أن على اليهودي أن يصبح إنساناً طبيعياً في رقعة الحياة العامة، أي في معظم حياته. وحينما قرر دعاة التنوير إعطاء اليهود كل شيء كمواطنين ولا شيء كتجمُّع ديني مستقل نسبياً، فهم كانوا يطالبون اليهودي بأن يصبح إنساناً طبيعياً، ومادة بشرية نافعة. ولكن إخفاء الهوية وعزلها، والاحتفاظ بها في المنزل، يؤديان إلى ضمورها واختفائها في نهاية الأمر. وهنا نجد أن التسامح ليس شكلاًً من أشكال عدم الاكتراث، وإنما هو أيضاً محاولة للقضاء على الهويات المختلفة وعلى الآخر حتى يصبح الجميع مواطنين منتجين ومستهلكين (فقط) يتم تنميطهم حسب المواصفات التي تضعها الدولة. ويُلاحَظ أنه، بعد انتشار التسامح في المجتمع الغربي، وبعد أن تمت مساواة أعضاء الجماعات اليهودية بغيرهم من الجماعات والأفراد، وبعد أن أصبح وجودهم يستند لا إلى المواثيق الخاصة وإنما إلى الحقوق الثابتة (أي بعدما أصبح اليهود مواطنين) ، فإنهم آخذون في الاختفاء إذ يترك اليهودي عزلته ويندمج هو وغيره من أعضاء الأقليات مع بقية المواطنين لينصهر الجميع في بوتقة الوطن ويصبحوا نمطاً واحداً. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع تزايد التسامح، تتزايد معدلات موت الشعب اليهودي وتَناقُص أعداده. ولذا، فإن بعض الصهاينة يرون أن الاضطهاد هو وحده الكفيل بتحقيق وحدة الشعب اليهودي، وهذا ما أشار إليه آي. إف. ستون حين قال «الصهيونية تزدهر بالكوارث» . وقد كان كثير من المستوطنين الصهاينة يطالبون دائماً بحسن معاملة العرب، وبضرورة التسامح معهم. ولكن الوضع البنيوي للمستوطنين الصهاينة، كجزء من بنية استيطانية إحلالية، يجعل تسامحهم غير ذي موضوع. فالمستوطن الصهيوني، مهما صدقت نيته، ومهما امتلأ قلبه حباً للعرب، يأخذ مكان مواطن عربي شاء أم أبى. احتكار دور الضحية (من المسئول ومن الضحية؟ ( Monopolizing the Role of the Victim ,Who is to Blame and Who is the Victim من الأسئلة التي تثار دائماً في دراسة تواريخ الجماعات اليهودية محاولة تحديد المسئولية عما حدث لليهود عبر التاريخ، وهل هم المسئولون عن العنف الذي يحيق بهم، أم أنهم ضحية لهذا العنف؟ فيقول الصهاينة إن اليهود هم دائماً الضحية وأنهم تم طردهم من بلد لآخر واضطهادهم دون سبب واضح ودون رحمة أو شفقة. بل يحاول الصهاينة في كثير من الأحيان تضخيم دور اليهود كضحية بحيث يحتكرون هذا الدور ويبذلون قصارى جهدهم في إنكار هذا الدور على الآخرين. ولذا حينما يحاول أحد المؤرخين أن يبيِّن أن عدد البولنديين الذين أبيدوا على يد النازيين يفوق عدد من أُبيد من أعضاء الجماعات اليهودية وأن نسبة من أبيد من الغجر أعلى من نسبة من أبيد من اليهود فإن الصهاينة يثيرون صخباً وضجيجاً بشكل ممجوج ومبتذل. وقد استمر تضخيم دور اليهود كضحية حتى أصبح الشعب اليهودي يعادل المسيح المصلوب في بعض مدارس الفكر الديني اليهودي الحديث. ويحاول الصهاينة توظيف دور اليهود كضحية في خدمة مشروعهم السياسي الاستعماري، فيطالبون ألمانيا بأن تدفع بلايين الدولارات تعويضاً لليهود عما وقع لهم من مذابح، بل يصبح احتلال فلسطين وطرد سكانها منها مجرد تعويض عما حاق باليهود من أذى على يد النازيين! وقد ركَّز المدعي العام الإسرائيلي إبان محاكمة أيخمان على هذه القضية، وعلى دور اليهود كضحية أزلية، عبر الزمان والمكان. وقد كان رد محامي الدفاع على أطروحة المدعي العام ذكياً للغاية، فقد تساءل عن هذا الشعب الذي يضطهده الجميع في كل زمان ومكان، ألا يمكن أن يكون هو المسئول عما يحدث له؟ وقد أصيبت قاعة المحكمة بالذهول حين طرحت القضية على هذا النحو غير المتوقع. ويجيب المعادون لليهود على هذا السؤال بالإيجاب قائلين: «نعم إن اليهود هم ولا شك المسئولون» . وكل من الطرحين الصهيوني والمعادي لليهود يتسم بعدم إدراك لتركيبية الظواهر الاجتماعية، فسؤال من المسئول ومن الضحية يفترض أن الظواهر الاجتماعية في جميع جوانبها نتاج وعي الإنسان وإرادته، مع أن هناك جوانب كثيرة في الواقع تتشكل خارج إرادة الإنسان ووعيه، بل تؤثر في وعيه أحياناً دون إدراكه. فاشتغال اليهود بالربا داخل سياق الحضارة الغربية حوَّلهم إلى مستغلين للجماهير ولكنهم أصبحوا كذلك لا بقرار واع منهم أو من النخب الحاكمة الأوربية وإنما نتيجة مركب من الأسباب. ويُلاحَظ أحياناً أن كثيراً من ظواهر العنف في التاريخ نتيجة مسئولية مشتركة بين من مارس العنف ومن وقع ضحيته. وقد ميَّز مالك بن نبي بين الاستعمار والقابلية للاستعمار. فالاستعمار ظاهرة عنف واستغلال لا مراء في هذا، ولكنه يتحوَّل إلى حقيقة لا من خلال عنف الإمبريالية وحسب وإنما من خلال ضحية هذا العنف، التي تتصف بالقابلية للاستعمار. ويمكن أن نطبق هذا المنطق على أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية. وأخيراً يمكن القول بأن طرح سؤال: من المسئول ومن الضحية؟ تحوِّل دراسة التاريخ إلى محاكمة تسبق الفهم وتؤدي إلى شكل من أشكال الاختزال والاستقطاب الذي يُسقط كثيراً من العناصر التي أشرنا لها من قبل. التفسير الحرفي Literalist Interpretation «الحرفية» في التفسير هي أن يصر المؤمن بكتاب مقدَّس على أن نصوص هذا الكتاب معناها واضح وبسيط ويحمل رسالة مباشرة صريحة (مثل القاعدة العلمية أو اللغة الجبرية) يمكن التوصل إليها مباشرةً دون اجتهاد كبير أو إعمال عقل، ولذا لابد من التمسك بحرفية النص. وعادةً ما يؤمن الحرفيون بأن ما جاء في كتابهم المقدَّس يتحقق حرفياً في الواقع الإنساني والتاريخي والمادي، وأن الأحداث التاريخية والحقائق العلمية تتفق تماماً مع ما جاء في النص المقدَّس. كما أنهم يرون أن المجاز في الكتاب المقدَّس ليس مجازاً دائماً وإنما واقع حقيقي مادي. وبهذا المعنى نجد أن التفسير الحرفي لا يختزل الواقع وحسب ولا النص المقدَّس وحسب وإنما كليهما، فهو يلغي المسافة بينهما تماماً ويلغي ثنائية النص والواقع فيختزل الواقع المادي للنص المقدَّس (المتجاوز للعالم المادي) كما يختزل النص المقدَّس للواقع المادي، وتزداد الدائرة ضيقاً واتساعاً حسب أهواء المفسر. هذا على عكس الأصولية، وهي العودة إلى الأصول الأولى كما تتبدَّى في النصوص المقدَّسة وفي ممارسات الأولين والصالحين واجتهادات الفقهاء، وهذه الأصول بمنزلة الكل الذي ينتظم الأجزاء جميعاً، وهي بمنزلة الجذر الذي تتفرع عنه كل الاجتهادات، وهي القيمة الحاكمة والركيزة النهائية للنسق الديني. وهذه الأصول، لأنها «الكل» و «الجذر» و «القيمة الحاكمة» ، تشكل الإطار العام لعملية اجتهاد مستمرة في كل عصر يقوم بها عقل المؤمن المفسِّر المجتهد بالعودة إلى النص المقدَّس وفي إطار مرجعيته. وهذا يعني أن الاجتهادات التي يصل إليها الإنسان ليست هي نفسها النص المقدَّس (رغم أنه يظل المرجعية النهائية) وإنما تتراوح في قربها وبعدها عنه، ومن هنا ضرورة تجديد الاجتهاد، الذي ينطلق من النص ويعود إليه. والتفسير الحرفي يستند إلى نموذج معرفي كامن، فالنص المقدَّس ليس كلام الإله الذي تم التعبير عنه من خلال لغة مجازية مركبة تشير إلى المطلقات المتجاوزة الأمر الذي يعني انفصال الدال (المحسوس) عن المدلول (المتجاوز) وإنما هو تَجسُّد مباشر للإله في العالم، بل هو الإله نفسه، وهو ما يعني اندماج الدال (المحسوس) بالمدلول (المتجاوز) واختفاء المسافة بينهما. وهذا يعني في واقع الأمر إنكار ثنائية المخلوق والخالق وثنائية الدال والمدلول وثنائية النص والواقع الأمر الذي يعني محو ثنائية المطلق والنسبي والتاريخي والأزلي. وإنكار مجازية اللغة تعني في واقع الأمر إنكار تَنزُّه الإله عن العالم ومحاولة فرض الواحدية عليه، ولذا يصبح التاريخ المقدَّس الذي ورد في الكتاب المقدَّس تصوُّراً مادياً مباشراً (صورة طبق الأصل من الواقع) آخذاً في التحقق الآن (ولذا لا يمكن الاجتهاد في التفسير) ، وكل ما ورد في النص المقدَّس يتحقق حرفياً في الواقع التاريخي والطبيعي، ولذا فالتاريخ المقدَّس (المطلق) يصبح التاريخ الإنساني (النسبي) ، والحقائق التي وردت في النص المقدَّس تصبح حقائق علمية، وكلام الإله المتجاوز يصبح قوانين الحركة. ورغم الاختلاف الظاهر للتفسير الإشراقي عن التفسير الحرفي فإن ثمة تلاقياً بينهما على مستوى النموذج الكامن. فالمفسر الحرفي يجتزيء فقرة ما من النص المقدَّس ويعزلها عن النموذج الكامن فيها والرؤية العامة، ثم يلوي بعد ذلك عنق النص ويوظفه بالطريقة التي تعن له، أي أنه يفرض عليه أي معنى، إذ أن المفسر الحرفي قد تحرَّر تماماً من القيود الأخرى التي يفرضها عليه النص المقدَّس من خلال معناه الكلي فيرى أن هذه الفقرة نبوءة بهذه الحادثة التاريخية وهذه الجملة صياغة لقانون طبيعي تم اكتشافه مؤخراً. وهذا لا يختلف كثيراً عن التفسير الباطني، فالمفسر الباطني يفرض أيضاً على النص المقدَّس المعنى الذي يراه. وإذا كان المفسر الحرفي يجتزيء فقرة واحدة ويؤسس رؤيته عليها، فالمفسر الإشراقي يأخذ كلمة واحدة ويكتشف معناها الرقمي ويستخلص منه المعنى «الحقيقي» . وقد يُقال إن المفسر الحرفي لا يكتفي بحرفية النص وإنما يذهب إلى الواقع التاريخي أو العلمي ومن ثم فهو لا يفرض رؤيته هو. ولكن ما يحدث هنا أن المفسر الحرفي يتأرجح بين التمركز حول الموضوع والتمركز حول الذات (على عكس المفسر الباطني المتمركز تماماً حول الذات) . وقد بيَّنا الاتفاق بين الحرفي والباطني في التمركز حول الذات. أما التمركز حول الموضوع فيأخذ شكل أن النص المقدَّس يكتسب مصداقيته من تطابقه مع الحوادث التاريخية أو الحقائق العلمية، فكأن المرجعية النهائية هنا هي الواقع التاريخي الزمني أو العلمي وليس النص المقدَّس. والطريف أنه نتيجةً لذلك تتم محاكمة النص المقدَّس من منظور الواقع، وليس محاكمة الواقع المادي من منظور النص المقدَّس. ويمكن القول بأن ثمة متصلاً في أقصى جانبيه التفسير المادي الذي ينكر ثنائية الروح والمادة ويمحوها لحساب المادة ويدور في إطار الواحدية المادية، وفي الجانب الآخر التفسير الإشراقي الذي ينكر هو الآخر ثنائية الروح والمادة ويمحوها لحساب الروح ويدور في إطار الواحدية الروحية. أما التفسير الحرفي فيقف بينهما فهو تفسير واحدي مثلهما ولكنه يتأرجح بين القول بأن النص المقدَّس (كعبارات وفقرات بسيطة) يحوي حوادث التاريخ والقوانين الطبيعية، ولذا يمكن فهمها بالعودة للنص، ولكنه يقول أيضاً إن النص يتطابق مع الواقع (التاريخي والطبيعي) ومن ثم يمكن الوصول إلى معنى الكتاب المقدَّس بالعودة لحوادث التاريخ والقوانين الطبيعية. وهذا التأرجح هو الذي يسم العقل الغربي منذ عصر النهضة وقد اكتشفه إسبينوزا الذي توصل إلى أنه داخل المنظومة الحلولية الكمونية يمكن أن تكون وحدة الوجود الروحية هي وحدة الوجود المادية، وأن الإله هو الطبيعة. وما يحدث هو أن التأرجح يستمر بعض الوقت ويتزايد الإيمان بتطابق النص المقدَّس مع الواقع التاريخي والطبيعي. وبالتدريج ينتقل الاهتمام من النص المقدَّس إلى الواقع الذي يصبح مكتفياً بذاته. وبذا ننتقل من التأرجح بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية إلى وحدة الوجود المادية أي العلمانية الشاملة. ولذا يمكن القول بأن انتشار التفسيرات الحرفية يصلح مؤشراً على تصاعد معدلات العلمنة. وعندنا ما يساند مثل هذه الأطروحة في تاريخ الحضارة الغربية، فعصر النهضة وظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو أيضاً عصر ظهور الحركات الشعبوية الحلولية والتفسيرات الحرفية. والتفسيرات الحرفية تفسيرات ديموقراطية، لأنها بالغة السهولة. إذ يفتح المفسر النص المقدَّس ويأخذ منه سطراً أو سطرين ويفسرهما بطريقة مباشرة، ولذا نجد أن الحركات الثورية الشعبية ذات الطابع المشيحاني الحلولي الكموني عادةً ما تكون تربة خصبة لظهور التفسيرات الحرفية للنصوص المقدَّسة والتنبؤات التي ترى أنه سيحدث تجسد كامل وفجائي للإله في التاريخ الإنساني (فيعود المركز إلى داخل النموذج) وتمتلئ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً وتنتهي كل الآلام، ويتوقف التاريخ البشري باعتباره مجال الحرية والجبر والانتصار والانكسار ويصل إلى نهايته السعيدة (نهاية التاريخ) . والعقيدة الألفية الاسترجاعية في التراث المسيحي واليهودي مثل جيد على ذلك. فهي عقيدة فسرت بعض الإشارات العابرة التي وردت في العهد القديم تفسيراً حرفياً ومنحتها مركزية مطلقة. وقد حاولت الكاثوليكية واليهودية الحاخامية تهدئة النزعة المشيحانية عن طريق وضع بعض الحدود على مسألة حلول المركز في النموذج وحلول الإله في التاريخ وهو ما يؤدي إلى تصفية الثنائيات وظهور التفسيرات الحرفية المادية. ولذا، طرحت التفسيرات المجازية وأكدت ضرورة البُعد عن التفسيرات الحرفية. فصهيون بالنسبة للكاثوليكية واليهودية الحاخامية فكرة مثالية (مدينة الإله - أرض الماشيَّح) التي تتعلق بها الأفئدة والضمائر وتتطلع للعودة إليها في آخر الزمان خارج التاريخ بأمر الإله ولا علاقة لها بالمنطقة الجغرافية التي تُسمَّى فلسطين ولا بالزمان الإنساني، والشعب المختار جماعة من المؤمنين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والبروتستانتية المتطرفة والصهيونية ذات الديباجة المسيحية والديباجة اليهودية تتبعان منهجاً حرفياً لا أصولياً. فالجماعات البروتستانتية المتطرفة جماعات تقدم تفسيرات حرفية للعهد القديم تختلف تماماً عن التفسيرات المجازية والرمزية التي كانت تطرحها الكنيسة الكاثوليكية. ومن هنا الطبيعة الثورية المبدئية للتفسيرات الحرفية، فبإمكان المفسر الحرفي البسيط أن يتجاوز التفسيرات المؤسسية المركبة السائدة. ولكن ما يحدث أنه بعد المرحلة الثورية المبدئية، تظهر الطبيعة الرجعية المحافظة للتفسيرات الحرفية، فهي تجعل الواقع المباشر، الزماني والمكاني، مرجعيتها الوحيدة ولا تتجاوزه، فالجماعات التي يُقال لها مسيحية أصولية في الولايات المتحدة، هي في واقع الأمر جماعات حرفية، تدافع عن القيم المسيحية وعن تماسك الأسرة ومع هذا تساند اقتصاديات السوق الحر، بل سياسات أمريكا الخارجية والدولة الصهيونية. وهذا يدل على سذاجة الحرفيين، ويبيِّن مدى ارتباط رؤيتهم بالواقع الذي يرفضونه ومدى اعتمادهم عليه وعجزهم عن تجاوزه. فالاقتصاد الحر أكبر آلية لتقويض كل القيم، مسيحية كانت أم إنسانية، والدولة الصهيونية لا تلتزم بأية معايير دينية أو أخلاقية أو إنسانية. والجماعات اليهودية الصهيونية ترفض هي الأخرى التفسيرات المجازية التي طرحتها اليهودية الحاخامية لتحل محلها تفسيرات حرفية. فبدلاً من «صهيون» مدينة الإله، تظهر «فلسطين» باعتبارها موقعاً جغرافياً يصلح للاستيطان، ويتحول الشعب المختار إلى شعب بالمعنى البيولوجي الحرفي، وتصبح العودة لا عودةً خارج التاريخ بعد انتهاء الزمان وإنما عودةً فعلية وحرفية للشعب اليهودي إلى فلسطين كجماعة استيطانية في أول فرصة تسنح له (وحينما تسمح له قوته العسكرية بذلك وحسب إجراءات علمية مادية صارمة) . ويُلاحَظ ترابُط التفسير الحرفي للعهد القديم والبُعد العسكري، وهذا أمر متوقع فحين تتحول صهيون إلى فلسطين (ثم تصبح إسرائيل) ، فلا مناص من وضع الرؤية الصهيونية الحرفية موضع التنفيذ من خلال العنف العسكري. ولعل حروب الفرنجة أول تطبيق عملي لهذه الحرفية. ويمكننا أن نقول إن معظم الحركات الشمولية اليمينية واليسارية حركات حرفية، فهي حركات لها كتبها المقدَّسة (أعمال هتلر ـ كتابات ماركس ـ كتابات لينين) التي تحتوي على كل ما يلزم للتعامل مع الواقع المادي (فثمة تطابق كامل بين النص المقدَّس وهذا الواقع) وإن حدث أن اختلف الواقع عما جاء في النص المقدَّس فيتم إصلاح الواقع فيتفق مع حرفية النص. وحينما نستخدم كلمة «أصولية» فنحن عادةً ما نردفها بكلمة «حرفية» حتى نفرق بين هذه الحرفية والأصولية الحقة التي تصدر عن الإيمان بأن الإله متجاوز، وأن العالم المادي ليس البداية والنهاية، وأن مركز العالم ليس كامناً في المادة. ولذا، فإن ثمة ثنائية لا يمكن تصفيتها تجعل التفسيرات الحرفية أو الباطنية أو المادية الواحدية تعجز عن تفسير عالم مركب، فهي تعبير عن الرغبة الرحمية الكمونية في الهروب من التركيب والثنائيات الفضفاضة. النصوصية Textualism «النصوصية» نسبة إلى «نص» وهي محاولة تفسير سلوك فرد أو جماعة ورؤيتها ومخططاتها بالعودة إلى النصوص المقدَّسة التي يؤمن بها الفرد أو أعضاء هذه الجماعة. والنصوصية شكل من أشكال الحرفية التي تفترض التقابل الكامل بين النص المقدَّس والواقع، ولكن الواقع هنا هو الإنسان. فكأن النص المقدَّس هنا لا يتحقق ولا يتجسد في الواقع وإنما في سلوك الإنسان وفي رؤيته. وكثير من العرب يحاولون تفسير سلوك أعضاء الجماعات اليهودية بل سلوك الحركة والدولة الصهيونية بالعودة إلى نص ما في العهد القديم أو التوراة أو بروتوكولات حكماء صهيون التي يظن البعض أنها إحدى كتب اليهود المقدَّسة. كما أنهم يفعلون الشيء نفسه بالنسبة للمخططات الصهيونية، فكلها حسب التصور النصوصي، قد وردت في كتب اليهود المقدَّسة، بل نجد بعض الصهاينة أنفسهم يلجأون لهذا الأسلوب في التفسير فيقولون إن الدولة الصهيونية لابد أن تضم الضفة الغربية لأن العهد القديم ورد فيه كذا وكذا أو لأن التلمود ينص على ذلك. ونموذج تفسير السلوك من خلال النصوص نموذج اختزالي مريح. وعملية التفسير عادةً تأخذ الشكل التالي: 1 ـ يسلك اليهودي أو الصهيوني بطريقة معينة أو يخطط لشيء ما. 2 ـ يتجاهل الدارس الدوافع المركبة والمتعينة لمثل هذا السلوك أو المخطَّط، كما يتجاهل الظروف الإيجابية والسلبية التي قد تساعد الصهيوني على (أو تعوقه عن) تحقيق مخطَّطه. 3 ـ يتجاهل الدارس تركيبية الكتب اليهودية المقدَّسة وتداخُلها، بل تناقضها أحياناً. 4 ـ يبحث الدارس عن النص المناسب الذي يتماثل والسلوك أو المخطَّط (متجاهلاً النصوص غير المناسبة) . 5 ـ يعلن الدارس أن اليهودي أو الصهيوني قد سلك مثل هذا السلوك أو وضع مثل هذا المخطط لأن كتبه المقدَّسة تدعوه إلى ذلك. والأطروحة الأساسية الكامنة هنا بسيطة وساذجة إذ تذهب إلى أن ثمة تماثلاً كاملاً بين النص المقدَّس وسلوك الإنسان. والعملية التفسيرية تتم من خلال عملية تبسيط واختزال لكلٍّ من النص المقدَّس (استبعاد الفقرات غير المناسبة) وسلوك الإنسان (استبعاد الدوافع والظروف المركبة) . والتفسير النصوصي يتجاهل عدة عناصر: 1 ـ أن اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، لها عدة كتب مقدَّسة كُتبت في عدة مراحل تاريخية وتحتوي على رؤى للكون مختلفة، فتوحيدية كتب الأنبياء متناقضة بشكل جذري مع حلولية القبَّالاه. والتلمود هذا الكتاب الضخم المكون من سبعة عشرة جزءاً والذي كتب على مدار ألف عام وكتبه مئات الحاخامات يحوي الشيء ونقيضه. 2 ـ لا تشغل الكتب المقدَّسة عند اليهود المركزية نفسها التي يشغلها القرآن في الإسلام. فاللوجوس عند اليهود هو الشعب نفسه، كما أن القداسة في كثير من الأحيان تنتقل من الكتاب المقدَّس (التوراة على سبيل المثال) إلى التفسير الحاخامي (المشناه) . 3 ـ يتجاهل التفسير النصوصي مشكلة التفسير، فثمة مدارس تفسير كثيرة لكلٍّ منها نموذجه المعرفي. وبعض هذه المدارس ذو اتجاه توحيدي إنساني متفتح، والبعض الآخر ذو اتجاه حلولي شوفيني. 4 ـ يتجاهل التفسير النصوصي (الحرفي) تركيبية الكتاب المقدَّس وأن فقراته المختلفة لا توجد مستقلة وإنما توجد في سياق النص ككل. ومن ثم لا يمكن اجتزاء فقرة واحدة والتعميم منها، وإنما يجب أن يكون التعميم استناداً إلى النص في كليته. 5 ـ يتجاهل التفسير النصوصي تركيبية الدوافع الإنسانية والظروف التي تؤثر في سلوك الإنسان وأن النص لا يتحكم في سلوك اليهود. 6 ـ تتجاهل النصوصية أن النص المقدَّس بالنسبة للمؤمن به يطرح رؤية مثالية، يحاول بعض المؤمنين تحقيقها، ومن ثم فهي بطبيعتها غير متحققة في كليتها في الواقع المادي. 7 ـ تُسقط النصوصية أمراً مهماً للغاية وهو أن كثيراً من اليهود لا يعرفون نصوصهم المقدَّسة مع تزايد معدلات العلمنة. فهي ابتداءً نصوص ضخمة وهي ثانياً مكتوبة بلغات ميتة. فمارتن بوبر على سبيل المثال (وهو أهم مفكر ديني يهودي في العصر الحديث) رأى التلمود لأول مرة في حياته في عيد ميلاده الستين، فقد كان يفضل الغوص في التراث القبَّالي والقصص الحسيدية (إلى جانب أيديولوجيات الشعب العضوي والتربة والدم والرومانسية الشمولية) . وقد صرح ما يزيد على 86% من الإسرائيليين بأنهم لم يقرأوا التلمود قط، ولعلهم لا يعرفون سوى بعض السطور التي ترد في بعض المقالات والدراسات. 8 ـ لا تؤمن غالبية يهود العالم الآن باليهودية كعقيدة ومن ثم لا تؤمن بكتبها المقدَّسة ولا تعيرها التفاتاً إذ انتقل اهتمام غالبية أعضاء الجماعات اليهودية من العقيدة اليهودية إلى الإثنية اليهودية والثقافة اليهودية (عادةً ذات الجذور الشرق أوربية) . ولذا فإن الكتب المقدَّسة اليهودية أصبحت بمنزلة الفلكلور لهم، ومن ثم ليست ملزمة. والتفسير النصوصي ليست له قيمة تفسيرية كبيرة، وهو دائماً تفسير بأثر رجعي، أي أنه يفسر الظاهرة بعد وقوعها ولا يَصلُح للتنبؤ بسلوك اليهودي ومخططاته. ويظهر ضعف المقدرة التفسيرية للنصوص في محاولة تفسير التوسعية الصهيونية. فعادةً ما يُقال إن التوسعية الصهيونية حتمية ويُشار إلى عبارات مثل «من النيل إلى الفرات» باعتبارها دليلاً على حتمية التوسعية. ولكن من المعروف أن خريطة إرتس يسرائيل غير محددة المعالم، وخريطة إسرائيل الكبرى لم يتم الاتفاق عليها. كما أن التوسعية الصهيونية لم تتبع أي نمط يمكن تفسيره بالعودة إلى النصوص. فمن المعروف أن الضفة الشرقية لنهر الأردن تتمتع بقداسة خاصة في الوجدان الديني اليهودي، فهي جزء لا يتجزأ من إرتس يسرائيل التي وُزِّعت على القبائل العبرانية. وقد كان نشيد الحركة الصهيونية التصحيحية هو إنشاء الوطن القومي اليهودي على ضفتي الأردن. ومع هذا ضمت إسرائيل عام 1967 شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان. وقد قام المتحدثون الصهاينة بترديد نصوص دينية عن قداسة مرتفعات الجولان وعن شبه جزيرة سيناء. ومع هذا فقد أخلوا سيناء ويتحدثون عن إخلاء الجولان. وموقف بن جوريون من التوسع والنصوص الدينية له دلالة في هذا المضمار. فحينما كانت القوات المصرية أثناء حرب الاستنزاف تحقق انتصارات كانت عبارة «من النيل إلى الفرات» تتحول قليلاً ويتذكر ابن جوريون أن كلمة «النيل» لم ترد في النصوص المقدَّسة وإنما وردت عبارة «نهر مصر the brook of Egypt» وفي هذه الحالة يمكن الإشارة إلى أي مجرى مائي في العريش، أي أن الأرض المقدَّسة تنكمش بمدى تَزايُد القوة العربية والعكس أيضاً إذ أن نهر مصر يصبح النيل في حالة التفوق العسكري الإسرائيلي. وهذا هو الحال ككل مع التوسعية الصهيونية، فهي لا تخضع للنص وإنما للموازنات الواقعية الداروينية التي يؤمن بها الصهاينة ويحترمونها تمام الاحترام، ثم تخرج النصوص لعمليات التبرير. والصراع الذي دار حول تفسير مفهوم بكوح نيفيش (انظر: «احترام حياة اليهودي [بكوّح نيفيش] » ) هو أيضاً مثل جيد على تبعية النص للواقع. وقد سخر رابين ممن يستخدمون النصوص المقدَّسة لتفسير السلوك الصهيوني. فبعد توقيع اتفاقية غزة أريحا ثار بعض الحرفيين من الصهاينة فذكرهم رابين بأن يشوع قد قال " ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة " (يشوع 6/27) ومن ثم يكون منحها للسلطة الفلسطينية ليس أمراً ممكناً وإنما مرغوباً فيه، فهي ملعونة. وغني عن القول أن أريحا قد ضُمَّت إلى غزة كمجال لممارسة السلطة الفلسطينية لأسباب لا علاقة للتوراة بها. والتفسير النصي يشوه رؤيتنا للواقع، فنحن نتصور أن اليهود سيتدافعون للاستيطان في الضفة الغربية بالآلاف إن أُتيحت لهم الفرصة. وهذا يجعلنا ننسى أن معظم أعضاء الجماعات اليهودية قد تمت علمنتهم وبالتالي فهم باحثون مرنون عن المنفعة واللذة والحراك الاجتماعي وأن من الأجدر تفسير دوافعهم وسلوكهم في هذا الإطار وأنهم حينما يهاجرون إلى أرض الميعاد فهم يفعلون ذلك بحثاً عن الثروة. كما أننا بتركيزنا على النصوص نهمل العناصر البنيوية فلا نرى مثلاً أن ثمة حقيقة أساسية، رغم كل ما يقوله النص، وهي أن عدد اليهود في العالم ـ ومن ثم فعدد اليهود القادرين على الاستيطان ـ آخذ في التناقص. فثمة حقيقة بنيوية لابد أن نأخذها في الاعتبار عند محاولة التعامل مع الواقع الصهيوني. هذا لا يعني أنه لا توجد علاقة على الإطلاق بين النص الديني وبين سلوك الإنسان وخططه ورؤيته، فثمة علاقة لا شك فيها تتفاوت قوة وضعفاً من إنسان لآخر ومن مرحلة تاريخية لأخرى ومن موقف لآخر. وتزيد قوة تأثير النص الديني على المستوى الفردي وتضعف على المستوى المجتمعي، فمعظم الدول في العصر الحديث ذات تَوجُّه علماني واضح تجد أن صالحها هو المطلق، وهو ما يجعلها تدرس موازين القوى جيداً قبل دراسة أي نص ديني. لابد إذن من أخذ النص الديني في الاعتبار دون اختزال تركيبيته أو تركيبية الدوافع أو الظروف، فسلوك الإنسان نتاج عملية تفاعل بين كل هذه العناصر. يوسيفوس فلافيوس (38 – 100 ( Josephus Flavius هو يوسف بن ماتيتياهو هاكوهين. سياسي وقائد عسكري ومؤرخ يهودي من مقاطعة يهودا الرومانية في العصر الهيليني. من أسرة كهنوتية أرستقراطية. وكانت لأمه صلة قرابة بالأسرة الحشمونية، أي أنه كان من الطبقة الحاكمة والنخبة المتأغرقة القريبة من روما المرتبطة بها المتعاونة معها. درس الشريعة اليهودية، حسبما قال، ومن ذلك تعاليم الفريسيين والصدوقيين والأسينيين. وقضى ثلاثة أعوام في الصحراء مع أحد الزهاد (لعله من الأسينيين) ، وانضم في سن التاسعة عشرة إلى فريق الفريسيين. وُصف بأنه كان شخصاً شديد الطموح لا ضمير له. ورغم أن التعليم الذي تلقاه يوسيفوس كان تعليماً دينياً يهودياً فحسب، فإنه كان على دراية كبيرة بالعالم، فقد سافر إلى روما وعرف مدى قوتها وعدم جدوى الوقوف أمامها. وحينما نشب التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70م) ، حاول في بادئ الأمر، حسب روايته، أن يقنع الثوار بالعدول عن خطتهم، ولكنه اضطر في النهاية إلى الانضمام لهم. وقد عينته الحكومة الجديدة قائداً عسكرياً لمنطقة الجليل عام 66م وهي منطقة كانت معروفة بخصبها وثرائها، كما أنها كانت تُعَد أهم منطقة من الناحية العسكرية إذ من المتوقع أن يأتي الرومان من الشمال ليواجهوا أول ما يواجهون تحصينات هذه المنطقة العسكرية. وحينما وصل الرومان، سرعان ما تساقطت التحصينات والمدن اليهودية، الواحدة تلو الأخرى، فحاول يوسف هاكوهين الهرب، ولكنه لم يفلح إذ أبقاه جنوده رغم أنفه، ثم تمكَّن القائد والجنود من الفرار إلى أحد الكهوف حيث قرر الجنود الانتحار بطريقة جماعية. فقام يوسف هاكوهين بعمل القرعة بنفسه، وأشرف على عملية الانتحار ذاتها، وكفل له ذلك أن يكون آخر المنتحرين. وحينما لم يتبق إلا هو وشخص آخر، أقنعه بالاستسلام للرومان بدلاً من الانتحار. وعندما مثل هاكوهين بين يدي القائد الروماني فلافيوس فسبسيان ادعى أنه مطلع على الغيب وتنبأ للقائد الروماني بأن له مستقبلاً باهراً وأنه سيتبوأ عرش روما. وبعد هذا، قام المتنبئ هاكوهين بحملة إعلامية للترويج لنبوءته، وصحب فسبسيان إلى مصر وانضم إلى تيتوس أثناء حصاره القدس، وأصبح المتحدث باسم الرومان، وطلب إلى المتمردين اليهود الاستسلام. وبعد هزيمة المتمردين، سار يوسيفوس معه في موكب النصر الذي عُرض فيه الأسرى اليهود. ثم قطن في منزل تيتوس السابق وحصل على المواطنة الرومانية وعلى معاش وقطعة أرض خصبة في الجليل (فلسطين) كانت ضمن الأراضي التي صادرها الرومان. وقد غيَّر يوسف هاكوهين اسمه إلى يوسيفوس فلافيوس، أي أنه لتَّن اسمه العبراني يوسف واتخذ اسم الإمبراطور الروماني اسماً للأسرة. كتب يوسيفوس كل مؤلفاته في روما ومن أهمها كتاب الحرب اليهودية الذي كتبه بالآرامية وأشرف بنفسه على ترجمته إلى اليونانية عام 77 م وقد فُقدت النسخة الآرامية ولم يبق سوى الترجمة. والهدف من هذا الكتاب إقناع يهود بابل بقوة روما وإظهار براءة الرومان أمام اليهود، فبين على سبيل المثال أن الهيكل قد أُحرق بدون أمر تيتوس. كما استهدف الكتاب الدفاع عن اليهود أمام الرومان وإظهار براءة اليهود وكذلك تبرير انشقاقه على بني جلدته. وقد صوَّر يوسيفوس الحرب اليهودية (من وجهة نظر فريسية) باعتبارها حرباً من صنع بعض المهووسين من الغيورين، فهي حرب لم يردها اليهود قط. والغيورون من وجهة نظره ليسوا يهوداً أصلاً، فقد دنسوا الهيكل وكانوا يحتقرون الشريعة. لقد فُرض التمرد إذن فرضاً على اليهود من قبل جماعة من اللصوص لم تترك إثماً دون اقترافه. أما كتابه الضخم قدَم اليهود فقد كتبه يوسيفوس (عام 93م) لأغراض إعلامية إن صح التعبير، فهو كتاب يسرد تاريخ اليهود من بدء الخليقة حتى التمرد اليهودي، يدافع فيه عن اليهود وشرائعهم وتقاليدهم بالبراهين العقلية، ويصف عاداتهم وأخلاقهم بطريقة تحبِّبها إلى النفس وتلائم فيما بينها وبين الثقافة الهيلينية المعاصرة، كما يحاول أيضاً في كتابه هذا أن يبرئ نفسه من تهمة الخيانة التي لصقت به. ويعد كتابه، بهذا، من أهم الاعتذاريات اليهودية. وكتب يوسيفوس سيرة ذاتية تُسمَّى السيرة يبدو أنها ظهرت ملحقاً لكتاب قدم اليهود. ويحاول يوسيفوس في هذا الكتاب أن يرد على أحد المؤرخين الذي اتهمه بأنه تسبب في الحرب اليهودية وأنه كان من دعاة الحرب مع روما. ومن الجدير بالذكر أن ما يذكره يوسيفوس عن دوره في الحرب في هذا الكتاب يختلف من عدة أوجه عما ذكره في كتابه السابق. وكتب كذلك الرد على أبيون وهو رد على اتهامات السفسطائي السكندري أبيون ضد اليهود. وقد وصفت الموسوعة اليهودية يوسيفوس بأنه لا يُعتَد به كمؤرخ، وأن طموحه كان أساساً طموحاً أدبياً، كما وُصفت كتبه بأنها ذات قيمة أدبية بالدرجة الأولي. ورغم كل الشكوك التي تحيط بيوسيفوس، سواء من الناحية الأخلاقية أو من الناحية النفسية أو العلمية، فإن الحركة الصهيونية قد روَّجت للقصة التي نشرها عن ماساده وعن الانتحار الجماعي لليهود، وذلك رغم أنه هو أهم مصدر لهذه القصة (ولعله المصدر الوحيد) ورغم شك كثير من العلماء اليهود وغير اليهود في صحة هذه القصة. نحمان كروكمال (1817 – 1888 ( Nahman Krochmal مؤرخ وفيلسوف روسي يهودي كان يعمل بالتجارة، ثم قرر أن يكرس حياته ليدرس تواريخ الجماعات اليهودية. وأهم كتبه دليل الحائرين في هذا الزمان. وفي هذا الكتاب، يحاول كروكمال تفسير مسار التاريخ اليهودي مستخدماً الأنماط الفكرية السائدة في الفكر الألماني المثالي، خصوصاً عند هردر. كما يظهر أيضاً تأثره بفكر فيكو، فيؤكد أن لكل شعب عبقرية روحية كامنة فيه منذ بداية تاريخه، وهي عبقرية تترك أثرها على كل منتجات هذا الشعب الفكرية والروحية، وهذه هي اللبنة الأساسية في فكرة الشعب العضوي. فما عبقرية الشعب اليهودي؟ حاول كروكمال الإجابة عن هذا السؤال مستخدماً الجدل الهيجلي، فأكد أن الأمة اليهودية ليست مثل بقية الأمم، فكل الأمم تمر بدورة نمو ثم نضوج ثم اضمحلال ثم موت نهائي، أما اليهود فلا يمرون بمثل هذه الدورة إذ أن الحياة تدب فيهم مرة أخرى بعد موتهم المؤقت ويبدأون دورة أخرى. وهذه علمنة لفكرة الشعب الأزلي (الدينية (. ويُفسِّر كروكمال مقدرة اليهود على التغلب على الموت والاضمحلال بأن لليهود روحاً سرمدية تعرف سر تَجدُّد الحياة ذاتياً. فبينما سيطر الوجود الجسدي أو الأرض القومية على الأمم الأخرى، سيطر على اليهود روح الجماعة وحدها. بل إن كروكمال يرى أن روح هيجل المطلقة ليست سوى إله يسرائيل الذي يرتبط به الشعب المقدَّس برباط وثيق. وتحقيق إرادة هذا الإله أو الروح المطلق هو بمنزلة المثل الأعلى والمصير المحتوم للشعب اليهودي. وبذا، تصبح الأمة اليهودية لا مجرد ظاهرة حضارية منعزلة عن كل الحضارات القومية الأخرى، بل على العكس تصبح وثيقة الصلة بها وتحتويها جميعاً في وحدة عضوية منسجمة. والواقع أن كروكمال، بهيجليته العضوية الواحدية، لم يبتعد كثيراً عن أحد التيارات المهمة في الفكر الديني اليهودي، أي الحلولية الواحدية. ونحن نرى، في واقع الأمر، أن الصورة المجازية الحلولية التقليدية حينما تتم علمنتها تتحول إلى صورة مجازية عضوية متطرفة. ويُعَدُّ كروكمال من أوائل المفكرين اليهود (في العصر الحديث) الذين حاولوا علمنة المفاهيم الدينية التقليدية مثل الشعب المختار. كما أنه، في دراساته، لم يعالج الدين اليهودي وحسب، بل حاول أن يربط الدين بما سماه «الشعب اليهودي» أي أنه مزج بين فلسفة التاريخ والميتافيزيقا وجعل من التاريخ (وليس النسق الديني) مركزاً للمطلقية والقداسة. وقد مهَّد بهذا لظهور الفكر الصهيوني بغيبياته العلمانية وبخلطه بين الانتماءين الديني والقومي. هاينريش جرايتز (1817 – 1891) Heinrich Graetz مؤرخ ألماني وعالم توراتي وُلد في بوزنان (مقاطعة بولندية ضُمَّت إلى ألمانيا) لوالد كان يعمل جزاراً. درس في أحد المعاهد الدينية الحاخامية، وتعلَّم الفرنسية واللاتينية بمفرده. ونظراً للتناقض بين تعليمه الديني وتعليمه العلماني، خاض أزمة عميقة لم ينقذه منها سوى قراءته لكتاب هيرش تسعة عشر خطاباً عن اليهودية. ثم كتب رسالته للدكتوراه عن الغنوصية في اليهودية. وقد فَترت العلاقة بينه وبين هيرش، وأصبح زكريا فرانكل الشخصية المؤثرة في حياته. وجرايتز مثل صموئيل لوتساتو، ومثل موسى مندلسون بدرجة أقل، يفترض وجود جانبين في الوجود اليهودي: أحدهما عالمي عام، والآخر فريد وخاص. وإذا كانت رقعة العالمي في فكر مندلسون أكبر منها في فكر لوتساتو، فهي تكاد تختفي تماماً في فكر جرايتز الذي يفترض وجود جوهر ثابت كامن في اليهودية وبالتالي في اليهود وينعكس في كل أنشطتهم. فاليهود، أينما كانوا، شعب من المشحاء (جمع «ماشيَّح» ) ، شعب على استعداد للتضحية بكل شيء ومن ذلك الحياة نفسها من أجل مهمته ورسالته. إنه شعب يعبِّر عن مفاهيم دينية وأخلاقية فريدة وخاصة (الجوهر الثابت الكامن) ، واستمراره، برغم كل المذابح التي تحاك ضده، هو معجزة البقاء الدائم. والتاريخ اليهودي هو أيضاً تجلٍّ لهذا الجوهر الثابت الكامن. وقد كتب جرايتز أهم أعماله تاريخ اليهود (1835 - 1857) ليثبت هذه الفكرة. وهو ليس تاريخاً بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما هو حشد من التفاصيل لإثبات وحدة اليهود ولإنكار وجود أية اختلافات بين أعضاء الجماعات والتواريخ المختلفة التي يتفاعلون معها. فتاريخ اليهود واليهودية جوهر متسق مع نفسه رغم كل التحولات. وتاريخ اليهود الخارجي في المنفى تاريخ معاناة مستمرة لم يعان شعب مثلها من قبل. وقد اهتم جرايتز بعلم اليهودية باعتباره العلم الذي يحاول أن يصل إلى ذلك الجوهر الكامن الثابت ليعرفه ويعرف قوانينه. ولكنه كأي مؤرخ لتواريخ الجماعات اليهودية، كان عليه أن يتوجه إلى مشكلة تنوع هذه التواريخ وعدم ترابطها وعدم تجانسها، كما كان عليه أن يتعامل مع بعض الجوانب السلبية في النسق الديني اليهودي. وقد فسر هذا باعتباره انحرافاً عن الجوهر. فاليهودية، عبر تاريخها المأساوي، قد راكمت طقوساً مركبة عديدة وعادات «بولندية» نمت كما ينمو الفطر (على حد قوله) . والحل هو التخلص من هذه العادات والطقوس والشعائر حتى يظهر الجوهر الثابت الكامن الحقيقي. ويحاول جرايتز أن يربط بين الخاص والعام وأن يحل مشكلة الخصوصية اليهودية والانتماء الإنساني العام، فيذهب إلى استحالة التمييز بين اليهودية واليهود. فاليهودية ليست مسألة إيمان بنسق ديني منفصل عن ذات الإنسان يخضع له الفرد ويحكم على أفعاله وأفعال الآخرين بتطبيق أحكامه ومعاييره، إنما هي مسألة هوية وتلاحم عضوي وممارسة تاريخية وروح شعبية، الأمر الذي ينقل القداسة من النسق الديني إلى أفعال اليهود ذاتها. ولذا، يعادل جرايتز بين اليهودية والتاريخ اليهودي من جهة واليهود أنفسهم من جهة أخرى، فيرى أن العقيدة اليهودية نسق سياسي ديني فريد، روحه التوراة وجسده الأرض المقدَّسة والشعب اليهودي. وهنا يشير جرايتز إلى أن الشعب اليهودي في منزلة المركز للتاريخ العالمي. ولكن الجنس البشري لا يحتاج إلى فكرة اليهودية المجردة، وإنما يحتاج بالدرجة الأولى إلى هذا الشعب اليهودي المشيحاني الذي لا تُهزَم روحه والذي يُجسِّد بشكل متعيِّن ومحسوس روح اليهودية وجوهرها الثابت الكامن. وبالتالي، تصبح أكبر خدمة يسديها اليهود للعالم هي التمسك بهويتهم المتعينة والحفاظ على تفردهم الذي يترجمون من خلاله الفكرة العامة إلى واقع محسوس. ومن ثم، تصبح اليهودية ديناً عالمياً، لا بالرغم من أنها دين قومي وإنما بسبب ذلك. ويُلاحَظ أن الحل هنا لا يختلف كثيراً عن حل مندلسون ولوتساتو، كما يُلاحَظ أن فكرة الشعب اليهودي كمركز للكون، وباعتبار أن أفراده مشحاء مخلِّصون وأن الخلاص لا يمكن أن يتم بدونهم فكرة أساسية في تراث القبَّالاه، سيطرت على رؤية كثير من المفكرين اليهود في القرن التاسع عشر، مع العلم بأن جرايتز ما كان يكن كثيراً من الاحترام للقبَّالاه أو للحسيديين. ونحن نرى أن كل ما فعله جرايتز هو علمنة المفاهيم الدينية التقليدية واستخدام رؤية عضوية حديثة لا تختلف كثيراً عن الرؤية الحلولية الكمونية التقليدية. فالرؤية العضوية ترى كل شيء وهو ينمو من الداخل بدون حاجة إلى قوة خارجية، والرؤية الحلولية هي الأخرى تجعل المطلق يحل في النسبي وبالتالي يصبح لا حاجة له بقوة خارجية. وقد اتبع جرايتز، في ذلك، الخطاب العلماني العضوي في الغرب، خصوصاً في ألمانيا، والذي نبتت منه فكرة الشعب العضوي (فولك) والفكر الهيجلي بتركيزه على الفكرة المطلقة الكامنة التي تدفع التاريخ البشري إلى الأمام. وانطلاقاً من مواقفه هذه، اتخذ جرايتز موقفاً معارضاً لليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية. فكان يرى أن الإصلاحيين في واقع الأمر أعداء لليهود واليهودية، فهم سيمزقون وحدة الشعب العضوي وسيقللون من تميُّزه وتفرُّده الأمر الذي سيؤدي في نهاية الأمر إلى اندماجه. ولكن جرايتز كان مختلفاً أيضاً عن الأرثوذكس فرفض الإيمان بأن اليهودية مسألة طاعة الإله، كما رفض أن يقبل الشولحان عاروخ باعتباره الشريعة التي لا تتغيَّر. ويقترب جرايتز في أفكاره كثيراً من أفكار اليهودية المحافظة التي رأت أن القداسة في اليهودية لا توجد في الكتب المقدَّسة وإنما في الشعب اليهودي ذاته وفي تراثه أو موروثه الشعبي، وهذا جوهر الصهيونية أيضاً. ولذا، لا غرو أن أفكار جرايتز صهيونية في مبناها ومعناها، فرؤيته لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» هي اللبنة الأساسية في الفكرة الصهيونية. ولكن ما يجدر ذكره أنه، على الرغم من بنية أفكاره الصهيونية، لم ينضم للحركة الصهيونية ذاتها، إذ رفض الانضمام إلى جماعة أحباء صهيون. وقد اشترك في جهود الأليانس الإنقاذية والتوطينية، وكان عضو لجنتها المركزية. ولكن يظل التاريخ الذي كتبه والرؤية الصهيونية التي يجسدها هي المحك الأساسي الحقيقي. وغني عن القول أن رؤية جرايتز عضوية متطرفة، وأنها تنطلق من الفكرة التي سميناها «الشعب العضوي المنبوذ» . وقد بيَّن المؤرخ الألماني هاينريش فون ترايتشكه، وهو من أهم دعاة القومية الألمانية العضوية، أن أفكار جرايتز تعني أن يهود ألمانيا لا يمكنهم الاندماج في وطنهم، ولهذا السبب تصدى كثير من يهود ألمانيا المندمجين لأفكار جرايتز. وقد أثرت رؤية جرايتز في كل الأجيال التي تلته بحيث دوِّنت تواريخ الجماعات اليهودية وكأنها تاريخ أفكار دينية أو تاريخ يهودي مطلق متكامل لا علاقة له بما يدور حوله، وكأن القوى الدافعة لأعضاء الجماعات اليهودية هي يهوديتهم وحسب وليس ما يحيط بهم من ظروف. وقد وُجِّهت انتقادات عديدة لتاريخ جرايتز، فقد أشار إليه هيرش باعتباره فانتازيا تتكون من توليفات سطحية. أما جايجر، فقد قال عنه «إنه قصص وليس تاريخاً» . ولم يوافق الكثير من المعلقين على عملية تبسيط التاريخ بحيث يعبِّر عن مبدأ واحد أو فكرة واحدة: تاريخ الروح والمعاناة اليهودية. كما بيَّن نقاده أحاديته وسطحيته وأخطاءه وبينوا أن منهجه القومي ذاته هو الذي يؤدي إلى معظم هذه الأخطاء. وإلى جانب هذا، هناك فراغات كثيرة في تاريخه، فهو لم يكن مهتماً بتاريخ يهود روسيا وبولندا وتركيا، أي تاريخ أغلبية يهود العالم الساحقة، بل إن احتقاره كيهودي ألماني ليهود بولندا كان يقترب من الكره العميق لهم، فكان يشير إليهم باعتبارهم «التلموديين البولنديين المتحجرين» ، وكان يشير إلى اليديشية باعتبارها «رطانة كريهة» . وهو لم يهتم بالجوانب السياسية والقانونية للتاريخ، كما لم يكن يستخدم مثل هذه العناصر إلا خلفيةً لوصف عذاب اليهود أو لإنجازات الشخصيات البطولية منهم. وقد وُصف تاريخه بأنه «قصة بطولية» أو «سيرة شعبية» أكثر من كونه تاريخاً حقيقياً. وقد تُرجم هذا التاريخ إلى عدة لغات من بينها الفرنسية والبولندية والروسية والمجرية واليديشية والعبرية. أرنولد توينبي (1889 – 1975) Arnold Toynbee واحد من أشهر مؤرخي العصر الحديث. قدم في دراساته التاريخية رؤية متوازنة لتطور الإنسان من خلال الحضارات العالمية المختلفة دون أن يعطي الغرب مركزية خاصة كما اعتاد معظم المؤرخين الغربيين. وهو لا يجعل من الدولة القومية وحدته التحليلية، فهو يرى العالم من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة. ومن الموضوعات الأساسية التي يتناولها في كتاباته، التناقض الأساسي بين التقدم التكنولوجي الذي أحرزه الإنسان من ناحية وعدم كفايته الأخلاقية والمعنوية من ناحية أخرى. وقد أصبحت هذه القضية أكثر محورية عن ذي قبل بعد أن اكتسب الإنسان القدرة على تحطيم البيئة كلها وكل أشكال الحياة التي عليها. ويصف توينبي نفسه بأنه لا أدريٌّ مؤمن، فهو يؤمن بوجود قوة خارقة وراء الطبيعة ليس بإمكاننا إدراك كنهها ولذلك يصعب على الإنسان أن يؤمن بدين محدَّد. ولهذا، فإن كل الأديان متساوية من وجهة نظره. ويرى توينبي أن خطيئة الغرب الكبرى هي عبادة الذات (توثين الذات) . فالكنيسة المسيحية منغلقة على نفسها، غير متسامحة تستبعد الآخرين، وهي التي تحولت بمرور الوقت إلى القومية الضيقة كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغيرهما من الدول. هذا على خلاف الدولة العثمانية، على سبيل المثال، حيث ضمت عدداً هائلاً من الجنسيات والأديان، وتمكنت من أن تخلق لهم إطاراً يتعايشون داخله في سلام لعدة قرون. كما أن الحضارة الغربية، بعد أن أدارت ظهرها للإله الواحد المتسامي، استسلمت تماماً لإله المال (مامون) ، وكرست كل قواها لتحسين وسائل تراكم الثروة والوصول إلى أعلى درجات الكفاية العقلانية النفعية في الغرب الرأسمالي. أما في الغرب الشيوعي، فإن توينبي يرى أن الشيوعية والاشتراكية نسخة من الأفكار الأخروية الرؤياوية (الإسكاتولوجية والأبوكاليبسية) اليهودية. لكن الرؤية الأخروية الاشتراكية ستتحقق عن طريق تفجرات اجتماعية وثورية لا عن طريق تدخُّل الإله كما هو الحال في الرؤية اليهودية التقليدية. ويرى توينبي أن الغرب قد تطوَّر بهذا الشكل بسبب العلاقة الوطيدة بينه وبين اليهودية. بل إنه، أكثر من ذلك، يرى أن الغرب ككل قد تم تهويده بالتدريج. ومعنى هذا أنه تبنَّى الرؤية اليهودية للكون. ويرى توينبي أن الفكرة اليهودية الخاصة بالشعب المختار من أهم المؤثرات في الحضارة الغربية. فالمجتمع العبراني القديم كان منغلقاً هامشياً داخل الحضارة السريانية الأوسع. وقد أصبح يهوه الغيور إله هذا المجتمع. وبسبب الانغلاق القَبَلي لهذه الحضارة على نفسها، أخفقت اليهودية في أن تنتهز الفرصة التي سنحت لها بظهور المسيحية حتى تتحول إلى ديانة عالمية. ولكن، بدلاً من ذلك، وقع التمرد اليهودي ضد الرومان. وعندما أُخمد هذا التمرد، انتهى دور اليهودية تماماً وأصبحت حفرية جامدة ميتة. وقد كانت استجابة اليهود الوحيدة لتحدي النفي والاضطهاد هو الإبقاء على الانغلاق وعلى الإطار الشعائري المركب الذي يكرسه. وفي نهاية الأمر، انعكست هذه العملية التاريخية الطويلة في تَفجُّر آخر للعجرفة القبلية عبَّر عن نفسه في الصهيونية. فاليهود بدلاً من أن يركزوا آمالهم في الخلاص الإلهي، هاجموا الفلسطينيين العرب وطردوهم من ديارهم وأقاموا دويلة صغيرة هي قلعة عسكرية وتَجمُّع لرعاة البقر. وسواء أكانت اليهودية السبب في انحراف الحضارة الغربية نحو الغزو والقتل والانغلاق والإمبريالية أم لا، فإن توينبي يبين أن ثمة تماثلاً بنيوياً عميقاً بين البنية الأساسية لليهودية (الشعب المختار، والإله الغيور، والانغلاق، والرؤى الأخروية، وهو ما نسميه الحلولية اليهودية في مصطلحنا) وبين كثير من الظواهر الدينية والسياسية والاجتماعية في الحضارة الغربية. وقد قامت مناظرات عديدة بين توينبي وبعض ممثلي الصهيونية. وأهم مؤلفات توينبي كتاب دراسة في التاريخ المكون من أحد عشر جزءاً، وآخر مؤلفاته هو الجنس البشري وأمنا الأرض. سالو بارون (1895 – 1990 ( Salo Baron مؤرخ أمريكي يهودي وُلد في جاليشيا ونشأ وتعلَّم في فيينا. تم ترسيمه حاخاماً عام 1920، ولكنه لم يمارس المهنة قط. وقد قام سالو بتدريس التاريخ في الفترة 1919 ـ 1926. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث قام بالتدريس في جامعة كولومبيا. ومن أهم كتبه تاريخ اليهود الاجتماعي والديني (1952 ـ 1969) ، وقد بيَّن في هذا الكتاب (الذي يتكون من تسعة عشر جزءاً) أثر البيئات المختلفة في الجماعات اليهودية بدلاً من الانشغال برصد عدد المذابح وكمية العذاب الذي يحيق باليهود كعادة بعض مؤرخي الجماعات اليهودية. وقد أكد سالو أهمية القوى الاجتماعية. ومن أهم أعماله الأخرى: الجماعة اليهودية (ثلاثة أجزاء) (1942) ، والقومية الحديثة والدين (1947) ، ويهود الولايات المتحدة (1790 ـ 1840) ، وتاريخ وثائقي (ثلاثة أجزاء) (1963) ، ويهود روسيا تحت حكم القياصرة والسوفييت (1964 (. تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية History of the Hebrews, and Histories of the Jewish Communities نستخدم عبارة «تاريخ العبرانيين» و «تواريخ الجماعات اليهودية» للإشارة إلي التواريخ الدنيوية والإنسانية للعبرانيين والجماعات اليهودية، بدلاً من مصطلح «التاريخ اليهودي» . وهذه التواريخ تختلف عن تاريخ العقيدة اليهودية بكل مدارسها واتجاهاتها وشيعها وفرقها، كما أنها ليست ذات علاقة كبيرة بالتاريخ المقدَّس أو التوراتي. وسنحاول تقديم مخطَّط عام يتسم بشيء من التبسيط والتجريد لتواريخ الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. وبإمكان القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة للاستزادة. وقد استبعدنا كثيراً من الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود كايفنج في الصين، ويهود الخزر، وغيرهم من الجماعات، وذلك من أجل التبسيط (كما هو الحال دائماً مع أي مخطَّط تاريخي موجز) . هذا رغم أن تواريخ هذه الجماعات يدعم وجهة نظرنا الرافضة لفكرة التاريخ اليهودي المُوحَّد. وفي المخطَّط المقترح، نؤكد في تواريخ الجماعات تلك العناصر التي تُفسِّر ظهور المسألة اليهودية في شرق أوربا أو ظهور الحركة الصهيونية أو المُستوطَن الصهيوني. ويعود هذا إلى أسباب عديدة من بينها أن الصهيونية والمستوطَن الصهيوني قد نجحا في فرض وجودهما بحيث أصبحا الحقيقة الأساسية والمحورية بالنسبة لكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وينطبق هذا على مؤيدي الصهيونية انطباقه على مناهضيها. ويحاول هذا المخطَّط أن يبتعد عن المصطلحات الدينية أو العقائدية، مثل «ما قبل سقوط الهيكل» ، إما باستبعادها أو باستبدال مصطلحات أكثر حياداً بها أو بوضعها داخل إطار التاريخ العالمي. ولكننا، على أية حال، لم نستبعد الدين باعتباره أحد الأبعاد المهمة للتجارب التاريخية لأعضاء الجماعات. وقد تم تقسيم هذه التواريخ إلى قسمين أساسيين (تاريخ العبرانيين ـ وتواريخ الجماعات اليهودية) ، ثم تم تقسيم كل قسم إلى عدة مراحل وقُسِّمت بعض المراحل إلى عدة فترات: أولاً: تاريخ العبرانيين (جماعة يسرائيل) : 1 ـ المرحلة السامية السديمية: وهي المرحلة التي شهدت الهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية أو صحراء الشام إلى بلاد الرافدين والشام، ويمكن تقسيمها إلى: أ) فترة الآباء (2100 ـ 1200 ق. م) : هجرة إبراهيم (1996 أو 1800 ق. م) إلى فلسطين، ثم هجرة يعقوب ثم يوسف إلى مصر عام 1720 ق. م. ولا يُعرَف سوى القليل عن التنظيم الاجتماعي والسياسي للعبرانيين في هذه الفترة، أو عن إنجازاتهم الحضارية إن وجدت. ومع هذا، يبدو أنهم كانوا من البدو الرُحل الذين يعيشون على أطراف المدن ويتنقلون على الطرق الأساسية للتجارة. وأكثر الظن أن قياداتهم السياسية كانت بدوية هي الأخرى، كما أن عباداتهم لم تكن تختلف كثيراً عن العبادات السامية المنتشرة في منطقة الشرق الأدنى القديم حيث يرتبط الإله بالقوم الذين يعبدونه ويكون مقصوراً عليهم. ونحن نشير إلى اليهودية في هذه المرحلة بعبارة «عبادة يسرائيل» التي تطورت لتصبح «العبادة القربانية المركزية» مع تأسيس هيكل سليمان، ولهذا فإننا نشير إلى العبرانيين من حيث كونهم جماعة دينية، بمصطلح «جماعة يسرائيل» ) . ب) فترة القضاة: وتبدأ بخروج موسى من مصر أمام جيش فرعون عام 1275 ق. م ووصوله إلى سيناء. ثم يأتي بعد ذلك التسلل العبراني إلى كنعان (1250 - 1200 ق. م) تحت قيادة يوشع بن نون ومحاولة الاستيطان فيها، والحرب ضد الفلستيين الذين حققوا نصرهم على العبرانيين عام 1050 ق. م، ثم انسحبوا بالتدريج واقتصروا على ساحل فلسطين الغربي. ولقد كانت القيادة السياسية في هذه الفترة قَبَلية تظهر عند الحاجة إليها وحسب. وكانت أواصر التضامن بين العبرانيين واهية حيث كانوا لا يزالون مجموعة من القبائل. ولا يمكن الحديث عن أية منجزات حضارية عبرانية مستقلة في تلك الفترة. وقد ظهرت عبادة يهوه أثناء فترة سيناء. ولكن العبرانيين تأثروا، بعد دخولهم إلى كنعان بالعبادات الكنعانية المختلفة، فعبدوا آلهه كنعان نظراً لاندماجهم بالسكان. ولا توجد مصادر كافية عن هذه المرحلة السديمية، بل يقترب فيها التاريخ من الأسطورة، فيلجأ المؤرخون إلى الحدس والتخمين كما هو الحال مع مشكلة الخابيرو. وقبل أن ننتقل إلى المراحل التالية، مثل مرحلة الإمبراطوريات وغيرها، يجب أن ننبه إلى أن هذه المرحلة جزء من كلٍّ أكبر سنطلق عليه المرحلة التقليدية وهي التي استمرت حتى الثورة الصناعية والإعتاق والانعتاق. والواقع أن المجتمعات التقليدية كانت تتسم بلامركزيتها الإدارية المتفاوتة، ويُلاحَظ في الوقت نفسه أن النخبة الحاكمة كانت تعتمد في إدارة المناطق التابعة لها على إدارات محلية بحيث تصبح لكل طائفة دينية أو إثنية أو لكل إقليم إدارته شبه المستقلة. كما أن حكومات المجتمعات التقليدية لم تكن تبحث عن الولاء الكامل والانتماء المطلق على طريقة الدولة القومية الحديثة، إذ كان يكفيها أن تدفع الشعوب والأقليات والأقاليم التابعة لها الضرائب، التعبير الواضح عن التبعية وثمرته الحقيقية. وقد كانت الإدارات المحلية هي التي تقوم بهذه الوظيفة نيابة عن الإدارة العليا ولصالحها. وقد أدَّى ذلك إلى احتفاظ كل الطوائف بهويتها متمثلة في كتبها المقدَّسة ورموزها ومحاكمها، إذ أن السلطات المركزية كانت عادةً تشجع هذه الهوية وتحافظ عليها لأنها تُيسِّر لها تسيير دفة الحكم. وقد استمر هذا الإطار الإداري سائداً في العالم بدرجات متفاوتة حتى القرن التاسع عشر حين انفجرت الثورة الصناعية الرأسمالية وظهرت الحكومات القومية التي كانت تتسم بالمركزية والهيمنة على السوق المحلية والتي طلبت من الجميع الولاء لها وحدها. ومن هذه النقطة بدأت التجارب التاريخية للجماعات اليهودية في الغرب، ثم في بقية العالم، تأخذ شكلاً جديداً، كما بدأ أعضاء الجماعات اليهودية يواجهون مشاكل من نوع جديد لم يواجهوها من قبل، مثل الاندماج والزواج المُختلَط، أو لعلهم لم يواجهوها بنفس الحدة والكثرة. ولذا، يمكننا أن نتجاوز التقسيمات التاريخية المقترحة كافة ونتحدث عن إطارين أساسيين هما: ما قبل الثورة الصناعية وما بعد الثورة الصناعية، مع العلم بأن كثيراً من المؤرخين يتبعون هذا الرأي. 2 ـ مرحلة الإمبراطوريات القديمة (آشور، بابل، الفرس، اليونان، الرومان) والاستقلال الذاتي المحدود للشعوب. ويمكن تقسيمها بدورها إلى الفترات التالية: أ) الفترة الآشورية والبابلية والمصرية: وتضم عهد الملوك (1020 ـ 586 ق. م) ابتداءً من داود وسليمان، ثم انقسام المملكة العبرانية المتحدة، وانتهاءً بالتهجير الآشوري والبابلي. وتمثلت القيادة السياسية في تلك الفترة في الملك (الكاهن الأعظم) يسانده الكهنة وقواد الجيش، كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم والحلوليات الوثنية. ومع هذا، لم تكن المؤسسة الملكية مستقرة بسبب قوة النزاعات القَبَلية. وقد يكون من الأفضل الحديث عن اتحاد القبائل في المملكة المتحدة، فأكبر دليل على أن النزعة القَبَلية كانت في حالة كمون وحسب أثناء حكم داود وسليمان هو ظهورها بعد موت سليمان مباشرةً، الأمر الذي أدَّى إلى انحلال المملكة المتحدة ثم حدوث التناحر بين الدويلتين العبرانيتين، وهو التناحر الذي لم ينته إلا مع التهجير الآشوري ثم البابلي. وكانت منجزات العبرانيين الحضارية في ذلك الوقت ضعيفة ومتأثرة بمن حولهم. وينحصر هذا الإنجاز في العهد القديم المتأثر بالنصوص والتشريعات في الشرق الأدنى القديم. وبظهور الأنبياء، يبدأ التوتر الذي يسم تاريخ العبرانيين بين التوجه الديني العالمي والتوجه الإثني المحلي للإله، إذ يقف معظم الأنبياء إلى جانب عبادة يهوه والتوحيد ويتبنون نزعة عالمية أخلاقية تساوي بين العبرانيين والأقوام كافة. ولم تكن هناك هجرة تُذكَر بين صفوف العبرانيين رغم أن بعض الملوك العبرانيين كانوا يبادلون ملوك مصر فيعطونهم المحاربين المرتزقة من اليهود نظير الحصول على أحصنة. وكان هؤلاء المرتزقة يوطَّنون جزيرة إلفنتاين على حدود مصر الجنوبية، وبذا تكون حامية إلفنتاين أول دياسبورا يهودية أو أول انتشار لليهود خارج فلسطين بعد التسلل الكنعاني، وكذلك أول جماعة وظيفية يهودية. ب) الفترة الفارسية والهيلينية والرومانية (538 ـ 135 ق. م) : وتبدأ بسماح قورش للعبرانيين بالاستقرار في فلسطين تحت الحكم الفارسي. وقد استمرت الفترة الفارسية حتى عام 333 ق. م، حين فتح الإسكندر الأكبر فلسطين، وأخضعها لحكم الهيلينيين. ومن الممكن أن نقول إن العبرانيين أصبحوا بالتدريج عبرانيين يهوداً ثم أصبحوا يهوداً فقط مع نهاية هذه الفترة. وتبسيطاً للأمور، سنشير إليهم بلفظ الجماعات اليهودية. وقد شهدت هذه الفترة التمرد الحشموني عام 168 ق. م، ثم استيلاء الحشمونيين على القدس وظهور الأسرة الحشمونية، إلى أن ظهرت القوة الإمبراطورية الرومانية التي سمحت للأسرة الحشمونية بحكم فلسطين تحت رعايتها في عام 67 ق. م. وقد انتهت أشكال الإدارة الذاتية بعد أن أُخمد التمرد اليهودي ضد الرومان الذين هدموا الهيكل عام 70م وحكموا فلسطين بصورة مباشرة. وكانت القيادة المحلية في تلك المرحلة تتركز أساساً في كهنوت الهيكل والأرستقراطية اليهودية في فلسطين مثل الحشمونيين ثم الهيروديين. أما في بابل، فكان يترأس الجماعة اليهودية رأس الجالوت وتسانده طبقة الفقهاء والأثرياء. واقتصر اليهود على تصريف أمورهم الدينية، وكذلك بعض الأمور الدنيوية المحلية ذات الطابع الإداري مثل جمع الضرائب وفض المنازعات التي قد تنشأ فيما بينهم. أما السلطة السياسية فكانت في يد القوة الإمبراطورية الحاكمة. ويمكن استثناء فترة حكم الحشمونيين من هذا النمط، فبعد التمرد الحشموني قام الحشمونيون في الفترة 142 ـ 67 ق. م بتأسيس دولة تتسم بالاستقلال السياسي النسبي عن الإمبرطورية الهيلينية وإن كانت هيلينية من الناحية الحضارية. أما حكم الهيروديين فكان حكماً تابعاً للرومان، وكان لقب «دوكس» ، أي ملك روماني، الذي كان يحمله الهيروديون لقباً شرفياً وحسب. وبعد هدم الهيكل، بدأ أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك) ، وهو قائد ديني ذو صلاحيات دنيوية محدودة، يترأس اليهود. وحتى هذه الفترة، كان اليهود شعباً ينتمي إلى الشرق الأدنى القديم، ذا سمات إثنية محددة، ولم تكن الديانة اليهودية قد انفصلت كلية عن المكان (فلسطين) أو عن العبادة القربانية (الهيكل) أو عن الانتماء الإثني (جماعة قومية تتحدث العبرية ثم الآرامية تعي نفسها في مواجهة الآخرين) . وقد ظهرت في هذه الفترة طائفة السامريين وهي أول حركة يهودية انفصلت عن التيار الأساسي. كما يُلاحَظ أيضاً، في هذه الفترة، ظهور التحولات التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تَحوُّل العبرانيين إلى عبرانيين يهود ثم إلى يهود أو جماعات يهودية منتشرة في العالم تضطلع بدور الجماعة الوظيفية. فعلى سبيل المثال، ظهرت الجماعة اليهودية القوية في بابل، التي أصبح لها تراثها الديني المستقل ومعاهدها الدينية، واضطلع بعض أعضائها بوظائف التجارة والربا وجمع الضرائب. ثم ظهرت، بعد ذلك، الجماعات اليهودية المختلفة المنتشرة في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل الإسكندرية، وكانت جماعات وظيفية قتالية واستيطانية ومالية. وكان لكل جماعة مراكزها ومؤسساتها الدينية القوية المحلية التي كانت تمثل نقاطاً تجذب بعيداً عن الهيكل. بل إن اليهود فقدوا، مع نهاية هذه الفترة، مقوماتهم الإثنية أو ما بقي منها، فلم يكن يهود الإسكندرية يعرفون سوى اليونانية. ومع القرن الأول المسيحي (قبل هدم الهيكل) ، كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من عددهم داخلها. ولا يمكن بطبيعة الحال الحديث عن إنجاز حضاري يهودي مستقل في تلك المرحلة، فكتابات فيلون هي نتاج التراث الهيليني ولم يكن لها تأثير يُذكَر في التطور اللاحق لليهودية، وكذلك تواريخ يوسيفوس. أما من ناحية الفنون، فلا توجد إنجازات معمارية تشكيلية ذات أهمية تُذكَر. ثانياً: تواريخ الجماعات اليهودية: مع انتهاء المرحلتين السابقتين، يمكننا أن نُسقط تماماً مصطلح «تاريخ العبرانيين» أو «تاريخ العبرانيين اليهود» ، ليحل محله مصطلح «تواريخ الجماعات اليهودية» ، إذ يصبح الحديث عن اليهود بشكل عام داخل إطار تاريخي موحَّد أمراً مستحيلاً. فبعد أن اكتسبت الجماعات اليهودية المختلفة استقلالها الثقافي عن مركز عبراني موحد، أصبح لكل جماعة يهودية ظروفها التاريخية وحركيتها المستقلة عن ظروف وحركيات الجماعات الأخرى، ولا يمكن فهم سلوكها ومصيرها إلا في إطار تاريخ المجتمع الذي تنتمي إليه. وبدأت تظهر أشكال جديدة من القيادة السياسية لتحل محل كهنوت الهيكل والأرستقراطية الحشمونية واليهودية، فقد استمر أمير اليهود (ناسي ـ بطريرك) تحت حكم الرومان، ورأس الجالوت تحت حكم الفرس، في إدارة شئون الجماعة اليهودية، كلٌّ في بلده، بالنيابة عن السلطة الحاكمة. وقد ادَّعى بعضهم أنهم من نسل داود، ليكتسب قدراً من الشرعية، ولكن هذه الشرعية ظلت شرعية دينية رمزية لا تحمل أي مضمون سياسي. وقد واكب هذا ظهور اليهودية الفريسية التي حاولت أن تطرح صيغة جديدة لليهودية تفصل الدين عن الدولة أو عن القومية، كما تفصله أيضاً عن المكان (الهيكل) ، ولا تفصله عن الإثنية. وقد انعكس هذا الاتجاه في الاهتمام بتدوين المشناه وفي البدء بكتابة الجماراه (وهما القسمان المكونان للتلمود) . كما يتضح هذا الاتجاه في ظهور المعابد اليهودية المستقلة عن الهيكل والعبادة القربانية. ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في معظم أنحاء العالم إلى مراحل تاريخية تنقسم كل منها بدورها جغرافياً إلى مناطق، وتاريخياً إلى فترات: 1 ـ مرحلة العصور الوسطى في الغرب ومرحلة العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) حتى القرن الخامس عشر: بتحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية في القرن الرابع، وبعد بعث الزرادشتية في الإمبراطورية الفارسية في القرن الثاني والتي حل الإسلام محلها، وجد اليهود أنفسهم جماعات دينية إثنية في بلاد تحكمها حكومات تستمد شرعيتها من ديانات متعارضة مع اليهودية. وتولت القيادات الدينية قيادة اليهود، بالاشتراك مع الأثرياء منهم، فكانت هذه النخبة تضطلع بأعباء دنيوية ودينية مختلفة، شأنها في ذلك شأن أعضاء الطوائف والجماعات الأخرى غير اليهودية. وقد تَحدَّد وضع اليهود في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط يعملون أساساً بالتجارة والربا. أما في العصر الإسلامي الأول، فقد كان اليهود أهل ذمة يعملون بالتجارة وبوظائف أخرى عديدة. ومعنى هذا أن الجماعات اليهودية تحولت إلى جماعات وظيفية. ولكن، نظراً لوجود طبقة مهمة من التجار المسلمين، لم يكتسب اليهود القدر نفسه من التميز الوظيفي الذي اكتسبوه في الغرب. كما أن يهود العالم الإسلامي كانوا يتَّسمون بقسط كبير من التجانس والوحدة استمدوهما من وحدة الحضارة الإسلامية في عصرها الأول. وهذا على خلاف الجماعات اليهودية في الغرب، حيث كانت تتسم بالاختلاف وعدم التجانس بسبب انقسام أوربا في العصر الوسيط إلى وحدات إقطاعية متنافرة مختلفة. وشهدت هذه المرحلة سيطرة التلمود بصفته كتاباً مقدَّساً لدى اليهود يفوق في أهميته التوراة ذاتها. كما بدأت تظهر الحركات والكتب الصوفية الحلولية الكمونية التي استشرت بين اليهود في مرحلة لاحقة. وشهد العالم الإسلامي ظهور أول حركات الاحتجاج على اليهودية الحاخامية وهي حركة القرّائين. ويتلخص الإسهام الحضاري للجماعات اليهودية في نقل الأفكار بصفة خاصة بين الحضارات المختلفة، وذلك من خلال أعمال الترجمة. أما كتابات مؤلفين مثل راشي وموسى بن ميمون، فهي إسهامات يهودية لتطوير الفكر الديني اليهودي، وليس لها ثقل كبير في التراث الثقافي العالمي في عصرهما. ويُلاحَظ أن نمط انتشار اليهود في هذه المرحلة كان الهجرة من بلاد غرب أوربا ووسطها إلى شرقها، أي من البلاد المتقدمة نوعاً إلى البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية. وقد انتهت هذه المرحلة بطرد يهود إسبانيا (المارانو) الذين انتشروا في مدن البحر الأبيض المتوسط والدولة العثمانية. 2 ـ بعد القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر، عصر النهضة والاستنارة في الغرب والعثمانيين في الشرق: ظل وضع الجماعات اليهودية كما كان عليه دون تغيير كبير رغم التطورات الجوهرية التي دخلت في تلك المرحلة على المجتمعات الوسيطة في الغرب والمجتمعات الإسلامية في الشرق. ومع هذا، يجب أن نميِّز بين اليهود الإشكناز واليهود السفارد. ففي هذه المرحلة، تَمركز الإشكناز في منطقة الحدود (أوكرانيا) بين بولندا وروسيا القيصرية، وكانت تابعة آنذاك لبولندا. وقد لعبوا دور الجماعة الوظيفية التجارية في مجتمع متخلف اقتصادياً. أما السفارد (المارانو) ، فقد استقروا في بلاد مثل هولندا وإنجلترا وجنوب فرنسا، وهي بلاد كانت قد خاضت ثورتها التجارية فأصبحت على عتبات الثورة الصناعية بنهاية هذه المرحلة. كما أنهم كانوا، بسبب خلفيتهم الثقافية المتميِّزة، قادرين على أن يلعبوا دوراً تجارياً مصرفياً نشيطاً في مجتمعات متقدمة اقتصادياً استفادت من خبرتهم ومن اتصالاتهم الدولية ولم تفرض عليهم تميزاً وظيفياً اقتصادياً كبيراً. ولذا، فقد شارك السفارد في تَطوُّر مجتمعاتهم ولم يسقطوا ضحية التحولات الاقتصادية، كما اشتركوا في الاستيطان في العالم الجديد، وقد ظهرت فئة يهود البلاط في هذه المرحلة. ويُلاحَظ أن قيادة اليهود في هذه المرحلة، في غرب أوربا ووسطها، بدأت تسيطر عليها العناصر التجارية المالية، وبدأت العناصر الدينية تحتل مرتبة أقل أهمية. أما الإشكناز الموجودون حينذاك في مسام المجتمع البولندي، فقد قبعوا داخل الأشكال الجيتوية المختلفة مثل الشتتل والقهال، وارتبطوا بالإقطاع البولندي، وخصوصاً الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا في نظام الأرندا، وسيطرت عليهم اليهودية الحاخامية الجامدة. ولذا، فمع تَحوُّل المجتمع البولندي ثم الروسي، ومع ظهور بورجوازية محلية، وجد اليهود أنفسهم خارج العملية الانقلابية، وازداد بينهم انتشار الأفكار الصوفية الغيبية مثل الحركة الفرانكية والحسيدية، إذ كانت كتب القبَّالاه تشغل المكانة المركزية التي كان يشغلها التلمود من قبل، وخصوصاً أن قيادات اليهود في شرق أوربا ظلت متركزة أساساً في يد العناصر الدينية. وقد حدث تحوُّل جذري في هذه المرحلة، إذ زاد عدد يهود الغرب من الإشكناز بحيث أصبحوا يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم، وهذا تطور له أثره العميق في التطور اللاحق لليهود. ومن هنا، فإن تواريخ الجماعات اليهودية، بدءاً من هذه النقطة الزمنية، هي من ناحية الأساس تواريخ الجماعات اليهودية في العالم الغربي (شرق أوربا أو غربها) إذ أن يهود العالم الإسلامي تضاءلت أهميتهم وعددهم ووزنهم منذ هذا التاريخ، وفرض ذلك عليهم في نهاية الأمر مصيراً صهيونياً. شهدت هذه المرحلة ثورة شميلنكي، قائد القوزاق، وبدايات الثورة التجارية في غرب أوربا. ولذا، فقد أخذ انتشار أعضاء الجماعات شكلاً جديداً. فبدأت الهجرة من شرق أوربا إلى غربها وإلى العالم الجديد والدول الاستيطانية، وهذا هو النمط السائد حتى الوقت الحاضر. كما شهدت هذه المرحلة ظهور الحركات الشبتانية، وكذلك ظهور إسبينوزا الذي يُعَد أول مفكر يهودي بارز في الحضارة الغربية، وقد كان معاصراً لشبتاي تسفي. وبظهور إسبينوزا، بدأ البروز والتميز الفكري والحضاري لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب. ولكن إسبينوزا كان خارجاً على يهوديته، كما أن إنجازه الحضاري كان نتيجة تفاعله مع التشكيل الحضاري الغربي ورفضه التراث اليهودي الحاخامي. ويُعَدُّ ظهور إسبينوزا والشبتانية علامة على تدهور المؤسسة الحاخامية وينهض شاهداً على تَزايُد ضيق أعضاء الجماعات اليهودية بها. 3 ـ مرحلة الانقلاب الرأسمالي الليبرالي في الغرب، ابتداءً من منتصف القرن الثامن عشر في غرب أوربا، وبدايات القرن التاسع عشر في شرقها: وقد مارس المجتمع الغربي تحولات عميقة أدَّت إلى تَغيُّر بنائه الطبقي ونظمه السياسية، الأمر الذي كان له أعمق الأثر في اليهود وخلق لهم موقفاً تاريخياً مختلفاً كل الاختلاف عما ألفوه ولا مقابل له في تجاربهم التاريخية السابقة. وأصبحت قيادات اليهود جزءاً من النخبة الحاكمة تمارس صنع القرار من داخل مؤسسات المجتمع (أحزاباً وبرلمانات) وإن ظلت هناك قيادات تتحدث باسم الجماعات اليهودية. كما اضطلعت الحركة الصهيونية بمهمة القيادة في مرحلة لاحقة، أو طرحت نفسها على الأقل باعتبارها المتحدث باسم كل اليهود. ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب، في تلك المرحلة، إلى الفترتين التاليتين: 1 ـ فترة الانعتاق والاندماج والإصلاح الديني اليهودي (1800 ـ 1880) . وهي الفترة التي شهدت سقوط أسوار الجيتو والأشكال الإدارية الجيتوية مثل القهال، ومحاولة تحديث اليهود ودمجهم في المجتمعات الغربية في غرب أوربا في بداية الأمر ثم في شرقها ووسطها فيما بعد، وتصفية الدين اليهودي من الطقوس والعبادة ذات الشكل القومي المنغلق. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا وغربها لحركة الإعتاق والإصلاح والتنوير، وظهرت بينهم حركات دينية وفكرية، مثل اليهودية الإصلاحية، التي تطالب اليهودي بالتحول إلى مواطن محدد الولاء والهوية. وظهرت طبقة من كبار المموّلين اليهود في غرب أوربا وفي شرقها بدرجة أقل وقفت وراء حركة التنوير والاندماج. وقد اتجهت هجرة أعضاء الجماعات من شرق أوربا إلى غربها ووسطها، ووصلت أعداد صغيرة إلى العالم الجديد. ويُلاحَظ تَزايُد معدل علمنة اليهود في هذه الفترة، وانخراط الشباب اليهودي بأعداد متزايدة، وخصوصاً في شرق أوربا، في الحركات الثورية. وقد بدأت العناصر العلمانية أو ذات التوجه الديني الإصلاحي، تساندها بعض القطاعات البرجوازية اليهودية الكبيرة، تتولى قيادة الجماعة اليهودية في غرب أوربا ووسطها، كما بدأت قبضة القيادات الدينية تتخلخل في شرق أوربا إلى أن تراخت تماماً مع نهاية القرن. 2 ـ فترة الإمبريالية: وهي الفترة التي اقتسمت فيها دول الغرب الإمبريالية كلاًّ من آسيا وأفريقيا فيما بينها، وبدأت في تصدير مشاكلها وفائضها إليهما. ويمكن تقسيم تواريخ الجماعات اليهودية في هذه الفترة إلى ثلاثة أقسام: أ) تَزايُد علمنة أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم وإعتاقهم: ويُلاحَظ في السنوات الأولى لهذه الفترة ازدياد معدلات التحديث في غرب أوربا، وبالتالي زيادة اندماج اليهود. هذا على عكس شرق أوربا حيث تعثرت عملية التحديث. وقد صاحب ذلك انفجار سكاني هائل بين يهود شرق أوربا، فزاد عددهم إلى أكثر من خمسة أضعاف. وقد أدَّى كل ذلك إلى ظهور الصهيونية في شرق أوربا وتبنيها في غربها، كما أدَّى إلى ظهور حزب البوند وتزايد انخراط الشباب اليهودي في الحركات الثورية. وقد اتجهت الهجرة في هذه السنوات الأولى إلى العالم الجديد، حيث هاجر ملايين اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تضم أكبر جماعة يهودية في العالم. كما اتجه بضعة آلاف إلى فلسطين بعد صدور وعد بلفور. واستمرت الهجرة ضئيلة للغاية إلى أن استولى هتلر على الحكم في ألمانيا فتضاعف عدد المستوطنين. ومع حلول عام 1948، كانت الحرب العالمية الثانية، والإبادة النازية، وتَناقُص معدلات الإنجاب، قد قضت على معظم يهود أوربا. ب) إعلان الدولة الصهيونية: ويُلاحَظ أنه بعد أن آلت قيادة معظم الجماعات اليهودية في العالم إلى العناصر الثورية الاندماجية أو إلى العناصر الدينية التقليدية، تغيَّر الأمر وتولت القيادة عناصر صهيونية من شرق أوربا أساساً طرحت صيغة قومية هلامية ذات طابع ديني دون التزام بالقيم الدينية الأخلاقية والعقائدية. وقد قوبلت هذه الصيغة بمعارضة شديدة من أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا وشرقها في بادئ الأمر. ولكن الصهيونية اكتسبت الشرعية من خلال تحالفها مع القوى الإمبريالية، ومن خلال غزو الأرض الفلسطينية، ولذا أمكنها أن تطرح نفسها باعتبارها المتحدث الوحيد باسم اليهود واليهودية، وهذا هو الوضع السائد في الوقت الحالي. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات لعبوا دوراً نشيطاً ومستقلاً عن الحركة الصهيونية حتى عام 1948، لكن هذا الدور أخذ في التضاؤل بعد ذلك نتيجةً للهجمة الصهيونية ونجاحها. ويُلاحَظ هنا أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي قد سلكوا المسار نفسه بسبب قوة الصهيونية التي تلقت منذ البداية دعماً إمبريالياً كبيراً. وانتهى الأمر بتصفية الجماعات اليهودية من العالم العربي وأنحاء أخرى من العالم حتى أصبحت هناك ثلاثة تجمعات يهودية أساسية في العالم: في الولايات المتحدة وفي روسيا وأوكرانيا ثم في الدولة الصهيونية. وقد أصبح التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أكبر التجمعات اليهودية قوة وهيمنة، كما أصبحت كل جماعة يهودية تتبع الدولة التي تعيش فيها. ولكن، لم تَعُد هناك أشكال سياسية أو إدارية مستقلة مقصورة على الجماعات اليهودية كما كان الحال قبل الثورة الصناعية. لقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا السوفيتية (سابقاً) ، مثلهم مثل أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، يشاركون في الحياة السياسية والاجتماعية مشاركة كاملة من حيث هم أفراد ومواطنون، وبدون تميُّز وظيفي أو اقتصادي واضح. وتطرح المنظمة الصهيونية نفسها، وكذلك المنظمات اليهودية التابعة لها، باعتبارها المتحدث باسم الجماعات اليهودية في العالم. ومع هذا، فإن المنظمة الصهيونية لا تشكل إطاراً للعمل السياسي ليهود العالم، فنشاطها كان محرماً وضئيلاً للغاية حتى عهد قريب في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وقد نشطت قليلاً في السنوات الأخيرة قبل سقوطه، ولا نعرف الكثير عن طبيعة النشاط الصهيوني في روسيا وأوكرانيا والدول الأخرى (مثل جورجيا وكازاخستان) التي تضم جماعات يهودية كبيرة نسبياً. ولكن يُلاحَظ أن هذه الجماعات أصبحت لها حركيات مستقلة. أما في إسرائيل، فالمنظمة تابعة للدولة التي لا تسمح لها إلا برقعة صغيرة للحركة المستقلة. وفي الولايات المتحدة، تقوم المنظمة بحشد اليهود وراء سياسات إسرائيل التي لا تختلف في جوهرها عن السياسة الأمريكية. والشيء الإداري المستقل الوحيد ليهود الولايات المتحدة هو الجمعيات الخيرية المعفاة من الضرائب التي تقوم بجمع التبرعات لتمويل المؤسسات الاجتماعية التي تسد الاحتياجات الخاصة بالجماعة اليهودية، ملاجئ العجزة والمدارس الدينية وغيرها. واليهود لا يختلفون في ذلك عن الجماعات الدينية والإثنية الأخرى. أما الهجرة، فقد كادت تتوقف تماماً بعد فترة هجرة محمومة أعقبت عام 1948 من جانب بعض الأوربيين اليهود الذين لم يكن لهم مأوى بعد الحرب، وبعد هجرة آلاف اليهود من العالم العربي. لكن الهجرة تزايدت في السبعينيات، من خلال الهجرة السوفيتية التي توقفت بدورها تماماً في أواخر العقد ثم نشطت مرة أخرى عام 1989 بعد سياسة البريسترويكا وسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه. وبانتهاء هذه الموجة من الهجرة، يُتوقَّع أن تتم تصفية الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) . ويُلاحَظ أن الهجرة مازالت تجري من الدول المتخلفة نوعاً إلى البلاد الأكثر تقدماً ذات الاقتصاد الرأسمالي الحر والماضي الاستيطاني. ولذا، فإن الولايات المتحدة لا تزال أكثر الدول جاذبية بالنسبة لليهود ومنهم أعضاء التجمع الصهيوني. ويُلاحَظ تَزايُد معدلات العلمنة بشكل غير عادي بين اليهود بحيث أصبح أكثر من نصف يهود العالم، وفيهم التجمع الصهيوني، لا يؤمنون باليهودية الحاخامية التقليدية وبالتالي لا يقيمون كثيراً من الشعائر الأساسية مثل السبت وقوانين الطعام. أما النصف الآخر، فإن غالبيتهم العظمى من اليهود الإصلاحيين والمحافظين. ويشكل الأرثوذكس أقلية صغيرة للغاية لا تتجاوز 10% من يهود العالم، وهو ما نجم عنه تضاؤل دور الحاخامات في المعابد اليهودية. وقد نجحت الحركة الصهيونية في تحويل هؤلاء إلى أدوات تسخرها لمصلحتها. أما من ناحية الإبداع الحضاري، فقد حافظ أعضاء الجماعات اليهودية على تميزهم وبروزهم في العالم الغربي. ولكن لا يمكن الحديث عن إبداع حضاري يهودي مستقل، ذلك أن إسهامات يهود الولايات المتحدة الأمريكية جزء من التراث الحضاري الأمريكي. كما يظل البعد اليهودي لهذه الإسهامات سطحياً وجانبياً. جـ) أزمة الصهيونية في أواخر الستينيات: وهذه أزمة إن كتب لها الاستمرار قد تؤدي إلى تقويض سيطرة الصهيونية على الجماعات اليهودية في العالم، بحيث تكتسب هذه الجماعات شيئاً من استقلاليتها مرة أخرى، وبحيث تطرح مرة أخرى إمكانية الفصل بين الدين والقومية. وثمة تنبؤات عديدة بشأن مسار تواريخ الجماعات اليهودية، منها التنبؤ بموت الشعب اليهودي من خلال التزاوج والاندماج خارج إسرائيل ومن خلال العلمنة المتزايدة داخلها وخارجها. وهناك أيضاً التنبؤ بحدوث ازدواجية يهودية بحيث يصبح يهود الغرب يهوداً بالمعنى الديني ويصبح يهود إسرائيل يهوداً بالمعنى الإثني. ومما لا شك فيه أن تواريخ الجماعات اليهودية، نتيجة لهيمنة الصهيونية، أصبحت مرتبطة بأحداث الشرق الأوسط وبالنضال الفلسطيني ضد التجمع الصهيوني. ومن هنا تبرز أهمية الانتفاضة التي قوَّضت قدراً كبيراً من شرعية الدولة الصهيونية، ومن ثم بدأت قطاعات من يهود العالم في التحرر من قبضتها. تاريخ اليهود الاقتصادي Economic History of the Jews (Jewish Economic History) «تاريخ اليهود الاقتصادي» مصطلح يفترض أن ثمة تاريخاً اقتصادياً واحد ًيضم كل الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. ويصعب على دارسي الجماعات اليهودية أن يجدوا معالم تاريخ اقتصادي واحد يضم كلاًّ من يهود إثيوبيا (الذين يعيشون في مجتمع أفريقي قبلي بسيط) ويهود الولايات المتحدة (الذين يعيشون في مجتمع غربي رأسمالي متقدم) ويهود الهند (الذين يعيشون في مجتمع نام من مجتمعات العالم الثالث) . ولذا، فنحن نطرح مصطلح «التواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية» باعتباره أكثر تفسيرية. التواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية Economic Histories of the Jewish Communities بإمكان القارئ الذي يود أن يحيط بالتواريخ الاقتصادية للجماعات اليهودية أن يقرأ المداخل التالية، وربما بالترتيب التالي: 1 ـ الجزء الثالث من المجلد الثاني والمعنون «يهود أم جماعات يهودية وظيفية؟» ، حيث نطرح نموذج الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية. 2 ـ الجزء الأول من المجلد الثالث: أ) الأبواب المعنونة «الرأسمالية والجماعات اليهودية» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (ما عدا الولايات المتحدة) » ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ، حيث نناقش أطروحة علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بظهور الرأسمالية (الرشيدة) . ب) المدخل المعنون «الفكر الاشتراكي وموقفه من الجماعات اليهودية» ، حيث نتناول رؤية بعض المفكرين الاشتراكيين الغربيين لدور أعضاء الجماعات اليهودية. جـ) قد يكون من المفيد أيضاً قراءة المداخل التالية: «البلاشفة والجماعات اليهودية» ـ «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» . 3 ـ المجلد الرابع حيث سيجد القارئ فيه معالجة مستفيضة للدور الاقتصادي الذي لعبته كل جماعة يهودية في المجتمع الذي تنتمي إليه. فبالإمكان معرفة تاريخ يهود إنجلترا الاقتصادي بالعودة إلى الباب المعنون «إنجلترا» ، وتاريخ يهود فرنسا الاقتصادي في الباب المعنون «فرنسا» ، وهكذا. 4 ـ الجزء الأول من المجلد السابع والمعنون «الدولة الصهيونية الوظيفية» ، لمعرفة الأبعاد الاقتصادية للكيان الصهيوني. تاريخ الفكر اليهودي أو الحضارة (أو الثقافة) اليهودية Intellectual or Cultural History of the Jews (Jewish Intellectual or Cultural History) «تاريخ الفكر اليهودي» أو «التاريخ الفكري لليهود» أو «تاريخ الثقافة اليهودية» أو «تاريخ الحضارة اليهودية» ... إلخ. كلها مصطلحات تفترض أن ثمة تاريخاً واحداً لما يُسمَّى «الفكر اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» أو «الحضارة اليهودية» ، وأن هذا التاريخ يضم كل الجماعات اليهودية في العالم ويفسر وحدتهم وتنوعهم والتحولات الفكرية التي تطرأ عليهم. ومن الصعب على أي دارس أن يكتشف عناصر الوحدة بين ثقافة أعضاء الجماعات اليهودية في الصين وثقافة أعضاء الجماعة اليهودية في مصر أو في الولايات المتحدة أو في إثيوبيا. ولذا، فنحن نجد أن مصطلح «التواريخ الفكرية (أو الثقافية أو الحضارية) للجماعات اليهودية» هو مصطلح أكثر تفسيرية. التواريخ الفكرية أو الحضارية (أو الثقافية) لأعضاء الجماعات اليهودية Intellectual or Cultural Histories of the Jewish Communities للإحاطة بالتواريخ الفكرية أو الثقافية أو الحضارية لأعضاء الجماعات اليهودية، بإمكان القارئ أن يقرأ المداخل التالية، وربما بالترتيب التالي: 1 ـ المجلد الثالث، حيث نتناول جوانب مختلفة من هذه التواريخ في الأبواب الخمسة الأولى من الجزء الأول، وفي الجزء الثاني بأسره. 2 ـ المجلد الخامس، وبخاصة الباب الخامس من الجزء الأول المعنون «تاريخ الصهيونية» . وتُعدُّ الصهيونية من أهم الحركات الفكرية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوُّر التواريخ الفكرية لأعضاء الجماعات اليهودية. 3 ـ المجلد السادس، الجزء الثاني المعنون «الفرق الدينية اليهودية» حيث نتناول تطور الفكر الديني اليهودي. 4 ـ المجلد الرابع، حيث سيجد القارئ معالجة للتطور الفكري والثقافي لكل جماعة يهودية على حدة في إطار التطور الثقافي للمجتمع الذي تنتمي إليه. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم والمسألة العبرانية
International Relations in the Ancient Near East and the Hebrew Question لا يمكن فهم تاريخ العبرانيين (أو العبرانيين اليهود) الذي تمركز بشكل أو بآخر في فلسطين إلا بفهم العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم، ذلك أن أحداث تاريخ العبرانيين لم تكن سوى صدى أو رد فعل لحركيات هذه العلاقات الدولية. وثمة مشكلة أساسية كانت تواجه العبرانيين، ومن بعدهم اليهود في فلسطين، منذ بداية ظهورهم حتى تحوُّلهم إلى جماعات منتشرة في أرجاء الأرض غير مرتبطة بفلسطين إلا بالرباط الديني. وتتمثل هذه المشكلة في قلة عددهم وصغر حجمهم كتشكيل سياسي، وضآلة إسهامهم الحضاري بالقياس إلى التشكيلات الحضارية الضخمة. وقد أدَّت العناصر السابقة مجتمعة إلى عجز العبرانيين عن أن يكون لهم جيوش ضخمة مسلحة تسليحاً جيداً ويمكنها أن تدافع عن كيانهم السياسي، وفي أن تضم أراضي أخرى. ولم يمكنهم بطبيعة الحال استرقاق الشعوب الأخرى أو فتح أراضيها، إذ أن هذا يتطلب قوة عسكرية ضخمة كما يتطلب مستوى إنتاجياً متقدماً نسبياً لاستيعاب الرقيق ولتشغيلهم. بل إننا نجد أن هذا التخلف النسبي جعل الدولة العبرانية غير قادرة على استيعاب كل المصادر البشرية المحلية فتحوَّلت إلى مُصدِّر لها، ومن ثم نجد أن كثيراً من العبرانيين القدامى كانوا يعملون عبيداً وجنوداً مرتزقة للشعوب والإمبراطوريات التي قامت في المنطقة. ومما ساعد على تفاقم المشكلة أن الرقعة الجغرافية التي تمركز فيها تاريخ العبرانيين هي فلسطين، وهي نقطة إستراتيجية ذات أهمية قصوى كانت تُعَدُّ معبراً بين التشكيلات الحضارية المختلفة في الشرق الأدنى القديم، الأمر الذي جعلها وجعل سكانها عرضة للهجرات والغزوات. ولقد كان الشرق الأدنى القديم يتكون من تشكيلين حضاريين أساسيين: التشكيل الحضاري المصري، وتشكيل الرافدين. وكان ينضم إليهما أحياناً تشكيل خارجي غير محلي مثل الحيثيين. وعند تَراجُع هذه القوى العظمى، كانت تظهر قوى محلية مثل الآراميين والأنباط. وقد استمر هذا الوضع قائماً إلى أن غزا الفرس المنطقة وأصبحوا القوة العظمى فيها. وجاء بعدهم اليونانيون ثم الرومان. وحينما فتح المسلمون المنطقة، كان اليهود قد انتشروا في بقاع الأرض، ولم تكن فلسطين مركزاً لهم إلا من الناحية الدينية والمجازية. ويمكن أن ننظر إلى تاريخ العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم في هذا الإطار. فحتى بداية الألف الثانية قبل الميلاد، كان المصريون قانعين إلى حدٍّ كبير بحكم الأراضي الواقعة شمالي أول شلالات النيل، في حين كان حكام دول بلاد الرافدين يحكمون الشعوب الموجودة في منطقة دجلة والفرات. هذا لا يعني أن كلتا القوتين لم تمارس أي سلطان خارج حدودها، فحكام بلاد الرافدين هيمنوا على العيلاميين (3000 ـ 1700 ق. م) . كما أن مصر في الدولة القديمة، من الأسرة الثالثة إلى الخامسة (2895 ـ 2510 ق. م) ، وفي أيام الدولة الوسطى، أثناء حكم الأسرة الثانية عشرة (2040 ـ 1786 ق. م) ، غزت النوبة وضمتها، كما كانت تقوم بالتعدين في شبه جزيرة سيناء، وكانت ذات نفوذ واضح في فينيقيا وشمالي سوريا وفلسطين. وبعد عام 1500 ق. م، أخذ نفوذ القوتين العظميين ينحسر، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور شعوب وأقوام عديدة لكلٍّ دولته ومناطق نفوذه ومراكز السلطة والحضارة الخاصة به، فأخذت تتنافس مع حضارات الأنهار. وهذه الشعوب والأقوام هي: الحوريون والكاشيون والشعوب السامية المختلفة والحيثيون. وبعد ذلك التاريخ، تصبح الإمبراطوريات العظمى الشكل الأساسي للحكم في الشرق الأوسط. وقد ظهرت هذه الإمبراطوريات بسبب التطورات التقنية المهمة في أدوات الحرب والتخطيط العسكري، وبسبب تزايد السكان وتراكم الخبرات في عمليات الإدارة. وقد ظهر في ذلك الوقت نوع من أنواع العالمية الثقافية يتجلى في اختراع حروف الكتابة وانتشار لغات دولية مثل: الآرامية والأكادية. وظهرت العالمية أيضاً في المعتقدات الدينية سواء في عبادة آتون في مصر أو عبادة آشور في بلاد الرافدين أو يهوه عند العبرانيين، وكذلك عبادة زرادشت التوحيدية في فارس. وقد استمرت أولى مراحل الإمبراطوريات الدولية من 1500 إلى 1200 ق. م وهي الفترة التي نشب الصراع فيها بين المصريين والحيثيين على فلسطين والشام. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة ظهور الأمم الصغيرة بسبب تَحطُّم قوة الحيثيين وضعف آشور المؤقت وتقوقع مصر، وهو ما أتاح الفرصة لبعض الشعوب الصغيرة للتحرك وإنشاء دويلات. فظهر الفلستيون على ساحل كنعان، وتسلل العبرانيون وأسسوا دولتهم في المنطقة الداخلية، وأسس الفينيقيون دويلاتهم في لبنان، واستقر الآراميون في سوريا. أما المرحلة الثالثة، فتبدأ نحو عام 1100 ق. م، وتشهد ظهور القوة الآشورية، وخصوصاً في الفترة الآشورية الجديدة أو الثالثة، وعودة الدولة المصرية لتضطلع بدور إمبراطوري مرة أخرى، ثم أخيراً ظهور الدولة الفارسية التي استمرت حتى وصول الإسكندر الذي بسط نفوذه على معظم الشرق الأدنى القديم وتبعه السلوقيون فالبطالمة ثم الرومان. ووجد العبرانيون أنفسهم وسط هذه التشكيلات السياسية والحضارية العظمى والإمبراطوريات الضخمة، وحاولوا أن يتكيفوا مع هذا الوضع إما عن طريق خلق إمبراطورية صغيرة (كما هو الحال مع داود وسليمان) تملأ الفراغ المؤقت الذي خلقه انكماش الإمبراطوريات العظمى في مرحلة مؤقتة، أو عن طريق التحالف مع بعض الدويلات الصغيرة (مثل الدويلات الآرامية في الشام) لمنع تَدخُّل القوى العظمى، أو عن طريق الاعتماد على إحدى القوى العظمى كما هو الحال مع المملكتين العبرانيتين الجنوبية والشمالية. وقد ظهرت مملكة داود (1004 ـ 965 ق. م) في مرحلة ضَعُفت فيها مصر بسبب النزاعات الخارجية، وكان الحيثيون مشغولين بصد شعوب البحر، ولم تكن بابل قد صارت بعد قوة عظمى، وكانت آشور على عتبات عظمتها الإمبراطورية، فاستفاد داود من هذا الفراغ المؤقت. واستمر هذا الوضع حتى نهاية حكم سليمان. ومن القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد، لعبت آشور ثم بابل دوراً حاسماً في الشمال، ولعبت مصر دوراً مماثلاً في الجنوب. كما لعب الآراميون، كقوة عظمى محلية صغيرة، دوراً كبيراً في تحديد السياسات والتحالفات. وقد تحدَّد مصير المملكتين من خلال صراع كل هذه القوى العظمى، وهو الصراع الذي انعكس في صراع بين عدة أحزاب في المملكتين الشمالية والجنوبية، فكان ثمة حزب مصري وآخر آشوري وثالث يطالب بالتحالف مع الدويلات الآرامية. وبعد عدة محاولات، سقطت المملكة الشمالية (721 ق. م) وبعدها المملكة الجنوبية (567 ق. م) ، وتبع ذلك تهجير إلى آشور وانصهار في سكانها ثم تهجير إلى بابل أعقبته عودة بعد أن أصدر قورش الأخميني إمبراطور الفرس مرسوماً يسمح لهم بها (538 ق. م) . وسيطرت الإمبراطورية الفارسية على الشرق الأدنى القديم، وعادت جماعات من العبرانيين اليهود إلى فلسطين تحت الحكم الفارسي الذي أعقبه الحكم اليوناني (333 ق. م) . وقد تمتَّع اليهود بشيء من الاستقرار تحت حكم الدولة العظمى التي وفرت عليهم عناء الاختيار وأعفتهم من مسئولية القرار السياسي، بل تحولت طبقة كبار الكهنة والأثرياء إلى جماعة وظيفية. وانتهت هذه الفترة بانقسام إمبراطورية الإسكندر إلى عدة إمبراطوريات صغيرة أهمها البطلمية في مصر والسلوقية في سوريا اللتان تنازعتا فيما بينهما فلسطين. وكان هناك حزب بطلمي وآخر سلوقي بين اليهود. هذا إلى جانب الانقسام الأعمق بين النخبة اليهودية ذات الطابع الهيليني والجماهير اليهودية ذات الطابع السامي، وهو الانقسام الذي انعكس في التمرد الحشموني والتمردات اليهودية الأخرى ضد الرومان. وقد استفاد المتمردون الحشمونيون من الصراع بين البطالمة والسلوقيين، كما استفادوا من ظهور قوة عظمى محلية أخرى هي الأنباط فتحالفوا معهم في بداية الأمر. ورغم أن التمرد الحشموني قد حقق شيئاً من النجاح، وخصوصاً عام 161 ق. م، ضد الدولة السلوقية التي كانت قد بدأت تشعر بهجوم القوة الرومانية الصاعدة، فإن الحشمونيين كانوا يعرفون قوانين اللعبة كما كانوا يعرفون أنهم قوة صغيرة لا يمكنها أن تحقق الاستقلال لنفسها، ولذا أرسل يهودا المكابي مبعوثاً للدولة الرومانية ليعقد حلفاً مع القوة الجديدة. وقد قبل الرومان، إذ كانوا يعقدون تحالفات مع أعداء جيرانهم إلى أن يتم لهم التخلص منهم ثم يفرضون بعد ذلك هيمنتهم على الجميع. ولم يكن المجتمع اليهودي في فلسطين استثناءً من هذه القاعدة، فلقد كانت المعاهدة بين روما والدولة الحشمونية، شأنها شأن المعاهدات مع الدويلات المماثلة، تشبه معاهدات التحالف وعدم الاعتداء بين الولايات المتحدة وجرينادا أو حتى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد استمر التحالف قائماً بين الرومان والحشمونيين، وخصوصاً أن مجلس الشيوخ الروماني كان مهتماً بالحد من طموحات السلوقيين التوسعية. وقد قوى الحشمونيون علاقتهم مع الفرثيين (حكام الفرس) ، ومع البطالمة في مصر، حتى أصبحت يهودا قوة عسكرية لا بأس بها في القرن الأول قبل الميلاد. ولكن القوة الرومانية الصاعدة كانت آخذة في الاقتراب، كما أن الخلافات الداخلية كانت تعتمل داخل الدولة الحشمونية. ولذا، فقد سقطت الدولة بسهولة في يد الرومان (65 ق. م) وتحولت إلى الدولة الهيرودية التابعة. وقد تعاظمت قوة الحزب الشعبي بين اليهود أثناء حكم الأسرة الهيرودية، وكان أعضاء هذا الحزب لا يعرفون موازين القوى العظمى. ولذا، فقد تمردوا ضد الهيمنة الرومانية، فكانت النتيجة سلسلة الهزائم والانكسارات في ماسادا وغيرها، وهي الهزائم التي انتهت بهدم الهيكل ثم القدس نفسها وبتحريم اليهودية في فلسطين. ولم يكن لمشكلة العبرانيين في التاريخ القديم حل، فكان لابد أن تنتهي بهذه الطريقة، أي بخروجهم من فلسطين. ففلسطين ممر بريّ يربط آسيا بأفريقيا ومصر ببلاد الرافدين، الأمر الذي جعلها عبر التاريخ ميدان قتال دائم. وكان لابد أن تصبح فلسطين جزءاً من تشكيل حضاري كبير يعطيها هوية محددة حتى يصبح العنصر السكاني فيها جزءاً من كل يشعر بالأمن والانتماء، وحتى تصبح جزءاً من تشكيل أكبر لا مجرد مَعبر من تشكيل إلى آخر، وهذا ما حققه في نهاية الأمر الفتح الإسلامي. والمشروع الصهيوني يرمي إلى نقيض ذلك تماماً إذ يستهدف أن يحتفظ لفلسطين بطبيعة الممر (القاعدة) ولسكانها بطبيعة العنصر الغريب (الاستيطاني) وهو ما أسميناه «الحدودية» . كما يريد أن تحتفظ الدولة الصهيونية ببقائها واستمرارها، عن طريق التحالف مع القوة الإمبراطورية العظمى، نظير أن تضطلع هي بدور الدولة الوظيفية والخفير الذي يسهر على حراسة مصالح القوة الراعية. ورغم انتهاء مشكلة العبرانيين باختفائهم كعنصر بشري مستقل، فإن وضعهم داخل التشكيلات الحضارية الكبرى أدَّى إلى انتشارهم في أنحاء العالم فيما يُسمَّى «الدياسبورا اليهودية» .وقد تحولت معظم هذه الجماعات إلى جماعة وظيفية تجارية ومالية. ولذا، فإن المسألة أو الإشكالية العبرانية أدَّت إلى ظهور المسألة اليهودية إذ أن المسألة اليهودية هي مسألة الجماعات اليهودية (في شرق أوربا على وجه الخصوص) كجماعات وظيفية لم يَعُد لها دور تلعبه أو وظيفة تضطلع بها. وهذه القضية هي التي أدَّت بدورها إلى المسألة الإسرائيلية، أي مشكلة المستوطنين الصهاينة الذين أرسلهم الاستعمار الغربي ليحل المسألة اليهودية التي تفاقمت عنده، وليحولهم إلى جماعة قتالية تدافع عن مصالحه. ومن ثم، يمكننا أن نقول إنه قد لا توجد علاقة سببية بين المسألة العبرانية والمسألتين اليهودية والإسرائيلية رغم أن هناك علاقة ترابط، إذ أن المسألة العبرانية هي التي خلقت قابلية لدى اليهود لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية تجارية ثم إلى جماعة وظيفية استيطانية قتالية كما حدث في فلسطين في نهاية الأمر. المسألة العبرانية The Hebrew Question انظر: «العلاقات الدولية في الشرق الأدنى القديم والمسألة العبرانية» . مصر Egypt «مصر» تقابلها في اللغة العبرية كلمة «مصرايم» وهو اسم سامي لا يظهر إلا في اللغات السامية: «موصور» بالآشورية و «ميصير» بالبابلية و «مصر» بالعربية. وصيغة المثنى في العبرية قد تكون إشارة إلى الوجهين القبلي والبحري، أو مصر العليا ومصر السفلى. أما كلمة «إيجبت» في اللغات الأوربية، فهي مشتقة على الأرجح من اسم «منفيس» في اللغة المصرية القديمة وهي «حي - كو - بتاح» ومعناها «بيت روح بتاح» . وصار هذا في اليونانية «إيجيبتوس» . والواقع أن تاريخي فلسطين ومصر مرتبطان منذ بداية التاريخ الإنساني، إذ كثيراً ما قامت مصر بضم فلسطين أو فرض سيطرتها عليها، كما كان فراعنة مصر يلعبون دوراً كبيراً في تحديد سياسة الدويلتين العبرانيتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) من خلال الأحزاب الممالئة لهم فيهما. أثناء حكم الأسرتين الأولى والثانية، كانت توجد علاقات تجارية مع رتنو (Retjnu أو Rtnw) التي تعني «البلاد الأجنبية» ، وهي الطريقة التي كان يشير بها الفراعنة إلى منطقة فلسطين وبلاد الشام في المملكتين القديمة والوسيطة. بل قام بعض العلماء بتحليل الأشكال التي وردت على درع مينا (نارمر) احتفالاً بتوحيد القطرين عام 3100 ق. م، وتوصلوا إلى أن التغلغل المصري قد وصل إلى شرق الأردن عبر صحراء النقب. كما وُجد فخار فلسطيني متأثر بالأسلوب المصري بكميات كبيرة في هذه الفترة. وقد أرسلت مصر في عهد المملكة القديمة في الفترة 2700 ـ 2200 ق. م (من الأسرة الثالثة إلى الخامسة) حملات استكشافية إلى سيناء لاستثمارها وضمها. وهناك، في نهاية المملكة القديمة، في فترة حكم بيبي الأول 2343 ـ 2294 ق. م (من الأسرة السادسة) نقش عن حملة برّية وعسكرية ناجحة ضد أرض «أنف الظبى» التي يرى بعض العلماء أنها سهل جبل الكرمل في فلسطين. وقد انحسر النفوذ المصري في الفترة من نهاية الأسرة السادسة حتى الأسرة العاشرة. وبعد انهيار المملكة القديمة في عام 2200 ق. م وحتى 2130 ق. م، دخلت مصر فترة من الفوضى دامت قرنين (فترة الانحلال الأول) حكمت أثناءها الأسرات السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة، واختفت خلالها أيضاً السلطة المركزية واختل النظام الاجتماعي وتغلغلت العناصر الآسيوية في شرق الدلتا. وقد تم توحيد مصر العليا ومصر السفلى مرة أخرى إبّان حكم الأسرة الحادية عشرة (2130 ـ 2000 ق. م) ، وهو ما مهَّد لقيام المملكة الوسيطة (2040 ـ 1786 ق. م) . ومع اعتلاء أمنمحات الأول العرش (الأسرة الثانية عشرة) ، بدأت مرحلة الازدهار في المملكة الوسيطة، وهي متزامنة مع بداية فترة الآباء في فلسطين (2100 ـ 1200 ق. م) . واستمرت العلاقات بين مصر والشام، ومنها فلسطين، كما يتضح في قصة سنوحي عن رحلاته في خلال حكم سنوسرت الأول (1970 ـ 1926 ق. م) . ويبدو أن مصر أخضعت أجزاء من الشام وفيها فلسطين لهيمنتها أثناء حكم أمنمحات الثاني (1926 ـ 1897 ق. م) وسنوسرت الثالث «سيزوستريس» (1878 - 1849 ق. م) ، إذ وُجدت آثار لحكام وكهنة مصريين في مجدو وأوجاريت. ويؤكد هذه النظرية أن حكام بعلبك كانوا يحملون ألقاباً مصرية يمنحها فرعون مصر، الأمر الذي يعني شكلاً من أشكال السيادة المصرية. ويظهر شقيق أمير رتنو (فلسطين) ، في اللوحات المصرية لهذه الفترة، وهو يساعد المصريين في إدارة واستغلال مناجم الفيروز في سيناء. كما أن هناك إشارات مباشرة إلى حملة قام بها الفراعنة ضد سيكمان (شكيم) . وكان كثير من قبائل البدو السامية تستأذن فرعون مصر في الالتجاء إلى مصر، حيث كان فيها مجتمع زراعي مستقر يعتمد على الري وعلى فيضان النيل فراراً من جفاف أو مجاعة، ثم تخرج بعد ذلك. ولم يكن العبرانيون استثناءً من ذلك بأي شكل من الأشكال. ففلسطين مجتمع زراعي كان يعتمد على المطر. وثمة وثائق مصرية تتحدث عن بدو من أدوم وجنوب فلسطين تركوا منازلهم في زمن القحط ليبقوا على حياتهم وحياة قطعانهم. ومثل هذه المجاعات هي التي اضطرت إبراهيم وإسحق إلى التوجه جنوباً إلى مصر. وقد أرسل يعقوب أولاده لهذا السبب، ثم استقرت الأسرة كلها هناك. وقد بدأت الهجرة السلمية لبعض الساميين تحت قيادة أمير بدوي يُقال له أبشاي أو أبشاه في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وثمة لوحة مقبرة خنوم ـ حوتب (أحد أشراف الأسرة الثانية عشرة) في بني حسن تصور الآسيويين يدخلون مصر لكي يحصلوا على الطعام. وهذه هجرات تشبه، في بعض الوجوه، هجرات إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهي تبين أن قصة يوسف، فيما يتعلق بهذه الهجرات، مبنية على خلفية تاريخية عامة، كما أن كره المصريين للرعاة له هو الآخر أساس تاريخي (تكوين 46/34) . وقد تحوَّلت الهجرة إلى تسلل والتسلل إلى غزو، حتى استولى خليط آسيوي سامي من الرعاة العموريين والكنعانيين والحوريين على السلطة في مصر خلال فترة الانحلال الثاني بدءاً من الأسرة الثالثة عشرة حتى الأسرة السادسة عشرة (1786 ـ 1570 ق. م) فيما يُعرَف باسم حكم الهكسوس. ورغم أن الهكسوس قد تبنوا الحضارة المصرية، فإن المصريين لم يتقبلوا الهكسوس قط، وقامت حركة تحرير بقيادة ملوك طيبة كُلّلت بالنجاح. وقبل التعرُّض لموضوع دخول العبرانيين مصر وخروجهم منها، يجب التنبيه إلى أن لغتنا ستكون غير يقينية لأن الوثائق التاريخية المتاحة ليست قاطعة، وتترك مجالاً واسعاً للاختلاف. ويذهب كثير من المؤرخين إلى أن حكم الهكسوس متزامن مع فترة الآباء، وأن هذه الفترة هي التي دخل إبَّانها العبرانيون مصر. فوجود الهكسوس، على ما يبدو،هو الذي سهل عملية دخول العبرانيين، وثمة رأي يذهب إلى أنه يوجد قرابة عرْقية بين الهكسوس والقبائل العبرانية. وقد ازدهر العبرانيون بعض الوقت، وقد بلغ يوسف مكانته المرموقة في زمن ملوك الهكسوس، ولكن مع ظهور المملكة الحديثة (1570 ـ 1085 ق. م) ، بدأ وضع جديد في مصر بالنسبة إلى العبرانيين، إذ ظهر الملك الذي لا يعرف يوسف (خروج 1/8) حسب الرواية التوراتية. وطرد المصريون الهكسوس إذ قام أحمس الأول (1570ـ 1546 ق. م) أمير طيبة، وأول ملوك الأسرة الثامنة عشرة فيما بعد، بمطاردتهم حتى جنوب فلسطين. ويبدو أن المصريين، بعد غزوة الهكسوس، لم يعودوا يثقون في الحواجز الطبيعية والصحراوية كمانع ضد الغزوات الأجنبية، فبدأت من هنا التطلعات الإمبراطورية لتأمين الحدود، وبسط ملوك الأسرة الثامنة عشرة هيمنتهم إلى الشرق والشمال حتى اصطدموا بالإمبراطورية الحورية (الميتانية) ، وكانت فلسطين أرض المعركة بينهم. وقد وصل تحتمس الأول (1526 ـ 1512 ق. م) حتى نهر الفرات. ولكن واضع أساس الإمبراطورية الحقيقي هو تحتمس الثالث (1504 ـ 1450 ق. م) أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة الذي حطَّم تحالفاً من الأمراء الكنعانيين والسوريين تحت قيادة ملك قادش في مجدو عام 1479 ق. م. وقد التقى تحتمس بالحيثيين، ولكنه إما هزمهم، أو عقد معهم معاهدة دفعوا له بمقتضاها الجزية، وقد خضعت له سوريا فترة قصيرة. وقد استمر تحتمس الثالث، مدة عشرين عاماً تقريباً، في إرسال جيشه إلى غرب آسيا لتعزيز انتصاراته، واستمر خلفاؤه في ذلك. وقد واصل ابنه أمنحوتب الثاني (1450 - 1425 ق. م) ، عمليات غزو فلسطين وسوريا. وهناك نصب تذكاري في منفيس يذكر أن هذا الفرعون «أسر ثلاثة آلاف وستمائة عبيرو» أثناء غزوة قام بها إلى فلسطين. ولذا، فقد قرنه بعض المؤرخين (من بينهم مانيتو) بفرعون الخروج مع أن كلمة «عبيرو» أكثر اتساعاً وأكثر شمولاً من كلمة «عبراني» . ثم عقد أمنحوتب الثالث (1417 ـ 1379 ق. م) معاهدة مع مملكة ميتاني الحورية، وتزوج من أميرة ميتانية. وكانت المناطق الآسيوية يحكمها أمراء تابعون لمصر، تربوا في البلاط المصري وكانوا يحكمون لصالح فرعون مصر وباسمه. وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، بدأت عوامل الضعف تظهر في مصر، وقامت الثورة التوحيدية على يد إخناتون (أمنحوتب الرابع) (1379 ـ 1362 ق. م) ، ويبدو أنها كانت ذات أبعاد اجتماعية أيضاً فالإمبراطورية بنيت على يد الجنود والموظفين ولكن أرستقراطية النبلاء والكهنة ظلت مغلقة دونهم، الأمر الذي تَطلَّب تغييراً يسمح بالحراك الاجتماعي. وتحوي ألواح تل العمارنة المكتوبة بالأكادية تقريراً رُفع لفرعون مصر عن أمراء بابل وآشور والحيثيين وسوريا وفلسطين الذين تم إخضاعهم كما تحوي طلباً بالعون للتصدي للخابيرو، تلك القبائل البدوية التي بدأت تُغير على حدود فلسطين. وكانت سياسة مصر في تلك الآونة هي أن تُبقي طرق التجارة لبلاد الرافدين مفتوحة وأن تُبقي حكام الشام تحت هيمنتها. وبعد موت توت عنخ آمون (1361ـ 1355 ق. م) ، خليفة إخناتون، هزم الحيثيون المصريين واندلع ما يشبه الحرب الأهلية في مصر، فاستقلت فلسطين لبعض الوقت وربما نجح الخابيرو في الاستقرار فيها. ولكن الرعامسة من ملوك الأسرة التاسعة عشرة (1320 ـ 1200 ق. م) أعادوا السيطرة المصرية، عن طريق الاحتلال المباشر هذه المرة، فكانت توجد حاميات مصرية في غزة ويافا ومجدو وبيت شان وفي مدن أخرى. ودخل رمسيس الثاني حرباً مع الحيثيين في معركة قادش الشهيرة عام 1288 ق. م والتي لم يحرز أي من الطرفين فيها نصراً حاسماً، فتم تقسيم الشام إلى قسمين بحيث يئول القسم الشمالي للحيثيين والجنوبي (وفيه فلسطين) للمصريين. وتظهر في هذه المرحلة إشارة إلى فلسطين باسم «كنعان» ، ويظن كثيرون أن رمسيس الثاني هو الفرعون الذي سخَّر العبرانيين ليبنوا له المدينة المسماة باسم «رعمسيس» (خروج 1/11) ، وقد ورد في السجلات التي تركها أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. لكن ثمة نظرية أخرى تذهب إلى أن رمسيس الثاني هو في الواقع فرعون الخروج. وقام الفرعون منفتاح أو مرنبتاح (1236 ـ 1223 ق. م) ، خليفة رمسيس الثاني، بإخماد ثورة في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. واحتفالاً بهذه المناسبة، تظهر أول إشارة في التاريخ إلى كلمة «يسرائيل» : «يسرائيل شعب صغير. لقد دمرته وانمحت ذريته فلا وجود له» . ويُقال إن كلمة «يسرائيل» هنا تشير إلى إحدى المدن أو القبائل الكنعانية وليست لها أية علاقة بالعبرانيين. وشهد عهد مرنبتاح أول موجة من موجات شعوب البحر (الفلستيين) ، وقد نجح في صدهم. كما نجح رمسيس الثالث (1198 ـ 1167 ق. م) في وقف هجماتهم تماماً، وكان آخر فراعنة هذه الأسرة الذين حكموا فلسطين. أما فترة عصر الأسرات المتأخرة (1085 ـ 332 ق. م) ، بعد نهاية المملكة الحديثة، فتشمل حكم الأسر: من الحادية والعشرين (1085 ـ 945 ق. م) وحتى الأسرة الثلاثين (380 ـ 343 ق. م) والتي تُسمَّى في التاريخ المصري القديم بالحكم الأجنبي، أي حكم الليبيين والنوبيين والآشوريين والفرس وغيرهم. وقد شهدت هذه الفترة انحسار النفوذ المصري، وهي نفسها الفترة التي تم فيها اتحاد القبائل العبرانية فيما يُسمَّى بالمملكة العبرانية المتحدة ثم انقسامها وأخيراً سقوطها على يد الآشوريين والبابليين. وتتراوح العلاقات بين مصر وفلسطين في تلك الآونة بين الشد والجذب، فقد قدَّم أحد فراعنة الأسرة الحادية والعشرين ابنته زوجةً لسليمان. وتزوج ملك مصر الليبي (شيشنق الأول) ، من الأسرة الثانية والعشرين الليبية (945 ـ 745 ق. م) ، ابنة سليمان، الأمر الذي أدَّى إلى إقامة علاقات وطيدة بين مصر والمملكة العبرانية المتحدة. ولكن شيشنق قام، مع هذا، بحماية يربعام الأول المتمرد الهارب من حكم سليمان. ولكنه، بعد موت سليمان، هاجم المملكة الجنوبية ونهب الهيكل أثناء حكم رحبعام ابن سليمان (هناك نقش على الجزء الخارجي من الحائط الجنوبي لهيكل آمون في الكرنك يصور هذه الحملة التي قام بها شيشنق ويذكر المدن التي غزاها) ، ثم هاجم المملكة الشمالية ذاتها. وقد استمر تَدخُّل مصر في شئون الدويلتين العبرانيتين، إذ أرسل فراعنة مصر ألف جندي مصري لإيقاف شلمانصر الثالث حينما هاجم التحالف الآرامي العبراني في معركة قرقر 853 ق. م، التي انتصر فيها الآشوريون وإن لم تكن نتيجتها حاسمة تماماً. وفي نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، حل الفراعنة النوبيون (الكوشيون) محل الفراعنة الليبيين، كما ظهرت القوة الآشورية في شخص تيجلات بلاسر الثالث. وأثناء ثورة المملكة الشمالية الأخيرة ضد آشور (724 - 721 ق. م) ، كتب ملكها هوشع إلى فرعون مصر طالباً النجدة، ولكنه لم يفده في ذلك كثيراً إذ تم صد الحملة المصرية وسقطت المملكة الشمالية. ومع هذا، يبدو أن مصر ظلت قوة يُعتدُّ بها، فلقد طلب حزقيا، ملك المملكة الجنوبية، هو الآخر، العون من مصر. وقد قام الآشوريون بضم مصر لفترة وجيزة (671 -663 ق. م) ، وطردوا النوبيين، ووضعوا مكانهم ملوكاً مصريين تابعين. وقد نجح بسماتيك الأول (664 ـ 610 ق. م) من الأسرة السادسة والعشرين (663 ـ 525 ق. م) في الاستقلال بمصر، وفي تكوين جيش من المرتزقة اليونانيين والعبرانيين والفينيقيين. وكان ملوك الدولة الجنوبية يبادلون الجنود العبرانيين بالأحصنة المصرية. كما أن فراعنة مصر بدأوا في تبني سياسة تشجيع الأجانب (ومن بينهم العبرانيون) على القدوم إلى مصر للاشتغال بالتجارة والقتال. وبعد سقوط نينوي (عاصمة الآشوريين) عام 612 ق. م على يد البابليين، حاول نخاو الثاني ابن بسماتيك الأول أن يساعد الآشوريين ضد التقدم البابلي في عام 608 ق. م، فتصدى له يوشيا، ملك المملكة الجنوبية، ولكنه سقط هو نفسه في المعركة. وقام نخاو بضم فلسطين إلى مصر، كما خلع يهوآحاز خليفة يوشيا وأقام بدلاً منه يهوياقيم على عرش المملكة الجنوبية وفرض عليه الجزية. ولكن نبوختنصر هزمه عام 605 ق. م في معركة قرقامش، ثم سقطت في يده القدس. وحينما قامت حركة تمرد عبراني بتحريض من مصر وأدَّت إلى مقتل جداليا، الحاكم الذي عينه البابليون، فرّ المتمردون إلى مصر ومعهم النبي إرميا. وتم تأسيس مستعمرة إلفنتاين في عهد بسماتيك الثاني (594 ـ 588 ق. م) لحماية حدود مصر الجنوبية. وحين وقعت مصر تحت الهيمنة الفارسية عام 525 ق. م، أظهر أعضاء الحامية ولاءهم للغزاة، إذ كان الفرس يعدون العبرانيين عنصراً موالياً لهم. وقد تأثر التراث الديني اليهودي القديم بالتراث الديني المصري في عدة نواح مثل عادة الختان، وفي فكرة التوحيد نفسها. وحينما وقعت مصر تحت الهيمنة اليونانية عام 333 ق. م، هاجرت أعداد كبيرة من اليهود إلى مصر، وكانت الإسكندرية أكبر مركز لهم حيث بلغ عددهم فيها مليوناً. وفي تلك الفترة، ظهرت الترجمة السبعينية في مصر البطلمية. وقد لجأ الكاهن الأعظم أونياس الثالث إلى مصر وأسس ابنه أونياس الرابع هيكلاً في أون (هليوبوليس) بتشجيع من البطالمة الذين كانوا يحاولون دائماً، شأنهم في هذا شأن فراعنة مصر، ضم فلسطين أو ضمان ولائها لهم. وقد قامت صراعات عميقة بين الجماهير الهيلينية والجماهير اليهودية وهو ما تسبب في تدخُّل الرومان. وقامت تمردات يهودية في مصر بعد هدم الهيكل في عام 71م، كما قام تمرد آخر فيما بعد (115 ـ 117م) . وقد لعب الطابع الهيليني الذي اصطبغ به يهود الإسكندرية دوراً كبيراً في تهيئتهم لتَقبُّل المسيحية، فانخرطت أعداد كبيرة منهم في الدين الجديد، حتى أصبحت الجماعة اليهودية صغيرة العدد ضئيلة الشأن عند الفتح العربي. وقد اصطبغت هذه الجماعة بطابع عربي وأصبحت لغة اليهود وثقافتهم عربية. ومن كبار المفكرين الدينيين في مصر من أعضاء الجماعات اليهودية سعيد بن يوسف الفيومي. وقد انخرط عدد من يهود مصر في فرقة القرّائين، ثم أخذت أحوال الجماعة اليهودية تتغيَّر حتى القرن العشرين بحسب تغير الظروف. الهكسوس Hyksos «الهكسوس» جماعة من الآسيويين يُرجَّح أنها كانت سامية الأصل (خليط من العموريين والكنعانيين وبينها عناصر من الحوريين أيضاً) . كان المصريون يُطلقون عليهم لفظة «عامو» أي «الآسيويين» . كما كانوا يُعرَفون باسم «حكاو خوو Hekau Khowe» أي «حكام الأراضي الأجنبية» . أما كلمة «هكسوس» فهي كلمة مصرية فسرها الكاتب اليوناني مانيتو بأنها تعني «الملوك الرعاة» . حكم الهكسوس مصر بعد سقوط المملكة الوسطى (1675 ـ 1570 ق. م) إذ استفادوا من ضعف الحكومة المركزية ومن استخدامهم العربات الحربية التي لم تكن معروفة في مصر آنذاك، وكذلك استفادوا من استخدام السهم الآسيوي القوي الذي يُعَدُّ أكثر تركيباً من السهم الذي كان يستخدمه المصريون. ولم يتم غزوهم لمصر دفعة واحدة (كما كان يُظَن حتى عهد قريب) وإنما تم على شكل موجات أخذت شكلاً سلمياً في بادئ الأمر حيث كان الرعاة البدو يدخلون مصر للسقيا والتجارة، ثم أخذت العملية شكل تَسلُّل وأخيراً شكل الغزو، وهي عملية استغرقت في مجموعها عدة قرون. استقر الهكسوس في مصر، وبنوا عاصمتهم جت وعرت وهي أواريس (أفاريس) التي سماها اليونانيون تانيس (صا الحجر فيما بعد، أو تل اليهودية) بالقرب من الزقازيق شرقي الدلتا. ثم استولى الهكسوس على معظم مقاطعات الدلتا، ودخلوا العاصمة ممفيس (منف) عام 1674 ق. م. وقد اتحدت مصر وسوريا وفلسطين تحت حكمهم، وتوطدت بينهما العلاقات الحضارية والتجارية، واستمرت تلك العلاقات بينهما بعد خروج الهكسوس وقيام المملكة الحديثة. أدخل الهكسوس إلى مصر عناصر مادية جديدة مثل إشاعة استخدام الخيول، والبرونز، وطريقة جديدة في التسليح، وبعض الآلات الموسيقية، وبعض الاختراعات والخبرات الحربية التي ساهمت فيما بعد في إنجاز فتوحات المملكة الحديثة. وقد تَعاقَب على عرش مصر عدد من ملوك الهكسوس، وإن ظل أمراء طيبة يتمتعون بشيء من الحكم الذاتي. وقد تمكَّن أحمس (1570 ـ 1546 ق. م) ، مؤسس الأسرة الثامنة، من طردهم. وفيما بعد، أخضع الفراعنة فلسطين وسوريا. ويبدو أن وجود الهكسوس في مصر هو الذي سهل عملية دخول العبرانيين إليها، وربما كانت ثمة صلة عرْقية وإثنية بينهم وبين الهكسوس. ومن الجدير بالملاحظة أن أحد رؤساء الهكسوس كان يُسمَّى «يعقوب إيل» أو «يعقوب بعل» . والعنصر «يعقوب» الذي يعني «يحمي» هو نفسه أحد الآباء العبرانيين، كما أن أحد ملوك الهكسوس كان يُسمَّى «شيشا» وهو يشبه اسم «شيشاي» أحد ملوك قرية أربع (الخليل أو حبرون) . وكان استيطان العبرانيين في الدلتا في جاسان (جوش) وهي نفسها المنطقة التي كانت فيها أواريس عاصمة الهكسوس. وقد ذكر يوسيفوس نقلاً عن المؤرخ المصري الهيليني مانيتو أن عدداً كبيراً من الهكسوس ذهبوا من أواريس إلى كنعان وبنوا القدس، وربط مانيتو بين استيطان الهكسوس مصر ودخول يوسف إليها، وذكر أن طردهم أو هجرتهم منها هو خروج العبرانيين. شيشنق (شاشانق - شيشاق 950 ـ929 ق. م ( Shishak (Sheshonk) مؤسس الأسرة الثانية والعشرين (الليبية) في عام 950 ق. م. كان حاكماً قوياً قديراً جدد حيوية مصر ونفوذها في غرب آسيا (فلسطين ولبنان) ، وقد ورد ذكره في التوراة (ملوك أول 14/25 ـ 28) . كان يهدف إلى إعادة النفوذ المصري على فلسطين، فاحتفظ بعلاقات طيبة مع سليمان. ولكن هذه الصلة لم تمنعه من منح الحماية ليربعام، (من قبيلة إفرايم) الذي ثار على سليمان لأنه كان يرى نفسه أحق بالمملكة منه. وبعد موت سليمان، نجح يربعام، بسبب تأييد مصر له، في أن يتولى قيادة عشر قبائل عبرانية ويستقل بها فيما يُسمَّى «المملكة الشمالية» . وبعد خمسة أعوام من موت سليمان، هاجم شيشنق ملك المملكة الجنوبية رحبعام بن سليمان ونهب كنوز الهيكل. ويبدو أنه هاجم المملكة الشمالية أيضاً. وتبيِّن نقوش معبد الكرنك أن شيشنق هاجم كل فلسطين وتذكر مائة وستاً وخمسين مدينة أخضعها في فلسطين. إلفنتاين (جزيرة الفيلة ( Elephantine «إلفنتاين» كلمة يونانية، وهي ترجمة لاسم جزيرة باللغة المصرية القديمة تعني «جزيرة الفيلة» ، وهي بالآرامية «يب» ، أي «جزيرة العاج» . ويُطلَق اسم «إلفنتاين» على جزيرة في وسط النيل (بعد الشلال الأول) في أسوان، وكانت الجزيرة مركزاً لعبادة الإله خنوب، ثم استُخدمت كحصن على النيل لحماية مداخل مصر الجنوبية. وزادت أهميتها بعد أن تخلصت مصر من ضغط الآشوريين على يد بسماتيك الأول (664 ـ 609 ق. م) . وقد كانت هناك حامية مُكوَّنة أساساً من الجنود الآراميين المرتزقة وتضم في صفوفها بعض العبرانيين ممن كانوا يعملون في الجيش المصري، أو لعلهم من العبرانيين الذين كانوا يتحدثون الآرامية. ولا يُعرَف أصل هذه الحامية على وجه الدقة. لكن من المعروف أن العبرانيين كانوا يحضرون إلى مصر كمرتزقة، في الأسرة السادسة والعشرين (663 ـ 55 ق. م) . وقد كان ملوك المملكة الجنوبية يبادلون رعاياهم بالأحصنة العسكرية المصرية (تثنية 17/16) . كما أن بعض سكان هذه المملكة، التي كان يساندها المصريون، فرُّوا إلى مصر. ولذا، فيمكن القول بأن تاريخ الحامية يعود إلى النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد. وقد استخدم بسماتيك الثاني (594 ـ 588 ق. م) ، في حملته ضد النوبيين، المرتزقة الآسيويين الذين ربما يكونون قد رابطوا بعد ذلك في جزيرة إلفنتاين. ولذا، فحين هاجم الفرس مصر واستولوا عليها عام 525 ق. م، تَعاوَن جنود إلفنتاين من المرتزقة مع الفرس الذين كانوا يعتبرون الآراميين العبرانيين صنائع لهم. وقد ظل العبرانيون على ولائهم للفرس أثناء التمرد المصري ضد الحكم الفارسي (خلال حكم أرتحشتا الأول) . وكانت الحامية مُقسَّمة إلى فرَق يرأس كلٍّ منها ضابط فارسي. أما الجنود، فكانوا عبرانيين، ويشار إليهم أحياناً بأنهم «آراميون» . وقد كان يعيش مع أعضاء الحامية عبرانيون مدنيون يقومون بأداء الخدمات، كما كان يُوجَد مصريون. وكانت العلاقات بين الحامية والمصريين غير ودية. وقد ثار المصريون على أعضاء الحامية ودمروا مقابرهم في خلال حكم دارا الثاني، مع أن هناك حالات تزاوج بين العبرانيين والمصريين. وقد شيَّد العبرانيون معبداً ضخماً خاصاً بهم، حطمه كهنة خنوب في 411 ـ 410 ق. م مع تَحرُّر مصر من حكم الفرس عام 405 ق. م، ويبدو أن أفراد الحامية تم القضاء علىهم واختفى ذكرهم. وجدير بالذكر أنه قد وُجدت وثائق من البردي وغير ذلك من وثائق مكتوبة بالآرامية في جزيرة الفيلة، وخصوصاً بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وتحوي إشارات إلى أشخاص وُصفوا بأنهم عبرانيون أحياناً وآراميون أحياناً أخرى. ولم تشتمل هذه الوثائق على أي ذكر لأسفار التوراة أو العهد القديم، أو حتى على اقتباسات قانونية أو شرعية منها. ويبدو أن عقيدة هؤلاء العبرانيين كانت جزءاً من عبادة يسرائيل بكل ما يشوبها من عناصر وثنية. فقد جاء في الوثائق البردية التي عُثر عليها في الجزيرة أن العبرانيين كانوا يعبدون يهوه، كما أنهم كانوا يعبدون إلى جانبه إيشوم وبيت إيل (وهو إله وثني من السامرة) ، وعنات ياهو (وهي ربة حرب قديمة) ، وعنات بيت إيل، وحيريم بيت إيل. ولذا، فقد كان المعبد اليهودي في إلفنتاين ذا خمسة مداخل، كل مدخل تحت رعاية أحد الآلهة. وربما يعود هذا إلى أن هجرة العبرانيين قد تمت قبل الإصلاح التثنوي. ولم تكن علاقة المرتزقة بالقدس قوية، ولذا، فقد ظلت عبادتهم على ما هي عليه، بل تَعمَّق الجانب الوثني فيها، ولعل هذا يُفسِّر عدم وجود أية آثار لأسفار موسى الخمسة. وقد كان أعضاء الحامية يحتفلون بعيد الفصح ولا يحتفلون بأي عيد آخر، بل هناك خطاب من دارا الثاني مؤرخ في عام 419 ق. م يحتوي على تفاصيل الاحتفال بعيد الفصح لأن أعضاء الحامية كانوا قد نسوا كيفية إقامته. والواقع أن اهتمام الفرس بإقامة الشعائر الدينية اليهودية جزء من اهتمامهم بالجماعة الوظيفية القتالية الاستيطانية وبهويتها العبرانية التي تضمن انعزالها عن البيئة المحيطة بها. ولعل حامية إلفنتاين هي إحدى بدايات الدياسبورا أو الشتات أو الانتشار العبراني (اليهودي) التي أعقبت التهجير الآشوري (724 ق. م) وسبقت التهجير البابلي (586 ق. م) . وقد كانت إلفنتاين تقع على حدود مصر الجنوبية، وكانت ميناء للمحاجر الفرعونية، ومن ثم يكون توطين العبرانيين فيها كجماعة وظيفية (قتالية) هو التعبير عن تلك الظاهرة التي نسميها «الحدودية» ، والتي هي تعبير عن اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية. الحيثيون Hittites «الحيثيون» شعب هندى أوربي قديم برز في آسيا الصغرى مع بداية الألف الثاني قبل المبلاد، وتُعَدُّ هجرتهم أقدم الهجرات الهندية الأوربية المعروفة. والحيثيون إحدى القوى التي هيمنت على الشرق الأدنى القديم. وأغلب الظن أنهم نشأوا في المنطقة الواقعة وراء البحر الأسود، واتخذوا من حاتوشاش (بوغاز كوي على بعد مائة وثمانين كيلو متراً من أنقرة) عاصمة لإمبراطوريتهم في مقاطعة حاتي التي جاءت منها تسميتهم «الحيتيين» ولكن لفظة «حيثيين» بالثاء هي التي شاعت، ولذا فنحن نستخدمها في هذه الموسوعة. يُقسَّم تاريخ الحيثيين إلى ثلاث مراحل، أولاها المملكة القديمة حين خرجوا بقيادة حاتوسيليس الأول عام 1650 ق. م من الأناضول واستولوا على شمال سوريا وحلب، وقام خليفته مورشيليش الأول بإكمال المهمة وتغلبوا على أسرة حمورابي العمورية في بابل وأسقطوها عام 1600 ق. م. وفي سنة 1479 ق. م، هزم تحتمس الثالث (فرعون مصر) الحيثيين في مجدو (وهذه مسألة خلافية إذ يرى البعض أنه تحالف معهم) ثم توغل حتى حلب وعبر الفرات. وكانت جبال طوروس الحد الجنوبي للبلاد الحيثية. وقد تدهورت الإمبراطورية الحيثية بسبب المنازعات الداخلية وتَزايُد قوة الحوريين. لكن الحيثيين استعادوا شيئاً من طاقتهم، فأسسوا المملكة الجديدة أو الإمبراطورية الحيثية الثانية نحو (1450 ـ 1400 ق. م) ، وأصبحت إمبراطوريتهم مركز القوة والثقافة في غرب آسيا. وبسط الحيثيون نفوذهم على معظم آسيا الصغرى ودول شمال سوريا ووسطها ولبنان. وأصبحت المنطقة حلبة صراع (على سوريا) بين الحيثيين والمصريين، ووقعت معركة قادش الشهيرة عام 1288 ق. م حيث عقد رمسيس الثاني بعدها معاهدة معهم لتثبيت الحدود بين ممتلكاتهم وممتلكات المصريين، وتزوج أميرة حيثية. ويُعتقد أن تخوُّف الطرفين من القوة الآشورية الجديدة كان وراء المصالحة لمواجهة الخطر الجديد. وبعد أن دامت الإمبراطورية الحيثية نحو قرنين ونصف قرن، أخذ الوهن يسري في أنحائها منذ سنة 1200 ق. م نتيجةً لغزو أحد شعوب البحر، فاستقلت الإمارات الخاضعة لها الواحدة تلو الأخرى. وبذلك تأتي المرحلة الثالثة من تاريخ الحيثيين، وهي مرحلة عصر الممالك الحيثية الجديدة. رغم سقوط الإمبراطورية، قامت ممالك حيثية، وأصبح مصطلح «حيثي» يشير إلى تلك الدويلات التي كانت قرقميش أهمها، والتي ضمت حلب وحماة وحافظت على شيء من الاستقلال عن الآشوريين قبل أن يحولها سرجون الثاني عام 717 ق. م إلى مقاطعة آشورية. ويرجع النجاح العسكري للحيثيين إلى استخدام الحصان والمركبة سلاحاً أساسياً، كما أنهم استخدموا القوس والفأس والرمح والسيف أسلحة هجوم. وتنتمي اللغة الحيثية إلى فرع اللغات الأناضولية من مجموعة اللغات الهندية الأوربية. ولقد أخذت اللغة الآرامية تحل محلها تدريجياً خلال الفترة من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن قبل الميلاد حيث اختفت الحيثية. أما ديانتهم فيُعرَف عنها القليل، وقد كانت ضرباً بارزاً من ضروب عبادة الأرواح. وأشهر آلهتهم هو يتشوب إله العاصفة، وهو الإله الوطني. وكان يُمثَّل عادةً على شكل رجل يقف على ظهر ثور ويمسك بالصاعقة. وقد تأثر الحيثيون بالحوريين تأثراً عميقاً من الناحيتين المادية والروحية. ولقد ورد ذكر الحيثيين في التوراة التي قرنتهم بالكنعانيين، فهم أحد الأقوام الكنعانية السبعة الذين كان على العبرانيين هزيمتهم ليحتلوا أرض كنعان (فلسطين) ، فكنعان هو أبوحت (تكوين 10/15) . وتشير التوراة إلى أن الحيثيين كانوا موجودين في حبرون (الخليل) في فلسطين في زمن إبراهيم الذي اشترى حقله ومغارته من «بني حث» (تكوين 23/3) . كما ذكرت أن عيسو اتخذ لنفسه زوجتين من الحيثيين، وأن العبرانيين تزاوجوا معهم. وقد كان لدى داود محاربون حيثيون. وتزوج داود بتشبع امرأة أوريا الحيثي، كما كان بين نسائه حيثيات. وفي مجال تفسير وجود الحيثيين في فلسطين في فترات تاريخية مبكرة، يرى بعض المؤرخين أن هؤلاء الحيثيين كانوا بقايا حملة حيثية جُرِّدت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. كما يرى البعض الآخر أنهم ربما كانوا من سكان الأناضول الأصليين (الحاتيين) قبل وصول القبائل الهندية الأوربية، ثم انتشروا في فلسطين وغيرها من بلاد الشرق الأدنى القديم قبل عام 2000 ق. م. كما يُقال إن مدوني العهد القديم إنما كانوا يستخدمون المصطلح كما هو مُستخدَم في المدونات الآشورية والبابلية التي كانت تشير إلى أرض حاتي باعتبارها الأرض الممتدة من الفرات حتى لبنان، ثم اتسع مدلول المصطلح ليشير إلى سكان سوريا وفلسطين. وها هو شلمانصر الثالث يشير إلى أخاب «كملك حيثي» . أما أسرحدون فيطلق مصطلح «حتي» على ملوك يهودا وأدوم ومؤاب وعمون وعلى بعض الحكام الفلستيين. واستمر استخدام المصطلح بهذا المعنى بين البابليين. أما الحيثيون المعاصرون لداود وسليمان، فهم من المرحلة الحيثية المتأخرة، مرحلة الدويلات المدن. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الساميون (الشعوب السامية)
(Semites (Semitic Peoples النسبة في كلمة «ساميون» إلى سام الابن الأكبر لنوح. والمصطلح يُطلَق على مجموعة من الشعوب عاشت في رقعة كبيرة من الأرض (تضم شبه الجزيرة العربية والشام وبلاد الرافدين) وتحدثت بمجموعة من اللغات المتقاربة هي اللغات السامية. وتشمل التسمية شعوباً مثل الآشوريين والبابليين والآراميين والكنعانيين والفينيقيين والعموريين والمؤابيين والأدوميين والعمونيين والعبرانيين، كما تشمل جزءاً كبيراً من سكان إثيوبيا فيما بعد. وفي الوقت الحاضر، يمثلهم العرب (من الناحية الأساسية) . وينتمي العبرانيون، أي اليهود القدامى، إلى الشعوب السامية وليس إلى مجموع اليهود بوجه عام، ذلك أن أعداداً كبيرة من الأفراد والقبائل غير السامية مثل الخزر قد تهوَّدت. ويكاد يُجمع الباحثون على أن شبه جزيرة العرب هو الموطن الأصلي للساميين، فمنها خرجت هجرات متتالية إلى بلاد الرافدين حتى جبال إيران وإلى أرمينيا ومنطقة الهلال الخصيب. وكانت هجراتهم الجماعية على فترات متباعدة أولاها هجرة الأكاديين الذين عُرفوا بالبابليين نحو عام 3500 ق. م، ثم هجرة الآراميين بين عامي 1500 و1200 ق. م، وآخرها هجرة العرب مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي. وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن المنطقة الشمالية من الصحراء السورية هي الوطن الأصلي للساميين. كما يُحتَمل أن يكون بعض الشعوب السامية، كالأكاديين، سكنوا في بلاد الرافدين منذ عصور ما قبل التاريخ، وكذلك سكان ماري وتل خوبير ومملكة إيبلا. وثمة روابط عديدة بين الساميين، أهمها الرابطة اللغوية. ولكن هذه الرابطة ليست الرابطة الوحيدة، إذ ثمة تشابه في الملامح الإثنية. كما كان يوجد تشابه في الأنظمة الاجتماعية والأنساق الدينية بين الجماعات السامية البدوية البسيطة. فالأسرة هي الوحدة الأساسية، والسلطة العليا سلطة الأب، والميراث للذكور، وتعدد الزوجات مسموح به. وتتكون القبيلة من مجموعة أسر تُوحِّد بينها صلات القربى والمصالح المشتركة، كما أن حقوق الملكية بدائية جداً وتعمل على أن تسود فكرة الجماعة. ولا تُوجَد حكومة بالمعنى الصحيح للكلمة، ولكن هناك زعيم يختاره مجلس من شيوخ القبيلة لصفات شخصية فيه إلى جانب أنه مقدَّم بين أنداده. والسلطة المحدودة التي يسبغها عليه المجلس مؤقتة وقد تُنزَع منه. وهو يتولى القضاء، على أن يحتكم إليه المتنازعون طواعيةً واختياراً. واقتصاد القبيلة بدوي يعتمد على الرعي أو على الزراعة الطبيعية أو التجارة البدائية. وتتسم الفنون بالبساطة نفسها. أما عن المؤسسات الدينية، فكان الساميون البدو يؤمنون بآلهة محلية كثيرة تسكن الأشجار والنباتات والصخور والمياه. كما أن نفوذ الإله كان مقصوراً على قبيلة ولا يمتد إلى خارج حدودها، وقد كان هذا الإله يقوم منها مقام الزعيم الأعلى والقاضي الأكبر، وكانت تربطه قرابة الدم بأفراد قبيلته. ولم يكن لهذه الآلهة مقام ثابت وإنما كانت تُعبَد في أماكن مختلفة. والإله إيل أهم الآلهة السامية، ولعله كان في الأصل إله السماء، والإله بعل قد يكون في الأصل إله المطر المخصب، وعشتارت (وهي عشتاروت التي ورد ذكرها في العهد القديم) ربما كانت في الأصل نجمة الصباح (كوكب الزهرة) ولكنها اعتُبرت فيما بعد الأرض الأم. وقد انتشرت أيضاً عبادة الشمس والقمر. وتنم أشكال الطقوس المستعملة بين الساميين عن الأصول البدوية للخطاب الديني للرموز الدينية. فعيد الفصح العبري (الذي صار بقيام المسيح من القبر عيد القيامة أهم عيد مسيحي) يميِّزه ذبح الحَمَل كقربان وأكل خبز بلا خميرة، وهما طقسان يرجعان إلى ظروف الحياة في البادية حيث فرض التنقل الدائم أكل الخبز بلا خميرة، كما أن الحمل يرمز إلى ما كان يفعله الرعاة من تقديم باكورة ما تلد قطعانهم كقرابين للآلهة. وغنيٌّ عن القول أن هذه صورة مثالية مجردة لبعض المؤسسات الاجتماعية والدينية للساميين وهم لا يزالون في الفترة الأولى من تجوالهم. ومع حفاظهم على السمات الأساسية كالتضحية بالقرابين، فإن هذه المؤسسات تطورت في المراحل اللاحقة فظهرت مؤسسة الملكية والتفاوت الاجتماعي والأرستقراطية المركبة. وظهرت نظم اقتصادية تجاوزت الأصول البدائية، فطوَّر الساميون التجارة وكانوا دائماً حلقة الوصل بين الممالك الكبرى القديمة في المنطقة. كما برعوا في الملاحة، فكانوا أول من ارتاد البحر وطوَّر العديد من الصناعات. وظهرت بينهم آداب وفنون ذات طابع إنساني شامل. بل تطورت العقائد الدينية وشعائرها، فظهر الكهنوت والنبوَّة ووصل مفهوم التوحيد إلى مستويات عالية من الرقي وصلت ذروتها في النسق الإسلامي. ويتسم الساميون، حتى وهم بعد في أدنى مراحل البداوة، بمقدرتهم الفائقة على الامتزاج بالعناصر البشرية المحلية في الأماكن التي غزوها واستوطنوها واستوعبوا حضارتها دون أن يتخلوا عن سمات حضارتهم الأولى. وتاريخ العبرانيين يتراوح بين عدد من الثنائيات المتناقضة من القيم: البساطة والتركيب، والمساواة والتفاوت، والجماعية والفردية. وقد تجلى هذا في الحضارة العبرانية في الموقف المتناقض من مؤسسة الملكية العبرانية وفي الصراع بين الأنبياء والكهنة، وبين التوحيد والحلولية. ويُعَدُّ العرب أكثر الجماعات السامية قرباً مما يمكن تسميته «الخطاب الحضاري السامي الأصلي» . كما أن اللغة العربية أقرب اللغات الحية إلى السامية الأصلية. ومع هذا، ينصرف مصطلح «معاداة السامية» إلى اليهود دون سواهم. بلاد الرافدين) العراق ( Mesopotamia (Iraq) «بلاد الرافدين» (باليونانية «ميزوبوتاميا» بمعنى «بلاد ما بين النهرين» ) . وتُسمَّى أيضاً «وادي الرافدين» . عبارة تُستخدَم للإشارة إلى البلاد التي تقع بين الشام في الغرب وبلاد فارس في الشرق، ويخترقها نهرا دجلة والفرات اللذان ينبعان من تركيا ويصبان معاً في الخليج العربي (وقد كانا منفصلين منذ ستة آلاف عام) . وكان النهران يفيضان فيعمران شواطئهما. ومع بداية الألف الخامس قبل الميلاد، بدأ الإنسان يستوطن السهول الخصبة، وبدأ في رعي الأغنام ثم الزراعة. ويتسم وادي الرافدين بعدم وجود حدود طبيعية يسهل الدفاع عنها. وتنقسم بلاد وادي الرافدين إلى قسمين يتميَّز أحدهما عن الآخر: القسم الشمالي، ويتكون من وديان عديدة ومرتفعات جبلية، وقد استوطنه الآشوريون. أما القسم الجنوبي فهو عبارة عن مستنقعات غير صالحة للعيش، وقد تراكم فيها مع مرور السنين ما يأتي به النهران من تربة، فصلحت الأرض وتم استيطان سهل الجنوب (سهل سومر) . وأهم سكان وادي الرافدين هم السومريون ثم الأقوام السامية (العربية) المختلفة مثل الأكاديين والعموريين والآشوريين والبابليين. وبعد الفتح الإسلامي، أصبح العنصر الغالب هو العرب، وأصبحت المنطقة تُسمَّى «العراق» ، ولكن اسم «العراق» ذاته يعود إلى الأزمنة القديمة، فهو من أصل بابلي. بلاد ما بين النهرين Mesopotamia عبارة «بلاد ما بين النهرين» ترجمة عربية للكلمة الإغريقية «ميزوبوتاميا» . ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» للتعبير عن المعنى نفسه. الهلال الخصيب Fertile Crescent «الهلال الخصيب» هي المنطقة الممتدة شمالي جزيرة العرب على شكل هلال يؤلف العراق (وادي الرافدين) نصف قوسه الشرقي، وتؤلف فلسطين والأردن وسوريا ولبنان نصف قوسه الغربي. وتمتد قاعدة قوس الهلال على الحدود الشمالية لجزيرة العرب. ويُعتبَر الساميون أقدم من استوطن الهلال الخصيب. ويعني المصطلح أن البلاد العربية الواقعة في نطاق المنطقة التي يدل عليها تكتسب نوعاً من الوحدة والارتباط فيما بينها، كما يتضمن المصطلح أن هذه البلاد الواقعة في نطاق المنطقة التي يدل عليها تتميز وتنفصل جغرافياً وسياسياً عن مصر وعن السعودية وما يجاورها. ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» . ميزوبوتاميا Mesopotamia «ميزوبوتاميا» كلمة إغريقية تعني «بلاد الرافدين» ، وتعني حرفياً «بلاد ما بين النهرين» . وكانت الكلمة تشير في بداية الأمر إلى دويلة آرام نهراييم الآرامية الواقعة في منطقة حران، ثم أُطلق هذا الاسم اليوناني على المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات. وأخيراً، اتسع مدلوله ليشمل العراق بأسره. ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «بلاد الرافدين» للتعبير عن هذا المعنى نفسه. الأكاديون Akadians «الأكاديون» قوم ساميون ظهرت دولتهم في الفترة (2360 ـ 2180 ق. م) في منطقة أكاد ببلاد الرافدين، في المنطقة الشمالية من الوادي بين دجلة والفرات التي كانت تضم بابل ومدناً أخرى مهمة. من أشهر ملوكهم سرجون الأول (2279 - 2234 ق. م) الذي هزم جميع المدن السومرية في الجنوب وبنى مدينة أكاد. واتسعت الدولة في عهده حتى شملت بلاد سومر وبلاد العيلاميين وسوريا. وكذلك فعل خلفاؤه وأشهرهم نارام سن (2254 ـ 2218 ق. م) . بدأ انحلال أكاد بعد أكثر من قرن، عندما قامت قبائل الكوتي الجبلية من الشرق بغزوها. ثم سيطر عليها السومريون الجدد وكوَّنوا سلالة عُرفت باسم سلالة أور الثالثة (2112ـ 2004 ق. م) . وقد سقطت الإمبراطورية الأكادية في أيدي العيلاميين خلال الألف الثالثة قبل الميلاد. ولكنهم لم يبقوا في البلاد مدة طويلة بل طُردوا على أيدي السلالات العمورية التي منها سلالة بابل الأولى التي اشتهرت بملكها السادس حمورابي (1792 ـ 1750 ق. م) . ولغة الأكاديين هي الأكادية، وهي أقدم اللغات السامية المعروفة في بلاد الرافدين، وأقرب اللغات إليها هي البابلية القديمة والآشورية القديمة. وهي تشبه أيضاً الآرامية في كثير من الوجوه. وقد ازدهرت الأكادية في الألف الرابع قبل الميلاد، وأصبحت لغة الدبلوماسية والمراسلات الدولية والتجارة في الشرق الأدنى، إلى أن حلت الآرامية محلها ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد. آشور Assyria «آشور» اسم الإله الأكبر عند الآشوريين، وهو أيضاً اسم أوَّل وأهم عاصمة لهم تقع أطلالها على الجانب الأيمن من نهر دجلة. وتستخدم الكلمة للإشارة إلى الإمبراطورية الآشورية كلها وهي أيضاً الاسم الأول لعدة ملوك آشوريين. الآشوريون Assyrians النسبة في كلمة «الآشوريون» إلى آشور. وهم قوم يرجع أصلهم إلى القبائل السامية التي استقرت خلال الألف الثالثة قبل الميلاد شمالي وادي الرافدين. نجحت في إقامة إمبراطورية حكمت أجزاء من غرب آسيا واتخذت مدينة آشور الواقعة في أعالي نهر دجلة عاصمة لها، وفيما بعد اتخذت كالح (التي تُعرَف في الوقت الحالي باسم «نمرود» ) عاصمة لها، ثم جُعلت العاصمة فيما بعد في نينوي. ويمكن تقسيم تاريخ الآشوريين إلى المراحل الثلاث التالية: 1 ـ المرحلة القديمة (2000 ـ 1500 ق. م) : وقد خضع الآشوريون إبانها لسلطان بابل ثم لسلطان دولة ميتاني التي أسسها الحوريون. 2 ـ المرحلة الوسيطة (1500 ـ 911 ق. م) : وقد ازدادت إبّانها قوة الآشوريين، فسيطروا على طرق التجارة في غرب آسيا. 3 ـ المرحلة الآشورية الجديدة (911 ـ 609 ق. م) : وقد شهدت آشور في نهايات الفترة الوسيطة هجمات الأخلامو (الآراميين) التي استمرت زهاء ثلاثة قرون. وظهرت في هذه المرحلة أيضاً الدويلات الآرامية والعبرانية المختلفة. والواقع أن المرحلة الثالثة، أي المرحلة الآشورية الجديدة، هي وحدها التي تهمنا، فهي التي تؤثر في مصير العبرانيين. ويمكن تقسيم هذه المرحلة بدورها إلى ثلاث فترات: أ) الفترة الأولى (911 ـ 824 ق. م) : وقد شهدت ظهور القوة الآشورية مرة أخرى. فأوقف شلمانصر الثالث (853 ـ 824 ق. م) هجمات الآراميين، ثم هاجم تحالفاً عبرياً آرامياً بين آخاب العبراني وبن هدد ملك دمشق في معركة قرقر عام 853 ق. م. ولم تكن المعركة حاسمة، ولكنها مع هذا أدت إلى ظهور حزب آشوري قوي داخل المملكة الشمالية. وبعد سقوط آخاب عام 852 ق. م، دفعت المملكة الجنوبية الجزية لآشور. وتظهر أول صورة لملك عبراني في التاريخ على مسلة شلمانصر الثالث، فنراه يقوم بتقديم فروض الطاعة والولاء للملك الآشوري. ولم يكن الآشوريون يهدفون إبان هذه المرحلة إلى احتلال المناطق التي يفتحونها، وإنما كانوا يهدفون إلى تحييد التهديد الخارجي وإبطال أثره والاستيلاء على المغانم والأسرى لاستخدامهم في المشاريع الإنشائية الكبرى. ب) الفترة الثانية (825 ـ 744 ق. م) : شهدت الإمبراطورية الآشورية بعد موت شلمانصر الثالث تراجعاً بسبب ازدياد قوة جيرانها في الشمال وبسبب النزاعات الداخلية. وقد انتهزت المملكتان الجنوبية والشمالية هذه الفرصة وزادتا من مساحة الرقعة التابعة لهما، وبعثتا الحلف المعادي للآشوريين الذي ضم كلاًّ من يربعام الثاني وعزيا. جـ) الفترة الثالثة (743 ـ 609 ق. م) : عاد النفوذ الآشوري حينما قام آشور ناصر بال الثاني (884 ـ 759 ق. م) بثورة في التكتيك العسكري للجيش الآشوري، وبدأت الحقبة الآشورية الجديدة بأبطالها تيجلات بلاسر الثالث (745 ـ 727 ق. م) وشلمانصر الخامس (726 ـ 722 ق. م) وسرجون الثاني (722 ـ 705 ق. م) وسناخريب (705 ـ 681 ق. م) وأسرحدون (680 ـ 669 ق. م) وآشور بانيبال (668 ـ 630 ق. م) . تمكن هؤلاء الملوك من تدعيم قوتهم في الداخل، وأسسوا جيوشاً نظامية قوية نجحت في ضم الشرق الأدنى القديم بأكمله بما في ذلك بابل التي احتفظت دائماً بشيء من الاستقلال. ولم يكن الهدف في هذه الفترة جمع المغانم وإنما الهيمنة الدائمة وتأسيس إمبراطورية مكوَّنة من أقاليم ودول تابعة تساندها عمليات تهجير للشعوب المهزومة وتديرها بيروقراطية مركبة تضم عناصر غير آشورية أغلبها آرامية سادت لغتها بالتدريج. وقد شهدت هذه الفترة زيادة ملحوظة في عظمة وأبهة المدن الآشورية. وقد سيطر تيجلات بلاسر الثالث سيطرة كاملة على البابليين وتلَّقب بملك بابل، وأعاد الهيمنة على فلسطين، فوقع تحت نفوذه عمون وأدوم ومؤاب ويهودا. وأخذ مناحيم ملك المملكة الشمالية في دفع الجزية مرة أخرى. ولكن كان ثمة ضعف أساسي في الإمبراطورية الآشورية إذ كانت تعتمد على الجزية من الشعوب المغلوبة وعلى العناصر البشرية المهجَّرة من المناطق المهزومة، ولهذا فقد كانت الشعوب المقهورة دائمة الثورة. وقد ظهر في المملكة الشمالية، بإيعاز من مصر، حزب معاد لآشور سيطر على الحكم في نهاية الأمر، وكان فاقح ممثل هذا الحزب، فحاول أن يُرغم آحاز ملك المملكة الجنوبية على دخول الحلف. ولكن آحاز فضل أن تظل مملكته دولة تابعة، وطلب العون من آشور ضد هذا التحالف العبراني الآرامي الذي انضم له الفلستيون والأدوميون. فهب تيجلات بلاسر لمساعدته. وسقطت أمامه دمشق في عام 732 ق. م، ثم خلع فاقح عن العرش وأحل محله هوشع عام 726 ق. م. ونتيجةً لذلك، فقدت المملكة الشمالية ممتلكاتها في شرق الأردن والجليل، وأصبحت فلستيا وصور ومؤاب وأدوم أقاليم آشورية. وحينما حاول هوشع عام 726 ق. م أن يتخلص من هيمنة الآشوريين، حاصر شلمانصر الخامس السامرة، ثم استولى عليها خلفه سرجون الثاني. فاختفت المملكة الشمالية إلى الأبد بالاستيلاء عليها وتم ترحيل زعمائها ورؤوس قبائلها إلى آشور وميديا (شرقي العراق) وإحلال آراميين (من سوريا) وبابليين محلهم بحسب المدونات الآشورية. وهذا ما يُسمَّى «السبي الآشوري» أو «التهجير الآشوري» الذي اختفت على أثره القبائل العشر «المفقودة» . استمرت يهودا في دفع الجزية. وفي نهاية الأمر، اندلعت ثورة فيها بتأييد من مصر. وقد كان ردّ سناخريب حاسماً، فأخمد الثورة، ولكنه سمح ليهودا أن تستمر كدولة تابعة. وحينما عاود اليهود الكرَّة، حاصر سناخريب القدس ولكنها لم تسقط إذ اضطر إلى فك الحصار بسبب الوباء على أن يدفع اليهود الجزية. وقد أرهقت مثل هذه الثورات الإمبراطورية الآشورية، وولَّدت التوترات داخل النخبة الحاكمة، وانتهى الأمر باغتيال سناخريب عام 681 ق. م. ونشبت بين آشور بانيبال وأخيه حاكم بابل حرب انتصر فيها الأول. وقام مناشي ملك المملكة الجنوبية بثورة ضد آشور بانبيال عام 652 ق. م فنفاه هذا إلى آشور. ثم اندلعت الثورات، بشكل أكثر وضوحاً، في أطراف الإمبراطورية الآشورية، فأكدت المملكة الجنوبية استقلالها تحت حكم هوشع، واستقلت بابل تحت حكم الأسرة الكلدانية البابلية الجديدة. ثم اندلع الصراع بين أعضاء النخبة في آشور على ما تبقَّى من قوة، فهاجمهم البابليون (تحالف الكلدانيين والحوريين) وسقطت في أيديهم العواصم الآشورية في الفترة (614 ـ 612 ق. م) . أما الجيش الآشوري، وكان دائماً يشكل دولة داخل الدولة، فقد صمد بعض الوقت في حران بمساندة المصريين. ولكن، في الفترة (610 ـ 609 ق. م) ، نجح الكلدانيون (بمساعدة هوشع الذي خرَّ صريعاً في المعركة) في تأخير زحف القوات المصرية، وبذلك اختفت الدولة الآشورية وظهرت الدولة البابلية الجديدة. ولا يمكن وصف الحضارة الآشورية بمعزل عن الحضارة البابلية، فعلى حدّ قول المؤرخين: إذا كان الآشوريون هم رومان الشرق الأدنى القديم، فالبابليون هم إغريقيوه. وقد نجح الآشوريون في حقل الإدارة بسبب تقديرهم العميق للقانون والنظام. وعلى قمة الدولة، كان يوجد الملك، ولكنه لم يكن مؤلهاً، ثم يأتي بعده الكهنة وطبقة المحاربين. وقد قُسِّمت الدولة إلى مقاطعات على رأس كل منها حاكم مهمته جمع الضرائب وتنفيذ القانون. وكانت المصادر الأساسية هي الزراعة وتربية الحيوانات وصيدها وصيد الأسماك (وقد كان الصيد هواية النبلاء الأولى) ، كما طوروا التجارة الداخلية والخارجية. ولكن الحروب والغنائم والجزية المفروضة على الشعوب المغلوبة كانت من المصادر التي تعتمد عليها الدولة أيضاً. والآشوريون من أوائل الشعوب التي حولت الحرب إلى فن، فلقد طوروا وأبدعوا في الأسلحة الجديدة، أسلحة الحصار (التكتيك العسكري) ، والهجوم بجيوش جرارة كبيرة العدد تكتسح ما أمامها بشدة وضراوة رهيبة. ولهذا، فقد كانوا يشنون حروباً شاملة يسبون بعدها الشعوب التي يهزمونها، ويقومون بتهجيرها وتوطينها في أماكن بعيدة عن أوطانهم ثم يوطِّنون مكانهم أقواماً أخرى. وهذه عمليات عسكرية تشبه من بعض الوجوه عمليات نزع السلاح في الوقت الحالي وفرض السلام العسكري. وقد اضطر الآشوريون إلى اللجوء إلى هذه الإجراءات لعدم وجود قاعدة بشرية ضخمة تسمح بوجود جيش احتلال دائم قوي. وقد طوَّر الآشوريون فن إنشاء المدن التي كانت تأخذ شكلاً مربعاً وتحتوي على حدائق حيوانات ونباتات وقنوات مياه تجلب المياه من الجبال. وكان الفن الآشوري تطويراً للفنون البابلية والحيثية، فطوروا استخدام الأحجار في أساس المباني وأعمدتها، كما طوروا القوس البابلي. وفي نقوشهم البارزة الطويلة، ظهرت أكثر رسومهم أصالة حيث صوروا مناظر الصيد المختلفة، وخصوصاً منظر آلام الأسد الذبيح. وهم أصحاب أول نوتة موسيقية. وقد طوَّر الآشوريون كذلك معارف البابليين في الكيمياء والطب. وكانت أعمالهم الأدبية تتضمن الملاحم والأساطير كما تضمنت نصوصاً دينية. وكانت الكتابة التاريخية عندهم متطورة للغاية إذ كان عندهم إحساس عميق بالتاريخ كما كانت لديهم الرغبة في الحفاظ على الماضي، الأمر الذي جعلهم يؤسسون أول مكتبات تضم مدوناتهم التاريخية. ويُقال إن مكتبة آشور بانيبال ضمَّت اثنين وعشرين ألف لوح طيني وأسطوانات تحتوى على أناشيد وأساطير وأعمال علمية ورياضية. كانت الإمبراطورية الآشورية تضم عدة شعوب. كما أن تهجير الشعوب المغلوبة أدَّى إلى تزاوج الآشوريين وبنات الشعوب الأخرى، الأمر الذي أدَّى إلى انعدام التجانس العرْقي والثقافي وظهور رؤية أممية. واللغة الآشورية من اللغات السامية. وتُعَدُّ لهجتها الشمالية أصلاً للغة الأكادية. أما لهجتها الجنوبية فهي اللغة البابلية. وقد تبنَّى الآشوريون الخط المسماري، ثم استخدموا اللغة الآرامية في عهد متأخر. وإلههم القومي هو آشور خالق الآلهة والبشر جميعاً. وهو إله حرب كانوا يمثلونه في شكل رامي سهام داخل دائرة تمثل قرص شمس لها أجنحة. وكانت عشتار (عشتروت) ، الإلهة العظيمة للحرب والخصب، تُعبَد في كلٍّ من نينوي وآشور. وكانت الآلهة الأخرى تمثل قوى الطبيعة، فيمثل أنو قوة السماء، ويمثل بل الأرض، وأيا يمثل المياه، وسين يمثل القمر، وشماش يمثل الشمس، ورمان يمثل العاصفة. وقد كانت هذه كلها آلهة بابلية ماعدا آشور الذي كان نظيراً لمردوخ البابلي. وقد رفع الآشوريون إلههم إلى منزلة عالية متسامية بين الآلهة حتى وصلوا به إلى نوع من التشوابية (التغليبية) ، وهو مفهوم أثَّر في التصور اليهودي للخالق. تيجلات بلاسر الثالث (754-727 ق. م ( Tiglath Pileser III مؤسس الإمبراطورية الآشورية الجديدة. هاجم بابل في أول سني حكمه واستولى عليها، وبعد ذلك سمَّى نفسه ملك سومر وأكاد. وقد فرض الجزية على عدة ملوك في الشرق من بينهم رزين ملك دمشق، ومناحم ملك المملكة الشمالية وحيرام ملك صور. وقد حاول كلٌّ من فاقح (ملك المملكة الشمالية) ورزين أن يتخلصا من الهيمنة الآشورية. وحينما رفض آحاز ملك المملكة الجنوبية الانضمام إليهما قاما بالهجوم عليه، وهو ما جعله يطلب العون من تيجلات بلاسر الثالث الذي شن هجوماً عليهما وأسقط فاقح وأحل محله هوشع. قام تيجلات بلاسر الثالث بالهجوم على بابل في آخر حكمه بسبب ثورتها عليه، وتوج نفسه ملكاً عليها. سرجون الثاني (721-705 ق. م ( Sargon II «سرجون الثاني» هو شاروكين ملك آشور. استولى على العرش بعد موت شلمانصر، وذلك أثناء حصاره السامرة، فأتم الحملة بنجاح وهجَّر سكانها. وقد هزم عام 720 ق. م تحالفاً عسكرياً من بقايا المملكة الشمالية. وبعد اغتياله، خلفه سناخريب على العرش. سناخريب (705-688 ق. م ( Sennacherib ملك آشور، ابن سرجون الثاني. قضى أيام ملكه محاولاً تثبيت دعائم الإمبراطورية، كما قام بنشاط معماري فأعاد بناء نينوي وابتنى قصراً فيها. قام بست حملات عسكرية ضد الكلدانيين والآراميين والعيلاميين والمصريين. حاصر بابل لمدة تسعة أشهر، ثم دمرها بعد أن سقطت في يده عام 689 ق. م. ثم أخمد ثورة قامت ضده في فلسطين بتأييد من مصر وأسقط ستاً وأربعين مدينة لم تكن القدس من بينها وسبى عدداً كبيراً من الأسرى. وحينما قام بحملته الأخيرة، انتشر الطاعون في جيشه، وهو ما اضطره إلى الانسحاب، فاكتفى بأخذ الجزية. ويُعَدُّ سناخريب من أكثر الأباطرة الآشوريين شهرة بسبب القصص التي وردت عنه في العهد القديم. بابل Babylon; Babylonia كلمة «بابل» من العبارة الأكادية: «باب إيلي» أي «بوابة الإله» . وتُطلَق كلمة «بابل» على عاصمة إمبراطورية بابل القديمة. وتقع أنقاضها على مقربة من مدينة الحلة في وسط العراق، على بعد خمسة وخمسين كيلو متراً من بغداد، وعلى نهر الفرات حيث تقترب من نهر دجلة. وقد كان لموقعها أثر كبير في تَحكُّمها في التجارة. وقد بلغت بابل ذروة مجدها في عهد حمورابي، ثم دُمرت في عهد سناخريب، لكن أُعيد بناؤها في الدولة البابلية الجديدة. واشتهرت بابل بمبانيها وقصورها وحدائقها المعلقة التي تُعَدُّ إحدى عجائب العالم القديم. تُعرَف بابل في العهد القديم باسم «أرض شنعار» أو «كيديم» ، وقد كان اسم «بابل» يشير إلى المنطقة المعروفة بهذا الاسم وإلى العاصمة. وتُعَدُّ بابل رمزاً للوثنية بالنسبة إلى أنبياء اليهود، ولكن مضمون الكلمة تغيَّر فيما بعد بحيث أصبحت تعادل لدى اليهود كلمة «منفى» في معناها. وقد ارتبط اسم بابل كذلك بكلمة «زقورة بابل» ، ومعناها «برج» . وتستخدم بعض الكتابات الصهيونية، وأحياناً اليهودية، مصطلح «بابل» للإشارة إلى العراق وإلى بلاد الرافدين حتى بعد أن ظهر اسم العراق مصطلحاً يشير إلى هذه المنطقة، وحتى بعد أن ظهر العراق بوصفه جزءاً من الكيان العربي والإسلامي بعد الفتح العربي. وهذا استخدام يُذكِّر بالإشارة إلى فلسطين باعتبارها إرتس يسرائيل. البابليون Babylonians النسبة في كلمة «بابليّ» إلى بابل التي ظهرت الحياة المستقرة فيها خلال الألف السادسة قبل الميلاد. وقد أسس السومريون (وهم شعب غير سامي) حضارة لها أبعادها في بابل، ثم استقرت فيها القبائل السامية وأولها الأكاديون الذين غزوها عام 3800 ق. م تحت قيادة سرجون الأول وتبنوا كتابتها وحضارتها. ثم استولى العموريون (وهم أيضاً قبائل سامية) على الحكم، وشيدوا لأنفسهم إمبراطورية على ضفاف نهري الفرات ودجلة في الجزء الجنوبي من سومر (العراق) . وقد حكمت أول أسرة عمورية بابل في الفترة (1830 ـ 1530 ق. م) ، وكانت بابل آنذاك عبارة عن دويلات صغيرة في ماري وبابل وغيرها من المدن. ثم ظهر أعظم ملوكهم حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد حيث اشتهر بمجموعة القوانين المعروفة باسمه (شريعة حمورابي) وهو الذي وحَّد هذه الدويلات وقام بأعمال معمارية مهمة. وتعرضت البلاد للضعف بعد وفاة حمورابي، فاستولى عليها الحيثيون عام 1595 ق. م لفترة قصيرة، ثم استولى الكاشيون عليها حوالي عام 1570 ق. م وظلوا بها لعدة قرون فيما يعرف باسم الأسرة الكاشية (1530 ـ 1150 ق. م) أو الأسرة البابلية الثالثة. وقد تبنَّى حكام هذه الأسرة أسماء بابلية. وازدهرت إبان حكمهم الحضارة البابلية. وفي الفترة 1300 ـ 1000 ق. م، ظهر الأخلامو والسوتو (وهي قبائل آرامية أضعفت الدولة) فهيمن عليها الآشوريون ثم الكاشيون مرة أخرى. وبعد ذلك بدأت فترة الهيمنة الآشورية المستمرة في الفترة 900 ـ 626 ق. م، إلى أن أسس بنو بولاسار (في عام 625 ق. م) دولة مستقلة يشار إليها باسم «الدولة البابلية الجديدة أو الكلدانية» (نسبة إلى كلدة) نتيجة تحالف الكلدانيين والحوريين (مملكة ميتاني) . وبلغت الإمبراطورية أوج مجدها في عهد نبوختنصر (605 ـ 562 ق. م) الذي أعاد بناء بابل، وأنشأ أسوارها الشهيرة وحدائقها المعلقة، ثم هزم المملكة الجنوبية وقام بتهجير قيادتها إلى بابل. تدهورت بابل مع نمو دولة الفرس. وبعد موت نبوختنصر، حاول نابونيدس (555 ـ 539 ق. م) أن يستولى على عرش الإمبراطورية، فقضى معظم حكمه في واحة في شمالي الجزيرة العربية. لكن الإمبراطورية سقطت دون مقاومة تُذكَر في يد قورش الأعظم (550 ـ 530 ق. م) مؤسس الإمبراطورية الفارسية. كان المجتمع في بابل يتسم بشكل من أشكال الديموقراطية البدائية التي اختفت مع عصر حمورابي حين ظهرت طبقات الأحرار والموالي (وهي طبقة ظهرت واختفت بسرعة) وكذلك العبيد. وفي الألف الأولى قبل الميلاد، كان عبيد المعبد يشكلون طبقة متميزة. وقد اعتمدت ثروة بابل على المزارع التي وضعت لها نظم ري دقيقة. كما ازدهرت الصناعة التي كانت تشمل صناعة النسيج والصباغة والتطريز بجانب صناعة المعادن والفخار. وكانت بابل تنقصها المعادن والأحجار والأخشاب، ولذا فقد كانت تستوردها. وكانت تجارة بابل واسعة النطاق مع الهند والبحرين وعمان والصومال واليمن عن طريق البحر. وفي البداية، كانت المعابد تتحكم في الاقتصاد. ولكن، مع عصر حمورابي، سيطر أصحاب رؤوس الأموال على التجارة. وقد استخدم البابليون النقود على نطاق واسع، الأمر الذي سهل التجارة المحلية والدولية. وقد ترك هذا النشاط التجاري أعمق الأثر في العبرانيين بعد تهجيرهم إلى بابل. وكانت الغنائم والجزية من الموارد الأساسية للدولة. وقد طور البابليون استخدام العجلات في الحرب، وهو ما ساعد على أن تصبح إمبراطوريتهم مترامية الأطراف. وحققوا إنجازات ذات شأن في الفلك والرياضيات، ومنهم اقتبس اليونانيون العلوم وطوروها. كما كانت إنجازاتهم المعمارية والفنية ذات أثر عميق في الحضارات المعاصرة لهم والتي أتت بعدهم، وقد تأثر العبرانيون بهذه المعارف بشكل عميق بعد تهجيرهم إلى بابل. وتتَّسم ديانة البابليين وأهل بلاد الرافدين باحتوائها على قدر كبير من الإيمان بالجن والسحر، كما لم تتضمن في البداية مفهوماً للخطيئة أو الإحساس بالذنب أو بالحياة بعد الموت. ولم يكن النظام الكوني في مفهوم البابليين نظاماً أخلاقياً. وكان لدى الإنسان البابلي إحساس بتَقلُّب العالم، ومن هنا كان إحساسه بالعجز أمام قوى الطبيعة والآلهة التي حاول دائماً أن يكتشف إرادتها عن طريق التنجيم وفحص أمعاء الحيوانات التي يضحي بها الإنسان. وكان أعظم آلهتهم هو مردوخ. ولكن الديانة تطورت، وظهر مفهوم التقوى والحساب والعقاب، كما ظهر مفهوم للعالم الآخر أو عالم الموتى الذي يستقرون فيه بعد الموت دون حساب أو عقاب. بل ظهرت أشكال من التوحيد، فكان يُشار إلى سائر الآلهة باعتبارها تجليات للإله مردوخ الأعظم. ولغة البابليين هي البابلية، وهي اللهجة الجنوبية من لهجات اللغة الأكادية. كما أن كتابتهم المسمارية التي أخذوها عن السومريين قد أثرت في الآشوريين. وقد كان لهم أدب ثري، وخصوصاً في مجال الملاحم التي تُعَدُّ جلجامش من أهمها. ويجب عدم فصل حضارة البابليين عن حضارة الآشوريين. فهما، رغم أنهما تشكيلان سياسيان متصارعان، ينتميان إلى تشكيل حضاري (سامي) واحد هو التشكيل الذي ساد المنطقة في نهاية الأمر. الكلدانيون Chaldeans «الكلدانيون» هم الآراميون الذين كانوا يقيمون في كلدة التي كانت تقع في أقصى جنوب دلتا وادي دجلة والفرات. وكان المصطلح يتسع أحياناً ليشمل بابل بأسرها، ليضم كل بلاد الرافدين بين صحراء العرب ودلتا الفرات. ويُستخدَم الاسم للإشارة إلى الشعب الذي أخذ في الهيمنة على المنطقة ابتداءً من القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى أن قام في القرن السابع قبل الميلاد بمساعدة الحوريين (مملكة ميتاني) بإسقاط حكم الآشوريين وتأسيس الإمبراطورية البابلية الحديثة أو الكلدانية التي انصهر فيها البابليون والآراميون والكلدانيون. ومن أهم ملوك هذه الإمبراطورية نبوبولاسار (625 ق. م) ، ونبوختنصر (605 ـ 562 ق. م) الذي أسس إمبراطورية ضخمة تمتد من آشور حتى الحدود المصرية وقضى على المملكة الجنوبية وهجَّر سكانها إلى بابل. وقد سقطت الأسرة الكلدانية على يد قورش الثاني الفارسي في عام 599 ق. م. أخذ الكلدانيون بالحضارة البابلية القديمة وأضافوا إليها كثيراً. وظهر بينهم حكماء متبحرون في مختلف جوانب المعارف؛ كالمهن التعليمية والعلوم الرياضية والكهنوتية. وتوصلوا إلى معرفة حساب الخسوف والكسوف، كما برعوا في فن التنجيم حتى أصبحت كلمة «كلداني» مرادفة لكلمة «منجِّم» . ومارسوا كذلك فن التطريز وفن المعمار. وقد أصبحت بابل في عهد نبوختنصر أعظم مدينة معمورة على وجه الأرض. نبوختنصر (605-562 ق. م) Nebuchadnezzar مؤسس الإمبراطورية الكلدانية (البابلية الجديدة) وأعظم ملوك الكلدانيين. أسقط الإمبراطورية الآشورية بمساعدة الحوريين (مملكة ميتاني) ، وهزم القوات المصرية في معركة قرقميش عام 605 ق. م. وقاد نبوختنصر حملتين ضد المملكة الجنوبية: الأولى في عام 597 ق. م لإخماد التمرد فيها، فأحل صدقيا محل يهوياكين، ونفى ثمانية آلاف يهودي من الأرستقراطيين. وبعد بضع سنين، عندما أعاد العبرانيون الكرَّة بإيعاز من مصر، قاد نبوختنصر حملة أخرى عام 586 ق. م. ورغم أن المصريين أرسلوا المساعدات للعبرانيين، فقد أسقط القدس ودمَّر الهيكل وأسر عدداً من اليهود ساقهم إلى بابل، وعيَّن جداليا حاكماً لفلسطين. وكان نبوختنصر من كبار البناة، فهو الذي زيَّن بابل بالحدائق المعلقة. ولعل تهجير اليهود كان يهدف إلى تعمير العاصمة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العموريون
Amorites وتُكتَب أحياناً «الأموريون» . و «العموريون» كلمة بابلية معناها «الغربيون» ، وتُستخدَم للإشارة إلى أقدم شعب سامي معروف أقام في بلاد الشام وفلسطين في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، وكوَّن مملكة نحو عام 2500 ق. م ضمت بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين. وقد اتسع استخدام الكلمة بحيث كانت تشير أحياناً إلى سكان أرض كنعان قبل تَسلُّل القبائل العبرانية وليس العموريين فحسب. ويحمل الاسم أحياناً (في المنقوشات القديمة) دلالة إثنية إذ يشير إلى القبائل السامية الغربية، لكنه كان يحمل في أحيان أخرى دلالة جغرافية تتعلق بكل من سوريا وفلسطين في آن واحد. وفي عام 1800 ق. م تقريباً، كان يسيطر على المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط ومرتفعات عيلام أمراء عموريون تسببت هجرتهم في أن اكتسبت المنطقة كلها صبغتها السامية (العربية) التي احتفظت بها حتى الآن (باستثناء جيوب الحوريين) . وكانت تُوجَد سلالات عمورية عديدة تقطن مناطق مختلفة من أهمها السلالة التي حكمت بابل، كما كانت ماري عاصمة للعموريين في أوائل الألف الثانية قبل الميلاد، وكانت حلب إحدى عواصمهم الأخرى. وكانت المملكة العمورية نقطة اتصال مهمة بين مصر من ناحية وبلاد الرافدين وبلاد الحيثيين من ناحية أخرى. ومع ظهور تحتمس الثالث عام 1447 ق. م (الأسرة الثامنة عشرة) ، فرضت مصر سلطانها على العموريين. وحين دخلت القبائل العبرانية فلسطين، وجدت العموريين وبقية القبائل السامية مستوطنةً إياها إذ كانوا يقيمون على شاطئ نهر الأردن في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ويسيطرون على المواقع الإستراتيجية ورؤوس التلال الواقعة في سوريا الجنوبية والممتدة إلى فلسطين. ولقد قاوم العموريون التسلل العبراني إلى المنطقة، وقام صراع شديد بينهم وبين العبرانيين. ومع ذلك، فقد هزمهم العبرانيون واحتلوا أرضهم. وغزا يشوع العموريين الذين كانوا يقطنون الأرض الجبلية قرب فلسطين، ولكنهم بقوا بعد التسلل العبراني. وقد وقعت مملكتهم تحت سيطرة داود. كان العموريون، في بداية الأمر، شعباً بدوياً يعتمد على الحمير كوسيلة أساسية للانتقال، كما كانوا يمارسون الصيد ويتصفون بخشونة الطبع. لكنهم ما لبثوا أن أخذوا بأساليب الحضارة، وخصوصاً السورية الأكادية ومن ذلك المؤسسات السياسية والفكرية، وذلك مع أن حضارتهم لم تكن متجانسة بسبب انتشارهم في مناطق متباعدة. وقد ازدهرت حياتهم بسبب اشتغالهم بالزراعة والتجارة. ولم تختلف اللغة العمورية في فلسطين عن اللغة الكنعانية إلا من حيث إنها لهجة، فهي لهجة كنعانية قديمة تقابل اللهجة الكنعانية الغربية السائدة. وقد استُوعبت هذه اللغة تماماً في اللغتين الكنعانية والأكادية. ولم تختلف ديانة العموريين، من حيث شكلها البدائي، عن عبادة قوى ومظاهر الطبيعة عند الساميين. وأكبر آلهتهم عمور (إله الحرب) وشريكته وهي عاشرة التي تشبه نموذج عشتار. كما عبدوا آلهة أخرى مثل هدد المعروف باسم رمانو (مانع الصواعق) وهو إله مطر وعواصف. وقد صار بعد ذلك البعل الأعظم. وكان هناك دجن إله الغذاء الذي عُبد في غزة على وجه الخصوص. وحينما يشير العهد القديم إلى العموريين بلفظة «إيموري» فهو يعني سكان فلسطين كافة، والقبائل التي حاربها العبرانيون على وجه الخصوص. أما في الكتابات التلمودية، فإن المصطلح يشير إلى كل عبدة الأصنام. الأدوميون Edomites كلمة «أدوميون» تشير إلى إحدى الجماعات السامية التي كانت تقيم في أرض كنعان بمنطقة جبل سعير التي كان يُطلَق عليها أيضاً «أدوم» ، وكانت عاصمة ملكهم سيلع (البتراء فيما بعد) . وهم حسب الرواية التوراتية من نسل عيسو الذي كان يُدعَى أيضاً «أدوم» ، أي «الأحمر» . وقد قاموا بطرد الحوريين من المنطقة التي استوطنوها، وعاشوا على الصيد. وكانوا ينقسمون في البداية إلى قبائل يحكمها شيخ القبيلة ثم اتحدوا وكونوا مملكة. وقد احتكروا تجارة شمالي البحر الأحمر في فترات قوتهم. ويُعَدُّ الأدوميون الأعداء التقليديين للقبائل العبرانية، فقد عارضوا (هم والمؤابيون) مرور العبرانيين عبر بلادهم عند قدومهم من مصر. وقد جرت بينهم وبين القبائل العبرانية حروب تبادل كل جانب فيها السيطرة على الآخر، وكان من نتائجها أن ضم شاؤول وداود أجزاء من أراضيهم. وقد تحرَّر الأدوميون من السيطرة العبرانية في أواخر حكم سليمان. ثم خضعوا للمملكة الجنوبية، ولكنهم أعلنوا العصيان عام 848 ق. م. واستقلوا بعد حروب طويلة، غير أنهم صاروا فيما بعد تابعين لآشور ثم بابل. وقد ورث الأدوميون القسم الشرقي من المملكة الجنوبية بعد أن قضى الكلدانيون عليها، لكن الأنباط زاحموهم فترة من الزمن. ورغم العداوة بين العبرانيين والأدوميين، فإنهم في شريعة موسى يُعتبَرون إخوة لهم (تثنية 23/7، 8) . واستمر الصراع بينهم وبين اليهود إلى أن هزمهم جون هيركانوس الحشموني وفرض عليهم اليهودية والتختن بحد السيف. وكان هيرود (ملك اليهود) أدومياً، الأمر الذي قلص شرعيته إذ لم يكن بمقدوره أن يصبح كاهناً أعظم. وأثناء حصار تيتوس للقدس، انضم الأدوميون إلى العناصر العبرانية المتطرفة وقتلوا كل من تصوروا أنه مؤيد للسلام في روما. وقد اختفى الأدوميون بعد ذلك من تاريخ العبرانيين. ولم تكن إنجازات الأدوميين الحضارية كبيرة. وكانوا يتحدثون بلهجة شديدة الشبه بالعبرية، ولكننا لا نعرف شيئاً عن ديانتهم إلا أسماء بعض الآلهة، مثل قوس وهدد، كما أن أحد آلهتهم كان يُدعَى «إلواه» . وتعني كلمة «أدومي» كما جاء في التلمود «الحكومة الطاغية» ، وخصوصاً روما. أما في العصور الوسطى، فقد كانت الكلمة تُستخدَم للإشارة إلى أوربا المسيحية. العمونيون Ammonites «العمونيون» شعب سامي قديم تجمعه، حسب الرؤية التوراتية، صلة قرابة بالعبرانيين. وبعد فترة غير قصيرة من الحياة شبه البدوية، أنشأ العمونيون مملكة شمالي مؤاب التي استمرت من عام 1500 ق. م حتى القرن الثاني الميلادي. وقد سموا عاصمتهم «رباة عمون» (ربة بني عمون في التوراة) . ونشب بينهم وبين العبرانيين صراع استمر طويلاً تبادلا أثناءه الهزائم والانتصارات، كلٌّ على الآخر، حتى سقطت عاصمتهم في يد داود. ويُعزَى إلى امرأة عمونية في بلاط سليمان أمر غوايته وعبادته الرب العموني ملكوم (مولك) . حصل العمونيون على استقلالهم عند انقسام المملكة العبرانية المتحدة (298 ق. م) ، وتحالفوا مع الكلدانيين والآراميين، وهاجموا المملكة الجنوبية، كما حاولوا منع العبرانيين من بناء أسوار الهيكل بعد عودتهم من بابل. وقد ساعد العمونيون القوات السلوقية أثناء التمرد الحشموني، وألحق بهم يهودا الحشموني الهزيمة عام 163 ق. م. ورغم حالة الحرب الدائمة بين العمونيين والعبرانيين، فإن نسبة التزاوج بين الفريقين كانت عالية، وهو ما أدَّى بعزرا ونحميا إلى التنديد بذلك. وقد أصبح العمونيون، مثلهم مثل معظم شعوب المنطقة في القرن التاسع قبل الميلاد، تابعين لآشور فبابل ثم الفرس فاليونانيين وأخيراً الرومان، إلى أن ذابوا واختفوا. ولا نعرف إلا القليل عن حضارة العمونيين لأنهم لم يتركوا أية آثار أدبية، لكن التنقيب الأثري يبرهن على أن مملكتهم قد وصلت إلى مستوى عال من التطور إذ كانت حدودها محصنة وزراعتها متطورة كما أن ذوقها الفني كان رفيعاً. وكان العمونيون يعبدون آلهة خصب من أهمها ملكوم. المؤابيون Moabites كلمة «مؤابي» مشتقة بالنسب إلى بلاد مؤاب، وكلمة «مؤاب» لفظ سامي قد يكون معناه «مَن أبوه» . والمؤابيون ساميون يرجع تاريخ استقرارهم في فلسطين إلى أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي أنهم أسبق من القبائل العبرانية بزمن طويل في فلسطين. وينسبهم العهد القديم إلى لوط (تكوين 19/37) من ابنته الكبرى، أي أنهم أبناء غير شرعيين له. والمعلومات المتوافرة عن المؤابيين مستمدة في أغلبها من العهد القديم ومن مسلة الملك ميشع. وتقع مملكتهم في سهل مرتفع شرقي البحر الميت، يحدها شمالاً نهر الأردن، وتمتد جنوباً إلى أدوم. وكان يتاخم مملكتهم العمونيون شمالاً والأدوميون جنوباً. كان المؤابيون، في البداية، مجموعة من القبائل المنقسمة. لكنهم كوَّنوا مملكة متحدة قامت في الربع الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وذلك في فترة فقدت فيها مصر سيطرتها على فلسطين، وقبل أن تكون القوة الآشورية قد ظهرت بعد. وبلغت مملكتهم منزلة رفيعة مع مطلع القرن التاسع قبل الميلاد، فدخلوا في حروب كثيرة مع جيرانهم (العموريين وغيرهم) . وكان بين المؤابيين والعبرانيين حروب كثيرة. وقد بدأ الصراع حينما منع المؤابيون القبائل العبرانية من المرور بأراضيهم إلى فلسطين. وخضع العبرانيون لحكم ملك مؤاب مدة ثماني عشرة سنة في عصر القضاة، وكان مقرُّ الملك هو أريحا. وقد حاربهم شاؤول في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وغزا داود مملكتهم، بعد أن كان لاجئاً عندهم أثناء معركته مع شاؤول، وبسط نفوذه عليهم. وبعد موت سليمان، أصبحت مؤاب جزءاً من المملكة الشمالية. وقد شن عمري (882 ـ 871 ق. م) حرباً عليهم، لكنهم تخلصوا من الهيمنة العبرانية بعد موت آخاب وبعد اعتلاء ميشع العرش (وهو الملك المؤابيّ القوي الذي احتفل بانتصاره بهذه الأحداث على حجر مؤاب) . وبعد موته، هجم ملك آرام دمشق على مؤاب، فانتشرت فيها الفوضى وتقلصت حدودها وتحولت مؤاب إلى مملكة صغيرة. وحينما ظهرت القوة الآشورية، هادنها المؤابيون وتحالفوا معها، فحمتهم آشور من غزوات القبائل البدوية. وقد قدموا المساعدة لسناخريب في حربه ضد المملكة الجنوبية، كما قدموا العون لأسرحدون في حملته على مصر. وقد فتح البابليون بلاد مؤاب وأنزلوا بمدنها الدمار، وسبوا أهلها وهجَّروهم إلى بابل في القرن السادس قبل الميلاد، وبذلك انتهى تاريخ المملكة المؤابية إذ استقرت فيها جموع القبائل البدوية وذاب فيها السكان. وهكذا، فإنهم، مع الحكم الفارسي، كانوا قد انصهروا تماماً في المستوطنين الجدد ثم ذابوا في الأنباط. ولقد اعتمد اقتصاد مؤاب على الزراعة والرعي، وكانت ثروتهم الحيوانية كبيرة. واستفادوا من وضعهم الجغرافي في ممارسة التجارة، فازدهرت حياتهم الاقتصادية. وظلت معالم البداوة واضحة في ثقافتهم حتى بعد استقرارهم. وأشهر ماعبدوه من الآلهة هو الإله الأعظم كموش (إله الحرب) وهو إله يقرنه البعض ببعل الذي كانت تُقدَّم له القرابين من الكباش. وقد ورد في التوراة أن الملك ميشع قدم ابنه قرباناً لهذا الإله لاسترضائه أثناء الحرب. ويبدو أن المؤابيين قد مارسوا أيضاً عادة الختان. وقد اتخذ المؤابيون لهجة كنعانية وثيقة الصلة باللهجات الكنعانية الأخرى لغةً لهم، وهي لغة تشبه العبرية من عدة وجوه كما يدل على ذلك حجر مؤاب. وتُحرِّم أسفار موسى الخمسة الزواج من المؤابيين، علماً بأن راعوث جدة داود كانت من مؤاب، وكذا إحدى زوجات سليمان (وهي التي بنت معبداً للإله كموش المؤابي بالقرب من القدس) . ولذا، فقد فسر علماء التلمود هذا الحظر بأنه على الذكور فقط دون الإناث. الآراميون Arameans «الآراميون» شعب سامي استقر في منطقة الهلال الخصيب، ثم في بلاد الشام حول حوران، في تاريخ قديم قد يكون القرن السادس عشر قبل الميلاد. وكان الاسم مقروناً باسم «الأخلامو» (أي «الرفاق» أو «الأحلاف» باللغة العمورية القديمة) . وتُعَدُّ هجرة الخابيرو والآراميين جزءاً من حركة الأخلامو التي أعقبت هجرة العموريين والكنعانيين. ولكن يبدو أن الآراميين كانوا يشكلون الجزء الأكبر، ولذا فقد اختفى ذكر الأخلامو تدريجياً، وبرز اسم الآراميين عوضاً عنه. وقد ورد أول ذكر لهم في أيام تيجلات بلاسر الأول في عام 1100 ق. م. وتقرر التوراة أن الآراميين ينتسبون إلى آرام بن سام بن نوح، وأن ثمة صلة عميقة بينهم وبين العبرانيين (تكوين 10/22) . فأسلاف القبائل كانوا يأتون من المنطقة الآرامية، كما أن الآباء العبرانيين ارتبطوا بأصول آرامية واحتفظوا بالعلاقات مع الآراميين من خلال الزواج. وقد تحدث يعقوب عن نفسه وعن أبيه قائلاً «آرامياً تائهاً كان أبي» (تثنية 26/5) . بدأ الآراميون يستقرون في منطقة الهلال الخصيب مع ضعف آشور في القرنين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد وانهيار الإمبراطورية الحيثية، وأسسوا عدة ممالك إلى الشرق من الفرات، كما بسطوا نفوذهم على الشام وعلى سهل البقاع الواقع بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية. وقامت إمارة آرامية عند منحنى نهر الفرات في المنطقة التي تقع بين إقليم الجزيرة وسوريا الحالية، وامتدت رقعتها حتى نهر الخابور الذي يتفرع من الفرات ويتجه إلى الشمال، لذلك سُمِّيت «آرام نهاريم» أي «آرام النهرين» . ومن الإمارات الآرامية التي لعبت دوراً كبيراً إمارة بدان التي تقع في السهول المنبسطة بين الجزيرة والشام. وقد سُمِّيت بهذا الاسم لوقوعها في سهل منبسط، وكلمة «بدان» بالآرامية تساوي كلمة «فدان» العربية ومعناها «الحقل المنبسط» . وكانت مدينة حوران مقر هذه الإمارة تقع على الطرق التجارية المهمة التي تصل إقليم الشام بإقليم الجزيرة، وتربط بين شمال الشام وبلاد العرب، فلعبت دوراً في تجارة العالم القديم، واشتد ثراء أهلها. وتألقت مدينة حوران في ذلك العهد، حتى عُدَّت من أزهى مراكز الثقافة الآرامية. ولإمارة حران مكانة ممتازة في التراث العبراني، فقد كَثُر ذكرها في كتاب العهد القديم. وراح كُتَّاب التاريخ العبري يذكرون أن أجدادهم كانوا من الآراميين وأنهم عاشوا في مدينة حران زمناً طويلاً قبل أن يستقروا في فلسطين. ويذكرون أيضاً أن إبراهيم أقام في هذه المدينة الآرامية بعد خروجه من العراق وزوَّج ولده إسحق فتاة حرانية. والعهد القديم نفسه حافل بالمفردات الآرامية، وهو ما حمل بعض الباحثين على القول بأن العبرانيين كانوا يتكلمون لهجة آرامية قبل أن يستقروا في فلسطين ويتخذوا لهجة أهلها من الكنعانيين. وخلاصة القول إن الهجرات الآرامية والعبرية هجرات سامية خرجت من وطن واحد. وقد استقر الآراميون في الجزء الشمالي من وادي الرافدين، وأسسوا هناك سلسلة من الدويلات الصغيرة أو المدن/الدول أهمها دولة بيت أديني (ومركزها تل برسب) ودولة بيت بخياني. وقد أسس الكلدانيون (وهم قبائل متصلة النسب بالآراميين) دولة بيت يكيني. وفي الجهة الأخرى للتوسع الآرامي، أي في الغرب، نشأت دولة سمأل. وفي سوريا أُسِّست دول من أهمها صوبة ودمشق. وقد دخلت تلك الممالك الآرامية، في دمشق وصوبة وغيرها، في صراع مع الآشوريين والعبرانيين. وقد قام هدد عزر (ملك آرام دمشق) بتكوين اتحاد من الإمارات الآرامية في بلاد الرافدين والشام والشعوب الأخرى في المنطقة مثل المؤابيين والعمونيين والأدوميين، وذلك لمقاومة التوسع العبراني. وقد تغلب عليهم داود في بداية الأمر وهزم مملكة آرام دمشق عام 980 ق. م، لكن رزين الأول عاد إلى الحرب مع سليمان وفرض سيطرته على معظم الممالك الآرامية. وبعد انقسام المملكة العبرانية المتحدة إلى دويلتين، نشب صراع بين الآراميين (بزعامة مملكة آرام دمشق) والمملكة الشمالية استمر لمدة تزيد على قرن (900 ـ790 ق. م) . وقد تحالف ملك دمشق بن هدد الأول (853 ـ 845 ق. م) مع ملك المملكة الجنوبية في مهاجمة المملكة الشمالية، فهُزم ووقع في الأسر ثم أُفرج عنه. وقد نجح بن هدد أيضاً في تكوين تحالف من المدن الدول والممالك الصغيرة في المنطقة مثل المملكة الشمالية، وجهَّز جيشاً كبيراً بمساعدة آخاب لمواجهة الآشوريين بقيادة شلمانصر الثالث في معركة قرقر عام 853 ق. م التي انتهت إلى نتيجة غير حاسمة. وفيما بعد، ألحق بن هدد الهزيمة بآخاب. ووصلت المملكة الآرامية في آرام دمشق إلى قمة نفوذها في عهد أميرها حزائيل (في الفترة من 841 إلى 838 ق. م) الذي وسع حدود مملكته وضم جلعاد والجليل حتى وقعت المملكة الشمالية تحت نفوذه وكان على حكامها أن يدفعوا لآرام دمشق الجزية (إلى أن سقطت في يد الآشوريين) . والواقع أن الحروب بين ملوك آرام دمشق وملوك المملكتين الجنوبية والشمالية تملأ صفحات التاريخ التوراتي. ولكن القوة الآشورية عاودت الهجوم، ونجح شلمانصر في ضم منطقة وسط الفرات عام 838 ق. م. ثم استمرت الهجمات حتى نجح تيجلات بلاسر الثالث في احتلال دمشق عام 732 ق. م. واحتل سرجون الثاني حماه عام 720 ق. م، وهجَّر سكانها. وبذلك، تحوَّلت الدويلات الآرامية إلى دويلات آشورية تابعة، وسُمِّيت سوريا باسمهم. وتُعزى هزيمة الآراميين إلى فشلهم في تكوين وحدة سياسية فعالة. ولكن الدويلات الآرامية في منطقة نهر دجلة استمرت في الهجوم على آشور. ونجحت قبيلة كالدو الآرامية (الكلدانيون في العهد القديم) في الثورة على الآشوريين ووفقت في الوصول إلى الحكم بعد أن عقدت تحالفاً مع الميديين، وأسست الدولة البابلية الجديدة. وقد تفاعل الآراميون مع الحضارات القائمة: العموريين والفينيقيين والحيثيين، فأقبلوا عليها واقتبسوا منها وتخلصوا من طابع البداوة. إلا أن الأمر الفريد في هذه الظاهرة هو أن الآراميين، رغم اقتباسهم من الحضارات القائمة، احتفظوا بلغتهم ولم يستبدلو بها غيرها كما فعل العبرانيون والفلستيون. وأدَّى تأثير الآراميين في الإمبراطورية الآشورية إلى انتشار الآرامية بين الناس الذين عاش الآراميون بين ظهرانيهم مثلما حدث في بلاد الرافدين وفلسطين. كما نشر الآراميون حروف الكتابة التي نقلوها عن الفينيقيين، وعلموها لعالم الشرق القديم كله (وقد تعلم العبرانيون حروف الكتابة منهم) . وفاق توسُّعهم التجاري والاقتصادي توسُّعهم السياسي والفكري، كما بلغت حضارتهم ذروتها، في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد. ووسع الآراميون نطاق التجارة واحتكروا طرق المواصلات حتى أصبحت الآرامية لغة التجارة. وديانة الآراميين تقوم على عبادة آلهة سامية قديمة. فكانت آلهتهم كنعانية وبابلية وآشورية. وكانت للإله إيل عند الآراميين المكانة نفسها التي يتمتع بها عند الكنعانيين، وكان لهم إله خاص بهم هو هدد أو رامون إله العواصف والزوابع مرسل المطر الذي يخصب الأرض. وقد امتزجت عبادته فيما بعد بعبادة الشمس. وعُبدت معه زوجته آتارخابتس وهي إلهة الخصوبة والأمومة. ولم يتفوق الآراميون كثيراً في الفنون الجميلة بل تأثروا بالشعوب المحيطة بهم، فكانوا يقلدون الأساليب البابلية والحيثية في العمارة والزخرفة ويستخدمون النحاتين والنقاشين الكنعانيين. سوريا Syria كلمة «سوريا» مصطلح إقليمي ذو مجال دلالي متباين، فهو يشمل أحياناً كل الشام، أي الساحل الشرقي للمتوسط من تركيا حتى مصر، وأحياناً يشير فقط إلى الجانب الشمالي منه. وفي أحيان أخرى، كان المصطلح يشير إلى المنطقة التي تحيط بدمشق (آرام دمشق) وحدها. وقد كان الحكام البابليون يهاجمون سوريا دائماً لأنهم كانوا يبحثون عن مخرج لهم على البحر الأبيض المتوسط. وقد حكم سرجون الأول (الأكادي) سوريا في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد حتى هجرة العموريين 2100 ق. م. وقد هيمن الحوريون (مملكة ميتاني) على سوريا، ووصلت هذه الهيمنة ذروتها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، واستمرت إلى أن ظهر الحيثيون الذين كانوا يشنون الهجمات عليها قبل عام 1400 ق. م دون الهيمنة عليها. ولكنهم حين قضوا على هيمنة مملكة ميتاني عام 1365 ق. م، وقعت سوريا بأسرها تحت حكمهم (عام 1336 ق. م) . واستمر الصراع بين المصريين والحيثيين حتى معركة قادش (1288 ق. م) التي حدث بعدها نوع من التفاهم بين الطرفين المتصارعين. وقد ظهرت أول حضارة محلية وهي الحضارة الفينيقية (الكنعانية) في هذه الفترة حيث تعود حضارة أوجاريت إلى عام 1500 ق. م، ثم ظهرت القوة الآشورية التي اكتسحت البقية الباقية من ميتاني ولكنها عادت وتدهورت بدورها. وحينما ظهرت شعوب البحر، هزموا الحيثيين واضطروهم إلى التراجع. وفي هذه الآونة، ظهر الأخلامو (وكان الآراميون منهم) فغطوا منطقة سوريا بمدنهم وإماراتهم. وقد بدأ التسلل العبراني في كنعان (فلسطين) . أسس العبرانيون مملكتهم في هذا الوقت حيث كان الآراميون يبنون أساس مملكتهم في دمشق. وظهر صراع حاد بين الآراميين والعبرانيين. ثم سقطت سوريا بأسرها في يد الآشوريين وسُمِّيت سوريا باسمهم ( «سوريا» هي صيغة تصغير لكلمة «أسيرياAssyria» ) ، ثم بدأ بزوغ القوة البابلية (الكلدانية) . وقد حاول نخاو الثاني (فرعون مصر) مناصرة آشور، وضم المصريون سوريا مؤقتاً (608 ق. م) . ولكن نبوختنصر هزم المصريين واستولى على القدس وسوريا (605 ق. م) ثم وقعت سوريا عام 539 ق. م داخل الإمبراطورية الفارسية التي حولت سوريا وفلسطين وقبرص إلى مقاطعة فارسية تحمل اسم «عبر النهر» . وقد دخلت سوريا الفلك اليوناني وخضعت لحكم السلوقيين من عام 312 ق. م حتى عام 64 ق. م ولكنها لم تسلم من هجمات الفرثيين. ثم برزت القوة الرومانية التي صدت الفرثيين تماماً. وقد أصبحت سوريا جزءاً من الدولة البيزنطية بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الرابع الميلادي حتى الفتح الإسلامي (633م) . آرام دمشق Aram-Damascus «آرام دمشق» أهم مملكة آرامية في سوريا في الفترة من القرن العاشر قبل الميلاد إلى القرن الثامن قبل الميلاد. تألق نجمها في السياسة الدولية في ذلك التاريخ حيث وقفت من العبرانيين والآشوريين موقف الند للند، بل بدأت تُغير على أملاك الآشوريين في الشمال وعلى أملاك العبرانيين في الجنوب. وما أن جاء ت سنة 1000 ق. م حتى كانت آرام دمشق قد بسطت سيادتها على إقليم سوريا الداخلية الواقع خلف جبال لبنان، كما بسطت سيادتها على منطقة سوريا الشمالية. وظلت آرام دمشق قرنين من الزمان تناضل العبرانيين وتحاربهم وتُوقف تقدُّمهم صوب الشمال (وقد ورد ذكر ذلك كثيراً في العهد القديم) . بدأ النزاع بين آرام دمشق والعبرانيين في عهد الملك شاؤول بسبب التنافس على خامات النحاس، ولكن آرام (هدد عزر) وقف لشاؤول وصده. إلا أن نمو المملكة العبرانية في عهد داود رجَّح كفة العبرانيين إذ هاجم إمارة دمشق وهزم ملكها واحتلت قواته مدينة دمشق بعض الوقت. وبعد انقسام المملكة العبرانية، كان ملوك الدولتين العبرانيتين يتنافسون في التقرب من بلاط دمشق. فقد أهدى ملك المملكة الجنوبية أمير دمشق (بن هدد) كثيراً من كنوز الهيكل. واستغل ملوك آرام دمشق المملكة الجنوبية في صراعها مع المملكة الشمالية. وانتزع بن هدد جلعاد والأردن منها، وأصبحت المملكة الشمالية إمارة تدين بالتبعية لملك دمشق وظلت تدفع الجزية حتى عام 875 ق. م حينما سطع نجم آشور. عندئذ كوَّن بن هدد حلفاً عظيماً من اثنى عشر أميراً وانضم له ملوك المملكتين العبرانيتين، كما اشترك ملك حماة ودخلت المدن الفينيقية في التحالف. والتقوا جميعهم في معركة قرقر عام 853 ق. م التي لم تكن نتيجتها حاسمة وتراجع الآشوريون بعدها. وفي عام 805 ق. م، حاصر الآشوريون دمشق وأجبروا ملكها على دفع إتاوة ضخمة لهم. واستغل ملوك المملكة الشمالية الفرصة لاستعادة بعض المناطق التي كانت آرام دمشق قد احتلتها من قبل، وذلك بالتحالف معها مرة أخرى (عام 738 ق. م) ضد آشور. لكن تيجلات بلاسر الثالث جرَّد حملة عليها عام 733 ـ 732 ق. م، فنهبها وهجَّر سكانها وأنهى وجودها كدولة مستقلة. آرام نهرايم Aram-Naharaim «آرام نهرايم» عبارة معناها «آرام النهرين» . وقد جاء ذكر آرام نهرايم في الوثائق المصرية القديمة باسم «نهرين» ، وهي دويلة من الدويلات التي أسسها الآراميون شمالي سوريا في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ولما ترجم اليونانيون التوراة إلى اليونانية أطلقوا عليها اسم «ميزوبوتاميا» ، أي «بلاد ما بين النهرين» . وبحسب الرواية التوراتية، أتى معظم الآباء اليهود من هذه المنطقة. بن هدد (900-842 ق. م) Ben-Hadad «بن هدد» اسم ثلاثة من ملوك آرام دمشق: 1 ـ ملك حكم آرام دمشق في زمن آسا ملك المملكة الجنوبية (908 ـ 886 ق. م) وتحالف معه ضد بعشا ملك المملكة الشمالية. 2 ـ ابن أو حفيد بن هدد ملك آرام دمشق سابق الذكر، وقد أعلن حرباً على المملكة الشمالية عام 856 ق. م ولكنه هُزم وأُسر. ولكن آخاب أطلق سراحه وتحالف معه في الحرب ضد شلمانصر الثالث الآشوري عام 853 ق. م. 3 ـ ملك حكم بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. وقد هُزم ثلاث مرات على يد يهوآحاز ملك المملكة الشمالية، ولكنه عاد واستردّ المدن التي كان قد فقدها. الكنعانيون Cannanites كلمة «كنعانيّ» هي صيغة النسب إلى «كنعان» ، وهي كلمة حورية تعني «الصبغ القرمزي» وهو الصبغ الذي كان الكنعانيون يصنعونه ويتاجرون فيه. وتبعاً لجدول أنساب سفر التكوين، فإن الكنعانيين هم نسل كنعان بن حام بن نوح. وقد صُنِّفوا في العهد القديم باعتبارهم من الحاميين مع أنهم من الساميين ولغتهم سامية، وذلك ربما لتبرير الحروب التي نشبت بينهم وبين العبرانيين. لكن الكنعانيين، في الواقع، قبائل سامية نزحت منذ زمن بعيد من صحراء شبه الجزيرة العربية أو الصحراء السورية، وربما يكون قد تم ذلك في النصف الأول من الألف الثالث في شكل هجرات مكثفة. وهم ثاني جماعة سامية (بعد العموريين) ، لعبت دوراً مهماً في تاريخ سوريا وأرض كنعان. وينتسب الفريقان إلى موجة الهجرة نفسها. ولذلك، فإن الاختلاف بينهما يكاد يكون معدوماً. وقد نشأ الاختلاف نتيجة أن العموريين أقاموا في شمالي سوريا فتعرضوا لتأثيرات سومرية بابلية، بينما كان مركز الكنعانيين الجغرافي في أرض كنعان والساحل، ولذلك كان تأثرهم بالمصريين والحيثيين والعرب. والاختلاف اللغوي بين العموريين والكنعانيين هو اختلاف في اللهجة، كما أن اللغتين الكنعانية والعمورية من الفرع السامي الشمالي الغربي الذي يضم العبرية ويتميز عن الفرع الجنوبي الغربي الذي يضم العربية. وقد بقيت سيادة الكنعانيين في أرض كنعان كشعب وقوة حضارية منذ زمن سحيق وحتى التهجير البابلي. وقد أصبحت لفظة «كنعان» تُطلَق على جميع سكان البلاد دون أي مدلول عرْقي، بل كانت تتسع أحياناً لتصبح مرادفة لكلمة «فينيقي» وهو استخدام يوافق عليه كثير من المؤرخين. ويرتبط تاريخ الكنعانيين إلى حدٍّ كبير بالتاريخ المصري. ففي الأسرة الثانية عشرة (2000 ـ 1786 ق. م) ، ضمت مصر أرض كنعان، فعمها الرخاء عن طريق الاتجار مع وادي النيل. وقد غزا الحوريون أرض كنعان في أواسط القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وجمعوا أعداداً كبيرة من المرتزقة الكنعانيين إلى جانب العبرانيين. وهذه الجماعة هي التي يُطلَق عليها اسم «الهكسوس» الذين احتلوا مصر إلى أن طردهم أحمس عام 1570 ق. م، ثم قام تحتمس الثالث (1500 ـ 1450 ق. م) بضم أرض كنعان. وبدخول الكنعانيين في فلك الحكم المصري (في الأسرة الثامنة عشرة) ، نعمت كنعان مرة أخرى بالهدوء والاستقرار بسبب تدفق التجارة. ولكن مع ضعف الدولة المركزية في مصر في عصر إخناتون، وفشلها في تزويد حاكم كنعان بالمعونات التي طلبها، تمكن الخابيرو من التسلل إليها. ومع قيام الأسرة التاسعة عشرة (1320 ـ 1200 ق. م) عادت كنعان إلى الهيمنة المصرية مرة أخرى. وفي هذه الفترة بدأ التسلل العبراني في كنعان (1250 ـ 1200 ق. م) ، فاختلط العبرانيون بسكانها من الكنعانيين وغيرهم، واستوعَبوا حضارتهم واستُوعبوا فيها. وكان الكنعانيون ينتظمون في جماعات صغيرة على رأس كل منها ملك يعيش في مدينة محصنة تُعَدُّ المدينة الأم، حولها أرض مزروعة تتناثر فيها القرى التي تُعَدُّ بنات المدينة الأم. وقد كانت هذه الدويلات المدن في حالة نزاع مستمر. ولا تزال معظم المدن في فلسطين تحمل أسماء كنعانية واضحة، مثل: أريحا وبيسان ومجدو. والكنعانيون أول من اكتشف النحاس وجمعوا بينه وبين القصدير لإنتاج البرونز. كما استخدموا الذهب والفضة في تطعيم العاج، واستعملوا الحديد في مراحل متأخرة. وازدهرت عندهم أيضاً صناعة الأصباغ ولاسيما القرمز والأرجوان اللذين اقترنا باسمهم. وهم الذين اخترعوا السفن فازدهرت التجارة، واشتغلوا بزراعة الكروم والبن والمحاصيل الأساسية، مثل: القمح والعنب والزيتون. وقد برع الكنعانيون في فن البناء وإنشاء القلاع والتحصينات، ربما بسبب انقسامهم إلى مدن/دول متصارعة، وقاموا بأعمال هندسية ضخمة لإيصال المياه إليها. وكانت الأبنية الدينية تتكون، في الغالب، من أراض في العراء تحيط بها أسوار وكانت تضم مذبحاً وحجرة أو أكثر مبنية بالحجر. وكان للمدن الكبيرة معابد مسقوف بناؤها، وهي أبنية أقرب إلى نمط أرض الرافدين. وقد تأثر الكنعانيون في فنونهم، وخصوصاً في النحت، بالمصريين والبابليين، كما تأثروا بفنون الشعوب الأخرى التي غزت المنطقة واستوعبتها. كما كان حفر الصور البارزة فناً مزدهراً نسبياً في كنعان مثلها مثل سائر أنحاء الشرق الأدنى القديم. فثمة أنصاب محفور عليها كالنصب المشهور للإله بعل في أوجاريت. ولكن الجزء الأكبر من الرسوم البارزة الكنعانية زخارف على أشياء صغيرة وُجد أهمها في أوجاريت مثل الطبق الذي رُسم عليه بالذهب البارز منظر صيد. وقد انتشر استعمال الأختام وتقدمت صناعتها. والشيء نفسه ينطبق على الحُلي وغيرها من أدوات الزينة. يُعَدُّ الكنعانيون أول من اخترع حروف الكتابة. وقد استعار منهم الفينيقيون، كما أخذ عنهم العبرانيون فيما بعد، أبجديتهم. والأدب الكنعاني الذي وصلنا هو أساساً من الشعر، وأهم الأعمال الأدبية ملحمة الإله بعل والإلهة عنت وتبدأ بالصراع بين بعل وإله البحر، وتنتهي بانتصار بعل. وتدور الملحمة حول قصة ذبح بعل ونزوله إلى مملكة الموتى التي يحكمها الإله موت حيث يؤدي اختفاء بعل إلى تَوقُّف الحياة على الأرض، وهنا تأتي الإلهة عنت بالإله موت وتذبحه. وهكذا يعود بعل إلى الأرض ومعه الخصوبة والوفرة. وتقوم القصة في معظمها على دورة الفصول، فالإله بعل مثلاً إله المطر والخصب ويحكم الأرض من سبتمبر إلى مايو، وموت إله الجدب والموت ويحل محل بعل في الصيف. وديانة الكنعانيين ديانة خصب تعددية سامية كان لها أعمق الأثر في التفكير الديني للعبرانيين بعد تغلغلهم في كنعان. ولذا، فسوف نورد بشيء من التفصيل ما ورد في كتاب موسكاني عن الحضارات السامية القديمة حول هذا الموضوع. وأول ما يروع المرء في الدين الكنعاني أنه ذو مستوى أدنى كثيراً من دين أرض الرافدين، ويتبدَّى هذا بأجلى صورة في قسوة بعض طقوسه واهتمامه الغليظ بالعناصر الجنسية. ومما يسترعي الانتباه أيضاً أن آلهته ذات طابع غير محدد أو ثابت. فالآلهة الكنعانية كثيراً ما تتبادل صفاتها وصلاتها، بل وجنسها أيضاً، حتى ليصعب أحياناً أن نعرف حقيقة طبيعتها وصلاتها بعضها ببعض. وهذا يرجع من ناحية إلى انعدام الوحدة بين الكنعانيين، ومن ناحية أخرى إلى أنه لم يكن ثمة طبقة من الكهان منظمة تنظيماً كافياً وتستطيع تنظيم الدين كما في أرض الرافدين. وكان لكل مدينة آلهتها الخاصة. أما هذه الآلهة، فقد كان لها في الغالب مكان بين الآلهة التي يعبدها الجميع. كما أن هذه الآلهة كانت تمثل وظيفة معيَّنة من الوظائف المشتركة للآلهة أو مظهراً معيناً من مظاهرها. ويتمثل هذا كأحسن ما يكون في نصوص أوجاريت، فهي تذكر آلهة وأحداثاً تتعلق بالآلهة ولا تتصل اتصالاً مباشراً بعبادات تلك المدينة إلا أحياناً. وكان إيل رأس آلهة الكنعانيين. كان هذا الاسم اسماً سامياً عاماً معناه «إله» ،ثم استعملته شعوب كثيرة علماً على الإله الأكبر. وقد ظل الإله الكنعاني شخصية بعيدة غامضة بعض الشيء، فهو يسكن بعيداً عن كنعان (عند منبع النهرين) ويقلّ ذكره في الأساطير عن ذكر الآلهة الأخرى، وزوجته هي الإلهة أشير المذكورة في التوراة. وكان بعل أبرز الآلهة الكنعانية ومركز مجموعة أخرى من الآلهة. وكلمة «بعل» هي في الأصل اسم عام (وليس علماً) ومعناه «سيد» ، ولهذا فقد أمكن إطلاقه على آلهة مختلفة. ولكن بعل الأكبر كان إله العاصفة والبرق والمطر والإعصار كالإله هدد لدى البابليين والآراميين. وثمة أسماء آلهة كنعانية أخرى مشتقة من الاسم «ملك» . فهذا الاسم يظهر بين العمونيين علماً على إلههم القومي وذلك في الصيغة «ملكوم» . وإله صور يشتق اسمه من الكلمة نفسها فهو «ملقرت» اختصار عبارة «ملك قرت» أي «ملك المدينة» . والواقع أن بعل هو العنصر المذكر في مجموعة آلهة الدورة النباتية التي نجدها أيضاً في روايات دينية سامية أخرى. وترتبط به في هذه المجموعة إلهتان من آلهة الخصب هما عنت وعشتارت. وثانية هاتين الإلهتين ترد في التوراة باسم عشتارت (أو جمعاً بصيغة عشتاروت) وهي صنو عشتر في أرض الرافدين ولها نفس خصائصها تقريباً. وتجمع هاتان الإلهتان بين صفتي البكارة والأمومة رغم تعارض هاتين الصفتين في الظاهر. والصور التي تمثلها تبرز الملامح والرموز الجنسية. وعنت وعشتارت هما إلهتا الحرب في الوقت نفسه. وكثيراً ما يصورهما الأدب والفن قاسيتين، متعطشتين إلى الدماء، يسرُّهما تذبيح الرجال. ويتزوج بعل بإلهة الخصب عشتارت، فينتج عن تلك الزيجة الخضرة التي تكسو الأرض في الربيع. وهذا الزواج المقدَّس، الذي يتخذ صفة رفيعة، يصبح فيما بعد اتحاداً بين يهوه وشعبه. وتكتمل مجموعة آلهة الخصوبة بالإله الشاب الذي يموت ثم ينهض من جديد كما يفعل النبات. وكان هذا الإله يُعبَد في جبل باسم «أدونيس» ، وهو اسم مشتق من كلمة سامية معناها «سيد» ، وقد كانت له نفس خصائص الإله البابلي تموز. وكان للشمس والقمر مكان محدَّد على نحو ظاهر بين القوى الطبيعية المختلفة التي كانت تؤلهها كنعان. ويرجع هذا إلى نسبة خصائص الشمس والقمر إلى آلهة أخرى. على أن من المقطوع به أن أهمية الشمس والقمر كانت تقلُّ شيئاً فشيئاً بين الشعوب السامية. ثم إن الكنعانيين عبدوا آلهة عدة أخذوها عن المصريين أو البابليين، وهنا يتجلى الطابع التوفيقي الذي تتسم به حضارتهم. وقد حدث ارتباط واندماج، فيما بعد، بين الآلهة الكنعانية وآلهة اليونان. ولا يمكننا الآن التحقق من الحياة الدينية للكنعانيين إلا على نحو جزئي ناقص، فلدينا قدر معيَّن من المعلومات المباشرة نستمده من وثائق أوجاريتية قصيرة أمكن قراءة جانب منها فقط. ولكن لا يزال أكبر مصدر لنا في هذا الصدد ما في العهد القديم من معلومات غير مباشرة. ويبدو أن الكهانة بلغت في تطورها مرتبة عالية بعض الشيء، ولكنها بالطبع لم تبلغ من التنظيم حداً يمكن مقارنته بما بلغته الكهانة في أرض الرافدين. فهناك ذكر للكهنة الكبار وسدنة المعابد والبغايا المقدَّسات، كما كان ثمة عدد غير قليل من المتنبئين. وتشير نصوص أوجاريت إلى بعض طقوس التنبؤ. ولدينا، أخيراً، طائفة خاصة هي طائفة الأنبياء. وليست لدينا المعلومات الضرورية التي تمكننا من فهم مكانهم ووظيفتهم في الدين الكنعاني فهماً تاماً، ولكنهم على أية حال يمثلون مظهراً من مظاهر الدين الكنعاني له نظير مهم بين جماعة يسرائيل. ولم تكن أماكن العبادة كلها أو معظمها في صورة المعابد المعروفة، فقد شاعت هياكل العراء (وهو ما يُتوقَّع من دين أقرب إلى الطبيعة) التي كانت تُقام بالقرب من الأشجار أو الينابيع أو على التلال بصورة خاصة، وهذه هي الأماكن المرتفعة التي تتحدث عنها التوراة (بالعبرية: باموت ومفردها «باما» ) . وكان هيكل العراء يتكون من أرض محاطة بسياج تضم مذبحاً وفيها قبل أي شيء آخر حجر مقدَّس يُعتقَد أنه حجران أو أنه مسكن الإله، وهذه هي الفكرة التي أثرت في جماعة يسرائيل فيما بعد. وكانت القرابين الكنعانية تضم ضحايا من البشر إلى جانب القرابين الحيوانية المألوفة. وكانت القرابين الآدمية تُقدَّم مثلاً في الكوارث العامة الشديدة باعتبارها أعظم قربان يمكن أن يقدمه الإنسان إلى الآلهة. وقد تردد القول بأن الكنعانيين كانوا يقدمون قرابين من الأطفال عند تشييد المباني، لكن هذا أمر غير مقطوع به. وليس ثمة أدلة مقنعة على وجود مثل هذه القرابين إذ ليس في الهياكل العظمية التي اكتُشفت أثر يدل على الموت قتلاً. وكانت هناك عادة أخرى تنم كذلك عن مستوى ديني منخفض هي زنى الطقوس. وكانت هذه العادة جزءاً من عبادة الخصوبة التي ذكرناها عند الحديث عن آلهة كنعان، وقد بطل استعمالها فيما بعد بفضل تَطوُّر الدين الكنعاني. ويُستدَل على عبادة الموتى في المنطقة كلها بالهدايا التي كانت توضع في القبور. وهذا يشير إلى الإيمان بحياة أخرى بعد الموت، ولكن ليس لدينا من الوسائل ما نحدد به طبيعة هذه العقيدة على نحو دقيق. وقد استوعب العبرانيون الحضارة الكنعانية المادية، كما اتبعوا كثيراً من العبادات والعادات والصفات الدينية التي تميز بها الكنعانيون. وتعلَّم العبرانيون الزراعة في كنعان، كما اتخذوا لغتها لغة لهم. والمغنون الأوائل في الهيكل كنعانيون، والموسيقى التي عزفها كلٌّ من داود وسليمان موسيقى كنعانية، والشعر العبري متأثر بالشعر الكنعاني. وكانت الأسماء العبرانية تحمل طابعاً كنعانياً، فابن شاؤول كان يُسمَّى «إيش بعل (رجل بعل) » وداود سمَّى ابنه «بعل يداع (بعل يعرف) » . وقد كان البناء الديني عند العبرانيين ذا أصل كنعاني، فتصميم الهيكل موضوع وفقاً لتصميم المعبد الكنعاني. وبعض التحريمات مثل طبخ الجدي في لبن أمه هي عادات كنعانية قديمة. ويُحرِّم العهد القديم عبادة آلهة الكنعانيين أو التزاوج معهم، مع أن اليهود القدامى (كما بيَّنا) قد تزاوجوا معهم واقتبسوا كثيراً من طقوسهم وعبدوا إلههم بعل. ويروِّج الصهاينة لوجهة النظر القائلة بأن الكنعانيين قد أبيدوا تماماً على يد العبرانيين أو أنهم ذابوا فيهم. كما يرفضون وجهة النظر القائلة بأن العلاقة بين هذين الشعبين الساميين علاقة تبادلية يلعب فيها الكنعانيون دور الشعب الأقوى وصاحب الحضارة الأكثر تفوقاً. ولكن حركة الكنعانيين الحديثة في إسرائيل تدافع عن فكرة العلاقة التبادلية بين العبرانيين والكنعانيين، وتَخلُص من ذلك إلى برنامج سياسي يختلف في بعض الوجوه عن البرامج الصهيونية المعروفة. الأقوام الكنعانية السبعة Seven Cannanite Nations «الأقوام الكنعانية السبعة» هي الأقوام التي يرد ذكرها في العهد القديم والتي كانت تقطن في أرض كنعان وكان عددها يزيد على سبعة أحياناً. وقد أتى ذكر القينيين والقنزيين والقدمونيين والحيثيين والفرزيين والرفائيين والعموريين (الأموريين) والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين والحويين والحوريين (تكوين 15/19ـ 21؛ عدد 13/28ـ 29؛ يشوع 24/11؛ تثنية 7/1؛ ملوك أول 9/20) . وبعض هذه الأقوام لا يرد ذكره إلا في العهد القديم، كما أن بعضها لا يأتي ذكره إلا في مرحلة تدهورها. ويتحدد اهتمام العهد القديم بهذه الأقوام بمقدار علاقتها بالغزو (التسلل) العبراني لكنعان. ويتحدث العهد القديم عن إبادة بعض هذه الأقوام وعن دحر البعض الآخر وهزيمته. والواقع أن ما حدث هو تسلل عبراني عن طريق الغزو وعن طريق التزاوج والتفاعل. ويشير العهد القديم إلى هذه الأقوام «كأمم» أو «شعوب» ، ولكن الواقع أن معظمها تجمعات قبائل. وفي الوجدان الصهيوني، يُنظَر إلى العرب باعتبارهم هذه الأقوام الكنعانية. وترد إشارات عديدة إلى العرب في كتابات جوش إيمونيم باعتبارهم كنعانيين ويبوسيين وعماليق تجب إبادتهم. ومن هنا تتزايد أهمية يوشع بن نون الذي يعرفه أطفال المدارس الإسرائيلية خير معرفة باعتباره البطل العبراني الذي قاد عملية إبادة الأقوام الكنعانية. العناقيون (بنو عناق) Anakim «العناقيون» جماعة إثنية كانت تعيش بالأراضي الجبلية في كنعان وفي سهول غزة وأشدود وجات. وقد هزمهم العبرانيون وطردوهم بقيادة يوشع بن نون إلى الأراضي الجبلية. ولكن يوشع بن نون فشل في طردهم من غزة وأشدود وجات. وكان بنو عناق ضخام البنية ويوصفون بالجبابرة لطول قامتهم وشدة بأسهم في الحرب. ولذا، قال الجواسيس العبرانيون عند عودتهم: «وجميع الشعب الذي رأينا فيه أناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم» (عدد 13/32 ـ 33) . وقد يكون بنو عناق بطناً من بطون العموريين. ويُقال إنهم من الرفائيين وربما كان ُجليات منهم. القنزيون Kenizzites » القنزيون» هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة التي ورد ذكرها في العهد القديم (تكوين 15/19) ، وقد ورد ذكرهم في المدوَّنات الحيثية. الفرزيون Perizzites » الفرزيون» هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة التي ورد ذكرها في العهد القديم والتي كانت في أرض كنعان قبل التسلل العبراني، ولم يستعبدهم العبرانيون إلا في زمن سليمان. ومعنى الكلمة غير معروف، ولعلها تعني «بيرزان Perazan» أي «الأرض الخالية أو الفضاء» ، وربما كانت بمعنى الكلمة الحيثية «بيرزي» أي «حديد» . القينيون (بنو القين) Kenites «قيني» اسم سامي معناه «حداد» أو «صانع» . وبنو قين بطن من بطون قبيلة أو أهل مدْيَن كانوا مستقرين على خليج العقبة بصحراء النقب وصحراء سيناء، وعادةً ما يُقرنون بالمديَنيين. وقد كان القينيون مجاورين للقنزيين الساكنين في أدوم. تحالف القينيون (حسب الرواية التوراتية) مع العبرانيين، وأرشدوهم عبر الصحراء في فترة التيه. وبعد التسلل العبراني، استوطنوا كنعان وانضموا إلى قبيلة يهودا. ولكن يبدو أن أعداداً منهم عادت إلى الصحراء مرة أخرى أو لعلهم ذابوا تماماً في قبيلة يهودا. ويُقال إن منهم يثرون (حما موسى) ، وأن عبادة يهوه كانت عبادتهم، وأن موسى تلقى أسرارها على أيديهم. ويُعتبَر المصدر القيني أقدم مصادر العهد القديم ويرى نقاد العهد القديم أنه يُبيِّن أثر عبادة القينيين الوثنية فيه. الرفائيون Rephaim «الرفائيون» من الأقوام الكنعانية السبعة التي كانت تستوطن أرض كنعان قبل التسلل العبراني. وقد ورد ذكرهم في عديد من أسفار التوراة وفي بعض المصادر القديمة. وكانوا يتَّسمون بضخامة القامة، ولذا فإن الكلمة تُستخدَم أحياناً في العهد القديم بمعنى «ضخم» وليس بمعنى عضو في جماعة إثنية أو عرْقية محدَّدة. الجرجاشيون Girgashites «الجرجاشيون» هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة التي كانت تعيش في كنعان قبل التسلل العبراني. ويبدو أنهم كانوا يسكنون غربي نهر الأردن، في المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة القدس، كما يبدو أنهم كانوا على علاقة باليبوسيين. ولكن، واستناداً إلى صيغة اسمهم، يذهب بعض الباحثين إلى أنهم يعودون إلى أصل حوري. وبحسب الرواية التوراتية، حاول الجرجاشيون الوقوف في وجه التسلل العبراني. وتوجد رواية في التلمود مفادها أن الجرجاشيين هربوا إلى أفريقيا بعد أن تسلل العبرانيون إلى كنعان، واتهم الجرجاشيون العبرانيين بأنهم سارقو الأرض. الحويون Hivites «الحُوِّيون» هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة التي كانت تقطن في شمالي أرض كنعان حينما تسلل إليها العبرانيون. والاسم مأخوذ من لفظ عبري معناه «قرية» أو «مخيم» ويَقرن بعض العلماء اسمهم بكلمة «حواء» . وحسب رواية أخرى، فإن كلمة «حوي» حينما ترد في الترراة تكون تحريفاً لكلمة «حوري» في معظم الأحيان. وثمة نظرية ثالثة تقول إن الحويين كانت تربطهم صلة قربى بالآخيين وأن الاسمين مترادفان، وأنهم هاجروا إلى كنعان في الوقت نفسه الذي هاجر فيه الآخيون إلى اليونان. ويبدو أن علاقة الحُوِّيين بالعبرانين كانت طيبة. اليبوسيون Yebusites; Jebusites «اليبوسيون» هم أحد الأقوام الكنعانية السبعة. عاشوا في المناطق المرتفعة المتاخمة للقدس، وهم الذين بنوا هذه المدينة وسمَّوها «أورو ـ سالم» أي «مدينة السلام» . و «يبوس» هو أحد الأسماء القديمة للقدس. ولقد ظل اليبوسيون محتفظين بالمدينة مدة طويلة بعد أن استوطنتها القبائل العبرانية النازحة من كنعان، فلم تُفتَح إلا في عهد داود. وقد عُرف اليبوسيون بشدة مقاومتهم للعبرانيين. ومع هذا، أخضعهم داود لهيمنته، وجنَّدهم سليمان في أعمال السخرة. ولكنهم استعادوا استقلالهم بعد سقوط المملكة الجنوبية، وحاولوا فيما بعد منع اليهود العائدين من بناء سور الهيكل. وكانت ديانة اليبوسيين مزيجاً من العقائد السامية والحورية، وهو ما يدل على أن أصولهم قد تكون حورية. وقد ذاب اليبوسيون في الأقوام الأخرى بعد القرن السادس قبل الميلاد. الإيطوريون Itureans كلمة «إيطوري» كلمة منسوبة إلى «إيطور» أحد أبناء إسماعيل. والإيطوريون من القبائل العربية التي استوطنت فلسطين، واتصلت بغيرها من القبائل العربية (الإسماعيلية) الموجودة من قبل. وقد حارب الإيطوريون العبرانيين أيام شاؤول، ثم اجتاحوا في أواخر القرن الأول قبل الميلاد مدن السواحل الفينيقية وأسسوا مملكة في البقاع واستقروا في شمالي الجليل بفلسطين. قاد الملك الحشموني جون هيركانوس حملة ضدهم، وأكملها ابنه أرسطوبولوس الأول (105 ـ 104 ق. م) وهوَّدهم عنوة كما فعل أبوه مع الأدوميين من قبل. وتدل أسماء ملوك الإيطوريين على تأثرهم بالحضارة الهيلينية، كما أنهم انصهروا مثل الأنباط وغيرهم من القبائل العربية في سكان فلسطين. الفينيقيون Phoenicians «فينيقي» كلمة يونانية تعني «الصبغ الأرجواني» أو «كنعان» بالحورية. ولقد صارت كلمة «فينيقي» مرادفة لكلمة «كنعاني» حوالي عام 1200 ق. م. وكان الفينيقيون يُسمَّون «الكنعانيين» ، وظلوا على هذه التسمية حتى العهد الروماني، وهذا يعني أنهم كانوا من الساميين وإن كانوا قد امتزجوا بشعوب البحر التي أتت من إيجة واستقرت في بلادهم. ولكن الاسم «فينيقي» ينطبق أساساً على المدن/الدول التي تركزت شمالاً على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وعند سفوح جبال لبنان للاحتماء بها. والواقع أن المدن/الدول الفينيقية لم تكوّن أية تحالفات فيما بينها إلا في حالات الخطر. وكانت هذه المدن تمارس الصناعة والتجارة الخارجية، وقد نشأت بينها وبين اليونان علاقات تجارة ناجحة. ومن أشهر المدن الفينيقية مدينة جبيل العاصمة الدينية التي كانوا يحجون إليها سنوياً لإقامة الاحتفالات لآلهتهم ولاسيما الإله أدونيس. ومن المدن المهمة الأخرى مدينة طرابلس، وقد كانت مدينة سياسية يجتمع فيها سنوياً ممثلو المدن الفينيقية لبحث شئونهم العامة ولتبادل الآراء والخبرات. ومن المدن الأخرى المهمة مدينة صيدون (صيدا) التي اشتهرت بالتجارة البحرية، ومدينة صور التي وصلت إلى أوج ازدهارها فيما بين القرنين العاشر والسادس قبل الميلاد، وأصبحت تجارتها مزدهرة ومربحة في عهد حيرام الأول. ولقد سيطر المصريون على فينيقيا من الفترة التي أعقبت طرد الهكسوس (1500 ق. م) حتى عهد رمسيس الثاني، وذلك في الوقت الذي كان فيه الحيثيون يسيطرون على المدن الشمالية. ثم حصل الفينيقيون على استقلالهم الكامل. وكان الفينيقيون على علاقة وثيقة بالعبرانيين. فتحالف حيرام ملك صور مع سليمان. كما أثَّرت ديانة الفينيقيين في حياة العبرانيين الدينية، أي في العبادة اليسرائيلية. وقد أخضعت آشور معظم المدن الفينيقية في القرن الثامن قبل الميلاد، ولكن هذه المدن وقعت تحت حكم البابليين إلى أن دخلت بأكملها تحت سيادة الإمبراطورية الفارسية. ومع ظهور الإمبراطورية اليونانية، سرعان ما اكتسبت فينيقيا طابعاً هيلينياً. واستقلت بعض المدن الفينيقية إلى أن أخضعتها روما جميعاً عام 64 ق. م. مع غيرها من المدن الفينيقية. وقد اكتسبت فينيقيا صبغة عربية بعد الفتح العربي. لم يهتم الفينيقيون بالزراعة وإنما كان اهتمامهم بالتجارة والصناعة. ومن أشهر صناعاتهم، الصباغة والزجاج والنسيج. وقد اشتهر الفينيقيون بصناعة السفن والملاحة، كما أنهم يُعَدُّون أول أمة بحرية. وقد أسسوا المستعمرات المختلفة في حوض البحر الأبيض المتوسط في قرطاجة وقبرص وإسبانيا والبرتغال، كما تاجروا مع بلاد العالم المعروفة آنئذ كافة وسيطروا على التجارة الدولية. وساهم الفينيقيون في تَقدُّم علم الجغرافيا. وإليهم يُعزَى الفضل في نشر حروف الكتابة التي تطورت عند شعوب المنطقة. ومن الناحية الفنية، تأثَّر الفينيقيون باليونان ومصر. وأهم آثارهم المعمارية هيكل الملك سليمان. أما ديانتهم، فهي ديانة خصب سامية تشبه الديانة الكنعانية من عدة وجوه، فكانوا يعبدون عشترت في جميع المدن الفينيقية، كما كان لكل مدينة فينيقية إلهها المحلي. وثمة أدلة تشير إلى أنهم كانوا يؤمنون بالحياة بعد الموت. حيرام (970-935 ق. م) Hiram لفظ «حيرام» لفظ عبري وفينيقي اختصار لكلمة «أحيرام» ومعناه «الأخ يرفع» . وهو ملك صور الذي شيَّد هياكل لعشتاروت. كان حيرام صديقاً لكلٍّ من داود وسليمان. ويبدو أنه كان يود تطوير مملكته تجارياً، ولذا فقد وسع مدينته وبنى رصيفاً على الجانب الشرقي. واشترك مع سليمان في إرسال بعثة بحرية إلى أوفير للبحث عن الذهب. وقدَّم حيرام أخشاب الأرز والسرو لبناء الهيكل، والصناع المهرة ليساعدوا في تجهيز الخشب والحجر. ومقابل ذلك، قدَّم له سليمان الحنطة والزيت ومقاطعة صغيرة من فلسطين. كما أن اسم «حيرام» كان يُطلَق على الصانع الذي أرسله حيرام (الملك) ليصنع الأجزاء النحاسية في الهيكل كالأعمدة. المدينيون Midianites «المَدْيَنيون» قوم من البدو ينتسبون بصلة القربى إلى إبراهيم (حسب الرواية التوراتية) .كان المَدْيَنيون يقيمون في منطقة صحراء النقب الواقعة بين مصر وفلسطين والحجاز. وكان المَدْيَنيون يعملون بالزراعة والرعي والتجارة، أما قوافلهم فكانت تسير حاملةً البخور والسلع الأخرى من أرض جلعاد إلى مصر وغيرها من البلاد. والمَدْيَنيون هم الذين أدخلوا الجَمَل في القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى فلسطين. وحينما هرب موسى من مصر، حسب الرواية التوراتية، كان هروبه إلى أرض مدين حيث تزوج من ابنة كاهنها يثرون. وقد تعاون المَدْيَنيون مع المؤابيين ضد العبرانيين، كما هاجموا العبرانيين في تاريخ لاحق. وكان المَدْيَنيون يقطنون بجوار المؤابيين والأدوميين. هذا، وقد ذاب المَدْيَنيون في القبائل العربية الأخرى. العماليق Amalek «العماليق» شعب سامي قديم وُجد في أرض مَدْيَن (النقب) ، وكان يتجول بين جنوب كنعان ووسطها ثم استقر في الجنوب. أتى ذكره في التوراة بوصفه شعباً معادياً للقبائل العبرانية، إذ هاجمهم بعد الهجرة من مصر فقتل العديد منهم. ولم يأت ذكر لهذا الشعب في الكتابات المصرية أو الآشورية. وقد عدَّهم العبرانيون من أعدائهم الأزليين: «فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً» (صموئيل الأول 15/2 ـ 3) . وقد حاول شاؤول إبادتهم ثم هاجمهم داود فألحق بهم الهزائم. وأثناء حكم حزقيا (720 ـ 690ق. م) ، هاجمتهم قبيلة شمعون واستولت على أراضيهم. الأنباط (النبط) Nabateans «الأنباط» قبائل من العرب الرعاة ظهرت على حدود فلسطين في الصحراء الواقعة شرقي الأردن أثناء حكم الفرس (من القرن السادس إلى القرن الرابع قبل الميلاد) . واستولت هذه القبائل على جبل سعير (أدوم) وعلى قلعة سلْع في البتراء التي أصبحت عاصمة لهم فيما بعد، ثم استولت على مدينة ربة عمون (فيلادلفيا) شرقي الأردن. وفي القرن الثالث، ترك الأنباط الرعي إلى حياة الاستقرار وعملوا بالزراعة والتجارة. ولقد مارسوا الزراعة من خلال نظام مركب للحفاظ على المياه. كما استفادوا من وجودهم على طريق إيلات ـ غزة بالاشتراك في تجارة القوافل، وقد أسسوا لهذا الغرض مجموعة من المستوطنات الزراعية في صحراء النقب. ولقد بدأ عهد ملوك الأنباط في عام 69 ق. م، ومنهم الحارث الأول (أريتاس) . وقد أيَّد الأنباط الحشمونيين في بادئ الأمر، ولكن بعد أن ترسَّخ ملكهم وقفوا ضدهم، فساعد الحارث الثاني (110 ـ 96 ق. م) سكان غزة حينما حاصرها ألكسندر يانايوس الحشموني عام 96 ق. م، وانتصر خلفه عبيدة (أوبوداس الأول) على يانايوس. وأثناء المعركة بين هيركانوس الثاني وأرسطوبولوس الثاني على العرش الحشموني، أيَّد الحارث الثالث هيركانوس الثاني، ولكن الرومان أقنعوه بأن يسحب قواته. واستمرت الحرب بين الأنباط والسلطة اليهودية في فلسطين أثناء حكم الهيروديين، فحارب مالك (مالكوس) الأول (50 ـ 28 ق. م) ضد هيرود. وقدم الأنباط مساعدة للرومان في إخماد التمرد اليهودي الأول. وبلغت المملكة أقصى اتساعها في عهد الحارث الرابع (91 ـ 40 ق. م) ، فكانت تضم جنوبي فلسطين وشرقي الأردن وسوريا الجنوبية الشرقية وشمال الجزيرة العربية. والحارث هو الذي هزم أنتيباس بن هيرود. ولكن بلاد الأنباط فقدت استقلالها مع ظهور القوة الرومانية، ثم ضمها تراجان إلى الإمبراطورية. وكانت حضارة الأنباط عربية في لغتها، وآرامية في كتابتها، وسامية في ديانتها، ويونانية ورومانية في فنها وهندستها المعمارية. وقد تميَّز الأنباط في عمارة المدافن. وتركز معظم فن العمارة في البتراء حيث نحتوا مبانيهم في الصخر الرملي. أما ديانتهم، فهي ديانة خصب سامية. وقد عبدوا ودوشارا إله الشمس، وهو أهم آلهتهم وكان يُعبد على هيئة مسلة أو حجر أسود غير منحوت ذي أربع زوايا. ومن آلهتهم أيضاً اللات والعُزَّى ومناة وُهَبل. الإسماعيليون Ishmaelites «الإسماعيليون» هم نسل إسماعيل بن إبراهيم من أَمَته المصرية هاجَر. وقد ورد في سفر التكوين (17/20 و25/12 ـ 16) أنه كان لإسماعيل اثنا عشر ابناً صاروا أمراء ورؤساء قبائل. وكانت هذه القبائل تسكن الجزء الشمالي من شبه جزيرة العرب، على حدود فلسطين وأرض الرافدين. وقد عُرف الإسماعيليون، حسب الرواية التوراتية، بأنهم تجَّار رُحَّل ذوو بشرة داكنة، ينتقلون من مكان إلى آخر ويتاجرون في العطور والسلع الأخرى. وكذلك عُرفوا بضراوتهم ومهارتهم في قيادة الجمال وبسكنى الخيام وبأنهم حاذقون في استعمال القوس. وتُستَعمل لفظة «إسماعيليون» للدلالة على القبائل البدوية التي كانت تسكن شمالي الجزيرة العربية (وكان منهم قوافل التجار الذين اشتروا يوسف) بين جلعاد ومصر. ويُعتبر المَدْيَنيون إسماعيليين أيضاً. وقد استقر هؤلاء البدو وأسسوا ممالك مستقلة كالأنباط والغساسنة واللخميين. أما في الخطاب السياسي الديني الإسرائيلي، فإن الكلمة تُستخدَم للإشارة إلى العرب. الجبعونيون والنيثينيم Gibeonites and Nethinim الـ «نيثينيم» جماعة غير يهودية كانوا يُعدُّون من عبيد الهيكل، كما كانوا يقومون على خدمة كهنته اللاويين، وقد اشتُق اسمهم من فعل «ناثان» بمعنى «يكرس» أو «يسلم» ، ويمكن أن يكون معنى الكلمة في صيغة المفرد هو «تخصيص فرد للعبادة القربانية» . وفي الغالب، فإن النيثينيم هم الجبعونيون، وهم سكان عدة مدن بجوار القدس، وقد كانوا من الكنعانيين. وحسب الرواية التوراتية، حينما سمع الجبعونيون بمصير المدن الكنعانية الأخرى وبإبادة سكانها، خرجوا من مدنهم وخدعوا يوشع بن نون وأخبروه بأنهم ليسوا كنعانيين، فقطع يوشع عهداً على نفسه ألا يمسهم بسوء لأن أمر الإبادة ينطبق على سكان كنعان (فلسطين) وحدهم. وحينما اُكتشف أمرهم، قرَّر العبرانيون ألا يمسوا الجبعونيين بسوء، ولكنهم «يكونون محتطبي حطب ومستقي ماء» . وقد أقرَّ يوشع ذلك وقال لهم «ملعونون أنتم فلا ينقطع منكم العبيد ومحتطبو الحطب ومستقو الماء لبيت إلهي» (يشوع 9/22 ـ 27.24) . ويرد ذكر الجبعونيين مرة أخرى في صموئيل الثاني (21) حين تنشب مجاعة (علامة على غضب الرب) لأن شاؤول قتل منهم عدداً دون وجه حق بسبب غيرته لقومه رغم عهد يشوع لهم، ولذا اضطر داود لشنق سبعة من ورثة شاؤول. ويشير سفر عزرا إلى عدة أسر من النيثينيم يدل اسمها على أصل أجنبي (في الغالب عربي) . كما توجد نصوص أخرى (نحميا 10/1 ـ 40) تدل على أنهم كانوا من جماعة يسرائيل. وفي الأدبيات العرْقية الإسرائيلية، يُشار إلى العرب بأنهم «محتطبو حطب ومستقو ماء» وهو ما يعني أنهم يُقرَنون بالجبعونيين والنيثينيم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الحوريون
Hurrians «الحوريون» أقوام جبلية لا يزال أصلها مجهولاً، وإن كان من المرجح أن موطنها الأصلي أورارتو (أرمينيا الحالية) . ظهر الحوريون في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ولعبوا دوراً مهماً في الألف الثاني. وذلك في فترة شهدت انحسار النفوذ الحيثي عن سوريا، وضعف الدولة الآشورية، وسقوط دولة بابل التي حلَّت محلها الدولة الكاشية التي لم تلعب دوراً يذكر في الأحداث الدولية في الشرق الأدنى القديم. هاجر الحوريون إلى فلسطين، وسكنوا في منطقة جبل سعير جنوب شرقي فلسطين، وأسسوا عدداً من الإمارات في أجزاء من سوريا وفلسطين وبعض أجزاء آسيا الصغرى. ويبدو أنهم كانوا في البداية عنصراً خالصاً إلى أن فرضت جماعة من الآريين سيطرتها عليهم وكوَّنت نخبة عسكرية قوية (طبقة الماريانو) قادتهم في غزواتهم العسكرية. ويحتمل أنهم هم الذين غزوا آشور وأسقطوا حكامها وهيمنوا على المنطقة (ومنها المنطقة المتاخمة للأناضول) وأسسوا مملكة ميتاني في شمالي بلاد الرافدين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد (1600 ـ 1330 ق. م) . اصطدم الحوريون بالمصريين بشأن سوريا بعد تأسيس الإمبراطورية المصرية في أعقاب طرد الهكسوس في الفترة ما بين 1520 و1420 ق. م. وتراوحت العلاقة بين شد وجذب إلى أن هاجمهم الحيثيون وهزموا آخر ملوكهم العظام توشراتا عام 1350 ق. م، وضمُّوا أجزاء من ميتاني التي أصبحت تُسمَّى «هابنجالبات» . كما ضم الآشوريون البقية الباقية من مملكة ميتاني عام 1276 ق. م فتحوَّلت إلى مقاطعة آشورية. ولقد جاء في التوراة أن الحوريين اشتبكوا مع العموريين والكنعانيين الذين دفعوهم إلى منطقة جبال سعير والتي طردهم منها فيما بعد الأدوميون. وتأثر الحيثيون بالحوريين وتبنوا الآلهة الحورية، كما تظهر الأساطير الحورية في الملاحم الحيثية. ولغة الحوريين معقدة، ليست بسامية ولا هندية أوربية، ولكن بها كلمات مستعارة من لغات أقوام عدة. أما ديانتهم فكانت تتمثل في عبادة آلهة متعددة حورية وهندية أوربية، من أهمها الإله الأعظم كوماري والإله تيشوب إله العاصفة. كما انتشرت بين الحوريين عبادة الإلهة السامية عشتار. ولقد أتى ذكر الحوريين في العهد القديم كواحد من الشعوب التي كانت تقيم في أرض كنعان. ولكن ثمة إشارات أخرى تدل على أنهم كانوا يقطنون في وسط فلسطين ومدينة شكيم، وهو ما دعا بعض المؤرخين إلى القول بأن الحوريين هم أنفسهم الحويون. وعلى سبيل المثال، كان يُطلَق حامور على ملك شكيم اسم «الحُوِّي» في النص العبري (تكوين 34/2) ، أما الترجمة السبعينية فتسميه «الحوري» . كما يرى بعض العلماء أن اليبوسيين من الحوريين وليسوا من الكنعانيين. وقد تأثرت قصص العهد القديم بقصص الحوريين وعاداتهم وقوانينهم. فقصة سارة وهاجر تبيِّن العادة الحورية الخاصة بالمرأة العاقر التي ينبغي أن تسمح لزوجها بالزواج من أخرى أو باتخاذ خليلة له، كما يظهر أثر الحوريين في القواعد المتبعة في تأجير الأراضي الزراعية لدى العبرانيين. وتوجد أيضاً أوجه شبه عميقة بين عدد من المؤسسات الحورية والعبرانية، الأمر الذي حدا ببعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن القبائل الحورية والعبرانية لها أصل مشترك في العراق قبل استيطانها فلسطين. وقد اختفى الحوريون في حوالي القرن السادس قبل الميلاد. شعوب البحر Sea Peoples «شعوب البحر» تعبير يُطلَق على مجموعة الشعوب من البحارة الذين هاجموا الأناضول وسوريا وفلسطين وقبرص ومصر حوالي عام 1200 ق. م. وقد صد رمسيس الثالث شعوب البحر عندما حاولوا غزو الساحل المصري. ويُقال إنهم المسئولون عن تحطيم الإمبراطورية الحيثية. والواقع أننا لا نعرف مدى الدمار الذي ألحقوه بالمنطقة لأن الوثائق والسجلات التاريخية تتوقف فجأة عند وصولهم، وعلى أية حال، هناك مصادر مصرية وحيثية أوردت ذكرهم. ويُشار إليهم بأسماء عدة تدل على أنهم جاءوا من اليونان والأناضول وصقلية وسردينيا وكريت. كما أن الفخار الذي تركوه يدل على أصولهم اليونانية. ويُعَدُّ الفلستيون الذين استقروا في فلسطين منذ الألف الثاني قبل الميلاد وتعايشوا مع الكنعانيين، من هذا الأصل. الفلستيون Philistines «الفلستيون» مصطلح نُطلقه على القبائل التي استوطنت شاطئ فلسطين الجنوبي الغربي في القسم الممتد من غزة إلى يافا شمالاً، وهم من شعوب البحر. ولقد ورد ذكر الفلستيين في عدد من المصادر المصرية، خصوصاً على اللوحات الجدارية لمدينة هابو من أيام رمسيس الثالث، وسماهم المصريون «بلست» . كما ورد ذكرهم في السجلات الآشورية في صيغتين متقاربتين «بلستو» و «بالستو» . ومن هنا تسميتنا لهم باسم «الفلستيين» نسبة إلى التسميات القديمة. جاء الفلستيون من بحر إيجه حوالي عام 1194 ق. م، كان رمسيس الثالث قد صدَّهم عند محاولتهم غزو الساحل المصري. وتدل الرسوم التي وُجدت على البناء التذكاري الذي أقامه رمسيس على أصولهم اليونانية الأوربية، كما يدل الخزف الذي أدخلوه فلسطين على أصولهم الكريتية. وقد سُمِّيت المنطقة التي احتلوها «فلستيا» ، وكانت تشمل خمس مدن ساحلية أساسية (بنتابوليس) : أشدود (العاصمة) وعسقلان وغزة وعفرون وجات. ورغم أن مكان استيطانهم كان الشريط الساحلي أساساً، فإنهم استوطنوا أيضاً في مدن داخلية مثل جات كما أسسوا مدينة اللّد. اصطدم الفلستيون بالعبرانيين الذين كانوا قد وفدوا حديثاً إلى المنطقة فهزموا القضاة واستولوا على تابوت العهد، كما استولوا على أجزاء من المنطقة التي صارت فيما بعد المملكة الجنوبية، ودامت هيمنتهم أربعين عاماً. وينتمي شمشون الذي وقع في حب دليلة الفلستية إلى هذه الفترة. ولم يكن لدى الفلستيين القدر الكافي من الموارد البشرية اللازمة للهيمنة على المنطقة واستغلالها، ولذا فقد اضطروا إلى الإبقاء على العبرانيين وإخضاعهم ليكونوا أيدي عاملة، فسمحوا لهم بالاحتفاظ بالأدوات الزراعية وحسب حتى يستمروا في الزراعة وحتى يمكنهم دفع الضرائب المفروضة عليهم. لكنهم لم يسمحوا لأيٍّ من الحدادين بالإقامة بينهم، فكان على العبرانيين اللجوء إلى الفلستيين ليشحذوا أدواتهم الزراعية دون أن يتمكنوا من تحويلها إلى أسلحة. كما أن احتكار الحديد ساعد الفلستيين على إخضاع العبرانيين. وحينما بدأت وحدة الدول المدن الفلستية في التفكك، عرف العبرانيون صهر الحديد وتعدينه فتمكنوا من الفلستيين. وقد نجح شاؤول بعض الوقت في صد الفلستيين ولكنه هُزم في نهاية الأمر، في حين نجح غريمه داود فيما فشل هو فيه خصوصاً بعد أن ضم منطقة أدوم الغنية بمعدن الحديد. وقد أنهى داود الهيمنة الفلستية وصرع البطل الفلستي جُليات وأخضع فلستيا. إلا أن الفلستيين سرعان ما استعادوا استقلالهم بعد تقسيم المملكة العبرانية وصاروا قوة مرة أخرى، لكنهم لم يكونوا عنصراً أساسياً إذ أصبح تاريخهم بعد ذلك تاريخ مدن متفرقة لا تاريخ شعب متماسك. ولذا، لا يشير نحميا (منتصف القرن الخامس قبل الميلاد) إلى الفلستيين وإنما يذكر الأشدوديين الذين كانوا يتحدثون بلسان أشدودي. وخضع الفلستيون في القرن السابع قبل الميلاد لسلطان آشور ثم لسلطان مصر. وبعد ذلك، بسطت الإمبراطورية البابلية الجديدة نفوذها عليهم فاختلطوا بالشعوب السامية المحيطة بهم واندمجوا فيها. وقد اندثرت كل الآثار الفلستية تماماً. وكل ما لدينا من معلومات عن هذا الشعب مستمد من الحضارات التي تعاقبت عليه، مثل الحضارة البابلية أو الحضارة الآشورية أو الحضارة الإغريقية. ولذا، فنحن لا نعرف الكثير عن هذا الشعب أو عن حضارته سوى أن معرفتهم بالبحر كانت واسعة، تلك المعرفة التي ورثها عنهم الفينيقيون. ونحن لا نملك أية معلومات أكيدة عن لغتهم حيث لا توجد أية وثائق مكتوبة بها، إذ يبدو أن الكنعانية قد حلَّت محلها، ثم الآرامية، وأخيراً اليونانية. والشيء نفسه ينطبق على ديانتهم، لكننا نعرف أن آلهتهم تحمل أسماء سامية، فقد عبدوا الإله داجون (إله الغلة) الذي عبده الكنعانيون، الأمر الذي يدعم النظرية القائلة بأنهم اكتسبوا هوية كنعانية في فترة وجيزة للغاية. ومنذ أيام هيرودوت، أصبحت المنطقة تُسمَّى باسمهم ثم أصبح هذا هو اسمها رسمياً في أيام هادريان. ومن الجدير بالذكر أن حدود المملكة العبرانية المتحدة لم تضم، في أي وقت، الشريط الساحلي الفلستي. ولكن حينما رُسمت حدود الدولة الصهيونية، قرَّر المخططون لها أن تضم هذه الدولة ذلك الشريط الساحلي، وهذا يدل على أن الاعتبارات الإمبريالية الإستراتيجية تَجبُّ الاعتبارات العاطفية الدينية الخاصة بإرتس يسرائيل أو المملكة العبرانية المتحدة أو الحدود التاريخية لإسرائيل. ولابد هنا من ملاحظة أن فلسطينيي اليوم لا علاقة لهم بشعوب البحر اليونانية هذه، فهم ينتمون إلى الأمة العربية. وتجتهد الدعاية الصهيونية في طمس هذه الحقيقة، وتستخدام التضليل بالأسطورة لتربط في أذهان الناس في العالم بين العرب الفلسطينيين والفلستيين القدامى الذين انتصر عليهم العبرانيون، حتى يصبح الصراع العربي الإسرائيلي صراعاً دائماً مستمراً يمتد إلى بداية التاريخ وليست له حدود معروفة. ويُستخدَم لفظ «فلستين Philistine» في اللغة الإنجليزية لوصف الإنسان ضيق الأفق محدود الثقافة الذي ينحصر اهتمامه في الأمور المادية التجارية فقط. جُليات Goliath قد يكون لفظ «جُلْيات» اسماً كنعانياً معناه «السبي أو النفي» . وجُلْيات اسم أحد أبطال الفلستيين. وكان من جبابرتهم إذ بلغ طوله أكثر من تسعة أقدام وكانت أدواته الحربية مناسبة لطول قامته وقوته. وثمة رواية تقول إنه كان من العناقيين وقتله داود بالمقلاع. وقد نجحت الدعاية الصهيونية في ترسيخ صورة داود رمزاً لإسرائيل الذي يستخدم ذكاءه ومهارته في هزيمة عدوه، مقابل صورة جُلْيات رمزاً للعربي الذي قد يتسم بضخامة الحجم وكثرة السلاح ولكنه لا يستخدم عقله فيُمنَى بالهزيمة. لكن الانتفاضة قلبت هذه الصورة الذهنية رأساً على عقب، إذ أن المنتفضين الفلسطينيين يستخدمون الحجارة والمقلاع ضد الآلة الإسرائيلية الضخمة التي تتسم ببطء الحركة نظراً لضخامتها والتي تتسم بقصور النظر نظراً لعدم إدراكها للواقع. وقد أشار شامير إلى إسرائيل باعتبارها «العملاق جلفر» الذي يهاجمه الأقزام، وفي هذا اعتراف ضمني بأن صورة داود الإسرائيلي ضد جُليات العربي الفلسطيني قد سقطت تماماً. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العبرانيون: تاريخ
Hebrews History مصطلح «عبراني» أو «عبري» يدل على معان كثيرة وأحياناً متناقضة، فهو ذو دلالات عرْقية وطبقية وحضارية. والعبرانيون كتلة بشرية سديمية ضخمة يعود أصلها إلى الجزيرة العربية، استقرت في منطقة الهلال الخصيب وفلسطين في أوقات متفرقة. والكلمة في معناها العام تضم كل القبائل السامية التي تناسلت من صفوفها الشعوب المختلفة التي انتشرت في كنعان وسوريا وبلاد الرافدين، ومن بينها تلك القبيلة التي جاء منها إبراهيم ونسله. وقد سُمِّيت هذه القبيلة الأخيرة باسم «العبرانيين» ، وذلك من قبيل إطلاق العامّ على الخاص. وقد شاع هذا الاستخدام حتى بين المؤرخين، وهو الاستخدام الذي سنتبناه في هذه الموسوعة نظراً لشيوعه. وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا إما قبائل ليست لها هوية محدَّدة واكتسبت هويتها من خلال اتحادها وعبادتها ليهوه، أو كانوا قوماً من الأقوام الكنعانية انسلخوا عن العقيدة السائدة وعبدوا يهوه. وقد دخل العبرانيون أرض كنعان نتيجة ثلاث هجرات غير محدَّدة. بدأت موجة الهجرة الأولى من بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وكانت معاصرة لانتشار الهكسوس والحوريين في الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وكانت الثانية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتُوافق هجرة الآراميين الثانية. وهاتان الفترتان توافقان فترة الآباء (2100 ـ 1200 ق. م) التي تمتد من هجرة إبراهيم من بلاد الرافدين وتستمر حتى هجرة يوسف إلى مصر أثناء حكم الهكسوس ورحيل العبرانيين عنها. أما الهجرة الثالثة، فهي التي أتت من مصر بقيادة موسى ويشوع بن نون في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد أو في عهد مرنبتاح بن رمسيس الثاني (1224 ـ 1215 ق. م) كما يقول بعض المؤرخين. ومنذ هجرة أو خروج العبرانيين من مصر، بدأ اسمهم يتواتر في التاريخ المدوَّن والمقدَّس. فنعرف، حسب الرواية التوراتية، عن مسيرتهم في سيناء، وعن تَلقِّي موسى الوصايا العشر وعن تَعلُّمه عبادة يهوه على يد كاهن مَدْيَن. وبعد موت موسى، تولى يوشع بن نون قيادتهم. ثم حدثت عملية التسلل العبراني إلى أرض كنعان (نحو 1250 ق. م) التي كانت تغصّ بالقبائل السامية الكنعانية وقبائل أخرى غير سامية. فكان العموريون، وهم ساميون، يسكنون المرتفعات. أما الأقوام الأخرى، مثل الحوريين والحيثيين، فكانوا يعيشون في أماكن متفرقة. كما كان الفلستيون يحتلون المدن الخمس التي تشغل الشريط الساحلي الجنوبي. وقد أخذت عملية التسلل أشكالاً عسكرية وسلمية مختلفة في تلك المرحلة التي يُطلَق عليها عصر القضاة (1250ـ 1020 ق. م) ، فدخل العبرانيون في صراع مع الفلستيين (الذين هزموهم واستعبدوهم بعض الوقت) ومع الأقوام الكنعانية السامية وغير السامية الأخرى. وقد استقر المقام بالعبرانيين في نهاية الأمر داخل بضعة جيوب غير متصلة، إذ استمر وجود الأقوام الأخرى إلى ما بعد التهجير الآشوري والبابلي. وقد تبع تلك الفترة عصر اتحاد القبائل أو عصر الملوك فظهرت المملكة العبرانية المتحدة في عهد داود وسليمان، وقد كان اتحاداً مؤقتاً انحلَّ فور موت سليمان (928 ق. م) وانقسم العبرانيون إلى المملكة الجنوبية (التي ضمَّت قبائل الجنوب البدوية) والمملكة الشمالية (التي ضمَّت قبائل الشمال الزراعية) . وقد ظلت المملكتان في حالة حرب شبه دائمة إلى أن قضى الآشوريون على المملكة الأولى، والبابليون على الثانية، وبذلك ينتهي تاريخ العبرانيين. ولم يكن العبرانيون جماعة عرْقية متجانسة منذ البداية، ولذا يقرنهم بعض المؤرخين بالخابيرو. ومن المعروف أنهم، عند هجرتهم من مصر، لم يكونوا عنصراً عبرانياً خالصاً إذ تقول التوراة (خروج 12/38 ـ عدد 11/4) إنهم كانوا يضمون في صفوفهم لفيفاً كثيراً من غير العبرانيين، وبعد تسللهم إلى كنعان، اختلطوا بالعناصر الحورية والحيثية والكنعانية حتى استوعبتهم الحضارة الكنعانية هناك، فتركوا لهجتهم السامية القديمة واتخذوا الكنعانية لساناً لهم. ولم يكن العبرانيون القدامى من الشعوب المهمة أو المهيبة في المنطقة، فقد كانت المملكتان العبرانيتان خاضعتين للإمبراطوريات المجاورة. وقد تأثرت رؤية العبرانيين للكون بما حولهم. ففي داخل التشكيل الحضاري السامي، نجد أن الإله هو الذي خلق العالم وهو الذي يحفظ الكون، وقد أخذ العبرانيون عن العموريين فكرة أن الرسول من عند الإله، وعن الكنعانيين اللغة، وعن المصريين الحكمة. ومن الناحية الحضارية، لم ينجز العبرانيون شيئاً ذا بال إذ لم تكن لديهم أية اهتمامات أو مهارات فنية. وحينما شيَّدوا الهيكل، اضطروا إلى الاستعانة بفنانين من البلاد المجاورة. ولا يوجد أسلوب عبراني متميِّز في المعمار، فالهيكل نفسه بُني بالأسلوب الفرعوني الآشوري على يد فنانين فينيقيين. وربما كان هذا راجعاً إلى أن الطابع البدوي ظل غالباً عليهم. فرغم توحُّد القبائل العبرية في مملكة داود وسليمان، بقي التراث القبلي قوياً متجذراً. كما أن تحقيق الاستقرار في كنعان تَطلَّب وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى أن المملكة العبرانية المتحدة لم تُعمَّر كثيراً، ولم تُرسِّخ أية تقاليد حضارية عبرانية مستقلة. ولعل هذا يفسر عدم ذكر العبرانيين في السجلات المصرية القديمة. ومن أهم المشاكل التي واجهها العبرانيون في تاريخهم القصير، توجههم السياسي في عهد الإمبراطوريات الكبرى الآشورية والبابلية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية، إذ كان عليهم أن يتحالفوا مع جيرانهم الآراميين أو غيرهم، كما كان عليهم أن يقبلوا حماية إحدى القوى العظمى لضمان البقاء. ونتيجةً لافتقار العبرانيين إلى الهوية الحضارية المحددة، ولضعفهم السياسي ووجودهم ككيان شبه مستقل في موقع إستراتيجي، كانت كل القوى العظمى تطمح إلى الاستيلاء عليه وإلى تأمين وجود عنصر موالٍ لها فيه، كما أنهم تعرضوا لصدمات كثيرة بدأت بالتهجير الآشوري (721 ق. م) فالبابلي (587 ق. م) ثم فُرضت عليهم الهيمنة الفارسية واليونانية والرومانية. وتأثرت هويتهم الحضارية بذلك، فتركوا العبرية وتحدثوا بالآرامية بعد التهجير البابلي. ثم بدأ انتشار الجماعات اليهودية بعيداً عن كنعان، فتكوَّن تَجمُّع في بابل ثم في الإسكندرية، وهما التجمعان اللذان أصبح لهما استقلالهما وحريتهما ولغتهما وتفكيرهما المستقل، بل تجاوزا في أهميتهما أحياناً التجمع الموجود في كنعان. ولذلك، فحينما حطَّم تيتوس الهيكل (70م) ، لم تكن هذه الواقعة ذات دلالة كبيرة من الناحية السكانية فهي لم تكن متعارضة مع الوضع السكاني الحضاري القائم بالفعل، وهو اختفاء الهوية العبرانية وظهور جماعات يهودية متفرقة في أنحاء العالم تستقي كل منها هويتها من الحضارة التي تنتمي إليها. ورغم هذا، نجد أن معظم الدراسات لا تُفرّق بين تاريخ العبرانيين والتواريخ اللاحقة للجماعات اليهودية، متأثرةً في ذلك بالرؤية الإنجيلية التي تنظر إلى اليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً، وهي رؤية تخلط التاريخ الدنيوي بالتاريخ المقدَّس. الخابيرو Chabiru «خابيرو» كلمة أكادية ذات دلالات متعددة، وأحياناً متناقضة، تُطلَق على قبائل رُحَّل من البدو، وقد ورد أول ذكر لكلمة «الخابيرو» في النقوش المصرية في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد لتعني «العابر» و «المتجول» و «البدوي» . كما استخدمت التسمية أيضاً للإشارة إلى القبائل التي كانت تهاجم قديماً بلاد الرافدين وحدود مصر وكانت تُغير على أرض كنعان من آونة إلى أخرى فتشيع فيها الفوضى والاضطراب مثلما حدث عندما استولوا على شكيم، كما ورد في ألواح تل العمارنة والمدونات المصرية (1300 ـ 1150 ق. م) . ومن دلالات الكلمة أيضاً «الجندي المرتزق» ، فهي إذن تُطلَق على أية جماعة من الرحل أو الغرباء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش مقابل أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ويُوصف الخابيرو في وثائق نوزي في القرن الخامس عشر قبل الميلاد بأنهم «عبيد أصبحوا كذلك باختيارهم» . لكن الكلمة كانت تُستخدَم أحياناً للإشارة إلى أية عناصر فوضوية في المجتمع، ففي فترات الفوضى في مصر الفرعونية كانت تتواتر الإشارات إلى الخابيرو. ومعنى هذا أن الكلمة ذات مدلول عرْقي (الغرباء) ، وأن لها في الوقت نفسه مدلولاً اجتماعياً طبقياً ووظيفياً. وإذا كانت الكلمة غامضة في معناها، فالأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة إلى الخابيرو أنفسهم، إذ لا يُعرَف الكثير عن أصلهم من الناحية العرْقية. وكل ما يمكن أن يُقال عنهم إنهم ساميون لا يتميَّزون تميزاً واضحاً، ولا يختلفون اختلافاً كبيراً عن غيرهم من الساميين وهم بعد في مرحلة التجوال. وقد ظهروا ضمن القبائل الآرامية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية، وإن كان بعض الباحثين يرون أنهم لم يكونوا ساميين وإنما جماعات مهاجرة عاشت حياتها متجولة لتبيع خدماتها لأية أمة في المنطقة، وأنهم (في معظم مراحل تاريخهم غير المدوَّن) تزاوجوا واختلطوا بعديد من الأجناس. ويقرن بعض الباحثين الخابيرو بالعبرانيين اعتماداً على التشابه الصوتي الموجود بين الكلمتين. وهم يبرهنون على صدق ما ذهبوا إليه بالإشارة إلى عدد من العادات والتقاليد التي ورد ذكرها في أسفار موسى الخمسة والتي لا علاقة لها بالحضارة أو العادات السامية. عبيرو Apiru «عبيرو» كلمة ترد في المدونات المصرية القديمة في الفترة من منتصف القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، ومعناها «عبد» . وتشير كلمة «عبيرو» إلى العمال الذين استُخدموا في أعمال السخرة. وفي نصب تذكاري أقامه أمنحوتب الثاني، يشير أمنحوتب إلى أنه أسر ثلاثة آلاف وستمائة من الـ «عبيرو» أثناء غزوة قام بها في كنعان. وقد ورد في السجلات التي تركها رمسيس الثاني أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. ويقرن بعض المؤرخين هذه الكلمة بكلمة «خابيرو» التي ترد في المدونات الأكادية والتي تُقرَن بدورها بالعبرانيين لأن الأكادية تخلط بين العين والخاء وفي بعض فتراتها لم يكن فيها حرف العين. لكن هذا غير أكيد، كما أن المجال الدلالي لكلمتي «عبيرو» و «خابيرو» أوسع بكثير من كلمة «عبراني» . جبل سيناء Mount Sinai «سيناء» جبل يقع في شبه جزيرة سيناء. ويُسمَّى جبل سيناء في العهد القديم «حوريب» ، وهو اسم يُطلَق أيضاً على شبه الجزيرة كلها. كما يُشار إليه كذلك بأنه «الجبل» أو «جبل الله» أو «جبل الإله في حوريب» . وجاء في سفر الخروج أن اليهود ضربوا خيامهم عند سفحه بعد خروجهم من مصر، بينما صعد موسى إلى قمته وتسلَّم الوصايا العشر. ولا يُعرَف أي الجبال في سيناء هو الجبل المقصود، فيرى البعض أنه جبل موسى، ويرى البعض الآخر أنه جبل سريال القريب منه. ويُعَدُّ جبل سيناء ومعه جبل صهيون الجبلين المقدَّسين اللذين يرتكز عليهما العالم روحياً في الرؤية الدينية اليهودية. وجاء في الأجاداه أنه لولا أن أعضاء جماعة يسرائيل وقفوا أمام الجبل لسقطت الدنيا وتهدَّمت. ويُقال إن للجبل ثلاثة أسماء معلَّلة: فهو «جبل الله» لأن الإله كشف عن قدسيته عليه. وهو «جبل سيناء» لأن الإله كره (بالعبرية: سانا) أهل السماوات وفضَّل عليهم أهل الأرض من اليهود وأعطاهم التوراة. وهو «حوريب» لأن التوراة التي تُسمَّى «حريب» أي «سيف» ، قد نزلت هناك. وثمة تفسير ديني آخر هو أن كره الأغيار للشعب اليهودي بدأ هناك في سيناء. وهذه تفسيرات شعبية إذ يبدو أن اسم «سيناء» مشتق من اسم إله القمر «سين» . شبه جزيرة سيناء Sinai Peninsula تقع شبه جزيرة سيناء شمال شرقي مصر، اسمها مشتق من اسم إله القمر «سين» معبود أهل شبه جزيرة العرب. ويقع جبل سيناء في شبه الجزيرة. وتبلغ مساحة شبه الجزيرة أربعة وعشرين ألف ميل مربع. وقد كانت سيناء دائماً حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا. وكان الفراعنة يعتمدون منذ أقدم الأزمنة عليها للحصول على النحاس والفيروز وبعض الأحجار. زارها عدد كبير من فراعنة مصر، وفيها عبد المصريون القدامى الإلهة حتحور وجعلوها ربة المناجم. وقد اكتُشفت فيها أقدم كتابة كنعانية بأحرف شبيهة بالكتابة المصرية، كانت نواة الحروف الهجائية التي طوَّرها وهذَّبها الكنعانيون وأخرجوا منها حروف الكتابة التي أذاعوها على العالم. وسيناء هي البرّية التي عبرها إبراهيم ويعقوب عندما نزلا إلى مصر، وعبرها العبرانيون عند خروجهم أو هجرتهم من مصر ودخولهم إلى أرض كنعان. وقد حارب شاؤول العماليق في الجزء الشمالي من سيناء. وحينما ترد كلمة «سيناء» في العهد القديم، فهي لا تشير إلى كل شبه الجزيرة وإنما إلى جزء منها وحسب. وترد الإشارة أيضاً إلى «بَرّية سيناء» وهي الجزء المحيط بجبل سيناء. وكانت سيناء مسرح كثير من المعارك السياسية والحربية. وقد ضمَّها الإسرائيليون عام 1967 ثم أجلوا عنها بعد حرب 1973 في إطار اتفاقيات كامب ديفيد. فلسطين Palestine «فلسطين» هو الاسم الذي يُطلَق في الوقت الحاضر على المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن والممتدة حتى لبنان وسوريا شمالاً والبحر المتوسط وسيناء غرباً. وحتى نهاية الأسرة التاسعة عشرة وبداية الإمبراطورية الحديثة، كان الاسم المصري القديم لها (هي وسوريا ولبنان) هو «رتنو» أي «البلاد الأجنبية» . وفي فترة الإمبراطورية الجديدة، كانت أرض فلسطين تُسمَّى «حور» نسبة إلى الحوريين. وأول ذكر لكلمة «كيناهي» أو «كنهانا» ، أي «كنعان» ، يظهر في ألواح تل العمارنة في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم يشير إلى غرب نهر الأردن وضمن ذلك سوريا. ولكن المصريين القدماء كانوا يشيرون أيضاً إلى «بالاستو» أي «فلستيا» التي اشتق اسمها من أحد شعوب البحر وهم الفلستيون. وقد ورد ذكر فلسطين لأول مرة في الوثائق المصرية عام 75 ق. م. ويشير الآشوريون إلى «أرض عمري» كما كانوا يستخدمون عبارة «أرض حيتي» أي «أرض الحيثيين» للإشارة إلى كل الشام وفيها فلسطين وقبرص. وتُستخدَم كذلك عبارة «عبر النهر» للإشارة إلى هذه المنطقة. ويستخدم هيرودوت كلمة «باليستاني» . أما فيلون السكندري، فيقرن كنعان بفلسطين. وقد استخدم الرومان كلمة «بالستينا» للإشارة إلى هذه المنطقة بشكل رسمي ابتداءً من عام 138 بعد الميلاد، وقد ظلت المنطقة المشار إليها تُعرَف بهذا الاسم حتى الوقت الحالي. ويُشار إلى فلسطين بعبارة «إرتس يسرائيل» و «صهيون» و «أرض الميعاد» في الكتابات الدينية اليهودية وفي اللغة العبرية. أما في الكتابات غير الدينية، فكان يُشار إليها باسم «فلسطين» . ولذا، فقد كان الاسم الرسمي للوكالة اليهودية هو الوكالة اليهودية لفلسطين. وكانت الجيروساليم بوست هي بالستاين بوست، بل إن المؤرخ هاينريش جرايتز أشار إلى القومية اليهودية باعتبارها «القومية الفلسطينية» . وفي كل الكتابات العلمية والمتاحف، يُشار إلى المنطقة المذكورة بأنها فلسطين. ومع هذا، يشير الصهاينة إلى فلسطين باعتبارها «الوطن القومي» أو «الوطن اليهودي» ، كما يُشار إليها باعتبارها «اليشوف» أي «المُستوطَن» . وفي عام 1948، مع قيام الدولة الصهيونية، تغيَّر اسم المنطقة إلى «إسرائيل» (كما يحدث عادةً مع الدول الاستيطانية) . ويعود تاريخ فلسطين إلى ما قبل التاريخ، فقد عُثر على صناعات يدوية من العصر الحجري القديم (400.000 ـ 14.000) ومن العصر الحجري الوسيط (من 14.000 إلى 8.000) ومن العصر الحجري الحديث (8.000 ـ 4.200) . ومن أهم المدن التاريخية بفلسطين مدينة أريحا التي يعود تاريخها إلى 8.000 ق. م، مع أن تشكيل المدن والدول يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اكتسبت فلسطين طابعها السامي في الألف الثاني مع دخول العموريين ونشأة الحضارة الكنعانية (2100 ق. م) . وقد غزا الهكسوس فلسطين ومصر في القرنين الثامن عشر والسادس عشر قبل الميلاد. ويبدو أن بداية التغلغل العبراني تعود إلى الفترة ما بين القرنين 16و13 (فترة الآباء) حين أخذ العبرانيون يستوطنون فلسطين والأردن ومصر. وقد قام المصريون في الفترة 1500 ـ 1450 بطرد الهكسوس، ثم ضموا فلسطين تحت لواء تحتمس الثاني. ولكن قبضة المصريين تراخت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد (أيام حكم إخناتون) . ولكن رمسيس الثاني أعاد الهيمنة في القرن الثالث عشر بعد حروبه مع الحيثيين. بدأت في هذه الفترة هجرة العبرانيين من مصر إلى فلسطين، وهي الفترة نفسها التي استقر فيها الفلستيون على الساحل (والآراميون في سوريا) . وقد امتد حكم الدولة العبرانية في الفترة 1020 ـ 928 ق. م، ثم انقسمت إلى دويلتين. ويُلاحَظ أن هاتين الدويلتين لم تشغلا قط كل الأرض المعروفة باسم «فلسطين» في الوقت الحاضر. وقد أسقط الآشوريون المملكة الشمالية عام721 ق. م، وأسقط البابليون المملكة الجنوبية 587 ق. م، ثم حكم الفرس فلسطين في الفترة 538 ـ 332 ق. م إلى أن فتحها الإسكندر. وقد ظلت فلسطين تابعة للدولة البطلمية (التي كانت تحكم مصر) حتى عام 198 ق. م حين فرض السلوقيون هيمنتهم عليها وهي الهيمنة التي استمرت حتى عام 142 ق. م حينما نجح الحشمونيون في تأسيس أسرتهم. وقد انتهى هذا الاستقلال النسبي بظهور القوة الرومانية عام 63 ق. م فحوَّلت فلسطين إلى مقاطعة رومانية. وعند تقسيم الإمبراطورية الرومانية، وقعت فلسطين ضمن الدولة البيزنطية من القرن الخامس حتى القرن السابع باستثناء الفترة 614 ـ 628م حيث وقعت تحت حكم الفرس. وقد تم الفتح العربي لفلسطين عام 638م. أرض كنعان Land of Canaan «كنعان» تعني «الأرض المنخفضة» ، وهي من «قنْع» أو «خنع» لاختلافها عن مرتفعات لبنان، والقنْع في اللغة العربية أرض سهلة بين رمال تُنبت الشجر. لكن هذا الاشتقاق أصبح مشكوكاً فيه. وأصل الاشتقاق الأقرب إلى الصحة حوري الأصل وهو «كناجي» بمعنى «الصبغ الأرجواني» الذي أصبح بالفينيقية «كنع» وبالعبرية «كنعان» أي بلاد الأرجوان. وبعد عام 1200 ق. م، أصبحت كلمة «فينيقي» ، وهي كلمة يونانية تعني أيضاً «الأحمر الأرجواني» ، مرادفة لكلمة «كنعاني» . وقد استُخدم اسم كنعان في أول الأمر للدلالة على غربي فلسطين، ثم أصبح اللفظ علماً على ما هو متعارف عليه جغرافياً باسم «فلسطين» وعلى قسم كبير من سوريا. وأرض كنعان هي الأرض التي وعد الرب بها نسل إبراهيم، حسبما جاء في سفر التكوين. وكان على اليهود أن يخوضوا معارك ضارية ضد الكنعانيين ليستوطنوها، فقد ورد في أحد أسفار العهد القديم (عدد 33/50 ـ 56) : «وكلَّم الرب موسى ... قائلاً كلّم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأرض إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم. تملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها، وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم ... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها، فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم» . وقد تسلل العبرانيون إلى أرض كنعان بعد خروجهم أو هجرتهم من مصر. ويرتبط تاريخ كنعان بالتاريخ المصري إلى حدٍّ كبير، فقد ضمتها مصر إليها خلال حكم الأسرة الثانية عشرة (2000 ـ 1176 ق. م) فعمها الرخاء. ثم قام الهكسوس باحتلال كنعان ومصر مدة مائة وثمانين عاماً، ثم طردهم المصريون وضموا أرض كنعان مرة أخرى. ومع قيام الأسرة التاسعة عشرة (1320 ـ 1200 ق. م) ، عادت كنعان إلى الهيمنة المصرية. وكانت كنعان من نصيب المصريين بعد معركة قادش (1288 ق. م) التي دارت مع الحيثيين، وهي المعركة التي لم يُكتَب فيها النصر لأي من الفريقين. وشهدت أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد غزو شعوب البحر من الفلستيين الذين استوطنوا الشريط الساحلي. كما شهدت في الوقت نفسه التسلل العبراني، وكذلك قيام مملكة داود وسليمان والمملكتين العبرانيتين الشمالية والجنوبية، والغزوات الآشورية والبابلية. وقد أخذ الوجود العبراني في كنعان شكل جيوب وحسب إذ أن الوجود الحضاري والإثني للشعوب الأخرى ظل مستمراً. ويتضح هذا من احتفاظ القدس (مدينة اليبوسيين) باستقلالها إلى أن احتلها داود. كما أن الشعوب السامية المختلفة، من مؤابيين وأنباط وعمونيين وتلك التي جرى استيعابها في الحضارة السامية (مثل الفلستيين) ، ظل لها وجود مستمر حتى بعد الهجمات البابلية والآشورية. وقد جاء في سفر نحميا شكوى من أن العناصر العبرانية التي لم تُهجَّر إلى بابل قد استوعبت هي الأخرى ضمن العناصر المحلية: في تلك الأيام رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات ومؤابيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي (نحميا 13/23 ـ 24) . وتُطلق الأدبيات الدينية اليهودية على كنعان اسم «إرتس يسرائيل» ، أي «أرض إسرائيل» ، وهي أيضاً في هذه الأدبيات «صهيون» . يهودا (مقاطعة) Judah تُستخدَم كلمة «يهودا» للإشارة إلى ما يلي: 1 ـ أرض يهودا: وهي إشارة إلى نصيب قبيلة يهودا من الأرض، والذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الميت وكان حده الشمالي نهر روبين جنوبي يافا. وعلى هذا، فإن القدس كانت خارج أرض يهودا. ولم تكن أرض يهودا تضم المدن الساحلية، كأشدود وغزة وعسقلان، لأنها بقيت في أيدي الفلستيين. كان عرض أرض يهودا (من الغرب إلى الشرق) نحو خمسين ميلاً، وكان طولها (من الجنوب إلى الشمال) نحو خمسة وأربعين ميلاً، وكانت مساحتها أكثر من ألفي ميل مربع. 2ـ المملكة الجنوبية (يهودا) : وتضم أرض يهودا وأكثر أرض بنيامين إلى الشمال الشرقي، ودان إلى الشمال الغربي، وشمعون إلى الجنوب. وكانت مساحتها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ميل مربع. وقد أُطلقت الكلمتان «يهود» الفارسية ثم «يوديا» الرومانية على المقاطعة المحيطة بالقدس. ولكن جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى «يهودا» العبرانية و «يهود» الفارسية و «يوديا» الرومانية. ويُلاحَظ أن الحشمونيين سمَّوا دولتهم باسم «يهودا» . وقد اختفى الاسم بصيغتيه العبرية والرومانية منذ عام 135م، حينما أُطلق على فلسطين بأقسامها كافة (يهودا والسامرة والجليل وغيرها) اسم «بالستينا» . ويُطلق الصهاينة مصطلح (يهودا والسامرة) على الضفة الغربية لإنكار كل التطورات التاريخية التي حدثت منذ ذلك الحين، ولتسويغ عملية الضم. وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «يهودا» ، ولكننا نقرنها أحياناً باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا السلوقية» أو «يهودا البطلمية» أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كان السياق يجعل نسبتها واضحة. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نُفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين. يهود (مقاطعة) Yehud (or Yahud) حين ضم الفرس فلسطين ضمن ما ضموا من ممتلكات الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، أُطلق على كل أرض فلسطين اسم «عبر النهر» ، أي الأرض التي تقع عبر نهر الفرات. وكان المرزبان (الحاكم الفارسي) يحكمها من دمشق. وكانت مقاطعة يهودا (التي كان يطلق عليها الفرس «يهود» ) مساحة صغيرة تحيط القدس، طولها خمسة وثلاثون ميلاً وعرضها يتراوح بين خمسة وعشرين وخمسة وثلاثين ميلاً، فكان معظمها أرضاً صحراوية. ونستخدم في هذه الموسوعة كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا الفارسية» أو «يهودا الرومانية» . وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة. كما أننا نفرق في الوقت نفسه بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين. جوديّا Judea «جوديّا» هو الاسم الذي كان يُطلَق على القسم الجنوبي من فلسطين إبّان حكم الإمبراطورية الرومانية. تمتد حدود يوديا الشمالية من يافا على ساحل البحر المتوسط إلى نقطة الأردن التي تَبعُد عشرة أميال إلى الشمال من البحر الميت. وتمتد حدودها الجنوبية من وادي غزة على بُعد سبعة أميال إلى الجنوب الغربي من غزة إلى بئر سبع ثم إلى القسم الجنوبي من البحر الميت. وكان طولها من الشمال إلى الجنوب نحو خمسة وخمسين ميلاً، كما كان طولها من الشرق إلى الغرب نحو خمسة وخمسين ميلاً تقريباً. وتشتمل جوديا على كلٍّ من القدس وبيت لحم. وهي تُعتبَر أحد أقسام فلسطين الثلاثة: الجليل في الشمال، والسامرة في الوسط، ويوديا في الجنوب. وقد استُخدم مصطلح «يهود» الفارسية لأول مرة في سفر عزرا (5/8) للإشارة إلى تلك الرقعة الصغيرة التي تحيط بالقدس والتي كانت ولاية تابعة لها ثم للبطالمة والسلوقيين. وقد ضمَّها الرومان في عام 63 ق. م، فكان يحكمها حاكم (بروكيوراتو) يعيِّنه الإمبراطور الروماني. وتجب ملاحظة أن المصطلح كان يُستخدَم أحياناً، بالمعنى السياسي لا الجغرافي، ليشير إلى رقعة أكثر اتساعاً. فكان يُشار أحياناً إلى كل فلسطين (ما عدا المدن الهيلينية) باعتبار أنها «جوديا» ، كما كان يُشار إلى كل الأرض التي حكمها هيرود على أنها «جوديا» ، وهي رقعة واسعة تضم معظم فلسطين. وقد شغل أرخيلاوس، ابن هيرود،منصب رئيس القوم (إثنآرخ) في جوديا التي كانت تشير إلى يهودا والسامرة فقط. وترد الكلمة في العهد الجديد بمعنى سياسي واسع، فقد جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كل من يهودا (القبيلة العبرانية) ، وإلى المنطقة التي كانت من نصيبهم، وإلى المملكة الجنوبية، وللإشارة أيضاً إلى يوديا الرومانية. وفي عام 135م، أُطلق مصطلح «بالستينا» على كل فلسطين ومنها جوديا الرومانية. ولمواجهة فوضى المصطلحات، نستخدم كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة، فنقول «يهودا السلوقية» أو يهودا البطلمية أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كانت النسبة واضحة من السياق ذاته. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين. شيلوه Shiloh «شيلوه» اسم عبري معناه «موضع الراحة» . و «شيلوه» اسم مدينة من أصل كنعاني تقع على بعد عشرة أميال شمالي بيت إيل على الطريق بين نابلس والقدس، على بعد سبعة عشر ميلاً منها. وقد تكون شيلوه هي خربة سيلون (من العربية: سَلْوى) . كانت هذه المدينة موطن النبي صموئيل. وقد وضع يشوع بن نون فيها تابوت العهد حيث بقي ثلاثمائة عام. كما كانت هذه المدينة المركز الديني والإداري أثناء فترة الاستيطان الأول. وقد قسَّم فيها يشوع أرض كنعان ووزعها على القبائل العبرانية. وكان العبرانيون يَحجُّون إليها ويقضون فيها العيد إبّان حكم القضاة. ومنذ أن اختطف الفلستيون تابوت العهد، لم يرجع هذا التابوت إلى شيلوه. ففقدت المدينة مكانتها، وانتقل مركز العبادة إلى القدس. بيت إيل Bethel «بيت إيل» تعبير عبري معناه «بيت الرب» . وهي مدينة كنعانية قديمة كانت تُعرف باسم «لوز» على بعد ستة عشر كيلو متراً من القدس ونابلس، واسمها الحديث «بيتين» . ولم تكن بيت إيل مدينة حصينة، لكنها كانت محاطة بعدة عيون ماء، وواقعة على الطريق من أريحا إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد كانت بيت إيل مكاناً مقدَّساً لدى الكنعانيين قبل التسلل العبراني، ثم استولت عليها قبيلة يوسف وصارت من نصيب قبيلة إفرايم. ويربط الموروث الديني اليهودي بين إيل وكلٍّ من إبراهيم ويعقوب، إذ بنى فيها الأول مذبحاً حيث تَجدَّد العهد الإلهي. وفيها رأى يعقوب حلماً وتغيَّر اسمه إلى يسرائيل، وأصدرت دبوراه أحكامها بالقرب منها. وقد وُضعت فيها خيمة الاجتماع، كما وُضع فيها تابوت العهد قبل أن يُنقل ويستقر في القدس. وكانت بيت إيل مركزاً لاتحاد القبائل، ولكنها فقدت أهميتها بعد بناء الهيكل. وشيَّد فيها يربعام ملك المملكة الشمالية هيكلاً قومياً لمملكته، كما شيد هيكلاً آخر في دان وزوَّده بعجول ذهبية، حتى لا يحج سكان مملكته إلى هيكل القدس. ويبدو أنها كانت عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت. وقد ألقى فيها عاموس نبوءاته، وهاجمها يوشيا ملك المملكة الجنوبية وذبح كهنتها وخرب أصنامها وهياكلها. وهدمها الآشوريون ثم دمَّرها بعد ذلك البابليون ومن بعدهم الفرس. وقد أُعيد بناؤها في العصر الهيليني، ولكنها هُجرت مع الفتح العربي. شكيم Shechem «شكيم» ، وتُكتَب أيضاً «شيكيم» ، ويكتبها السامريون «شخيم» ، وهي كلمة عبرية معناها «كتف» أو «منكب» ، وتُطلَق هذه الكلمة عَلَماً على مدينة كنعانية قديمة تقع بين جبل جريزيم وجبل عيبال في الضفة الغربية. وتعود أقدم حوائطها إلى عام 2000 ق. م، وهي فترة تسبق التسلل العبراني. وكانت المدينة تحت حكم الأسرة الثانية عشرة المصرية، وضرب الآباء العبرانيون خيامهم على أطرافها (تكوين 12/6) . وقد حدث أول اتصال بين إبراهيم والكنعانيين فيها، وفيها أيضاً ظهر الإله لإبراهيم وبنى له مذبحاً. ووجد يعقوب أن الحويين يقيمون فيها. وأثناء التسلل العبراني، نهبتها قبيلتا سيمون ولاوي، ووقعت فيها حادثة دينا وشكيم بن حامور الملك. وأصبحت شكيم أول مركز ديني للعبرانيين. وعند انقسام المملكة العبرانية المتحدة، أصبحت شكيم عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت وفقدت أهميتها بتصَاعُد أهمية مدينة السامرة. ولكنها، مع هذا، ظلت مركز العبادة للسامريين. وفي عام 72م، أسس فسبسيان مدينة نيابوليس التي كان معظم سكانها سامريين، وهي التي اشتُق من اسمها اسم نابلس الحالية. وقد عُثر في المدينة على طبقات سكنية تعود إلى العصور البرونزية الوسيطة والبرونزية الحديثة وإلى العصرين الحديدي واليوناني. كما عُثر فيها على معبد كنعاني ضخم يُعتبَر من أكبر المعابد الكنعانية على الإطلاق. جلعاد Gilead «جلعاد» تعبير عبري من «جال» التي تعني «حجر» و «عد» التي تعني «شاهد» ، أي أن «جلعاد» تعني «شاهد حجر» . وقد أتى في العهد القديم «هذه الرجمة هي شاهدة بيني وبينك اليوم. لذلك دُعي اسمها جلعاد» (تكوين 31/47) . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى كل المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن وجنوبي نهر اليرموك وكان يسكنها بعض القبائل العبرانية ومن أهمها قبيلة جاد. وقد كتب لورنس أوليفانت كتاباً بعنوان أرض جلعاد يحتوي على مشروع صهيوني استيطاني. وتركز الكتابات الإسرائيلية الصهيونية في الوقت الحاضر على أهمية أرض جلعاد باعتبارها جزءاً من أرض إسرائيل الكبرى. السامرة Samaria «السامرة» هي عاصمة المملكة الشمالية ويُطلَق عليها باللغة العبرية «شومرون» نسبة إلى «شمر» الذي كان يمتلك التل الذي بُنيت عليه المدينة. تقع السامرة على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشمال من القدس، وستة أميال إلى الشمال الغربي من شكيم (نابلس) ، وهي المدينة التي يقع فيها جبل جريزيم الذي يحج إليه السامريون في عيد الفصح. وتُطلَق كلمة «السامرة» أحياناً على المملكة ككل. أُسِّست المدينة عام 880 ـ 879 ق. م. حينما جعلها عمري عاصمة المملكة الشمالية، وقد أتاح هذا الموقع الحصين للمدينة والمطلّ على طريقين رئيسيين أحدهما من الجنوب والثاني من الشرق لعمري ومملكته السيطرة على طرق التجارة التي كانت تعبر فلسطين إلى الممر الساحلي. وقد شيَّد عمري في المدينة قصراً عُرف باسم «بيت العاج» ، ويبدو أنه كان من الضخامة والثراء بحيث ظلت الحوليات الآشورية تشير إلى السامرة باسم «بيت عمري» مدة قرن من الزمن. وظلت المدينة قائمة إلى أن استولى عليها سرجون الثاني في (722 ـ 721 ق. م) بعد حصار دام ثلاثة أعوام، وقد تحوَّلت إلى عاصمة إدارية للمنطقة. وبعد خضوع السامرة لفتوحات الإسكندر، استوطنتها جالية مقدونية وأصبحت السامرة مدينة يونانية في مظاهرها كافة. وقد هاجمها يوحنا هيركانوس الحشموني سنة 109 ق. م وخربها وباع أهلها عبيداً. وبعد مجيء القائد الروماني بومبي، أُعيدت المدينة لأصحابها السابقين، وأعاد هيرود الأكبر بناءها في الفترة 37 ـ 4 ق. م، وهو الذي سماها «سباست» (سبسطية) تكريماً للإمبراطور أوغسطس (سباسطوس باليونانية) . وقد اهتم هيرود بإقامة حصن وقلعة بالمدينة ووطَّن فيها عناصر مخلصة له، ولذلك جاء إلى المدينة بستة آلاف من جنوده المُسرَّحين كان بينهم ألمان وغاليون (من الغال أي فرنسا) وغيرهما من الأجناس. وقد كانت سبسطية مصدراً لجنود الإمبراطورية الرومانية. لذلك، حينما قامت الثورة اليهودية ضد الرومان عام 66م، قتل اليهود الكثيرين من سكان سبسطية ودمروا أجزاء منها، لكنها استرجعت نشاطها بعد عام 70م. وتُطلَق كلمة «السامرة» أيضاً على الجزء الأوسط من فلسطين (بين الجليل ويهودا) والذي سُمِّي باسم السامرة التي تقع فيه، وتَكثُر في السامرة التلال ويغلب عليها المظهر الجبلي، كما تتميَّز بوفرة أمطارها. ويَحدُّها جبل الكرمل والبحر غرباً ووادي يزرعيل شمالاً وجبل جلبوع ونهر الأردن شرقاً ووادي عجلون جنوباً. وقد استقرَّت في هذه المنطقة قبيلة يوسف (منَسَّى في الجزء الشمالي منها وإفرايم في الجنوب) . وتضم السامرة وبيت إيل وترصه ومجدو وبيسان وجبل جريزيم. وبعد التهجير الآشوري، وطَّن فيها سرجون الثاني قبائل أخرى اختلطت بالعناصر اليهودية المتبقية، فظهر السامريون نتيجة تزاوج هذه العناصر (حسب الرواية التوراتية) . وقد كانت المنطقة تابعة لآشور وبابل وفارس ومقدونيا والمملكة الحشمونية على التوالى. ويشير الأنبياء إلى المنطقة باسم «إفرايم» . أما اسم «السامرة» ، فيعود، على ما يبدو، إلى الآشوريين الذين كانوا يُطلقون اسم العاصمة على المنطقة التي يضمونها. والآن يُطلق الصهاينة مصطلح «يهودا والسامرة» على الضفة الغربية لتسويغ الضم. الجليل Galilee «الجليل» من «الجلجال» وهو لفظ سامي يُرجَّح أن يكون كنعاني الأصل ومعناه «الحجر المسندي الشكل» ، ومعنى الكلمة بالعبرية «دائرة» أو «مقاطعة» . والجليل هو اسم المنطقة الشمالية من فلسطين، وتقع بين نهر الليطاني ووادي يزرعيل، عرضها تسعة عشر ميلاً وطولها خمسة وعشرون ميلاً. وهي مقاطعة جبلية منتجة للحبوب وتَكثُر فيها الجبال، مثل الكرمل وجلبوع، التي يَبلُغ ارتفاع بعضها أربعة آلاف قدم. وتُعدُّ الجليل من أوليات المناطق التي سكنها الإنسان، ومن أقدم مدنها مدينة مجدو التي شهدت معارك طاحنة بين الكنعانيين والمصريين (1480 ق. م) . وقد سكنها الحويون والجرجاشيون وغيرهم من الأقوام. وقد استقرت قبائل نفتالي وآشر ويساكر وزوبولون في الجليل. كما انتقلت إليها قبيلة دان. ولم يستطع العبرانيون طرد سكان الجليل، ولذا ظل سكانها خليطاً. وقد أعطى سليمان لحيرام (ملك صور) عشرين من مدنها نظير أدوات بناء ابتاعها منه. وبعد التهجير إلى بابل والعودة منها، أصبحت أغلبية سكانها من غير اليهود. وقد غزاها شيشنق أثناء حكم رحبعام، وضمها الآشوريون ثم حكمها الفرس والسلوقيون. وفي عام 63 ق. م. احتلها الرومان وأصبحت الجليل تابعة لهم. وفي عهد الرومان كانت فلسطين تُقسَّم إلى ثلاث مناطق: الجليل والسامرة ويهودا (يوديا باللاتينية) . وكانت الجليل ذاتها تُقسَّم إلى الجليل الأعلى والجليل الأسفل. وحينما قام التمرد الحشموني، كان عدد اليهود من القلة بحيث اضطر سيمون الحشموني إلى تهجير الأقلية اليهودية منها خشية أن تهاجمهم الأغلبية. وقد هاجر بعض اليهود إليها أثناء حكم الأسرة الحشمونية بعد أن ضم أرسطوبولوس الأول منطقة يهودا. وفي تلك المرحلة التاريخية، كان يهود الجليل غير ملتزمين بالشعائر الدينية كتلك الخاصة بالختان والعشور. ولذا، كان يُشار إليهم باسم «عَمْ هآرتس» أي «عوام الأرض» ، وهي عبارة تفيد أنهم أجلاف غير مؤمنين. وكان نطقهم للعبرية مختلفاً عن نطق اليهود الموجودين في يهودا. وتقول المصادر إنهم لم يكن بوسعهم التمييز بين حرفي الألف والعين. وقد انضم بعض يهود الجليل إلى التمرد الأول ضد روما (66 ـ 73م) وكان قائد القوات اليهودية في الجليل هو يوسيفوس الذي استسلم للرومان. ولم يتخذ الرومان إجراءات انتقامية ضد سكانها من اليهود لأن أعداداً منهم، وخصوصاً في صفورية وطبرية، كانت متعاطفة مع الرومان. أما التمرد الثاني (132 ـ 135م) ضد روما، فلم يؤيده سكان الجليل من اليهود. وأصبحت الجليل مركزاً للدراسات الدينية إذ تضم طبرية التي صارت مقراً للسنهدرين. ومن مدن الجليل أيضاً الكرمل وصفد. ويقع فيها بحر طبرية المعروف باسم «بحر الجليل» . وقد نشأ المسيح في الجليل، ولذا فقد كان يعرف بـ «الجليلي» . ثم دخلت الجليل بعد ذلك نطاق الحضارة الإسلامية، ونزلت قبائل عربية كثيرة فيها. وتأسست في العهد العثماني بعض الإمارات الإسلامية. ومن أهم مدن الجليل صفد وطبرية وبيسان وعكا. ولا تزال الكثافة السكانية العربية عالية في منطقة الجليل، رغم المحاولات الصهيونية الرامية لتغيير طابعها السكاني. غزة Gaza «غزة» كلمة سامية فيما يبدو، وتعني «قُوَى» أو «كنوز» أو «مخازن» . وقد عرفها العبرانيون باسم «عزة» ، والفرس باسم «هازاتو» ، وسماها العرب «غزة هاشم» نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد الرسول الذي مات ودُفن فيها. وتشير الكلمة في الثقافة العربية إلى كلٍّ من قطاع غزة ومدينة غزة. وتَبعُد المدينة ثلاثة أميال عن ساحل البحر المتوسط إلى الشرق، وعشرة أميال إلى الجنوب من عسقلان. ويمر بها الطريق الساحلي الرئيسي الممتد من لبنان إلى مصر ماراً من شمال فلسطين إلى جنوبها. وغزة آخر مدينة كبيرة قبل الوصول إلى سيناء، وآخر محطة لمن يريد دخول مصر، وأول محطة لمن يريد دخول فلسطين من ناحية الجنوب. ونظراً لموقعها الجغرافي، كان الاستيلاء على غزة يعني السيطرة على طرق الحرب والتجارة بين آسيا وأفريقيا في العالم القديم. كانت غزة من نصيب قبيلة يهودا عند تقسيم أرض كنعان بين القبائل العبرانية، ولكن الفلستيين طردوهم منها واسترجعوها. وقد كانت غزة أيضاً مركز نشاط شمشون، كما كانت مركزاً لعبادة داجون الفلستية. وبقيت هياكل هذا الإله فيها حتى سنة 400م حيث حُطِّمت المعابد الوثنية فيها بمرسوم إمبراطوري حينما تحولت روما إلى المسيحية. وكانت غزة على حدود المملكة العبرانية المتحدة حين احتلها الآشوريون عام 720 ق. م. وعلى هذا، فقد اشتركت في التمرد ضد الحكم الآشوري ثم ضد نخاو (فرعون مصر) عام 608 ق. م. وكانت غزة المدينة الوحيدة في فلسطين التي لم تستسلم للإسكندر، فنكَّل بها وهدم أسوارها. وقد قاومت غزة المكابيين حينما قاموا بثورتهم وأبت الخضوع لهم، لكنها استسلمت لهم عام 145 ق. م ثم تمرَّدت عام 95 ق. م، فحاصرها ألكسندر يانايوس لمدة عام. وبعد أن دخلها، أحرقها وقتل أعداداً كبيرة من أهلها. وقد قاومت غزة الغزو الروماني لمدة طويلة. وبعد أن أخضعها الرومان، تحوَّلت إلى مستعمرة عسكرية. ولما نكَّل هادريان باليهود الذين ثاروا ضد الإمبراطورية الرومانية، بعث بأسراهم إلىها حيث قُتلوا في المصارعة التي أُقيمت في حفلة الألعاب الهدريانية. وظلت غزة تحت حكم الرومان إلى أن فتحها العرب عام 634م. واستولى الفرنجة عليها عام 1100، فظلت بحوزتهم حتى تحررت بعد معركة حطين عام 1187. ثم احتلها الإنجليز عام 1917. وبعد عام 1948، دخلت غزة تحت الحكم الإداري المصري، ومنها قام الفدائيون الفلسطينيون بشن هجماتهم على إسرائيل. وفي عام 1967، ضمَّتها إسرائيل، ولكنها قاومت الاحتلال بضراوة. وقد اعترف ديان وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك بأن غزة «يحكمها الفدائيون في الليل» . وقد اندلعت منها الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر 1987، واستمرت في التصاعد. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت غزة خاضعة للسلطة الفلسطينية. طبرية Tiberias «طبرية» مدينة في الجليل. وهي إحدى المدن الأربع التي يقدِّسها اليهود في فلسطين والتي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة. أما الثلاث الأخرى فهي: القدس والخليل وصفد. تقع طبرية شمال شرقي فلسطين عند البحيرة المسماة باسمها (بحيرة طبرية) على بُعد أربعة أميال من طرفها الجنوبي. شيَّدها هيرود أنتيباس (ابن هيرود) عام 22م وسماها على اسم الإمبراطور طيباريوس لتحل محل صفورية كعاصمة للجليل. وكانت طبرية تقع على طريق تجاري يربط سوريا بمصر، واشتهرت بالتجارة وصيد الأسماك. وتوجد على مقربة منها عيون ساخنة جعلت منها منتجعاً صحياً مشهوراً. وفي النهاية، استقر فيها أثرياء اليهود. ولذا، كانت المدينة تضم مكاتب الحكومة والصيارفة. كما أن بعض أعضاء الطبقات الفقيرة من اليهود استوطنوها ليحصلوا على الأرض والسكنى. وطبرية أول مدينة يهودية تنال استقلالها وتصبح مدينة (بوليس) لها الحق في أن تعلن الحرب وتُوقِّع المعاهدات وتفرض الضرائب، وكان يحكمها حاكم مُنتخَب تساعده لجنة من عشرة أفراد ومجلس مدينة من ستمائة شخص. وقد استسلمت طبرية للرومان أثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان، ولذا لم يتم تخريبها. وقد أصبحت مركزاً لليهودية بعد تدمير القدس، فشُيِّدت فيها حلقة تلمودية دُوِّنت فيها المشناه وأجزاء من الجماراه. ومعنى هذا أن التلمود الأورشليمي وُضع في طبرية. دخلت طبرية دائرة الحضارة الإسلامية وأرسل الخليفة عثمان ابن عفان إليها عام 30 هجرية مصحفاً كي يقرأ المسلمون فيه القرآن الكريم. وسقطت في يد الفرنجة بعض الوقت ثم استعادها صلاح الدين عام 1187 ولكنها سقطت مرة أخرى في يد الصليبيين عام 1240، ثم تم تحريرها بشكل نهائي عام 1247. استولى العثمانيون على طبرية عام 1517، وسمح سليمان القانوني لليهود بالإقامة فيها (1562) . واستولى نابليون علىها عام 1799 ولمدة قصيرة. وازدهرت المدينة أيام الحكم المصري لفلسطين إلا أن الدمار لحق بها بسبب الزلزال الشديد الذي وقع عام 1837. وطبرية من مدن فلسطين الأولى التي استقر فيها المستوطنون الصهاينة بسبب وجود مركز ديني فيها، كما كانت أول مدينة فلسطينية سلمتها قوات الاحتلال الإنجليزية للصهاينة. الخليل Hebron كلمة «الخليل» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «حبرون» ، ومعناها «صاحب» أو «عصبة» أو «رباط» أو «اتحاد» .، والخليل مدينة في فلسطين، وكان الكنعانيون يسمونها «قرية أربع» (باليونانية «تيترابوليس» أي «مدينة رباعية» ) . وتقع مدينة الخليل على بعد تسعة عشر ميلاً من القدس وثلاثة عشر ميلاً ونصف الميل من بيت لحم، على ارتفاع ثلاثة آلاف وأربعين قدماً من سطح البحر، وحولها عيون ماء كثيرة. والخليل إحدى المدن الأربع المقدَّسة لدى اليهود التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة، إلى جانب القدس وصفد وطبرية. ويعود تاريخ الخليل إلى أبعد من عام 3500 ق. م. فقد سَكَن إبراهيم (الذي تُنسَب إليه المدينة) إلى جوارها لبعض الوقت واشترى مغارة المكفيلة (حسبما جاء في العهد القديم) حيث دُفن فيها فيما بعد. ثم سكنها بعده (حسب الرواية التوراتية) إسحق ويعقوب ويوسف. وقد استولى العبرانيون على المدينة أثناء تسللهم إلى كنعان، وأبادوا سكانها من العناقيين. وقد لجأ إليها داود هرباً من شاؤول (ويُقال إن يوشع بن نون هو الذي غيَّر اسمها من «قرية أربع» إلى «حبرون» ) . وتقع الخليل في منطقة يهودا التي كانت تَخُصُّ قبيلة يهودا، ولكن المدينة نفسها كانت إحدى مدن الملجأ. وقد احتلها الأدوميون بعد التهجير البابلي، وضمها الحشمونيون إلى مملكتهم، ثم أصبحت جزءاً من فلسطين الرومانية. ثم دخلت الخليل مجال الحضارة العربية الإسلامية. والخليل تضم الحرم الإبراهيمي الشريف ومزار سيدنا إبراهيم عليه السلام. ازدهرت المدينة في العصر المملوكي والعثماني (استولى عليها الفرنجة وجعلوها مركز إبراشية وبنوا كنيسة في موقع الحرم عام 1168) ، وانتشر العمران خارج أسوارها منذ نهاية القرن التاسع عشر. وفي العصر الحديث بعد دخول القوات البريطانية فلسطين ووصول المستوطنين الصهاينة كانت الخليل ملجأً للمجاهدين لانتشار المغارات القديمة في جبالها ولأن أية قوة مطاردة يصعب علىها أن تعثر على المجاهدين. وكانت معاركها قبل إعلان الدولة الصهيونية هي الأعنف في الاشتباكات مع العدو حتى أن المستوطنين الصهاينة سبق أن فروا من المدينة كلها عام 1929 تاركين بيوتهم ومحالهم يوم ثورة البراق. وقد شهدت الخليل ثورة ديموجرافية حقيقية بعد احتلال فلسطين عام 1948 لوفود عدد كبير من اللاجئين إليها. فزاد عدد سكانها 54% خلال 27 عاماً. وقد اختارت إسرائيل بعد ضم الضفة الغربية عام 1967 موقعاً متميِّزاً على تلة لتقيم مستوطنة صهيونية تُسمَّى «قريات أربع» وقامت بمحاولات لتهويد الحرم الإبراهيمي. وقد شهدت المدينة واحدة من أكبر المذابح الصهيونية حينما قام المستوطن الصهيوني باروخ جولدشتاين بإطلاق النار على المصلين وهم ساجدون داخل الحرم الإبراهيمي فاستُشهد منهم أكثر من ثلاثين. وقد تبيَّن أن الإرهابي الصهيوني (الذي قُتل أثناء الحادث) من مستوطنة قريات أربع، وأنه ضابط طبيب في الجيش الإسرائيلي وأنه استخدم رشاشه الرسمي في الجريمة. وقد أقام له المستوطنون مقبرة خاصة أصبحت مزاراً لهم. صفد Safed «صفد» من الكلمة الكنعانية «صفت» بمعنى «العطاء» ، وهي مدينة في الجليل تقع فوق جبل على ارتفاع ألفين وسبعمائة وثمانين قدماً من سطح البحر. وهي إحدى المدن الأربع المقدَّسة عند اليهود (إلى جانب القدس والخليل وطبرية) . ومع هذا، لم يأت ذكرها في الكتاب المقدَّس إذ يبدو أنها كانت قرية صغيرة ضئيلة الشأن. وقد ظلت كذلك حقباً طويلة من الزمن، فلم يأت لها ذكر في الفتوحات العربية الأولى. وقد دارت المعارك بين الفرنجة والمسلمين حول صفد إلى أن حررها الظاهر بيبرس عام 1267 ثم أصبحت عام 1517 جزءاً من الدولة العثمانية. ولا نعرف الكثير عن تاريخ وجود أعضاء الجماعات اليهودية فيها، وحينما زارها بنيامين التطيلي في القرن الثاني عشر، لم يجد فيها يهوداً. لكن بعض اليهود المهاجرين من إسبانيا استوطنوها في القرن الخامس عشر. وكان اليهود المقيمون فيها يتاجرون في التوابل والجبن والزيت والخضراوات والفواكه. وفي القرن السادس عشر، أصبحت صفد مركزاً دينياً، إذ عاش فيها يوسف كارو مؤلف الشولحان عاروخ وإسحق لوريا وتلميذه حاييم فيتال، وهم من أهم القبَّاليين، وبذلك أصبحت صفد مركزاً للدراسات القبَّالية. ومع هذا، لم يكن عدد اليهود فيها يزيد على سبعمائة وست عشرة أسرة عام 1548. وفي نهاية القرن السابع عشر، كان عدد اليهود من دافعي الضرائب لا يزيد على عشرين. وقد استوطنها، مع نهاية القرن الثامن عشر، بعض الحسيديين. وقد احتلتها القوات البريطانية ضمن ما احتلت من فلسطين عام 1918، واستوطنها الصهاينة. وفي عام 1948 تم طرد سكانها العرب وحل محلهم مستوطنون صهاينة. أريحا Jericho «أريحا» من «يرخو» وهي كلمة كنعانية تعني «مدينة القمر» (وقد يدل هذا على أن عبادة القمر السامية كانت منتشرة فيها) ويُقال إن معناها أيضاً «الروائح العطرية» (ويشار إليها في العصر الحديث أحياناً بكلمة «الريحا» ) . وأريحا مدينة كنعانية قديمة يرجع تاريخها إلى حوالي سبعة آلاف عام، واكتُشف فيها أقدم فخار وأقدم نحت في العالم، وتُعَدُّ أقدم مدن فلسطين. بل ويُقال إنها أقدم مدينة في العالم قائمة حتى اليوم (وحيث إنها هُجرت بعض الوقت، فإن دمشق ودمنهور هما المدينتان اللتان تستحقان هذا الشرف، إذ أن الحياة البشرية مستمرة فيهما دون انقطاع منذ ظهرتا إلى الوجود) . وتقع أريحا على مسافة سبعة وثلاثين كيلو متراً شرقي الشمال الشرقي لمدينة القدس، في الطرف الغربي لغور الأردن الغربي (يُقال له غور أريحا) على بُعد حوالي ثمانية كيلو مترات غربي نهر الأردن الذي تصب مياهه بعدها بقليل في البحر الميت. وترتبط أريحا مع غور الأردن ومع الضفتين الشرقية والغربية بشبكة طرق، وهي منفتحة جنوباً على البحر الميت وصحراء النقب. وكانت أريحا المعبر الغربي لنهر الأردن والبحر الميت، يمر منها الحجاج المسيحيون القادمون من القدس. ومن جهة أخرى، كانت أريحا بوابة شرقية لفلسطين عبرها كثير من الجماعات البشرية المهاجرة إلى فلسطين على مدى العصور. ومساحة المدينة إدارياً تبلغ خمسة وعشرين كيلو متراً مربعاً تقريباً، وهي بذلك تساوي منطقة الخليل التي تقع جنوبها. وأريحا منخفضة تحت سطح البحر بنحو مائتين وستة وسبعين متراً (ولذا فجوها حار) . وأريحا القديمة تقع في تل السلطان بالقرب من عين السلطان (على مقربة من أريحا الحديثة) وقد اتخذها الهكسوس قاعدة لهم بين عامي 1750 - 1600 ق. م. وهي أول مدينة هاجمها العبرانيون أثناء تسللهم في أرض كنعان (فلسطين) وغزوهم إياها. وقد أرسل يشوع بن نون جاسوسين إلى المدينة (حسب الرواية التوراتية) ، فدخلا بيت امرأة اسمها «راحاب» (يُشار إليها دائماً بالزانية) . و «راحاب» من الكلمة العبرية «رحب» أو «مُتَّسع» ، إذ يبدو أنها استقبلت الجاسوسين على الرحب والسعة (سفر يشوع 2/1 - 24) . وحينما علم ملك أريحا بأمرهما، حاول القبض عليهما ولكن راحاب خبأتهما، وضللت الرسل، وقالت: "لست أعلم أين ذهب الرجلان، اسعوا سريعاً وراءهما حتى تدركوهما". وبعد أن رحل حرَّاس الملك، قالت راحاب للرجلين: "علمت أن الرب قد أعطاكم الأرض وأن رُعبكم قد وقع علينا وأن جميع سكان الأرض ذابوا من أجلكم، لأننا قد سمعنا كيف جفَّف الرب مياه بحر القلزم قدامكم عند خروجكم من مصر". ثم ذكرت لهما بعض الأحداث الأخرى التي بثت الرعب في نفوس أهل أريحا "ولم تبق بعد روحٌ في إنسان بسببكم"، وطلبت منهما الأمان لنفسها ولأهلها عند سقوط المدينة في يد العبرانيين، وعاد الجاسوسان وقالا ليشوع: "إن الرب قد دفع بيدنا الأرض كلها وقد ذاب كل سكان الأرض بسببنا". ووفقاً لأمر الرب، حسب الرواية التوراتية، سار المحاربون من إسرائيل في صحبة سبعة من الكهنة، حاملين أبواقاً وتابوت العهد، وقد طاف هؤلاء حول المدينة مرة في اليوم لمدة ستة أيام. وفي اليوم السابع طافوا حولها سبع مرات وضربوا بالأبواق وهتفوا هتافاً عالياً فسقطت أسوار المدينة، فقام العبرانيون بذبح "كل من في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير… وقال يشوع للرجلين اللذين تجسسا الأرض: دخلا بيت المرأة الزانية وأخرجا من هناك المرأة وكل ما لها كما حلفتما لها" (يشوع 6/24) . ويذكر العهد القديم أن راحاب عاشت في وسط إسرائيل (يشوع 6/25) بل تذكر التقاليد الدينية أنها تزوَّجت يشوع وأن عدداً من أنبياء اليهود جاءوا من نسلها من بينهم إرميا. ثم حلف يشوع في ذلك الوقت قائلاً ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا (يشوع 6/27) . وفي عصر القضاة أخرج عجلون ملك المؤابيين اليهود من أريحا واتخذها عاصمة له وأقام لنفسه قصراً فيها (قضاه 3/13) . وقد أقام فيها رسل داود الذين حلق ملك عمون لحاهم إلى أن نمت مرة أخرى (صموئيل الثاني 10/5) . وفي زمن الملك العبراني أحاب، بناها حيئيل البيتئيلي ولكنه فَقَد ابنيه (وفقاً لنبوءة يشوع) . وقد قبض البابليون على الملك العبراني صدقيا بالقرب من أريحا ثم حطموا المدينة عام 587 ق. م. وفي العصر الهيليني، تحوَّلت أريحا إلى مقبرة، ثم قام الحشمونيون (المكابيون) بتعميرها. وقد جدَّد هيرود المدينة ووسَّعها وأسَّس فيها القصور والميادين والقنوات والحصون، فامتدت فوق ما يُعرَف اليوم بتلال أبي العليق. وقد خُرِّبت، ولكن أُعيد بناؤها في القرن الرابع الميلادي في عهد قسطنطين الأكبر (306 - 327م) وانتشرت فيها المسيحية وأقيمت في ضواحيها الأديرة والكنائس وأصبحت مركز الأسقفية. وفي العصر الإسلامي، استقرت فيها قبائل بني النضير اليهودية بعد طردها من الجزيرة العربية وازدهرت المدينة وأصبحت أهم مدينة زراعية في غور الأردن وأحيطت بمزارع النخيل والموز وقصب السكر والريحان والحنة والبلسم وسكنها قوم من قيس وجماعة من قريش. وقد استولى الفرنجة على أريحا وأسس فرسان الهيكل قلعة بالقرب منها، ولكن صلاح الدين حررها عام 1187 ثم تحولت أريحا بعد ذلك إلى قرية صغيرة متواضعة لا أهمية لها. وكانت أريحا مركزاً حياً في أواخر العهد العثماني ثم أصبحت مركز قضاء في عهد الانتداب البريطاني حتى عام 1944 حين أُلحقت بقضاء القدس. وبعد عام 1948، عادت أريحا مركز قضاء يحمل اسمها داخل الضفة الغربية. وقد تَدفَّق عليها آلاف اللاجئين وأُقيمت بجوارها مخيمات عين السلطان وعقبة جبر. وبلغ عدد سكانها في أواخر السبعينيات ما يزيد على 15 ألف نسمة. وأريحا مشهورة في الوقت الحاضر بأراضيها الزراعية التي تعتمد أساساً على الينابيع والآبار. ويُوجَد بجوار أريحا مشروع موسى العلمي للزراعة وتربية المواشي الذي استوعَب كثيراً من اللاجئين. وتوجد عدة صناعات في أريحا من بينها صناعة السكر من القصب وتصنيع التمر من البلح وصناعة النسيج. وتتميَّز أريحا بما فيها من آثار ترجع إلى العصور القديمة والرومانية والمسيحية والإسلامية وهي تُعَدُّ مشتى ممتازاً. ولموقع أريحا بُعْد عسكري، فهي بوابة طبيعية تشرف على الطرق المؤدية إلى الأغوار والمرتفعات الجبلية، ولذا حرصت إسرائيل على احتلالها في حرب 1967 قبل غيرها من مدن الضفة الغربية لنهر الأردن، وذلك بالالتفاف حول الضفة الغربية لاحتلال محور طوباس - أريحا وعزل الضفة الغربية عن الضفة الشرقية. وينطلق مشروع آلون من مفهوم أن حدود إسرائيل الدائمة لابد أن يَسهُل الدفاع عنها وأن تعتمد على عوائق طبوغرافية دائمة مثل قناة السويس أو نهر الأردن. ولذلك اقترح آلون ضم شريط من الأراضي بعمق 10 - 15 كيلو متراً على طول وادي الأردن حتى البحر الميت ثم زيد بعد ذلك إلى 20 كيلو متراً، وقد بلغ عدد المستعمرات في هذا الشريط عام 1971 عشر مستعمرات، ثم أخذت تزداد إلى أن بلغت عام 1982 أربعين مستعمرة. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت أريحا في يد السلطة الفلسطينية. القدس: أسماؤها Jerusalem: Names «القدس» تقابلها في العبرية كلمة «يروشالايم» ، وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في العهد القديم أكثر من ستمائة وثمانين مرة. وهي كلمة مشتقة (منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد) من الكلمة الكنعانية اليبوسية «يورشاليم» (من مقطع «يارا» بمعنى «يؤسس» أو من «أور» بمعنى «موضع» أو «مدينة» ؛ ومقطع «شولمانو» أو «شالم» أو «شلم» وهو الإله السامي للسلام) . وفي الكتابات المصرية المعروفة بـ «نصوص اللعنة» التي يرجع تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وردت الكلمة بشكل «روشاليموم» . وقد ورد في مراسلات تل العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ست رسائل من عبدي خيبا، ملك «أوروسالم» . ويتكرر الاسم بشكل «أوروسليمو» في الكتابات الآشورية التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما في كتابات القرن الرابع اليونانية، فقد سُمِّيت «هيروسوليما» ، ومن الواضح أن الاسم اللاتيني «جروسالم» جاء من الاسم الكنعاني للمدينة. وذكر ياقوت المدينة باسم «أورشلين» و «أوريسلم» و «أورسلم» . ويُشار إليها أيضاً بأنها «يبوس» نسبة إلى سكانها من اليبوسيين، وهم من بطون العرب الأوائل الذين نزحوا من الجزيرة العربية نحو عام 2500 ق. م واحتلوا التلال المشرفة على المدينة القديمة. وقد ورد اسم «يبوس» في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم «يابثي» و «بابتي» وهو تحريف للاسم الكنعاني. وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سُمِّيت «حصن يبوس» ، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «حصن صهيون» . ويُعرَف الجبل الذي أُقيم عليه الحصن باسم «الأكمة» أو «هضبة أوفل» ، وأحياناً باسم «جبل صهيون» . وقد أنشأ السلوقيون، في موضع حصن يبوس، قلعة منيعة عُرفت باسم «قلعة عكرا» أو «إكرا» . وتُسمَّى القدس أحياناً «صهيون» . وتُطلق التوراة على المدينة، إلى جانب لفظ «يروشالايم» ، لفظ «شاليم» و «مدينة الإله» و «مدينة العدل» و «مدينة السلام» و «مدينة الحق» ، وكذلك «المدينة المقدَّسة» و «مدينة الشعب المقدَّس» و «آرئييل» (أي «أسد الإله» ) . ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت، في القرن الخامس قبل الميلاد، مدينة كبيرة في سوريا (بلاد الشام) سماها «قديتس» . (والاسم على الأرجح تحريف للنطق الآرامي «قديشتا» أي «القدس» ) . وعندما استولى داود على المدينة حوالي سنة 1000 ق. م، لم يجد اسماً خاصاً يُطلَق عليها فسماها «مدينة داود» ولكنها عادت بعد ذلك إلى اسمها القديم. وفي العهد الروماني، دمَّر الإمبراطور إيليوس هادريانوس المدينة (عام 135) وغيَّر اسمها إلى «إيليا كابيتولينا» ؛ و «إيليا» هو اسم الإمبراطور، و «كابيتولينا» نسبة إلى «الكابيتول» معبد جوبتر كبير آلهة الرومان. وأعاد إليها الإمبراطور قسطنطين، الذي اعتنق المسيحية في القرن الرابع الميلادي، اسمها القديم «أورشليم» . ويبدو أن اسم «إيليا» ظل مُتداوَلاً بدليل وروده في العهد العُمَري أو عهد الأمان الذي منحه الخليفة عمر بن الخطاب إلى سكان المدينة عام 638. وفي العصور التالية، سُمِّيت المدينة «بيت المقدس» و «القدس الشريف» ، وقد سماها أحد علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري بالاسمين: «بيت المقدس» و «إيليا» . القدس: مكانتها في الوجدان الديني اليهودي Jerusalem: Status in the Jewish Religious Imagination للقدس أهميتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين واليهود نظراً لما تحتويه من آثار دينية، وهذا ما يجعلها من أهم المراكز الروحية ومن أهم مراكز التوحيد. ولكنها في الوقت نفسه ذات أهمية جغرافية حيث تقع على تَقاطُع الطرق التي تربط جميع أرجاء العالم القديم بقاراته الثلاث. وهذا ما جعلها (شأنها شأن فلسطين ككل) ، هدفاً لجميع القوى السياسية الدولية على مرّ العصور. والاهتمام الصهيوني بالقدس والدعم الاستعماري للاستيطان الصهيوني فيها لا علاقة له بتطلعات اليهود الدينية، التي يمكن الوفاء بها دون حاجة لتهويد القدس وتوطين نصف مليون يهودي فيها وربطها بأنفاق وجسور، بالمستوطنات، التي تقع داخل نطاق ما يُسمَّى «القدس الكبرى» . بل إن كثيراً من اليهود المتدينين يشكون من أن تهويد القدس يتم في إطار الإثنية اليهودية (اللادينية) وليس في إطار الانتماء الديني، ولذا يُلاحَظ أن المدينة التي كانت ذات صبغة دينية واضحة (مقابل تل أبيب الشيطانية) بدأت تفقد طابعها الديني وتتحوَّل إلى مركز سياحي توجد فيه محلات الأشياء الإباحية على مقربة من حائط المبكى! وقبل أن نتناول مكانة القدس في الوجدان الديني اليهودي قد يكون من المفيد أن نتناول بشكل موجز مكانتها في وجدان المسيحيين والمسلمين. ظلت للقدس، لبعض الوقت، مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي، إذ كانت فلسطين تُعَدُّ الوطن المقدَّس الذي ورَّثه المسيح لأبنائه المسيحيين. ولم تكن القدس تُوصَف بأنها «صهيون اليهودية» بل بأنها «مدينة العهد الجديد المقدَّسة» . ولم تتضاءل أهمية هذه المدينة كمدينة مقدَّسة إلا بعد عام 590 حين أصبح عرش البابا جريجوري العظيم مركز السلطة المسيحية، وأصبحت لروما الحظوة على القدس. وأصبح أسقف القدس يحتل المرتبة الخامسة في السلسة الهرمية لهيئة الكهنوت الكاثوليكية. ومع ذلك، بقيت فلسطين (الأرض المقدَّسة) تتغلغل في حياة وخيال مسيحيّي العصور الوسطى. وكانت الرحلة إلى الأرض المقدَّسة مطمح كل مسيحي، مع ما قد يرافق ذلك من إغراء بالمغامرة والكسب الاقتصادي ومن مشاهد رائعة، وكان من يزورونها يثيرون لدى الآخرين الرغبة في زيارتها. ولا تزال للقدس مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي (رغم تَراجُع أهمية الحج على الأقل بالنسبة للمسيحيين الغربيين) . وللكنيسة القبطية موقف خاص من القضية، فالحج لا يزال من الشعائر المهمة بالنسبة للأقباط، ومع هذا أصدر البابا قراراً بتحريم أداء هذه الشعيرة طالما أن القدس تحت هيمنة الدولة الصهيونية. وأهم الآثار المسيحية في القدس كنيسة القيامة التي تضم قبر السيد المسيح والكنائس المقامة على جوانب طريق الآلام. أما بالنسبة للمسلمين فيرجع اهتمامهم بالقدس إلى أنها غاية مسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأرض المعراج ولكونها مباركة (بنص سورة الإسراء) وبها أولى القبلتين وثالث الحرمين. وكان المسلمون يتوجهون بالصلاة إليها حينما كانوا بمكة قبل الهجرة، واستمروا في التوجه للصلاة إلى بيت المقدس حوالي سبعة عشر شهراً حتى أمرهم الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة. وهناك أحاديث شريفة كثيرة تبيِّن أهمية القدس ومكانتها عند المسلمين. وقد اهتم بها الحكام والخلفاء المسلمون فأُنشئت فيها المساجد والمقابر والزوايا والتكايا فضلاً عن الأسبلة والأربطة والمدارس. كما أَوقف الكثيرون على القدس معظم الأراضي المجاورة لها. ومن أهم الآثار الإسلامية المقدَّسة في المدينة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم المقدسي الذي يضم المسجدين. وتشغل القدس ( «أورشليم» في المصطلح الديني) مكاناً مركزياً في الوجدان اليهودي. فبعد أن استولى عليها داود، نُقل إليها تابوت العهد ثم بنى سليمان فيها الهيكل. ويُطلَق على المدينة اسم «صهيون» في الموروث الديني، أما الشعب فهو «بنت صهيون» . وهي تضم أيضاً جبل صهيون وقبر داود وحائط المبكى. وقد أصبحت المدينة مركزاً للدين اليهودي يتَّجه إليها اليهود ويذكرونها في صلواتهم، وخصوصاً في الاحتفال بعيد الفصح حيث يرددون: "نلتقي في العام القادم في أورشليم"، وهي المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام. وقد أحاط التشريع اليهودي والتراث الأجادي مدينة القدس بكثير من القوانين والأساطير. وفي الأجاداه، تُوجد أوصاف مُسرفة في مديح أورشليم وأهلها، فهي على سبيل المثال سُرَّة العالم ولا يضاهيها في حُسنها مدينة أخرى. وفي محاولة تفسير سبب سقوطها، تلوم الأجاداه أهلها وتُلقي عليهم المسئولية، فأهل أورشليم: "كانوا يحبون المال، يكرهون بعضهم بعضاً، ويكرهون العلماء، ولم يقيموا شعائر السبت". وجاء في الأجاداه أيضاً أن الإله خلق أورشليم عند خلقه العالم، وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها، وصلَّى متمنياً ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته، أي أورشليم. وهناك كذلك إشارات إلى أورشليم في العصر المشيحاني (أي بعد عودة الماشيَّح المخلِّص اليهودي وقيادته الشعب إلى فلسطين) : "فستمتلئ حدودها بالأحجار الكريمة، وسيأتي اليهود ويأخذونها، وسيضاف إليها آلاف الحدائق". وقد طوَّرت القبَّالاه هذه الأفكار حيث صوَّرت أورشليم كأنها المكان الذي سيفيض فيه الخير من السماء ومنها يوزَّع على بقية العالم. وهي، بهذا، الشخيناه أو الملكوت الذي سيحكم العالم. وتحيط التلال بالقدس حتى لا تصل إليها قوى الظلام (الجانب الآخر في القبَّالاه) ويقوم على حراستها ملائكة الشخيناه. وأورشليم لا يفصلها أي فاصل عن الإله، وتصعد كل أدعية جماعة يسرائيل من خلالها. كما أن أورشليم، باعتبارها الملكوت، تلعب دوراً مهماً في عملية الإصلاح (تيقون) ، إذ ستعلو جدرانها وتقترب من العرش الإلهي. وبهذا، يعود التوازن للعالم، ولعالم التجليات (سفيروت) . والقدس إحدى مدن فلسطين الأربع المقدَّسة التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة (إضافة إلى الخليل وصفد وطبرية) . ومع هذا تُحرِّم اليهودية الحاخامية العودة إلى فلسطين (إرتس يسرائيل) ومن ثم القدس، إلا في آخر الأيام. وفي العصر الحديث أحجم أحد كبار الحاخامات عن زيارة القدس وقطع رحلته في طريقه إليها، خوفاً من أن يُفسِّر الصهاينة رحلته هذه بأنها قبول لمبدأ العودة. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية أن تخفَّف من الجانب القومي في اليهودية بأن تُحوِّل فكرة اللقاء في القدس إلى فكرة معنوية تشبه فكرة العصر الذهبي والحلم بالسعادة والفردوس. ولكن الصهيونية فسَّرت الشعار الديني تفسيراً حرفياً وحولته إلى شعار سياسي. وفى إطار هذا الفهم السياسي الضيق، قام الإسرائيليون بتغيير الصلوات، واستبدلوا بالصيغة التقليدية في الدعاء صيغة جديدة تقول: في العام القادم نعيد بناء أورشليم. ولا يعترف السامريون بالقدس مركزاً للدين اليهودي، فنابلس هي مدينتهم المقدَّسة. القدس: تاريخ Jerusalem: History للقدس أهميتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين واليهود نظراً لما تحتويه من آثار دينية، وهذا ما يجعلها من أهم المراكز الروحية ومن أهم مراكز التوحيد. ولكنها في الوقت نفسه ذات أهمية جغرافية حيث تقع على تَقاطُع الطرق التي تربط جميع أرجاء العالم القديم بقاراته الثلاث. وهذا ما جعلها (شأنها شأن فلسطين ككل) ، هدفاً لجميع القوى السياسية الدولية على مرّ العصور. والاهتمام الصهيوني بالقدس والدعم الاستعماري للاستيطان الصهيوني فيها لا علاقة له بتطلعات اليهود الدينية، التي يمكن الوفاء بها دون حاجة لتهويد القدس وتوطين نصف مليون يهودي فيها وربطها بأنفاق وجسور، بالمستوطنات، التي تقع داخل نطاق ما يُسمَّى «القدس الكبرى» . بل إن كثيراً من اليهود المتدينين يشكون من أن تهويد القدس يتم في إطار الإثنية اليهودية (اللادينية) وليس في إطار الانتماء الديني، ولذا يُلاحَظ أن المدينة التي كانت ذات صبغة دينية واضحة (مقابل تل أبيب الشيطانية) بدأت تفقد طابعها الديني وتتحوَّل إلى مركز سياحي توجد فيه محلات الأشياء الإباحية على مقربة من حائط المبكى! وقبل أن نتناول مكانة القدس في الوجدان الديني اليهودي قد يكون من المفيد أن نتناول بشكل موجز مكانتها في وجدان المسيحيين والمسلمين. ظلت للقدس، لبعض الوقت، مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي، إذ كانت فلسطين تُعَدُّ الوطن المقدَّس الذي ورَّثه المسيح لأبنائه المسيحيين. ولم تكن القدس تُوصَف بأنها «صهيون اليهودية» بل بأنها «مدينة العهد الجديد المقدَّسة» . ولم تتضاءل أهمية هذه المدينة كمدينة مقدَّسة إلا بعد عام 590 حين أصبح عرش البابا جريجوري العظيم مركز السلطة المسيحية، وأصبحت لروما الحظوة على القدس. وأصبح أسقف القدس يحتل المرتبة الخامسة في السلسة الهرمية لهيئة الكهنوت الكاثوليكية. ومع ذلك، بقيت فلسطين (الأرض المقدَّسة) تتغلغل في حياة وخيال مسيحيّي العصور الوسطى. وكانت الرحلة إلى الأرض المقدَّسة مطمح كل مسيحي، مع ما قد يرافق ذلك من إغراء بالمغامرة والكسب الاقتصادي ومن مشاهد رائعة، وكان من يزورونها يثيرون لدى الآخرين الرغبة في زيارتها. ولا تزال للقدس مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي (رغم تَراجُع أهمية الحج على الأقل بالنسبة للمسيحيين الغربيين) . وللكنيسة القبطية موقف خاص من القضية، فالحج لا يزال من الشعائر المهمة بالنسبة للأقباط، ومع هذا أصدر البابا قراراً بتحريم أداء هذه الشعيرة طالما أن القدس تحت هيمنة الدولة الصهيونية. وأهم الآثار المسيحية في القدس كنيسة القيامة التي تضم قبر السيد المسيح والكنائس المقامة على جوانب طريق الآلام. أما بالنسبة للمسلمين فيرجع اهتمامهم بالقدس إلى أنها غاية مسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأرض المعراج ولكونها مباركة (بنص سورة الإسراء) وبها أولى القبلتين وثالث الحرمين. وكان المسلمون يتوجهون بالصلاة إليها حينما كانوا بمكة قبل الهجرة، واستمروا في التوجه للصلاة إلى بيت المقدس حوالي سبعة عشر شهراً حتى أمرهم الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة. وهناك أحاديث شريفة كثيرة تبيِّن أهمية القدس ومكانتها عند المسلمين. وقد اهتم بها الحكام والخلفاء المسلمون فأُنشئت فيها المساجد والمقابر والزوايا والتكايا فضلاً عن الأسبلة والأربطة والمدارس. كما أَوقف الكثيرون على القدس معظم الأراضي المجاورة لها. ومن أهم الآثار الإسلامية المقدَّسة في المدينة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم المقدسي الذي يضم المسجدين. وتشغل القدس ( «أورشليم» في المصطلح الديني) مكاناً مركزياً في الوجدان اليهودي. فبعد أن استولى عليها داود، نُقل إليها تابوت العهد ثم بنى سليمان فيها الهيكل. ويُطلَق على المدينة اسم «صهيون» في الموروث الديني، أما الشعب فهو «بنت صهيون» . وهي تضم أيضاً جبل صهيون وقبر داود وحائط المبكى. وقد أصبحت المدينة مركزاً للدين اليهودي يتَّجه إليها اليهود ويذكرونها في صلواتهم، وخصوصاً في الاحتفال بعيد الفصح حيث يرددون: "نلتقي في العام القادم في أورشليم"، وهي المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام. وقد أحاط التشريع اليهودي والتراث الأجادي مدينة القدس بكثير من القوانين والأساطير. وفي الأجاداه، تُوجد أوصاف مُسرفة في مديح أورشليم وأهلها، فهي على سبيل المثال سُرَّة العالم ولا يضاهيها في حُسنها مدينة أخرى. وفي محاولة تفسير سبب سقوطها، تلوم الأجاداه أهلها وتُلقي عليهم المسئولية، فأهل أورشليم: "كانوا يحبون المال، يكرهون بعضهم بعضاً، ويكرهون العلماء، ولم يقيموا شعائر السبت". وجاء في الأجاداه أيضاً أن الإله خلق أورشليم عند خلقه العالم، وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها، وصلَّى متمنياً ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته، أي أورشليم. وهناك كذلك إشارات إلى أورشليم في العصر المشيحاني (أي بعد عودة الماشيَّح المخلِّص اليهودي وقيادته الشعب إلى فلسطين) : "فستمتلئ حدودها بالأحجار الكريمة، وسيأتي اليهود ويأخذونها، وسيضاف إليها آلاف الحدائق". وقد طوَّرت القبَّالاه هذه الأفكار حيث صوَّرت أورشليم كأنها المكان الذي سيفيض فيه الخير من السماء ومنها يوزَّع على بقية العالم. وهي، بهذا، الشخيناه أو الملكوت الذي سيحكم العالم. وتحيط التلال بالقدس حتى لا تصل إليها قوى الظلام (الجانب الآخر في القبَّالاه) ويقوم على حراستها ملائكة الشخيناه. وأورشليم لا يفصلها أي فاصل عن الإله، وتصعد كل أدعية جماعة يسرائيل من خلالها. كما أن أورشليم، باعتبارها الملكوت، تلعب دوراً مهماً في عملية الإصلاح (تيقون) ، إذ ستعلو جدرانها وتقترب من العرش الإلهي. وبهذا، يعود التوازن للعالم، ولعالم التجليات (سفيروت) . والقدس إحدى مدن فلسطين الأربع المقدَّسة التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة (إضافة إلى الخليل وصفد وطبرية) . ومع هذا تُحرِّم اليهودية الحاخامية العودة إلى فلسطين (إرتس يسرائيل) ومن ثم القدس، إلا في آخر الأيام. وفي العصر الحديث أحجم أحد كبار الحاخامات عن زيارة القدس وقطع رحلته في طريقه إليها، خوفاً من أن يُفسِّر الصهاينة رحلته هذه بأنها قبول لمبدأ العودة. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية أن تخفَّف من الجانب القومي في اليهودية بأن تُحوِّل فكرة اللقاء في القدس إلى فكرة معنوية تشبه فكرة العصر الذهبي والحلم بالسعادة والفردوس. ولكن الصهيونية فسَّرت الشعار الديني تفسيراً حرفياً وحولته إلى شعار سياسي. وفى إطار هذا الفهم السياسي الضيق، قام الإسرائيليون بتغيير الصلوات، واستبدلوا بالصيغة التقليدية في الدعاء صيغة جديدة تقول: في العام القادم نعيد بناء أورشليم. ولا يعترف السامريون بالقدس مركزاً للدين اليهودي، فنابلس هي مدينتهم المقدَّسة. القدس: تهويدها Jerusalem: Judaization «التهويد» هو عملية نزع الطابع الإسلامي والمسيحي عن القدس وفرض الطابع الذي يُسمَّى «يهودياً» عليها. وتهويد القدس جزء من عملية تهويد فلسطين ككل، ابتداءً من تغيير اسمها إلى «إرتس يسرائيل» ، مروراً بتزييف تاريخها، وانتهاءً بهدم القرى العربية وإقامة المستوطنات ودعوة اليهود للاستيطان في فلسطين) . وقد بدأت عملية التهويد منذ عام 1948، وزادت حدتها واتسع نطاقها منذ يونيه 1967. وقد ارتكزت السياسة الإسرائيلية على محاولة تغيير طابع المدينة السكاني والمعماري بشكل بنيوي فاستولت السلطات الإسرائيلية على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة واتبعت أسلوب نسف المنشآت وإزالتها لتحل محلها أخرى يهودية، كما قامت بالاستيلاء على الأراضي التي يمتلكها عرب وطردهم وتوطين صهاينة بدلاً منهم. وقد أعلن بن جوريون في مجلس الشعب المؤقت (الكنيست فيما بعد) يوم 24 يونية 1948 أن مسألة إلحاق القدس بإسرائيل ليست موضع نقاش، فما يُناقش هو كيفية تحقيق هذا الهدف. وقد أُعلنت القدس عاصمة لإسرائيل في 23 يناير 1950. وقد قامت السلطات الإسرائيلية بنقل وزاراتها إلى القدس (الغربية) وأنفقت موازنات كبيرة على تطويرها. وبعد أن كان المستوطنون الصهاينة لا يملكون سوى 18% فقط من الأرض قبل عام 1948، أصبح الوجود العربي في هذا الجزء لا يُذكَر وبخاصة مع طرد 30 ألف فلسطيني من القدس (الغربية) نفسها و40 ألف آخرين من القرى المجاورة التي دخلت غالبيتها فيما بعد في نطاق بلدية القدس. وحينما نشبت حرب 1967 اجتاحت القوات الإسرائيلية المدينة بأكملها. وحينما ظهرت إمكانية صدور قرار عن مجلس الأمن يقضي بوقف إطلاق النار قبل تنفيذ خطة الاستيلاء على المدينة تقرر اقتحام المدينة القديمة، وتم الاستيلاء عليها في السابع من يونيه ودخل ديان إلى القدس ليُعلن أمام حائط المبكى: "لقد أعدنا توحيد المدينة المقدَّسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا قداسة، عدنا ولن نبارحها أبداً". وقد صدر في 26 يونيه 1967 قانون يسري بموجبه قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها على القدس (ثم تكرَّست هذه السيطرة القانونية بقرار ضم مدينة القدس في 30 يوليه 1980، حين أقر الكنيست قانوناً أساسياً يعتبر القدس الكاملة والموحَّدة عاصمة لإسرائيل) . ثم شرعت بعد ذلك في استكمال التهويد حيث هوَّدت القضاء النظامي والشرعي الإسلامي، ثم عملت على تهويد التعليم العربي من خلال إخضاعه لبرامج التعليم اليهودي. كما هوَّدت اللوائح والإجراءات والقوانين التي كانت تحكم الأوضاع المهنية والتجارية والاقتصادية. ثم استكمالاً لهذه العملية، قامت بتغيير أسماء الشوارع والطرق والساحات واستبدلتها بأسماء صهيونية. ورغم أن القانون القاضي بضم القدس قد صدر بعد 18 يوم من احتلال المدينة، إلا أن عملية تغيير معالمها بدأت في اليوم التالي للحرب، حين قامت الجرافات الإسرائيلية بهدم 135 بيتاً يسكنها 650 شخصاً في حي المغاربة، وهدمت مسجدين في المنطقة نفسها و200 بيتاً ومخزناً كانت تقع في المنطقة الحرام. وفي الأيام المعدودة اللاحقة هدمت 38 بيتاً ضمنها 14 بيتاً من البيوت الأثرية التي تُعتبَر من معالم المدينة القديمة. وعلقت تميمة الباب (ميزوزاه) على أبواب القدس باعتبار أنها «بيت» اليهود. وحتى يمكننا فهم عملية تهويد القدس يجب أن نراها لا باعتبارها عملية التهام عشوائية نهمة، وإنما باعتبارها مخططاً بارداً له أهدافه الواضحة ويُترجَم من خلال إجراءات محدَّدة. هذا المخطط يهدف إلى "تأسيس القدس الكبرى الموسعة، اليهودية الخالصة: كتلة استيطانية ضخمة تُمزِّق وإلى الأبد الوحدة الجغرافية للضفة الغربية" (كما ورد في إحدى وثائق حزب الليكود) . ويستهدف هذا المخطط أن تكون القدس الكبرى عام 2000 بمنزلة متربو ليتان، تمتد غرباً باتجاه تل أبيب، وجنوباً باتجاه حلحول والخليل، وشمالاً إلى ما وراء رام الله، وحتى حدود أريحا شرقاً. وكل هذا يعني ضم حوالي 1250 كم (ثلاثة أرباعها من الضفة الغربية) ، وأن تبلغ مساحة القدس الكبرى 21% من مساحة الضفة، بحيث يبلغ طول المدينة 45 كم وعرضها 25 كم. ولتنفيذ هذا المخطط، قامت القوات الإسرائيلية ابتداءً بتشريد حوالي 60 ألف فلسطيني وأصبحت ممتلكاتهم وأراضيهم، وفقاً لقانون أملاك الغائبين، عُرضة لعمليات استيلاء متواصل عليها. وحرصت السلطات الإسرائيلية على استغلال القانون السابق وقانون الاستملاك للمصلحة العامة من أجل مصادرة الأراضي العربية التي لم يمكنها الاستيلاء عليها "بصورة قانونية" بدونهما. واستولت السلطات الإسرائيلية على أراضي تُقدَّر في مجموعها بحوالي 40% من القدس المحتلة في 1967 وأقامت عليها مستعمرات ومستوطنات وأحياء ومصانع ليصل عدد اليهود في نهاية السبعينيات فيها إلى 19 ألف يهودي. كما صادرت أيضاً 6000 دونم لبناء وتوسيع أحياء عديدة مثل نافي يعقوف وراموت وإيست تيلبوت، وفي عام 1990 تمت مصادرة بضعة آلاف دونم لتوسيع أحياء قديمة وبناء مطار دولي. وفي عام 1995 استولت السلطات على 4400 دونم بهدف دعم الاستيطان، وهو ما كان نتنياهو يُعنى بتنفيذه. وإذا كان للفلسطينيين حسابياً في نهاية 1995 حوالي 21% من أراضي القدس فإن النسبة الفعلية بعد حذف المناطق الوعرة وخلافه تصل إلى 4% فقط من القدس. وقد بلغ مجموع سكان القدس عام 1993 حوالي 555 ألف نسمة منهم 155 ألف فلسطيني مقابل 400 ألفاً من الإسرائيليين. ورغم هذا لا يحصل الفلسطينيون إلا على 5% فقط من موازنة بلدية القدس. وكانت السلطات الإسرائيلية تفرض قيوداً على بناء العرب لمساكنهم حيث لم تكن تسمح لهم إلا ببناء 56% فقط من الدونم في حين كان يُسمَح في المساحات المملوكة لغير العرب ببناء تزيد نسبته على 300%، حيث كانت تسمح ببناء أبنية شاهقة، أما المناطق العربية فكان معدل الارتفاع فيها لا يزيد عن طابقين أو ثلاثة. وفي السنوات الخمسة والعشرين التالية لحرب 1967 شكلت الوحدات السكنية الفلسطينية 12% من 72 ألف وحدة سكنية بُنيت في القدس الكبرى. وقد شهدت عملية التهويد من ناحية الإسكان طفرة بعد مجىء رئيس الوزراء الليكودي بنيامين نتنياهو للحكم في إسرائيل. وكان أول ما شرعت فيه حكومته بعد توليها الحكم أن استكملت مشروع شارون القديم الذي يقوم على إقامة 26 بوابة حول القدس. وهو المشروع الذي كان قد وضعه إبان حكومة شامير الليكودية مستهدفاً به سد الفجوات الموجودة في الطوق الاستيطاني الإسرائيلي داخل الأحياء الفلسطينية، بإقامة تجمعات سكنية يتم من خلالها الدمج التام بين شرق المدينة وغربها وتحويل الأحياء العربية إلى جيتوات فقيرة معزولة، يتم تفتيتها إلى وحدات سكنية صغيرة جداً، كما كان يهدف المخطط إلى إنجاز تطويق القدس بالحزام الاستيطاني. وتقوم طريقة شارون في العمل الاستيطاني على ثنائية الأحزمة والبؤر لتطويق التجمعات الفلسطينية بالمستوطنات والأحياء اليهودية، ثم الاندفاع في تركيز هذه البؤر (التي لن تلبث حتى تتوسَّع) لتُفتت ما تبقَّى من تجمعات عربية. ولم تَسلَم آثار المدينة من عملية التهويد التي سارت في مسارين متوازيين أولهما الاتجاه لتصفية الآثار الإسلامية بسبب طابعها الواضح، وهو ما تم أغلبه عن طريق الهدم والجرف أو تحت مسمَّى الكشف عن الجدار الغربي للحرم القدس وكذلك الحائط الجنوبي، حيث أُزيلت بعض الآثار لهذا الغرض وتصدَّعت أخرى بسبب الجهود نفسها. ولقد استخدمت إسرائيل أساليب مختلفة لتحقيق هذا الهدف، آخرها حفريات بطول 400 متر، بزعم البحث عن قواعد الهيكل وإنشاء نفق طولي تحته يصل إلى بيت لحم بمحازاة السور الجنوبي للمسجد الأقصى. وتستخدم إسرائيل آليات ضخمة وأجهزة تحدث موجات اهتزازية عنيفة (بدلاً من الحفر اليدوي) بهدف تقويض دعائم المسجد. وعلى مستوى مواز تحرص إسرائيل على تهويد الآثار غير الإسلامية ونسبتها إلى ما تسميه «التاريخ اليهودى» . ومن أهم الآثار التي تعرضت لعملية تدمير، وكانت مُستهدَفة من قبَل الجرافات الإسرائيلية، المسجد الأقصى، حيث يبقى وجوده تعبيراً عن هوية وتاريخ وعقيدة. وبصرف النظر عن محاولات التسلل للمسجد أو المطالبة بفتحه لليهود لأداء صلواتهم دون قيد، فإن هناك محاولات جادة لتخريبه ومن ثم هدمه. فمحاولات الاقتحام وفتح النيران العديدة في المسجد أصابته بالعديد من التشققات والتصدعات، وقد تم إحباط العديد من محاولات المتطرفين تفجير المسجد بسبب ارتفاع التكلفة الساسية والأمنية لمثل هذه التصرفات، وكان أخطرها ما تم إحباطه في 27 يناير 1984 حيث حاولت جماعة مسلحة يهودية تسلق جدار الحرم القدسي من الناحية الشرقية لكن الحراس تنبَّهوا للأمر، وهو ما أدَّى إلى هروب المقتحمين مخلفين وراءهم كمية كبيرة من القنابل والمتفجرات. كما أن محاولات حرق المسجد الأقصى معروفة، وكان أبرزها الحريق الذي تم في 15 سبتمبر 1969 والذي أدانه قرار مجلس الأمن رقم 271. إلا أن أخطر خطط الهدم هي تلك الكشوف الأثرية المزعومة والتي لم تتوقف حتى مع صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 36/15 الصادر في 28 أكتوبر 1981 والذي يطالب إسرائيل بالكف عن هذا العبث. وتتطلع بعض العناصر الدينية الصهيونية إلى إعادة بناء الهيكل (ليحل محل المسجد الأقصى) . ويعيش بمدينة القدس حالياً 564 ألف نسمة منهم 413.7 يهودي (أي حوالي 10% من سكان إسرائيل اليهود) بنسبة 73.3% و150.6 ألف غير يهودي بنسبة 26.7% (يُلاحَظ أن تعداد القدس عام 1967 كان حوالي 266.300 نسمة، فزاد عدد اليهود بنسبة 99% ولم يزد عدد السكان غير اليهود عن 20%) . وفي ظل التوسعات الصهيونية في المدينة فإن مساحتها أصبحت تعادل عُشر مساحة الضفة الغربية. وهذه الزيادة المشار إليها لم تأت نتيجة تكثيف تهجير اليهود أو ارتفاع معدلات الخصوبة بشكل كبير بين الجماعات اليهودية في إسرائيل، بل أتت من خلال محاولة التحكم العددي في السكان الفلسطينيين من خلال مجموعة من الآليات مثل التهجير والإخلاء والإرهاب، والتضييق عليهم في مستوى معيشتهم، ومن خلال التضييق في إصدار تراخيص البناء، كما أسلفنا. وقد استطاعت إسرائيل في اتفاقها مع منظمة التحرير الفلسطينية (إعلان المبادئ الإسرائيلي الفلسطيني الصادر في 13 سبتمبر 1993) تأجيل بحث موضوع القدس إلى ما بعد عامين من الحكم الذاتي الفلسطيني أي حتى قبل يونيه 1996 (حيث كان المُفترض أن تبدأ المفاوضات النهائية في منتصف عام 1996) وذلك ضمن موضوعات مهمة أخرى (اللاجئين - السيادة - المستوطنات - المياه) . ومع هذا وافقت إسرائيل في تشرين الأول 1993 على الاعتراف بأن كل المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية، وكذلك الأماكن المقدَّسة لدى المسيحيين والمسلمين، تقوم بدور حيوي بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين، واستناداً إلى ذلك تعهدت إسرائيل بعدم المساس بأنشطتها. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل مصطلح «القدس الشرقية» في إطار معناه الجغرافي والاجتماعي وفي إطاره السياسي أيضاً. وتقوم 13 مؤسسة فلسطينية مرتبطة بالسلطة الفلسطينية بممارسة أنشطتها المختلفة في القدس. ويُعَدُّ بيت الشرق أهم هذه المؤسسات، وقد بدأ العمل فيه منذ انعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991، كمركز لقيادة الوفد الفلسطيني لمحادثات السلام، وكمفوضية سياسية غير رسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مجال العلاقات الخارجية. وتُجرى، في الأساس، في هذه الدائرة مراسم يُقصَد منها إظهار الهوية العربية للقدس الشرقية. وقد استلم فيصل الحسيني مهمة معالجة شئون القدس بتكليف من سلطة الحكم الذاتي، بمرتبة وزير غير رسمية، لتجاوز القرار الإسرائيلي الذي يحظر على السلطة الفلسطينية العمل من داخل حدود مدينة القدس، كذلك بدأ جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، في ممارسة نشاطاته في المدينة. ورداً على النشاطات الفلسطينية داخل مدينة القدس أقر الكنيست الإسرائيلي في السادس والعشرين من ديسمبر 1994، قانوناً بمنع السلطة الفلسطينية من مزاولة نشاطاتها داخل أراضي إسرائيل، واستناداً إلى القانون نفسه في القدس أيضاً. وفي مايو 1995، أمرت إسرائيل بإخلاء جزء من المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس. كذلك أسرعت في تنفيذ خطط إسكان مختلفة، مثل خطة الإسكان في جبل السور جنوبي المدينة. ويُلاحَظ أن عمليات التهويد والتوسع أخذت في التسارع قبل حلول مناقشات الوضع النهائي التي كان من المفترض إجراؤها في منتصف عام 1996، بهدف تغيير وضع القدس من الناحية البنيوية. وكما قال أحد المسئولين الإسرائيليين: "سيستحيل على السيد عرفات أن يَزعُم أن القدس الشرقية عاصمته. قد ينجح في القيام بعمل رمزي، غير أن عمليات البناء التي قمنا بها ستجعل تقسيم المدينة من جديد أمراً مستحيلاً". وقد جرت محاولة التباحث مع الطرف الفلسطيني بصورة غير رسمية لاختبار نياته، وهو ما كشفته الصحف الإسرائيلية أخيراً، وينص على إشراف فلسطيني على المسجد الأقصى والقبول بجعل ثلاث قرى من منطقة القدس هي أبو ديس والعيزرية والسلوان عاصمة للضفة الغربية وقطاع غزة التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية وطبقاً لمخطط العمل فإن هذه القرى الثلاث ستحمل اسم «القدس» أما بقية القدس الشرقية والغربية فستحمل اسم «أورشليم» . وفقد دخل نتنياهو في حلبة المزايدات، وتجلت هذه المزايدات في تزييف تاريخ القدس. وتحرك بمزيد من الإثارة في مسألة النفق ومنطقة رأس العامود التي هدف منها منع التواصل بين القرى الثلاث المذكورة والمسجد الأقصى. بيت المقدس Jerusalem انظر: «القدس» . أورشليم Jerusalem «أورشليم» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى القدس باعتبارها فكرة دينية. (انظر: «القدس» ) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
عصر الآباء (المرحلة البطريركية) (2100 - 1200 ق. م)
Patriarchs يُشار للآباء أحياناً بأنهم «البطارقة» وهي من الكلمة الإنجليزية «باتريارك» ، وهي من اليونانية «باترياركا» ) «باتر» بمعنى «أب» ، و «باتريا» بمعنى «عائلة» ، و «أركين» بمعنى «يحكم» ) . وتشير كلمة «الآباء» في الكتب اليهودية إلى آباء اليهود: إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهم الذين تلقوا وعوداً إلهية بأن تكون أرض فلسطين من نصيبهم، كما تشمل الكلمة أحياناً موسى وهارون، بل آدم ونوحاً. وهؤلاء، رغم تلقِّيهم هذه الوعود، لا يُعَدُّون أنبياء بعكس الحال في التراث الإسلامي. ولقب «آباء» يعني أنهم كانوا بمنزلة رؤساء وشيوخ لقبائلهم وعشائرهم يرتبطون بها برباط الدم والنسب والعرْق. وفي العهد الجديد، تنطبق الكلمة على إبراهيم، وعلى أبناء يعقوب الاثنى عشر، وعلى داود. ويُعَدُّ يعقوب أهمهم في التراث اليهودي، ذلك أن إبراهيم وإسحق قد أنجبا ابنين شريرين هما إسماعيل وعيسو، أما يعقوب (يسرائيل) فلم ينجب سوى الأخيار. وتبدأ فترة الآباء مع ظهور أول شخص يُوصَف بأنه عبراني، أي إبراهيم. ويذهب بعض الدارسين الغربيين إلى أن من الصعب إطلاق مصطلح «فترة» على هذه المسافة الزمنية، إذ لا تُوجَد وثائق تاريخية أو دلائل قاطعة تساند الرواية التوراتية. كما أن هذه المسافة حسب هذا الرأي، تبدأ في عالم شبه أسطوري وفي مكان غير محدَّد، ذلك أن أور الكلدانية لم تكن كلدانية في أيام إبراهيم، ولذا يُقال إنه جاء من حران، وهي منطقة بين الأناضول وسوريا. بل يذهب بعض المؤرخين الغربيين إلى أن الآباء ليسوا أشخاصاً محددين، فهم رموز لفترات مختلفة في تَطوُّر القبائل العبرانية. ولكن هناك من الدارسين من يؤكد الوجود التاريخي للآباء ويشير إلى وثائق تاريخية تدعم وجهة نظره. وعلى أية حال، يمكن تحديد بعض السمات الأساسية لهذه الفترة، ويبدو أن العبرانيين كانوا أساساً شعباً رعوياً متجولاً من مكان إلى آخر، يضرب خيامه على حواف المدن الكنعانية (تكوين 12/6، 33/18، 35/21، 26/25، 14/18 - 20) ويتمتع برعاية الملوك الكنعانيين. وثمة نظرية أخرى تقول إنهم لم يكونوا رعاة وإنما كانوا يعيشون من الأرباح التي يحققونها من التجارة، وأنهم كانوا يوجدون على طرق القوافل، وأنهم باعتبارهم شعباً متجولاً لم يكونوا منعزلين إثنياً. وهؤلاء يرون أن أصول الآباء ترجع إلى الآراميين، بل إن قبيلتين من القبائل العبرانية كانتا تريان أن دماء مصرية تجري في عروقهما، فقبيلتا إفرايم ومنَسَّى، تنتسبان إلى ابنى يوسف من زوجته المصرية حيث لم يكن التزوج من الأجنبيات أمراً مُحرَّماً بعد، فإبراهيم يتزوَّج هاجر المصرية ويهودا يتزوج كنعانية. وكما تقدَّم، فقد تزوَّج يوسف مصرية، وتزوَّج موسى مَدْيَنية. والخلفية الحضارية لفترة الآباء خلفية سامية سديمية، فمن أور الكلدانية أو حران انتقل إبراهيم إلى كنعان لشراء مقبرة، ثم استقر في مصر بعض الوقت، ثم خرج منها. وكذا خرج يعقوب إلى مصر واستقرّ فيها هو وأبناؤه، ثم خرجوا مرة أخرى إلى كنعان واستقرُّوا مع القبائل العبرانية التي لم تكن قد غادرتها. وثمة روابط كثيرة تربط الآباء بالآراميين والمصريين. ولم تكن حضارة العبرانيين في تلك الفترة بدائية، ولكنها لم تكن قط أصيلة أو فريدة. ولأنهم شعب متجوِّل، لم تكن لهم هوية حضارية محدَّدة بعد، إذ لم يكونوا يخضعون لأطر سياسية أو كهنوتية ثابتة، ولا ينتمون لتراث حضاري مركب كما كان الحال مع شعوب المنطقة. لكن كان في مقدورهم استيعاب جوانب من حضارات المنطقة بسهولة ويسر، وخصوصاً أن بنية التجمُّع العبراني في ذلك الوقت كانت تشبه في كثير من الوجوه البناء القبلي للشعوب السامية الأخرى. وبعد موسى، تصل فترة الآباء إلى نهايتها مع تَوقُّف الشخصيات الأسطورية التي تجسد فترة زمنية غير محدَّدة المعالم عن الظهور. ومع وصول التغلغل العبراني في أرض كنعان إلى نهايته، استقر العبرانيون على شكل جيوب غير متصلة جغرافياً تحيط بها الشعوب الأصلية. فظل الكنعانيون في الأودية مزارعين كما كانوا، وشغلت الشعوب الأخرى أماكن مختلفة. وقد ظلت القدس، على سبيل المثال، يبوسية حتى عهد داود، وتَزامَن استيطان العبرانيين في فلسطين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد مع حركات استيطانية أخرى، إذ استقر العموريون في شرق الأردن، والآراميون في سوريا، وشعوب البحر (الفلستيون) في ساحل فلسطين الجنوبي. ولقد كانت عبادة الآباء مختلفة بشكل جوهوي عن العبادة اليسرائيلية واليهودية من بعدها. فالتوراة لا تُصوِّر الآباء كمبدعين من الناحية الدينية، فهم لا يشنُّون أية حرب على الوثنية ولا على عبادة الأصنام التي تصبح موضوعاً أساسياً في الفترة الموسوية. وتضم قصص الآباء أحداثاً تتنافى والقيم الأخلاقية التي وردت بعد ذلك في كتب العهد القديم الأخرى. فقد تزوَّج يعقوب من أختين في وقت واحد (لاويين 18/181) ، وقام إبراهيم ومن بعده إسحق بادعاء أن زوجته الحسناء هي أخته حتى يتكسب من ورائها. ويستغل يعقوب حاجة أخيه عيسو إلى الطعام في الحصول على بكورته، أي أسبقيته في الولادة، ويغتصب التركة من أخيه غشاً وخداعاً. وزرع إبراهيم شجرة مقدَّسة (تكوين21/33، وتثنية 16/21) ، وأقام يعقوب أعمدة حجرية مقدَّسة (تكوين 28/18 و22، و31/13 و45 ـ 52، و35/14، وخروج 23/24) الأمر الذي يدل على وجود عناصر وثنية في عبادتهم. ولا يوجد أي ذكر لأية أعياد. ويُقدِّم الآباء التضحية والقرابين دون وجود كهنة أو معبد. ويُلاحَظ أن عبادة الآباء لا تدور في الإطار القومي الإقليمي الذي اتَّسمت به اليهودية بعد ذلك، فالآباء ينتقلون بحرية من مكان إلى آخر يعبدون الإله في أي مكان. ولا يُشار إلى الخالق باعتباره يهوه وإنما يشار إليه بأسماء أعلام بعضها لا يرد ذكره إلا بالإشارة إلى فترة الآباء مثل: «إيل عليون» أو «الإله العلي» (تكوين 14/18، 22) و «إيل عولام» أي «الإله السرمدي» (تكوين 21/33) ، وأكثر هذه الأسماء شيوعاً هو «شدَّاي» أي «الإله القدير» (تكوين 17/1، 28/3، 35/11) . ورغم انفتاح العبرانيين النسبي في فترة الآباء، واستفادتهم من الشعوب الأخرى، فإنه يُلاحَظ أن ثمة موضوعين أساسيين يؤكدهما محررو الأسفار بإلحاح، وهما أن هذا الشعب المنحدر من هؤلاء الآباء سيصبح شعباً عظيماً (الشعب المختار) ، وأن أرض كنعان (فلسطين ـ إرتس يسرائيل) هي أرضه (الأرض المقدَّسة) . ويمكن تصوُّر أن هذه المفاهيم الدينية قد تطوَّرت في فترة لاحقة ولكن محرري التوراة نسبوها إلى الآباء لفرض نوع من الوحدة الفكرية على العهد القديم، وحتى يصبح التاريخ وحدة متكاملة يرعاه إله يسرائيل. ويُشار في التراث اليهودي إلى «الأمهات» أو «ماتريارك» (سارة وربيكا وراحيل) بأنهن «عاقرات» إلى أن يشاء الإله أن يحملن ويلدن. وتؤكد حركات التمركز حول الأنثى في الغرب دور الأمهات. إبراهيم Abraham «إبراهيم» هو «أبرام» بالعبرية وتعني «الأب الرفيع» أو «الأب المتكرم» . أما كلمة «إبراهيم» ويقابلها «أبورهام» فتعني «أبو الجمهور» (من الأمم) (تكوين 17/5) . وقد تغيَّر اسمه من أبرام إلى إبراهيم بعد أن رُزق ذرية. وإبراهيم أول الآباء: أبو إسماعيل وإسحق. وهو أيضاً، حسب الرواية التوراتية، أبو الشعب اليهودي. ويُستَدل من قصص التوراة، ومن بعض الوثائق التاريخية، على أن إبراهيم ظهر نحو عام 1850 ق. م ولكن بعض المؤرخين يرون أنه عاش فيما بعد ذلك التاريخ وأنه دخل مصر في عهد الأسرتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة (في القرنين السادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد، أي في عصر الهكسوس) . ومن ناحية أخرى، يُقال إن موطنه الأصلي مدينة حران في مملكة ميتاني الحورانية. وفي بعض الروايات الأخرى أنه نشأ في أور الكلدانية. ويُقال كذلك إنه وُلد في أور ثم انتقلت أسرته إلى حران. وحسب الرواية التوراتية، تلَّقى إبراهيم في حران أول وعد إلهي بأن يخرج من صلبه شعب قوي وأن يُورَّث هذا الشعب أرض كنعان، وهذا ما يُشار إليه بالعهد. ويعود الاختلاف في العهد القديم إلى تَعدُّد المصادر، فالمصدر الكهنوتي يجعل أور مكان ولادته في حين يجعلها المصدر اليهودي حران. وتدل الروايات على أن إبراهيم كان يعيش مع أهله في الخيام حياة البدو الرعاة، وينتقل من مكان إلى آخر في أعقاب قبائل العموريين وغيرهم من الأقوام السامية التي هاجرت في تلك العصور من بلاد الرافدين وجزيرة العرب إلى سوريا وفلسطين. وتَذكُر النقوش الكتابية التي عُثر عليها في بابل أسماء تشبه اسم إبراهيم كانت شائعة في صيغ مثل: إبراموه وإبمرام وإبراما. كما ترد في نصوص مدينة ماري أسماء عمورية معروفة مثل يعقوب وإسحق وإسماعيل ويوسف وبنيامين وهم من ذرية إبراهيم. ويُعَدُّ ظهور إبراهيم بداية فترة الآباء في تاريخ اليهودية وكذا في تاريخ العبرانيين. رحل إبراهيم مع زوجته سارة وأبيه تارح وابن أخيه لوط من أور إلى كنعان (فلسطين) عن طريق تَدمُر فدمشق حتى وصل إلى شكيم حيث تلقَّى الوعد الإلهي للمرة الثانية حسب الرواية التوراتية ثم إلى بيت إيل. وقد انتقل إبراهيم بعد ذلك إلى مصر بسبب المجاعة، ولكنه عاد إلى كنعان حيث تركه لوط بسبب الخلاف الذي نشب بينهما على أرض المراعي. وقد أعقب هذه الواقعة تأكيد الوعد الإلهي للمرة الثالثة. ثم تحوَّل إبراهيم بعد ذلك إلى قائد عسكري فأنقذ لوطاً (ابن أخيه) ، وهزم أربعة ملوك. وعند عودته، باركه الملك الكاهن ملكي صادق (ملك القدس) . ولما كانت سارة عاقراً، فقد استحثَّت زوجها على الزواج من هاجر المصرية التي أنجبت له إسماعيل. عندئذ، أكد الإله وعده مرة أخرى لإبراهيم بأن إبراهيم وسارة سيَخرُج من صلبهما عدة أمم وملوك (تكوين 17/1ـ 8) وقد تغيَّر اسماهما من أبرام وساراي إلى إبراهيم وسارة ثم فُرضت شعيرة الختان علامة دائمة على ميثاق الإله مع إبراهيم. ووعد الإله سارة بابن اسمه إسحق، وقام إبراهيم بتختين نفسه وبتختين إسماعيل وكل الذكور في أسرته. ثم جاءت البشرى لسارة بأنها ستلد إسحق. وذهب إبراهيم وأسرته إلى مدينة جرار. ثم أنجبت سارة إسحق. وقد دفعتها الغيرة إلى التخلص من هاجر وابنها، فانصرفت هاجر مع إسماعيل وهو لا يزال بعد صبياً. وقد أراد الرب امتحان إبراهيم فأمره في الرؤيا بأن يضحي بولده، فلم يتردد في الامتثال للأمر. ولكن الإله افتدى الولد في اللحظة الأخيرة بكبش عظيم. وتلَّقى إبراهيم الوعد الإلهي للمرة الأخيرة. واختلفت الآراء حول الذبيح: هل هو إسحق أم هو إسماعيل. وقد اتبع الطبري رواية التوراة التي تقول «خذ ابنك وحيدك الذي تحبُّه إسحق» (تكوين22/2) . إلا أن المفسرين المحدثين يذهبون إلى أن اسم إسحق قد أُقحم هنا فيما بعد، لأن أمر التضحية قد جاء في وقت لم يكن فيه لإبراهيم سوى ولد واحد هو إسماعيل. وبالتالي، لا تنطبق على إسحق صفة «الوحيد» . وقد ماتت سارة في قريات أربع (حبرون أو الخليل) ، فاشترى إبراهيم من أحد الحيثيين الحقل الذي تقع فيه مغارة المكفيلة حيث دفن زوجته سارة (وهو نفسه المكان الذي دُفن هو أيضاً فيه بعد أن بلغ عمره مائة وخمسين عاماً) . ثم طلب إبراهيم إلى خادمه أن يذهب إلى حران ليجد زوجة لإسحق لأنه لم يكن يرضى أن يتزوج ابنه من امرأة كنعانية، فتزوج إسحق من رفقة وتزوج إبراهيم نفسه مرة أخرى من قطورة وأنجب منها عدة أبناء. ولكنه أوصى بكل أملاكه لإسحق، واكتفى بإعطاء أبنائه الآخرين هدايا، حسب الرواية التوراتية. وتنسب التوراة إلى إبراهيم أخلاقيات نفعية. فقد ذكرت على لسان إبراهيم بمناسبة اعتزامه التوجه هو وزوجته سارة إلى مصر، هرباً من القحط، أنه قال: « ... إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك. قولي إنك أختى ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك» (تكوين 12/11 ـ 13) وأضافت التوراة أن ذلك قد حدث فعلاً: «فأُخذت المرأة [أي سارة] إلى بيت فرعون، فصنع إلى أبرام خيراً بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتُن وجمَال» (تكوين 12/15 ـ 16) . ثم أعادت التوراة هذه القصة ذاتها مرة أخرى حين نزل إبراهيم وامرأته مغتربين في أرض جرار إذ أخذها الحاكم، ولكنه حينما اكتشف الحقيقة عنَّف إبراهيم على خداعه له، ولكنه في الوقت نفسه أعطاه غنماً وبقراً وعبيداً وإماء وألفاً من الفضة ورد إليه امرأته (تكوين 20) . وقد حدثت نفس القصة مع ابنه إسحق. وثمة تفسير جديد لهذه الواقعة يذهب إلى أن الرجل في الحضارة الحورانية، كان إن اعتز بزوجته وأراد أن يعبِّر لها عن حبه، جعلها بمنزلة أخته وصار يشير إليها بذلك. ولكن العبرانيين القدامى نسوا، كما هو واضح، المغزى الأصلي للقصة وجعلوا من التسمية اتجاراً بالعرض للحصول على الثروة! ورغم أن الدارسين يتحدثون عن إبراهيم باعتباره مُحطِّم الأوثان بعد أن توصل إلى عبادة الإله الواحد، فإن عبادة إبراهيم ـ كما جاء في العهد القديم ـ لم تكن هي نفسها عبادة يهوه، ذلك على الرغم من الميثاق الذي عقد بينه وبين الرب. فالإله يُعرَف في ديانة إبراهيم باسم «إيل شدَّاي» (أي «الرب القديم» ) ، أما يهوه فلم يظهر إلا في عهد موسى. ويُلاحَظ أن الميثاق أو العهد بين الرب وإبراهيم يختلف عن العهد بين الرب وبين موسى، فالأول يشبه منحة ملكية لا تُلقي أية التزامات أو أعباء على الشعب بينما نجد أن العهد مع موسى تتبعه أعباء معينة. ويُصوَّر إبراهيم، في الفلكلور اليهودي، جالساً على أبواب جهنم ليحمي أي يهودي مُختَّن من دخولها. وترى الأجاداه أن إبراهيم اتبع الوصايا العشر وكل الوصايا والنواهي ومتطلبات الشريعة الشفوية رغم أنها لم تكن قد أُنزلت بعد. وهو الذي فرض صلاة الصباح والأهداب (تسيت تسيت) وتمائم الصلاة (تيفلين) . وقد كان يتَّسم بالتقوى وطاعة الإله والشجاعة والوفاء، وكان يشفع للمذنبين. وهو من أعظم الأنبياء حسب الرؤية التوراتية، إذ كان يتحدث الإله معه لا من خلال الأحلام أو الرؤى وإنما مباشرة. ولذا، فهو تجسيد للمقدرة الخارقة للحوار مع الرب. وتروي الأجاداه قصة إبراهيم ابن صانع الأوثان الذي يهرب إلى كهف في الصحراء حيث يتأمل في فكرة الخالق، وحينما يرى الشمس تصعد إلى كبد السماء يرى أن الشمس هى ربه. ولكنها تَغرُب فيظن أن القمر هو إلهه، ولكن النهار يأتي بالشمس مرة أخرى. ولذا، يتوصل إبراهيم إلى أنه لا الشمس ولا القمر إلهه. وترد في كتب المدراش والتلمود قصته. وقد ذاعت شهرته في رأي الأجاداه بسبب نقود سُكَّت باسمه عليها صورته. وكان يُعلِّق على رقبته حجراً كريماً اجتذب إليه الجماهير لأن كل من كان ينظر إليه كان يشفى من الأمراض. وقد كان إبراهيم سخياً يخدم ضيوفه بنفسه ويعلِّمهم أن يحمدوا الإله بعد كل وجبة. ولذا، كان يُعَد من أوائل المبشِّرين. ويقرِّر التلمود أن إبراهيم قد عوقب في مصر، كما استُعبد أبناؤه لأنه سمح بتجنيد العلماء في الخدمة العسكرية وتردَّد في تختين نفسه. أما في الكتب الخفية، فهو مُؤسِّس مدن على طريقة اليونانيين. ولبعض الفلاسفة اليهود رؤيتهم الخاصة لإبراهيم، ففي رأي موسى بن ميمون أن إبراهيم قد وصل إلى أعلى درجات النبوَّة (مع استثناء موسى) ، وهو أول من توصَّل إلى فكرة الخلق من العدم من خلال التأمل، وأول من توصَّل إلى الإيمان بالإله من خلال التفكير العقلي. أما يهودا اللاوي، فيرى أن إبراهيم علامة على أن أعضاء جماعة يسرائيل لهم قوة إلهية خاصة تُمكِّنهم من الدخول في حوار مع الرب، وأنها مقدرة يتَّسم بها آدم وورثها عنه إبراهيم وانتقلت إلى موسى ثم إلى الأنبياء ومنهم إلى الشعب اليهودي كله. وفي التراث القبَّالي، يُعَدُّ إبراهيم التجلي النوراني الرابع أو الحسيد أو الرحمة. إسماعيل Ishmael اسم «إسماعيل» من عبارة عبرية تعني «الإله يسمع» . وإسماعيل، أكبر أبناء إبراهيم من هاجر المصرية جارية سارة، سُمِّي بهذا الاسم بأمر من الإله، وتم تختينه وعمره ثلاثة عشر عاماً. وعد الإله إبراهيم بأن يجعل من نسل إسماعيل أمة كبيرة من اثنى عشر أميراً (تكوين 17/20) . ورغم أن إسماعيل كان الابن البكر لإبراهيم، فإن سارة اضطهدت هاجر، حسب الرواية التوراتية، فهربت الأم وابنها في برّية بئر سبع جنوبي فلسطين. وكانا على وشك الهلاك من الظمأ حين أرى الإله هاجر بئر ماء ووعدها بأن ابنها إسماعيل سيصير أباً لأمة كبيرة. ثم طرد إبراهيم هاجر بسبب غيرة سارة، فتزوج إسماعيل امرأة من أرض مصر، فأنجب اثنى عشر ابناً هم الذين أصبحوا آباء القبائل العربية. وتزوجت ابنته محلة أو بسمة من عيسو الذي اشترك مع إسحق في دفن أبيهما. ويركز العهد القديم على عدم نقاء دم إسماعيل، فهو أولاً من أم مصرية، ثم إنه تزوج هو نفسه من مصرية، واندمج نسله مع المَدْيَنيين والمؤابيين، الأمر الذي جعلهم خصوماً للعبرانيين على الدوام. وقد تم استبعاده من الميثاق الذي عُقد بين إبراهيم والخالق والذي ورث بموجبه نسل إبراهيم أرض كنعان. ويشير سفر التكوين (16/12) إلى أن إسماعيل «يكون إنساناً وحشياً. يده على كل واحد ويد كل واحد عليه» ، أي أنه سيكون ضد كل الناس وكل الناس ضده. وتُصوِّر الأجاداه إسماعيل شخصيةً شريرة فشل إبراهيم في تربيته، فهو يفسد النساء ويعبد الأوثان ويحاول قتل إسحق، ولكنه ماهر في استخدام السهم والقوس. تزوج من امرأة مؤابية، وحينما زارهما إبراهيم كان إسماعيل غائباً. ولم تكرم الزوجة المؤابية وفادته، فترك إبراهيم له رسالة بأن علىه، أي إسماعيل، أن يُغيِّر وتد خيمته. ففهم إسماعيل مضمون الرسالة، وطلق زوجته وتزوج كنعانية تُسمَّى فاطمة (!) . وقد ندم إسماعيل في نهاية حياته على كل المعاصي والآثام، وتنحَّى جانباً في جنازة إبراهيم احتراماً لأخيه إسحق. ويُعتبَر إسماعيل أبا العرب وقد كان يُشار إلى العرب في الكتب الدينية اليهودية في العصور الوسطى باسم «الإسماعيليين» . والآن، يُطلق سكان الكيبوتسات على العاملات العربيات اللائي يعملن فيها اسم «كومبينه فاطمة» والواقع أن صورة إسماعيل كرجل وحشي مُستبعَد من الميثاق هي الصورة الكامنة وراء كثير من الادعاءات العنصرية الصهيونية تجاه العرب، والكامنة أيضاً وراء الموقف الصهيوني منهم. إسحق Isaac «إسحق» هو ابن إبراهيم، وثاني الآباء. والتسمية من كلمة «صحَق» العبرية بمعنى «ضحك» . وقد جاء في العهد القديم أن إبراهيم وسارة ضحكا حينما أخبرهما ملاك الرب بأنهما سيُرزَقان طفلاً في شيخوختهما. وحسب الموروث الديني اليهودي، ورث إسحق (وليس شقيقه البكر إسماعيل) العهد الإلهي. وكانت محنته الكبرى حينما أمر الإله إبراهيم بأن يضحي به (وليس إسماعيل) . وقد ورد في سفر التكوين العبارة التالية: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق" (22/2) . ومن الواضح أن كلمة «إسحق» تم إقحامها، لأن إسحق لم يكن في وقت من الأوقات ابناً وحيداً لإبراهيم (على عكس إسماعيل فقد ظل الابن الوحيد إبراهيم لمدة ثلاثة عشرة عاماً إلى أن رُزق بإسحق) . وقد أرسل إبراهيم خادمه إلى حُرَّان ليأتي لإسحق بزوج من أهله وعشيرته حتى لا يتزوج من كنعانية، فتزوج إسحق من رفقة التي ظلت عاقراً لمدة عشرين عاماً ثم ولدت له توأمين هما عيسو ويعقوب. وانتقل إسحق إلى جرار بسبب المجاعة. وقد تَشبَّه بأبيه في إظهار زوجته (حسنة المنظر) باعتبارها أخته، وذلك لكي ينجي نفسه وينال من وراء ذلك رزقاً. وظهر الإله لإسحق في بئر سبع ووعد بأن يباركه. وبنى إسحق مذبحاً للرب هناك. ويظهر إسحق شخصيةً سلبيةً ساذجةً بسيطةً لا يدرك نوايا الآخرين الشريرة. وقد أحب ابنه عيسو في حين أحبت رفقة يعقوب. وفقد إسحق بصره في شيخوخته. وحين أراد أن يبارك ابنهما عيسو وطلب إليه أن يُعدَّ له طعاماً من صيده، استغلت رفقة علَّة زوجها وتآمرت مع يعقوب على أن ينتحل شخصية أخيه ويتقدم إلى أبيه بطعام تُعدُّه هي باعتباره طعام الصيد الذي جاء به أخوه، معتمدة في ذلك على كلال بصر إسحق لشيخوخته. ونال يعقوب بذلك البركة التي كانت من حق أخيه (تكوين 27/1 - 29) . وقد مات إسحق في حبرون (الخليل) ودفنه ابناه في مغارة المكفيلة بجوار زوجته. وليس لإسحق أهمية كبيرة في التراث الديني اليهودي على عكس أبيه إبراهيم وابنه يعقوب، فيما عدا ارتباطه بفكرة التضحية. ويرى بعض دارسي العهد القديم أن أهميته كانت أكثر بروزاً في نسخ العهد القديم التي فُقدت. وجاء في الأجاداه أن إسحق وُلد يوم عيد الفصح وأن كثيراً من النساء العاقرات قد حَملن في يوم مولده حيث سطعت الشمس بشكل غير عادي. وهو الأب الوحيد الذي لم يتغيَّر اسمه لأن الإله هو الذي اختار له هذا الاسم. وقد جرى تفسير فقدانه البصر بأن الملائكة التي أمسكت بيد إبراهيم قد بكت وسقطت دموعها على عينيه فكُفّ بصره. ويُقال أيضاً أنه فقد بصره لأنه نظر ذات مرة إلى الشخيناه. وقد فسَّر بعض الحاخامات فقدانه البصر بأنه أطال النظر في ابنه عيسو الشرير. عيسو Essau اسم «عيسو» ليس له اشتقاق في العبرية وهو في الغالب اسم أدومي. وكان عيسو أيضاً يُدعى «أدوم» أي «الأحمر» ، وسُمِّي بذلك لأنه وُلد أحمر كفروة الشَعر، وهو الابن الأكبر لإسحق من رفقة، وتوأم يعقوب. وكان عيسو صياداً ماهراً. وقد عاد ذات يوم من الصيد جائعاً ووجد أخاه يعقوب يطبخ عدساً، فباعه يعقوب صحن العدس ببكورته (أي حق الإرث باعتباره البكر) . ولما شاخ إسحق، أراد أن يبارك عيسو ابنه المفضَّل. ولكن رفقة ساعدت يعقوب على خداع أبيه، حيث استغلا عاهة الرجل العجوز، ونال يعقوب البركة ثم فرَّ خوفاً من عيسو. وعند عودته غفر له عيسو وعرض عليه أن يعيش معه. تزوج عيسو من امرأتين حيثيتين ثم تزوج محلة ابنه إسماعيل. وقد ركز سفر التكوين على هذه الوقائع التي تدل على أن نسله فَقَد نقاءه العرْقي. ويُعَدُّ يعقوب وريثاً للعهد الذي مُنح لإبراهيم وإسحق بدلاً من عيسو. واستوطن عيسو سعير التي سُمِّيت «بلاد أدوم» ويُسمَّى جبل سعير «جبل أدوم» أيضاً. ويُعَدُّ عيسو أبا الأدوميين، وهو شعب كان يخافه العبرانيون ويحتقرونه في آن واحد، وعلاقة العبرانيين بهم تشبه علاقة يعقوب بعيسو. ويُشار إلى عيسو في الأجاداه بأنه شقيق يعقوب وعلى اعتبار أنه أدوم وروما التي كانت تُقرَن دائماً بأدوم. وترى الأجاداه أن عيسو، من حيث هو توأم يعقوب، كان شخصاً شريراً يَعبُد الأوثان ويرتكب الزنى والقتل. أما عيسو من حيث هو أدوم، فقد جاءت من صلبه بعض الشخصيات الشريرة مثل هامان. أما عيسو، من حيث هو روما، فإنه يرتكب العديد من الجرائم فيخدع إسحق بأن يعطيه لحم كلاب ليأكله، وهو لا يغفر ليعقوب، كما جاء في الرواية التوراتية، ولا يقبله وإنما يعضُّه. ولكن رقبة يعقوب أصبحت صلبة كالعاج، فتساقطت أسنان عيسو. وبحسب الأجاداه، قُتل عيسو أثناء جنازة يعقوب وهو يقاتل على الميراث. يعقوب Jacob «يعقوب» اسم عبري معناه «يعقب» أو «يمسك العقب» أو «يحل محل» . ويعقوب هو ثالث آباء اليهود، وهو ابن إسحق وجَدّ اليهود الأعلى وتوأم عيسو الأصغر. أمسك بكعب قدمه (بالعبرية: عقب) ، ومن هنا كان اسمه (تكوين 25/26) . وتوجد قصتان أساسيتان في حياة يعقوب أولاهما أنه حينما عاد عيسو من الصيد جائعاً متعباً وجد أخاه يعقوب قد أعد طعاماً فسأله شيئاً مما أُعدّ فانتهز يعقوب الفرصة وباعه طعاماً نظير بكورته (أي أسبقيته في الولادة) ، وبحكم الشريعة كان الأكبر هو الذي يرث الزعامة بعد الأب. أما القصة الثانية، فهي قصة البركة التي اغتصبها يعقوب، إذ لما كبر إسحق وضَعُف بصره، اتفق يعقوب مع أمه رفقة على مغافلة الأب لكي يدعو له بدلاً من أخيه عيسو، فتم له ذلك بأن انتحل شخصية أخيه، ونال بركة ليست من حقه، إذ أن إسحق دعا له بأن يكون الأنبياء من ذريته. ولما أحسّ إسحق بالأمر، طلب إلى يعقوب الخروج فخرج فاراً من غضب أخيه إلى بيت أسلافه الآراميين، وقيل إن أمه هي التي طلبت إليه أن يلحق بخاله مخافة أن يقتله أخوه عيسو. وقد حصلت أمه على موافقة إسحق على سفره بحجة أنه قد يتزوج بإحدى بنات الحيثيين (ويُلاحَظ أن يعقوب يظهر دائماً بوصفه راعياً، أما عيسو فهو صياد بدوي مغير) . ورغم أخطائه وخداعه، فقد أراه الإله رؤيا مجيدة إذ رأى ملائكة يصعدون ويهبطون على سلم، ووعده الرب بأن يعطيه الأرض التي كان متغرباً فيها، وحين استيقظ يعقوب سمَّى المكان «بيت إيل» . خرج يعقوب إلى آرام من أرض العراق. وقد جاء على لسانه: «إن كان الإله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه، وأعطاني خبزاً لآكل وثياباً لألبس، ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً» (تكوين 28/20 ـ 21) ، وهو قول يعني ضمناً أن الإله، إن لم يقبل الصفقة لن يقبله يعقوب رباً. ووجد يعقوب راحيل عند البئر فأحبها، وخدم أباها لابان سبع سنين مهراً لها حتى إذا ما حان وقت الزواج احتال عليه لابان وزوّجه ليئة، فاضطر إلى خدمته سبع سنين أخرى وتزوج من راحيل، وتزوج أيضاً من خادمتيهما، ثم خدم ست سنين أخرى نظير أجر ولكنه خدع لابان في هذه الفترة حتى فاق ثراؤه ثراء سيده ثم فرَّ إلى كنعان، وقد انتهزت راحيل الفرصة وسرقت الأصنام (الترافيم) من أبيها. ارتحل يعقوب نحو كنعان (فلسطين) . وفي الطريق، صارعه شخص حتى طلوع الفجر وانخلعت فخذه. وقبل أن يطلقه باركه وقال له: «لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يسرائيل، لأنك جاهدت مع الإله والناس وقدرت» . ودعا يعقوب المكان فنيئيل أي «وجه الإله» لأنه قال: «إني نظرت الإله وجهاً لوجه ونجَّيت نفسي» (تكوين 32/22 ـ 32) . والقصة تشبه من بعض الوجوه قصصاً مماثلة في الحضارات الوثنية مثل الحضارة اليونانية. ففي إلياذة هوميروس يجرح ديوميدس الرب آريس بمساعدة أثينا، ولكن يعقوب يهزم ربه دون عون أو مساعدة. ثم طلب يعقوب العفو من أخيه عيسو الذي انطلق إلى أراضيه في جبل سعير (أدوم) . أما يعقوب، فإنه بعد أن اتجه إلى أرض كنعان، اشترى أرضاً عند شكيم. وعند هذه النقطة، يروي العهد القديم قصة دينة ابنة يعقوب من زوجته ليئة التي أحبها شكيم بن حمور الحوي وأقام معها الصلة الجنسية، وقد أبدى أبوه رغبة ابنه في الزواج منها أياً كان صداقها معلناً بهذا رغبته في أن يصاهر قومه قوم يعقوب، فوافق بنو يعقوب على ذلك بشرط اختتان الذكور من أبناء المنطقة قائلين: « ... إن صرتم مثلنا بختنكم كل ذكر، نعطكم بناتنا ونأخذ لنا بناتكم، ونسكن معكم ونصير شعباً واحداً، وإن لم تسمعوا لنا أن تختتنوا نأخذ ابنتنا ونمضي» (تكوين 34/15 ـ 17) . وقبل الحويون (وهم من الأقوام الكنعانية) الشرط ونفذوه بأمانة. وتم الزواج وأفسحوا ليعقوب وأهله المقام بينهم. وفي اليوم الثالث، وكانوا متوجعين بعد الختان، يُذكَر أن ابني يعقوب (شمعون ولاوي) أخوي دينة أخذا سيفيهما وأتيا على المدينة لأن أهلها نجسوا أختهم، وقتلا كل ذكر، وقتلا حمور وابنه شكيم بحد السيف وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا. ثم أتى بنو يعقوب ونهبوا المدينة: «غنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه. سبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في البيوت» (تكوين 34/25 ـ 29) . وغضب يعقوب مما حدث لا لأنه ينطوي على الغدر وإنما لأنه «نفر قليل فيخشى أن يجتمع عليه الكنعانيون والفرزيون ويضربوه فيبيد هو وبيته» (تكوين 34/30) . ثم ظهر الإله ثانية ليعقوب مؤكداً له تغيير اسمه إلى يسرائيل ومجدداً العهد الذي أقامه مع إبراهيم. ولقد وُلد ليعقوب اثنا عشر ولداً منهم أحد عشر في آرام أصبحوا القبائل العبرانية الاثنتي عشرة، وبذلك يكون يعقوب هو أبا اليهود الحقيقي الذي يتسمَّون باسمه. وعندما حلَّت المجاعة أرض كنعان، خرج يعقوب إلى مصر (هو وأولاده حسب إحدى الروايات) حيث كان يوسف قد هاجر من قبل، فعاشوا حياة تتسم بالمعاناة، ربما تكفيراً عن خداع يعقوب لأبيه وسرقته حق الوراثة من أخيه، ولكنه يظل مُعذباً قلقاً بشأن مصير أبنائه حتى وفاته. وتحضره الوفاة في مصر فيستأذن يوسف الفرعون في الخروج إلى كنعان ليدفنه في كنعان في مدينة حبرون (الخليل) ويعود مرة أخرى. وقد عمَّقت الأجاداه الصراع بين عيسو ويعقوب، وحوَّلت عيسو إلى شر محض على عكس الرؤية التوراتية التي تنظر إليه بشيء من التعاطف. ويبدأ الصراع حسبما جاء في الأجاداه منذ كانا في الرحم. فكلما كانت رفقة تمر على معبد يهودي كان يعقوب يحاول أن يخرج، في حين كان عيسو يحاول أن يخرج إن مرت على معبد وثني. وبذا تَحوَّل التناقض بين اليهود والأغيار إلى صراع أزلي. وقد وُلد يعقوب نظيفاً ناعماً أنيقاً مختناً، أما عيسو فقد كان مغطى بالشعر، أحمر الذقن، نابت الأسنان، وهذه صور تبين الفرق بين جمال يسرائيل الروحي وقبح عالم الأغيار. وقد مجَّد الحاخامات يعقوب ووضعوه في مكانة تفوق حتى مكانة إبراهيم وإسحق، فكلاهما أنجب أشراراً (إسماعيل وعيسو) . بل إن الإله قد نجَّى إبراهيم من نار نمرود من أجل يعقوب. وأكثر من ذلك، فإن العالم كله قد خلق من أجل يعقوب. وقد فسرت الهاجاداه خدع يعقوب بطريقة تجعلها مقبولة، فقد وُلد عيسو قبل يعقوب لأنه هدَّد بأن يقتل أمه، ووافق يعقوب على ذلك لينقذ أمه. ثم حاول يعقوب أن يسترد بكورته حتى يمكنه تقديم القرابين وهو أمر مقصور على الابن البكر أي أنه سرق البكورة بسبب ديني. بل جاء في الأجاداه أن إسحق قد تردد في إعطاء عيسو بركته. وحينما أخبر إسحق عيسو أن أخاه قد جاء «بمكر وأخذ بركته» (تكوين 27/35) ، فإنه كان يعني في واقع الأمر أن أخاه قد جاء «بحكمة وأخذ بركته» ! يوسف Joseph «يوسف» اسم عبري معناه «يزيد» وربما كان اختصاراً لـ «يوسف إيل» . ويوسف هو ابن يعقوب من راحيل وأحب أولاده إليه. وردت قصته في سفر التكوين (37 - 50) . ويُطلَق اسمه على إحدى القبائل العبرانية. حسده إخوته بسبب رؤيا بشرته بسيادته عليهم، حيث كان يرى إخوته ساجدين له، فتآمروا عليه وألقوه في جُبّ، وحمله بعض أهل َمْدَين إلى مصر وباعوه بيع الرقيق. فاشتراه رئيس شرطة فرعون ووكله على بيته. وقد اتهمته زوجته ظلماً فأُلقي في السجن سنوات. وهناك اكتسب ثقة السجان، فولاه على جميع المسجونين. وذاعت شهرة يوسف مفسراً للأحلام . استوزره فرعون مصر بعد أن أوَّل له حلماً رآه عن سبع سنين شبع وسبع سنين جوع واقترح عليه تخزين الحبوب في سنين الشبع لتحاشي المجاعة، فعينه رئيساً لمخازنه وهو منصب يماثل منصب وزير التموين في العهد الحاضر. تزوج يوسف أسنات ابنة كاهن أون (عين شمس) فوطيفارع (أي: عطية رع إله الشمس) فأنجب منها منَسَّى وإفرايم. ثم حضر أبوه وكل إخوته من فلسطين هرباً من المجاعة فأكرم وفادتهم ووطنهم أرض جاسان أثناء حكم الهكسوس. وبذلك تكونت الجماعة العبرانية التي قادها موسى فيما بعد عبر سيناء إلى أرض كنعان. وتُفسِّر الأجاداه قصة يوسف باعتبارها قصة جماعة يسرائيل، حيث إن رحلته إلى مصر وحظه فيها يشبه خروج العبرانيين من فلسطين وتقلُّب حظوظهم بين الأمم. أما زوجة رئيس الشرطة فهي مثل أنثى الأغيار (شيكسا) التي تحاول أن تجتذب الذكر اليهودي إليها. هجرة العبرانيين من مصر (الخروج) (Emigration of the Hebrews from Egypt (Exodus يُشار إلي هجرة العبرانيين في المصطلح الديني بكلمة «الخروج» . ومن هنا، فإن هجرة العبرانيين من مصر تعني «خروج» العبرانيين من مصر «بعد أن ظهر ملك جديد لا يعرف يوسف» (خروج 1/8) . ومن العسير تحديد تاريخ محدَّد لعدم وجود وثائق تشير إلى هذا الحدث باستثناء العهد القديم. ويختلف العلماء حول تاريخ هجرة العبرانيين من مصر، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد، وأن العبرانيين طُردوا من مصر مع الهكسوس، وهذا رأي مانيتو المؤرخ المصري اليوناني الذي عاش حوالي عام 250 ق. م. أما الرأي الثاني، فيذهب إلى أن هجرة العبرانيين حدثت في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد وأنها كانت في زمن تحتمس الثالث أو في زمن أمنوفيس الثاني، ويتفق هذا مع ماجاء في سفر القضاة، ومع ما ورد في لوحات تل العمارنة عن الخابيرو. ويعتقد العلماء أن هؤلاء هم العبرانيون الذين جاءوا إلى أرض كنعان في هذا التاريخ تقريبًا. أما الرأي الثالث فيرى أن تاريخ الهجرة يقع في الفترة 1275 ـ 1250 ق. م، وأنها تمت أثناء حكم رمسيس الثاني إذ يذكر سفر الخروج أن العبرانيين بنوا «مدينتي مخازن» وهما: فيثوم ورعمسيس، وأن «رعمسيس» هو اسم الفرعون الذي حدث الخروج في عصره. وهذا دليل واهٍ، ذلك لأن اسم «رعمسيس» استُخدم في عصر سابق لعصر رمسيس الثاني بزمن طويل. ويقول علماء آخرون إن الهجرة قد تمت في عصر مرنبتاح، أي نحو عام 1230 ق. م، فقد جاء على نصب تذكاري أنه انتصر على يسرائيل وغيره من الأقوام وأنه قضى على نسله. وقد استدلوا على أن هذه إشارة إلى هجرة العبرانيين من مصر، مع أن هذه الإشارة يُستَدل منها على أن العبرانيين كانوا قد خرجوا من مصر قبل ذلك التاريخ وأنهم قضوا سنى التيه في سيناء، وتسللوا إلى كنعان واستقروا فيها، الأمر الذي يتناقض والروايات الأخرى وبعض الحقائق التاريخية، ولذا يذهب بعض المؤرخين إلى أن اسم «يسرائيل» الذي ظهر على هذا النصب إنما هو اسم لمدينة أو قبيلة كنعانية. كما قام أحد العلماء المصريين (د. أحمد يوسف) بترجمة النص كما يلي: "كان إسرائيل بوراً (أو عقيماً) لا بذرة له". وهي جملة لا تدل بالضرورة على حرب أو قتال. والخروج عملية هجرة من مصر إلى أرض كنعان (فلسطين) . وبالتالي يمكن النظر إليه في إطار آليات الهجرة باعتبارها حركة طرد من مصر، وحركة جذب إلى كنعان، شأنه شأن أية حركة هجرة أخرى. ومع هذا، يجب التحفظ بشأن ما سنورده من أسباب وتفسيرات، فهذه مراحل تاريخية كثير من جوانبها ظلت سديمية، لا نعرف الكثير عنها. وفي محاولة تفسير حركة الطرد من مصر يمكننا القول بأنه عند تحرير مصر من الهكسوس طُرد معهم حلفاؤهم العبرانيون. أما من بقوا منهم، فقد اعتُبروا أجانب وتحوَّلوا إلى أرقاء وعبيد سُخِّروا في أعمال البناء والمشاريع الإنشائية التي كان يقوم بها الفراعنة، ومن هنا أصبحت مصر، بالنسبة إليهم أرض العبودية. ويضاف إلى هذا العامل الحضاري أنه تم في القرن الثالث عشر قبل الميلاد اكتشاف الحديد، وهو ما أدَّى إلى بدء تَدهوُّر الوضع الاقتصادي في مصر. فقد كانت مصر غنية بمناجم النحاس، وتسيطر سيطرة شبه كاملة على تجارته مع بلدان غربي آسيا، ولذا، فقد كانت تمارس تأثيراً لا يُستهان به في المنطقة. إلا أن اكتشاف الحديد قلب الأوضاع القائمة حيث حل التعامل بالمعدن الجديد محل التعامل بالنحاس في العالم القديم. ولم تقتصر آثار ذلك على الشعب المصري وحده وإنما شملت الحالة المعيشية لجميع الأجانب القاطنين مصر ومنهم العبرانيون، الأمر الذي دفعهم إلى التفكير في الانتقال إلى موقع آخر أفضل. وعلاوة على هذا، شهدت منطقة البحر الأبيض المتوسط في الحقبة التاريخية 1400 ـ 1100 ق. م حركة هجرة هائلة امتدت من أواسط آسيا متجهة نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط وأوربا، إلى جانب حركة سكان جزر المتوسط نحو السهول الساحلية (ومن بينها السواحل الشرقية) مثل شعوب البحر ومنهم الفلستيون. أما حركة الجذب إلى كنعان، فقد كانت تعود إلى جملة أسباب، أولها أن كنعان كانت دوماً عرضة للغزو الخارجي، ولكنها كانت تقع خارج حدود إمبراطوريتين عظميين: بلاد الرافدين، ووادي النيل. وهذا يعني أن الأقوام التي كانت تعيش فيها كانت تتمتع إلى حدٍّ ما بنوع من الاستقلال النسبي. كما أنها كانت قد بلغت مرحلة متقدمة في الصناعة والتجارة والرفاهية الاقتصادية. وكان هذا يشكل عامل جذب قوي بالنسبة إلى العبرانيين، ويحمل في تضاعيفه أمل التغلغل في هذا المجال، وبالتالي السيطرة عليه. وإضافة إلى هذا، كان العبرانيون قد أقاموا في كنعان في زمن مضى، الأمر الذي كان يهيئهم نفسياً للتفكير في الهجرة إليها مرة أخرى، وخصوصاً أنها على مقربة من مصر. وأخيراً كان التشكيل السياسي السائد في كنعان يتكون من دويلات/مدن ضعيفة لم يكن من الصعب على العبرانيين أن يغزوها ويبسطوا سيطرتهم عليها. ويختلف العلماء في تحديد الطريق الذي سلكه العبرانيون في خروجهم من مصر. فيحاول بعضهم تحديده بدراسة نصوص العهد القديم وتحليل تضاريس شبه جزيرة سيناء. بل يثير بعض العلماء قضية أن المكان الذي خرج منه العبرانيون «متسراييم» لم يكن «مصر» ، فقد أشار هيوجو ونكلر إلى أن متسراييم التوراتية ليست مصر وإنما موزري وهي مقاطعة جنوبي البحر الميت تضم مرتفعات سعير ومدينة البتراء وتضم أرض مَدْيَن والأدوميين والنبطيين وأنه حدث خلط بين موزري ومصر. ويرى كمال الصليبي أن متسراييم هي أرض عسير في جنوب المملكة العربية السعودية. وقد رفضت أغلبية العلماء كلا الرأيين. ونحن نستخدم كلمة «الخروج» للإشارة إلى هجرة العبرانيين (جماعة يسرائيل) من مصر، وسيرهم في سيناء، من الناحية الدينية. ونستخدم كلمة «هجرة» للإشارة إلى الواقعة التاريخية ذاتها، أما عبارة «التسلل العبراني في أرض كنعان» ، فنستخدمها للإشارة إلى دخول العبرانيين أرض كنعان. الخروج (مفهوم ديني) Exodus (Religious Concept) كلمة «الخروج هي الترجمة العربية للعبارة العبرية «يتسيآت متسراييم» ، ويُقال لها باليونانية «إكزوداس» . وتُستخدَم الكلمة بمنطوقها اليوناني في معظم اللغات الأوربية. والخروج هو خروج جماعة يسرائيل من مصر بعد أن ظهر ملك جديد لا يعرف يوسف (خروج 1/8) . وهي واقعة تحتل مكانة مركزية في الوجدان الديني اليهودي ثم الصهيوني. وتذهب المصادر الدينية إلى تفسير الخروج بأنه يرجع إلى تَزامُن اضطهاد فرعون مصر لأعضاء جماعة يسرائيل وإلى أنهم سئموا حياة الترف والدعة في مصر التي يُشار إليها بعبارة «قدور لحم مصر» . ومهما يكن السبب، فقد أصبح أعضاء جماعة يسرائيل، حسب الرواية التوراتية، شعباً وأمة مقدَّسة بعد خروجهم من مصر «أرض العبودية» . وتُعتبَر هذه الواقعة، تقليدياً، النقطة التي يبدأ فيها التاريخ المستقل لليهود ويظهر الشعب اليهودي للوجود. فقبل ذلك التاريخ كانت الإشارات دائماً إلى أفراد أو أسر (مثل يعقوب وأولاده) تتنقل من مكان إلى آخر وليست لهم هوية إثنية محدَّدة. ويرمز الخروج في الوجدان اليهودي إلى التدخل الإلهي في التاريخ لصالح الشعب المختار. ويدل على تَحوُّل إله العالم أو الكون أو الطبيعة إلى إله التاريخ اليهودي الذي لا يمكن فَهْم أفعاله بالمنطق الإنساني العادي. وخروج جماعة يسرائيل من مصر علامة على اختيارهم حسب التراث الديني اليهودي، وهو أيضاً علامة على الاستعداد الدائم عند الإله للتدخل في التاريخ ليأخذ بيدهم ولينصرهم على أعدائهم. وتركز هذه المناسبة على مصر باعتبارها نموذج أرض العبودية التي يُمتهَن فيها الشعب المقدَّس، تماماً كما أصبحت بابل نموذجاً لأرض السبي والنفي. والتراث اليهودي يُذكِّر اليهود بالخروج في أهم المناسبات، فالوصايا العشر تعرّف الإله بأنه «الذي أخرج اليهود من دار العبودية» ، ويرد ذكر الخروج في صلاة الشماع، وعلى كل يهودي في عيد الفصح أن يستشعر الخروج وكأنه يمارسه بشكل شخصي مباشر. وسيُحتَفل بالخروج حتى في العصر المشيحاني، ذلك لأن العصر المشيحاني، مثل الخروج، يقع خارج نطاق التاريخ: في دائرة المطلق. فهما نقطتان متوازيتان، فالخروج بداية التاريخ وعودة الماشيَّح نهايته. وهذا التاريخ المقدَّس ليس له علاقة كبيرة بالتاريخ الحقيقي، فحادثة الخروج هذه لم تمثل حدثاً يثير الاهتمام الفكري لدى المصريين، ولذا لم يأت لها ذكر في الآثار الفرعونية. كما أن تجربة العبرانيين الفعلية لم تكن سيئة دوماً مع الإمبراطورية المصرية القديمة، وإن لم تكن طيّبة طوال الوقت. ومع هذا، فإن التاريخ المقدَّس أو التوراتي هو الذي صاغ رؤية اليهود لمصر بل وربما رؤية العالم (الغربي) المسيحي لها. ونفس هذه الرؤية، في العلاقة بين عبودية شعب وتحرُّره من إمبراطورية كبرى مثل مصر، تتمثل في رؤية داود وجوليات، فهي عبودية الشاب الصغير الذي لا يحمل سوى المقلاع وتحرُّره من سطوة جوليات المدجَّج بالسلاح. وتُستخدَم كلمة «خروج» للإشارة إلى هجرة اليهود من أي بلد، فيُشار مثلاً إلى خروج يهود البلاد العربية منها إلى الدولة الصهيونية وإلى خروج يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل. ولكن، وبعد هجرة ما يزيد على نصف مليون مُستوطن صهيوني من فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول، أشار أحدهم إلى «خروج صهيون» أو «الخروج من صهيون» . وفي هذا مفارقة عميقة إذ أن الخروج يكون دائماً إلى صهيون وليس منها. ويتناول أحد أسفار موسى الخمسة أحداث واقعة الخروج، وهو «سفر الخروج» . موسى Moses «موسى» هو المقابل العربي لكلمة «موشيه» العبرية، وموسى هو مؤسس الديانة اليهودية. وبخروجه أو هجرته من مصر، يبدأ تاريخ العبرانيين. وقد لاحظ فرويد أن شخصية موسى مزيج من مفاهيم البطولة عند الساميين والمصريين، فشخصية البطل عند الساميين تتميَّز بأنها من أب غير معروف، أو بأن يكون البطل يتيماً، أو تكون ولادته محفوفة بالمخاطر والمشاكل، أو يكون البطل ممن أحبوا العزلة في الصحاري والجبال. أما عند المصريين، فهو من بيئة أرستقراطية، قوي البنية شديد البأس، يعيش في الحضر بين قوم مُتمدينين. وتضم شخصية موسى مزيجاً فريداً من المفهومين. شبَّ موسى، حسب الرواية التوراتية، في بيت فرعون بعد أن ألقته أمه رضيعاً في النهر، لأن فرعون كان قد شدَّد الأمر بقتل صبيان العبرانيين. ولكنه عرف هويته الحقيقية. وتدخَّل في شجار وقع بين مصري وعبراني فصرع الأول. لكن أحد العبرانيين وشى به، فاضطر إلى الخروج من مصر إلى أرض مديَن في شبه جزيرة سيناء والجزء الشمالي من الجزيرة العربية. وعمل خادماً لدى يثرون كاهن الإله المديَني «يهوه» الذي علمه الديانة الجديدة وزوجه ابنته صفورة. وأثناء رعيه أغنام يثرون، حدثت له معجزة الشجرة المشتعلة التي لا تهلكها النيران، فلما دنا لينظر نودي من وسطها، وظهر له رب إبراهيم وإسحق ويعقوب الذي أصبح اسمه منذ ذلك الحين يهوه (وموسى ـ حسب الرواية التوراتية - هو النبي الوحيد الذي رأى الإله وجهاً لوجه) . وطلب إليه يهوه أن يعود إلى مصر ليكون قائداً لشعبه ويخرجه من هناك، فأخذ معه أخاه هارون لأنه كان يتلعثم في الكلام. وكما هو معروف، رفض فرعون مصر، وقد يكون رمسيس الثاني (1290 ـ 1237 ق. م) ، ما طلبه موسى، واستمر في استعباد جماعة يسرائيل، فحلَّت بمصر الأوبئة العشرة حتى اضطر فرعون إلى أن يُطلق سراحهم. لكنه غيَّر رأيه ولحق بهم أثناء عبورهم البحر الأحمر، فغرق هو وجيشه. وعند جبل سيناء ظهر يهوه مرة أخرى لموسى، وجدَّد الميثاق بينه وبين جماعة يسرائيل، وأعطى موسى الوصايا العشر والتوراة. وبدأ موسى في سَن التشريعات، وهو ـ حسب التراث الديني اليهودي ـ المصدر الأساسي للشريعة الشفوية. وبنى أيضاً خيمة الاجتماع. وقد تسبَّب اليهود في الكثير من العناء لموسى أثناء عبور الصحراء، إذ عبدوا العجل الذهبي في غيابه، ثم ظلوا في الصحراء مدة أربعين عاماً حتى نجحوا في اجتياز سيناء. واتخذ موسى لنفسه زوجة ثانية رغم معارضة أخته مريم وأخيه هارون. وحينما حاول عبور نهر الأردن، رفضت مملكتا مؤاب وأدوم السماح له بعبور أراضيهما، الأمر الذي اضطره إلى التسلل شرقاً والاتجاه شمالاً. وتذكر التوراة أن الرب غضب من موسى وأخيه هارون لخيانتهما له «إذ لم تقدساني وسط بني إسرائيل» (تثنية 32/51) . وكان عقاب موسى النظر إلى أرض كنعان من على جبل نبو لكنه لم يدخلها. ثم مات موسى، وتولى مهمة إدخال جماعة يسرائيل إلى أرض كنعان خادمه يشوع بن نون. ورغم أن له هذه الأهمية، فإننا لا نجد ذكراً له على لسان عاموس أو أشعيا، ولا يأتي له أيضاً ذكر في الأسفار المقدَّسة إلا فيما ندر. وربما يعود هذا إلى فقدان اليهود لأسفار موسى الخمسة لمئات من السنين. والواقع أن هذه الأسفار تنسب إلى موسى كثيراً من الأوامر الخاصة التي تحرِّض على النهب والسلب والحرق (عدد31/18) . ونظراً لأهمية موسى في الوجدان اليهودي، فإن اليهود والصهاينة يخلعون لقب «موسى الثاني» على كل قائد يهودي. وقد اكتسب هذا اللقب كلٌّ من موسى بن ميمون في الأندلس، وموشيه ديان في فلسطين المحتلة. وجاء في الأجاداه أن السماء والأرض خُلقتا من أجل موسى، وأن ابنة فرعون حينما فتحت السلة التي فيها موسى وجدت الشخيناه إلى جواره. وقد رفض موسى أن يرضع من ثدي المصريات لأن الفم الذي سيتحدث مع الشخيناه لا ينبغي أن يلوثه لبن النساء المدنَّسات. وقد ظهر الإله له داخل الشجرة المشتعلة حتى يبين له أن اليهود لا يمكن تحطيمهم ـ تماماً مثل الشجرة التي لم تقض عليها ألسنة اللهب. وقد فُسِّر تردده في قبول الرسالة الإلهية بعدة أسباب، من بينها أنه أراد أن يكون الإله ذاته هو مخلِّص جماعة يسرائيل، كما أنه كان غاضباً من الإله لأنه هجر جماعة يسرائيل لمدة مائتين وعشرة أعوام وسمح بأن يقوم المصريون بذبح كثير من أتقيائهم. وفي القبَّالاه، يُعَدُّ موسى وهارون التجلّيين النورانيين: نيتسح (التحمل والأزلية) وهود (الجلالة والمجد) . هارون Aaron «هارون» هو المقابل العربي للاسم العبري «أهرون» ، وهو شقيق موسى، وهو أيضاً من أحفاد لاوي. اعتُبر منذ شبابه قائداً لجماعته وكاهن بيته وسُمِّي باسم «اللاوي» . ويُعَدُّ هارون شخصية أساسية في أحداث الخروج من مصر، فهو الذي تحدَّث باسم موسى حينما ذهب إلى فرعون (وهذا ما يعطيه صفات النبوَّة) . واشترك مع موسى في قيادة جماعة يسرائيل إلى خارج مصر. ومع هذا، فحينما تأخر موسى وهو على الجبل مع الرب، ضج أعضاء جماعة يسرائيل، وارتدوا عن طاعة إله موسى وطلبوا إلى هارون أن يصنع لهم تماثيل آلهة ليعبدوها، فصنع هارون العجل الذهبي وبنى له مذبحاً. غير أن الإله، مع هذا، غفر له خطأه وأصبح هارون أول رئيس للكهنة. وتُفسِّر الأجاداه تَورُّطه في حادثة العجل الذهبي على أساس حبه لجماعة يسرائيل. فبدلاً من أن يقتل من اشتركوا في هذه العبادة الوثنية، كما فعل موسى، اشترك هو معهم بل صنع العجل بنفسه. وفي رواية أخرى أنه صنع العجل الذهبي خوفاً على حياته من جماعة يسرائيل. وثمة رأي يذهب إلى أن ثمة اختلاف بين الهارونيين (ذرية هارون) واللاويين، وأن ذرية هارون تشكِّل نخبة خاصة داخل قبيلة لاوي، ولذا فقد كان منهم كبير الكهنة في حين كان يتبع صغار الكهنة قبيلة لاوي. ويُلاحَظ أن ثمة صراعاً بين اللاويين والهارونيين يظهر في ثورة أبناء قورح على هارون، وفي رفض قبيلة اللاويين ممارسة عبادة العجل الذهبي. ويرى بعض العلماء أن قبيلة هارون كانت عشيرة كهنوتية موجودة في مصر قبل عصر موسى واعتنقت عقيدة موسى قبل اللاويين، وأنها هي التي نشرت الدين الجديد بسبب مكانتها، وأن العشيرة الهارونية اندمجت في قبيلة اللاويين. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التسلل أو الغزو العبراني لكنعان
Hebrew Infitration into, or Conquest of, Canaan يُعَدُّ خروج العبرانيين من مصر حركة هجرة تمكن رؤيتها في إطار حركة طرد من مصر وجذب من كنعان. وتشير بعض المراجع، استناداً إلى الرواية التوراتية، إلى هذه الهجرة باعتبارها حركة «غزو» عسكرية، ونحن نفضل استخدام اصطلاح «تسلل» لوصف هذه العملية التاريخية الطويلة التي لم تتم عن طريق معركة أو عدة معارك عسكرية حاسمة، وإنما عن طريق التسلل والتجسس والتزاوج والاندماج وأحياناً الغزو. وقد كان العبرانيون قبائل بدوية بدائية حينما خرجوا من مصر وعبروا سيناء ووصلوا إلى مشارف أرض كنعان. ولذلك لم يكن في مقدورهم غزو هذه الأرض والاستيلاء عليها، ولم يكن أمامهم سوى التسلل التدريجي فيها، وقد كانت عملية طويلة استمرت ما بين 1250 و1200 ق. م. وما كان لهذا التسلل أن ينجح لولا تضافر عدة عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية، لعل أهمها كان الغياب المؤقت للإمبراطوريات العظمى في تلك المرحلة. فالإمبراطورية الحيثية في الشمال كانت قد انهارت في الربع الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت عوامل الضعف تزحف على القوة المصرية في الجنوب التي تضاءلت هيمنتها على كنعان، ولم تكن آشور قد أصبحت بعد قوة عظمى ذات أهمية. أما في كنعان ذاتها، فقد كانت المدن الدول الكنعانية قد أحرزت تقدماً حضارياً ملحوظاً. ويُرجَّح أن السبب في أن جماعة يسرائيل أو العبرانيين قد أخذت بلغة وحضارة وحتى بديانة كنعان يعود إلى كونها جماعة بدائية تفتقر إلى أدنى المقومات الحضارية، وذلك كما نستنتج من الروايات التوراتية إذ يخاطب الإله موسى قائلاً: «إني سأسوقك إلى مدن عظيمة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وآبار محفورة لم تحفرها، وكروم وزيتون لم تغرسها ... وأكلت وشبعت ... » (تثنية 6/10ـ 12) . ومع ذلك، كانت هذه المدن/الدول تتطاحن فيما بينها، وهو ما أدَّى إلى تَدهور الوضع الأمني في البلاد. ويبدو أن الوضع الإثني في كنعان كان يتَّسم بعدم التجانس، فالعهد القديم يذكر دائماً الأقوام السبعة التي تقطن المكان ويزداد العدد أحياناً ليصل إلى عشرة في سفر التكوين (15/19ـ21) «القينيين والقنزيين والقدمونيين والحيثيين والفرزيين والرفائيين والعموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين» . وهذه نقطة أدركها جواسيس موسى، فقد ذهبوا ورأوا أرضاً «تفيض لبناً وعسلاً وأن مدنها حصينة عظيمة جداً» أي أنها تتمتع بقدر عال من التقدم الحضاري. ولكنهم لاحَظوا أيضاً تنوعها الإثني، إذ قالوا: «العمالقة ساكنون في أرض الجنوب والحثيون واليبوسيون والعموريون ساكنون في الجبل والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن» (عدد 13/28 ـ 29) . ومع هذا، لم يحرز العبرانيون نصراً عسكرياً، فلم يحتلوا سوى بعض المناطق الجبلية عن طريق استخدام التجسس والتخريب وعنصر المفاجأة. أما في السهول، حيث توجد العربات الحربية، فقد ظلت الهيمنة للكنعانيين. ويظهر هذا في رد قبيلة يوسف على يوشع بن نون حين يقولون: «لا يكفينا الجبل، ولجميع الكنعانيين الساكنين في أرض الوادي مركبات حديد» (يشوع 17/16 ـ 18) . والوضع نفسه ينطبق على قبيلة يهودا، فقد ملكت الجبل لكنها لم تطرد سكان الوادي «لأن لهم مركبات حديد» (يشوع 17/12ـ 18) . ومن يقرأ سفر القضاة (1/21 ـ 35) ، ويشوع (16/10) يعرف أن الغزو العبراني كان مجرد استيطان في عدة جيوب غير مترابطة، رغم كل التهويل الخاص بقتل عشرات الملوك. ويؤكد السفر أن الكنعانيين كانوا يقطنون وسط العبرانيين. بل يمكن القول بأن العبرانيين ظلوا مُشرَّدين لاجئين على قمم التلال، ومن تجرَّأ منهم ونزل إلى السهول أصبح خادماً أو عبداً. وظل هذا الوضع فترة طويلة جداً، ففي سفر الملوك الأول إشارة إلى إله العبرانيين باعتباره «إله جبال لذلك قووا علينا. ولكن إذا حاربناهم في السهل فإننا نقوى عليهم» (ملوك أول 20/23) . ولا يمكن فَهْم هذا التسلل العبراني باعتباره غزواً بالمعنى العادي، فهو تسلل يعتمد على القوة العسكرية أحياناً وعلى المكر أحياناً أخرى وعلى التزاوج في بعض الأحيان. كما أن العبرانيين المتسللين تزاوجوا مع أقاربهم الذين لم يهاجروا معهم إلى مصر كما تزاوجوا مع الكنعانيين. وقد سيطر العبرانيون في نهاية الأمر على قسم كبير من أراضي فلسطين الشمالية، فاستوطنت قبائل يهودا وبنيامين الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس، واستوطنت القبائل الأخرى السهول الشمالية، وقام اتحاد القبائل المعروف بالمملكة العبرانية المتحدة التي انقسمت فيما بعد إلى الدويلتين العبرانيتين. ولكن سيطرة العبرانيين لم تَدُم طويلاً إذ قامت القوى الإمبراطورية العظمى فاكتسحت دويلات الشام وفلسطين كلها وتعاقبت السيطرة عليها. ومن القضايا التي تثار، عمليات الإبادة الافتراضية التي صاحبت التسلل العبراني، فحسب ما جاء في العهد القديم، كان العبرانيون لا يكتفون بفتح المدن وإنما كانوا يقومون بإتلاف وتدمير كل ما تقع عليه أيديهم من إنجازات مادية أوحضارية وبإبادة الرجال والنساء والشباب والشيوخ والثيران والخراف والحمير بحد السيف. ويذكر العهد القديم بفخر واضح الألوف التي تمت إبادتها. ومما لا شك فيه أن الحديث عن الإبادة، مثل الحديث عن الانتصارات العسكرية، أمر مبالغ فيه. ومع ذلك، يظل هناك جزء من الحقيقة. ولعل اتجاه العبرانيين نحو الإبادة هو تعبير عن تَخلُّفهم الحضاري، فالعبرانيون كما أسلفنا كانوا جماعات متحركة هاربة من مصر، دخلت أرضاً فيها مدن مستقرة بلغت مرحلة حضارية وثقافية أعلى وأكثر رقياً. ولم يكن تحقيق الانتصار والاستيلاء على هذه المدن ممكناً إلا عن طريق الإبادة الجسدية والإفناء المادي الشامل بسبب غياب أية مؤسسات إدارية عبرانية تتمتع بقدر من التركيب. كما أنهم، نظراً لتخلفهم الاقتصادي والحضاري، لم تنشأ عندهم الحاجة إلى الأيدي العاملة التي كان الأسرى من أهم مصادرها. ومن هنا، نجد أن العبرانيين كانوا يتخلصون من الأسرى بإبادتهم جسدياً. وقد استمر هذا الوضع حتى بعد إنشاء الدولة العبرانية المتحدة التي كانت تَسدُّ حاجتها من الأرقاء والعبيد المطلوبين لأداء خدمات يومية اعتيادية للأرستقراطيين والموسرين عن طريق استعباد المذنبين والأفراد الذين يعجزون عن تسديد ديونهم فيبيعون أنفسهم أو أبناءهم ليكونوا عبيداً لدى الدائن. يَشُوَّع بن نون Joshua «يَشوَّع بن نون» هو المقابل العربي للاسم العبري «يهوشواع» ومعناه «يهوه هو الخلاص» . ويشوع بن نون، كان اسمه في البداية «شواع» وأضاف موسى الجزء الأول فصار «يهوشواع» ، ثم دعاه موسى «يشوع» . وهو يُسمَّى أيضاً «يوشع» . وهو خليفة موسى وخادمه وابن نون من سبط إفرايم. وُلد في مصر، وأرسله موسى مع كالب ليتجسسا. ويُصوِّره العهد القديم باعتباره نبياً وقائداً عسكرياً قاد القبائل العبرانية إلى أرض كنعان واقتحمها حسب الرواية التوراتية بعد معارك ضارية مع العموريين والمؤابيين والفرزيين والكنعانيين والحيثيين والجرجاشيين والحوريين واليبوسيين، فأحرقوا بعض مدنهم وقتلوا رجالهم مستخدمين الوسائل كافة ـ ومن ذلك الخداع والتجسس عن طريق العاهرات (1250 ـ 1200 ق. م) . استمر يشوع بن نون في حكم العبرانيين مدة ثمانية وعشرين عاماً، فقسَّم الأرض التي احتلوها بالقرعة على القبائل العبرانية، واستثنى اللاويين الذين قاموا بالأعمال الكهنوتية. وترك ست مدن على الشاطئين الأيمن والأيسر لنهر الأردن لتكون ملجأ للمشرَّدين من العبرانيين المتهمين بالقتل الخطأ. وكان يُحذِّر جماعة يسرائيل من ترك الرب وعبادة آلهة غريبة. ويروي سفر يشوع أخباره، ومن بينها أنه أصدر أمره إلى الشمس بأن «تقف» حتى ينتقم من أعدائه «فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» (يشوع 10/13) . ويشوع هو الذي أمر العبرانيين بأن يطوفوا بأسوار أريحا سبع مرات وأمامهم سبعة كهنة ينفخون في الأبواق، فسقط السور وسقطت المدينة في أيديهم. ويُفسِّر بعض المحدَثين من اليهود هذه الظاهرة بأنه من تأثير شدة ذبذبات أصوات الأبواق. ومهما يكن الأمر، فقد قام يشوع بإحراق أريحا بالنار بأمر يهوه «وكل ما بها» ما عدا راحاب العاهرة (يشوع 6/22 ـ 24) . ويُلاحَظ أن التصوُّر السائد للخالق في سفر يشوع لا يختلف كثيراً عما جاء على نقش ميشع حيث نجد أن الإله القومي يجد غبطة غير عادية في عمليات القتل والإبادة التي يقوم بها شعبه. وتحاول الأجاداه أن تبرر قيامه باغتصاب أرض كنعان من أهلها على أساس أن العهد الإلهي قد وعد بهذه الأرض لنسل يعقوب وأن الكنعانيين كانوا مجرد أوصياء عليها. وقد تزوج يشوع من العاهرة راحاب التي ساعدت جواسيسه وذلك بعد أن تهودت. ومما تجدر الإشارة إليه، أن العَالم هـ. تامارين قد أجرى استفتاء، في عدد من مدارس تل أبيب والمدن والمستعمرات الإسرائيلية، حول الأساليب الهمجية التي انتهجها يشوع، فتوصَّل إلى أن نحو 66 - 95% أيَّدوا ذلك الأسلوب وأن 30% من التلاميذ كانوا يؤيدون بصورة قطعية إبادة السكان العرب تماماً في المناطق المحتلة. ومن الأجوبة التي تلقاها: «لقد تصرَّف يشوع بن نون تصرفاً حسناً بقتله جميع الناس في أريحا، ذلك لأنه كان من الضروري احتلال البلاد كلها، ولم يكن لديه وقت لإضاعته مع الأسرى» . وثمة إشارات عديدة في أدبيات جوش إيمونيم وجماعة كاخ إلى يشوع وإلى أن أسلوبه الإبادي هو الأسلوب الأمثل في التعامل. وقد دعا كاهانا المؤسسة الدينية إلى تبيان أن أسلوبه هذا جزء عضوي من الدين اليهودي والرؤية اليهودية لسكان الأرض من غير اليهود. الأسباط Hebrew Tribes «الأسباط» صيغة جمع مفردها «سبط» ، وهي كلمة عربية تعني «ولد الابن أو الابنة» ، وتستخدم في النصوص الدينية للإشارة إلى القبائل العبرانية. ونحن لا نستخدم هذا المصطلح في هذه الموسوعة إذ نؤثر استخدام المصطلح الأكثر حياداً وهو كلمة «قبيلة» وجمعها «قبائل» ، ونُفرِّق بين السياق الديني والتاريخي فنقول «قبائل يسرائيل» و «القبائل العبرانية» . القبائل العبرانية الإثنتا عشرة Twelve Hebrew Tribes كلمة «سبط» بالعبرية معناها «عصا» أو «جماعة يقودها رئيس بعصا» . ويُطلَق تعبير «أسباط» أو «قبائل» على أولاد يعقوب وكذلك على كل من إفرايم ومنَسَّى ابني يوسف. وقد انتظمت مجموعة القبائل العبرانية (في العصر التالي لموسى والمسمَّى «فترة القضاة» في اثنتي عشرة قبيلة أو اثنى عشر سبطاً على ما جرت عادة النظام الاجتماعي للتجمعات الكنعانية في فلسطين في العصور القديمة. وتسمَّت هذه القبائل بأسماء أبناء يعقوب: رؤوبين وشمعون ويهودا وبساكر وزبولون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير وإفرايم ومنَسَّى، وتضاف إليها قبيلة لاوي. وُسمِّيت هذه القبائل معاً «يسرائيل» ، فهي من صلب يعقوب (يسرائيل) . وكانت كل قبيلة مقسَّمة إلى بطون وأُسَر. وقد استوطنت قبيلتان ونصف (رؤوبين وجاد ونصف منَسَّى) الضفة الشرقية لنهر الأردن، واستقرَّت القبائل الأخرى في ضفته الغربية. وكانت أهم القبائل قبيلة يهودا التي استوطنت في الجنوب وسُمِّيت باسمها المملكة الجنوبية بعد تفكُّك اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة. أما أكبر قبيلة في الشمال، فهي قبيلة «إفرايم» ، ولذا سُمِّيت المملكة الشمالية «إفرايم» . وحينما قَسَّم يشوع بن نون الأراضي المُستولَى عليها بين القبائل، أُوكلت أعمال الكهانة إلى قبيلة لاوي التي لم تنل نصيباً من الأرض. ولذا، فإنها لم تَعُد تُحسَب ضمن القبائل. ومع هذا، ظل العدد (12) كما هو، لأن قبيلة يوسف قُسِّمت إلى قبيلتين هما منَسَّى وإفرايم. وكانت شيلوه المركز المقدَّس لكل القبائل إذ وُضع فيها تابوت العهد. ولكن هناك نظرية تذهب إلى وجود مراكز مقدَّسة أخرى مثل شكيم وجلجال ودان بحيث كان لكل قبيلة مركزها المقدَّس، وكانت شيلوه المركز المقدَّس للقبائل جميعاً. وجدير بالذكر أن العدد (12) رقم مفضل في العهد القديم، فهناك وعد من الرب لإبراهيم بأن يُخرج من نسل ابنه إسماعيل اثنتى عشرة قبيلة (تكوين 17/20) كما أن عدد أبناء يعقوب كان اثنى عشر أيضاً، وهو نفسه الرقم الذي يتكون منه اتحاد ملوك الحيثيين. وربما كان لذلك علاقة بعدد البروج والشهور في التقاويم الشهيرة. ومع هذا، تختلف الروايات في عدد القبائل على وجه الدقة، فأغنية دبوره (قضاة 5) تذكر عشر قبائل وحسب ولا تذكر يهودا أو شمعون. ويذكر موسى (تثنية 33) إحدى عشرة قبيلة إذ لا يذكر سيمون. وهناك قبائل ورد ذكرها ولم يُعرَف مصيرها، كما أن بعض المراجع التي حصرت كل الأسماء تذكر أن عدد القبائل يبلغ عشرين. ظل التقسيم القبلي هو النظام الاجتماعي القائم في فترة القضاة (1250 ـ 1020 ق. م) ، والذي استمر إبّان نظام الملكية بعد أن قام داود وسليمان بتوحيد القبائل تحت حكم ملكي شمولي. ولذا، فبعد أن أُقيمت المملكة العبرانية المتحدة، ما لبثت هذه المملكة أن انقسمت إلى مملكتين: الشمالية والجنوبية. وكانت المملكة الجنوبية (يهودا) تضم قبيلتي يهودا وبنيامين، بينما ضمَّت المملكة الشمالية (يسرائيل) القبائل العشر الباقية. ويبدو أن الوحدة بين هذه القبائل كانت ضعيفة للغاية، فالمعارك التي يرد ذكرها في سفر القضاة تدل على أن القبائل لم تشترك جميعاً في معركة واحدة. وهذا أمر طبيعي في أي اتحاد قبلي، وإن كانت المراجع الصهيونية التي تحرص على إبراز مفهوم الوحدة اليهودية تحرص على إخفائه. بل كانت المعارك تنشب أحياناً بين هذه القبائل كما حدث أثناء حكم القضاة حينما نشب صراع بين سكان منطقة جلعاد (قبيلة رؤوبين وجاد ونصف قبيلة منَسَّى) وقبيلة إفرايم. وقد هُزمت قبيلة إفرايم في هذه المعركة وذُبح كثير من أفرادها بعد أسرهم. وقد جاء في العهد القديم (قضاة 7/8، 12) أنه كلما كان يدَّعي أحد أفراد قبيلة إفرايم أنه من جلعاد كان يُطلَب منه أن ينطق بكلمة «شبُولت» أي «سنبلة» ، فإن فشل في ذلك، بسبب اللهجة التي كانوا يتحدثون بها، كان يُذبَح. وهذا يدل على تلك الرغبة في الاستقلالية والتمييز بين القبائل المختلفة، كما يدل على قوة تأثير البيئة الكنعانية في مختلف القبائل بحيث كانت كل قبيلة تتبع اللهجة السائدة في المنطقة التي استقرت فيها. وقد هاجمت دبوره في أغنيتها (قضاة 5/24) سكان جلعاد وقبائل رؤوبين ودان، وأشارت إلى أنهم لم يهبّوا لنجدتها. ويذهب بعض العلماء إلى أن مرحلة القضاة لم تشهد ظهور قيادات قومية لكل القبائل إذ كانت لكل مجموعة من القبائل قيادتها المستقلة. ويبدو أن المحرِّض الأساسي على الصراعات والحروب كان قبيلة إفرايم التي كانت تخشى على مكان الصدارة الذي كانت تحتله. وهذا ما حدث بالفعل بعد اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة خلال عصر داود وسليمان. فبعد موت سليمان، استقلت عشر قبائل تحت قيادة إفرايم (928 ق. م) وكوَّنت المملكة الشمالية التي كان لها استقلالها السياسي وبالتالي الديني، وذلك باعتبار أن الدين والسياسة كانا متداخلين في العالم القديم، كما كان الاستقلال الديني مظهراً من مظاهر الاستقلال السياسي. منسَّى (منسه) Menasseh «منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» وهو اسم الابن البكر ليوسف. كما يُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها في الأرض موقعاً على ضفتي نهر الأردن. وكانت منَسَّى من القبائل الأولى التي هجَّرها الآشوريون. رؤوبين Reuben «رؤوبين» هو اسم عبري معناه «انظروا الابن» وهو الابن البكر ليعقوب وليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها من الأرض في شرق الأردن على البحر الميت. وكانت رؤوبين من أوائل القبائل التي هُجِّرت. شمعون Simeon «شمعون» اسم عبري معناه «سماع» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة، ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي لم يَحصُل أفرادها على نصيب من الأرض التي فُتحت، فسكنوا مدناً في أرض يهودا ثم استولوا على بعض المواقع من جبل سعير. يسَّاكر Issachar «يسَّاكر» اسم عبري معناه «يعمل بأجرة» ، أو «يرتزق» هو اسم لأحد أبناء يعقوب من ليئة. وأُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي امتدت الأرض التي أُعطيت لها من جبل الكرمل إلى نهر الأردن. زبولون Zebulun «زبولون» اسم عبري معناه «سكن» أو «إقامة» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. كانت أرض هذه القبيلة تقع في أقصى الشمال، واشترك أفرادها مع كلٍّ من دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين. ولم يلعبوا دوراً مهماً في تاريخ العبرانيين. بنيامين Benjamin «بنيامين» اسم عبري معناه «ابن يدي اليمنى» . وهو اسم ابن ليعقوب من راحيل. وقد أُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي استقرت في جنوب فلسطين، وكان أفرادها مشهورين بشدة بأسهم وقوة بنيتهم. كان منهم أول ملوك العبرانيين. وكانت مدينة القدس وبيت إيل داخل حدودهم. وجاء في سفر القضاة أن القبائل تحالفت ذات مرة ضدَّهم وكادت تفنيهم عن آخرهم، وقد انضمت قبيلة بنيامين إلى يهودا حين انفك اتحاد القبائل داخل المملكة العبرانية المتحدة. دان Dan «دان» اسم عبري معناه «القاضي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. وهو اسم إحدى القبائل العبرانية التي استقر أفرادها في وسط فلسطين من جهة الغرب. طردهم الفلستيون من هذه الأرض فاستوطنوا بقعة في الشمال بعد أن أبادوا سكانها الأصليين. ومنهم شمشون. نفتالي Naphtali «نفتالي» اسم عبري معناه «مصارعتي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. ويُطلَق هذا الاسم على قبيلة عبرانية، كان نصيب أفرادها في الأرض وادي الليطاني والأردن وبحيرة طبرية. جاد Gad «جاد» اسم عبري معناه «طالع حسن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفه. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. وقد كان نصيب قبيلة جاد في شرق الأردن، كما اشتمل على الجزء الجنوبي من جلعاد. آشير Asher «آشير» اسم عبري معناه «سعيد» أو «مغتبط» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفة. كما أنه اسم إحدى القبائل العبرانية. امتدت المنطقة التي خُصِّصت لهم على ساحل البحر الأبيض من جنوب الكرمل إلى حدود صيدون (صيدا) . ولم تتمكن قبيلة آشير من طرد الكنعانيين من المدن الساحلية مثل عكا وصور وصيدون. وكانت معظم المنطقة المعيَّنة لهم في يد الفينيقيين حتى عصر داود وسليمان. ولم تشترك قبيلة آشير في حرب دبوره وباراق ضد الكنعانيين. إفرايم Ephraim «إفرايم» كلمة عبرية معناها «الثمار المضاعفة» . وهو اسم أحد أبناء يوسف وأسنات، وهو اسم إحدى القبائل العبرانية. أما المنطقة التي عُيِّنت نصيباً لهم فكانت تقع في القسم الأوسط غربي فلسطين، وكانت شيلوه من أهم مدن إفرايم. ساعد الإفراميون دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين، ومنهم صموئيل. ويبدو أن هذه القبيلة كانت تتنازع القيادة مع قبيلة يهودا. ولذا، فقد تزعَّمت حركة الانشقاق بعد موت سليمان. ويُشار إلى المملكة الشمالية باعتبارها مملكة إفرايم. اللاويون Levites «لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وفي الإنجليزية، يَرد هذا الاسم في صورة «ليفي» . ولاوي ثالث أبناء يعقوب من ليئة، ويُطلَق اسمه على إحدى القبائل العبرانية الاثنتي عشرة، نصَّبهم موسى ليخدموا في خيمة الاجتماع مكافأة لهم على رفضهم الاشتراك في عبادة العجل الذهبي واشتراكهم في ذَبْح عبدته. وقد أُوكلت إلى كل عائلة من قبيلة لاوي مهام وواجبات محددة تتصل بنقل وجمع أجزاء خيمة الاجتماع إلى البرّية، وتعليم أفراد الشعب الشريعة. واختصت عائلة هارون ونسله بالخدمة داخل الخباء نفسه، وهو الهيكل فيما بعد. أما اللاويون، فقد كانوا متوسطين بين الشعب والكهنة ولم يجز لهم أن يقدموا ذبائح أو يحرقوا بخوراً أو يشاهدوا الأشياء المقدَّسة إلا مغطاة. ولذلك، حينما يحل وقت قراءة التوراة في الصلوات اليهودية بالمعبد اليهودي، ينادى على من يُتصور أنه من نسل الكهنة أولاً، ثم يُنادَى بعد ذلك على اللاويين. وبعد تسلل القبائل العبرانية في أرض كنعان واستيطانهم إياها، قام يشوع بن نون بتوزيع القبائل للانتشار في الأرض. كما قام، حسب الرواية التوراتية، بتقسيمها بينهم دون اللاويين الذين لم ينالوا أي نصيب منها إذ أعطاهم ثماني وأربعين مدينة صغيرة في فلسطين بأسرها، وهي المدن الحرة أو مدن الملجأ التي يلجأ إليها القتلة إلى حين محاكمتهم، فإن كان القتل بالصدفة ظل القاتل في المدينة، أما إذا كان متعمداً فإنه يسلم للقبيلة للقصاص. ويذهب بعض العلماء إلى أن اللاويين لم يرتبطوا بأية أرض على الإطلاق لأن هذا لا يتفق مع مهامهم الكهنوتية. ويذهب فريق آخر إلى أن اللاويين لم يكونوا قبيلة، وإنما كانوا يضمون ممثلين لكل القبائل. وكان نظام الكهنة اللاويين قائماً على النظام الذي اتبعه الكهنة المصريون في تمثيل كاهن لكل معبد من معابد مختلف الآلهة المصرية في مصر القديمة، ومتفقاً أيضاً مع طبيعة النظام الديني قديماً في مصر وبلاد الرافدين على السواء حيث كانت هناك أسرة معيَّنة تختص بتَوارُث مهمة الكهانة وتطويع العلاقة بين الرب والمؤمنين ليتم التعبير عنها من خلال الكهنة وحدهم. وكانت العلاقة بين اللاويين والكهنة غير مستقرة، فسفر التثنية يتحدث عن ضرورة أن ينضم اللاويون إلى صفوف الكهنة. ولكن يبدو أن السلطة الكهنوتية في القدس رفضت انخراطهم في سلكها ووضعتهم في منزلة متدنية في عبادة يسرائيل القربانية لأنهم اندمجوا مع الكنعانيين، وهكذا تم الفصل بين اللاويين والكهنة. ويُلاحَظ أن اللاويين في عهد داود كانوا يُقسَّمون إلى أربعة أقسام: 1 ـ مساعدي الكهنة. 2 ـ القضاة ومندوبيهم والكتبة. 3 ـ البوَّابين. 4 ـ الموسيقيين. وبهذا المعنى، يمكن الحديث عن اللاويين باعتبار أنهم قبيلة/طبقة وأنهم في مرحلة من المراحل أصبحوا الطبقة الحاكمة بمعنى الكلمة، وكذلك أداتها التنفيذية وجهازها الإداري، فمنهم الشرطة والقضاة والكتبة. ولذا، فإننا نجد أن يُربعام الأول، لتأكيد استقلاليته وأمنه الداخلي، قام بطرد اللاويين من مملكته. وقد تحسَّن وضع اللاويين بعد العودة من بابل إذ أصبح الكهنة واللاويون يعودون بأصلهم إلى مصدر واحد وإن ظل الكهنة يشغلون أهم الوظائف الكهنوتية. لاوي Levi «لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من ليئة. وقد أُطلق اسمه على إحدى القبائل العبرانية، ألا وهي عشيرة موسى وهارون التي كانت لها الزعامة الدينية والاجتماعية على سائر القبائل. ويُقال لأفراد هذه القبيلة «اللاويون» ، ومنهم الهارونيون الذين اضطلعوا بدور الكهنة. يهودا (قبيلة) Judah (Tribe) «يهودا» اسم عبري مأخوذ من اسم يهودا رابع أبناء يعقوب وليئة. والاسم يعني «الشكر لله» . وقد كان يهودا هو الذي اقترح على إخوته ألا يذبحوا يوسف وأن يكتفوا ببيعه، كما كان قائد رحلة أسرة يعقوب إلى مصر. تزوج يهودا امرأة كنعانية، وتنتسب إليه أكبر قبائل العبرانيين وأهمها، وهي قبيلة داود التي سيأتي منها الماشيَّح وشعارها الأسد، ومن هنا يُقال «أسد يهودا» . وقد سُمِّي كل العبرانيين «اليهود» نسبة إلى هذه القبيلة بعد شيوع اسمها جغرافياً في المنطقة الجنوبية. وقد ارتبط الاسم بمفهوم بيت يهودا بالمعنى الديني السياسي. وكانت قبيلة يهودا في صراع دائم مع قبيلة إفرايم من أجل الرئاسة والسيطرة على القبائل. والصيغتان «يهودا» و «يهوذا» متداولتان في اللغة العربية، ولكننا في هذه الموسوعة نقتصر على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كلٍّ من الشخصية التوراتية التي تحمل هذا الاسم، والقبيلة أو المنطقة أو الدولة التي كانت تُدعَى كذلك. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
القضاة (1250-1020ق. م)
Judges تستخدم كلمة «قاضي» (بالعبرية: شوفيط) في المؤلفات الدينية اليهودية لتشير إلى معنيين، عام وخاص: المعنى العام هو القاضي الذي يحكم بين الناس، وبهذا المعنى يكون موسى أول القضاة، ثم خلفه في القضاء رؤساء العشائر وشيوخ المدينة. وكان الملك في التاريخ العبراني القديم يُعَدُّ من القضاة أيضاً، يحكم معه مجموعة من القضاة يكوِّنون مجلساً وعليهم استشارة الأنبياء والكهنة. وقد استمر هذا الوضع حتى التهجير البابلي. ولكن كلمة «قاض» لها معنى آخر في تاريخ العبرانيين القدامى، فهي تشير إلى ما يمكن تسميتهم «شيوخ القبائل» . وهؤلاء أشخاص من الكهنة المحاربين جمعوا بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وسيطروا على أمور القبائل العبرانية بعد وفاة يشوع بن نون وحتى قيام حكم شاؤول أول ملوك القبائل العبرانية، وهي فترة تمتد حسب سفر القضاة نحو أربعة قرون. ولكننا إن قبلنا بأن واقعة الخروج أو الهجرة من مصر حدثت عام 1275 ق. م، وأن شاؤول تُوِّج ملكاً عام 1020 ق. م، فإن هذا يعني أن عصر القضاة لم يزد على قرنين ونصف من الزمان. والواقع أن القبائل العبرانية حينما تسللت إلى أرض كنعان حوالي 1250 ق. م، لم تكن هناك وحدة قومية متماسكة وإنما كانت هناك مجموعة من القبائل المتناحرة فيما بينها على نحو ما حدث حينما قام صراع بين سكان منطقة جلعاد وقبيلة إفرايم. ولم تكن هناك سلطة مركزية لهذه القبائل إذ كان الحكم فيها يقوم على أساس الحكم الأبوي والأسري كما هو الحال في مجموعات القبائل المشابهة. كان شيوخ العشائر يجتمعون في مجلس من الكبراء كلما نشأت الحاجة إلى ذلك. وكان هذا المجلس هو الحكم الفصل في شئون القبيلة، وهو الذي كان يتعاون مع زعماء القبائل الأخرى. فإذا ما فشل القاضي أمام هؤلاء الزعماء، لجأ المتقاضون إلى القاضي الرئيس. ومع هذا، لم يكن طابع المجتمع قبلياً رعوياً محضاً، فقد ظهر حكم القضاة مع بداية استقرار العبرانيين بعد تسللهم إلى أرض كنعان واشتغالهم بالزراعة وتَحوُّلهم عن الرعي. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذه المرحلة هي التي تبنَّى فيها العبرانيون الأشكال الحضارية الكنعانية المختلفة، فتحوَّلوا من بدو رحَّل يتنقلون بالحمير إلى ممارسين للزراعة، وتعلموا استخدام الأدوات الزراعية وتخزين الحبوب ووضعها في أوعية، وبناء مأوى للحيوانات، وأتقنوا بناء المنازل والقرى والمدن والحصون، وطرق امتلاك وتأجير الأراضي وشراء الممتلكات واقتناء العبيد والجواري، كما أتقنوا أشكال التقاضي. وقد بدأت تظهر بينهم فكرة الملك المقدَّس. ومع هذا، ظل مستواهم الحضاري بسيطاً غير مركب، وظل مستواهم الاقتصادي متدنياً. وهذا يظهر بكل وضوح في التباين الشديد بين الأساسات جيدة الإنشاء، التي بناها الكنعانيون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبين أكوام الحجارة الفجَّة التي حلَّت محلها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد (بعد التسلل العبراني) ، وخصوصاً في بيت إيل. ولم يستطع العبرانيون السيطرة على كل أرض كنعان في تلك الفترة، وهذا يعني أن الوجود العبراني ظل وجوداً متقطعاً جغرافياً ومحاطاً بأقوام معادية مثل الكنعانيين والفلستيين استمرت في مقاومة العبرانيين قروناً عديدة. وقد أوقع الفلستيون هزائم شديدة بالقبائل العبرانية واستولوا على تابوت العهد، وخضع العبرانيون لحكمهم لبعض الوقت. وكانت دبوره من أولئك القضاة، وكذلك كان جدعون الذي رد هجوم المديَنيين، وشمشون الذي انتقم من الفلستيين، وصموئيل النبي، وشاؤول أول الملوك. ويشير العهد القديم إلى اثنى عشر قاضياً بعضهم يعاصر البعض الآخر. وبعد ذلك التاريخ، لم يَعُد القضاة هم القادة إذ بدأ حكم الملوك مع بقاء أشخاص يقومون بإصدار الأحكام الدينية والدنيوية. ويُوجَد في العهد القديم سفر يُسمَّى «سفر القضاة» يتناول تاريخ العبرانيين من الفترة السابقة على موت يشوع بقليل إلى آخر أيام شمشون. القاضي (ديان) Dayyan «ديان» كلمة عبرية معناها «قاضي» ، و «ديان» هو القاضي في محكمة حاخامية شرعية (انظر: «القضاء والمحاكم» ) . راعوث Ruth «راعوث» كلمة مؤابية ربما كان معناها «جميلة» . وراعوث أو «روث» هو اسم امرأة مؤابية تزوَّجت من عبراني من قبيلة يهودا. لجأ إلى مؤاب هو وأبواه وأخوه، ولكن الرجال الثلاثة تُوفُّوا ولم يبق سوى راعوث والأم نعمى التي أرادت أن تعود إلى بيت لحم حيث قومها، فأصرت راعوث أن تصحبها، ثم تزوجت من عبراني آخر هو بوعز وأنجبت منه عوبيد جد داود. ويُسمَّى سفر من أسفار العهد القديم باسمها وهو أحد الأسفار الخمسة (اللفائف الخمس) التي تُقرَأ في المعبد اليهودي في خمسة أعياد مختلفة، ويُقرَأ سفر روث في عيد الأسابيع. ويبدو أن كاتب هذا السفر كان غير مؤيد لحظر الزواج المُختلَط من الأجنبيات، فحاول أن يبيِّن أن بطل العبرانيين وملكهم تجري في عروقه دماء أجنبية. دبوره (القرن الثاني عشر) Deborah «دبوره» اسم عبري معناه «نحلة» . وهو اسم امرأة تُعتبَر من قضاة العبرانيين وأنبيائهم وقادتهم العسكريين. كانت تقيم تحت نخلة سميت باسمها لتقضي بين العبرانيين. دعت باراق ليحارب يابين (أحد ملوك الكنعانيين) في حاصور، ويثور ضده بعد أن كسر شوكتهم عشرين عاماً (قضاة 4، 5) ، فالتقى جيش العبرانيين مع جيش الكنعانيين وانتصر عليه. وتُوصَف دبوره بأنها أم يسرائيل، ويُشار إليها كنبية رغم عدم وجود أية نبوءات لها أو أقوال تتعلق بالنبوة. ويُعَدُّ نشيد دبوره الذي يُنسَب لها (القضاة 5) من أقدم نماذج الشعر العبري القديم، لاحتوائه على عناصر لغوية ومجازية قديمة. وهي تُوجِّه اللوم في أغنيتها هذه لقبائل رؤوبين وجلعاد (أوجاد) ودان وآشير ولقبيلة أخرى تُسمَّى ميروز (لم تُذكَر في مكان آخر) لأنهم آثروا مصلحتهم على مصلحة القبائل الأخرى. ولا تذكر أغنيتها سوى عشر قبائل أو تسع إن اعتبرنا إفرايم ومنَسَّى قبيلة واحدة، فلا يأتي ذكر لقبيلتي شمعون أو لاوي لأنهما ربما كانتا قد تشتتتا في ذلك الوقت، أو لعلهما كانتا تعيشان في عزلة مع قبيلة يهودا في الجنوب، أو لعلهما لم تكونا بعد قد استوطنتا أرض كنعان. جدعون (1150ق. م) Gideon «جدعون» اسم عبري معناه «خاطب» أو «قطع بشدة» ، وجدعون هو اسم أحد قضاة العبرانيين من قبيلة منَسَّى ويُقال إنه جاء بعد دبوره (1150 ق. م) عندما هزمت الكنعانيين، الأمر الذي فتح الطريق أمام المَدْيَنيين وغيرهم. دعاه الرب، حسبما جاء في العهد القديم، إلى أن يدافع عن العبرانيين، فقام بتحطيم تمثال بعل الذي كان يعبده أبوه، وجمع رجالات قبائل منَسَّى وآشر وزبولون ونفتالي، فجاءه ثلاثون ألف رجل، حسب الرواية التوراتية، اختار منهم نخبة مقاتلة قوامها ثلاثمائة فقط، وهزم المديَنيين عن طريق الهجمات الليلية ونَصْب الكمائن واستخدم حرب المعارك الخاطفة. حاول العبرانيون تنصيبه ملكاً عليهم ولكنه رفض، وهذا يدل على أن العملية الاجتماعية التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تَحوُّل المجتمع العبراني من الرعي إلى نظام مستقر مبني على المدن الدويلات (كما هو شأن البيئة الكنعانية القائمة حينذاك) لم تكن قد اكتملت بعد. وبعد انتصاره على المديَنيين، أخذ جدعون أقراط الذهب التي غنمها منهم وصنع منها إيفوداً (صنماً) جعله في مدينته عفرة وعبده أعضاء جماعة يسرائيل كافة (قضاة 8/27) . وهذه حادثة تشبه حادثة العجل الذهبي، وهذا يدل على أن التوحيد لم يكن قد استقر بعد بين العبرانيين. ويقول أورد وينجيت الضابط البريطاني الصهيوني الذي قام بإرهاب العرب في الثلاثينيات من هذا القرن إنه استخلص كثيراً من حيله العسكرية من جدعون. شمشون Samson «شمشون» اسم عبري وهو تصغير لكلمة «شمس» ، وهو اسم لشخص يُشار إليه أحياناً بأنه آخر القضاة، فقد كان قاضياً من قبيلة دان مدة عشرين سنة، ولكن الكتب الدينية تشير إلى صموئيل أيضاً باعتباره آخر القضاة. وتحمل قصة شمشون منذ البداية، عناصر عجائبية كثيرة، فأمه كانت عاقراً مثل سارة ثم جاء ملاك الرب (كما في قصة إبراهيم أيضاً) ، فعرف أبواه قبل ولادته أنه سيصبح من المنذورين أي شخصاً يُكرس حياته للعبادة وينذرها للرب، فيمتنع عن شرب الخمر أو حلق رأسه أو لمس جلد ميت. وقد اشتهر شمشون بقوته الجسدية الخارقة. تدور حياته حول مجموعة من المغامرات مع ثلاث نساء فلستيات من غزة. فعند اكتمال شبابه تزوج من امرأة فلستية. وفي إحدى زياراته لها، قابل أسداً فصرعه ثم أكل نحلاً وجده في جثته فيما بعد، وقارع الفلستيين ببعض الأحاجي إذ سألهم: هل رأيتم نحلاً في فم أسد؟ فلم يستطيعوا الإجابة، ولكن زوجته أفشت لهم سرَّه فهجرها، وقتل ثلاثين فلستياً في عسقلون. وعندما عاد إليها، وجد أنها تزوجت من آخر، فأمسك ثلاثة من بنات آوى وأضرم النار في أذنابها وأطلقها على مزارع الفلستيين فاشتعلت فيها النيران. وقد أخذ الفلستيون في الانتقام من العبرانيين الذين طلبوا من شمشون أن يستسلم لهم ليسلموه إلى أعدائه ففعل (ولكن شمشون فك وثاقه وأمسك بفك حمار وقتل ألفاً منهم) . أما محور ثاني المغامرات في حياة شمشون، فهو قصته مع بغيّ من غزة كان يزورها. وبينما كان هو في منزلها، عرف الفلستيون بوجوده وأرادوا أن يفتكوا به وهو منهك القوى. ولكنه استيقظ مبكراً، وخلع بوابات غزة على كتفيه ووضعها على تل في حبرون (الخليل) . ثم وقع شمشون في غرام دليلة الفلستية التي يبدو أنها كانت بغياً هي الأخرى. وعرفت دليلة أن سرَّ قوة شمشون في شَعره لأنه كان نذير الرب وهو في بطن أمه. فأتى الفلستيون عليه وهو نائم وجزُّوا شعره وأوثقوه بسلاسل من نحاس وسملوا عينيه ثم أخذوه إلى غزة ووضعوه في السجن. وحينما أخرجوه ليسخروا منه في المعبد دفع شمشون العمودين فسقط المعبد عليه وعلى من فيه فماتوا جميعاً. وتفسير قصة شمشون في الكتابات الصهيونية يختلف عما في الكتب الدينية اليهودية. فالكتابات التقليدية تُفسِّر فعلته الأخيرة لا باعتبارها انتحاراً وإنما باعتبارها عودة للرب والرسالة الأولى وباعتبارها تعبيراً عن الندم. أما الكتابات الصهيونية، فترى في قصة شمشون دلالات وإيماءات تقترب من دلالات وإيماءات أسطورة ماساده بما فيها من تشجيع للتمركز الانتحاري حول الذات وتحذير من الاندماج مع الأغيار الذين تمثلهم النساء الفلستيات في هذه القصة. وفي الوقت المعاصر، تحمل التصريحات الإسرائيلية، بشأن حرب ذرية في الشرق الأوسط، طابعاً شمشونياً شديد الوضوح! ومع أن شمشون يشار إليه باعتباره آخر القضاة، إلا أنه لم يكن قائداً للشعب كبقية القضاة إذ كان يتميز بفرديته واتباعه لهواه. ويقول بعض العلماء إن قصة شمشون ما هي إلا أسطورة خاصة بالشمس، فشمشون هو الإله شميش وشعره هو أشعة الشمس، أما دليلة فتعني «ليلة» أي «الليل» ذلك الوقت الذي تتوارى فيه الشمس. كما يشير البعض الآخر إلى التشابه بين قصة شمشون وأسطورة هرقل، فكلاهما يصرع أسداً ويحطم أعمدة، وكلاهما تقضي عليه امرأة! ويمكن اعتبار قصة شمشون جزءاً من الموروث الشعبي الذي يهدف إلى إرضاء النفوس وتعويضها. والواقع أن بطل مثل هذه السير لابد أن يكون خارقاً للطبيعة في أسبابه وأفعاله مثل قتل ألف شخص بفك حمار. كما أن النهاية المزدوجة للقصة ذاتها (الانتحار والقتل) تعبير عن أحلام المسحوقين في أن الانفجار الأخير قد يقضي على الذات ولكنه يقضى على الآخر. ولا يُوجَد في القصة (كما وصلتنا) ما يمكن تسميته بعناصر عبرانية أو يهودية، فهذه العناصر هي في الواقع من التراث الشعبي العالمي. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية
Israelite Cult and the Central Sacrificial Cult «عبادة يسرائيل» أو «العبادة القربانية المركزية» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى ديانة العبرانيين (جماعة يسرائيل) منذ ظهورهم على مسرح التاريخ حتى التهجير البابلي. وقد اكتسبت هذه الديانة صفات محدَّدة أثناء فترة التجوال في الصحراء، وتعدلت بعد فترة التسلل في كنعان، ونضجت تحت تأثير رؤى الأنبياء، وفي فترة بابل. وبعد العودة من بابل، بدأت تنقيتها من العناصر القديمة. وبدأت عملية التحول على يد عزرا ونحميا، وساهم الفريسيون فيها، ثم قضى عليها هدم الهيكل تماماً حتى تحولت عبادة يسرائيل إلى العقيدة اليهودية أو اليهودية الحاخامية. وتعود عبادة يسرائيل إلى الديانات السامية القديمة، وهي ديانات حيوية حلولية تؤمن بأن العناصر الطبيعية، مثل الأحجار والمياه والأشجار والجبال، لها حياة مستقلة وتؤثر في حياة الأفراد. وتصل بعض هذه الكائنات إلى درجة خاصة من القداسة بحيث تحل فيها آلهة ينبغي على الإنسان أن يعبدها ويتقرب إليها. وتُعتبَر الطوطمية من المصادر الأخرى لعبادة يسرائيل، وهي الاعتقاد بأن حيواناً ما هو حامي القبيلة وربما سلفها أي جدها الأكبر. وتكتسب الآلهة في عبادة الساميين القدامى صفات إنسانية، فتتناحر فيما بينها وتنقسم إلى ذكور وإناث. ويبدو أن عبادة الأسلاف كانت، هي الأخرى، أحد المكونات الأساسية لعبادة يسرائيل. كما أن ثمة إشارات عديدة للتيرافيم (الأصنام) ، وهي تماثيل لها علاقة بالخصوبة بين الإناث. ورغم أن إبراهيم أول من رفض الشرك حسب التصور التوراتي، فإن العهد القديم يقرر أيضاً أن التوحيد الحق جاء بعد خروج العبرانيين (أو جماعة يسرائيل) من مصر. ففي هذه المرحلة يكشف يهوه عن نفسه لموسى أثناء إقامة العبرانيين في أرض مدين، وتدخل يسرائيل في ميثاق مع الرب (العهد) . وقد خطى التوحيد خطى واسعة بين العبرانيين، ولكن العبادة لم تكن توحيدية خالصة، بل كانت مقصورة على إله واحد، ولكن ثمة إشارات إلى أنه أعظم من الآلهة الأخرى. كما أن أعضاء جماعة يسرائيل كانوا دائمي العودة إلى طرق الشرك القديمة، فقد عبدوا العجل الذهبي وهم بعد في سيناء. وحينما تسلل العبرانيون إلى كنعان (فلسطين) (1250 ق. م) ، تراجع التوحيد عدة درجات، وبدأت الرؤية الحلولية تترسخ. فالعبرانيون كانوا رعاة ثم تعلموا الزراعة من الكنعانيين وتأثروا أيضاً بأعيادهم الزراعية إذ كان يستحيل فصل التكنولوجيا عن الدين في ذلك الوقت. ومن هنا، ظهرت الأعياد الزراعية المختلفة مثل عيد المظال. كما تَعلَّم العبرانيون بعض رقصاتهم ذات الطابع الجنسي الواضح، وبعض قوانين الطعام مثل عدم طبخ الجدي في لبن أمه، كما عرفوا كثيراً من الشعائر المرتبطة بالزراعة، وعبدوا آلهة كنعان الوثنية وسقطوا في الشرك الواضح. ومن هنا، كانت الثورة الدائمة من قبَل الأنبياء عليهم ودعوتهم إلى العودة إلى طريق التوحيد. وفي هذه العبادة، ظهرت خيمة الاجتماع، وكان تابوت العهد يُوضَع داخلها. وكانت هناك شعائر أخرى، مثل: الاحتفال بظهور الهلال ومجيء الربيع (عيد الفصح) ، والتضحية بكبشين في عيد الغفران، والختان. ويمكن على مستوى من المستويات أن نقسم عبادة يسرائيل إلى مرحلتين، تنتهي المرحلة الأولى (في 1000 ق. م) مع التسلل إلى كنعان، وبعد أن نُقلت العناصر الشعائرية من المدن المقدَّسة وتم تأسيس المملكة العبرانية المتحدة وتحويل أورشليم (القدس) إلى عاصمة لهذه العبادة وبناء الهيكل الذي أصبح مركز العبادة القربانية. ثم تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة العبادة القربانية المركزية. وكان الكهنة هم العمود الفقري في عبادة يسرائيل، والقائمين على العبادة القربانية. وقد تزايد نفوذهم بعد العودة من بابل وبعد أن بُعثت العبادة القربانية المركزية، وخصوصاً بعد اختفاء النظام العبراني للملكية التي لم يسمح الفرس بعودتها. وتتضح قوة الكهنة في جماعة الصدوقيين المرتبطة بالعبادة القربانية. ومن أهم سمات عبادة يسرائيل، تقديم القرابين (وقد كان ذلك يتم في الهيكل، ومن هنا جاءت التسمية) . وقد كانت تُقام شعائر يومية في الصباح وعند الغروب حيث كان الكهنة يقومون بتقديم حَمَل وقرابين أخرى للإله (كما كان الحال في ديانات الشرق الأدنى القديم) . وكانت القرابين أنواعاً مختلفة. وكلمة «قربان» كلمة سامية ويُقال لها أيضاً «منحة» . وتقديم القربان (البقر والخراف وبواكير الثمر) كان ضمن شعائر التقرب من الإله حيث يلعب الدم دوراً مهماً. ولذا، فقد كان الدم يُنثر على المذبح حتى نهاية مرحلة العبادة القربانية أو عبادة يسرائيل، وتُحرَق القرابين أمام الهيكل. وفي بداية الأمر، كان العبرانيون يقدمون القرابين في أي مكان ثم أصبح ذلك مقتصراً على الهيكل، وكانوا يضحون بالحيوانات (حيث كانت عملية التضحية تُسمَّى «زبَح» أي «الذبح» ) ، كما كانوا يتقدمون بالنباتات وبالطعام والبخور والخمور. وكانت هناك قواعد صارمة تتصل بعمر ولون الحيوان الذي سيُضحَّى به. وقد كان تقديم القربان هو الحدث اليومي عميق الصلة بالمعبد، فكان يُقدَّم واحد في الصباح وآخر في المساء، وكان يصحب القرابين احتفال طويل وشعائر يقوم بها الكهنة. وتُقسَّم القرابين إلى عدة أنواع، منها: قرابين التكفير، وقرابين السلام، والقرابين التي تُقدَّم عند ولادة البكر، وأعشار الحيوانات، والمحاصيل، وقربان عيد الفصح. وكان تقديم القرابين إلى يهوه يدل على الارتباط بين الشعب والإله وعلى وجود يهوه بين الشعب. وقد هاجم الأنبياء (وخصوصاً عاموس وإرميا) العبادة القربانية، وذكَّروا اليهود بأن أسلافهم لم يُقدّموا قرابين في الصحراء، وطالبوهم بأن يعبدوا الإله بقلوبهم وبالصلاة إليه (قربان الفم) . وقد انتهت عبادة يسرائيل، ومنها العبادة القربانية كما أسلفنا، بهدم الهيكل (70م) . ومع هذا، دوَّن الحاخامات القواعد الخاصة بتقديم القرابين بكل تفاصيلها، وذلك نظراً لإيمانهم بأن إعادة بناء الهيكل أمر سيتم في المستقبل. وقد حلَّت، في نهاية الأمر، شعائر الصلاة والصوم، التي كان بالإمكان إقامتها في المنزل والمعبد، محل العبادة القربانية التي كانت تدور حول الهيكل. ورغم أن النسق الديني اليهودي قد تَطوَّر بعيداً عن العبادة اليسرائيلية، فإن هذا التطور قد استغرق مرحلة زمنية طويلة. ولم يستقر كثير من العقائد الدينية الأساسية في اليهودية، مثل الإيمان بالثواب والعقاب والبعث، إلا في مراحل متأخرة، بل إن بعضها لما يستقر حتى الآن. وهذا يفسر عدم تَجانُس النسق الديني اليهودي (الخاصية الجيولوجية) وصعوبة تعريف الهوية اليهودية. وقد تركت عبادة يسرائيل (العبادة القربانية) أثراً عميقاً في التطور اللاحق لليهودية يتجلى في تركيزها الشديد والحرفي على الشعائر وعلى شكلها دون الاهتمام بالروح والمعنى. ومن المعروف أن ثُلث الأوامر والنواهي، وهي ستمائة وثلاثة عشر، تتناول العبادة القربانية وجوانب أخرى من العبادة في الهيكل. كما أن جزءاً من التلمود والصلوات اليومية مرتبط بالعبادة القربانية. ويبدو أثر العبادة القربانية في الاهتمام الشديد بقواعد الطهارة والنجاسة في اليهودية. وقد تَركَّز هجوم السيد المسيح على اليهودية في هذه الناحية. ولعل هذا الجانب في اليهودية هو ما يُفسِّر سبب تَأخُّر صياغة العقائد اليهودية حتى ظهور سعيد بن يوسف الفيومي ثم موسى بن ميمون. وتدور اليهودية الحاخامية حول طريقة العبادة لا حول مضمونها. فعلى سبيل المثال، يجب على اليهودي أن يغسل يديه قبل الأكل وبعده، ويتلو المؤمنون بالقبَّالاه أدعية يُفهَم منها أنها مُوجَّهة إلى كل من الإله والشيطان كقوتين متساويتين. لكن مثل هذا الدعاء، لأنه ينصرف إلى المعنى وحسب، ليس مهماً، فما يهم هو الطريقة نفسها التي يتم على أساسها غسل اليد. ويظهر هذا بشكل أكثر وضوحاً في الشماع، فاليهودية الأرثوذكسية أعطتها معنى مختلفاً تماماً عن معناها في التراث القبَّالي، ثم جاءت اليهودية المحافظة وأعطتها معنى ثالثاً. ولكن، من منظور شعائري، لا تهم الاختلافات في المعنى والتفسير، فما يهم هو طريقة تلاوة الشماع. ولذا، لا يعترض الأرثوذكس على التفسيرات القبَّالية التي تعطي مضموناً غير توحيدي لشهادة التوحيد اليهودية، ولكنهم يعترضون وبشدة حين يتلون الشماع بالإنجليزية، أي حين يغيرون طريقة التلاوة. ويمكن القول، على مستوى من المستويات، بأن الصهيونية هي علمنة للعبادة القربانية الحلولية، فقد جعلت من الدولة شيئاً يشبه الهيكل القديم (يطلق الصهاينة على إسرائيل مصطلح «الهيكل الثالث» ) ، حل فيها الإله وهي محط اهتمامهم أينما وُجدوا، ولا يهم إن كانوا يعبدون الإله أو لا وإنما المهم هو تقديم القرابين إلى هذا الوثن الجديد. وتأخذ القرابين الآن شكل شيك يُدفَع للمنظمة الصهيونية العالمية فيما يُسمَّى «يهودية دفتر الشيكات» . وقد تحولت المعابد اليهودية إلى ما يشبه الفروع للهيكل الجديد في محاولة لتجنيد اليهود للعبادة القربانية الجديدة. ولعل نجاح هذه العبادة يعود إلى أنها تستطيع التعايش مع الرؤية العلمانية الشاملة، فهي لا تتحداها ولا تطلب إلى المؤمن أن يغيِّر سلوك حياته. وعلى كلٍّ، فإن كليهما يرى القداسة شيئاً كامناً في المادة غير متجاوز لها. وقد سجَّل كثير من الحاخامات احتجاجهم على هذا الاتجاه الذي سيودي بالديانة اليهودية كعقيدة، إذ أن يهود الولايات المتحدة يعبِّرون عن يهوديتهم لا عن طريق الإيمان بالقيم الدينية اليهودية أو الالتزام بها وإنما عن طريق تقديم القربان/الشيك. وقد أطلق أحد الحاخامات على الصهاينة لقب «يهود النفقة» ، وهو ما يعني أن اليهود يدفعون نفقة لمطلقتهم، ربما لاتقاء شرّها! وقد بدأت خطوات جادة نحو إعادة العبادة القربانية والهيكل في إسرائيل. وهناك مدرستان تلموديتان تضمان مائتي دارس يتعلمون التفاصيل المركبة الخاصة بالعبادة في الهيكل. كما أن هناك جماعات أخرى تَدرُس أنساب الكهنة اليهود حتى يمكن تحديد الشخص المُؤهَّل لتقديم القرابين. ولقد عُقد في عام 1990 مؤتمر يضم اليهود الذين يعتقدون أنهم من نسل الكهنة. وهناك معهد خاص يُسمَّى «معهد الهيكل» قام بأبحاث وأعد ثمانيا وثلاثين من الأدوات اللازمة لإقامة العبادة القربانية، وهو في طريقه إلى إعداد الأدوات الخمس والستين المتبقية. كما تم إعداد الملابس اللازمة للكهنة، وهي ملابس تُنسَج يدوياً من التيل. القرابين Sacrifice انظر: «عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية» . الكهنة والكهانة Priests and Priesthood الكاهن في العبرية هو «كوهين» وهو سبيل الكهانة: الأداة المقدَّسة المختارة للوساطة بين الإنسان والخالق. ويرتبط تاريخ الكهانة بين العبرانيين بظهورهم في التاريخ إذ يبدو أن كل رب أسرة عبرانية، وأول الذكور فيها، كانا يقومان بدور الكهان. وقد ظل هذا الوضع قائماً حتى زمن الخروج من مصر أو الهجرة منها حين انحصرت الكهانة في قبيلة اللاويين، لأن آباءهم رفضوا عبادة العجل الذهبي. ولكن يبدو أن أسرة هارون كانت تشغل، في بداية الأمر، مركزاً متميِّزاً داخل قبيلة لاوي، فقد كان أعضاؤها المسئولين الفعليين عن الأضاحي والإشراف على الطهارة. وفي معظم الأحيان، كان يتم اختيار كبير الكهنة من بينهم، وقد كان كبير الكهنة هو الذي يتلفظ باسم الإله في قدس الأقداس. ويبدو أن هذا النظام مقتبس من النظام المصري القديم للكهانة في تخصيص أسرة للقيام بأعمال الكهانة وخدمة الدين والمعابد وبالجوانب السرية الخاصة في العلاقة بين الإله وأتباعه. وثمة نظرية تذهب إلى أن أسرة هارون كانت أصلاً أسرة كهنوتية مصرية. وقد ظهر تَوتُّر بينهم وبين بقية أعضاء القبيلة بسبب احتكارهم أهم الشعائر. ولكن الفريقين اندمجا بمرور الزمن وأصبح الكهنة العمود الفقري لليهودية، وخصوصاً بعد إنشاء الهيكل وتَمركُز العبادة القربانية حوله. وكانت الكهانة، باعتبارها السلطة الدينية، متداخلة تماماً مع السلطة الدنيوية كما هو الحال في عصر القضاة (حوالي 1250 ـ 1020 ق. م) . وبظهور حكم الملوك، أصبح رئيس الدولة هو الكاهن الأعظم. ولكنه، نظراً لانشغاله كان يُعيّن مندوبين عنه لممارسة هذه المهمة، فبدأ يظهر شيء من الانفصال بين السلطتين. ومع هذا، ظل الكهنة (ممثلو العبادة القربانية ومصدر أكبر دخل للدولة) قريبين من السلطة الدنيوية ومرتبطين بها أشد الارتباط. ولذا، كان الصراع ينشب دائماً بينهم وبين الأنبياء، وهم مفكرون دينيون أحرار جاءوا أساساً من صفوف الشعب. وقد زاد تداخل السلطة الدنيوية والسلطة الدينية في مرحلة ما بعد العودة من بابل إذ اضطلع كبير الكهنة بوظائف دنيوية باعتباره ممثلاً محلياً للقوة الإمبراطورية الحاكمة. كما اضطلع الكهنة بمعظم الوظائف الإدارية والسياسية نظراً لعدم ثقة الفرس في أبناء الأسرة الحاكمة العبرانية. واستمر نفوذ الكهنة في الإمبراطورية اليونانية قوياً، سواء في الشام أو في مصر، إذ كانوا يلعبون دوراً أساسياً في الحضارة الهيلينية. وكان الكاهن الأكبر يُعيَّن مدى الحياة. ولكن أنطيوخوس الرابع (السلوقي) (175 ـ 164 ق. م) أنهى هذه العادة، وأصبح من الممكن خلع الكاهن الأكبر وتعيين كاهن آخر. وقد ظهرت طبقة من الكهنة المتأغرقين الذين قاموا على خدمة الدولة الهيلينية، فأضعف هذا الوضع هيبة الكهنة وسلطانهم. ذلك أن الكهنة في الحضارة الهيلينية رغم أهميتهم، كانوا يُعَدّون بمنزلة الخدم لا القادة. وقد انعكس هذا على مكانة الكهنة اليهود. وحينما قامت الأسرة الحشمونية (164 ق. م) ، أصبح رئيس الدولة قائد القوات والكاهن الأعظم في آن واحد. وتُعَدُّ هذه الفترة الزمنية قمة ازدهار المؤسسة الكهنوتية. وظهرت إبان حكم الأسرة الحشمونية فرق يهودية مختلفة من أهمها الصدوقيون الذين كانوا أساساً من كبار الكهنة وأعضاء السنهدرين ويمثلون مصالحهم. وظهر في المقابل فريق الفريسيين الذين أكدوا الجانب الروحي في اليهودية على حساب الجانب القرباني مع أنهم كانوا يضمون في صفوفهم بعض الكهنة من متوسطي الحال. وقد ازداد الفريسيون شعبيةً وازداد الكهنة عُزلةً، وخصوصاً أنهم تحولوا إلى أُلعوبة في يد الحكام، وظهرت بينهم صراعات عديدة كما حدث في حالة الكاهن الأعظم أونياس الرابع الذي فرَّ إلى مصر وأسس هيكلاً وعبادة قربانية مستقلة فيها (145 ق. م) وذلك بتشجيع من البطالمة أعداء حكام فلسطين السلوقيين. وعند تَولي هيرود الحكم (37 ق. م) ، لم يكن بوسعه أن يضطلع بدور الكاهن الأعظم لأنه كان من أصل أدومي، فكان يعيِّن كبير الكهنة على هواه. وقد شهدت هذه الفترة تَزايُد انتشار اليهود خارج فلسطين بحيث فاق عددهم خارجها عدد من يقيمون داخلها. ومعنى هذا أن العبادة القربانية (ونخبتها الكهنوتية) فقدت كثيراً من مقومات وجودها. فهي تعتمد بالدرجة الأولى على جماعة بشرية متماسكة تعيش بجوار الهيكل أو حوله فتُموِّله، ويشكل هو رمز وحدتها القومية تحت حكم الإله القومي. ويُلاحَظ أن الاستقطاب الطبقي الذي كان يسم المجتمع العبراني اليهودي في ذلك الوقت، انعكس في صفوف الكهنة، وقوَّض نفوذ المؤسسة الكهنوتية في الداخل، فكانت الأرستقراطية الكهنوتية المتأغرقة (التي كانت تقيم في القدس) تختلف كثيراً في موقفها وموقعها عن فقراء الكهنة الذين كانوا يعيشون في الريف (السامي الآرامي) على عملهم وعلى الصدقات. وأثناء التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70) ، حينما سيطر الغيورون على القدس، قاموا بطرد الكهنة وذبحوا بعضاً منهم واختاروا كاهناً أكبر من بين فقراء الكهنة. ولذا، حينما هدم تيتوس الهيكل عام 70م، كانت الأوضاع التاريخية مواتية تماماً لاختفائهم ولظهور الحاخام باعتباره شخصية أساسية بين اليهود. ولعل أهم الأسباب الأخرى لاختفائهم هو تدوين الشريعة، إذ أصبح الكتاب المقدَّس مركز العبادة بدلاً من العبادة القربانية. وقد لعب الكهنة دوراً مهماً في تطوير اليهود واليهودية إذ وضعوا أنفسهم وسطاء بين الناس والإله، فلم تكن تُقبَل توبة ولا قرابين إلا إذا باركها الكاهن لأن مفتاح السماء كان في يده، ولم يكن أحد غيرهم يستطيع تفسير الطقوس أو الشعائر الدينية تفسيراً آمناً من الخطأ. وكانوا يفصلون في الأمور القضائية عن طريق استخارة الرب ويضطلعون بدور الطبيب (الساحر) الذي يشفي الأمراض. وكان فريق منهم يحمل تابوت العهد أثناء تجوال العبرانيين وحروبهم، ثم أصبحوا بعد ذلك كهنة الهيكل. ويبدو أن الكهنة مرتبطون بالعناصر الوثنية داخل النسق الديني اليهودي، فقبيلة لاوي كانت تقدِّس الحية. وقد أُدخل هذا التقديس على اليهودية، فأقاموا تمثالاً نحاسياً لها زاعمين أنها من عمل موسى، إلى أن أزالها حزقيا بن آحاز (ملوك ثاني 18/4) . كما نقل الكهنة كثيراً من العقائد الوثنية كتقديس بعض المرتفعات والأشجار، وهي عملية تركت أثرها في اليهودية. والكهانة اليهودية تُورَّث. وقد أدَّى هذا إلى أن الكهنة كونوا طبقة مغلقة لا يستطيع أحد من خارجها أن ينتمي إليها، حتى أصبحت كلمة «لاوي» مرادفة لكلمة «كوهين» . ولعل انغلاقهم هذا هو الذي أدَّى إلى تماسكهم وإلى دفاعهم عن العزلة الدينية اليهودية، وخصوصاً أنهم كانوا يكوِّنون بالمعنى الحرفي للكلمة طبقة لا يمكنها أن تحتفظ بوجودها إلا في ظروف الانغلاق. ولم يكن من حق الكهنة أن يرثوا مالاً أو يمتلكوا أرضاً. ولكنهم كانوا يُعفَون من الضرائب والإتاوات على اختلاف أنواعها، ويأخذون العشور على نتاج الضأن وأول ما يُحصَد من الأرض (بالعبرية: بكوريم) ، وينتفعون بما يبقى في الهيكل من القرابين. ومما يذكر، أن الكاهن كان عليه أن يحتفظ بطهارته فلا يتزوج من امرأة مطلقة ولا من زانية أو أرملة ولا من امرأة أبواها غير يهوديين بالمولد، أي أن طهارة الكاهن تقتضي أن يتزوج من امرأة طاهرة مثله تماماً. كما أن طهارة الكاهن تمنعه من لمس الموتى (إلا أقرب أقاربه) أو حتى السير فوق أرض دُفن فيها أحد. ورغم أن مؤسسة الكهانة قد اختفت في اليهودية تماماً مع هدم الهيكل على يد تيتوس، ومع اختفاء العبادة القربانية، ومع أن اليهودية لا تقبل، على المستوى النظري، الوساطة بين الخالق والمخلوق، فإن مؤسسة الكهانة استمرت بعد أن أخذت شكلاً جديداً هو الحاخامية حيث يحل الحاخام محل الكاهن. ويعود هذا إلى الأسباب التالية: أ) رغم اختفاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية، إلا أن الرؤية الحلولية التي تشكل الإطار العقائدي لمؤسسة الكهانة ظلت قائمة بل زادت حدة. ولذا، تعمَّق الإحساس لدى اليهود بأنهم الشعب المختار، وأنهم أمة من الكهنة والقديسين والأنبياء اختارهم الإله ليكونوا بمنزلة الكهنة للشعوب الأخرى. ب) بانتشار اليهود خارج فلسطين وتحوُّلهم إلى جماعات وظيفية منعزلة مغلقة، تشابكت السلطة الدنيوية والسلطة الدينية مرة أخرى حتى أن الحاخام (مع أنه لم يكن كاهناً) كان القائد الديني الفعلي للجماعة اليهودية الذي يقوم بشئون الإفتاء الديني والتجارة وإقراض المال والأعمال المالية والقضاء والزواج وفض المنازعات والإشراف على تنفيذ القوانين الخاصة بالطعام وبالعديد من المهام الدينية الاجتماعية الأخرى. ومن الصعب تحديد مَن من نسل هارون ومَن من قبيلة اللاويين في وقتنا الحاضر، إذ تُوجَد قطاعات كبيرة من اليهود، وخصوصاً اليهود الأرثوذكس، يؤمنون بأن كل يهودي يُسمَّى «كوهين» لابد أن يكون من نسل اللاويين، وكذلك كل من يدعى «كاتس» ، باعتبار أن اسمه اختصار لتعبير «كوهين تساديك» ، وكذلك من يدعى «سيجال» فهو اختصار «سيجان ليفي» أي «نائب اللاوي أو مرافقه» . ومن المفروض أن كل اليهود الذين يحملون هذه الأسماء تنطبق عليهم قوانين الكهانة، فهم يقفون في المعابد اليهودية أثناء صلوات أيام الأعياد وفي أيام السبت فيغطون وجوههم ويباركون الناس، ولهم الأولوية في أن يقرأوا التوراة في المعبد متخطين بقية المصلين ومنهم اللاويون. ولا يزال الكهنة يتلقون ما يُسمَّى «فدية البكريّ» . ففي الماضي كان على اليهودي أن يكرس ابنه البكر لخدمة الرب، ولكن أُعفي أبكار الأسر من هذه المهمة بعد قيام سبط اللاويين بأعباء الكهانة نظير فدية يقدمها الآباء للكهنة عند إنجابهم أبكاراً ذكوراً. كما لا تزال قوانين عدم لمس الموتى قائمة، ولذلك تُخطَّط المدافن اليهودية بطريقة تجعل بإمكان الكاهن أن يزور أقاربه دون أن تُدنَّس طهارته. وتُسبِّب كل هذه الشعائر مشاكل للدولة الصهيونية. فعلى سبيل المثال، ونظراً لأن من المحظور أن يجمع سقف واحد بين الكاهن وجثة ميت، فقد اضطرت مستشفى الهاداساه في إسرائيل إلى استخدام أبواب دائرية للمشرحة الملحقة بالمستشفى حتى تكون بمنزلة حاجز دائم بين الكاهن الذي يزور أقاربه في المستشفى والجثث الموجودة في المشرحة، فالباب العادي لا يمكنه أن يؤدي هذه الوظيفة الدينية. وقد واجه الإسرائيليون المشكلة نفسها بشكل آخر بعد استيلائهم على طريق القدس - الخليل، فهذا الطريق قد بناه العرب دون أي اعتبار للتحريمات اليهودية الخاصة بالكهانة. ولهذا، فإن الطريق يمر ببعض المقابر اليهودية، الأمر الذي يجعل استخدام هذا الطريق غير الطاهر محظوراً على الكهنة. ولهذا، فقد ثُبتت لافتة تعطي إشارات إلى طريق بديل «طاهر» . ولا تزال قوانين الزواج الخاصة بالكهنة سارية المفعول، وهو ما يُسبِّب زيادة المامزير أي الأطفال غير الشرعيين في إسرائيل، ويجعل الحياة صعبة لكل من يحمل اسم «كوهين» أو «سيجال» أو «كاتس» ، وخصوصاً أن كثيراً منهم لا يعرف هذه القوانين اليهودية. ولا تعترف اليهودية الإصلاحية أو المحافظة بأي قانون من قوانين الكهنة هذه. وقد بدأت الدولة الصهيونية في العودة إلى شيء يشبه العبادة القربانية التي تدور حول الهيكل، ومن ثم عاد الاهتمام بالكهنة. وتُوجَد مدرستان تلموديتان بالقرب من حائط المبكى يدرس فيهما نحو مائتي طالب شعائر العبادة القربانية للقيام بها عند إعادة تشييد الهيكل. وقد بدأت مجموعة من الإسرائيليين في البحث عن شجرة العائلة الخاصة بالكهنة اليهود حتى يتم تقرير من هو المؤهل للقيام بهذه الشعائر (لعله يكون من نسل هارون أو صادوق) . كما عُقد عام 1990 مؤتمر في إسرائيل لليهود الذين يعتقدون أنهم من أصل كهنوتي. وبدأ معهد الهيكل في إعداد الملابس الخاصة التي يتعيَّن على الكهنة ارتداؤها. كوهين Cohen «كوهين» كلمة عبرية تعني «كاهن» ويُعتبَر حامل هذا اللقب سليل الكهنة ومن نسل هارون أخي موسى الكاهن الأعظم. وتنطبق عليه المحظورات المختلفة مثل ضرورة أن يتزوج من عذراء فلا يتزوج مطلقة، وأن يتمتع بكل المزايا كأن يقوم بتلاوة التوراة في المعبد اليهودي. ومن الأسماء الأخرى المرادفة لكلمة «كوهين» في المعنى، كلمة «كاهن» و «كوهان» و «كاجان» و «كان» و «كوجين» و «كون» و «كوون» و «كوين» و «كوفين» . وأحياناً يُترجَم الاسم فيقال مثلاً «أجرانات» ، وهي ترجمة روسية لكلمة «هاروني» أو من «نسل هارون» . وكلمة «كاتس» اختصار لكلمة «كوهين تساديك» أي «كاهن الاستقامة والتقوى» ولها نفس دلالة كلمة «كوهين» ، وأحياناً تُزاد الصيغة لتصبح «كاتزنلسون» أو «كاتسمان» أو «كاتزنشتاين» أو «كوهنهايم» أو «كوهنشتاين» . وهناك الكثير من اليهود يحملون مثل هذه الأسماء ولا يعرفون شيئاً عنها ثم يفاجأون بأنهم كهنة تنطبق عليهم المحظورات مثل عدم الزواج من مطلقة الأمر الذي يسبب لهم الكثير من المشاكل في إسرائيل. الكاهن الأعظم High Priest «الكاهن الأعظم» هو المقابل العربي للكلمة العبرية «كوهنْ هاجدول» وهو كبير موظفي الهيكل. وقد كانت وظيفة الكاهن الأعظم في الأصل مقصورة على أسرة صادوق من ذرية هارون. وهو الذي كان يدخل قدس الأقداس في يوم الغفران ليتفوه بالاسم المقدَّس، وكان هو أيضاً رئيس السنهدرين. ومع أن وظيفة كبير الكهنة كانت دينية، فقد كانت لها أبعادها الدنيوية، فالكاهن الأعظم كان يُعَدُّ من رجالات المملكة العبرانية وجزءاً من الأرستقراطية الحاكمة. ولعل هذا هو السبب في أن الصراع كان ينشب دائماً بينه وبين الأنبياء الذين كانوا يمثلون القوى الشعبية في كثير من الأحوال. وكان الملك يضطلع أحياناً بوظيفة كبير الكهنة كما فعل داود (1004 ـ 965 ق. م) (صموئيل ثاني 6/12ـ 19) . وفي الترتيب الهرمي للمجتمع العبراني، كان الملك يسبق الكاهن الأعظم في المنزلة، ولذلك خلع سليمان كبير الكهنة ونفاه. وفي حفل تكريس الهيكل، كان سليمان الموظف الأساسي، أما بقية الكهنة فكانوا يقومون بالأعمال الوضيعة. وقد جاء وَصْف الكاهن الأعظم وردائه في سفر اللاويين (16/11 ـ 17) . وكان الرداء يُسمَّى «إفود» ، وهو ثوب يشبه الصُّدرة، كان يلبسه رئيس الكهنة العبراني أثناء خدمة الكهنوت، وكان هذا الثوب يُصنع من كتان دقيق ومبروم بلون الذهب واللون الأزرق والأرجواني والقرمزي. وكان يُثبَّت على الجسم بواسطة شريطين للكتفين من فوق، وحزام من أسفل، وعلى كلٍّ من شريطي الكتف كان يوجد حجر جَزْع منقوشة عليه أسماء قبائل يسرائيل الاثنتي عشرة. وكان الثوب يتصل بالصدرة بواسطة سلاسل ذهب. وكانت الصدرة تحتوي على اثني عشر حجراً كريماً موضوعة في أربعة صفوف وفيها وسائل القرعة المقدَّسة: الأوريم والتُميِّم والتي كانت تُستخدَم في تَبيُّن إرادة الإله. وكان الكاهن يلبس تحت الإفود ثوب الإفود الأزرق الذي كان يمتد إلى قدمي الكاهن. وكانت الأحجار الاثنا عشر تحمل أسماء قبائل يسرائيل الاثنتي عشرة وتشير إلى أن الكاهن يمثل كل الشعب وأنه يُقدّم العبادة عنهم وباسمهم (خروج 28/31 ـ 35 و 39/22 ـ 26) . وحيث إن الهيكل لم تكن تتبعه أية أراض زراعية، كان اليهود يرسلون إليه التبرعات (نصف شيكل) وهو ما كان يُدر عليه مالاً وفيراً. كما أن بعض أثرياء اليهود، على عادة الأثرياء في الشرق الأدنى القديم، كانوا يودعون أموالهم فيه. وقد أدَّى هذا إلى تعميق البُعد الدنيوي لوظيفة الكاهن الأعظم لأن دخله كان يُعَدُّ أهم مصدر ليهود فلسطين. ومع دخول العبرانيين، ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد، في إطار الإمبراطوريات الكبرى (البابلية والفارسية واليونانية والرومانية) التي كانت تحتفظ لنفسها بسلطة القرار في الشئون العسكرية والخارجية وتترك للشعوب المحكومة شيئاً من الاستقلال الذاتي لإدارة شئونها الدينية والداخلية، بدأت وظيفة الكاهن الأعظم تكتسب أهمية متزايدة، وخصوصاً أن الفُرس كانوا يفضلون التعاون مع طبقة كهنوتية مأمونة الجانب على التعاون مع أرستقراطية عسكرية أو مع أعضاء أسرة داود المالكة. وبالفعل، تم تقسيم السلطة في فلسطين، فكان المرزبان (مندوب الإمبراطورية) يُمسك بالسلطة الدنيوية ويترك السلطة الروحية والشئون الداخلية في يد كبير الكهنة. وتَحوَّل اليهود إلى جماعة يرأسها الكاهن الأعظم حيث ورث شارة الملكية وأصبح يمسح بالزيت بدلاً من الملك. ولا يعني هذا أنه أصبح ملكاً وإنما يعني أنه أصبح يرأس نخبة حاكمة تضم اللاويين والكهنة وأثرياء اليهود الذين كانوا يقودون الشعب ويديرون شئونه الداخلية من خلال إطار تنظيمي هرمي لحساب الإمبراطورية الحاكمة. وقد اعترف البطالمة بهذا المنصب وبالمجمع الكبير، واعتبروهما ممثلين للشعب اليهودي وأعفوهما من الضرائب، واعترفوا بحرية اليهود في ممارسة شعائر أسلافهم. ولكن، ورغم قوة مركز الكاهن الأعظم، ظهرت مراكز قوة أخرى تعاون معها السلوقيون وهي طبقة أثرياء اليهود ملتزمي الضرائب والتجار وغيرهم ممن أصبح همهم السيطرة على منصب الكاهن الأعظم، ولذا كان يتم التعيين في هذا المنصب عن طريق الرشوة. وقد أصبح الكاهن الأعظم لا يعيَّن مدى الحياة، الأمر الذي زاد ضعفه. كما أن المنصب لم يَعُد مقصوراً على أسرة صادوق. وكانت الأسرة الحشمونية أسرة من الملوك الكهنة إذ كان الملك هو نفسه كبير الكهنة. فقد انتخب يوناثان شقيق يهودا المكابي قائداً وكاهناً أعظم (160 ـ 142 ق. م) . شهدت هذه الفترة ظهور فرقة الصدوقيين، وهم من كبار الكهنة ويمثلون مصالح فئتهم، حيث التفوا حول النخبة الحاكمة وتحالفوا معها. وفي مقابل ذلك، ظهر الفريسيون الذين كانوا يضمون في صفوفهم كثيراً من الكتبة شراح الشريعة الذين دافعوا عن الشريعة الشفوية. كما كانوا يضمون في صفوفهم فقراء الكهنة ومتوسطي الحال منهم. وقد عارض الفريسيون قيام ملوك الحشمونيين بحمل لقب كبير الكهنة. وانفصلت الوظيفتان بالفعل عام 63 ق. م في عهد هيركانوس الثاني. ومع احتدام الصراع الطبقي داخل المجتمع العبراني اليهودي في فلسطين، واحتدام الصراع بين القوى الدولية (السلوقيين ضد البطالمة والرومان ضد الجميع) ، احتدم الصراع حول منصب كبير الكهنة. ففرَّ الكاهن الأعظم أونياس الرابع إلى مصر وأسس بإيعاز من البطالمة هيكلاً (145 ق. م) وعبادة قربانية يهودية كان هو كاهنها الأعظم. وحينما تولى هيرود الحكم (37 ق. م ـ 4م) ، ولم يكن بوسعه أن يشغل هذا المنصب لأنه كان من أصل أدومي، حرص على السيطرة على كبير الكهنة فكان يعيِّن ويَعْزل كما يشاء. وحينما أصبحت فلسطين مقاطعة رومانية، أصبح الكاهن الأعظم مجرد موظف روماني، بل إن رداءه الكهنوتي كان عهدة عند الحاكم الروماني لا يعطيه للكاهن الأعظم إلا قبل الاحتفال بعيد الغفران على أن يستردها منه بعد ذلك مباشرة. وأصبح الكاهن الأعظم محطّ سخرية اليهود، فكانوا يُطلقون عليه النكات. وحينما نشب التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م) ، قام الغيورون بطرد الأرستقراطية الكهنوتية التي كانت تقيم في القدس، وذبحوا بعض أعضائها، واختاروا كبير الكهنة من صفوف الفقراء وبالقرعة. وكان هؤلاء الكهنة آخر من شغل هذا المنصب فبعد دخول تيتوس إلى القدس، وبعد تحطيمه الهيكل (70م) ، اختفت العبادة القربانية تماماً واختفى الصدوقيون وظهر الحاخامات باعتبارهم قوة ذات طابع ديني قوي واضح وطابع دنيوي خافت. بعل Baal «بعل» كلمة فينيقية تعني «السيد» أو «المولى» أو «الزوج» أو «المالك» أو «الرب» . ورغم أن مجمع الآلهة الكنعاني كان يترأسه «إيل» ، فإن ابنه بعل إله الخصب (الذي كان يُعرَف أيضاً باسم «هدد» ) كان يلعب الدور الأساسي في المجمع، وقد أصبحت كلمة «بعل» مرادفة لكلمة «إله» بحيث أصبح هناك «بعل شامَيم» (بعل السماء) ، أي «إله السماء» ، و «بعل هارعد» ، أي «إله الرعد» . وقد أصبح «بعل شاميم» الرب السامي الأسمى في الألف الأخير قبل الميلاد، كما أصبح تجسيداً للشمس والسماء ذاتها، ولذا فهو مانح المطر والشمس والخصب والمحصولات. كما كان لكل بلد إله يبدأ اسمه بكلمة «بعل» وينتهي باسم تلك البلد أو المدينة، مثل «بعل فغور» أو «بعل جرمون» . ولم يكن البعليم (جمع بعل) ، مثل يهوه، آلهة حرب، بل كانت آلهة طبيعة مسالمة تمثل قوى الخصب والحياة وتتزاوج فيما بينها، فهي تنقسم إلى ذكور وإناث، وكانت زوجة بعل تُسمَّى «بعلة» أو «عشتارت» أو «عشيراه» أو «عنات» . وكان الكنعانيون يختارون الأماكن المرتفعة، كالجبال والتلال، فيبنون عليها أبنية تصبح مذابح يخصصونها للإله. ومنذ دخولهم إلى فلسطين، أخذ العبرانيون عن الكنعانيين الكثير بما في ذلك الزراعة وعبادة بعل. وكانوا يعبدون يهوه وبعلاً جنباً إلى جنب. وقد سمَّى شاؤول أحد أبنائه يوناثان (أي: يهوه أعطى) ، وسمَّى الآخر إيشبعل (أي: رجل بعل) .كما أنهم عبدوا يهوه من خلال طقوس الخصوبة المرتبطة بعبادة بعل. وكان عامتهم يرون أن يهوه هو الإله القومي (إله التاريخ) ،وأن بعلاً هو مانح الخصوبة (إله الطبيعة) ، ولذا كانوا يلجأون إلى يهوه في المناسبات القومية وفي لحظات الأزمة ويلجأون إلى بعل في حياتهم اليومية. وقد حاول الأنبياء في القرن التاسع قبل الميلاد، ابتداءً من إلياهو على وجه الخصوص، إقناع الشعب بأن يهوه هو الإله القومي واليومي، وأنه هو إله الطبيعة والتاريخ. وربما كانت ثورة الأنبياء رد فعل لما قامت به إيزابيل، زوجة الملك آخاب، التي بنت معبداً للإله بعل بجوار معبد يهوه في السامرة، وبذا أصبحت عبادة بعل عبادة مستقلة. وبعد سقوط أسرة عمري، بدأ ياهو في تنقية العبادات. ومع هذا، استمرت عناصر من عبادة بعل، الأمر الذي اضطر معه أنبياء القرن الثامن قبل الميلاد إلى العودة للهجوم عليها مرة أخرى. وقد تركت عبادة بعل أثرها العميق في عبادة يهوه. والواقع أن الإشارة إلى يهوه بأنه «الأب» ،وإلى الإنسان بأنه «ابن الإله» ،هي أثر من آثار عبادة بعل. وقد تَطوَّر مفهوم الإله في العقلية الدينية اليسرائيلية بعد أن أصبح يهوه حاملاً لصفات البعولة (البعلية) وقدراتها. وتقترن عبادة بعل في الوجدان الديني الإثني اليهودي بالخروج من الانعزالية اليهودية لأن عبدة بعل يعبدون إله الأغيار. ويجب أن نتذكر أن اليهود الأوائل كانوا يؤمنون بإله قومي واحد ولم يكونوا موحدين. ولذا، فإن الاستنكار اليهودي لعبادة بعل ليس دينياً وحسب وإنما هو قومي أيضاً. وفي الأدب الصهيوني، يُقارن أعضاء الجماعات اليهودية المندمجون في مجتمعاتهم بعبدة بعل. العجل الذهبي Golden Calf «العجل الذهبي» تمثال من الذهب عبده أعضاء جماعة يسرائيل عند قاعدة جبل سيناء، عندما كان موسى يتعبد فوق الجبل. وعبادة العجل الذهبي تعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. وقد جمع هارون الحلي الذهبية منهم بعد إلحاح شديد منهم، وصهرها وصبها على هيئة تمثال كان يُعَدُّ تجسداً للإله. وقد غضب الإله على شعبه وقرَّر إبادتهم، ولكن موسى تضرع أمامه: «لماذا يارب يحمَى غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة، لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. ارجع عن حُمُوّ غضبك، واندم على الشر بشعبك ... فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه» (خروج 32/12ـ 14) . ويُلاحَظ أن احتجاج موسى على الرب ينبع من تَصوُّر حلولي له، أي أن كلاًًّ من الحادثة والاحتجاج عليها ينبعان من الرؤية الحلولية الكمونية نفسها. وقد حطَّم موسى لوحي الشهادة في لحظة غضبه، ثم أخذ العجل الذي صنعوه وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعماً وذَرَّاه على وجه الماء وسقى أعضاء جماعة يسرائيل (خروج 32/20) ، ثم قتل نحو ثلاثة آلاف رجل. وقد سبَّبت هذه الحادثة كثيراً من الحرج للحاخامات والمفسّرين اليهود بسبب اشتراك هارون في عبادة العجل (وخصوصاً أن اللاويين رفضوا الاشتراك في تلك السقطة) . ولم تكن عبادة العجول الذهبية أمراً غريباً في الديانة الكنعانية القديمة إذ كان الثور رمزاً محبَّباً للخصب، وكانت كلمة «إيل» تشير إلى الثور الأب في عبادتهم. ورغم الوصية الثانية من الوصايا العشر (خروج 20/4) ، فقد وجدت صور الثور وتماثيله طريقها إلى عبادات العبرانيين وفنونهم. ففي أيام سليمان، وقت بناء الهيكل، نجد أن الحوض المسمَّى «البحر المسبوك» أو «بحر النحاس» ، يصور المعاني الوثنية في الكون، إذ يرتكز على اثنى عشر ثوراً، كل ثلاثة منها تتجه صوب إحدى الجهات الأربع (ملوك أول 7/3: 26) . وقد بُعثت عبادة العجول الذهبية من جديد على يد الملك يربعام في دان وبيت إيل (ويُقال إن يربعام تعلَّم عبادة العجل من عبادة عجل آبيس في مصر، كما يُقال أيضاً إنها هي عبادة هاتور نفسها، البقرة المقدَّسة) . وثمة رأي يذهب إلى أن العجول لم تكن تجسيداً ليهوه وإنما كانت قاعدة لتمثال، لتجلٍّ غير مرئي ليهوه. وفي الدراسات اليهودية الحديثة، يكتسب العجل الذهبي دلالات مختلطة، فالصهاينة يستخدمونه رمزاً لليهود الذين يعيشون خارج الأرض المقدَّسة، ويرفضون الهجرة إليها بسبب المستوى المادي المرتفع الذي حققوه في المنفى. أما أعداء الصهيونية فيستخدمونه للإشارة إلى النزعة الحلولية الوثنية التي بعثتها الصهيونية بين اليهود والمتمثلة في عبادة العجل الذهبي الجديد، أي الدولة الصهيونية. وبعد حرب أكتوبر، شبَّه بعض الإسرائيليين نظرية الأمن الإسرائيلية بالعجل الذهبي باعتبار أنها أدخلت الأمن الزائف على قلوب الإسرائيليين. الترافيم (أصنام) Teraphim «ترافيم» كلمة مجهولة الأصل، وإن كان العَالم و. ف. ألبريت يرى أنها تعني «الخرق القديمة» وأنها من الجذر الكنعاني «ترب» ومعناها «يستهلك» . وقد أشار هوفنر إلى مصدر حوراني حيثي هو كلمة «تاربيس» أي (روح حامية أو شريرة) . وكانت تُعَدُّ إلهة الأسرة أو ربما إله خصب. والترافيم أصنام صغيرة، فقد خبأتها راحيل تحت حداجة الجمل وجلست عليها حين حاولت أن تسرقها من أبيها (تكوين 31/35) . وحسب القانون البابلي، كان لمن عنده آلهة الأسرة الحق في أن يرث نصيب البكر. ولكن يبدو أن بعضها كان كبير الحجم حيث وضعت ميكال الترافيم في مكان داود، فظن رسل شاؤول أنه نائم في فراشه (صموئيل أول 19/13) . ويبدو أن عبادة يسرائيل كانت تُحرِّم اقتناء أصنام الترافيم، وإن كانت لا تُمانع في ارتباط شخصيات العهد القديم بها. ومع هذا، فثمة إشارات أخرى في العهد القديم تساوي بين الترافيم وخطبة العرافة (صموئيل أول 15/23) وتبيَّن أن يوشيا في إصلاحه الديني أباد «السحرة والعرافين والترافيم والأصنام وجميع الرجاسات التي رئيت في يهودا وفي أورشليم» (ملوك ثاني 23/24) . ومع ذلك، فقد وُجد بين اليهود من يسأل عن الترافيم حتى بعد الرجوع من بابل. ولعل هذا التأرجح بين موقفين متناقضين تماماً هو تعبير آخر عن الخاصية الجيولوجية في اليهودية. الأفود (أصنام) Ephod «إفود» كلمة عبرانية لا يُعرَف معناها على وجه الدقة، وهي تُستخدَم في العهد القديم كمصطلح له معنيان مختلفان: 1 ـ فهو يجئ بمعنى صورة أو صنم تشبه الترافيم، في شكلها وطبيعتها ووظيفتها، كانت توضع في الهيكل. وقد صنع جدعون إفوداً لأعضاء جماعة يسرائيل وأضلهم (قضاة 8/24 ـ 27) . وقد صنع ميخا، من قبيلة إفرايم، إفوداً وترافيم. ويبدو أن الهيكل في نوب كان يضم، في زمن شاؤول، إفوداً خُبئ وراء سيف جوليات (صموئيل أول21/10) . وقد استمر استخدام الإفود حتى عصر الملوك. ولا نعرف بالضبط ما وظيفة الإفود، ويبدو أنها لم تكن موضع عبادة جماعة يسرائيل (على الأقل ليس دائماً) وإنما كانت تُستخدَم في معرفة المستقبل والتنبؤ به. وعلى أية حال، فإن استخدام صورة الزنى المجازية للإشارة إلى ما فعله أعضاء جماعة يسرائيل مع جدعون أمام الإفود يدل على قيامهم بشكل من أشكال العبادة الوثنية. 2 ـ المعنى الثاني يشير إلى رداء كان يرتديه الكاهن الأعظم. وقد ارتدى صموئيل إفوداً من الكتان وهو في شيلوه (صموئيل أول 2/18) . وكذلك داود، حينما أحضر تابوت الإله إلى القدس (صموئيل ثاني 6/14) . والإفود هو أيضاً رداء الكاهن الأعظم. والإفود بمعناه الأول، واستمرار وجوده، وارتباط جماعة يسرائيل به، يدل على أن عبادة يسرائيل القربانية كانت تتضمن عناصر كثيرة غير توحيدية. خيمة الاجتماع (خيمة الشهادة) Tabernacle; Sanctuary; Tent of Congregation «خيمة الاجتماع» أو «خيمة الشهادة» يقابلها في العبرية كلمة «مشكن» ، أي «مسكن» ، وكذلك «أوهيل موعيد» ، أي «خيمة الاجتماع» ، وهي خيمة أو خباء كان يحملها العبرانيون القدامى (جماعة يسرائيل) في تجوالهم، وكانت تُقام خارج المضارب ليسكن الإله فيها بين شعبه (حسب التصور العبراني) وليكشف فيها عن وجوده ويُبلغ إرادته، وليتوجَّه إليه فيها من يطلبه (خروج 33/7 ـ 11) . فهو خباء المحضر أو خيمة الاجتماع. كما سُمِّيت أيضاً «بيت الإله» . وعبارة «خيمة الاجتماع» تعبير عن الطبقة الحلولية قبل اكتمال الثالوث الحلولي (الإله - الشعب - الأرض) إذ لا يوجد سوى العنصرين الأول والثاني وحسب، ومن هنا تنقلهما في طريقهما إلى العنصر الثالث لتكتمل دائرة القداسة وتنغلق. وفي يوم اكتمال بناء الخيمة، أظهر الإله ذاته على هيئة سحابة غطَّت الخيمة وملأتها. وبعد ذلك، تحوَّلت السحابة إلى عمود يسير أمام أعضاء جماعة يسرائيل في رحلاتهم، فكان إذا وقف العمود فوق الخيمة ينزل الشعب، وإذا انتقل نُقلت الخيمة وتبع الجمهور السحابة. وفي الليل، كانت السحابة تستحيل إلى عمود نار فيكون الإله سائراً أمامهم (خروج 13/20 ـ 22،40/34 ـ 37، عدد 9/15 ـ 23، 10/33 ـ 36، 11/24 ـ 25) . وقد أتى وصف خيمة الاجتماع في سفر الخروج (26،27، 35، 38) : قاعدتها مستطيلة، طولها ثلاثون ذراعاً وعرضها عشر أذرع وارتفاعها عشر أذرع أيضاً، وزواياها قائمة. والخيمة تكون محاطة بسور. وفي الفناء، بين الخيمة والباب الخارجي، كان يُقام مذبح المحرقة، وبجواره مغسلة من النحاس بين باب الخيمة والمذبح (بحر النحاس) يكون فيها ماء لغسل أيدي وأرجل الكهنة عند دخولهم المقدَّس. أما الجزء الداخلي، فيكون في أوله على اليمين مائدة خبز القربان (أو خبز الوجه «ليحيم هابانيم» ) ،وعلى اليسار شمعدان المنيوراه فمذبح البخور الذهبي الذي يُحرَق فيه البخور ليل نهار، ثم قلب المقدَّس الذي يُسمَّى «قدس الأقداس» ويضم تابوت العهد. وتُسمَّى خيمة الاجتماع «خيمة الشهادة» أيضاً لأنها تحوي لوحي الشهادة والوصايا العشر. ويعكس الجزء الكهنوتي من أسفار موسى الخمسة، في جانب منه، الفكر الديني لكهنة هيكل القدس، والذي يعلق أكبر الأهمية على أن يسكن الإله وسط شعبه. ومن هنا، فقد نقل ذلك الجزء مقر الخيمة من خارج المضارب أو المحلة إلى وسطها. وأصبح التصور أن الخيمة تنصب في الوسط، تحيط بها خيام الكهنة واللاويين ثم خيام بقية القبائل حواليهم في أربعة أقسام. وعندما انتهت رحلات الشعب، استقرَّت الخيمة في الجلجال (أول معسكر لجماعة يسرائيل بعد عبور الأردن ودخول أرض كنعان) ثم نُقلت إلى شيلوه حيث بقيت مدة ثلاثمائة أو أربعمائة سنة، ومنها انتقلت إلى جبعون ثم إلى الهيكل الذي تشبه بنيته بنية خيمة الاجتماع. ويُلاحَظ تأثير هندسة المعبد المصري في خيمة الاجتماع بتقسيمها إلى المقدس وقدس الأقداس. ولا شك في أن تنظيم الكهنة هرمياً كان ذا أصل مصري أيضاً، فكان لا يُسمَح إلا لكبار الكهنة بدخول المقدس، ولم يكن يدخل قدس الأقداس سوى كبيرهم. وكان أعضاء جماعة يسرائيل، كما تَقدَّم، يحملون خيمة الاجتماع معهم أينما ذهبوا، لتُقام في وسط مساكنهم. وقد أثارت إقامة مكان واحد للعبادة وتقديم القرابين جدلاً بين الكهان فيما بعد، فرأي كهان الهيكل المرتبطون بالحكومة المركزية أن القرابين لا تجوز إلا في الهيكل الكائن في العاصمة، والذي هو امتداد لخيمة الاجتماع. بينما رأي فريق آخر أن الحكمة من جعل الخيمة متنقلة هي جواز تقديم القرابين في أي معبد من المعابد المحلية. وكلمة «تابرناكل Tabernacle» الإنجليزية تشير إلى كل من خيمة الاجتماع والسوكاه التي تُقام في عيد المظال. تابوت العهد (تابوت الشهادة - سفينة العهد) Ark of the Covenant «تابوت العهد» أو «تابوت الشهادة» يقابلها في العبرية «أرون هابريت يهوه» ، أي «تابوت ميثاق يهوه» ، أو «تابوت يهوه صباءوت» ، أي «رب الجنود» أو «التابوت المقدَّس» . وفي اللغة العبرية، توجد كلمتان «تيبا» و «أرون» ، بمعنى «صندوق» ، وتُترجَمان إلى كلمة «آرك» الإنجليزية. لكن الكلمة الأولى لا تُستخدَم إلا للإشارة إلى سفينة نوح، أو الصندوق الذي وُضع فيه موسى. أما الثانية، فتُستخدَم في سياق ديني بمعنى تابوت أو صندوق. وتابوت العهد من أكثر الأشياء المقدَّسة تعبيراً عن النزعة الحلولية في اليهودية، فكان أعضاء جماعة يسرائيل يتصورون أن روح يهوه تحل فيه، وكان الكهنة يحملونه في المعارك على أعمدة طويلة كرمز واضح على وجود يهوه وسط الجنود. وجاء في سفر العدد أن العبرانيين عندما رحلوا في البرية في أيام التيه، كان التابوت يُحمَل أمام الشعب، ويتقدمه عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً. وكان إذا حُمل التابوت يقول: «قم يارب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك» . وإذا حل التابوت يقول أيضاً «ارجع يارب إلى ربوات ألوف يسرائيل» (عدد 10/33 ـ 36) . وكان هذا التابوت يُعَدُّ أكثر الأشياء الشعائرية قداسة عند العبرانيين القدامى. وحينما يكفُّ العبرانيون عن الترحال، كان التابوت يوضع في قدس الأقداس، داخل خيمة الاجتماع، حيث لا يراه إلا الكاهن الأعظم في يوم الغفران. ولكنهم كانوا يخرجونه أثناء معاركهم الحربية، فهو يضمن لحامله النصر، وهو الذي يُوجِّه الجنود أثناء المعارك. وجاء وصف التابوت في سفر الخروج (25/10 ـ 22) ، وهو صندوق مصنوع من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، أي ثلاثة أقدام وثلاثة أرباع القدم، وكلٌّ من عرضه وارتفاعه ذراع ونصف، أي قدمان وربع القدم، مُحلَّى بالذهب من الداخل والخارج، يقف عليه ملاكان (كروبان) ناشرين أجنحتهما رمزاً للوجود الإلهي (شخيناه) بين الشعب المختار. وأصبح التابوت ذاته رمزاً للعرش الإلهي. ويُقال إن الإله قد أخبر موسى بأنه سيقابله بين الملاكين. ولم يكن يُسمَح لأحد بأن يمس التابوت باعتباره محرماً (تابو) . وكان التابوت يحتوي على المن، وعصا هارون، ولوحى الشريعة أو العهد، ثم وُضع بجانبه كتاب التوراه، ولكن المن وعصا هارون كانا قد اختفيا مع حكم سليمان. ومن الواضح أن في هذا الوصف إسقاطاً لقيم وتخيلات مرحلة مركبة لاحقة على مرحلة التيه التي كانت تتَّسم بالبساطة والبداوة. كما أنه، بتطور الديانة اليهودية، جرى تفسير وجود التابوت تفسيراً أكثر عمقاً من التفسير السابق. فقد أصبح التابوت شيئاً مقدَّساً بناه موسى تنفيذاً لأمر الإله (ليضع فيه اللوحين اللذين كتب عليهما الوصايا العشر) ليحمله أعضاء جماعة يسرائيل معهم في ترحالهم، على أن يقوم أعضاء من سبط اللاويين بحمله. ثم وُضعت التوراة بجانب اللوحين، ومن ثم فإنه يُسمَّى أحياناً «تابوت الشهادة» . وصار التابوت رمزاً للعهد مع الإله، وأصبح تلامُس جناحي الملاكين رمزاً للزواج المقدَّس بين الشعب والإله. بقي التابوت مدة بالخيمة في الجلجال، ثم نُقل إلى شيلوه حين وقع في أيدي الفلستيين الذين أخذوه إلى أشدود ووضعوه بجانب صنم داجون. وحسب الرواية التوراتية، اضطر الفلستيون إلى إرجاعه بسبب الكوارث التي حاقت بهم، ثم نقل إلى القدس (بعد 300 أو 400 سنة) أثناء حكم داود. وقد حفظ سليمان التابوت، في قدس الأقداس بالهيكل، وسط العالم تماماً، وأمامه حجر الأساس الذي هو مركز الدنيا (حسب التصور اليهودي) . ويُقال إن منَسَّى وضع تمثالاً منحوتاً بدلاً من التابوت داخل الهيكل غير أن يوشيا أرجعه، وقال يوسيفوس عن التابوت إنه «لم يكن يحتوي على أي شيء بالمرة» . ولم يأت ذكر التابوت ضمن الغنائم التي حملها البابليون معهم وأُعيدت فيما بعد. وثمة رأي يقول إن التابوت من بين مواد العبادة الشعائرية لقبيلة إفرايم، ويُوجَد داخله حجران يحل فيهما يهوه. كما يرى جوستاف لوبون أن تابوت العهد مقتبس من الفكر المصري القديم الذي كان يعرف نظائر عدة لهذا التابوت المقدَّس (مراكب الشمس) . لكن الطقوس الدينية التي كانت تحيط بتابوت العهد تشير إلى طبيعة العبرانيين البدوية، كما تشير إلى أنهم كانوا شعباً متنقلاً كثير الترحال. ولا يُعرَف، على وجه الدقة، مصير هذا التابوت. فعند بناء الهيكل الثاني، لم يكن له من أثر ولم يأت ذكره، وإن قيل إنه مخبّأ فوق أحد الجبال أو تحت الهيكل إلى أن يعود الماشيَّح. وهناك رأي يذهب إلى أنه أُعيد بناؤه في هيكل هيرود. وعلى أية حال، فإن تابوت العهد لم يختف دون أن يترك أثراً في الديانة، وتابوت لفائف الشريعة هو امتداد لفكرة تابوت العهد. وهناك اعتقاد عند الإثيوبيين بأن تابوت العهد (الأصلي) موجود في إثيوبيا. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الملوك والملكية
Kings and Kingship بعد فترة من تسلل القبائل العبرانية في كنعان (1250 ق. م تقريباً) ، بدأ طابعها الاقتصادي والاجتماعي في التحول تأثراً بالبيئة الكنعانية المحيطة، فظهرت الحرف المختلفة والملكية الخاصة للأرض وإقامة المدن، وذلك ليحل نمط جديد محل الاقتصاد البدائي والملكية الجمعية، أي أن المجتمع بدأ يتحول عن القبيلة والبداوة اللتين وسمتاه أثناء عصر القضاة (1250 ـ 1020 ق. م) ليصبح أكثر تركيباً نتيجة عناصر التحول داخله ونتيجة الاحتكاك بالمجتمعات الأخرى الأكثر تركيباً وتَحضُّراً. كما شهدت هذه الفترة ضغطاً عسكرياً عنيفاً على العبرانيين ورفضاً شديداً لهم من جانب الفلستيين والكنعانيين والمؤابيين والأدوميين، وقد واكب ذلك غياب القوى العظمى في منطقة الشرق الأدنى القديم بسبب ظروفها الداخلية. وقد ساهمت هذه الأوضاع الداخلية والخارجية في أن نظام القضاة أصبح نظاماً بالياً غير قادر على التعبير عن الأوضاع الجديدة، وأصبح نظام الملكية أمراً حتمياً للتعبير عن البنية الجديدة للمجتمع. وتعبر القصة التوراتية عن ذلك حيث طلب الشعب إلى صموئيل أن يجعل لهم ملكاً مثل الشعوب الأخرى المتحضرة المحيطة بهم. فتوَّج عليهم شاؤول، ثم داود (1004 ـ 965 ق. م) الذي وحَّد القبائل العبرانية فيما يُسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» . وقد خلفه ابنه سليمان، ثم انقسمت المملكة إلى مملكتين (928 ق. م) : المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية اللتين حكمتهما سلسلة من الملوك. ولم تكن مؤسسة الملكية العبرانية تختلف كثيراً عن مؤسسة الملكية المقدَّسة التي شاعت في الشرق الأدنى القديم، حيث يُعتبَر الملك نقطة الحلول الإلهي ومن خلاله يتم التواصل بين مملكة الأرض ومملكة السماء. ولذا، كان الملك هو أيضاً الكاهن الأعظم أو أعلى في المرتبة. وكان الملوك العبرانيون يُعتبَرون نواباً عن الرب، كما كانوا الزعماء الدنيويين والدينيين للعبرانيين، تعلو سلطتهم الدينية سلطة الكاهن الأعظم، ولذا كان الملك هو الزعيم والرئيس الرسمي للشعائر والاحتفالات الدينية العامة. فكان يقدم القرابين إلى يهوه باسم الشعب ويتلقى البركات منه نيابة عنهم ويعمل على تنفيذ وصاياه وشريعته في وقت السلم، كما كان يقوم بقيادة الشعب في وقت الحروب والمحن. وكان الملك يُسمَّى «الماشيَّح» لأنه كان يمسح رأسه بالزيت عند تتويجه. ورغم كل هذا، لم يكن الملك تجسيداً للإله، كما أن حقوقه لم تكن مطلقة، ولم يكن من حقه مصادرة الأرض أو الاستيلاء عليها، كما كانت تنطبق عليه القوانين الأخلاقية والمدنية. وكان الأنبياء يوجهون انتقادهم للملكية باعتبارها مؤسسة سياسية مرتبطة بالفساد والثراء الفاحش والسخرة، ولكن هذا لم يمنع من وجود حكام مُطلقين. وكان من حق الملك أن يعيّن من يخلفه على العرش، غير أن الابن البكر، عادةً، كان يُختار لهذا المنصب. وقد ظل الموقف العبراني من الملكية مبهماً. فأحد أسفار العهد القديم (تثنية 17/13 ـ 2) يتحدث عن القواعد الواجب اتباعها عند تعيين الملك وهو ما يتضمن اعترافاً بمؤسسة الملكية. ولكننا نجد أن سفر صموئيل يتضمن تحذيراً عميقاً من الملكية لأن الملك لن يلتزم بالقواعد. والرأي السائد بين فقهاء اليهود أن الملكية تخالف روح الدين اليهودي، وأن تعيين ملك أمر يقف ضد إرادة الرب، وأن الشكل الأمثل للحكومة هو حكومة غير ملكية. ولذلك، فحينما استولى الحشمونيون على الحكم (164 ق. م) ، رفضوا في بادئ الأمر أن يتخذوا لقب «ملك» ، كما رفض الغيورون الملكية ولم يرتضوا إلا بالإله ملكاً. ويرى بعض فقهاء اليهود أنه يمكن تعيين ملك كما فعل صموئيل إن هو اتبع التعاليم الدينية وقَبل أن يقوم أحد الأنبياء بتعيينه. وفي التراث الديني اليهودي أن الماشيَّح سيكون ملكاً من نسل داود. وقد ساهمت الملكية في إضعاف النظام القَبَلي بإنشاء سلطة مركزية وتقسيم الأرض إلى مناطق إدارية لا تتفق بالضرورة مع التقسيمات القَبَلية السابقة، حتى أصبحت القيادات القَبَلية مسألة رمزية أو اسمية أو شكلية ليست لها وظيفة محدَّدة. وقد قوَّضت الملكية القيادة القَبَلية بخلق طبقة من الموظفين الملكيين الذين يعتمدون على الملك ويدينون له بالولاء خارج نطاق شبكة الولاء القَبَلية. وكانت هذه الطبقة تضم الوزراء والمقاتلين والمديرين والعمال في الضياع الملكية وطبقة الكهنة واللاويين. كما أن طبقة التجار ازدهرت بتأثير ظهور الملكية التي شجعت على التجارة كما شجعت على ظهور المهارات الحرفية المتخصصة. وظهرت كذلك طبقة كبار الملاك الذين كان الملك يقتطع لهم ضياعاً كبيرة مكافأة لهم على خدمات قدموها له. وقد قُدِّر لهذه الطبقة أن تلعب دوراً كبيراً في تاريخ المملكة الشمالية اللاحق، وخصوصاً تلك الشريحة التي كانت موجودة في شرق الأردن ولعبت دوراً حاسماً في الحقبة الأخيرة من تاريخ المملكة الشمالية، على خلاف ما حدث في المملكة الجنوبية، حيث لم تلعب هذه الطبقة دوراً كبيراً لضعفها ولعل هذا كان يعود إلى عدم وجود أراض زراعية كافية. وقد أدَّت هذه التحولات الإدارية والاجتماعية والطبقية إلى ضعف سلطة شيوخ القبائل في المدن وخارجها. ومع هذا، فقد ظلت شبكة العلاقات القَبَلية قوية. ولعل انقسام المملكة العبرانية المتحدة، بعد موت سليمان مباشرة، أكبر دليل على استمرار قوتها. وقد نجم عن ضعف النظام الطبقي القَبَلي والتقليدي ظهور طبقة العمال العبرانيين الموسميين وتحوُّل العناصر المحلية الأصلية التي لم تندمج في المجتمع العبراني إلى ما يشبه العبيد. وكان هناك كذلك طبقة العبيد نفسها، ولكن لابد أن نشير إلى أن العبيد لم يكونوا طبقة مهمة لأن المجتمع العبراني لم يكن متقدماً بالقدر الذي يجعله يحتاج إلى أيد عاملة بشكل دائم، كما أن المجتمع العبراني كان يسد حاجته المحدودة إلى العبيد عن طريق استعباد المذنبين أو العبرانيين الذين لم يسددوا ديونهم. ويمكن القول بأن المعالم الأساسية لبناء المجتمع العبراني (واليهودي فيما بعد) قد تحددت في هذه الفترة، كما ظل المجتمع محتفظاً ببنيته الأساسية إلى أن اختفى في القرون الميلادية الأولى، وقد كانت بنية ثلاثية تتكون أساساً مما يلي: 1 ـ الملك أو الكاهن الأعظم والنخبة الحاكمة التي كانت تتكون من الأثرياء وكبار الكهنة وكبار ملاك الأراضي وكبار التجار (والتجار الدوليين وملتزمي الضرائب فيما بعد) والأرستقراطية العسكرية التي حل محلها فيما بعد جنود الإمبراطورية الحاكمة: الفرس فالبطالمة ثم السلوقيون والرومان. 2 ـ صغار التجار وصغار المزراعين وصغار الكهنة. 3 ـ الفلاحون المعدمون والعمال الموسميون والعبيد والجماعات الهامشية المختلفة. ويمكن القول بأن ما يُقال له «الحزب الشعبي» كان يضم الطبقتين الثانية (الوسطى) والثالثة (الدنيا) ، وأن الطبقة الثرية هي الطبقة التي تحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة تخدم المصالح الإمبراطورية وتسوس المجتمع العبراني لصالحها. وقد ساد الحكم الملكي بين العبرانيين في المملكة المتحدة ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية. ومع هجوم الآشوريين ثم البابليين، تم أسر آخر ملوك العبرانيين. وبعد أن سمح قورش بعودة زعماء اليهود إلى فلسطين (538 ق. م) ، قامت محاولة لتتويج زروبابل ملكاً، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ذلك لأن الفرس لم يقفوا وراءها مؤثرين التعاون مع الكهنة على التعاون مع الأرستقراطية العسكرية وبقايا أسرة داود الملكية. وقد ظهر بعد ذلك الحكم الكهنوتي حيث تقع معظم أدوات السلطة الدينية في يد السلطة الإمبراطورية الحاكمة وحيث يشرف الكاهن الأعظم وأثرياء اليهود على شئون اليهود الداخلية. وقد كان الرومان يطلقون لقب «ملك روماني (دوكس) » على بعض الحكام اليهود التابعين لهم مثل هيرود، ولكن هذا اللقب كان لقباً شرفياً محضاً، وقد حجبه الرومان عن أولاد هيرود. شاؤول (1020-1004 ق. م) Saul «شاؤول» اسم عبري معناه «الذي سُئل من الإله» . وشاؤول أول ملوك العبرانيين من قبيلة بنيامين. وقد توجه صموئيل ملكاً بعد أن طالبه الشعب بذلك. كان شاؤول يسكن في خيمة ويعيش حياة شيخ قبيلة بدوي، ولم يكن قوي الإرادة، بل كان يميل في مزاجه إلى الكآبة والتقوقع. وهو يمثل انتقال المجتمع العبراني من حكم القضاة إلى حكم الملوك العبرانيين، ومن حالة البداوة إلى حالة الاستقرار والتمدن والزراعة، ولذا فقد كان أقرب إلى القائد العسكري منه إلى الملك. لم تمتد حدود مملكته الصغيرة إلى أبعد من منطقة قبيلته (بنيامين) . ومع ذلك، فإن انتخابه كان يعني الثورة ضد الفلستيين الذين هزمهم في بادئ الأمر. قام بحملات تأديبية ضد القبائل المعادية، وحاول تطهير الدين من عوامل السحر التي استشرت فيه، ولكنه اصطدم، في نهاية الأمر، بكلٍّ من صموئيل وداود. ألحق به الفلستيون هزيمة نكراء بجوار جبل جَلْيوع، وقتلوا ثلاثة من أولاده وأصابوه هو نفسه بجراح خطيرة فانتحر. ثم تم تتويج أحد أبناء شاؤول ملكاً على جزء من فلسطين لبعض الوقت، لكن صموئيل توج داود محله. واسم «شاؤول» ليس مقصوراً على العبرانيين إذ أن أحد ملوك الأدوميين كان يُسمَّى بهذا الاسم. يوناثان Jonathan يوناثان هو ابن شاؤول البكر، وكان قائداً لقوات العبرانيين في عهد أبيه. والاسم عبري معناه «يهوه أعطى» . وحينما شعر شاؤول بالغيرة المجنونة من داود قام يوناثان بحمايته، بل لم يشعر بالحقد نحو داود حينما عرف أنه سيعتلي العرش. وقد قُتل في المعركة الأخيرة مع الفلستيين ورثاه داود. وتُصوِّر إحدى المسرحيات الاسرائيلية الحديثة العلاقة بين يوناثان وداود كعلاقة شاذة. المملكة العبرانية المتحدة: ظهورها وانقسامها United Hebrew Kingdom: Emergence and Division المملكة المتحدة هي، في واقع الأمر، اتحاد القبائل العبرانية الذي سعى إليه شاؤول وأخذ شكل مملكة صغيرة أسسها شاؤول سُمِّيت «مملكة يسرائيل» . ولكن الفضل الحقيقي في تأسيس المملكة يعود إلى داود، وقد خلفه ابنه سليمان في حكمها. وقد تمكَّن العبرانيون من تأسيس مملكتهم حوالي 1020 ق. م بسبب الفراغ الذي نشأ في الشرق الأدنى القديم. فمصر كانت تتعرض آنذاك لضغط الليبيين من الغرب إلى أن قامت أسرة ملكية تنحدر من أصل ليبي، وكان الحيثيون مشغولين بصد الغزاة من البحر (شعوب البحر) ، ولم تكن بابل (العراق) قوة عظمى بعد، كما كانت الدويلات الآرامية في صراع بعضها مع بعض. أما آشور، فلم تكن قد بلغت بعد أوج عظمتها الإمبراطورية. وبعد موت سليمان، انقسمت المملكة العبرانية المتحدة إلى دولتين: المملكة الشمالية (يسرائيل-إفرايم) والمملكة الجنوبية (يهودا) ، وذلك لأسباب غير مباشرة وأخرى مباشرة. ولنبدأ بالأسباب غير المباشرة: 1 ـ لم يكن اتحاد القبائل العبرانية اتحاداً قومياً في صورة أمة وشعب وأرض وحضارة، بل كان تجمعاً اتحادياً لقبائل متفرقة يجمعها نسبها إلى بيت يعقوب وشريعة موسى ويجمعها وقوعها تحت سيطرة الشعوب الأخرى في كنعان وخارجها. 2 ـ ظهور آشور وبعدها بابل، وكذلك استعادة مصر سيطرتها على حدودها الشرقية ومركزها في فلسطين وبدء حملات شيشنق التأديبية في فلسطين. ولذا، فقد اختفى الفراغ في الشرق الأدنى القديم الذي سمح بظهور المملكة العبرانية المتحدة. أما الدويلتان الصغيرتان اللتان حلَّتا محلها، فقد كانتا خاضعتين لتقلبات القوى الداخلية في كنعان والقوى الخارجية في بلاد الرافدين ومصر. 3 ـ كانت الاختلافات الاجتماعية والدينية عميقة بين مجموعتي القبائل الشمالية والجنوبية. فالقبائل التي كانت تسكن الشمال كانت مندمجة في بيئة زراعية وكانت أكثر تعرضاً للأثر الكنعاني، وكانت تمارس عبادة إلوهيم بطقوس مستمدة من العبادات الكنعانية، وخصوصاً بمفهوم بعل وعشتروت. وقد اعتاد أعضاء هذه القبائل سُكْنَى البيوت المُنعَّمة وتخلوا عن خشونة حياة البدو والرعي التي بدأوا بها. أما القبيلتان الجنوبيتان (يهودا وبنيامين) ، فكان أعضاؤهما يعيشون حياة تقترب من حياة البدو ويعتمدون على الرعي في المرتفعات الصالحة لرعي الأغنام وسائر الأنعام، كما كانوا يمارسون عبادتهم بأسلوب يسرائيلي قديم يتَّسم بالقبلية والتعصب. ولكن، حتى في فترة اتحاد القبائل في عصر داود وسليمان، حيث كانت تُعتبَر أكثر عهود العبرانيين رفاهيةً واستقراراً، ظل الاقتصاد معتمداً بالدرجة الأولى على المعاملات المالية والضرائب وجزية الرؤوس، حيث كان النشاط التجاري الداخلي محصوراً داخل نطاق ضيق جداً. أما الصناعة، فقد كانت في حالة بدائية ومتخلفة عما كانت عليه في الدويلات المجاورة. وحتى قبل عهد سليمان بزمن قصير، لم يكن معروفاً غير صناعتي الخزف والحديد البدائيتين. وكان هذا الوضع يدفع الأرستقراطية العبرانية ورجال الدين إلى استغلال العامة وانتزاع أكبر قدر يمكن انتزاعه من مواردهم الضئيلة عن طريق الربا والإقراض والقرابين والهبات والصيرفة، الأمر الذي كان يؤدي إلى تركُز الثروة في أيدي قلة. وقد حال هذا الوضع دون استطاعة العبرانيين بناء كيان مستقر ذي تقاليد سياسية ثابتة. وبعد ظهور الدولتين الشمالية والجنوبية، لم يقم اقتصاد زراعي/صناعي في أي منهما، بل ظل الاقتصاد ربوياً صيرفياً. أما الأسباب المباشرة التي أدَّت إلى انقسام المملكة فكانت متعددة، فثمة أسباب سياسية متمثلة في الرغبة في الانفصال عن سطوة الهيكل في القدس أو في ممارسة حياة بعيدة عن الثيوقراطية، وثمة أسباب اقتصادية تمثلت في مشكلة الضرائب الباهظة التي فرضها سليمان. ولكل هذا، حين اجتمع ممثلو القبائل الاثنتى عشرة في القدس لينصبوا رحبعام بن سليمان ملكاً، أثيرت قضية الضرائب الباهظة التي فرضها أبوه، ولكنه رفض تخفيضها. ولذلك، رفضت القبائل العشر الاعتراف به، وانتخبت يربعام من قبيلة إفرايم ملكاً عليها وكان الناطق بلسانها. وشكلت هذه القبائل مملكة يسرائيل الشمالية التي كانت عاصمتها شكيم أولاً ثم ترصه ثم السامرة. أما قبيلتا يهودا وبنيامين، فقد ظلتا متمسكتين ببيت داود ومصرتين على فرض السيطرة الدينية والسياسية على القبائل العبرانية كافة. واتسمت المملكة الجنوبية (يهودا) بالميل إلى الانغلاق مع استمرار العداوة قائمة بينها وبين المملكة الشمالية طوال تاريخهما، وقد كانتا تدخلان في تحالفات مع الدول المجاورة في صراعهما الواحدة ضد الأخرى. داود (1004-965 ق. م) David «داود» اسم عبري معناها «محبوب» ، وداود هو ثاني ملوك العبرانيين، ويرجع نسبه إلى إسحق بن إبراهيم. وُلد في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتولَّى العرش عام 1004 ق. م حتى وفاته في عام 965 ق. م، وقد رُويت قصته في سفر صموئيل الثاني. وداود، حسب العقيدة الإسلامية، نبي وملك، ولكنه حسب العقيدة اليهودي ملك وحسب. ويحيطه التراث اليهودي بحكايات تجعله يتصف بصفات غير محمودة. كان داود راعياً وقاطع طريق، عمل حامل دروع عند شاؤول، وكان يعزف له ليُسرى عنه. وأظهر شجاعة غير عادية في قتال الفلستيين حينما صرع العملاق جُليات بالمقلاع، ثم تزوَّج من ميكال ابنة الملك. ولكن شعبية داود أثارت غيرة الملك عليه، فاضطر إلى الفرار والاحتماء بأعدائه. ولكن، بعد هزيمة شاؤول على يد الفلستيين وانتحاره، عاد داود إلى الخليل (حبرون) ، وتوَّجه صموئيل ملكاً ليهودا. ولكن أسرة شاؤول توَّجت أحد أبنائه ملكاً. ونتيجة خسائر بقية القبائل في الحرب (ويُقال بسبب مساعدة الفلستيين له) ونتيجة مجموعة من الاغتيالات السياسية دبرها قائد قوات داود، انتهى الأمر باغتيال ابن شاؤول نفسه. ثم وجدت القبائل نفسها بدون ملك أو قواد حربيين، فقبلته القبائل العبرانية كافة وضمنها قبائل الشمال، فأسس المملكة العبرانية المتحدة. وبعد ثمانية أعوام من حكمه، فتح داود يبوس أو القدس وحوَّلها إلى عاصمة لمملكته لأنها تتوسط وتسيطر على أهم الطرق الداخلية، وبنى معبداً ليهوه أودع فيه تابوت العهد مؤكداً بهذا توحيد المملكة والقبائل العبرانية. وقد أصبح اللاويون الذراع الإدارية والتنفيذية للدولة، فكان منهم رجال الشرطة والقضاة والكتبة. ثم أسس جيشاً محترفاً بعد تركيز السلطة في القدس، وحارب الفلستيين حلفاءه السابقين والمؤابيين وآرام (سوريا) والعمونيين. وقد استمرت الحروب سجالاً بينه وبين قبائل المنطقة في أرض كنعان. ومع أن داود ضم قطاعات واسعة من الأرض ووسع حدود مملكته وأبرم معاهدات مع صور وصيدا، إلا أن مملكته لم تكن مع هذا مملكة بمعنى الكلمة إذا ما قورنت بالوحدات السياسية المماثلة في ذلك العصر. ولا يمكن فهم الإنجازات العسكرية أو السياسية لداود إلا في إطار العلاقات الدولية القائمة حينذاك في الشرق الأدنى القديم، إذ لم يكن من الممكن أن تحقق دويلة صغيرة مثل هذا التوسع إلا في حالة غياب القوى العظمى في ذلك الوقت. ويتميَّز حكم داود بتَحوُّل القبائل العبرانية من الحياة القبلية الرعوية شبه الزراعية إلى حياة مستقرة نوعاً ما تتميَّز بوجود ملكيات كبيرة للأرض. ومع هذا، لم يَخلُ الأمر من متاعب داخلية، مثل ثورة ابنه ضده وغضب الأنبياء عليه وهو ما يدل على أن النمط القَبَلي لم يكن قد فقد تأثيره بعد. ويُصوَّر داود كشاعر ومحارب وعاشق يرتكب الذنوب بسرعة غريبة ثم يندم عليها بالسرعة نفسها. وقصته التي ترويها التوراة أقرب ما تكون إلى قصة حياة زعيم همجي منها إلى قصة حياة رئيس جماعة يدعو إلى ديانة متطورة أخلاقياً، فقد نسبت التوراة إليه أنه اغتصب بتشبع زوجة أوريا الحيثي أحد رجاله العسكريين، فقد رآها عارية وهي تستحمّ فدفع زوجها إلى الجبهة في الحرب مع العمونيين كي يموت وتبقى المرأة خالصة له. ولكن الإله، برغم كل معاصي داود، كان يصطفيه ويغفر له. ويُنسَب إلى داود أحد أسفار العهد القديم (المزامير) . وقد عقد الإله معه عهداً أزلياً مثل العهد الذي عقده مع يسرائيل، ولذا سيكون الماشيَّح المخلّص «ملك يسرائيل» من نسله. ومع هذا، نجد أنه لم يكن يهودياً خالصاً إذ أن جدته راعوث كانت مؤابية. وتصوِّره الأجاداه في صورة الملك الذي لا يمكن أن ينازعه أحد في حقه، كما تؤكد قدراته الجسدية الخارقة، وأنه حجة في الشريعة يقرأ التوراة دائماً، ولذا لم يستطع ملاك الموت أن يقبض روحه إلا باللجوء إلى الخديعة. وقد حاول الحاخامات أن يبينوا أنه لم يرتكب أياً من الذنوب التي ورد ذكرها في العهد القديم. أما في القبَّالاه، فإنه يُقرَن بالتجلي النوراني العاشر ويتسم بصفات «الملكوت» . ويوجد إلى جوار داود الدنيوي داود الأعالي أو داود الآخر، وهو قرين داود الدنيوي، والذي يقود سكان العالم العلوي، ولذا فهو الشخيناه. كما أن داود هو القدم الرابعة للمركبة الإلهية، ويشكل الآباء الثلاثة الأقدام الأخرى. وتفسِّر القبَّالاه قتله أوريا الحيثي بأنه رمز لقتل الثعبان، وداود تجسيد للإنسان الأول (آدم) . أما كونه مولوداً لمؤابية، فقد فُسِّر بأنه مثل نزول الماشيَّح إلى عالم الظلمة وفي الهوة وغوصه في الجانب المظلم حتى يمكنه أن يتغلب على قوى الشر. ويحب كثير من الصهاينة والإسرائيليين أن يُشخِّصوا دولة إسرائيل بأنها داود الصغير الذكي سريع الحركة، والذي يهزم جليات البطل الفلستي المدجج بالسلاح (والذي يُقرَن بالعرب) عن طريق استخدام المقلاع. وهذه هي صورة الصراع العربي الإسرائيلي كما رسخت في الوجدان الغربي. ولعل لاأخلاقية داود، وتَحوُّله من قاطع طريق إلى راع ثم إلى ملك وشاعر ومحب، تجعله إنساناً عصرياً ليست لديه هموم أخلاقية وقادراً على التكيف مع كل الظروف. وبعد الانتفاضة، واستخدام الفلسطينيين العزل الحجارة ضد آلة الحرب الإسرائيلية المتفوقة، أُعيدت صياغة الرموز وأصبح الفلسطينيون هم داود وأصبحت الدولة الصهيونية هي جُليَّات. سليمان (965-928 ق. م) Solomon «سليمان» اسم عبري معناه «رجل سلام» . ويبدو أن هذا هو الاسم الملكي الذي اتخذه يديديا ابن داود بعد اعتلائه العرش. وكلمة «يديديا» معناها «أثير ليهوه» أو «خليل الرب» . ويُعتبَر سليمان عند اليهود ملكًا وليس نبياً، وهو ثالث ملوك العبرانيين، ابن داود من بتشبع. حكم اتحاد القبائل العبرانية المسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» قبل وفاة أبيه بسبب احتيال أمه بمساعدة النبي ناثان. وقد بدأ سليمان حكمه، فيما روت التوراة، بحمام دم استهله بقتل أخيه إدونيا بعد أن خضع له، كما ذبح أفراداً آخرين كانوا يمثلون خطورة عليه مثل يؤاب رئيس جيش أبيه (ولكن عمله هذا لم يُغضب يهوه كثيراً) ، كما أنه عزل آبيثار الكاهن. وقد تحوَّلت القدس في عهده إلى مدينة تجارية بسبب ازدهار التجارة التي قامت على الاتصالات بالشعوب المحيطة وعلى استخدام السفن في البحر الأحمر ونقل البضائع. وبنى سليمان في عصيون جابر (إيلات) أسطولاً تجارياً بمساعدة الملك التاجر حيرام ملك صور الذي مده أيضاً ببحارة عارفين بالبحر، واستخدم هذا الطريق الجديد بدلاً من طريق مصر في تجارته مع بلاد العرب وأفريقيا. وقام سليمان ببناء الهيكل وبنى قصره الملكي في القدس. وقد قامت ملكة سبأ بزيارته لذيوع صيته، حسب الرواية التوراتية. وبشكل عام، نعمت مملكته بالسلام لأسباب كثيرة من بينها الحلف الذي عقده أبوه مع الفينيقيين، والتحالفات التي عقدها هو مع الدويلات المجاورة. وقد تمتعت المملكة بحالة من الاستقرار والاستقلال النسبيين بسبب حالة الفراغ السياسي التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة نتيجة انكماش كل القوى الإمبراطورية فيها أو غيابها لسبب أو آخر. ولكن، لا ينبغي مع ذلك أن نظن أن دولة سليمان كانت دولة عظمى، فاقتصادها كان محدوداً، ونشاطها التجاري الداخلي كان محصوراً في نطاق ضيِّق جداً، وكانت الصناعة بدائية ومتخلفة. جمع سليمان عدداً كبيراً من الزوجات والسراري يصل إلى الألف (ملوك أول 11/3) من الأجناس كافة، منهن الفينيقيات والمؤابيات والعمونيات والحيثيات والمصريات. وبنى بتأثيرهن منصات عبادة قرب القدس لعبادة إله صيدا ومؤاب وعمون (ملوك أول 11/5 ـ 8) . وازداد اندماج العبرانيين في عهده مع الشعوب والقبائل المحيطة بهم في فلسطين واتخذوا مظاهر العبادات الكنعانية المختلفة الأمر الذي ابتعد بالدين عن جوهر ديانة موسى، وأدَّى ذلك فيما بعد إلى ظهور الحركة الاجتماعية للأنبياء. وتذكر التوراة أن سليمان صاهر فرعون، ملك مصر، وتزوَّج ابنته (ملوك أول 3/1) ، وقد حصل على مدينة جيزر (بالقرب من القدس) ، وكانت تابعة لمصر، مهراً لزواجه، وهذا هو التوسع الوحيد الذي أنجزه سليمان. ويبدو أن هيبة ملوك مصر في تلك الحقبة كانت قد هبطت حتى ارتضت مصر أن يتزوَّج ملك صغير الشأن كسليمان من إحدى أميراتها. وفي أواخر حكم سليمان، حرر الملك الآرامي رزين نفسه ومملكته منه، كما بدأ الأدوميون في إزعاجه، بل بدأت تظهر مشاكل داخلية حادة بسبب حالة الاستقطاب الطبقي والضرائب الثقيلة التي فرضها لتمويل أعمال البناء والسخرة اللازمة لتنفيذها. وقد أدَّى ذلك إلى سخط قبائل الشمال، فانحلّ اتحاد القبائل العبرانية بعد وفاته وانقسمت المملكة إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. واستولى شيشنق، أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين، على القدس ونهب معظم ما فيها من كنوز (ملوك أول 14/25) . ويقف كثير من النقاد موقف المستريب إزاء قصة مجد سليمان التي توردها أسفار الملوك والأيام، ويقولون إن التحيز القومي لدى كُتَّاب متأخرين هو الذي دعاهم إلى الإضافة والمغالاة في القصة. وهو يُعَدُّ حسب فلكلور الماسونية مؤسِّس أول محفل ماسوني في العالم باعتباره باني الهيكل. وتُنسَب إليه بعض كتب العهد القديم، كالأمثال ونشيد الأنشاد وبعض المزامير ... إلخ. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المملكة الجنوبية (يهودا)
Southern Kingdom Judah بعد موت سليمان عام 928 ق. م وانقسام اتحاد القبائل العبرانية (المملكة العبرانية المتحدة) إلى مملكتين، سُمِّيت المملكة الجنوبية «يهودا» لأنها ضمت قبيلتي يهودا (التي كانت دائماً في علاقة واهية مع بقية العبرانيين) وبنيامين، وهما القبيلتان اللتان بايعتا رُحبعام بن سليمان ملكاً، في حين بايعت القبائل العشر الباقية يُربْعام ملكاً على الجزء الشمالي الذي سُمِّي باسم «مملكة يسرائيل» أو «المملكة الشمالية» . كانت القدس عاصمة مملكة يهودا التي تقع على البحر الميت. ولم يكن لهذه المملكة ساحل على البحر الأبيض، إذ كان الفلستيون يشغلون الجزء الجنوبي من الشريط الساحلي (غزة وأشدود والمجدل ويافا والمنطقة التي تقع فيها الآن مدينة تل أبيب) . وقد كانت المملكة الجنوبية أكثر استقراراً من الشمالية، وذلك نظراً لصغر حجمها إذ بلغ ثُلث المملكة الشمالية، ولقلة أهميتها وبعدها عن طرق الجيوش الغازية، وفقرها وبدائية اقتصادها، وهذا ما جعلها بمنأى عن الاضطرابات الداخلية والغزوات الخارجية التي قضت على المملكة الشمالية. ولكل هذا أيضاً، قُدِّر لها البقاء مدة أطول. ومع هذا، فقد ظهر في المملكة الجنوبية مُعظم الأنبياء ودُوِّن فيها معظم العهد القديم، كما احتفظت فيها ديانة يهوه بدرجة أكبر من النقاء، وإن كانت قد دخلت عليها عناصر وثنية بدأت منذ عهد سليمان حين تزوج وثنيات (حسب الرواية التوراتية) . وكانت المملكة الجنوبية، مثل الشمالية، خاضعة إما للنفوذ المصري أو للنفوذ الآشوري، كما أنها لم تكن قط مملكة قوية بل قضت معظم تاريخها في الدفاع عن نفسها أو في التحالف مع إحدى القوى العظمى أو في الاستفادة من الصراعات الناشئة بين القوى العظمى في المنطقة أو من الضعف المؤقت الذي كان يصيب بعضها أحياناً. وقد شغل عرش يهودا تسعة عشر ملكاً (راجع الجداول التاريخية في المجلد الأول) . غير أن هذه المملكة الجنوبية دامت نحو قرن وثُلث بعد زوال المملكة الشمالية. وأول ملوكها رُحْبعام بن سليمان من زوجته العمونية الذي حكم من 928 إلى 911 ق. م. وقد غزا شيشنق فرعون مصر الليبي مملكته عام 918 ق. م (مثلما غزا مملكة الفلستيين وأدوم) وحمل معه كنوز الهيكل والقصر غنائم. ويذكر شيشنق في قائمة الكرنك مائة وخمسين مكاناً استولى عليها. ويبدو أن شيشنق قام أثناء حملة تأديب يهودا بغزو المملكة الشمالية كذلك. واعتلى الملك إبيام (911 ـ 908 ق. م) العرش ودخل في حرب طويلة مع يُربعام ملك المملكة الشمالية وهزمه. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أنه انتصر، فقد كان على اتصال بآرام دمشق التي زادت قوتها بعد أن استقلت عن سليمان وأبرمت معه معاهدة ضد يُربْعام. ومنذ هذه اللحظة، أصبحت آرام دمشق عنصراً أساسياً في العلاقة بين المملكتين والمستفيد الأكبر من الصراع بينهما. واستمر آسا (908 ـ 867 ق. م) في هذه الحرب من بعده، ولكنه اضطر هو أيضاً إلى طلب العون من آرام دمشق لكي يوقف الغزو الشمالي لمملكته، وقام بتحصين المدن على الحدود بين المملكتين، وهذا ينهض دليلاً على أن الأمل الذي راود حكام المملكة الجنوبية باستعادة المملكة الشمالية وإعادة المملكة المتحدة كان قد انتهى. وقد جدد آسا العلاقات التجارية مع صور والمدن الفلستية الأمر الذي أدَّى إلى دخول العبادات الوثنية، ولكن يبدو مع هذا أن آسا قد بذل قصارى جهده للحفاظ على استقلاله السياسي وعلى نقاء عبادة يهوه. ثم اعتلى يهوشافاط العرش عام 867 ق. م، واستمر حكمه حتى عام 846 ق. م. ووُقعت أول معاهدة سلام بين ملوك المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية في عهد أخاب. وعلى عادة الملوك في العصور القديمة، زوّج يهوشافاط ابنه يورام من عثليا ابنة أخاب ملك المملكة الشمالية، وكأنهما ملكان لأمتين مختلفتين تمام الاختلاف. وقد عقد يهوشافاط تحالفاً عسكرياً مع أخاب ضد مملكة آرام دمشق ولكنهما أخفقا في تحقيق الهدف من التحالف. وكان الإخفاق من نصيبه مرة أخرى حين عقد تحالفاً مع ابن أخاب ضد ميشع ملك مؤاب. ويُقال إن المملكة الجنوبية انضمت إلى جانب المملكة الشمالية في معركة قرقار. وقد حاول يهوشافاط أن يعيد تجارة يهودا البحرية فسانده الفينيقيون في بناء أسطول بحري غرق في عصيون جابر (إيلات) قبل أن يبحر. وحينما اعتلى يورام عرش المملكة الجنوبية من بعده (846 ـ 843 ق. م) ، بدأ حكمه بقتل جميع إخوته وعدد كبير من الأعيان حتى يأمن التآمر على عرشه. وقد أدخل عبادة بعل تحت تأثير زوجته عثليا ابنة أخاب التي حاولت أيضاً أن تُغيِّر أسلوب الحياة في البلاط. ويبدو أنها حاولت أن تزيد اعتماد المملكة الجنوبية على الشمالية، وفي عهده ثار الأدوميون واستقلوا، كما غزا الفلستيون والكوشيون مملكته وحملوا الكثير من الغنائم من القدس وأسروا أعضاء الأسرة المالكة ما عدا أحزيا (843 - 842 ق. م) حفيد أخاب الذي كان من عبدة بعل مثل أمه وانضم إلى عمه يورام، ملك المملكة الشمالية (851 ـ 842 ق. م) ، حيث خاضا معركة ضد ملك سوريا الآرامي. وعندما جرح يورام، قام أحازيا بزيارته فلقي كلاهما مصرعه على يد ياهو. وقد حكمت الملكة عثليا المملكة بعد مقتل ابنها (842 ـ 836 ق. م) ، فأبادت أعضاء الأسرة المالكة كلهم إلا حفيدها يوآش الذي أنقذته عمته زوجة الكاهن الأعظم وخبأته في المعبد. وحينما لقيت هي مصرعها في النهاية، بأمر من الكاهن الأعظم، اعتلى يوآش العرش (836 ـ 798 ق. م) وأعاد عبادة الهيكل لبعض الوقت، ولكن يبدو أنه لم يستمر في ذلك طويلاً. وقد غزا ملك آرام دمشق المملكة الجنوبية في عصره، فاضطر يوآش إلى دفع جزية كبيرة أُخذت من أموال الهيكل، وهو ما ولَّد توتراً بينه وبين الكهنة. وبعد اغتياله، اعتلى ابنه إمصيا (798 - 769 ق. م) العرش. وحاول إمصيا أن يُخضع أدوم عن طريق جيش من الجنود المرتزقة الذين أحضرهم من المملكة الشمالية، ولكنه اضطر إلى تسريحه، ثم حاول تجنيد جيش من مملكته ولكنه فشل في مسعاه. ثم نشبت الخلافات بينه وبين المملكة الشمالية، فهزمه يوآش ملكها ودخل القدس ونهب الهيكل وكنوز القصر ووقَّع عقوبات اقتصادية على أهلها وأخذ معه رهائن، وأصبح إمصيا تابعاً للمملكة الشمالية، وانتهى حكمه بثورة عليه انتهت بقتله. ومن أهم ملوك المملكة الجنوبية عُزّيا (769ـ 733 ق. م) الذي دام حكمه فترة طويلة إذ توقفت القوة الآشورية عن التدخل في المنطقة بعد أن ألحقت الهزيمة بآرام دمشق، وهو ما أفسح له المجال للحركة، وخصوصاً في غياب قوى عظمى أخرى. فأعاد تنظيم الجيش وزوَّده بأسلحة جديدة، وبنى الحصون لعمليات الاتصال والدفاع، وحصَّن القدس على وجه الخصوص تحسُّباً للهجوم الآشوري المتوقع، وشجع الزراعة وأعاد بناء ميناء إيلات على البحر الأحمر. وقد غزا عُزِّيا المدن الفلستية وترأَّس حلفاً من ملوك الدويلات التي كانت تعارض تيجلات بلاسر الآشوري، وهو ما يعني أن المملكة الجنوبية كانت قد أصبحت في ذلك الوقت أكثر أهمية من الشمالية، وذلك من ناحية سياستها الدولية في المنطقة. ووصلت المملكة الجنوبية إلى قمة ازدهارها في عهد عُزِّيا الذي ظهر فيه النبي أشعياء. وثمة إشارات إلى وجود توتر بين الملك والكهنة، ولعله استمرار للتوتر الذي بدأ في عهد أبيه. وقد أصبحت القوة الآشورية عنصراً أساسياً في السياسة الداخلية للمملكة الجنوبية. فبعد أن اعتلى يوثام العرش (758 ـ 743 ق. م) (ويبدو أنه اعتلى العرش وحكم بعض الوقت تحت رعاية أبيه) بدأت الضغوط على المملكة الجنوبية للانضمام إلى الحلف المعادي للآشوريين، ولكنه قاومها. وقد ظهر النبي ميخا في عهده. وقامت كلٌّ من المملكة الشمالية وآرام بمهاجمة المملكة الجنوبية في عهد الملك آحاز (733 ـ 727 ق. م) حينما رفض الأخير الانضمام إلى الحلف المعادي لآشور، فطلب الملك العون من تيجلات بلاسر الذي قام بغزو سوريا والمملكة الشمالية عام 733 ق. م فأخضعهما وقضى على حكم المملكة الشمالية. أما المملكة الجنوبية، فقد دفعت الجزية له، وهو ما ضمن لها الاستمرار. وقد نتج عن ذلك أيضاً تبعية دينية لآشور إذ شيد آحاز مراكز للعبادة الآشورية. وقد اقتحم الفلستيون مدن السواحل وجنوبي مملكته، كما هاجمه الأدوميون. واستمرت نبوة أشعيا وميخا في عصر آحاز، وكان أشعياء ضد التحالف مع آشور. ومع زوال المملكة الشمالية، أصبحت المملكة الجنوبية معرضة بشكل مباشر للنفوذ الآشوري، وتَنازَع سياستها الداخلية حزبان: أحدهما آشوري والآخر مصري. وقد بدأ حزقيا (727 ـ 698 ق. م) عهده بممالأة آشور والخضوع لها، الأمر الذي ضمن له فترة من الهدوء النسبي، ولكنه نحا بعد ذلك منحىً استقلالياً أو معادياً لآشور بتشجيع من مصر. وقد أخذ هذا الاتجاه شكل تطهير الدين من النفوذ الآشوري، ومن المعابد والمذابح والوثنيين. وقد أيَّد النبي أشعياء الذي كان له نفوذ كبير في المملكة هذه الإصلاحات. ثم تحالف حزقيا مع المدن الفلستية المجاورة وغير ذلك من الدويلات المدن وقام بتمرد ضد آشور عام 722 ق. م. ولذلك، قام سرجون الثاني بإرسال حملة تأديبية استولت على المدن الفلستية، ولكنها لم تدخل أدوم أو يهودا أو مؤاب. وبعد موته عام 705 ق. م، قاد حزقيا، بتشجيع من مصر وبابل، حلفاً يضم أدوم ومؤاب وصيدا والمدن الفلستية. فقام سناخريب (خلف سرجون) بغزو المملكة الجنوبية في عام 701 ق. م، واستولى على كثير من المدن، وهزم القوة المصرية التي أُرسلت لمساعدة المملكة الجنوبية، ولكن جيشه رفع الحصار (ربما بسبب حدوث خلافات داخلية في آشور) دون أن تسقط القدس. وقد سُمح لحزقيا بالاحتفاظ بعرشه على أن يدفع الجزية ويتنازل عن ثلاث وأربعين مدينة. وقد دفع ابنه منَسَّى (698 ـ 642 ق. م) الجزية أيضاً، فعاشت مملكته في سلام مدة نصف قرن تحت نفوذ آشور التي كانت تشهد آنذاك آخر أعوام حكامها العظام. ونجم عن ذلك أن جميع الآلهة الأجنبية (مثل بعل) كانت تُعبَد في الهيكل. ولذا، يُعَدُّ عهد منَسَّى من أسوأ العهود من وجهة النظر الدينية. وبعد أن قُتل ابنه آمون (641 ـ 640 ق. م) ، بسبب خضوعه الكامل للقوة وللعبادة الآشورية، اعتلى يوشيا العرش (639 ـ 609 ق. م) وهو بعد في الثامنة. وأخذت الدولة الآشورية في الضعف، الأمر الذي ساعد على ظهور حركة استقلالية جديدة أخذت شكل إصلاح ديني أيَّده الأنبياء المعاصرون مثل إرميا. وأثناء إصلاح الهيكل، عثر الكاهن الأعظم على كتاب الشريعة الذي يُقال إنه جزء من سفر التثنية، فدعا الملك الشعب إلى اجتماع وعقد ميثاقاً مع الرب. وأزال الملك الأماكن المرتفعة التي تُعبَد فيها الآلهة الأخرى (الإصلاح التثنوي) ، وركز العبادة في القدس. وقد حاول يوشيا، عام 608 ق. م، أن يُوقف مرور الجيش المصري بقيادة الفرعرن نخاو الذي كان يتحرك لمساعدة آشور ضد بابل ولكنه هُزم وقُتل في معركة مجدو. واعتلى يوآحاز العرش، ولكن نخاو خلعه بعد ثلاثة أشهر من الحكم وقبض عليه. أما خلفه يهوياقيم (609 ـ 598 ق. م) الذي عيَّنه المصريون على عرشه، فقد ظل تابعاً لهم مدة ثلاثة أعوام. ولكن، مع هزيمة المصريين على يد البابليين في معركة قرقميش (عام 605 ق. م) ، أصبح يهوياقيم تابعاً لبابل. ولكنه انضم عام 601 ق. م إلى الحزب الممالئ لمصر في المملكة الجنوبية ضد نصيحة إرميا، وتحدَّى نبوختنصر ملك الدولة البابلية الذي كانت جيوشه قد ألحقت الهزيمة بنخاو عام 605 ق. م ووصلت إلى فلستيا، وتم تهجير بعض سكان يهودا إلى بابل. بل يبدو أن الجيوش البابلية وصلت إلى القدس عام 603 ق. م. وكان يهوياقيم خاضعاً لبابل مع احتفاظه بالعلاقات مع مصر التي شجعته ووعدته بتقديم المساعدة. وحينما تمتعت مصر بازدهار مؤقت وهزمت نبوختنصر، تمرَّد يهوياقيم على بابل. وكان النبي إرميا ضد الحلف الجديد مع مصر، وبيَّن أن الخلاص الوحيد يكمن في الخضوع لبابل. وحينما قام نبوختنصر بفرض الحصار على القدس، لم تصل الإمدادات الموعودة من مصر، ومات يهوياقيم أثناء الحصار عام 598 ق. م، فاعتلى ابنه يهوياكين العرش مدة ثلاثة أشهر وعشرة أيام قبل أن يستسلم لنبوختنصر، وسقطت القدس ونُفيَ الملك إلى بابل. ولكن نبوختنصر عيَّن أحد أبناء يوشيا (صدقياهو) ملكاً على يهودا من عام 597 إلى عام 587 ق. م، فتظاهر بالولاء للقوة الجديدة. ولكنه في العام التاسع من حكمه، تحالف مع المصريين وحاول الاستقلال عن بابل وانضم إلى التمرد الذي ضم فينيقيا وشرق الأردن وكل فلسطين، وذلك بتشجيع من مصر التي أرسلت قوة لمساعدة يهودا. ولكن القوة المصرية هُزمت، وباءت محاولة الاستقلال بالفشل ودُمِّرت القدس ومدن المملكة الجنوبية كلها وهُجِّرت النخبة إلى بابل. ثم أصبحت سوريا كلها مستقرَّة في قبضة الإمبراطورية البابلية الجديدة (تحالف الكلدانيين والحوريين) . وقد عُيِّن جدَاليا حاكماً على ما تبقى من فقراء العبرانيين في الغرب، ولكنه اغتيل بعد عدة شهور. وقُتل بعض الجنود البابليين فخاف العبرانيون من انتقام البابليين، وهاجرت جماعات كبيرة منهم إلى مصر واستوطنتها. وتحوَّلت المملكة الجنوبية إلى وحدة إدارية تابعة لبابل. المملكة الشمالية (يسرائيل - إفرايم) (Northern Kingdom (Ysrael; Ephraim بعد موت سليمان عام 928 ق. م وانقسام اتحاد القبائل العبرانية (المملكة العبرانية المتحدة) ، أُطلق اسم «يسرائيل» أو «إفرايم» على المملكة الشمالية، كما كانت تُسمَّى أحياناً «السامرة» نسبة إلى عاصمتها. وكانت تقع حسب الرواية التوراتية والمدونات التاريخية على بحيرة طبرية، وتضم نهر الأردن والضفة الغربية ومنها نابلس وأجزاء من الضفة الشرقية والجليل. وكان لهذه الدولة على خلاف المملكة الجنوبية، شريط ساحلي. كما أن مساحتها كانت تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة المملكة الجنوبية. وكانت قبيلة إفرايم من أهم قبائل هذه المملكة وجاء منها معظم ملوك المملكة، ولهذا سُمِّي اتحاد هذه القبائل باسمها. وبدأ تاريخ المملكة الشمالية حينما بايعت القبائل العبرانية العشر يُربعام ملكاً، رافضةً إعطاء البيعة لرُحبعام بن سليمان الذي نُصِّب ملكاً على قبيلتي الجنوب في اتحادهما المسمَّى «المملكة الجنوبية» . كانت المملكة الشمالية أكثر أهمية من الناحية السياسية والاقتصادية. ومع هذا، كانت تتنازعها الخصومات إذ لم يكن لها مركز ديني قوي مثل القدس، ولم تكن عبادة يهوه القومية راسخة فيها. وقد كانت الأسرة الحاكمة فيها لا تتمتع بشرعية قومية دينية مثل أسرة داود. كما كانت أكثر تعرضاً للغزو الخارجي من المملكة الجنوبية، ولم يكن لملوكها سياسة خارجية واضحة. وكانت مكوَّنةً من عناصر قَبَلية كثيرة غير متجانسة إذ كانت تضم عشر قبائل في مقابل قبيلتين في المملكة الجنوبية. ولكل هذا، نجد أنها في فترة لا تزيد على ثلاثة قرون وعشر سنوات، حكمها تسعة عشر ملكاً ينتمون إلى تسع أسر، مات منهم عشرة عن طريق العنف وحكم سبعة فترة أقل من سنتين. ولم تتمتع المملكة بأي استقرار إلا لفترة وجيزة (887 ـ 743 ق. م) . وسعى رؤساء القبائل الشمالية إلى التهوين من شأن القدس وهيكلها حتى من الناحية الدينية، واستعاضوا عن ذلك بتأسيس معابد محلية لممارسة شعائر الدين متأثرين في ذلك بنظام العبادات الكنعانية الذي يتَّسم بعدم مركزية مقرّ الإله. كما أقيم في السامرة معبد لينافس الهيكل فيحج إليه الشماليون، وخصوصاً بعد أن منعهم الجنوبيون أنفسهم من الحج إلى القدس، كما أسسوا أماكن مقدَّسة محلية في دان وبيت إيل. وأول ملوك المملكة الشمالية يُربْعام الأول (928 - 907 ق. م) من قبيلة إفرايم القوية. وكان من المشرفين على أعمال السخرة في عهد سليمان، لكنه قاد الثورة ضده بسبب ضرائبه ومطالبه التي أثقلت كاهل الناس. وحينما فشل التمرد، فرَّ إلى مصر حيث لجأ إلى شيشنق فرعون مصر الليبي (الأسرة 22) . وبعد موت سليمان، ترأس الوفد الذي أرسلته قبائل الشمال ليقابل رُحبعام مطالباً بتعديل نظام الضرائب والسخرة. وعندما رُفض الطلب، أعلنت قبائل الشمال استقلالها وتوَّجت يُربْعام ملكاً. ويبدو أن رُحبعام لم يتمكن من ضرب المملكة الجديدة خوفاً من تهديد شيشنق الذي كان يهمه القضاء على مملكة سليمان. واتخذت المملكة من شكيم عاصمة لها، لكنها نقلت بعد ذلك إلى بنوئيل عبر الأردن، وأخيراً إلى ترصه. وقد أسس يُربعام معبداً في بيت إيل ودان، وجعل رمز الديانة العجول الذهبية. كما غيَّر يُربْعام موعد الأعياد حتى يحوِّل حجاج مملكته عن الذهاب إلى القدس، وطرد اللاويين الذين كانوا يشكلون جزءاً من المملكة العبرانية المتحدة ومن إدارتها. وخاض يُربعام حرباً دائمة مع المملكة الجنوبية التي رفضت الاعتراف بالتقسيم. ويبدو أن شيشنق قام بغزو المملكة الشمالية (ربما بعد موت يُربْعام) رغم أن عداءه كان موجهاً أساساً ضد المملكة الجنوبية. وتاريخ المملكة الشمالية بعد ذلك تاريخ اضطرابات وعنف وتحالفات مؤقتة. فبعد موت يُربْعام الأول الذي تميَّز حكمه بالاستقرار، اعتلى ابنه ناداب العرش (907 ـ 906 ق. م) ، ولكنه اغتيل هو وبقية أعضاء أسرته أثناء حربه ضد الفلستيين على يد منافسه بعشا (906 - 883 ق. م) من قبيلة يَسَّاكر الذي أنهى حكم قبيلة إفرايم وأبَّرم تحالفاً مع بن هدد الأول ملك آرام فحاربا معاً ضد المملكة الجنوبية. وحينما غيَّر بن هدد موقفه وتخلى عن تحالفه، هُزم بعشا وتنازل عن جزء من أراضيه. واعتلى ابنه إيلا العرش (883 ـ 882 ق. م) ، لكن زمري، قائد عرباته العسكرية، قتله وهو يحاصر إحدى المدن الفلستية وحلّ محله (882 ق. م) . ولم يدم حكم زمري طويلاً لأن الجيش انتخب عمري (882 ـ 871 ق. م) ملكاً وحاصر العاصمة، وهذا ما اضطر زمري إلى أن يضرم النار في نفسه وفي قصره بعد أن حكم لمدة عام واحد. ولكن عمري لم يُحكم قبضته على المملكة إلا بعد ست سنوات من الحرب الأهلية ضد تبني بن جينه الذي أعلن نفسه ملكاً. وقد جعل عمري من السامرة عاصمة لمملكته، وابتنى فيها لنفسه قصراً. وقد كان الخوف من القوة الآرامية وسطوتها العنصر الأساسي في السياسة الخارجية عند عمري في تلك الفترة. ويبدو أن الضغوط الآرامية كانت قوية إلى درجة أن المملكة اضطرت إلى منح الدول/المدن الآرامية الحق في فتح وكالات تجارية في السامرة وكذلك إعطائها امتيازات خاصة. ولمعادلة هذا الموقف، قام عمري بتقوية علاقاته مع الفينيقيين (صور وصيدا) ، فزوَّج ابنه من إيزابيل ابنة ملك صيدا، لتدعيم التحالف على عادة الملوك القدماء. وقد أتاح هذا التحالف الفرص التجارية أمام المملكة الشمالية حتى إنها نجحت في إقامة علاقات تجارية مع قبرص. وقد كان لهذا التحالف أعمق الأثر في الحياة الدينية في المملكة إذ أن العبادات الوثنية في صيدا كانت قد انتشرت بين الطبقات الثرية. وقد حاول عمري إقناع المملكة الجنوبية بالانضمام إلى محور صيدا ـ السامرة. ونظراً للسلام المؤقت الذي تمتعت به المملكة الشمالية، نجح عمري في استعادة الهيمنة على المؤابيين، وقام بحركة عمرانية قوية، وأحاط العاصمة بعدد كبير من التحصينات، وقد تمتعت المملكة بدرجة لا بأس بها من الازدهار حتى أن الآشوريين كانو يُعرِّفون المملكة الشمالية باسم «مملكة عمري» . واعتلى أخاب بن عمري العرش (871 - 852 ق. م) ، فأدخلت زوجته إيزابيل عبادة بعل في المملكة الشمالية، وهو ما أدَّى إلى قيام صراع شديد بين البيت الملكي والأنبياء بقيادة النبي إلياهو. وبعد أن قام أخاب بعدة معارك ضد آرام دمشق، تحالف مع ملكها بن هدد ضد الآشوريين الذين كانوا قد أصبحوا خطراً حقيقياً يتهدد الجميع بعد حملة آشور ناصر بال في عام 870 ق. م، ونجحوا في صدهم مؤقتاً في معركة قرقار، وإن كان يُقال إن نتيجة المعركة لم تكن حاسمة لأي من الطرفين. ثم تحالف أخاب، بعد ذلك، مع يهوشافاط ملك المملكة الجنوبية وحاربا ضد مملكة آرام دمشق، ولكنهما هُزما وقُتل أخاب في المعركة. وأخاب أول ملك عبراني يُذكَر اسمه في أحد الأنصاب الآشورية باعتباره أحد الملوك الذين هزمتهم آشور. وخلف أخاب ابنه آحازيا (852 ـ 851 ق. م) الذي هاجمه إلياهو باعتباره مشركاً وثنياً، وقد حاول آحازيا أن يكون جزءاً من المشاريع البحرية للمملكة الجنوبية ولكن طلبه رُفض، وهو ما أدَّى إلى توتر العلاقة بين المملكتين. ثم اعتلى يورام (851 ـ 842 ق. م) العرش من بعده، وألحق المؤابيون به الهزيمة وحصلوا على استقلالهم، كما هاجم الآراميون مملكته، وجُرح وهو أثناء معركة خاضها ضدهم لاسترداد إحدى المدن. وأدَّت هزائمه العسكرية المتكررة إلى ضعضعة سلطته، ثم اغتيل آحازيا على يد ياهو (842 ـ 814 ق. م) زعيم الانقلاب العسكري الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها كما قتل كهنة بعل. وقد قطع ياهو علاقات مملكته مع حلفائها السابقين (الدول/المدن الفينيقية والمملكة الجنوبية) وهو ما جعلها عرضة للغزو الأجنبي، فقامت قوات الآراميين بغزوها وألحقت الهزيمة به، فاضطر إلى دفع الجزية لشلمانصر الثالث لكي يحميه من الآراميين، وهذا ما خفف من الضغط الآرامي بعض الوقت. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض عند قدمي هذا الأخير ويُقدِّم الجزية. ولكن، بعد أن مني شلمانصر بالفشل في إخضاع عاصمة آرام، هاجمت الجيوش الآرامية المملكة الشمالية مرة أخرى وضمت الأراضي التابعة لها شرقي الأردن. وفي أواخر حكمه، اخترقت الجيوش الآرامية مملكته ووصلت إلى حدودها مع المملكة الجنوبية، ثم دخلت مملكته مرحلة التدهور. وخلال حكم يوآحاز (814 ـ 800 ق. م) ، كانت المملكة الشمالية مجرد مملكة تابعة لآرام التي تحكمت في أجزاء كبيرة من أراضيها وحدَّت من قوتها العسكرية، فانكمشت المملكة لتصبح دويلة. وقد انحسر المد الآرامي بعض الشيء بوصول حملة تأديبية آشورية بقيادة أدادنيراري الثالث الذي تشير إليه المصادر التوراتية باعتباره المخلِّص (ملوك ثاني13/5) . ويبدو أن يوآحاز دفع الجزية، مثل يهو، للملك الآشوري. وانتهز يوآش (800 ـ 784 ق. م) فرصة ضعف آرام بعد هزيمتها على يد الآشوريين، واستعاد بعض المدن التي كان قد فقدها. وحينما حاول ملك المملكة الجنوبية أن يتخلص من الهيمنة الشمالية، استولى يوآش على القدس، ونهب الهيكل والكنوز الملكية، وحوَّل المملكة الجنوبية مرة أخرى إلى مملكة تابعة. وقد أتى ذكر يوآش، في أحد النقوش الآشورية، باعتبار أنه كان يدفع الجزية لملك آشور. ووصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي أثناء حكم يُربْعام الثاني (784 - 748 ق. م) إذ تمتعت بشيء من الاستقلال نظراً لضعف الآشوريين النسبي. وانتهز يُربْعام الثاني فرصة هزيمة آرام على يد الآشوريين، فاستعاد كل الأراضي التي استولت عليها آرام من قبل بل ضم بعض المدن الآرامية، فاتسعت رقعة مملكته. كما أقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، وأقطع ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأرض، وقام بحركة بناء واسعة النطاق. وقد أدَّى كل ذلك إلى نشوء طبقة ذات نفوذ كبير من الملاك الأثرياء. وتميَّز حكمه بالفساد الداخلي والانحلال الخلقي، وهو ما دفع النبيين عاموس وهوشع إلى الهجوم عليه واستنكار أفعاله. وسادت فترة من الاضطرابات اتَّسمت بالصراع الطبقي ولعب فيها ملاك الأراضي في شرق الأردن دوراً كبيراً. وقد اُغتيل ابنه زكريا عام 748 ق. م بعد ستة أشهر من اعتلائه العرش، وانتهى بذلك حكم أسرة ياهو. وفي عام 748 ق. م، حكم شلوم رئيس الانقلاب (وكان من شرق الأردن) شهراً واحداً دون أن يعتلي العرش إذ قتله مناحم (747 - 737 ق. م) الذي كان هو الآخر من شرق الأردن. وقد حاول مناحم أن يوسِّع حدود مملكته ويؤسِّس حكماً ثابت الدعائم، ولكن يد آشور الحديدية منعته. وحينما هاجم تيجلات بلاسر سوريا ثم المملكة الشمالية، دفع له مناحم جزية كبيرة. وحكم فقحيا بن مناحم (737 ـ 735 ق. م) عاماً واحداً، ولكن قائد جيشه فاقح (أحد نبلاء جلعاد) قام بانقلاب ضده وقتله واستولى على العرش (735 ـ 733 ق. م) . ويبدو أن سبب المؤامرة هو عدم رضا أثرياء شرق الأردن عن الهيمنة الآشورية، إذ كانت لهم علاقات قوية بآرام. وكان فاقح زعيم الحزب المعادي للآشوريين، فتحالف مع رزين ملك آرام دمشق، حيث هاجما معاً المملكة الجنوبية ليرغما يوثام ثم ابنه آحاز على دخول الحلف. وقد لجآ إلى تشجيع الاضطرابات في أدوم وفلستيا وجردا حملة على القدس لإرغام المملكة الجنوبية على الانضمام إليهما. ولكن آحاز استغاث بالآشوريين، فقامت القوات الآشورية بالهجوم على أعضاء التحالف وقضت على آرام دمشق كدولة. واستولت القوات الآشورية كذلك على أراضي الجليل وجلعاد، وأخذت منها أسرى إلى آشور. وقد قُتل فاقح على يد هوشع (730 ـ 724 ق. م) آخر ملوك المملكة الشمالية. وتقول المصادر الآشورية إن هوشع اعتلى العرش بمساعدة آشور، وأن مملكته قامت حول جبل إفرايم. وبعد موت تيجلات بلاسر الثالث، نشبت الثورات في سوريا وانضمت المملكة الشمالية بتشجيع من مصر للثورة، فجرَّد شلمانصر الخامس حملة وحاصر السامرة ثلاث سنوات إلى أن سقطت في يد خلفه سرجون الثاني (721 ق. م) ، فهجَّر عدداً كبيراً من رجالها وأصبحت المملكة الشمالية مقاطعة آشورية. يُربْعام الأول (928-907 ق. م) Jeroboam I «يُربعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربعام الأول أول ملوك المملكة الشمالية بعد انقسام المملكة المتحدة. كان يُربْعام يعمل عند سليمان ناظراً للعمال من قبيلة إفرايم المسخَّرين للعمل. وبدأت العناصر الساخطة تتجه إليه ليكون زعيماً للتمرد على هيمنة سليمان والجنوب. ولما عرف سليمان بالمؤامرة طلب قتله، فهرب إلى مصر عند الفرعون شيشنق، وبقي هناك إلى ما بعد موت سليمان. وقاد يُربعام الوفد الذي طلب من رُحبعام الإصلاح. وحينما رفض الأخير، ثار الشماليون وأسسوا مملكتهم وخاضوا حرباً مع المملكة الجنوبية استمرت اثنين وعشرين عاماً. وقد اتخذ يُربعام من شكيم عاصمة لدولته. وخشية أن يذهب العبرانيون إلى القدس للأعياد ويجددوا ولاءهم القديم لبيت داود، نصب يُربْعام عجلين من ذهب ربما بتأثير العبادة المصرية التي عرفها أثناء فترة نفيه؛ أحدهما في بيت إيل والآخر في دان ـ أي في طرفي مملكته ـ ونادى بوجوب عبادتهما. وإلى جانب العجل، مجَّد يُربْعام آلهة أخرى منها عشتاروت الإلهة الفينيقية وكموش إله المؤابيين. وقد أيَّد جميع الملوك الذين تعاقبوا على المملكة الشمالية هذه العبادة (ما عدا يوشيا) . وغيَّر يُربعام تاريخ عيد الحصاد بحيث أصبح في الخامس عشر من الشهر الثامن في المملكة الشمالية، وقد كان يقع في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع. وقد طرد يُربعام اللاويين الذين كانوا يشكلون الجهاز الإداري للملكة العبرانية المتحدة، ونقل عاصمته من شكيم إلى بنوئيل لتَعذُّر تحصين الأولى. ثم انتقلت العاصمة إلى ترصه إلى أن استقرت في نهاية الأمر في السامرة. رُحْبعام (928-911 ق. م) Rehoboam «رُحبعام» اسم عبري معناه «اتسع الشعب» . ورُحبعام هو ابن سليمان من نعمة العمونية. طلب منه ممثلو القبائل العبرانية الشمالية، تحت قيادة يُربْعام، أن يخفِّف من النير الذي حمَّلهم إياه أبوه، فرفض طلبهم وهدَّدهم بمزيد من الضرائب، فانشقت القبائل الشمالية عن المملكة العبرانية المتحدة وأسست مملكة مستقلة هي المملكة الشمالية. وقامت الحرب بين رُحْبعام ويُربْعام واستمرت طيلة حكمه، كما انتشرت العبادة الوثنية في مملكته. وأثناء حكمه أيضاً، غزا شيشنق مملكته واستولى على بعض المدن لبعض الوقت، ومنها القدس نفسها، ونهب الهيكل والقصر الملكي. آسا (908-767ق. م) Asa «آسا» اسم عبري معناه «الآسي» أي «الطبيب» . ولعل الاسم اختصار لعبارة «يهوه آسا» أي «الرب داوى وشفى» . وقد تحالف آسا، وهو أحد ملوك المملكة الجنوبية، مع بن هدد ملك آرام دمشق، لكي يوقف الغزو الذي قامت به المملكة الشمالية، وقام بتحصين الحدود بين المملكتين، وهو ما يعني أن الأمل الذي كان يراود حكام المملكة الجنوبية باستعادة المملكة الشمالية قد انتهى. وقد عُرفت العبادات الوثنية في عهده. ولكنه، مع هذا، قام بإصلاح ديني يهدف إلى تحطيم التماثيل وهدم المذابح والمرتفعات، وهي أماكن مقدَّسة مرتبطة بالعبادة الوثنية. ومع هذا، لم يسايره الشعب في جميع إصلاحاته، فبقيت المرتفعات على حالها. عمري (882-871 ق. م) Omri «عمري» اسم عبري ربما كان معناه «مفلح» . وهو اسم أحد ملوك المملكة الشمالية. كان عمري قائداً للجيش. وأثناء محاصرته لإحدى المدن الفلستية وصله نبأ استيلاء زمري على العرش وأن الجيش بايعه ملكاً، فقاد عمري قواته إلى مدينة ترصه وفتحها فانتحر زمري. ثم قامت بينه وبين تبني بن جينه حرب أهلية استمرت خمسة أعوام انتصر في نهايتها عمري وأسس أسرة ملكية حاكمة تُعرَف باسمه، وجعل السامرة عاصمة مملكته. وقد سمَّى الآشوريون المملكة الشمالية «بيت خمري» أي «بيت عمري» . وقد ازدهرت التجارة في عصره نظراً لأنه خضع للضغوط الآرامية وسمح للمدن/الدول الآرامية بأن تفتح وكالات تجارية تابعة تتمتع بامتيازات خاصة. ولمعادلة هذا الموقف، قوى عمري علاقاته مع الفينيقيين، فزوَّج ابنه أخاب من إيزابيل ابنة ملك صيدا. وقد انعكست علاقاته السياسية والتجارية المتشابكة على الاتجاهات الدينية في عصره إذ دخلت عناصر من عبادات صيدا الوثنية على العبادات اليهودية في المملكة الشمالية. ولقد نجح عمري في فرض هيمنته على المؤابيين. أخاب (871-852 ق. م) Ahab «أخاب» اسم عبري معناه «أخو الأب» ، وهو ابن عمري أحد ملوك المملكة الشمالية. وقد بدأ حكمه نحو عام 871 ق. م. أثرت فيه زوجته إيزابيل ابنة ملك صيدا (وكانت امرأة وثنية) فانقاد لها وأدخل عبادة بعل، وهو ما أدَّى إلى احتدام الصراع بينه وبين الأنبياء. وتحالف أخاب مع الفينيقيين والمملكة الجنوبية ليقف ضد آشور، ونجح هذا التحالف في صد الآشوريين بشكل مؤقت (في معركة قرقار) وإن لم تكن نتيجة المعركة حاسمة. ثم تحالف مع يهوشافاط ملك المملكة الجنوبية، فحاربا معاً ضد آرام دمشق ولكنهما هُزما. وخر أخاب صريعاً في المعركة وسال دمه من مركبته فلحسته الكلاب، كما تنبأ النبي إلياهو. إيزابيل (؟ -843 ق. م) Jezebel «إيزابيل» اسم عبري يعني «غير مرتفع» . وإيزابيل زوجة أخاب أحد ملوك المملكة الشمالية (871 ـ 852 ق. م) ، وابنة إثبعل ملك صور وصيدا وكاهن عشتروت، وقد عقد عمري الزواج بين أخاب وإيزابيل لتقوية العلاقة بين المملكة الشمالية والمدن/الدول الفينيقية. ومن هنا قويت عبادة بعل، وقد تنبأ لها إلياهو بأن الكلاب ستأكلها. وقد قُتلت إيزابيل أثناء انقلاب ياهو (843 ق. م) والذي تم بتشجيع من إلياشع صديق إلياهو. يهوشافاط (867-846 ق. م) Jehoshaphat «يهوشافاط» اسم عبري معناه «يهوه قضى» . ويهوشافاط اسم رابع ملوك المملكة الجنوبية وابن الملك آسا. عقد تحالفاً مع أخاب ملك المملكة الشمالية وحارب معه ضد الآراميين، ولكنه هُزم في الحرب (كما قُتل حليفه أخاب) . وفيما بعد، تحالف مع يورام وقام بحملة ضد مؤاب وأحكم سيطرته على أدوم. وأسس يهوشافاط أسطولاً بحرياً تجارياً في البحر الأحمر في عصيون جابر (إيلات) ، ولكن عاصفة هبَّت عليه أغرقته قبل أن يبحر. أحزيا (852-851 ق. م) Ahaziah «أحزيا» اسم عبري معناه «الرب أمسك» . وقد سُمِّي بهذا الاسم كل من: 1 ـ ثامن ملوك المملكة الشمالية وهو ابن أخاب وإيزابيل. وقد تخلَّى هذا الملك عن عبادة يهوه واتبع العبادة الوثنية. 2 ـ سادس ملوك المملكة الجنوبية (843 - 842 ق. م) وأمه عثليا ابنة أخاب. خاض معركة ضد ملك سوريا الآرامي، وقتله ياهو أثناء زيارته ليورام ملك المملكة الشمالية. ياهو (842-814 ق. م) Jehu «ياهو» اسم عبري معناه «هو يهوه» . وقد كان ياهو زعيم الانقلاب العسكري في المملكة الشمالية الذي أطاح بأسرة أخاب وقتل أعضاءها، كما قتل أحزيا ملك المملكة الجنوبية الذي كان في زيارة يورام وإيزابيل. حاول القضاء على عبادة بعل عن طريق اغتيال كهنتها ولكنه لم يُوفَّق. قام هو نفسه بعبادة العجول الذهبية فيما بعد، ودفع الجزية لشلمانصر الثالث. ويظهر هذا الملك على المسلة السوداء التي أقامها الملك الآشوري وهو يُقبِّل الأرض ويُقدِّم الجزية. يوآش (836-798 ق. م) Joash «يوآش» اسم عبري معناه «يهوه قوَّاه» أي منحه القوة، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم ثامن ملوك المملكة الجنوبية (836 ـ 798 ق. م) الذي أعاد عبادة الهيكل لبعض الوقت ولكنه عاد وارتد إلى العبادة الوثنية ودفع الجزية لملك آرام ثم اغتيل بعد حكم دام نحو أربعين عاماً. يوآش (800-784 ق. م) Joash «يوآش» اسم عبري معناه «يهوه منحه القوة» ، وهو اختصار للاسم «يهوآش» . وقد سُمِّي بهذا الاسم الملك الثاني عشر من ملوك المملكة الشمالية (800 ـ 784 ق. م) وهو الثالث في سلالة ياهو. عبد العجل الذهبي واسترجع المدن التي كان الآراميون قد أخذوها بعد هزيمتهم على يد الآشوريين، وهزم أيضاً ملك المملكة الجنوبية ونهب الهيكل والكنوز الملكية. يُربْعام الثاني (784-748 ق. م) Jeroboam II «يُربْعام» اسم عبري معناه «يكثر أو يربو الشعب» . ويُربْعام الثاني هو الملك الثالث عشر بين ملوك المملكة الشمالية. اتَّسم حكمه بالازدهار واستتباب الأمن. وفي عهده، وصلت المملكة إلى قمة ازدهارها الاقتصادي والعسكري والسياسي بسبب ضعف الآشوريين النسبي وانهزامهم. وأقام يُربْعام الثاني مستعمرات في شرق الأردن، ومنح ضباطه وأتباعه رقعاً كبيرة من الأراضي، فنشأت طبقة من كبار الملاك الأثرياء. وقد انتشرت في عهده عبادة الأوثان، وفي عصره، حذَّر النبيان عاموس وهوشع من مغبَّة الانحلال. عُزيَّا (769-733 ق. م) Uzziah «عُزِّيا» اسم عبري معناه «مجد الرب» . وعُزِّيا أحد ملوك المملكة الجنوبية الذي يُسمَّى أيضاً «عزريا» ، وهو ابن إمصيا. وفي عهده تحرَّرت مملكته من هيمنة المملكة الشمالية، فنظَّم الجيش وحصَّن القدس وغزا المدن الفلستية. ترأس حلفاً من ملوك الدويلات التي كانت تعارض آشور حتى أصبحت مملكته الجنوبية أكثر أهمية من المملكة الشمالية. هوشع (750-722 ق. م) Hoshea «هوشع» اسم عبري معناه «الخلاص» . وهوشع آخر ملوك المملكة الشمالية. كان صنيع الآشوريين. ولكنه عاد وتحالف مع المصريين، فهاجمه الآشوريون وفرضوا عليه دفع الجزية، ولكنه امتنع عن دفعها بتشجيع من المصريين. وحين أتى شلمانصر واحتل السامرة، أخذ هوشع أسيراً، وأتم سرجون الفتح وأكمل تهجير (سبي) القبائل الشمالية. آحاز (743-727 ق. م) Ahaz «آحاز» اسم عبري معناه «هو أمسك» ، أي «الرب أمسك» . وآحاز هو الملك الحادي عشر من ملوك المملكة الجنوبية. وقد ورد اسمه بصيغة «أحاز» . هاجمت كلٌّ من آرام دمشق والمملكة الشمالية مملكته لترغماه على الانضمام للحلف المعادي لآشور، فطلب آحاز العون من آشور، فهبَّ تيجلات بلاسر الآشوري لنجدته وقضى على المملكة الشمالية. وقد نتج عن ذلك تبعية دينية للآشوريين إذ شيَّد آحاز مذبحاً في القدس لآلهة آشور كما أدخل كثيراً من العبادات الوثنية الأخرى. وقد اقتحم الفلستيون مدن السواحل وجنوبي مملكته، كما هاجمه الأدوميون. حزقيا (727-698 ق. م) Hezekiah «حزقيا» اسم عبري معناه «الرب قد قوى» أو «الرب قوة» . وحزقيا هو ابن آحاز ملك المملكة الجنوبية. كان تابعاً لآشور ولكنه حاول أن يستقل عنها، فقام بإصلاح ديني وتحالف مع مصر، ولكن إرميا حذره من مغبَّة ذلك. وقد حاصر سناخريب القدس في عهده وأخضعه واضطره إلى دفع الجزية. منَسَّى (698-642 ق. م) Manasseh «منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» ويُنطَق أيضاً «منشَّى» . ومنَسَّى أحد ملوك المملكة الجنوبية. تبوَّأ العرش بعد حزقيا وحكم يهودا مدة أطول من أي ملك آخر (698 ـ 642 ق. م) . ويعتبره كاتب سفر الملوك أسوأ الملوك طراً (ملوك ثاني 21/1 ـ 18) . ولكن سفر الأخبار الثاني يقدم صورة أكثر تعاطفاً معه (أخبار ثاني 33/1ـ 20) . وقد عاشت المملكة الجنوبية في عصره في سلام إذ أنه دفع الجزية لآشور، وهو ما كان يعني أن الآلهة الأجنبية مثل بعل وآشور كانت تُعبَد في الهيكل. يوشيا (639-609 ق. م) Josiah «يوشيا» اسم عبري معناه «يهوه يواسي» . وقد اعتلى يوشيا عرش المملكة الجنوبية وهو بعد في الثامنة. وكان يرشده في حداثته حلقيا (الكاهن الأعظم) الذي أدار شئون المملكة باسمه. وحين أخذت الدولة الآشورية في الضعف، وتحركت مصر لمساعدة آشور ضد بابل، ساعد هذا على توسيع رقعة استقلال المملكة الجنوبية، الأمر الذي انعكس على الدين والمؤسسة الدينية. وعندما بلغ يوشيا الثامنة عشرة من عمره، عثر شافان (الكاتب) على كتاب سفر الشريعة (نواة السفر المعروف بسفر التثنية) وعلى مجموعة من المواد التشريعية أثناء دفعه أجور العمال الذين كانوا يقومون بأعمال الترميم في الهيكل. وأَخبَر شافان بذلك الكاهن الأعظم حلقيا الذي قرأ السفر على يوشيا. ومن هنا بدأت الحركة الإصلاحية الدينية الجذرية الاستقلالية المعروفة باسم «الإصلاح التثنوي» . وقُرئ السفر على أفراد الشعب، فعاهدوا أنفسهم على عبادة يهوه دون سواه، وهدموا مذابح البعل وأزالوا المرتفعات وحطموا التماثيل. وقد قُتل يوشيا أثناء محاولته وقف الفرعون نخاو في مجدو عام 609 ق. م. يهوياقيم (608-598 ق. م) Jehoiakim «يهوياقيم» اسم عبري معناه «يهوه يقيم» . ويهوياقيم هو الثامن عشر بين ملوك المملكة الجنوبية. وضعه المصريون على العرش بعد أن هزموا أباه يوشيا وقتلوه عام 608 ق. م. وبعد أن هزم البابليون المصريين عام 605 ق. م، في معركة قرقميش، نقل يهوياقيم ولاءه إليهم، ولكنه عاد وانضم إلى الحزب الممالئ لمصر ضد نصيحة إرميا وتحدى نبوختنصر، فعادت الجيوش البابلية وحاصرت القدس. ومات يهوياقيم أثناء الحصار. يهوياكين (598-598 ق. م) Jehoiachin «يهوياكين» اسم عبري معناه «يهوه يُثبِّت» . ويهوياكين الملك التاسع عشر بين ملوك المملكة الجنوبية وابن يهوياقيم، حكم ثلاثة أشهر بعد موت أبيه. وقد سقطت القدس في عهده في يد البابليين، فنُفي هو وأسرته إلى بابل، وخلفه عمه صدقياهو. صدقياه (597-586 ق. م) Zedekiah «صدقياه» اسم عبري معناه «يهوه عدل» أو «عدل يهوه» . و «صدقياه» هو آخر ملوك المملكة الجنوبية، واسمه الأصلي متنيا بن يوشيا. أجلسه البابليون على العرش بدلاً من يهوياقيم، ولكن صدقياه تمرَّد بتشجيع من مصر على الرغم من نصيحة إرميا. فهاجم نبوختنصر القدس، ووقع صدقياه في الأسر وقُتل أولاده أمامه، وسُملت عيناه وسيق إلى بابل وسُجن حتى وافته المنية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التهجير الآشوري والبابلي للعبرانيين
Assyrian and Babylonian Transfer of the Hebrews يُشار إلى تهجير العبرانيين على يد الآشوريين أو البابليين بأنه «السبي» أو «النفي» الآشوري أو البابلي. وهي ترجمة شائعة للمصطلح التوراتي وجدت طريقها إلى الكتابات التاريخية التي تتناول تاريخ العبرانيين وتاريخ الشرق الأدنى القديم. لكن هذا المصطلح لا يُستخدَم إلا للإشارة إلى العبرانيين وحدهم دون الأقوام والجماعات الأخرى التي تم سبيها أو تهجيرها في الحقبة التاريخية نفسها وتحت الظروف نفسها وعلى يد القوى نفسها. وكمحاولة لتحييد المصطلح، نعبِّر عن هذا المفهوم بكلمة «تهجير» ،فمن مزايا كلمة «تهجير» أنها تشير إلى حدث التهجير في ذاته بشكل وصفي دون تقييم، كما أنها لا تشير إلى حالة المهجَّرين العقلية ولا إلى موقفهم من الاستقرار في بابل. بينما كلمة «سبي» أو «نفي» تشير إلى حَدَث التهجير وإلى حالة المهجَّرين العقلية، فكلمة «سبي» أو «نفي» تعني أن المهجَّرين كانوا رافضين للاستقرار في بابل، وأنهم مكثوا فيها لأنهم كانوا لا يملكون من أمرهم شيئاً، وهو الأمر الذي لا تسانده الحقائق التاريخية، فكثير منهم رفضوا العودة إلى مقاطعة يهودا الفارسية بعد مرسوم قورش، وهو ما يُسقط عنهم صفة المنفيين المعذَّبين! وكان التهجير القسري للنخبة الحاكمة والحرفيين وبعض العناصر البشرية ذات الأهمية الخاصة أمراً شائعاً في العصور القديمة. لكن كنعان (فلسطين) كانت عرضة لهذا أكثر من أي بلد آخر نظراً لموقعها الجغرافي والسياسي في المنطقة وسط القوى العظمى في العالم القديم ـ مصر وآشور وبابل (العراق) والحيثيين ـ وهو ما جعلهم يرغبون في تحويلها إلى منطقة محايدة أو منزوعة السلاح أو تحويلها إلى دويلة يقطنها عنصر سكاني موال للإمبراطورية المهيمنة، حتى تصبح خط دفاع أول لتَلقِّي غزوات وهجمات الدول الكبرى المجاورة، مصر من وجهة نظر آشور وآشور من وجهة نظر مصر. ومن هنا، فقد كان تهجير العبرانيين إلى آشور أو بابل ضمن من هُجِّر من شعوب كنعان وقبائلها. ويبدو أن بعض الإمبراطوريات القديمة في الشرق الأدنى القديم كانت تلجأ إلى التهجير بدلاً من الاحتلال والهيمنة العسكرية المباشرة إذ لم يكن لديها الفائض البشري الذي يسمح بقيام جيش نظامي دائم وقوة احتلال مستمرة وجهاز إداري يدير الأراضي المحتلة، فكانت الإمبراطورية تُهجِّر النخبة وتطلب من المهزومين أن يدفعوا الجزية وأن يديروا شئونهم ذاتياً عن طريق نخبة محلية موالية للإمبراطورية الحاكمة تدين لها بالولاء وتعمل تحت رقابتها وتقوم بدور الجماعة الوظيفية (وهو أمر لم يكن مضموناً دائماً، ومن هنا كان استمرار الثورات وتعددها) . وقد بدأ أول تهجير من المملكة الشمالية بعد أن قاد ملك آرام دمشق تمرُّداً ضد آشور وانضم إليه فاقح، فجرَّد تيجلات بلاسر الثالث حملة ضد سوريا وفلسطين (734 ـ 732 ق. م) . وغزا الآشوريون جلعاد وهجَّروا رؤساء القبائل القاطنين شرقي الأردن. وتذكر إحدى وثائق تيجلات بلاسر أنه قام بتهجير عدة آلاف من الأسرى الذكور من ثماني مدن مختلفة. وعندما سقطت المملكة الشمالية تماماً في يد الآشوريين عام 724 ق. م وتحوَّلت إلى مقاطعة آشورية، تم تهجير رؤساء القبائل والعشائر العبرانية وبعض الفلاحين والحرفيين، ويصل عددهم حسب الرواية الآشورية (المبالغ فيها بوجه عام) إلى 27.290، وتم توطين عناصر سامية وآرامية من بلاد الرافدين وغيرها من الشعوب المساعدة للآشوريين بدلاً منهم، وهذا ما نطلق عليه «التهجير الآشوري» أو ما يُطلَق عليه «السبي الآشوري» في المصطلح الديني اليهودي (721 ق. م) . وقد تم توطين المهاجرين أساساً بالمناطق الآشورية في أعالي بلاد الرافدين (آرام نهرايم) على ضفاف نهر الخابور، كما تم توطين البعض في مدن ميديا. ورغم أن عدد المهجرين على يد الآشوريين كان كبيراً نسبياً ويفوق عدد من هُجِّر على يد البابليين، فقد كانوا عشر قبائل مقابل قبيلتين اثنتين هجرهما البابليون، فإنهم اختفوا تماماً. ويُقال إنهم اندمجوا في محيطهم السكاني وتبنوا العبادات الوثنية ثم اعتنقوا المسيحية. ويبدو أن هذه العملية تمت بسرعة إذ لم يأت لهم ذكر في المدونات الدينية اليهودية أو غيرها من المدونات. ولعل بقايا هؤلاء المهجرين هم سكان إمارة حدياب في الإمبراطورية الفرثية التي اعتنق أهلها المسيحية ثم الإسلام. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن المهجرين لم يتحولوا إلى عبيد وإنما أصبحوا مؤاجرين زراعيين تابعين للملك، في حين عمل الحرفيون منهم في مشروعات الدولة. وقد أحرز بعضهم مكانة متميزة ووصل إلى وظائف حكومية عالية، وسُمح لهم بممارسة عاداتهم وشعائرهم الدينية، كما تَملَّكوا الأرض فضربوا جذوراً في الأرض الجديدة واستُوعبوا تماماً في بيئتهم الجديدة. وبعد ذلك، سقطت المملكة الجنوبية في يد البابليين الذين هجَّروا بدورهم زعماءها، وسمحوا لعناصر أخرى (أدومية ونبطية وعمونية) بالاستيطان، وهذا ما يمكن تسميته «التهجير البابلي» ويُسمَّى في المصطلح الديني اليهودي «السبي البابلي» (587 ق. م) . وقد حمل البابليون، فيما حملوا من غنائم، أواني الهيكل التي كانت تشبه رموز الدولة أو رمز الشرعية السياسية الدينية. وظلت هذه الجماعة العبرانية في بابل إلى أن هزم قورش الإمبراطورية البابلية وسمح لهم بالعودة عام 538 ق. م للأسباب السياسية نفسها التي نُفوا من أجلها، أي ضرورة توطين عنصر سكاني موالٍ له في فلسطين (وهي نفس السياسة التي اتبعها الاستعمار الغربي في أواخر القرن التاسع عشر حينما تَبَنَّى الحل الصهيوني) . وقد استمرت فترة التهجير البابلي حوالى خمسين عاماً، وإن كان هناك رأي يذهب إلى أنها حوالي سبعين عاماً. ونحن لا نعرف عدد المهجَّرين على وجه الدقة. ويُقال إن عددهم كان عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، أو أربعين ألفاً في تقدير آخر. وكان مركزهم الأساسي تل أبيب (في العراق) . وكان ضمن المنفيين النبيان إرميا وحزقيال. ويجدر هنا إبراز عدة أمور: أولها: أن التهجير قد شمل عناصر بشرية أخرى كثيرة من أرض كنعان وآرام من غير العبرانيين. ثانيها: أنه لا التهجير الآشوري ولا التهجير البابلي ترك أراضي فلسطين خراباً، فقد بقي سكان يُعدُّون بمئات الألوف من السكان الأصليين (العبرانيين أوغيرهم) ، وخصوصاً أن الريف بشكل عام لم يكد يُمَس. ثالثها: هذا التهجير أو السبي لم يكن رهيباً على نحو ما تصوِّره بعض الكتابات اليهودية حتى بالقياس إلى ظروف تلك الأيام. ويذكر إرميا نفسه (53/31 ـ 34) أن نبوختنصر أفرج عن يهوياقين ملك المملكة الجنوبية السابق وقرَّبه إليه، وأن قادة العبرانيين احتفظوا بقدر من السلطان. وقد استمر الأنبياء، مثل إرميا وحزقيال، في نشاطهم، كما ظهر بينهم حجاي وزكريا وأشعياء الثاني. وتم توطين المهجَّرين في مزارع جديدة بالقرب من بابل، مثل تل أبيب وتل ملاح (وتشير كلمة «تل» إلى أماكن كانت مزروعة في الماضي ولكنها خربت وينتظر تعميرها مرة أخرى) . وكانت الأراضي التي خُصّصت لهؤلاء المهجَّرين أكثر خصوبة من أراضي فلسطين، وسُمح لهم بالاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم. وقد ازدهر حال المهجَّرين في بابل، فاتخذوا منها وطناً ثانياً هاجر إليه طوعاً كثير من بني جلدتهم. وقد انقسمت الجماعة العبرانية المهجَّرة إلى طبقات: فامتلك الأثرياء المزارع الكبيرة، وهاجر الفقراء إلى المدينة واشتغلوا بالتجارة. كما ظهرت بيوت تجارية يهودية كبيرة مثل بيت موراشو، حيث تدل على ذلك نصوص موارشو. وقد أحرزت هذه العائلة شهرة خاصة بصفتها أحد بيوت المال الكبيرة في عهد الملك أرتحشتا الثاني (404 ـ 359 ق. م) ، إذ كانت تمتلك الأراضي الزراعية وقطعاناً كبيرة من الأغنام، كما اشتغلت بالربا. ويجب هنا أن نتذكر ازدهار التجارة في الإمبراطورية البابلية. كما كان هذا البيت التجاري يضطلع بشئون البلاط البابلي المالية، أي أن بيت موراشو كان يشكل جماعة وظيفية وسيطة تشبه يهود البلاط. واشتغل أعضاء الأسرة أيضاً ملتزمي ضرائب، فكانت الشركة تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري مقابل الانتفاع منها، أي كانت تقوم بكل أنشطة الجماعة الوظيفية الوسيطة التي اضطلعت بها الجماعات اليهودية عبر التاريخ، وخصوصاً في الغرب. وقد رفض كثير من اليهود، وخصوصاً الأثرياء، العودة إلى فلسطين بعد مرسوم قورش، واكتفوا بدفع مساعدات مالية للعائدين. ويُقال إن قسماً كبيراً من اليهود العائدين كانوا من أحفاد الأسر الأرستقراطية والكهنوتية ذات المواقع الطبقية والمكانة المتميزة المرتبطة بالهيكل والعبادة القربانية، وهؤلاء استرجعوا بعودتهم بعضاً مما فقدوه من مواقع ومزايا طبقية واجتماعية، وكانوا يعرفون أنهم سيكونون نخبة حاكمة جديدة أو جماعة وظيفية موالية للفرس تدير شئون فلسطين وأهلها لصالح الدولة الحاكمة. ولم يعد من بابل سوى أقلية قليلة، بسبب معدلات الاندماج العالية التي حقَّقها المهجَّرون. ولعل أكبر دليل على هذا الاندماج ورود أسماء عبرانية، بصورة متكررة، في الوثائق التجارية لذلك العهد. وكان بعض هذه الأسماء مركباً من أسماء آلهة بابلية فاسم «شيشبصر» مثلاً يعني «يا إله الشمس احفظ السيد أو الابن» ، كما كان «حجاي» يعني «وُلد يوم عيد» أو «وُلد يوم إجازة» ، و «سبتاي» معناه «وُلد يوم سبت» ، وكذا اسم «زروبابل» معناه «زرع بابل» أو «المولود في بابل» ، وكلها أسماء بابلية. وكان النبي إرميا من أكبر مشجعي العبرانيين على الاندماج، إذ قال: «واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلُّوا لأجلها إلى الرب لأن سلامها يكون لكم بسلام» (إرميا 29/7) . وقد انفصل المهجَّرون إلى بابل بالتدريج عن فلسطين، فلقد وجدوا في بابل الرعاية من الفرس بصفة عامة (ومن المسلمين فيما بعد) كما كانوا بعيدين عن اضطهاد الإمبراطورية الرومانية الشرقية. ولذا، فقد كانت بابل وجهة اليهود الذين يُلاقون الاضطهاد في أماكن أخرى من العالم، حتى أن تعدادهم بها زاد نحو المليون عند سقوط القدس في أيدي الرومان وتخريب الهيكل عام 70م. وغدت بابل قلعة لليهودية، وأنشئت بها الحلقتان التلموديتان سورا وبومباديثا اللتان استمرتا قروناً حيث جرى فيهما تأليف أو وضع التلمود البابلي. وفي القرن السابع الميلادي، أصبحت العراق مركز الحياة اليهودية والعلم اليهودي، كما أصبحت ترسل من علمائها رؤساء للحلقات التلمودية في طبرية بفلسطين التي كانت قد غدت (منذ القرن الرابع الميلادي) مدينة مقدَّسة. ولم تنته زعامة بابل لليهودية إلا في القرن العاشر الميلادي، وإن استمر اليهود يعيشون فيها قروناً بعد ذلك. ويرى أساتذة تاريخ اليهودية أن تَبلور اليهودية على شكل بنية فكر ديني واضح المعالم قد بدأ في بابل ونضج خلال القرن الأول من إقامتهم فيها. ومن المتعذر تعداد جوانب تأثير بابل في اليهودية، ولذلك نكتفي بذكر ما يلي: 1 ـ طوَّر فقهاء اليهود في بابل البنية الدينية لليهودية، وحرَّروها من الارتباط بأرض ومقام معيَّنين، وكرسوا المعبد اليهودي كبؤرة دينية اجتماعية سياسية يلتقي حولها اليهود أينما كانوا، الأمر الذي ساعد اليهودية بعد ذلك على التطور بحيث أصبحت نسقاً دينياً متكاملاً مستقلاً عن مكان بعينه. 2 ـ بلغ الفكر الديني اليهودي في بابل أقصى ازدهار له، وتراكم منه الجزء الأكبر والأهم في التراث اليهودي الذي سيطر على الحياة والفكر اليهوديين حتى اليوم. ويكفي أن التلمود البابلي هو مرجع الحياة اليهودية الذي يحتوي التوراة نفسها ويتجاوزها. 3 ـ اقتبست اليهودية الكثير من تراث بابل ونظمها وأساطيرها وعقائدها مثل عقيدة الماشيَّح المخلِّص وفكرة الطوفان والاحتفال بالسبت. 4 ـ ويبدو أن العبادة البابلية قد دخلت في ذلك التاريخ مرحلة من التوحيد الكامن، أي أن الأرباب المتعددة كانت قد بدأت تمتزج وتتحول إلى إله واحد، وقد أصبح مردوخ رب الأرباب يرعاها كما يرعى الراعي أغنامه، أي أن الأرباب الأخرى تحوَّلت إلى مجرد تجليات للرب الواحد. وقد جاء في أحد النصوص البابلية ما يلي: «نينيب: مردوخ القوة ـ إيرجال: مردوخ الحرب ـ ييل: مردوخ الحكم ـ نابو: مردوخ التجارة ـ سين: مردوخ الذي يضيء الليل ـ ساماسي: مردوخ العدالة ـ آدو: مردوخ المطر» . ومعنى ذلك أنه برغم التعدد الظاهر للآلهة، فإن ثمة إيماناً بوحدة كبرى تتجاوز التعددية. وفي إحدى المُدوَّنات البابلية التي يعود تاريخها إلى ما قبل سقوط بابل على يد الفرس، ثمة إشارة إلى رب القمر باعتباره يلعب دوراً مشابهاً لدور آتون في عبادة إخناتون التوحيدية. ويبدو أن هذه التوحيدية البابلية لعبت دوراً في مساعدة العبرانيين على التخلُّص من الحلولية الوثنية والتعددية التي سقطوا فيها بعد خروجهم من مصر. وقد بذل محررو العهد القديم جهداً غير عادي لتنقية النص المقدَّس عند تدوينه أيام عزرا ونحميا، ولكن عناصر الشرك ظلت واضحة فيه مع هذا. 5 ـ تأثر النظام الصوتي في اللغة العبرية بكثير من مفردات وأنظمة اللغة الأكادية وبخاصة الحروف اللينة. ومن كل هذا، نَخلُص إلى أن التهجير (أو السبي) البابلي لم يكن سبباً في تدهور اليهودية وانحلالها وإنما كان مصدراً لعديد من الأفكار اليهودية الدينية والثقافية. ولذا، فإن كثيراً من المفكرين اليهود يرون أن اليهودية بدأت كدين، بالمعنى الكامل للكلمة، في المهجر البابلي. السبي الآشوري والبابلي (مفهوم ديني) (Assyrian and Babylonian Captivity (Religious Concept «السبي الآشوري والبابلي» مصطلح ديني يهودي مرادف لمصطلح «النفي البابلي» ، وهو مصطلح يصف عملية تهجير النخبة الحاكمة العبرانية من أبناء المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وكان بعض الأنبياء، مثل إرميا وحزقيال، يرون أن النفي أو السبي تعبير عن غضب الإله على الشعب نظراً لعصيانه وانحرافه عن عبادته، وأن آشور وبابل ليستا سوى أداة غضب وعذاب. وقد أثارت قصة السبي مشكلة عدالة الإله وكيف تَخلَّى عن شعبه. وقد حل حزقيال المشكلة بحديثه عن يسرائيل الجديدة التي سيتم تشييدها والتي ستكون مفعمة بروح الإله إن عاد الشعب إلى طريقه. ويتواتر في الكتب الدينية الحديث عن العودة وعن الحنين إلى صهيون وعن البكاء من أجلها. ومع هذا، طالب إرميا المنفيين بأن يبنوا بيوتهم ويزرعوا حدائقهم ويستقروا في وطنهم الجديد، ففي سلامته سلامتهم (إرميا 29/7 وما بعده) . وبعد أن هزم قورش الأخميني بابل، سمح لليهود بالعودة (538 ق. م) ، ولذا تحوَّل قورش في الوجدان الديني اليهودي إلى المخلِّص بل والماشيَّح. وبشَّر كلٌّ من أشعياء الثاني وحجاي بالعودة، وقد عاد الاثنان بالفعل واشتركا في عملية إعادة تشييد الهيكل بناءً على أمر قورش. وقد أصبح السبي أو النفي إلى بابل ثم الخروج منها والعودة إلى فلسطين، مثله مثل العبودية في مصر ثم الخروج منها والتسلل إلى كنعان والاستيلاء عليها، نمطاً متكرراً يعيد نفسه في التاريخ المقدَّس. ويحاول الصهاينة أن يُطبّقوا ذلك على التاريخ غير الديني. وداخل هذا النمط، يرى الصهاينة أن النفي من القدس، بعد تحطيم الهيكل في عام 70م، شكل من أشكال العبودية يتبعه خروج من الشتات ثم دخول إلى فلسطين، أي أن الاستيطان الصهيوني الذي يُشار إليه بأنه الهيكل الثالث جزء من نمط متكرر. ولكن كلمة «بابل» أصبحت تحمل إيحاءات أخرى، ذلك أن كثيراً من المنفيين رفضوا العودة واستعذبوا الحياة في بابل. ومن ثم، فإن الأدبيات الصهيونية تشير إلى الولايات المتحدة باعتبارها بابل (أو قدور اللحم الشهية) ، كما يُشار إلى اليهود الذين يؤثرون الحياة خارج فلسطين على الاستيطان فيها بأنهم سكان بابل. النفي الآشوري والبابلي Assyrian and Babylonian Captivity انظر: «السبي الآشوري والبابلي (مفهوم ديني) » - «التهجير الآشوري والبابلي للعبرانيين» . يهوديت Judith «يهوديت» اسم عبري يعني «يهودية» ، وتشبه قصة صاحبته قصة إستير في كثير من الوجوه، كما أن لها علاقة بقصة شمشون. وقد جاء في هذه القصة أن نبوختنصر هاجم العبرانيين واستولى على المنابع التي تمدُّهم بالماء وأوشك أن يقضي عليهم، فاتصلت يهوديت بقائد نبوختنصر هولوفرنيس وفتنته بجمالها، فأعجب بها وأخذ يلتقي بها. وفي إحدى الليالي، قطعت رأسه بعد أن لعبت به الخمر وأنقذت العبرانيين. ولا يُوجَد أي سند تاريخي لهذه الواقعة. ويبدو أن سفر يهوديت كُتب أثناء التمرد الحشموني، كما يبدو أنه كُتب لبّث روح الشجاعة في قلوب اليهود. ولكن هناك رأياً مخالفاً يعود بتاريخ الكتاب إلى أيام الفرس. وقد كُتب هذا المؤلَّف أساساً بالعبرية، ولكن لم يَعُد باقياً سوى ترجمته اليونانية. وهو من الكتب الخفية (أبوكريفا) عند اليهود وتعتبره الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية من الأسفار القانونية الثانوية. قبائل يسرائيل العشر المفقودة Ten Lost Tribes of Israel هناك بعض الأساطير الخاصة بمصير القبائل العشر من سكان المملكة الشمالية. ومن المعروف تاريخياً أنه بعد انقسام المملكة العبرانية المتحدة إلى مملكتين متنازعتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) ، انقسمت القبائل العبرانية الاثنتا عشرة إلى قسمين: عشر قبائل منها في المملكة الشمالية، وقبيلتا يهودا وبنيامين في المملكة الجنوبية. وحينما سقطت المملكة الشمالية في أيدي الآشوريين عام 721 ق. م، هجَّر الآشوريون أعداداً من القيادات الشمالية وغيرهم من العناصر البشرية المهمة إلى آشور حيث اندمجوا في المجتمع وانصهروا فيه بالانخراط في سلك الديانات الوثنية العديدة، وقد تمت هذه العملية بسرعة غير عادية. ولهذا، فإن يهود بابل الذين هجَّرهم البابليون عام 587 ق. م إلى مناطق قريبة من مناطق التهجير الآشوري لا يشيرون إلى ذلك التهجير الآشوري مع أنه لم يكن قد مر سوى نحو مائة وثلاثين عاماً فقط. ولعل سرعة ذوبان المهجَّرين يعود إلى أن المملكة الشمالية كانت، إلى حدٍّ ما، مملكة كوزموبوليتانية، عقدت تحالفات كثيرة فدخلت على العبادة اليهودية فيها عناصر وثنية من الديانات المجاورة. وهناك نظرية ترى أن انصهار الشماليين لم يتم بهذه السرعة، وتذهب إلى أن عناصر يهودية بقيت وشكلت جماهير إمارة حدياب. لكن الرأي الأرجح أن إمارة حدياب اليهودية قد أصبحت يهودية لا بسبب كثافة بشرية يهودية، وإنما بسبب تَهوُّد النخبة الحاكمة. وعلى كل حال، فقد تم انصهار العناصر اليهودية المشار إليها عن طريق التنصر. ويلاحظ أن أسماء أساقفة إربيل (عاصمة حدياب) كانت أسماء عبرانية مثل شمشون وإسحق وأبراهام. أما الشماليون الذين مكثوا في فلسطين، فقد امتزجوا بالمستوطنين الجدد وكونوا فرقة يهودية جديدة تُعرَف باسم السامريين. ولكن كثيراً من اليهود لم يتقبلوا اختفاء القبائل العشر باعتباره حقيقة نهائية، بل فضلوا اعتبارهم من المفقودين وحسب. ولذا، فإننا نجد أن التراث الديني اليهودي، وأدبيات هذا التراث، يزخران بتصورات عديدة عن محل إقامتهم المحتمل ووجودهم، كما يزخران بنبوءات عن عودتهم إلى وطنهم ليتحدوا مع بقية اليهود. وقد ربطت هذه النبوءات بين العودة وزمن الخلاص، وأصبح البحث الحرفي والفعلي عن القبائل العشر الضائعة محطَّ اهتمام كثير من الرحالة الأوربيين من اليهود والمسيحيين المتأثرين بمثل هذه الكتابات والذين تأثروا بجو التوسع الاستعماري. وحينما اكتُشفت القارتان الأمريكيتان، قيل آنئذ إن سكانها هم القبائل العشر. أما في العصر الحديث، فقد أعلن الرحالة الذين عثروا على قبائل الفلاشاه اليهودية في إثيوبيا أنهم عثروا على القبائل العشر المفقودة، وقد أفتى حاخام إسرائيل الأكبر (السفاردي) بأن الفلاشاه من نسل قبيلة دان. والمهم في هذه الأسطورة أنها، في بنيتها، لا تختلف كثيراً عن أسطورة الماشيَّح في تفسيرها الحرفي، إذ تُلغي الواقع التاريخي وحقائقه وتجعل المؤمن بها في حالة انتظار أزلي لتحقُّق تصورات أسطورية، الأمر الذي يجعل عيون الإنسان معلقة بالبدايات والنهايات دون أن يُلاحظ ما حوله. هذا بالإضافة إلى أن أسطورة القبائل العشر المفقودة تستند إلى تَصوُّر استحالة الاندماج والانصهار بالنسبة إلى اليهود. جداليا (؟ -585 ق. م) Gedaliah «جداليا» اسم عبري معناه «يهوه عظيم» . وجداليا اسم قائد يهودي من أسرة أرستقراطية عُيِّن حاكماً لمقاطعة يهودا البابلية بعد سقوطها في يد البابليين في عام 586 ق. م. وقد حاول أن يعالج الأمور بحكمة. ونقل العاصمة إلى مصبه (المصفاة) . ولكن مجموعة من المتمردين قتلته، كما يُقال، بتحريض من مصر أو من العمونيين (وقد فرَّ المتمردون إلى مصر) . وفي الواقع، فلا يُعرَف الكثير عن دوافعهم، ولكن من المعروف بشكل عام أنهم كانوا يعارضون مصادرة أملاك اليهود المنفيين وتوزيعها على فقراء القدس الذين يشكِّلون معظم السكان المتبقين بعد عملية التهجير. كما أن اغتياله يُعَدُّ تعبيراً عن رفض الهيمنة البابلية الجديدة. ويصوم اليهود صيام جداليا بعد عيد رأس السنة اليهودية إحياءً لذكرى اغتياله، إذ قُضي بمقتله على أي أمل في الإبقاء على الجماعة اليهودية في فلسطين..... |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الشرق الأدنى القديم قبل وبعد انتشار الإسلام الشرق العربي قبل وبعد انتشار الإسلام The Arab East before and after the Spread of Islam من غير المعروف متى استقر اليهود في شبه الجزيرة العربية. ويُقال إن بعض جماعات من اليهود لجأت إلى شمال شبه الجزيرة عندما هزمت آشور وبابل المملكتين اليهوديتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) . ويذهب رأي إلى أن الاستقرار بدأ بعد أن أخمد الرومان التمردات اليهودية المختلفة. ولم تتم الهجرة إلى شبه الجزيرة العربية دفعة واحدة وإنما أخذت على الأرجح شكل جماعات مختلفة استوطنت في تيماء وخيبر ووادي القرى ويثرب. كما كان هناك أعداد من اليهود في اليمن. وقد ازدادت أعداد يهود شبه الجزيرة واليمن عن طريق التجارة والتبشير حيث أدَّى ذلك إلى تهود بعض القبائل. ويذهب اليعقوبي إلى أن يهود شبه الجزيرة العربية من أصول عربية، أي أنهم عرب تهودوا، ولكن لا يميل بعض الباحثين إلى الأخذ بهذا الرأي. وثمة رأي يذهب إلى أن اليهودية كانت دين ملوك حمير في اليمن في القرن الخامس الميلادي، ولكن هذا الادعاء يفتقر إلى التوثيق. ومن المعروف أن الصراع على طرق التجارة بين البيزنطيين وحلفائهم الأحباش من جهة، ومن جهة أخرى الحميريين ممن كانوا قد سيطروا على الممالك العربية في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، كان قد أخذ طابعاً دينياً. وقد تهود الملوك الحميريون وربما بعض أعضاء النخبة الحاكمة وبعض أفراد الشعب، لكن تهودهم كان شكلاً من أشكال الرفض السياسي والرغبة في تبنِّي عقيدة دينية مستقلة تضمن لهم شيئاً من الهيبة والاستقلال، كما فعلت النخبة الحاكمة في دولة الخزر الوثنية. فاعتناقهم اليهودية آنذاك كان يعني التصدي لمحاولات التسلط من قبل الإمبراطورية الرومانية الشرقية على أطراف شبه الجزيرة العربية عن طريق المبشرين الذين جرى بثهم بين أهل الحضر وأهل البادية دون أن يخشوا على أنفسهم من أية تبعية سياسية إذ لم يكن لليهود آنذاك دولة. ويُقال إن تبان أسعد أبو كرب (378 ـ 415) اهتدى إلى اليهودية عند اجتيازه يثرب وهو عائد إلى اليمن على يد حبرين (أي حاخامين) من بني قريظة. ويُقال أيضاً إن اليهودية ظلت ديناً رسمياً لبلاد العرب الجنوبية طيلة حكم السبئيين المتأخرين من سنة 400 حتى 525، وأن آخر ملوكهم هو ذو النواس (517 ـ 525) الذي شن حملة نكَّل فيها بالمسيحيين، فهاجم نجران (أكبر مركز للمسيحية) وخيَّر أهلها بين الارتداد عن دينهم واعتناق اليهودية أو الموت حرقاً. فآثر بعضهم الموت فحفر لهم أخاديد أحرقهم فيها وأحرق إنجيلهم، ولقد وردت هذه الحادثة في القرآن الكريم (سورة البروج) . وأثارت هذه الواقعة غضب قيصر الإمبراطورية الرومانية الشرقية، فاتصل بنجاشي الحبشة الذي جرَّد حملة للانتقام، فخرج ذو النواس لهم وانهزم هزيمة نكراء، وانتهى بذلك ملك الحميريين في اليمن. وقد اندمج يهود شبه الجزيرة واليمن في السكان العرب وتزاوجوا معهم، وأصبح طابعهم عربياً صرفاً، فانتظموا في قبائل وبطون وأفخاذ مثل العرب ودخلوا في التحالفات القَبَلية بما يتضمنه ذلك من مسئوليات قَبَلية مشتركة وصراعات شبه دائمة. ويرد ذكر عشائر يهودية كثيرة، مثل بني عكرمة وبني زعورا وبني زيد وبني ثعلبة، ولكن أكبر التجمعات اليهودية كانت في يثرب حيث كانوا أصحابها، وكانت يثرب واحة خضراء وتُتعبَر إحدى المحطات التجارية المهمة في طريق التجارة الرئيسي آنذاك الممتد بين مكة والشام، والمبتدئ داخل شبه الجزيرة العربية بعدن في الجنوب، وبعد انهدام سد مأرب (447 - 450) وفد إلى يثرب قبائل الأوس والخزرج، فجاوروا القبائل اليهودية في بداية الأمر ثم تزايدت أعدادهم بمرور الوقت فراحوا ينافسون اليهود في تملُّك الأراضي الزراعية فازدادت قوتهم وهو ما دفع عدداً من البطون اليهودية، الأقل شأناً، أن تدخل في حماهم وتنتسب إليهم، في الوقت الذي دب فيه العداء بين جماعات اليهود الكبرى. وبالتدريج أصبحت الغلبة والسيادة في يثرب للأوس والخزرج فسيطروا على يثرب وقسَّموها فيما بينهم، ولم يبق لليهود منذئذ سلطان عليها. وكان التجمع اليهودي في يثرب يضم ثلاث قبائل، اثنتان منها يُقال لهما بنو هارون لكونهما من الكهنة وهما بنو النضير وبنو قريظة، وكان أعضاء هاتين القبيلتين يعملون بالزراعة. أما القبيلة الثالثة فهي قبيلة بني قينقاع، وكان أعضاؤها يحترفون بعض المهن كالحدادة والصباغة وصناعة السيوف ويمارسون المبادلات التجارية. وكان أعضاء هذه القبائل الثلاث يعيشون في أحياء خاصة بهم ويقيمون الحصون للاحتماء بها. ولم يكن عدد اليهود كبيراً، فقد كان عدد المقاتلين في كل قبيلة لا يتجاوز بضع مئات من الرجال. فمقاتلو بني قينقاع كانوا نحو سبعمائة شخص، ومقاتلو بني النضير نحو أربعمائة وخمسين شخصاً، أما بنو قريظة فكان عدد مقاتليهم يتراوح بين ستمائة وسبعمائة شخص، أي أن مجموع مقاتلي القبائل اليهودية الثلاث في المدينة لم يكن يتجاوز في عصر الرسالة ألفي رجل. ويمكننا أن نخمِّن العدد الكلي ليهود المدينة استناداً إلى هذا الرقم. وكان يوجد تجمُّع يهودي آخر في خيبر وهي واحة تقع على الطريق بين المدينة والشام على مسافة مائة ميل إلى الشمال من يثرب. ويبدو أن معظم سكان خيبر، إن لم يكن جميعهم، كانوا من اليهود. ولم تصل إلينا معلومات واضحة عن تركيبهم القَبَلي، وهل كانوا ينتمون إلى قبيلة واحدة أم كانوا ينتمون إلى عدة قبائل. ولكن يُستنتَج من دراسة علاقتهم بيهود المدينة أنهم كانت تربطهم علاقة وثيقة بقبيلة بني النضير. لذا، فقد لجأت هذه القبيلة إلى خيبر بعد أن أجلاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن المدينة، وأخذ زعماؤها يلعبون دوراً قيادياً في سياسة مدينة خيبر ودفعها باتجاه محاربة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، كما حدث في غزوة الخندق. وكان يهود خيبر يعيشون بصورة أساسية على الزراعة بسبب خصوبة أراضي خيبر وكثرة مياهها. وكانت أهم مزروعاتها النخيل والحبوب وبعض الخضراوات. كما اشتغل يهود خيبر بتربية بعض أنواع الحيوانات كالماشية والدجاج وغيرها. وقد فرضت طبيعة الحياة الزراعية على يهود خيبر أن يسكنوا جماعات متفرقة قرب العيون وجداول المياه، وهو ما جعل خيبر أقرب ما تكون إلى مجموعة قرى متناثرة في الأودية. وعمدت كل مجموعة من يهود خيبر إلى بناء حصن خاص بها لتحتمي به في أوقات الحروب. ولقد ذكر المؤرخون أنها سبعة حصون أساسية. وقد يدل تعدُّد الحصون في خيبر على انقسام أهلها إلى سبع كتل متفرقة بحيث لجأت كل كتلة إلى بناء حصن خاص بها للدفاع عن نفسها كما فعلت القبائل اليهودية في يثرب. ولم تقدم لنا المصادر التاريخية معلومات محددة عن عدد سكان أو مقاتلي خيبر، ولكن يبدو أنه كان صغيراً وربما مقارباً لعدد المقاتلين في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، أي في حدود ألف وأربعمائة رجل على أكبر تقدير. أما بقية المناطق التي سكن فيها اليهود، مثل فدك وتيماء ووادي القرى، فقد كانت واحات صغيرة تقطنها مجاميع يهودية محدودة العدد إلى جانب بعض السكان العرب. ولكن لم تصل إلينا معلومات واضحة عن أعدادهم أو طرق معيشتهم أو أوضاعهم السياسية والثقافية. ولكن يظهر من الإشارات التي أوردتها بعض المصادر التاريخية أن حالتهم لم تكن تختلف كثيراً عن يهود يثرب وخيبر إذ كان معظمهم يشتغلون بالزراعة ويرتبطون بعلاقات تحالف مع القبائل العربية المجاورة لهم حمايةً لأنفسهم في مواجهة المخاطر. وكانت هناك قبائل يهودية أخرى تسكن اليمن ونجران في جنوب الجزيرة العربية. وكان اليهود يخضعون في نظامهم السياسي والاجتماعي لرؤسائهم وساداتهم أصحاب الآكام والحصون والأرض، يدفعون لهم ما هو مفروض عليهم أداؤه كل عام. وكان يتولى الأحبار أو الربانيون (أي الحاخامات) الأمور الدينية، فيقيمون الصلاة وينظرون في شكاوى الناس ويعلمون الأولاد. ولم يكن اليهود كتلة واحدة متماسكة من الناحية السياسية، فقد اتحد بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس ضد بني قينقاع الذين انضموا إلى الخزرج. وانعكست الصراعات بين الأوس والخزرج على قبائل اليهود. وحين دخلت قبائل يثرب وبطونها معركة ضارية في يوم بعاث، حارب بعض قبائل اليهود ضد البعض الآخر، وبالغ بنو النضير وبنو قريظة في قتل أفراد بني قينقاع. ويظهر عدم التماسك أيضاً في اشتراك يهودي يدعى مخيريق إلى جانب المسلمين في معركة أُحُد حيث قال: إن أُصبت فـ[إن] مالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء، ثم غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقاتل معه حتى قُتل فقال الرسول (صلى الله عليهم وسلم) : «مخيريق من خير اليهود» . وقد وصل اندماجهم الاجتماعي إلى درجة أن أصبحت العربية لغتهم الوحيدة وإن شابتها رطانة عبرية أو آرامية حتى عدها بعض العرب لهجة خاصة بهم. وقد ظهر بينهم من شعراء العربية: السموءال بن عادياء من بني قريظة، وكعب بن الأشرف من بني النضير (وكان ابن الأشرف ينتسب إلى أب عربي من قبيلة طيء وأم يهودية) . ويضاف إليهما شعراء آخرون، مثل: الربيع ابن أبي الحقيق (الذي كانت له مساجلات شعرية مع النابغة الذبياني) ، وسعيه بن غريض، وشريح بن عمران. كما ظهرت بينهم شاعرة تدعى سارة القرظية. وهؤلاء الشعراء كانوا يلتزمون القواعد والأساليب نفسها التي يلتزمها شعراء العربية في شعرهم. ويُلاحَظ أنه لا يوجد في شعرهم أي أثر للتوراة أو لفكر ديني يهودي مستقل. وقد سادت بين اليهود القيم العربية مثل الفخر بالشجاعة وإكرام الضيف والمروءة والعصبية القبلية والثأر وأخذ الدية والتحالف. ومن أسمائهم يبدو تعرُّبهم واضحاً ولا تُوجَد أسماء تحمل نكهة عبرية سوى قلة مثل بني زعورا. ولا يرد ذكر يهود الجزيرة العربية في المراجع اليهودية أو غير اليهودية قبل بعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) نظراً لانقطاع علاقتهم ببقية يهود العالم. وكانت علاقتهم بيهود فلسطين، الذين كانوا يتحدثون الآرامية، علاقة تجارية لا تختلف عن علاقة القبائل العربية الأخرى بهم. بل إن هناك من القرائن ما يدل على أن يهود دمشق وحلب لم يكونوا (في القرن الثامن الميلادي) يعتبرون يهود الجزيرة العربية يهوداً على الإطلاق نظراً لأنهم لم يكونوا يعرفون التلمود وإن عرفوه لم يخضعوا لقوانينه. ويبدو أن يهوديتهم كانت تتلخص في الإيمان بعقيدة التوحيد والعهد القديم. وكان حاخاماتهم يقرأون العهد القديم بالعبرية ثم يشرحونه بالعربية لمستمعيهم. وكان اليهود يعرفون بعض كتب المدراش. ويُقال إن اليهودية التي اعتنقها عرب الجزيرة كانت أشبه بحزب قَبَلي أكثر من كونها ديناً له أصول وأبعاد كدين يهود فلسطين، إذ كان مجرد اعتناق أحد رؤساء القبائل أو البطون أو الأفخاذ للديانة اليهودية يؤدي تلقائياً إلى تهوُّد أتباعه. ومع هذا، لا يمكن استبعاد وجود طبقة حلولية قوية في عقائد يهود الجزيرة العربية. ويعود هذا ولا شك للوثنية العربية المحيطة بهم. وتظهر الحلولية وبقوة في فكر عبد الله بن سبأ (أو السبئية إن أخذنا بالرأي الذي يذهب إلى أنه شخصية غير تاريخية) . وجاء الإسلام لينظر باحترام إلى تعاليم التوراة الأصلية. وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يتوقع ترحيب اليهودية ومساعدتهم للمسلمين لأنهم أهل كتاب، فعاملهم بانفتاح ووضع كتاباً بين الجماعة الإسلامية وبينهم في المدينة ينظم الشئون المشتركة ويوجب التساند في وجه الخطر الخارجي على وجه الخصوص ويجعلهم أمةً واحدة. ولكنهم سرعان ما وقفوا منه موقفاً اتسم بالسلبية ثم تدرَّج إلى المقاومة والتأليب، وأخذت المواجهة في البداية شكل الحرب الفكرية والدعاية المضادة. فقد تحدوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمناقشات وطالبوه بالمعجزات، وأظهر أحبارهم التعنت في الجدل والأسئلة ثم تدرَّج الحال إلى الخصومة. بل لقد بلغ الأمر حد أن اليهود (وهم أصحاب عقيدة توحيد) أخبروا قريشاً أن عقيدتهم الوثنية أفضل من دين محمد، وهو تزييف واع للحقائق. وجاء التنزيل يلوم اليهود ويعنفهم ويتهمهم بتحريف الكلام عن مواضعه وتحوير التوراة والإضافة إليها. وحاول اليهود إثارة الشكوك في نفوس بعض المسلمين لزعزعة ثقتهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود اختلاف بين بني إسرائيل (واليهود) في فهم كتاب الله وتفسيره وإلى انقسامهم تبعاً لذلك شيعاً وأحزاباً، واتهموا ببغض المسلمين وبالإخلال في الأمانات (وثمة رأي يذهب إلى أن كلمة «بني إسرائيل» كما وردت في القرآن لا تشير بالضرورة إلى يهود الجزيرة العربية، وإنما تشير إلى اليهود في الماضي باعتبارهم أتباع العقيدة اليهودية) . وقد استمر اليهود في خصومتهم، وحاولوا إثارة الأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج، كما اتصلوا بخصوم الجماعة الإسلامية وهو ما ولَّد أزمة سياسية. وتصاعد الصراع الفعلي مع اليهود بعد غزوة بدر نتيجة تخوف اليهود من ارتفاع شأن المسلمين وخصوصاً أنهم كانوا يظنون أن النصر الذي تحقَّق للمسلمين في بدر جاء اعتباطاً أو في غفلة من الزمن. فبدأ الصراع مع بني قينقاع (أقوى الجماعات اليهودية التي شملتهم المعاهدة مع المسلمين) الذين كانوا يسكنون داخل المدينة (يثرب سابقاً) ، كما كانوا أغنياء جلهم صاغة، ويعتمدون على مساندة الخزرج. كذلك كانوا يعتدون بقوتهم العسكرية. ويُفهَم من كتب السيرة أنهم أظهروا بوادر التحدي ثم التحرش بالمسلمين. وذهب كعب بن الأشرف إلى مكة بعد بدر يُحرِّض أهلها على الأخذ بثأرهم والانتقام من الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين قبل أن يثبت سلطانهم وتقوى شوكتهم. ولم يكتف بذلك، إذ عندما عاد إلى المدينة استخدم شعره في التشبيب بنساء المسلمين والخوض في أعراضهم، ثم راح يطعن في الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويُحرِّض الناس على الخلاص منه. وحدثت مشادة في سوق الصاغة التي كانت ليهود بني قينقاع أدَّت إلى مقتل يهودي ومسلم وأراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) تهدئة النفوس في ضوء احترام عقد الموادعة بين الطرفين، ولكن يهود بني قينقاع رفضوا فأمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بحصار دورهم واستمر الحصار خمسة عشر يوماً حتى أعلن اليهود استسلامهم. وقد كان من رأي المسلمين أن يقتلوهم جميعاً، وكان عددهم سبعمائة رجل، لكن الرسول قَبل ساطة عبد الله بن أبيّ وعبادة بن الصامت على أن يجلوا عن المدينة وسُمح لهم بالهجرة فخرجوا إلى أذرعات الشام، وأخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أموالهم وأبقى لهم ذراريهم ونساءهم. وفي أُحُد، رفض اليهود الاشتراك مع المسلمين كما يفترض العهد بين اليهود والمسلمين، وتعللوا بأنه يوم سبت. بل كان هوى بني النضير مع المشركين. واتخذ بعضهم (مثل كعب بن الأشرف) موقفاً استفزازياً بندب قتلى بدر والتحريض على المسلمين. كما أخذ بعضهم يزيد في التشكيك والتحرش، ووجدوا تشجيعاً من المنافقين معتمدين على حلفهم مع الأوس. وقد استقبل زعيم بني النضير سلام بن مشكم أبا سفيان بن حرب عندما قدم من مكة في مائتين من أهلها وأغار على أطراف المدينة وأحرق دارين وقتل رجلين وقفل عائداً إلى مكة. وقد أطلعه ابن مشكم على أسرار المسلمين. وقام أحدهم (عمرو بن جحش) بمحاولة اغتيال الرسول، بعد عقد العهد (أي المعاهدة) بين المسلمين واليهود. واعتبر الرسول هذا التصرف دليلاً على نقضهم العهد. وكانت قريش قد بدأت تجمع جموعها للفتك بالمسلمين. ولتأمين جبهتهم الداخلية أعطاهم الرسول إنذاراً بالرحيل عن المدينة فرفضوا وأخذوا يتحصنون ويعدون أنفسهم لحرب طويلة. وجاء ذلك على لسان زعيمهم حُييّ بن أخطب. وازداد صلف بني النضير عندما وعدهم زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بالدعم (هذا رغم أنه كان قد وعد بني قينقاع ثم تخلى عنهم عندما صمَّم الرسول على إجلائهم) . واستمر القتال عشرين ليلة ولكن بني النضير استسلموا في نهاية الأمر فسمح لهم الرسول بالخروج من المدينة ومعهم ما تحمل الإبل إلا الدروع (حسب طلبهم) وخرجوا حيث نزل بعضهم خيبر، ونزل آخرون بالشام. ويُلاحَظ أن بني قريظة حلفاء بني النضير لم يمسهم سوء لأنهم أبقوا على العهد. وكان لليهود دور كبير في خروج الأحزاب وفي غزوة الخندق. فبدأوا يهيجون ضد المسلمين واستجابت لهم جماعات (أحزاب) كثيرة فزحفت على المدينة. فحفر المسلمون خندقاً وضُرب الحصار على المدينة لمدة شهر. وخلال ذلك كان زعيم بني النضير، حييّ بن أخطب يُحرض كل قبائل العرب الذين كانوا ما يزالون على وثنيتهم ضد مُحمّد وأصحابه، وسعى جاهداً إلى أن يجعلها حرباً عامة تضم سكان شبه الجزيرة العربية من الوثنيين واليهود المنافقين في المدينة لاستئصال شأفة الإسلام؛ فقدم إلى قريش في مكة وذكَّرها بقتلى بدر وضياع سيادتها على الطريق التجاري إلى الشام إذا ازدادت قوة المسلمين في المدينة. وسألت قريش وفد اليهود «يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومُحمّد، أفديننا خيرٌ أم دينه؟» وأعماهم الحقد فأجابوا «بل دينكم خيرٌ من دينه وأنتم أولى بالحق منه» ! والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في آيات صريحة جاء فيها: «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا» (النساء 51 ـ 52) . هكذا أثار اليهود من جديد ثائرة قريش ضد المسلمين، وفعلوا ذلك أيضاً مع قبائل غطفان من قيس عيلان ومن بني مُرة ومن بني فزارة ومن أشجع ومن سليم ومن بني سعد ومن أسد وغيرهم. وأتم ذلك كله حيي بن أخطب بإغراء يهود بني قريظة بالدخول في هذا الحلف مع الأحزاب، ونقض عهدها مع الرسول، وعلى الرغم من أن زعيمهم كعب بن أسد تردد في أول الأمر، إلا أن حيي بن أخطب ما زال به حتى انضم لقريش وحُلفائها من يهود ووثنيين. وكانت خطورة انضمام بني قريظة إلى هذا الحلف، أنهم كانوا يقيمون في المنطقة التي لم يمتد إليها الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة عندما علموا بمقدم الأحزاب، اعتماداً على أن بني قريظة تحمي هذه المنطقة وفاءً لعهدها مع الرسول، ومن ثم كان هذا يعني دخول الحلفاء إلى المدينة والقضاء على المسلمين بداخلها عن طريق بوابة قريظة هذه، ولما سمع الرسول بغدرهم أرسل لهم سعد بن معاذ سيد الأوس (لأنه كان هو وجماعته من حُلفاء بني قريظة) وسعد بن عبادة سيد الخزرج فقابلا كعب بن أسد وحذَّراه من مغبة الغدر، فسخر منهما. ونجح أحد المسلمين في زرع الشكوك بين الأحلاف، وفشلت الحملة. وعندئذ هاجم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بني قريظة، فخارت قواهم وطلبوا العفو لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تنازل لسعد بن معاذ سيد الأوس عن حقه في اتخاذ القرار ليحكم في أمرهم. ولعل سعد بن معاذ فكَّر فيما قام به بنو النضير من نشاط ضد المسلمين بعد خروجهم من المدينة وتحريضهم لبني قريظة. وقد رأى سعد بن معاذ بنفسه إصرار بني قريظة على الخيانة ورفضهم النصح. فحكم على الرجال (أي العناصر العسكرية) بالقتل وسبي الذراري والنساء، باعتبار أن ما ارتكبوه يعادل في القانون الحديث الخيانة العظمى وإعلان الحرب. وكانت خيبر (في أعالي الحجاز) من مراكز اليهود المهمة، وصارت ملجأ اليهود الحانقين ومركزاً للتآمر، وأخذت في تكوين كتلة من يهود القرى المجاورة كتيماء ووادي القرى ولكن دون نجاح. وكان المسلمون يدركون ذلك. وحين سالم الرسول (صلى الله عليه وسلم) مكةَ في الحديبية (آخر العام السادس للهجرة) ، أمر بالتهيؤ لخيبر في مطالع العام السابع للهجرة، فهي خطر عسكري من الشمال مع وجود قريش في الجنوب ولها دور في التحريض على غزوة الخندق كما حاولت التفاهم مع غطفان لمحاربة المسلمين بوعدهم بنصف تمر خيبر لعام إن انتصروا، كما جرت المفاوضات بين خيبر ويهود وادي القرى وتيماء وفدك لتكوين حلف جديد يتزعمه اليهود الآن لحرب مُحمّد وأصحابه بعد أن فشل القرشيون في ذلك. ولم يكن من المستبعد أن يسعى يهود خيبر للاستعانة بقوى خارجية كالفرس مثلاً الذين كانت لهم مصالحهم في اليمن، وهم ولا شك يطمعون أن يمتد نفوذهم إلى كل محطات طريق التجارة البري من اليمن إلى الشام عبر المدينة. ولكن المحاولة فشلت لسبق المسلمين في التحرك ولتخاذل غطفان. وكان ليهود خيبر مناطق حربية (النطاة والشق والكتيبة) لكل منها حصون يحتمون بها من الغارات، وفيها مخازن الغلال، أما المزارع فخارج الحصون. وبعد حصار ومناوشات، سلم يهود خيبر على أن تُحقَن دماؤهم، واعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر غنيمة وقسمها، ولكنه ترك اليهود يزرعونها لعدم توافر الأيدي العاملة لديه مقابل نصف المحصول. وكان بين غنائم خيبر صحائف من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بتسليمها إليهم. وبعد خيبر، خضعت بقية القرى اليهودية وسلمت للنبي (صلى الله عليه وسلم) . فأرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى يهود فدك وتم الاتفاق معهم دون قتال على أن يُتركوا لزراعة الأرض ويعطوا النبي نصفها. ثم خرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنفسه إلى يهود وادي القرى وهزمهم وتوصل معهم إلى اتفاق مشابه لما توصل إليه مع اليهود السابقين. ولما سمع يهود تيماء بذلك لم ينتظروا مسيرة الرسول إليهم بل أرسلوا إليه وقبلوا شروط المسلمين. ويُقال إنه في هذه الآونة قدَّمت امرأة يهودية (زينب بنت الحارث بن سلام) شاة مشوية للرسول، دست له فيها السم وأوحي إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالأمر فلفظ ما أكل. وفي رواية أخرى أنه أُقيم عليها القصاص لأن أحد الصحابة ممن أكلوا من الشاة مات مسموماً. وكان وجود اليهود في مستوطنات متراصة في قلب الأمة الجديدة، وموقفهم السلبي ثم العدائي، سبب تأزُّم العلاقة لتشكيلهم جبهة داخلية ذات خطر. ولكن، بعد خيبر، لم يبق منهم خطر وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمعاملتهم (في خيبر والقرى الشمالية) معاملة حسنة باعتبارهم أهل ذمة. وقد قام عمر بن الخطاب بإجلاء اليهود عن الجزيرة العربية ليحمي الدولة الجديدة من عناصر لم يكن ولاؤها كاملاً. وربما كانت هذه حادثة الطرد أو التهجير الوحيدة في تاريخ العالم الإسلامي باعتبار أن ما حدث في وقت الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان جزءاً من عمليات عسكرية. ومع هذا، عامل عمر الجماعات اليهودية طبقاً للشروط التي كانت بينهم وبين المسلمين. فأهل فدك، على سبيل المثال، كان لهم نصف الأرض، فاشتراها عمر منهم. ويسَّر عمر للجماعات اليهودية عملية الاستيطان في الشام والعراق، وخصوصاً في الكوفة. بل بقي بعض اليهود في المدينة وفي وادي القرى وتيماء قروناً عديدة، كما ظل هناك يهود بطبيعة الحال في اليمن. ويبدو أن موقف يهود الدولة البيزنطية من الفتح الإسلامي كان مؤيداً وممالئاً للمسلمين، وخصوصاً أن أوضاعهم كانت قد تردت داخل هذه الإمبراطورية بعد تعاونهم مع الفرس من قبل. وقد ساعد اليهود والسامريون، وكذلك المسيحيون اليعقوبيون، الفتح الإسلامي، وخصوصاً في سوريا وفلسطين. وفي حمص، على سبيل المثال، سد اليهود والمسيحيون بوابات المدينة لمنع جيش الروم من الدخول. وفي الخليل وقيصرية، تَمكَّن المسلمون من اختراق تحصينات الروم بسبب مساعدة اليهود. وفي إسبانيا، كانوا يقومون بثورات مسلحة ضد حكامهم من القوط الغربيين. كان هذا هو النمط الغالب، وإن كانت هناك بعض الحالات الاستثنائية حين تعاون اليهود مع الروم، بل يُقال إنهم قاتلوا إلى جوارهم كما حدث في غزة. الذميون أو أهل الذمة في الإسلام The Dhimmis «الذميون» أو «أهل الذمة» هم من يجوز عقد الذمة معهم، وهم أهل الكتاب، ومن سن بهم الشرع سنة أهل الكتاب مثل المجوس. و «الذمة» في اللغة هي العهد والأمان والضمان، ولذا يُقال لأهل الذمة «أهل العهد» . والمصطلح يعني أن أهل الذمة «في ذمة الله ورسوله وليسوا في ذمة أحد من الناس» . والذمة ذُكرت في القرآن الكريم مرتين في سورة التوبة (الآيتين 8 ـ 10) اللتين أكدتا أن وضع الغلبة إذا كان من نصيب المشركين فإنهم لن يرقبوا في مؤمنٍّ إلاًّ ولا ذمة. وتعبير «الذمة» كان أحد مفردات الخطاب العربي قبل الإسلام، حيث كانت عقود الذمة والأمان صنيعة التعايش الذي صادف سمات في الشخصية العربية. فقد عرف العرب من قديم التناصر بالجوار، بما يسمونه «عقد الجوار أو الذمة» . وكانت رعاية الجوار عندهم من مقتضيات شهامة العربي. وكان على المجير أن يحمي الجار أو المستجير ويقاتل عنه، ويطلب حقه، ويمنعه ويمنع أهله مما يمنع منه نفسه وأهله وولده. فمسألة الذمة كانت حالة تعاهدية تعارف عليها عرب الجاهلية. واللفظ اصطلاحاً ظهر مع استخدام الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها الحديث الشريف: "من آذى ذمياً فأنا خصمه"، وقوله (صلى الله عليه وسلم) في خطبة الوداع: "أوصيكم بأهل ذمتي خيراً". ومن خلال هذه الصيغة دخل تعبير «أهل الذمة» قاموس التخاطب مع غير المسلمين سواء في الممارسات أو في كتب الفقه. ويضع الفقه الإسلامي «الذميَّ» مقابل «المسلم» من جهة، ومقابل «المشرك» من جهة. كما يوضع «الذمي» مقابل «الحربي» ، وهو «الكتابي الذي يعيش في دار الحرب» ، ومقابل «المُستأْمَن» ، وهو «الكتابي الذي يأتي لدار الإسلام للاتجار أو الزيارة فيُعطَى الأمان ويُصرَّح له بالعيش لمدة محددة» . وأصبح تعريف عقد الذمة (المستقر في كتب الفقه المختلفة) أنه عقد يصير غير المسلم بمقتضاه في ذمة المسلمين، أي في عهدهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة في دار الإسلام على وجه الدوام. وأهم سمات عقد الذمة أنه تعاقد قانوني بين طرفين، وليس حالة قانونية دائمة، وهو تعاقد يستند إلى ظروف محدَّدة ومن ثم يزول بزوالها. وفكرة العقد هنا هي إسهام أساسي للدين الإسلامي في التعامل مع قضية الأقليات، إذ أن العلاقة مع غير المسلمين لم تُؤسَّس على أساس تسامح المسلمين أو عطفهم وحسب، وإنما أُسِّست على مقولات قانونية واضحة تتجاوز الأهواء، محمودة كانت أم مذمومة (على عكس الفقه المسيحي الغربي الذي لم يطرح قط أية بنية قانونية خاصة بالأقليات وترك الأمر برمته للتسامح المسيحي) . هذا التعاقد لا يتم في فراغ وإنما في إطار النموذج المعرفي الإسلامي ومن منطلقاته الأساسية التي يمكن أن نوجز بعضها فيما يلي: 1 ـ التعددية: يعترف الإسلام بالتعددية وحتميتها، وينطلق منها. بل إن جميع الفقهاء يعتبرون الاختلاف والتعددية سُنّة إلهية تركت بصمتها على جميع الخلق. والإسلام لا يجعل مجرد المخالفة في الدين سبباً يحمل على التقاطع بالتفرقة وسلب الحريات والإخراج من الديار، وإنما جعل العداء سبباً مانعاً من موالاة العدو والامتزاج به والاعتماد عليه (كما يذهب ابن كثير والقرطبي وغيرهم في تفسير سورة الممتحنة) . وقد أكد الدين حرية العقيدة في آيات عديدة منها:"لا إكراه في الدين، قد تبيَّن الرشد من الغي" (البقرة 256) ، وأقر حرية الاختيار "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29) ، وعلق المشيئة باختيار العبد "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" (السجدة 13) . وقد دعا الإسلام إلى تأجيل الخلافات العقيدية إلى الآخرة لكي يفصل فيها الله سبحانه وتعالى (فهمي هويدي) فالقلوب والضمائر ينبغي أن تُترك لرب القلوب ويوم الحساب "إن الذين آمنوا والذين هادوا، والصابئين والنصارى، والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" (الحج 17) . كل هذا يعني حتمية الاختلاف، والاختلافات في الدين على هذا الأساس لا يمكن أن تكون سبباً للعداء والحرب. ويذكر القرضاوي أن أساس التعامل مع غير المسلمين هو "اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى" و"ليس المسلم مكلفاً أن يحاسب الكافرين على كفرهم أو يعاقب الضالين على ضلالهم" و"إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل ويحب القسط"، "يأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير" (سورة الحجرات 13) . 2 ـ العدل: وهو القيمة القطب في الإسلام (فهمي هويدي) . العدل في المجتمع المسلم يقوم وفقاً لجملة من الثوابت منها رفع قيمة الإنسان، والاستخلاف، والمساواة، وتحريم الله الظلم على نفسه وتحريمه بين الخلق. وهذه القيمة يتمتع بها الناس جميعاً لأنهم أخوة، فكلهم لآدم (الغنوشي) . وإذن فمادام غير المسلم إنساناً، فإن له بمقتضى هذه الصفة في الدين الحصانة والكرامة والحماية. وأكد سليم العوا، في ذلك السياق، عصمة الدم. والعدل في الإسلام قيمة مطلقة وليست نسبية، فهي واجبة الالتزام في كل الظروف، وهي في مواجهة الأعداء، كما هي مع الأهل والحلفاء"لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا" (المائدة 8) ، أي لا يدفعكم بُغض قوم إلى اقتراف جريرة الظلم بإزائهم. ولذا كتب عمر بن الخطاب إلى أحد عماله يقول: "وأما العدل فلا رخصة فيه من قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل وإن رئى ليناً، فهو أقوى، وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور". والعدل تحري الإنصاف والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه، والحكم بين الناس بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، وهو نقيض الظلم (محمد سيد طنطاوي) . والعدل الإلهي يتجلى على الصعيد الاجتماعي في الدعوة إلى إقامة مجتمع إنساني حر مفتوح تملك جميع العقائد والمذاهب والآراء أن تعيش في ظله، وليس الإكراه عنصراً من عناصر تكوينه ولا بقائه (سيد قطب) . وهذا المجتمع قائم على الإيمان بالعقيدة وعلى تطوع كل فرد فيه بصيانة النظام، حدوده مفتوحة بلا حواجز ولا قيود لجميع المسلمين من كل جنس ولون، ولغير المسلمين كذلك من المسالمين. بل إن المشرك ليملك في الوطن الإسلامي أن يستجير فيُجار ويتحتم حينئذ على الدولة الإسلامية أن تحميه وتكفله. وقد نصَّت وثيقة المدينة (الصحيفة) على أن «من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم» (الغنوشي) . 3 ـ المساواة التامة بين البشر: ويرتبط بقيمة العدل الإيمان بالمساواة التامة بين البشر التي تنبع من رؤية إنسانية للإنسان تنبو عن عرْق أو دين أو لغة أو خلافه. وليس للمسلم من هذه الزاوية أية أفضلية على غيره، وإنما هو إنسان شأن أي إنسان آخر إذ خلقنا الله من نفس واحدة. كما ذهب أبو الأعلى المودودي وفهمي هويدي وإدوارد الذهبي والغنوشي وسليم العوا وسيد قطب إلى أن هذه المساواة التي تمثل خلفية معرفية لمفهوم الذمة تعود بالمفكرين إلى طبيعة التكريم الذي قضاه الله للإنسان «ولقد كرمنا بني آدم» (الإسراء 70) فالإنسان في الإسلام هو مخلوق الله المختار، الذي خلقه وسواه وعدَّله، ونفخ فيه من روحه. ومعنى التكريم هنا أي جعلنا لهم كرماً، أي شرفاً وفضلاً، وأياً كان مناط التكريم، أكان لأن الإنسان نفساً، أو لهداية الإنسان بالعقل، أو لاستخلافه، فإن نتاج هذا التكريم أن صار للإنسان، كل إنسان، قدسيته في هذا الدين. وقد صار الإنسان في حمى محمي، وحرم مُحرَّم، ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه، بارتكاب جريمة ترفع عنه جانباً من تلك الحصانة، وهو بعد ذلك بريء حتى يثبت جرمه، وهو بعد ثبوت جرمه لا يفقد حماية الشرع كله، لأن جنايته ستُقدَّر بقدرها، ولأن عقوبته لن تجاوز مقدارها. بهذه الكرامة يحمي الإسلام أعداءه كما يحمي أولياءه وأبناءه، هذه الكرامة التي كرَّم بها الإنسانية في كل فرد من أفرادها، هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين بني آدم. ولا شك في أن هذا الذي سبق يخص فيما يخص أهل الذمة وإن كان أعم وأشمل. غير أن لأهل الذمة مزية خاصة لكونهم أهل توحيد يشاركهم في ذلك المجوس وكذلك السامرة والصابئة بشرط أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصل عقيدتهم. ويقول الإمام علي رضي الله عنه إنهم قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا، ويؤكدها السرخسي من مشاهير الفقهاء بقوله: «ولأنهم قبلوا عقد الذمة، لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال المسلمين وحقوقهم» . بل أكثر من ذلك ذهب الفقه الإسلامي إلى أن حقوق الأقليات غير المسلمة طالما كانت مستمدة من الشريعة فإنها لا تتأثر بسوء معاملة الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية وعليه، فلا يجوز، لدار الإسلام أن تسيء معاملة الأقليات غير المسلمة في إقليمها بحجة الأخذ بقاعدة «المعاملة بالمثل» . وذهب محمد عمارة إلى أبعد من ذلك حيث لم يعتبر ما للذميين حقوقاً وإنما هي ضرورات واجبة. تأسيساً على تلك الأسس الفكرية كان لا مناص من اعتبار النظام الإسلامي أن أهل الذمة جزء من الرعية الإسلامية، مع احتفاظهم بعقيدتهم، ومن ثم فقد كانت المعاهدات الخارجية يُمثَّل فيها المسلمون والذميون كأمة متحدة. ويؤكد محمد الغزالي أن الإسلام يرى أن من عاهد المسلمين من اليهود أو النصارى أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعبادتهم وأحوالهم الخاصة. ويؤكد الفكر الإسلامي أن انضواء الأفراد والجماعات في نطاق النظام السياسي الإسلامي قد أدَّى إلى اعتماد «الأمة» ، و «الرابطة الأمتية» إطاراً عاماً يحدد سلوك الأفراد واتجاهات الفعل السياسي ضمن المجتمع المسلم. وإذا كان ذلك كذلك فإن الدعوة لاعتبار الذميين مواطنين تطرح نفسها بقوة خاصة مع تعدد فئات ومستويات معضدات هذه الفكرة. وعندما تناول العديد من المفكرين (فهمي هويدي ـ لؤي صافي ـ راشد الغنوشي ـ إدوارد الذهبي ـ سليم العوا، وغيرهم) صحيفة المدينة بالتحليل، وجدوا أن أهل الكتاب كانت لهم بموجب نص هذه الصحيفة حقوق المواطنة الكاملة يمارسون عبادتهم بحرية، ويناصحون المسلمين، ويتناصرون في حماية المدينة، ويتعاونون، كلٌّ في موقعه على حمل أعباء ذلك. ولعل من نص الصحيفة هذه ما يبرر ذلك حيث قالت: "وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا مُتناصَر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم.. إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ [يهلك] إلا نفسه وأهل بيته.. وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وأن بينهم النصح والنصيحة دون إثم". (نص وثيقة المدينة) . وأكد ذلك أحمد طه السنوسي في تناوله فكرة الجنسية في التشريع الإسلامي المقارن. وهكذا فإن مفهوم الذمة لا يتعارض مع مفهوم المواطنة حتى ذهب فهمي هويدي إلى إعادة النظر في مفهوم الذمة الذي يُعبِّر عن تصنيف وليس تمييز، ولا يرتب اختلافاً يستدعي استمرار الالتزام به. وأكد ذلك راشد الغنوشي في حديثه عن ارتفاع المواطنة في الدولة الإسلامية عن كل الفوارق الجنسية والقومية واللغوية وسواها من الفوارق التي أقيمت بين البشر. وهذه المواطنة رتبت حقوقاً لكل من توطن هذه الدولة، وألزمتهم بواجبات كذلك. وقد أكد أن مبدأ مساواة المواطنين في الدولة الإسلامية ثابت فلا تختلف حقوق وواجبات المسلمين عن حقوق غير المسلمين إلا فيما يقتضيه اختلاف العقيدة. فحَمْل المسلمين على ما يخالف عقيدتهم أو الذميين كذلك هو طعن في مبدأ العدالة والمساواة، كأن يُحْمَل الذمي على ترك الخمر ولحم الخنزير، أو يُحْمَل المسلم على أكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وعقد الذمة يختص به الإمام أو نائبه، وشروطه قسمان: مستحَق ومستحَب. أما المستحق، فهو أداء الجزية والخراج والضريبة التجارية والتزام أحكام القانون الإسلامي ومراعاة شعائر المسلمين ومشاعرهم وألا يعينوا أهل الحرب. وهي شروط ملزمة إذا نقضوها انتقض عهدهم. وأهم عناصر الذمة هي الجزية وهي من الكلمة الفارسية «جازيت» أي «الخراج الذي يُستخدَم في الحرب» . والجزية ضريبة أساسها نَصّ القرآن وإجماع المسلمين، ووجه إيجابها أن الإسلام أوجب الخدمة العسكرية على أبنائه، وجعلها عليهم فريضة دينية مقدَّسة، واعتبر أداءها عبادة، فكان من لطفه مع غير المسلمين ألا يلزمهم بما يعتبر عبادة في غير دينهم. والجزية على غير المسلم بدل مالي عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين، لذلك فهي لا تجب إلا على القادر على حمل السلاح من الرجال، ولا تجب على امرأة ولا صبي ولا شيخ ولا على ذي عاهة، ولا تُفرَض على راهب، كما تسقط عمن تجب عليه إذا لم تستطع الدولة أن تقوم بواجب حماية أهل الذمة من مواطنيها، وتسقط أيضاً باشتراك أهل الذمة مع المسلمين في القتال والدفاع عن دار الإسلام. وقد أُعفي من الجزية نصارى اليونان لغير الاشتراك في القتال (الإشراف على القناطر) ، كما فُرضت الجزية على مسلمي مصر كمسيحييها لما أعفوا من الخدمة العسكرية. ومن الممكن تأجيل تحصيل الجزية من المعسر. لكل هذا، يذهب بعض الكُتَّاب إلى أن الجزية لا يمكن تصنيفها كضريبة رأس كتلك التي كانت تفرضها الجيوش الفاتحة على الشعوب المغلوبة. ويؤكد الغنوشي أن الضريبة التجارية، فرضها عمر على أهل الذمة بنصف العشر من مال التجارة الذي ينتقل من بلد إلى بلد (بينما كان التاجر المسلم يؤدي ضريبة مقدارها ربع العشر) ، وهي ضريبة لم يرد فيها نص معصوم، إنما فُرضت باجتهاد مصلحي اقتضته السياسة الشرعية، وعلى هذا: لو تغيَّر الوضع فيما يتعلق بالنظر إلى الذمة وأصبح يُؤخَذ منه ضرائب على أمواله الظاهرة والباطنة ما يساوي الزكاة، لأمكن حينئذ أن يؤخذ من التاجر الذمِّي مثل ما يُؤخذ من المسلم ولا حرج. وقد أُعفيت أموال التجارة الداخلية من الضرائب، أما زرعهم وثمارهم التي يستغلونها من أرض الخراج فليس عليهم شيء فيها غير الخراج، وهي ضريبة كان يدفعها المسلمون أيضاً. ويذهب السنوسي والغنوشي إلى أن التزام الذميين بأحكام القانون الإسلامي، يَصدُر عن واقع أنهم يحملون جنسية الدولة الإسلامية ويلتزمون بقوانينها فيما لا يمس عقائدهم وحريتهم الدينية. وأما مراعاة شعور المسلمين فيقتضي ألا يسبوا «الإسلام ورسوله وكتابه جهرة» ، وألا يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها، ما لم يكن ذلك جزءاً من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصارى، وغير ذلك من مظاهر السلوك. بل إن المودودي يذهب لأبعد من ذلك فيرى أن لغير المسلمين في الدول الإسلامية من حرية الخطابة والكتابة والرأي والتفكير والاجتماع والاحتفال ما للمسلمين سواءً بسواء، وعليهم من القيود والالتزامات ما على المسلمين أنفسهم، فيجوز لهم انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين من حق في نقد مذاهبهم ونحلهم. ويجب على المسلمين أن يلتزموا حدود القانون في نقدهم وكذلك غير المسلمين. ولغير المسلمين كذلك الحرية الكاملة في مدح نحلهم. ولا يحق للحكومة الإسلامية أن تعترض على انتقال أحد من غير المسلمين من نحلة غير إسلامية إلى أخرى غير إسلامية. ولكن لا يمكن لمسلم أن يستبدل دينه في حدود الدولة الإسلامية، وإن ارتد مسلم فيقع وبال ارتداده على نفسه. ولن يُؤخذ غير المسلم الذي حمله على ذلك بذنبه. هذا فيما يتصل بالمستحق، أما المستحَب فيحوي شروطاً عديدة من بينها لبس الغيار (وهو الملابس ذات اللون المخالف للون ملابس المسلمين لتمييزهم عنهم) . كما كانت الشروط المستحبة لعقد الذمة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وكان الإخلال بها لا يُعَد نقضاً لعهد الذمة. ويذهب الدكتور قاسم عبده قاسم إلى أن الشروط التي اصطُلح على تسميتها «المستحَق» استهدفت في أساسها حماية الإسلام والجماعة الإسلامية، كما أنها تتفق في مجموعها مع روح الشريعة الإسلامية، أما الشروط التي عُرفت باسم «المستحب» فواضح أنها اجتهادات من وضع الفقهاء في مرحلة متأخرة نتيجة اتصال الذميين ببعض الغزاة إبّان الحروب الصليبية، وقد كانت نوعاً من المغالاة في فرض القيود لا تستهدف الحماية كما قلنا، غير أنها غير معصومة، فلم تُفرَض على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) . وتؤلف هذه الشروط بقسميها صورة «العهد العمري» أو «الشروط العمرية» المنسوبة إلى الخليفة عمربن الخطاب. وجدير بالذكر أن «عهد عمر» ظل مجهولاً بصورته التقليدية طوال القرنين الهجريين الأول والثاني، ولم يبدأ ظهوره بشكله النهائي إلا في أواخر القرن الثاني الهجري، الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بصحة أصوله التي اهتمت بحماية المجتمع الإسلامي. وقد وضع الخليفة عمر بن الخطاب شروط العهد العمري بشكل متَّسق مع روح الشريعة الإسلامية. وقد ضمن الإسلام لأعضاء الأقليات غير الإسلامية حقوقاً عديدة من أهمها: 1 ـ حق العبادة: ضمن الإسلام لأهل الذمة حق العبادة ضماناً مطلقاً، فلا إكراه في الدين بنص القرآن، ولا يُجبَر أحد ولا يُضغَط عليه لترك دينه إلى غيره. «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» (سورة النحل 125) . وذهب القرضاوي وغيره إلى أنه لا يحق للمسلم أن يُحاسب غير المسلم على معتقداته حتى ولو كان كافراً. وفضلاً عن إباحة زواج المسلم بكتابية فإن علي عبد الواحد وافي يرى أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته الكتابية من أداء عباداتها وشعائرها، بل إن بعض المذاهب ترى أنه ينبغي له أن يصحبها إلى حيث تؤدي هذه العبادات في كنيستها أو بيعتها إذا رغبت في ذلك. ويوضح الشيخ محمد الغزالي أن الإسلام لم يفرض على الكتابيين ترك أديانهم، بل طالبهم ـ ماداموا يؤثرون دينهم القديم ـ أن يدعوا الإسلام وشأنه، يعتنقه من يعتنقه دون تَهجُّم مر أو جدل يسيء. بل إن الإسلام كفل في الحرية الدينية لأهل الكتاب حرية إقامة الشعائر في أماكن عبادتهم، وحقهم في تجديد ما تَهدَّم منها، وبناء الجديد منها، ودق نواقيسهم إيذاناً بصلاتهم، بل لهم إخراج صلبانهم في يوم عيدهم. وبالنسبة لبناء الكنائس ودور العبادة، أورد الشيخ القرضاوي عهد عمر بتأمين الكنائس القائمة وقت الفتح الإسلامي، ثم أورد عهد خالد "لهم أن يضربوا نواقيسهم في أية ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلاة، وأن يُخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". وذكر بشأن بناء الكنائس الجديدة أن من فقهاء المسلمين من يجيزها في الأمصار الإسلامية، وحتى في البلاد التي فتحها المسلمون عنوة، "إذا أذن لهم إمام المسلمين بناء على مصلحة رآها"، وذلك على مذهب الزيدية وابن قاسم. وأورد أمثلة من مصر، وما ذكره المقريزي "وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خوف". 2 ـ قدر من الاستقلال الثقافي والديني: ويستند هذا الحق إلى أمر الله سبحانه وتعالى لرسوله (عليه الصلاة والسلام) أن احكم بين الناس بالعدل «وإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم» (سورة المائدة 42) ، أي أنه يمكن أن يُتركوا وشأنهم يطبقون قوانينهم في مجال حياتهم الخاصة. وقد كان ليهود بني قريظة بعض الحقوق في إدارة شئونهم الخاصة (أي أن العلاقة مع الدولة كانت فيدرالية إلى حدٍّ ما، إن صح التعبير) . وبالفعل، كان من حق الأقليات أن ينظموا أمورهم الداخلية بالكيفية التي تلائمهم، فكان لهم حق تعليم أبنائهم تعاليم دينهم، وأن تسود قوانين الأسرة الخاصة بهم وأحكامهم الخاصة، وكانت لهم محاكمهم الخاصة، أي أن الإسلام ضمن قدراً كبيراً من الإدارة الذاتية للأقليات. 3 ـ حمايتهم ضد العدوان الخارجي والظلم الداخلي: يذكر شمس الدين الرملي الشافعي أن دفع الضرر عن أهل الذمة واجب كدفعه عن المسلمين: أ) العدوان الخارجي: من حقوق أهل الذمة حمايتهم من الاعتداء عليهم بحفظهم ومنع ما يؤذيهم وفك أسرهم ودفع من يقصدهم بأذى "ولو كانوا منفردين ببلد". وينقل عن ابن حزم في مراتب الإجماع "إن من كان في ذمتنا [من أهل الكتاب] وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع [أي بالخيل] والسلاح ونموت دون ذلك، صيانةً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". ولقد أصر شيخ الإسلام ابن تيمية في تفاوضه مع قائد التتار على إطلاق من تم أسره من أهل الذمة مع إطلاق المسلمين حيث قال: "لا نرضى إلا بامتثال جميع الأساري من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيراً لا من أهل الذمة ولا من أهل الملّة". ب) حمايتهم ضد الظلم الداخلي: من حقوق أهل الذمة أيضاً حمايتهم من الظلم الداخلي، ونُقل عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله "من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه [أي خصيمه] يوم القيامة". وقوله (صلى الله عليه وسلم) "من أذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة". وقوله (صلى الله عليه وسلم) "من أذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله". وفيما ذكره ابن عابدين أن "ظلم الذمي أشد من ظلم المسلم إثماً". ومن كتب الفقه نجد قول القرافي المالكي: "إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا، لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا (أي حمايتنا) ، وذمتنا وذمة الله تعالى وذمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة فقد ضيَّع ذمة الله وذمة رسوله وذمة دين الإسلام". وحق الحماية المقرر لأهل الذمة يتضمن حماية دمائهم وأنفسهم وأبدانهم وحماية أموالهم وأعراضهم كما أسلفنا القول، فكلها مكفولة باتفاق المسلمين. ومن قتل ذمياً غير حربي قُتل، ومن سرقه قُطعت يده. وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدونه ـ حسب دينهم ـ مالاً وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين (كالخمر والخنزير) . ومن حقوقهم تأمينهم عند العجز أو الشيخوخة أو الفقر، فالضمان الاجتماعي في الإسلام يشمل المسلمين وغير المسلمين. قال الإمام أبو يوسف صاحب كتاب الخراج: "وحدثني عمر بن نافع عن أبي بكر قال: مرَّ عمر (رضي الله عنه) بباب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخاً ضرير البصر فضرب عمر عضده، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: اسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل به إلى خازن بيت المال وقال له: انظر هذا وضرباءه. فو الله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ، والفقراء هم الفقراء المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم وضع عنه الجزية وعن ضربائه". قال أبو بكر: "أنا شهدت ذلك من عمر ورأيت ذلك الشيخ". وقد أباح الإسلام لأهل الذمة حرية العمل والكسب، ومزاولة ما يختارونه من مهن، ومباشرة ما يرتاحون إليه من نشاط اقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين الذين يعيشون معهم. ولا يرى الإسلام أي حرج في أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم، أما عن تولِّي غير المسلمين الوظائف العامة، فذكر لأهل الذمة «الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلبت عليه الصبغة الدينية، كالإمامة ورئاسة الدولة، والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات لأن الإمامة والرئاسة العامة في الدين والدنيا وهي خلافة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وقيادة الجيش ليست عملاً مدنياً صرفاً، بل هي من أعمال العبادة لكونها جهاداً، والقضاء حكم بالشريعة الإسلامية فلا يُطلَب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به. وأشار في ذلك إلى ما صرح به الماوردي من جواز تقليد الذمي وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض. ولذا كان اشتغال اليهود والنصارى في الوظائف الكبيرة والصغيرة أمراً شائعاً في بلاد الإسلام. ومع هذا يرى طارق البشري أنه في العصر الحديث، بعد أن أصبحت الدولة كياناً مركباً متداخلاً، وأصبح القرار السياسي نتيجة دراسة خبراء ومستشارين، فإن من الممكن لأهل الذمة أن يتقلدوا أية مناصب (إلا تلك المناصب ذات الصيغة الدينية، بطبيعة الحال) . وفيما يتصل بعقد الذمة في الدولة (الإسلامية) الحديثة فكما يرى العوا ليس له محل من الوجود إذ أن تلك الدولة لم تقم على حق الفتح، حتى يكون هناك عهد ذمة لأهل تلك البلاد، بل قامت على حق التحرر من الاستعمار، ذلك التحرر الذي شارك في صنعه كل من المسلمين والمسيحيين، ومن ثم أصبح الإطار القانوني الذي يحكم تلك العلاقة هو المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. بل يمكن القول بأن قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" يُعاد استعمالها في أجلى صورها، ويبقى حق المسلمين فيها هو حق الأغلبية في كل بلاد الدنيا، ويظلل المجتمع بأسره فكرة النظام العام التي تسمح بتطبيق القوانين الإسلامية واحترام كل من الأغلبية والأقلية لها. إن موقف الإسلام من أهل الذمة لا يستند إلى حالة عاطفية أو عقلية وإنما إلى قاعدة قانونية فقهية وإلى الرؤية الإسلامية للكون. ولعل الواقعة التالية التي يذكرها ميخائيل شاروبيم في الكافي تبلور هذه الفكرة. فمن المعروف أن الوالي عباس الأول، الذي تولَّى الحكم قبل محمد سعيد، كان شديد النقمة على النصارى، وأخرج منهم كثيرين من خدمة الدولة، وأراد أن يدبر إخراجهم من وطنهم وإبعادهم إلى السودان، ولزمه لتنفيذ هذا الأمر أن يستصدر من الأزهر فتوى بجوازها، فطلب إلى الشيخ الباجوري، شيخ الجامع الأزهر وقتها، الرأي في جواز إبعادهم، فرفض الشيخ إنفاذ رغبة الوالي قائلاً: «إنه إن كان يعني الذميين الذين هم أهل البلاد وأصحابها، فالحمد لله لم يطرأ على ذمة الإسلام طارئ، ولم يستول عليها خلل، وهم في ذمته إلى اليوم الآخر» . إن القاعدة الفقهية الخاصة بأهل الذمة وحقوقهم المطلقة مسألة ثابتة لا تحتمل النقاش. ولكن، لا يستند الدين الإسلامي في موقفه من أهل الذمة إلى القاعدة القانونية والفقهية وحسب، وإنما هناك أيضاً التسامح كعنصر تكميلي، وهذا هو معنى «البر والقسطاس» ، فهي عبارة تؤكد أن الموقف الإسلامي من أعضاء الأقليات لا يستند إلى العدل الاجتماعي (المستند إلى هيكل القانون) وحسب، وإنما إلى الإحسان (المستند إلى التسامح الشخصي) أيضاً. وبمعنى آخر لابد من القسطاس أي العدل (البراني) والبر (الجواني) . ولذا يحض القرآن على البحث عن الرقعة المشتركة بين المسلمين وأهل الذمة. «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» (سورة العنكبوت 46) . ويشير الشيخ القرضاوي في علاقة المسلمين بغيرهم إلى ما لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، وهو الروح التي تبدو من حسن المعاشرة ولطف المعاملة ورعاية الجوار وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، ومن إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب، وزيارتهم وعيادة مرضاهم والتعامل معهم. وقد أجاز الفقهاء للمسلم أن يوصي أو يوقف شيئاً من ماله لغير المسلمين من أهل الذمة، وتكون هذه الوصية أو الوقف أمراً نافذاً. وبوسعنا أن ننتقل الآن من المعيارية الإسلامية إلى ممارسات المسلمين التاريخية، وأن نثير قضية مهمة وهي أن بعض التشريعات المنظمة للعلاقة مع الذميين كانت تحمل دلالة وظيفية وحسب. ولكن، بعد حين، نُسيت الوظيفة التي من أجلها تم التشريع وتحوَّل الحظر إلى رمز. فعلى سبيل المثال، كان الذميون يُمنَعون من ركوب الخيل، وإن ركب الذمي الخيل فعليه أن يدلَّي بقدميه من ناحية واحدة لاعتبار أمني، أي لتأكيد أن الذمي لا يحمل السلاح. ولكن هذا طال نسيانه ولم يبق من أمر طريقة الركوب الخاصة سوى جانبه الرمزي وحده. ويتبدَّى تحويل الوظيفة إلى رمز في قضية الغيار (الرداء) أيضاً. والواقع أن إلزام الذميين بلبس الغيار لم يُطبَّق في أيام الرسول، أما عند الفتح الإسلامي، فقد كان غيار السكان المحليين مختلفاً عن رداء العرب المسلمين حيث مُنع المحليون من ارتداء زيّ العرب كضرورة أمنية في عصور الفتح. وكان الهدف من الاختلاف في الزي تأكيد التمايز وليس التميز، بمعنى أن الزيّ شكل من أشكال التعبير، أو هو لغة خاصة يتحدث بها الإنسان ويعبِّر بها عن هويته. والواقع أن التلمود ينصح اليهود بألا يرتدوا ملابس مثل ملابس الفرس (العنصر السائد في الإمبراطورية الفارسية التي كان يعيش فيها اليهود) . وفي العصر الأموي، استبدل بالغيار الزنار. ولعل الهدف منه كان إدارياً بحيث يمكن التمييز بين الذميين والمسلمين بما تقتضيه ضرورة تسيير شئون الدولة، وكان الزنار يشبه في ذلك بطاقة تحقيق الشخصية، ولكن بعض الفقهاء نسوا وظيفة الغيار الإدارية أو الأمنية العملية وفرضوا عليه مدلولاً رمزياً بحيث أصبح الهدف منه الإذلال والتمييز. ولا يمكن حسم هذه القضية إلا بالتمييز بين المعيارية الإسلامية (المثالية) والممارسات الإسلامية الواقعية، وهو تمييز ليس ممكناً وحسب في إطار الإسلام وإنما حتمي وواجب لمن يؤمن بالإسلام ديناً يهديه سواء السبيل، ويتحرك في إطاره ويحتكم إلى منظومته القيمية والمعرفية. وما يهمنا من وجهة نظر هذه الموسوعة أن نشير إلى أن التشريعات الإسلامية الخاصة بأهل الذمة (ومنهم أعضاء الجماعة اليهودية) لم تخلق قابلية لدى الجماعات اليهودية للتحول إلى جماعات وظيفية. ويمكننا أن نضيف بعض العناصر الأخرى التي ساعدت على استقرار وضع الجماعات اليهودية كأهل ذمة داخل التشكيل الحضاري الإسلامي وساهمت في عدم فرض دور وظيفي فريد أو متميِّز. 1 ـ لم يلعب اليهود دور «قاتل الرب» الذي يلعبونه في الرؤية المسيحية للكون ولذا فالرؤية الأخروية (الإسكاتولوجية، رؤية الخلاص النهائي الإسلامية) لم تفرض على اليهود دوراً مميَّزاً (كما هو الحال في المجتمعات المسيحية) . 2 ـ لم ينظر إلى اليهود باعتبارهم الشعب الشاهد الذي يقف في ضعفه دليلاً على عظمة الكنيسة، وفي ذلته وهزيمته دليلاً على انتصارها. 3 ـ لم ينظَر المجتمع الإسلامي إلى اليهودي من خلال مفهوم العودة الألفية التي ترى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى فلسطين وتنصيرهم. 4 ـ لا توجد علاقة حب وكُره بين الإسلام واليهودية كما هو الحال بين المسيحية واليهودية. فالمسيحية تعتبر العهد القديم (كتاب اليهود المقدَّس) أحد كتبها المقدَّسة. كما أن الإسلام لا يرى نفسه تحقيقاً لليهودية أو نفياً لها (كما حدث في المسيحية) . فالإسلام يعترف بأنبياء اليهود وبالمسيح عليه السلام وبكتب اليهود والمسيحيين المقدَّسة. ولكنها مع هذا لم تُتخذ كتباً مقدَّسة لأن الإسلام يرى أنها حُرِّفت. ويظهر الفرق بين موقف المسيحية والإسلام من اليهود في أن الإسلام يشير إلى «شريعة اليهود» أما المسيحية فتشير إلى «قانون اليهود» و «خرافة اليهود» بل «خيانة اليهود» . 5 ـ ظهر الإسلام في منطقة هامشية بالنسبة لليهودية، على عكس المسيحية التي نشأت في فلسطين مركز اليهودية. وفي البداية استفاد اليهود من الحكم الروماني في قمع المسيحية (وفي صلب المسيح حسب الرؤية المسيحية) . ولكن حينما قويت شوكة المسيحية وتحولت الإمبراطورية إلى المسيحية قامت السلطة الرومانية بالقضاء على بقايا اليهودية في فلسطين. 6 ـ لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية يمثلون قوة سكانية ذات وزن في العالم الإسلامي. 7 ـ حرَّم الإسلام الربا ولكنه نظر للتجارة باعتبارها نشاطاً إنسانياً كريماً، ولذا مارسها المسلمون (واليهود والنصارى) ولم يحدث تمايز اقتصادي كبير لأعضاء الأقليات. لكل هذه الأسباب لم يتحول كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، وكان هرمهم الوظيفي والمهني لا يختلف في مجموعه عن الهرم الوظيفي والمهني السائد في المجتمع. هذا لا يعني أنه لم تتحول قطاعات منهم إلى جماعات وظيفية، فقد حدث هذا بلا شك ولكن بدون الشكل الحاد وبدون التبلور الذي أخذته هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية. وقد اختلف الوضع تماماً مع نهاية القرن التاسع عشر ومع وقوع كثير من البلدان العربية في قبضة الاستعمار الغربي ووصول كثير من اليهود الإشكناز إذ تم تحويل الغالبية الساحقة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية تقوم على خدمة الاستعمار الغربي وترعى مصالحه ويقوم هو بحمايتها، ولذا حصل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من أبناء البلاد على جنسية إحدى البلاد الغربية. العالم الإسلامي منذ انتشار الإسلام حتى سقوط بغداد على يد المغول The Islamic World from the Spread of Islam to the Moghul Sack of Baghdad قبل تَناول الجوانب الإدارية والاقتصادية لوجود أعضاء الجماعة اليهودية في الدولة الإسلامية، قد يكون من المفيد أن نقول إن الحضارة الإسلامية، شأنها شأن معظم الحضارات الشرقية القديمة، تقبل التنوع وعدم التجانس بدرجة أعلى من الحضارة الغربية. فالإمبراطوريات الشرقية كانت تسود فيها إحدى الجماعات الإثنية، ولكنها لم تكن تستوعب الجماعات الأخرى، وإنما كانت تحدِّد حقوقها وحدودها وواجباتها وحسب. وكانت الجماعة السائدة تُعرِّف هويتها، في العادة، من المنظورين الإثني والديني. أما الجماعة السائدة في الدولة الإسلامية، فقد عرفت نفسها (من الناحية النظرية) على أساس ديني وحسب، وهو أمر يشكل انفتاحاً كبيراً ويحقق فرصاً أكبر للحراك الاجتماعي وللانتماء. ومن المهم أن نشير إلى أن الإسلام أكد وحدة الأديان (على الأقل من الناحية النظرية والمثالية) وجعل إبراهيم أباً للموحِّدين، أباً لكل الأديان. ورغم الاصطدام الذي حدث بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) واليهود، فإن اليهود لم يتحولوا (في الرؤية الإسلامية للكون) إلى الآخر أو القتلة، كما حدث في المسيحية حين ارتبط اليهود بحادثة الصلب التي يشار إليها بعبارة «قتل الرب» ، بل ظلوا أهل ذمة وأهل كتاب. بل يمكن القول بأن اليهود كانوا أحسن حظاً من المسيحيين إذ أن القوة المضادة للفتح الإسلامي كانت الدولة الفارسية (المجوسية) التي تم القضاء عليها بسرعة، ثم الدولة الرومانية الشرقية (المسيحية) التي استمرت الحرب معها سجالاً عدة قرون. ومعنى هذا أنه لم تكن هناك قوة يهودية دولية مضادة. ويمكن القول أيضاً بأن مقدرة اليهود على التكيف مع الفتح الإسلامي كانت أعلى بكثير من قدرة الجماعات الأخرى. فلم يكن اليهود أغلبية، ولذا كانت عندهم المهارات المختلفة اللازمة للتعايش باعتبارهم أقلية داخل مجتمع تحكمه أغلبية منتصرة. وقد تَمكَّن فقهاء اليهود من تطويع القانون التلمودي حتى يتسنى لليهود التعايش بسهولة ويسر كأقلية ليس لها مركز ديني، وطوروا مقولة إن قانون الدولة هو القانون أو الشريعة، أي أن الأمور الدنيوية لا يحكمها القانون التلمودي وإنما قانون الدولة نفسها. ولم يكن اليهود (ولا المسيحيون) عنصراً وافداً جديداً على المجتمع العربي الإسلامي، فجذورهم فيه قديمة حيث يعود تاريخ الجماعة اليهودية في بابل إلى أيام التهجير البابلي، كما انتقل مركز اليهود إلى بابل قبل الفتح الإسلامي بقرون. وفي نهاية الأمر، لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة في العالم الإسلامي مثلما كانوا في أوربا المسيحية، وقد عرف الشرق الأدنى القديم عشرات الأقليات الدينية والإثنية التي كان على الإمبراطوريات القديمة تنظيم التعامل معها. وقد استمر الإسلام في تقاليد التسامح وتَقبُّل التنوع، ولم يجد اليهود أنفسهم يلعبون دور الغريب أو الآخر الذي تحيط به هالات ميتافيزيقية. ومما يجدر ذكره أن اليهود، عند الفتح الإسلامي، لم يكونوا عنصراً واحداً متجانساً فقد كان هناك يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية (في الإسكندرية وفي أجزاء أخرى من الدولة الرومانية الشرقية) ، كما كان يوجد يهود يتحدثون الآرامية في الإمبراطورية الفارسية وفلسطين، وانضمت إليهم قبائل اليهود المستعربة التي طُردت من الجزيرة العربية ووُطنت خارجها. ومما له دلالته أن هذه القبائل لم تطلب توطينها في فلسطين أو في القدس. ومن المفارقات أن هذه المجموعة المستعربة كانت بمنزلة النواة العربية القوية التي ساعدت بقية الجماعات اليهودية على استيعاب اللغة والحضارة العربية. وعلى المستوى الديني، كانت اليهودية الحاخامية التلمودية قد فرضت سيطرتها، وكانت المدرسة البابلية بالذات صاحبة السلطة والشرعية. ولكن هذا لم يمنع وجود بعض الفرق اليهودية المختلفة، فيهود الجزيرة العربية كانوا لا يعرفون التلمود، ويبدو أنه كانت تُوجد بقايا للصدوقيين أو لفكرهم. كما كان هناك أيضاً اليهود السامريون (وقد شكل كل هؤلاء نواة حركة القرّائين فيما بعد) . وكانت أغلبية يهود العالم يوجدون في المناطق التي فتحها المسلمون، ويشكلون نحو 1% من السكان في هذه المناطق، كما أن نسبتهم كانت أكبر في المدن. ومع هذا، فمن الضروري إضافة أن التسامح والعدل كانا يسمان فترات الاستقرار والانتصار، كما كانت تتسم بهما سياسة الحكومات في وسط العالم الإسلامي. أما في فترات التراجع، حيث كان يخشى فيها المسلمون من الغزو الخارجي، وفي الأطراف (المغرب، إيران ... إلخ) حيث كانت مهددة دائماً بالغزو؛ أي في الأمكنة والأزمنة التي تهتز فيها ثقة الأمة بنفسها وبمقدرتها، فإن التسامح لم يكن صفة ملازمة لسلوك الدولة، كما لم يكن العدل ديدنها بالضرورة، فكانت تَصدُر تشريعات خاصة للتمييز ضد الذميين في الزي وخلافه مما يتطلبه أمن الدولة. ولكن من المعروف أيضاً أن مثل هذه التشريعات صدرت في بعض الأحيان التي ازداد فيها التمازج والاندماج بين المسلمين والذميين، فكان الفقهاء الذين يخشون على الهوية الإسلامية أو على السلطة الإسلامية يطلبون استرجاع مثل هذه التشريعات، وكانت الدولة تؤيدهم في ذلك لأنه يسهّل عملية تسيير دفة الحكم، ولأسباب أخرى. ويمكن القول بأن وضع اليهود السياسي والقانوني كان يشبه، من بعض الوجوه، وضعهم في الإمبراطوريات القديمة، وخصوصاً الإمبراطورية الفارسية الساسانية، في فترات ازدهارها. وقد استمرت المؤسسات الدينية والإدارية التي ظهرت إبّان عصر الإمبراطورية الساسانية حيث كان يتولى قيادة الجماعة رئيس يُسمَّى رأس الجالوت «المنفى» يختاره أعضاء الجماعة اليهودية بأنفسهم؛ له السلطة الكاملة على أبناء جماعته ويقوم بتنظيم العلاقات فيما بين أبناء الجماعة من ناحية وبينهم وبين الدولة من ناحية أخرى. وقد اعترف المسلمون بمنصب رأس الجالوت. ومن الميزات الأساسية للجماعات اليهودية داخل المجتمعات الإسلامية في تلك الفترة عدم وجود تفرقة اقتصادية أو تمايز وظيفي مهم، بل كان اليهود يشاركون في معظم مجالات الحياة وفي كل المهن والحرف تقريباً. وكانت ملكية الأراضي مفتوحة أمامهم، كما أنهم تملكوا العقارات في كل أنحاء البلاد وتناقلوها عن طريق الوراثة أو عمليات البيع والشراء فيما بينهم وبين المسلمين دون أية مضايقات. وكان لهم مطلق الحرية في العمل التجاري بلا حدود. وكانت نقابات الحرفيين والمهنيين مفتوحة للجميع بغض النظر عن أي دين أو مذهب أو أصل. وقد شغل اليهود أعلى الوظائف الحكومية شريطة أن تكون الوظيفة ذات طابع تنفيذي ولا تعطي صاحبها سلطات تشريعية أو سياسية، ذلك أن الدولة الإسلامية كانت ترى أن مثل هذه الوظائف لابد أن يشغلها مسلم لاعتبارات أمنية. ولكن، ورغم عدم وجود تمايز وظيفي، كان يجري استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي من بعض الوظائف الإستراتيجية بحكم انتمائهم إلى أقلية، فكان معظم الذميين يعملون في الدرجات الدنيا والوسطى، ولم يصل إلى الدرجات أو المراتب العليا إلا نسبة صغيرة، إذ كانت هذه الوظائف مقصورة على المسلمين أو على من اعتنق الإسلام من الذميين. وقد تَركَّز اليهود أيضاً في الوظائف والمهن التي تتطلب التعامل مع غير المسلمين مثل التجارة الدولية والجاسوسية والدبلوماسية والترجمة. كما أن المجتمعات التقليدية، رغبةً منها في تسهيل عملية الإدارة ونقل الخبرة، كانت تركز بعض الوظائف والمهن في أسر وأقليات معيَّنة، بحيث تصبح هذه الأسر أو الأقليات جماعات وظيفية. ويُلاحَظ تركز اليهود في التجارة والمال والحرف مثل: الصباغة والدباغة ونسج الحرير، وفي بعض الحرف الوضيعة مثل: جمع القمامة وتنظيف البالوعات وتجفيف مخلفات المجاري لاستعمالها كوقود. كما كانوا يعملون أيضاً جزارين ومنفذين لأحكام الإعدام. وكانوا يعملون في بعض الحرف المتميِّزة، مثل: الطب والترجمة والكتابة. وتبين وثائق جنيزة القاهرة التي تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي أن اليهود كانوا يعملون في أربعمائة وخمسين مهنة وحرفة، منها مائتان وخمسون حرفة يدوية لم تكن بالضرورة وضيعة. وعند الفتح الإسلامي، كان أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالزراعة وتربية الماشية، وكانت أكثريتهم تمتهن الحرف اليدوية. ولكن، مع نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، تغيَّر الوضع تماماً نظراً لما يسميه بعض المؤرخين "الثورة التجارية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين". وتعود هذه الثورة التجارية إلى أن الفتح الإسلامي قد وحَّد منطقة الشرق بعد أن تقاسمتها عدة إمبراطوريات ودويلات لمدة طويلة. وقد تم الاستيلاء على ثروات كبيرة كانت محبوسة في الكنائس والأديرة وقصور الملوك على هيئة تماثيل ذهبية ومعدنية تحوَّلت كلها إلى رأسمال كان من السهل انتقاله. وقد واكب ذلك ظهور عمالة رخيصة بسبب توحيد السوق، وسقوط الإطار الطبقي الهرمي القديم الذي كانت تعضده الديانة المجوسية والكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، والهجرة من القرية إلى المدينة. وساهمت حركة البناء الضخمة التي أعقبت الفتح الإسلامي في تنشيط الحركة التجارية، وساهمت الطرق التي شُقَّت في تسهيل انتقال رأس المال والعمالة والخبرات والسلع. والواقع أن كل هذه العناصر ما كانت لتسبب ثورة تجارية لو لم تكن النخبة العربية الحاكمة ذات أصول تجارية من قريش واضطلعت بالتجارة الدولية من قبل (رحلة الشتاء والصيف) ، ولم تكن هذه النخبة تنظر إلى العمل التجاري أو المالي باعتباره عملاً وضيعاً. وقد غيَّرت الثورة التجارية وضع اليهود تماماً فعملوا بالتجارة المحلية والدولية والصيرفة والربا. ومع حلول القرن العاشر الميلادي، كانت المؤسسات المصرفية اليهودية تقوم بإقراض الدولة سواء في بغداد أو القاهرة. ومن أشهر التجار الدوليين في ذلك الوقت (القرنين السابع والتاسع الميلاديين) التجار الراذانية. وقد أدَّى كل ذلك إلى ظهور طبقة يهودية وسيطة (كبيرة وذات نفوذ) تشكل جزءاً أساسياً من المجتمع لا تضطلع بوظيفة اقتصادية محددة مقصورة عليها كما كان الحال في أوربا، وإنما تقوم بنشاط اقتصادي مشروع ومقبول من المجتمع ككل باعتباره نشاطاً مهماً وجوهرياً ورفيعاً. ولذا، لم يتعرض اليهود لمثل تلك المذابح أو الهجمات التي كانت تُدبَّر ضدهم في أوربا إما بإيعاز من النبلاء الذين كانوا يرون فيهم أداة الملك أو من تجار المدن الذين كانوا يرون فيهم منافسين لهم، بل قامت شركات تجارية بين المسلمين والذميين. والواقع أن الطبقة التجارية المحلية في العالم الإسلامي كانت قوية لا تخشى التجار الذميين بل تراهم مكملين لها. كما لم يكن اليهود عرضة للاستياء الشعبي بسبب ممارستهم الربا، فهذه وظيفة كان يضطلع بها أيضاً المسيحيون من جميع الجنسيات، بل بعض المسلمين. أي أن اليهود عاشوا في صلب المجتمع الإسلامي، لا في مسامه كما كان الحال مع بعض الجماعات اليهودية في أوربا في مرحلة تاريخية معيَّنة. ويبدو أن المكانة الخاصة التي يشغلها التجار في الحضارة الإسلامية انعكست على الجماعات اليهودية، فكانت النخبة التجارية تشكل العمود الفقري للنخبة الدينية اليهودية وتتحكم فيها. وكثيراً ما كان يُجنَّد رؤساء الحلقات التلمودية في العراق من بين صفوف التجار حتى قبل الفتح الإسلامي. وقد ظهرت طبقة ثرية قائدة بين اليهود تشكل القيادة الحقيقية للجماعة (وهو وضع يشبه وضع اليهود في الولايات المتحدة حالياً) . ولعبت هذه الطبقة من التجار والمموِّلين دوراً أساسياً في حياة الجماعة، فقد كانوا جهابذة وصيارفة بلاط أو صيارفة حكومة أو مموِّلين كباراً يتحكمون في تعيين رأس الجالوت. وبسبب نفوذهم، تمكَّن سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاؤون) (882 ـ 941) من أن يبقى رئيساً لحلقة سورا لمدة عامين حتى بعد أن طرده رأس الجالوت. كما كان اليهود الراذانية مسيطرين على حلقة بومبديثا التلمودية. ويُلاحَظ أن طبقة التجار كانت تتحد دائماً مع الفقهاء ضد رأس الجالوت الذي كان يُقال إنه من نسل داود. وهذا التحالف يمثل النخبة التي تستند إلى المال والمقدرة الفكرية مقابل النخبة التي تستند إلى الميراث. وهذا يشبه من بعض الوجوه صعود الموالي في المجتمع الإسلامي مستندين إلى المال والمقدرة الفكرية، مقابل الأرستقراطية العربية التي تعتمد على الحسب والنسب. ويمكن القول بأن الحلقات كانت في واقع الأمر شبكات تجارية أيضاً، فكانت المراسلات الدينية والتجارية ورأس المال والفتاوى تتنقل من خلال القنوات نفسها. وكثيراً ما كان رئيس الجماعة اليهودية (المقدَّم) يضطلع في منطقة ما بوظيفة الحاخام والوكيل التجاري لعديد من الشركات. وحتى بعد انفصال مصر ودول أخرى عن الدولة العباسية وظهور وظيفة النجيد أو رئيس اليهود، ظلت الشبكة التجارية الدينية دون تَغيُّر كبير. ويُلاحَظ أن هذه الشبكة لم تكن مقصورة على التجار والمموِّلين وحسب، وإنما استفادت من وجود آلاف الحرفيين والمهنيين اليهود كما استفادوا هم أيضاً منها. وهذا لا يعني أن الجماعة اليهودية كانت تمثل دولة داخل دولة أو أنها تمتعت بالاستقلال الاقتصادي أو كوَّنت بورجوازية يهودية مستقلة أو ما شابه من ادعاءات، فلقد كان اليهود جماعة صغيرة مدمجة تماماً في المجتمع. وتشكل أواصر القرابة والتضامن الديني في المجتمعات التقليدية عناصر أساسية تضمن الحد الأدنى من الثقة الذي ييسر عمليات الائتمان والتجارة. ولذا، كان التجار اليهود يستعينون بالمموِّلين والحرفيين اليهود، تماماً مثلما كان التجار المسيحيون يستعينون بالمموِّلين والحرفيين المسيحيين. وكان الجميع ينتمون إلى الإطار الحضاري الإسلامي الأكبر. وقد أدَّى وجود الجماعات اليهودية داخل الإطار الحضاري الإسلامي الموحَّد إلى سهولة حركة اليهود برؤوس أموالهم وأفكارهم وإلى تمازجهم، فاندمجت الجماعة اليهودية إلى حد كبير في المجتمع العربي الإسلامي. وتتضح درجة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي العالية في أن تركيب اليهود الطبقي لم يكن يختلف عن تركيب المجتمع ككل. ويظهر الاندماج الثقافي في أن لغة أعضاء الجماعة اليهودية، سواء في الحديث اليومي أو في أدبياتهم الدينية أو الدنيوية، هي العربية. وحينما قام سعيد الفيومي بترجمة التوراة في القرن العاشر الميلادي، أشار إلى الآرامية باعتبارها لغة الآباء. بل تأثرت نظرتهم إلى العبرية نفسها بمعرفتهم بالعربية، وهو ما أدَّى إلى بعثها وتجديدها، فاهتموا بمفرداتها ونحوها وصرفها ووضعوا لها المعاجم. وقد تأثر الأدب العبري، وخصوصاً الشعر، بالأدب العربي، فأخذوا الأوزان والقافية من الشعر العربي. كما تأثر التراث الديني اليهودي بالتراث الديني الإسلامي إلى درجة أعمق من تأثره بالهيلينية، فظهر أساطين الفكر العربي الإسلامي اليهودي مثل سعيد بن يوسف الفيومي وطائفة القرّائين (منتصف القرن الثامن) ، وجمعت الهلاخاه (الشريعة) وصُنِّفت على طريقة المصنفات الفقهية الإسلامية، وأصدر علماء اليهود الفتاوى على نمط الفتاوى الإسلامية. وقد يكون من المفيد أن نميِّز بين اصطلاحي «مسلم» و «إسلامي» ، فالمسلم هو من يؤمن بالعقيدة الإسلامية، أما كلمة «إسلامي» فتشير إلى الخطاب الحضاري الإسلامي الذي يشارك فيه جميع أعضاء الأمة (بالمعنى الحضاري والسياسي) من مسلمين ويهود ومسيحيين. ولا يمكن فَهْم التراث الديني اليهودي في هذه المرحلة إلا بالعودة إلى التراث الإسلامي؛ الفلسفي والديني. ويمكن القول بأن تَفاعُل أعضاء الجماعة اليهودية مع الحضارة الإسلامية أمر لا نظير له في أية حضارة أخرى. وتجب ملاحظة أن بروز اليهود في الحضارة الغربية الحديثة، وتفاعلهم معها، لم يتم إلا بعد أن تمت علمنتهم وتخلوا عن أية هوية دينية يهودية، على عكس النجاح الذي حققوه في إطار الحضارة العربية الإسلامية إذ حققوه باعتبارهم يهوداً ذوي هوية دينية مستقلة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن يهود العالم الإسلامي لم تظهر منهم شخصيات فكرية يهودية ذات ثقل كبير، على عكس يهود الأندلس الذين ظهر منهم موسى بن ميمون (1135ـ 1204) ويهودا اللاوي (1080 ـ 1140) وغيرهما من مفكرين وشعراء. ولعل هذا يرجع إلى أن العراق كانت توجد بها تلك الحلقات التلمودية التي كانت تدور داخل إطار تقليدي لا يزال فيها التفكير الديني لليهودي ضيقاً محدوداً برغم تأثرهم بالتراث الديني الإسلامي. ويُلاحَظ أن الفكر القرّائي الذي عبَّر عن هذا التأثر جرت محاصرته ورفضه من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية. وهذا على عكس ما بدا من يهود الأندلس الذين لم يؤسسوا مدارسهم الدينية إلا بعد أن تم تعريبهم وبعد أن أخذت نخبتهم تتشرب الحضارة العربية الإسلامية. وبالتالي، كانت التقاليد الفكرية داخل هذه الحلقات تسمح لهم بالانفتاح الكامل على الحضارة العربية الإسلامية، حيث أمكنهم الإبداع من داخلها فأنتجوا أهم كلاسيكياتهم الفكرية والأدبية التي ظلت تحتل مكان الصدارة حتى العصر الحديث. وقد تدهور وضع اليهود بتدهور وضعهم في العالم الإسلامي ككل، وهو تدهور نجم عن انقسام العالم الإسلامي (في العصر العباسي الثاني وبعده) إلى دويلات وإمارات مختلفة، الأمر الذي أدَّى إلى انقسام اليهود أنفسهم. وقد تدهور حال الطبقة الوسطى في العالم الإسلامي ككل بعد أن توقفت الثورة التجارية وتآكلت نتيجة ظهور الجمهوريات البحرية الإيطالية التي أخذت تتحكم في التجارة الدولية. وقد نجم عن ذلك أن المصدر الأساسي للعوائد في الدولة أصبح متمثلاً في الضرائب والمكوس، وهو ما جعل الجزية أمراً مهماً للغاية تسعى الدولة إلى تحصيلها بشتى السبل. وقد ازداد التراجع الإسلامي بعد الهجوم المسيحي المتمثل في حروب الفرنجة ثم الهجوم على الأندلس وصقلية، وهو هجوم صاحبه تنكيل بالجماعات الإسلامية التي وقعت تحت حكم المسيحيين. ثم كان هناك الغزو المغولي عام 1258 الذي أدَّى إلى الكارثة التي حاقت بالعالم الإسلامي وأجهضت كثيراً من إمكاناته. وقد تحسنت أحوال اليهود والمسيحيين تحت حكم المغول الذين كانوا وثنيين يضمون عناصر مسيحية وتعاونوا مع الذميين كعادة الغزاة. لكن استمرار تدهور العالم الإسلامي وتدهور الجماعات اليهودية فيه امتد حتى الفتح العثماني. ويُلاحَظ أنه، في القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية اليهود، ولأول مرة في التاريخ، تعيش في أوربا (وضمن ذلك إسبانيا) وليس في الشرق الأدنى. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إسبانيا الإسلامية (الأندلس) Moslem Spain (Al Andalus) .... حينما وصل طارق بن زياد إلى إسبانيا الكاثوليكية عام 711، كانت حالة أعضاء الجماعة اليهودية فيها متردية، بل يُقال إن معظمهم تحولوا إلى يهود متخفين. ويبدو أنهم، مع وصول أنباء الفتح العربي، بدأوا يتحسسون إمكانية تغيير أوضاعهم. ولذا عاونوا الفاتحين المسلمين، كما عاونهم بعض المسيحيين. فقاموا، على سبيل المثال، بثورة في طليطلة ضد القوط واستولوا على حصن المدينة وفتحوا أبوابها للفاتحين. وحاول المسلمون الاستفادة من الجماعة اليهودية، فكانوا بعد فتح أية مدينة يوطنون اليهود فيها لحراستها حتى يتفرغ المسلمون للفتح. وقد كان هذا أمراً مهماً ولا شك للفتح العربي نظراً لقلة جنود المسلمين. ويُقال إن عملية توطين اليهود تمت في مدن مهمة، مثل: قرطبة وغرناطة وطليطلة وأشبيلية. وقد ثار السكان المسيحيون في أشبيلية بعد فتحها وفتكوا بأعضاء الجماعة اليهودية، ولكن المسلمين استعادوها بعد ذلك (وقد لعب أعضاء الجماعة اليهودية الدور نفسه بعد أن استعاد المسيحيون إسبانيا، فكان المسيحيون يوطنونهم في المدن المفتوحة أو يتركون أعضاء الجماعة اليهودية ويطردون المسلمين) . وقد استفاد أعضاء الجماعة اليهودية من الفتح الإسلامي إذ استولوا على بعض بيوت النبلاء المسيحيين الذين فرُّوا وتركوا ثرواتهم، وكانت مثل هذه الثروات تُعدُّ مصدراً أساسياً لرأس المال. بل يُقال إن الثورة التجارية التي حدثت في العالم الإسلامي كانت تعتمد إلى حدٍّ ما على تحرير هذه الثروات المجمدة داخل القصور والأديرة. ومع هذا، يجب عدم المبالغة في الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية، فقد كانوا أقلية صغيرة جداً لا يُعتَد بها، كما أن الجماعة اليهودية كانت لا تعرف شيئاً عن فنون الحرب بالإضافة إلى أن مستواها الثقافي والحضاري كان متدنياً إلى أقصى درجة. ولعل أهم دور لهم هو ما لعبوه بوصفهم كثافة سكانية مهما تكن ضآلتها النسبية، وبوصفهم مصدراً للمعلومات. وقد استقلت إسبانيا الإسلامية عن الخلافة العباسية بوصول عبد الرحمن الداخل الذي أسس فيها حكم الأسرة الأموية (757 ـ 787) وخلفه ابنه هشام الأول (788 ـ 795) الذي بدأت في عصره عملية الاندماج الحضاري والاجتماعي لليهود ـ فبدأوا يدرسون في مدارس الدولة. غير أنه نشب تَمرُّد بين اليهود في عصر الحكم الأول (796 ـ 822) في مقاطعة الأندلس عام 818 وحدث تمرد آخر في طليطلة عام 828 بالاشتراك مع المسيحيين المستعربين، وقد قُضيَ على هذه التمردات. وشهد القرنان العاشر والحادي عشر الميلاديان تَشرُّب اليهود الحضارة العربية الإسلامية، وتَحسُّن أحوالهم المعنوية والروحية والمادية، وتعريب أسمائهم ولغتهم ورؤيتهم، وَتأثُّر آدابهم الدنيوية والدينية بالتراث العربي الإسلامي. وقد وصل اليهود في الفترة نفسها إلى مكانة عالية رفيعة، فعملوا في الوظائف الإدارية والمالية حيث كان يعمل بعضهم في وظيفة يهود البلاط، واشتغلوا بالتجارة المحلية والدولية التي كانت تصل حتى حدود الصين أو كانت تدخل إلى أوربا، واحتكروا بعض أنواع التجارة مثل تجارة العبيد (ومنهم العبيد والجواري البيض) الذين كانوا يحضرونهن من بلاد الصقالبة، واشتغلوا بالحرف مثل الصباغة كما اشتغلوا بالزراعة. وقد برز اليهود في وظائف محددة مثل التجارة الدولية والترجمة بسبب وضعهم وثقافتهم، فقد كانوا يجيدون العربية والعبرية وبعض اللغات الأوربية، الأمر الذي حوَّلهم إلى حلقة وصل وجماعة وظيفية وسيطة بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وخصوصاً أنهم كانوا ينتقلون بسهولة ويسر بين إسبانيا المسلمة وإسبانيا المسيحية، فكان اليهودي ينشأ في إسبانيا المسيحية مثلاً ثم ينتقل إلى إسبانيا المسلمة أو العكس. وقد تَركَّز اليهود في المدن مثل قرطبة وطليطلة وأشبيلية وسرقسطة. ووصل بعض اليهود إلى أعلى الوظائف الحكومية بما في ذلك أعلى مراتب الوزراء كما هو الحال مع حسداي بن شفروط الذي كان يعمل طبيباً ودبلوماسياً في بلاط عبد الرحمن الثالث (912 ـ 961) والحكم الثاني (961 ـ 972) . وقد تحوَّلت الأندلس إلى أهم مراكز اليهودية في العالم. وتمثَّل هذا في قيام عدة حلقات دراسية دينية مستقلة عن العراق (في قرطبة وغرناطة وطليطلة وأشبيلية) . وقد أُسِّست هذه الحلقات التلمودية بتشجيع من الطبقات الثرية اليهودية في شبه جزيرة أيبريا التي كانت في حاجة إلى حلقات تصدر فتاوى تتفق مع أوضاعها الجديدة وتنازع العراق (المركز التقليدي للحلقات) في القيادة. كما أن الحلقات كانت محطة أساسية في الشبكات التجارية. وكانت الفتاوى والسلع تعبر من خلال القنوات نفسها. ومن أهم الحلقات، تلك التي أسسها حسداي بن شفروط في قرطبة عاصمة الأمويين والتي عيَّن لها العالم اليهودي الإيطالي موسى بن حانوخ رئيساً. وقد اندمجت النخبة اليهودية في محيطها العربي تماماً، واستوعبت أعداد كبيرة منها الفلسفات العقلانية والدنيوية التي كانت الأندلس تربة خصبة لها. وتذهب بعض الدراسات إلى أنه، نتيجةً لهذا، فقدت الجماعة اليهودية أية هوية دينية واضحة، وأنه لذلك لم يَعُد هناك من اليهودية (عند استرداد المسيحيين إسبانيا) سوى قشرة رقيقة كان من السهل على النظام المسيحي الجديد أن يقنع أعضاء الجماعة بطرحها جانباً، من خلال القسر أحياناً ومن خلال الإغراء أحياناً أخرى، فتنصرت أعداد كبيرة منهم. ولكن يمكن القول أيضاً بأن ما حدث هو أن اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً، اكتسبت أبعاداً حضارية إسلامية كما هو واضح في فلسفة موسى بن ميمون. ولذا، لم يمكنها الاستمرار تحت الحكم المسيحي، ولم تكن لديها فرصة للتكيف لتظهر يهودية جديدة ذات أبعاد كاثوليكية. وحينما ظهرت، أخذت شكل المارانية، أي يهودية المارانو. ولا تزال الكتب الدينية اليهودية تفسر النكبة التي ألمت بالسفارد (يهود شبه جزيرة أيبريا) وطردهم من شبه الجزيرة، بأنه عقاب لهم لتخليهم عن عقيدتهم. ومع تفكك الخلافة الأموية والحكم المركزي في إسبانيا، انقسمت إسبانيا إلى دويلات وإمارات إسلامية صغيرة فيما يُعرَف بحكم الطوائف (1008) . فاستخدم الأمراء كثيراً من اليهود مثل صمويل بن نغريلة وزير أمير غرناطة. وكان اليهود يعملون مستشارين ماليين وسياسيين، وفي البعثات الخارجية للدول، ويهود بلاط، وملتزمي ضرائب. وبعد استيلائهم على سدة الحكم عام 1086، قام المرابطون بتطهير جهاز الدولة من اليهود، فتدهورت أحوالهم لبعض الوقت، ولكن الأمور عادت إلى نصابها بعد قليل. ومع صعود أسرة الموحدين عام 1146، لم يَعُد اليهود يتمتعون بذلك الوضع الممتاز، ومُنعت اليهودية في الأندلس، كما أخذ الحكم الإسلامي في الانحسار التدريجي بعد ذلك التاريخ. ويُقال إن العصر الإسلامي في الأندلس كان يمثل العصر الذهبي لليهود إذ ازدهر الفكر اليهودي الديني والفلسفي نتيجة الاحتكاك بالمسلمين العرب. واكتسبت اللغة العبرية أعماقاً جديدة من خلال علاقتها بالعربية، ودخلت عناصر الحياة على الشعر العبري كما هو واضح في أشعار يهودا اللاوي (هاليفي) وموسى بن عزرا. وكتب المؤلفون اليهود موشحات لم تكن تحاكي الموشحات العربية بشكل عام وحسب وإنما قلدت موشحات عربية بعينها دون تعديل أو تحوير. ونشأ فن المقامة في العبرية وتُرجمت مقامات الحريري وكليلة ودمنة، وظهر موسى بن ميمون أهم المفكرين الدينيين اليهود على الإطلاق، الذي كان لفكره العربي الإسلامي اليهودي أعمق الأثر في الفكر اليهودي في كل أنحاء العالم. ويبدو أن الجماعات اليهودية في الأندلس لم يكن يربطها تنظيم واحد وليس لها منصب مثل رأس الجالوت (المنفى) في بغداد أو الحاخام باشي في الأستانة الذي يشكل ما يشبه القيادة المركزية، وإنما كانت كل جماعة تشكل مجموعة مستقلة يطلق عليها اسم «الجماعة» يترأسها المقدم الذي يشكل حلقة الوصل بين الجماعة والدولة أو الدويلة أو الإمارة. وربما كان انعدام المركزية بين الجماعات اليهودية انعكاساً للوضع السياسي في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت إسبانيا من أكبر دول أوربا ولم تتمتع بالحكم المركزي إلا في فترات قصيرة. وكما رأينا، انحل الحكم الإسلامي إلى حكم أمراء الطوائف الذي كان يشبه الإقطاع الغربي من بعض النواحي. وقد استمرت هذه اللامركزية حتى بعد أن قام المسيحيون باستعادة إسبانيا. الأندلس Al Andalus انظر: «إسبانيا الإسلامية (الأندلس) » . العصر الذهبي لليهود The Golden Age of the Jews «العصر الذهبي لليهود» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى الوجود اليهودي في الأندلس، وخصوصاً في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ويُقصَد بها الفترة التي حقق أعضاء الجماعة اليهودية في أثنائها إنجازات حضارية هائلة من خلال التفاعل مع الحضارة العربية الإسلامية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الدولة العثمانية
The Ottoman State قام العثمانيون، وهم مجموعة من القبائل التركية، بقيادة زعميها عثمان الأول (1293 ـ 1326) ، بتأسيس الدولة العثمانية. بدأ العثمانيون بتوحيد الإمارات التركية في آسيا الصغرى التي مدت سلطانها إلى جنوب أوربا والشرق الأدنى القديم. ومع حلول منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، كانت الدولة العثمانية الناشئة قد ضمت مناطق كبيرة من البلقان واليونان، وفتحت القسطنطينية عام 1453. وقد استولى العثمانيون على سوريا وفلسطين ومصر (1516 ـ 1517) ومعظم المجر (1526) والعراق (1530) . ومع منتصف القرن السادس عشر الميلادي، حيث وصلت الإمبراطورية إلى أعلى قمة نفوذها، بسط العثمانيون نفوذهم على شبه الجزيرة العربية وضموا معظم شمال أفريقيا وكثيراً من الجزر في البحر الأبيض المتوسط. وكانت تحكم الإمبراطورية العثمانية نخبة عسكرية تركية مسلمة. وقد بدأ مد العثمانيين في التوقف عام 1683 حينما فشلوا للمرة الثانية في الاستيلاء على فيينا. وبعد ثلاثة أعوام فقدوا بودا (بودابست) ووقعوا أول معاهدة يقرون فيها بهزيمتهم. وبالتدريج، أخذ النفوذ العثماني في الانحسار، إذ بدأت روسيا في الزحف من الشمال، وظهرت الدولة الصفوية (الشيعية) التي ناصبت الدولة العثمانية العداء، وظهرت دول أوربا البحرية ومن بينها إسبانيا والبرتغال، ثم إنجلترا وفرنسا اللتان قلصتا نفوذ الدولة العثمانية واستولتا على بعض أرضها وعلى أجزاء من العالم الإسلامي إلى أن سقطت الخلافة العثمانية على يد ثورة تركيا الفتاة. وتمزقت الإمبراطورية.... العثمانية تماماً مع الحرب العالمية الأولى، واستقلت كل الدول التي كانت تابعة لها. وتاريخ يهود العالم الإسلامي (ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي) هو تقريباً تاريخهم داخل الدولة العثمانية، فقد ضمت الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف جماعات يهودية عديدة تتحدث لغات مختلفة ولها انتماءات إثنية ودينية متنوعة. 1 ـ الرومانيوت: حينما فتح العثمانيون آسيا الصغرى واليونان والبلقان، وجدوا يهود الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) الذين كانوا يتحدثون اليونانية، وكان يُطلَق عليهم أيضاً «الجريجوس» ، أي «اليونانيون» . 2 ـ الإشكناز: مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي، هاجرت جماعات من اليهود الإشكناز من ألمانيا وفرنسا إلى الدولة العثمانية. 3 ـ السفارد: مع طرد يهود شبه جزيرة أيبريا الذين كانوا يتحدثون اللادينو، هاجرت أعداد منهم إلى الدولة العثمانية، وكانت هجرتهم تفوق في أعدادها الهجرة الإشكنازية. وقد أصبح السفارد أهم العناصر اليهودية وطبعوا بقية الجماعات بطابعهم، حتى أن اللادينو أصبحت هي لغة اليهود الأساسية، تماماً مثل اليديشية في أوربا آنذاك. 4 ـ اليهود المستعربة: وهم اليهود العرب الذين يتحدثون العربية وينتمون إثنياً إلى الأمة العربية ويرتدون الزي العربي. 5 ـ اليهود الأكراد (في العراق) : وكانوا يتحدثون الكردية. وكان منهم أيضاً من يتحدث الآرامية في القرى الجبلية البعيدة، كما كان سكان المدن منهم يتحدثون العربية. 6 ـ اليهود القرّاءون: وكان من بينهم من يتحدث العربية (في مصر) ومن يتحدث التركية (في شبه جزيرة القرم) وربما كان هؤلاء بقايا دولة الخزر اليهودية. 7 ـ اليهود السامريون في فلسطين. 8 ـ كانت هناك جماعات يهودية متناثرة تتحدث المجرية والرومانية وغيرها من اللغات الأوربية في المقاطعات التي ضمها العثمانيون. وكانت توجد تجمعات يهودية في آسيا الصغرى واليونان، في إستنبول وسالونيكا وأدرنة وأزمير وبورصة، وكذلك في فلسطين والعراق ومصر واليمن وتونس والجزائر. وكان يُطلق على كل تجمُّع يهودي لفظة جماعة) بالعبرية: قهال) . وكانت كل جماعة تُسمَّى حسب البلد الذي جاءت منه مثل: بروفنسال أو كورفو أو أراجون أو صقلية أو طليطلة أو قرطبة أو الأندلس. وكانت كل جماعة تنقسم عادةً إلى جماعتين، فالبروفنسال مثلاً تصير إلى بروفنسال القديمة والجديدة، وكانت كل جماعة تحتفظ باستقلالها، وعلى سبيل المثال كان يوجد في سالونيكا (في القرن السادس عشر) ثلاث عشرة جماعة يهودية مقسمة حسب البلد الأصلي يتحدثون اليونانية أو الإيطالية أو الإيطالية باللهجة الصقلية أو البرتغالية أو اللادينو. وكان يوجد في إستنبول ثلاثون جماعة يهودية، لكلٍّ معبدها وحاخامها ومحاكمها الخاصة التي لم تكن لها سلطة تنفيذية وجمعية الدفن المقصورة على أعضائها. ولم تكن العلاقات بين هذه الجماعات ودية بل كانت تتصارع فيما بينها. فالجماعات الكبيرة تضطهد الصغيرة، والجماعات التي تنتمي إلى أصل واحد والمتناثرة في مدن مختلفة تتعاون فيما بينها ضد الجماعات الأخرى، كما كانت هذه الجماعات تشي ببعضها البعض لدى السلطات. فعلى سبيل المثال، حدث شجار في دمشق بين اليهود المستعربة والسفارد حول عمق الحمام الطقوسي، فوجَّه اليهود المستعربة بعض الاتهامات الظالمة إلى السفارد أمام السلطات التي قبضت على بعض منهم وألقت بهم في السجن. وكان السفارد يشيرون إلى الرومانيوت بأنهم «التوشافيم» ، أي «السكان الأصليين» بكل ما تحمل الكلمة من إيحاءات قدحية، كما كانوا يشيرون إليهم بلفظ «الجريجوس» وهي تسمية كانت هي الأخرى ذات دلالات سلبية. وكان الرومانيوت يشيرون بدورهم إلى السفارد باعتبارهم «مجوراشيم» أي «المطرودين» أو «المنبوذين» . ولم تكن هناك سلطة يهودية مركزية أو منصب حاخام أكبر، وهو ما يجعل تجربة يهود الدولة العثمانية تشبه من بعض الوجوه تجربة يهود الولايات المتحدة الذين يتكونون من جماعات مختلفة لا يربطها رباط مركزي. وحينما نشأت وحدة بين هذه الجماعات، كانت ثمة وحدة فيدرالية ضعيفة. ولكن، مع هذا، تمت عملية الامتزاج بينها بالتدريج. وهذا يعود إلى أن الأجيال الجديدة من اليهود لم تَعُد تهتم بالبلد الأصلي، وبدأت تتحرك داخل إطار تجربتها العثمانية كما هي العادة مع الجيل الثالث من أبناء المهاجرين. ومما ساعد على مزج اليهود في الدولة العثمانية صدور الشولحان عاروخ الذي قبلته الجماعات اليهودية كافة باعتباره المرجع الأساسي للشريعة. ومع حلول القرن الثاني عشر الميلادي، كانت أغلبية الجماعات اليهودية تعتبر نفسها سفاردية وتتحدث اللادينو، وكانت هناك أقلية صغيرة إشكنازية يتحدث بعض أعضائها اليديشية، وأخرى قرّائية، وذلك بخلاف الأقليات الهامشية مثل السامريين والأكراد. وقد أخذ عدد يهود الدولة العثمانية في التزايد بسبب اتساع الدولة حيث كانت تضم جماعات يهودية جديدة كلما ازدادت توسُّعاً، وكذلك عن طريق هجرة اليهود إليها، أو عن طريق التزايد الطبيعي. ويتميَّز يهود الدولة العثمانية بانتمائهم لها. فأثناء الفتح العثماني لآسيا الصغرى وبعض أنحاء أوربا تعاون يهود بورصة (1354) وأدرنة والقسطنطينية (1433) وبودا (1526) ورودسي وأذربيجان وبلجراد (1543) مع القوات العثمانية الفاتحة. رحبت الدولة العثمانية بالمهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية فهاجرت أعداد كبيرة منهم وأصبحوا عثمانيين بمحض إرادتهم، أي أنهم هاجروا إليها واستوطنوا فيها وجعلوها وطنهم الوحيد واندمجوا في الحضارة الإسلامية. ولم تضم الدولة العثمانية عبر تاريخها سوى أقلية من يهود العالم إذ أن مركز اليهود السكاني كان قد انتقل إلى أوربا ابتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي. وفي القرن التاسع عشر الميلادي، بلغ عدد اليهود في الدولة العثمانية، ثلاثمائة ألف، أي أقلية صغيرة للغاية بالقياس إلى يهود العالم الغربي الذين كانوا على عتبات الانفجار السكاني (حيث زاد عددهم إلى عشرة ملايين مع أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) ، وهو انفجار لم يكن له ما يناظره في الدولة العثمانية. وقد رحب العثمانيون من جانبهم بالهجرة اليهودية من أوربا، فقد كتب الحاخام إسحق تسارفاتي عام 1479 إلى يهود ألمانيا والمجر لحثهم على الهجرة إلى الدولة العثمانية. وكان العثمانيون يرون أن العنصر اليهودي عنصر بشري مهم للإمبراطورية نظراً لخبرته المالية والعلمية ومعرفته باللغات الأجنبية، إلى جانب أنه يشكل كثافة بشرية كانت الإمبراطورية في أمس الحاجة إليها. ومن الكلمات المهمة في المصطلح السياسي العثماني كلمة «سورجون» ، وهي تعني النفي أو الترحيل أو التهجير أو النقل الإجباري. وكان السورجون يطبق على فرد أو أسرة أو جماعة بشرية كاملة باعتباره شكلاً من أشكال العقاب أحياناً، ولخدمة مصلحة الدولة العثمانية في أحيان أخرى. وقد كانت الدولة تنظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً بشرياً يمكن أن يُطبَّق عليه قانون السورجون، فكانوا يُوطَّنون في مكان ما لموازنة العنصر المسيحي كما حدث في قبرص، أو كان ينظر إليهم باعتبارهم عنصراً تجارياً يمكن أن يُنشِّط الحياة الاقتصادية فيتم توطينهم في المدن مثل إستنبول وأدرنة. ومما شجع اليهود على الهجرة إلى الدولة العثمانية أنها منحتهم الحقوق كافة مثل الاشتغال بأية حرفة أو امتلاك الأراضي الزراعية والعقارات، ولقد وصلوا إلى أرفع المناصب. ولدراسة الوضع الاقتصادي والاجتماعي لليهود في الدولة العثمانية، لابد أن نقرر ابتداءً أن أعضاء الأقليات في المجتمعات التقليدية لم يكن بإمكانهم أن يشغلوا وظائف حربية أو إدارية أساسية أو إستراتيجية معيَّنة لأسباب أمنية، وأنهم في العادة يتركزون في وظائف ونشاطات اقتصادية مالية ومهنية وهو ما يحوِّلهم إلى جماعات وظيفية. وهذا ما حدث لأعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، فكان منهم المترجمون، وكانت وظيفة ترجمان البلاط يشغلها دائماً يهودي. كما اشتغل اليهود بمهنة الطب، ولربما تفوقوا في هذا المجال لأنهم تعلموا في أوربا فنون الطب الذي كان مختلفاً عن الطب في العالم الإسلامي في القرن السادس عشر الميلادي وأكثر تطوراً. ويبدو أن اليهود أيضاً ساهموا في نقل بعض جوانب تكنولوجيا السلاح من الغرب، وهو ما سبب حنق المراقبين الغربيين عليهم لأنهم عدوهم مسئولين عن التفوق العسكري العثماني. كما أنهم نقلوا فن الطباعة، واشتغلوا بالصناعة فأسسوا كثيراً من مصانع النسيج، كما اشتغلوا بالتجارة الدولية وشكلوا جماعة وظيفية وسيطة بين الدولة العثمانية وأوربا. وعمل اليهود في الوظائف المالية مثل الإقراض بالربا كما أنهم، والسفارد منهم على وجه الخصوص، اضطلعوا بوظيفة المديرين الماليين للولاة العثمانيين ولكثير من الباشوات العثمانيين. ومن أهم الوظائف التي اضطلعوا بها تلك الوظائف المرتبطة بالضرائب سواء أكانوا جامعي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمي ضرائب. وكانت أغلبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من أعضاء الجماعات اليهودية حتى أن الإيصالات كثيراً ما كانت تُكتَب بحروف عبرية. ومن أهم الوظائف التي اضطلعوا بها أيضاً وظيفة أمين الإمدادات والتموين لقوات الإنكشارية، وهي وظيفة تختلف عن نظيرتها في العصر الحديث في أن من كان يضطلع بها لم يكن موظفاً حكومياً وإنما كان مموِّلاً يقوم بنشاط تجاري حر مثل شراء التموينات والزي العسكري للإنكشارية وتدبيرها لهم. وكانت الوظيفة وراثية محصورة في عدد محدود من الأسر اليهودية. وقد نشأت هذه العلاقة بين الإنكشارية والمموِّلين اليهود أينما وُجدت قوات الإنكشارية في إستنبول وسالونيكا ومعظم المدن التركية الأخرى. ونشأت حول المموِّلين شبكة تجارية صناعية مالية من اليهود، فكانت مصانع النسيج اليهودية تساهم في صناعة الأزياء العسكرية للإنكشارية. ولعل ارتباط اليهود بصناعة النسيج في كثير من البلاد، مثل الولايات المتحدة وغيرها، كان سبباً في أنهم يرتبطون بالمؤسسة العسكرية التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المنسوجات الخاصة بالزي العسكري. واستمرت العلاقة بين الإنكشارية وأعضاء الجماعة اليهودية حتى عام 1826 عندما حُلَّت الإنكشارية. وقد اتسمت العلاقة بين أعضاء الجماعة اليهودية والنخبة الحاكمة بكثير من الانسجام والتفاهم لأن العنصر اليهودي كان مكمِّلاً لنشاطات أعضاء النخبة الحاكمة لا متناقضاً معها، على عكس الوضع في كثير من بلاد أوربا. فأعضاء النخبة كانوا يشغلون الوظائف العسكرية والدينية والإدارية العليا وكانوا يديرون بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل النقل البحري والتجارة الدولية، وهي نشاطات مهنية واقتصادية لم يكن يطمح اليهود إلى الاضطلاع بها. كما أن أغلبية اليهود استوطنوا في الدولة العثمانية بعد أن كانت النخبة الحاكمة قد سيطرت على ناصية الأمور وعلى الهيكل الاقتصادي، وهم في هذا يشبهون يهود إنجلترا وفرنسا وهولندا عند استيطانهم ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي. كما يُلاحَظ أنه لم يكن يُوجَد تناقض بين السلطات من جهة والنبلاء وسكان المدن من جهة أخرى، كما كان الحال في أوربا. وهو التناقض الذي سقط اليهود ضحية له في أغلب الأحيان، إذ كان الملك يستخدم اليهود لصالحه كأداة لجمع الضرائب ولتقويض نفوذ المدن غير الملكية والنبلاء. أما في الدولة العثمانية، فقد كان اليهود أداة في يد جهاز الدولة ونخبتها الحاكمة ككل. ويمكن القول بأن يهود الدولة العثمانية ككل قد اندمجوا في سكانها. وحينما انتشرت دعوة شبتاي تسفي (1665) ، تصدَّى لها حاخامات الإمبراطورية وساهموا في الحرب ضدها، وظهر يهود الدونمه في أعقاب إخفاق دعوة تسفي واعتناقه الإسلام. وقد أصبحت صفد مركزاً للدراسات اليهودية إذ استوطن فيها جوزيف كارو، وفيها وضع مؤلفه المشهور الشولحان عاروخ، كما أصبحت صفد مركزاً للدراسات القبَّالية وبخاصة القبَّالاه اللوريانية. وكما هو مُتوقَّع، كان مصير يهود الدولة العثمانية مرتبطاً بحركيات هذه الدولة وما تواجهه من مشاكل وأزمات. ويُلاحَظ أن تَراجُع الدولة العثمانية ترك أثره في الجماعات اليهودية أيضاً، فقد توقف تَدفُّق المهاجرين اليهود من أوربا إذ بدأت تستوعبهم المراكز التجارية في غرب أوربا ووسطها بدرجات متزايدة، وبالتالي تَوقَّف تَدفُّق رأس المال والخبرة والمعارف الغربية. بل إن معرفة أعضاء الجماعات اليهودية باللغات الأوربية تناقصت حتى أن معظمهم كان يكتب اللادينو بحروف عبرية لأنهم كانوا لا يعرفون الحروف اللاتينية. ورغم أن المؤسسة الحاخامية نجحت في أن تتصدى لدعوة شبتاي تسفي، فإن فشل هذه الدعوة نفسه وَلَّد يأساً عميقاً في قلوب أعضاء الجماعات اليهودية وزاد سيطرة المؤسسة الحاخامية عليهم. وكما أشرنا من قبل، كان ثمة ارتباط بين المموِّلين اليهود والإنكشارية. ولذلك، حينما حاولت الدولة العثمانية تحديث المؤسسة العسكرية عن طريق القضاء على الإنكشارية، تحالف هؤلاء المموِّلون مع الإنكشارية وقاموا بتمويل تمرُّدهم. وبعد أن تمكنت الدولة من حل الإنكشارية، تم القبض على رؤساء عائلات المموِّلين وتم إعدامهم، الأمر الذي ألحق ضرراً شديداً بالشبكة الاقتصادية اليهودية التجارية المالية الصناعية المرتبطة بهؤلاء المموِّلين. ويمكن القول بأن الحقيقة الأساسية في تاريخ الدولة العثمانية، منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، هو تَزايُد النفوذ الغربي وتَدخُّله في شئون الدولة العثمانية. وقد انعكس هذا في نظام الامتيازات الذي يعود إلى معاهدة 1521 التي عقدها السلطان سليمان القانوني مع قنصل البندقية وأصبحت نموذجاً لمعاهدات مشابهة وُقِّعت فيما بعد مع كل الدول الأوربية. وكان نظام الامتيازات يسمح للدولة المعنية بتعيين قناصل في الممتلكات العثمانية وبإعطائهم حق التشريع لرعاياهم في الأمور المدنية، وهو الأمر الذي جعل كل جالية أجنبية (ملة أو طائفة) تدير أمورها بنفسها وتتمتع بحماية قنصلها فيما يتعلق بالأمور الشخصية والمهنية. وقد استفادت الدول الغربية من نظام الامتيازات الممنوح لها وحاولت أن تُوسِّع رقعة نفوذها. وبدأت كل دولة أوربية تبحث عن موطئ قدم لها داخل الدولة العثمانية عن طريق فرض حمايتها على أقلية دينية أو إثنية حتى تكون لها محمية بشرية أو جيب سكاني. وبذا، يمكننا أن نرى هذه العملية باعتبارها شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني أدَّى إلى تحويل أعضاء الأقليات إلى عنصر سكاني غريب. ففرضت روسيا حمايتها على الأرثوذكس وفرنسا على الكاثوليك، وهذا ما أعطاهما حق التدخل في أمور الدولة العثمانية كما هيأ لهما شبكة اتصالات هائلة داخل الدولة. وقد اندفعت الدول تبحث عمن «تحميه» من الأقليات فاكتشفت إنجلترا وبروسيا (ألمانيا) أنهما لا تتمتعان بالميزة التي تتمتع بها فرنسا وروسيا إذ كان العنصر البروتستانتي في الدولة العثمانية صغيراً للغاية وغير ذي أهمية، فحاولت إنجلترا في البداية فرض حمايتها على الدروز. ولكنها اكتشفت بعد قليل أن اليهود أقلية يمكن حمايتها، فأسست قنصلياتها في القدس عام 1838. وحاولت روسيا أن تحمي يهود القدس، في الوقت الذي كانت ترتب فيه المذابح ضد يهود روسيا. وهذا يتفق مع النمط البلفوري الغربي الذي يرى أن تتخلص أوربا من يهودها عن طريق ترتيب وطن لهم خارجها، أي ضربهم في الداخل وحمايتهم في الخارج. وأسس يهود العالم جمعيات لمساعدة إخوانهم اليهود، فتأسست الأليانس الفرنسية (1860) والرابطة الإنجليزية اليهودية (1871) وجمعية الإسرائيليتيش أليانس (1873) ، والغوث الهيلفسفرين (1901) الألمانيتان، واللجنة اليهودية الأمريكية (1906) . وقد كان لتعَاظُم النفوذ الغربي آثار متضاربة على الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية، إذ أدَّى تَدخُّل الدول العظمى في بداية الأمر إلى تَصاعُد نفوذ أعضاء الأقليات المسيحية داخل الدولة، وهو ما أدَّى إلى ظهورهم وحراكهم على حساب أعضاء الجماعات اليهودية، فبرز العنصر اليوناني والأرمني. ومما ساعد على هذا الاتجاه أن عدد المسيحيين كان أكبر وأنهم حصلوا على نصيب أكبر من التعليم، وخصوصاً أنهم أرسلوا أولادهم إلى جامعات أوربا وكانت تعاضدهم كنائسهم وكل أوربا. وقد أدَّى كل هذا إلى تَراجُع نفوذ أعضاء الجماعات اليهودية وإلى تَناقُص نصيبهم من التجارة الدولية ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي حتى انتهى تقريباً مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وقد تَزامَن هذا مع تَناقُص نفوذ يهود الأرندا في بولندا وتَناقُص نفوذ يهود البلاط في وسط أوربا. ولا ندري ما إذا كانت هناك علاقة بين الظاهرتين، ولكن المرجح أن ثمة علاقة إذ كانت هناك شبكة تربط الجماعات الاقتصادية الثلاث. وكان آخر مموِّل يهودي كبير هو يوسف الناسي الذي مارس نشاطه في النصف الثاني من القرن السادس عشر. وقد ظهر آخر كبار الأطباء اليهود في البلاط العثماني في أواخر القرن السابع عشر الميلادي. وبدأ المسيحيون يشغلون وظائف الجمارك والضرائب، بل إن وظيفة الدراجمون (أي الترجمان) التي كان يشغلها اليهود بدأ يشغلها تركي من أصل يوناني. وتبدَّى تَزايُد النفوذ الغربي والنفوذ المسيحي في شكل آخر هو ازدياد ظاهرة توجيه تهمة الدم كما تجلَّى في حادثة دمشق حين اتهم مسيحيو سوريا (بتحريض من القنصل الفرنسي) العنصر اليهودي المرتبط بالإنجليز بأنهم ذبحوا أحد الرهبان واستخدموا دمه في خبز فطير الفصح. وحين ناشد يهود فرنسا دولتهم لم يجدوا آذاناً صاغية إذ كانت فرنسا تحمي كاثوليك الشام. أما في إنجلترا، فقد احتج بالمرستون وهدد محمد علي حاكم مصر الذي كانت تتبعه سوريا آنذاك بالعواقب الوخيمة إذ كانت إنجلترا تفكر في حماية يهود الدولة العثمانية. وإذا كان نفوذ يهود الدولة العثمانية قد تراجع بسبب التدخل الغربي وتَعاظُم النفوذ الغربي، فإن الصهاينة الذين وضعوا أنفسهم تحت حماية بريطانيا استفادوا منه أيما استفادة. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية حصلوا على جنسيات دول أوربية حتى يكونوا تحت حمايتها ويتمتعوا بالامتيازات. ومن هنا كان العثمانيون لا يمانعون في أن يعيش اليهود في فلسطين إذا كانوا مواطنين عثمانيين. وحاولت الدولة العثمانية أن تمنع اليهود غير العثمانيين، أي الذين تشملهم الحماية الغربية، من حق الاستيطان فيها. وحاولت الدولة العثمانية، ابتداءً من حكم محمد الثاني (1808 ـ 1839) ، إصلاح الإمبراطورية من الداخل. واستفاد اليهود من عمليات التحديث هذه، وصدرت القوانين الإصلاحية المعروفة باسم التنظيمات (عام 1839) ، والخط الهمايوني (عام 1856) ، التي ضمنت حقوق كل سكان الإمبراطورية من أعضاء الأقليات، وضمنها اليهود، واحترام الملكية وصيانة الحرية الشخصية. وأصبح لليهود الحق في ارتداء الزي التركي (الطربوش) ، كما أصبح من حق الحاخامات أن يرتدوا العمامة مثل الشيوخ، فحقق هذا إعتاقاً سياسياً لليهود إن أردنا استخدام لغة العصر. وصدرت قوانين تحرِّم تهمة الدم وتجعلها تهمة خطيرة يحقق فيها حاكم المقاطعة بنفسه. وصدر فرمان خاص بإصلاح نظام الملة (مايو 1864) . ويتلخص هذا الفرمان في أن الجماعة اليهودية يرأسها الحاخام باشي الذي أُسِّست وظيفته عام 1835، وهو يمثل كل اليهود في الإمبراطورية أمام الباب العالي، كما أنه مسئول عن جمع وتحديد الضرائب المفروضة على الجماعة اليهودية ويصادق على اختيار الرؤساء المحليين الذين يُنتخَبون من قبل ممثلين من الملة المحلية. وقد حدَّد الفرمان نظم المجالس الممثلة لليهود في مجلس عام يضم ثمانين عضواً، كانوا ينتخبون بدورهم سبع حاخامات في لجنة تُسمَّى «مجلس روحاني» وسبع يهود من خارج المؤسسة الدينية للأمور الدنيوية تُسمَّى «مجلس جسماني» ، وكان يترأس اليهود حاخام باشي الذي كان يتم اختياره بالانتخاب. وقد حاول الصهاينة الاستفادة من أزمة الإمبراطورية العثمانية في آخر أيامها، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في الحصول على موافقة السلطان العثماني على مشروعهم الاستيطاني، واضطروا إلى الانتظار حتى تسقط فلسطين في يد الاستعمار البريطاني. وثمة رأي يذهب إلى أن اليهود عامة، ويهود الدونمه على وجه الخصوص، لعبوا دوراً مهماً وخطيراً في الثورة ضد الخلافة العثمانية، وأن الدوائر التي كان يتحرك فيها كمال أتاتورك كانت مليئة بالماسونيين والدونمه. وقد انتشرت شائعة بين اليهود أنفسهم أن أتاتورك نفسه كان من يهود الدونمه. ولكن مثل هذه الشائعات تنتشر دائماً بين اليهود باعتبارهم أقلية مستضعفة تنغمس في الخيال كمحاولة للتعويض. وقد سبق ليهود الغرب أن تصوروا أن مارتن لوثر من يهود المارانو إلى أن بدأت حملته عليهم. وثمة رأي يذهب إلى أن دور اليهود كان في واقع الأمر صغيراً، فكان ضباط تركيا الفتاة من المسلمين ومعظمهم من الأتراك أو البلقان وبعضهم من العرب، كما كان بينهم أرمن ويونانيون وعرب مسيحيون ويهود. ولكن قيل إن دور اليهود قد ظهر واتضح لأنهم كانوا المتحدثين باسم الثورة في الخارج. كما أن اليهود كانوا يتمتعون بالحماية الأجنبية، ولذا لم تكن بيوتهم تخضع للتفتيش، وهو ما جعلها مكاناً ملائماً للضباط لأن يجتمعوا فيه. كما أن المحافل الماسونية كانت أيضاً متمتعة بالحماية الأجنبية، ولذا فإنها كانت إحدى الجيوب التي استخدمها ضباط تركيا الفتاة. وكان من أهم المشتركين في الثورة ألبرت قاراصو وهو يهودي من سالونيكا لعب دوراً بارزاً في الثورة، وكذلك الاقتصادي جويد باشا وزير المالية في حكومات تركيا الفتاة، ولكنه لم يكن يهوديا وإنما كان من الدونمه. ومهما يكن حجم اشتراك اليهود في الثورة، فإن من الواضح أنهم كانوا مُمثَّلين داخل كل المعسكرات السياسية في الإمبراطورية العثمانية. وقام فريق من الأثرياء بتأييد اليمين أو الإنكشارية، وفريق ثان أيد الوسط أو المؤسسة الحاكمة وكان يضم عامة الشعب والحاخامات، وفريق ثالث من المثقفين اليهود والدونمه كان يؤيد الثورة. واليهود، في هذا، لا يختلفون عن بقية قطاعات الشعب في الإمبراطورية العثمانية. ومع استمرار عملية التحديث في تركيا، أُلغيت أشكال الإدارة الذاتية كافة وظهرت بورجوازية تركية (طبقة مالية تجارية محلية حلَّت محل الطبقات التي كانت تتكون من الأرمن واليونان والشوام واليهود والأوربيين) . وهاجرت أعداد كبيرة من اليهود إلى المغرب فتناقص عددهم. وتبنَّى من تبقَّى من اليهود لغة وعادات الأتراك. ومعظم يهود تركيا المتبقين من طائفة الدونمه. وقد بلغ عدد يهود تركيا ثمانين ألفاً عام 1947 وتناقص إلى ستين ألفاً عام 1958 وإلى تسعة وثلاثين ألفاً عام 1969 وإلى 19.500 عام 1992. ويعود هذا التناقص إلى عدة عناصر من بينها الهجرة والاندماج وقلة الإنجاب. العثمانيون The Ottomans انظر: «الدولة العثمانية» . المسألة الشرقية ورجل أوربا المريض The Eastern Question and the Sick Man of Europe «المسألة الشرقية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إيسترن كويستشن Eastern Question» وهي مصطلح غربي إمبريالي يُجسِّد وجهة النظر الغربية تجاه الدولة العثمانية (التي كان يشار إليها أيضاً باعتبارها «رجل أوربا المريض» ) ، والمصطلح يحدد النطاق الدلالي ومحيط الرؤية بشكل مدهش: 1 ـ فالدولة العثمانية عبارة عن مسألة ومشكلة تستدعي الحل، وهذا هو الإجماع الغربي. 2 ـ والدولة العثمانية رجل مريض، وهو ما يعني أن هناك تركة لابد من تقسيمها وأنه يمكن توظيف هذا الرجل المريض العاجز لصالح من يملك زمام الأمور. 3 ـ يخبئ المصطلح المشروع الإمبريالي الغربي أو ما نسميه «رجل أوربا النهم» الذي كان قد التهم معظم أنحاء العالم بعد أن انفتحت شهيته في أعقاب اندلاع نيران الثورة الصناعية الرأسمالية (والإنتاجية الاستهلاكية) . 4 ـ يخبئ المصطلح أيضاً احتمالات الإصلاح من الداخل كما حدث مع محمد علي الذي كان بإمكانه إجراء عملية جراحية لرجل أوربا المريض لشفائه أو لتقسيمه على ورثته الحقيقيين، أي شعوب المنطقة. 5 ـ لا يبين المصطلح أن رجل أوربا النهم قد اكتشف أن مصيره (أو على الأقل امتلاء معدته التي لا قرار لها) يتوقف على مدى ضعف الرجل المريض ونهايته. ويمكن تقسيم علاقة الرجل المريض بالرجل النهم إلى عدة مراحل، وما يهمنا هو أواخر المرحلة الأولى حينما وصلت القوات العثمانية إلى فيينا عام 1529. ثم وقعت معركة لبانتو (1571) بين الأسطول العثماني والأسطول الإسباني (تسانده الدويلات البابوية والمدن الإيطالية) وتَحطَّم الأسطول العثماني تماماً. وقد شعرت الجماهير في أوربا بمغزى ذلك النصر وأُقيمت الاحتفالات في لندن التي لم تكن طرفاً في الموضوع. وفقدت القوات العثمانية زخمها وقوة اندفاعها للمرة الثانية والأخيرة عام 1683 حينما حاصرت القوات العثمانية فيينا وتم صدها، ويرى البعض أن المسألة الشرقية بدأت منذ هذا التاريخ فبعد هذا التاريخ بدأ التراجع العثماني (والإسلامي) ، وبدأ التقدم الغربي ومحاولة الاستيلاء على ممتلكات الدولة العثمانية وتقسيم العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا أربعة أشكال: 1 ـ محاولات الإمبراطورية الروسية والنمساوية توسيع نفوذها وسلطانها على حساب الدولة العثمانية. 2 ـ محاولات إنجلترا وألمانيا منع تفكك الإمبراطورية العثمانية حتى تبقى سداً أمام الأطماع الروسية التوسعية. 3 ـ ظهور القوميات المستقلة في شبه جزيرة البلقان وحولها (العرب ـ اليونان ـ رومانيا ـ بلغاريا) . 4 ـ محاولة استغلال الدولة العثمانية والنيل من سياستها عن طريق الامتيازات الأجنبية. ومن منظور تَطوُّر الصهيونية، ما يهمنا في المسألة الشرقية هو مصير فلسطين. ومن ثم، فإن عام 1841 تاريخ حاسم تم فيه القضاء على محمد علي وفرض السلام الأوربي على الشرق! مع ظهور محمد علي، طُرحت الإمكانية الحقيقية لإعادة العافية إلى رجل أوربا المريض أو لأن يقوم أصحاب المنطقة بحكمها (ملء الفراغ الناجم عن موت الرجل المريض) ، وهو الأمر الذي لم يكن ليقبله رجل أوربا النهم. وقد تبلور المشروع الصهيوني غير اليهودي تماماً، وخرج من دائرة الديباجات الدينية المشيحانية ودخل عالم المشاريع الاستعمارية إذ اكتشف الاستعماريون الإنجليز أن بالإمكان توظيف المسألة الشرقية في حل المسألة اليهودية وتوظيف المسألة اليهودية في حل المسألة الشرقية. فقد اكتشف الإنسان الغربي أن من الممكن نقل المادة البشرية اليهودية (التي كانت تشكل المسألة اليهودية) إلى فلسطين لتصبح عنصراً منتجاً هناك، يشكل دولة وظيفية تابعة لإنجلترا تستوعب الفائض البشري وتساعد الدولة العثمانية على التماسك لتظل حاجزاً أمام الأطماع الروسية، فالحل الصهيوني للمسألة اليهودية هو نفسه الحل الغربي الاستعماري للمسألة الشرقية. وقد دارت المشاريع الصهيونية الغربية (غير اليهودية) في هذا الإطار. ومن هذا المنظور، يمكن أن نرى أن التراجع المستمر للدولة العثمانية، واضطرارها لتقديم التنازلات القانونية الكثيرة (الامتيازات الأجنبية) ، كان يعني اتساع الثغرة التي سمحت للفائض البشري اليهودي بالتسلل. ومن المعروف أن الدولة العثمانية كانت ترحب بهجرة اليهود إليها منذ عملية طردهم من إسبانيا. ومع تَزايُد تَدخُّل الدول الأجنبية، وتَزايُد الأطماع في فلسطين، بدأت الدولة العثمانية تحاول أن تمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين (مع استمرار فتح الأبواب خارجها) . بل فتحت باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين شريطة أن يتجنسوا بالجنسية العثمانية، أي شريطة أن يتحولوا من عنصر استيطاني (قتالي) غريب إلى عنصر وطني محلي (وكانت هذه هي السياسة الرسمية حتى عام 1914) . وكانت الدول الكبرى تتدخل لحمل الدولة العثمانية على السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين وملكية الأراضي فيها، فاضطرت الدولة العثمانية إلى إصدار قرار عام 1867 بمنح الأجانب حق ابتياع الممتلكات في فلسطين، وهو القرار الذي استفادت منه الجمعيات التبشيرية المسيحية والجماعات الاستيطانية المسيحية مثل فرسان الهيكل، كما استفاد منه المستوطنون الصهاينة في مراحل لاحقة. وحينما حاولت الدولة العثمانية منع اليهود من امتلاك العقارات في فلسطين (عام 1884) ، ادَّعت الدول العظمى أن هذا خرق لنظام الامتيازات. وكان قناصل الدول الغربية يستخدمون نفوذهم لتسهيل عملية استيطان اليهود. وحين صدرت قرارات تحرِّم هجرة اليهود (غير العثمانيين) عام 1888 ثم عامي 1891 و1898، عبَّرت الدول الغربية عن استيائها وساعدت المهاجرين على التحايل على هذه القوانين. ويمكن أيضاً أن نفهم كثيراً من تحركات الدول الغربية وموقفها من المشروع الصهيوني في ضوء علاقتها بالدولة العثمانية وتصورها لحل المشكلة اليهودية. وعلى سبيل المثال، كانت الدولة الألمانية ترى ضرورة دعم الدولة العثمانية في مواجهة الأطماع التوسعية الروسية، ولذا فإن حماس ألمانيا للمشروع الصهيوني كان فاتراً للغاية رغم التوجه الألماني القوي للمشروع الصهيوني، ورغم أن الزعماء الصهاينة الأوائل كانوا من الناحية الثقافية ألماناً (وهو على كلٍّ لا يختلف عن فتورهم تجاه المشروع الصهيوني الألماني غير اليهودي: مشروع فرسان الهيكل) . ويمكن فهم سلوك إنجلترا في الإطار نفسه، فرغم تحمُّس إنجلترا للمشروع الصهيوني باعتباره آلية مهمة للتخلص من الفائض اليهودي، إلا أن الإمبراطورية الإنجليزية قدمت شرق أفريقيا للصهاينة في البداية (لا فلسطين) لأن السياسة الإنجليزية الرسمية كانت معارضة لتقسيم الدولة العثمانية. وحينما اتُخذ قرار التقسيم أثناء الحرب، اتخذ أيضاً القرار بتأييد تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين ومن ثم صدر وعد بلفور. وانتهت المسألة الشرقية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. ولا تزال المسألة الشرقية مرتبطة تماماً في ذهن الإنسان الغربي بالمسألة اليهودية الصهيونية، ولا يزال رجل الغرب النهم يستخدم الدولة الصهيونية الوظيفية لحل مشاكله الشرقية. وقد قامت الدولة الوظيفية في مرحلة تَصاعُد المد القومي العربي بضرب النظم العربية التقدمية. وفي مرحلة النظام العالمي الجديد وتصاعد المد الديني، تطرح الدولة الوظيفية نفسها باعتبارها الآلية التي يمكن عن طريقها حل المسألة الشرقية (الإسلامية) الجديدة! الامتيازات الأجنبية Capitulations «الامتيازات الأجنبية» اصطلاح يشير إلى المعاملة القضائية والقانونية الخاصة التي تقررت للأجانب الموجودين في أقاليم الإمبراطورية العثمانية بمقتضى مجموعة من المعاهدات، كانت من أوائلها المعاهدتان اللتان أبرمتا مع فرنسا (سنتي 1535 و1740) بقصد تيسير التجارة بين رعايا الدولتين وحماية الأجانب من الخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية (التي تستند إليها قوانين الدولة العثمانية) . ولم تكن هذه المعاهدات تعاقدية تبادلية، فقد كانت في واقع الأمر تعبيراً عن بداية ضمور الدولة العثمانية وتَحوُّلها بالتدريج إلى رجل أوربا المريض. وقد نشأت نتيجة معاهدات الامتيازات الأجنبية عدة مراكز أو مستعمرات تجارية تركزت فيها التجارة الدولية في عدة مناطق من الدولة العثمانية. وقد أسس الفرنسيون معظم هذه المراكز في بداية الأمر، ولكن لحق البريطانيون بهم في مرحلة لاحقة مع تَزايُد النفوذ البريطاني في الدولة العثمانية. وكانت أهم هذه المراكز التجارية (سالونيكا والقسطنطينية وسميرنا وصيدا وعكا والإسكندرية وحلب والقاهرة والرملة) وهي مدن تضم جماعات يهودية قام أعضاؤها بدور التجار الوسطاء والوكلاء بين البائعين والمشترين، وهو دور اضطلعت به أعضاء الأقليات الإثنية والدينية كافة وتوارثوه أباً عن جد، وإن كان يُلاحَظ بروز دور أعضاء الجماعة اليهودية. وكان الوكلاء التجاريون يحصلون على إذن خاص من الدولة العثمانية بممارسة هذه الوظيفة، وكانوا يُعفَون من الضرائب. ومن ثم استفاد كثير من التجار من هذه الامتيازات وحظوا بحماية الدول الأجنبية. وقد ساهم هذا ولا شك في عزلهم عن البيئة العربية الإسلامية المحيطة بهم حتى تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية تدين بالولاء لقوة تجارية وعسكرية خارجية. وكان من أوائل التجار اليهود الذين تمتعوا بالحماية الأجنبية التجار اليهود في حلب الذين كانوا يحملون اسم «الفرانكوس» (أي الفرنجة) ، وقد كانوا تجاراً يهوداً أوربيين وفدوا إلى الشام في القرن السابع عشر واستقروا فيها، وكانوا جزءاً من الشبكة التجارية اليهودية الدولية الممتدة من بولندا (يهود الأرندا) إلى وسط أوربا (يهود البلاط) وغربها (كبار التجار السفارد) والتي غطت الدولة العثمانية وبعض أجزاء من أفريقيا وامتدت إلى العالم الجديد. وقد ظل الفرانكوس تحت حماية الفرنسيين إلى أن أصدر السلطان سليم الثالث خطابات تعيين لهم وأعطاهم مكانة تجار أوربيين تابعين له هو شخصياً. ويُلاحَظ أنه ابتداءً من القرن التاسع عشر، ومع تعَاظُم النهم الاستعماري الغربي، بدأ قناصل الدول الأجنبية يضعون أعضاء الأقليات تحت حمايتهم لأسباب عديدة ليست بالضرورة تجارية. واتسع نطاق نظام الامتيازات بين يهود العالم العربي حتى أن غالبيتهم العظمى أصبحت تتمتع بها ومن ثم كانت موضوعة تحت حماية الدول الأجنبية، كما كان كثير من اليهود العرب يعملون قناصل للدول الغربية في بلادهم. وقد ورثت الدول العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية نظام الامتيازات. ولعب نظام الامتيازات دوراً أساسياً في تسهيل عملية الاستيطان الصهيوني التسللي. فيهود فلسطين كانوا أساساً من السفارد المندمجين في محيطهم الحضاري الإسلامي، وقد حاولت عناصر من الإشكناز الاستفادة من نظام الامتيازات فقاوم السفارد هذه المحاولة في 1822 ـ 1823، وُكلِّلت جهود الإشكناز بالنجاح في عام 1840 بعد فتح قنصلية إنجلترا في الفترة 1838 ـ 1839، وبعد إعادة فتح قنصلية فرنسا عام 1843 (بعد أن أُغلقت 130 عاماً) . ثم بدأت عملية تغريب اليهود المحليين وتَسلُّل اليهود الأجانب. ومما ساعد على تقوية نفوذ الدول الغربية على يهود فلسطين، مؤسسة الحالوقة وهي الأموال التي كان يدفعها يهود العالم، الذين كانت غالبيتهم الساحقة في الغرب، لمساعدة يهود فلسطين. وكان المستوطنون الصهاينة الإشكناز يتسللون إلى داخل فلسطين بأن يحصلوا على تأشيرة دخول كمواطنين أجانب يتمتعون بحقوق خاصة، ثم يستوطنون في فلسطين ولا يغادرونها. وقد سهل لهم القناصل الأجانب هذه العملية. ويمكن القول بأن نظام الامتيازات الأجنبية هو المسئول عن تحويل يهود الدولة العثمانية والعالم الإسلامي ككل إلى جماعات وظيفية تابعة لدول أجنبية وتدين لها بالولاء وتتمتع بحمايتها. وحاولت الدولة العثمانية التخلص من هذا النظام أو تقليل أضراره دون جدوى إذ أن نظام الامتيازات كان جزءاً لا يتجزأ من الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وساعد على إحكام قبضة الإمبريالية على دول العالم العربي وعلى تحويل بنيتها السياسية والاقتصادية إلى بنية تابعة. وقد أُلغي نظام الامتيازات في مصر بمقتضى معاهدة مونتريه عام 1937 التي نظمت فترة انتقالية (بقيت خلالها المحاكم المختلطة) حتى عام 1949. حماية اليهود (والأقليات الأخرى) (Protecting the Jews (and other Minorities من أنجح الأساليب التي تتبعها الدول الاستعمارية الكبرى في تنفيذ مخططاتها ما يُسمَّى «حماية الأقليات» . إذ تقوم إحدى الدول الكبرى التي لها أطماع في دولة ما بإعلان مسئوليتها عن أقلية تعيش داخل حدود الدولة المستهدفة فتضعها تحت " حمايتها "، أي تتدخل في شئون الدولة التي تعيش الأقلية في كنفها بحجة الدفاع عن مصالح هذه الأقلية. وقد تكون هذه الأقلية دينية (الكاثوليك في لبنان - الأقباط في مصر) ، أو إثنية (الدروز في لبنان وسوريا) أو عرْقية دينية (الأرمن في الدولة العثمانية) . وتهدف فكرة الحماية هذه إلى إقناع أعضاء أقلية ما بأن مصالحها تختلف عن مصالح محيطها وأن أفضل وسيلة لحماية هذه المصالح هي التحالف مع الغرب الصديق، أي أن الغرب (عن طريق حماية الأقلية) يحوِّلها إلى جماعة وظيفية تعمل لصالحه. ومفهوم حماية اليهود مفهوم راسخ في الحضارة الغربية، فاليهود باعتبارهم جماعة وظيفية كانوا قريبين من النخبة الحاكمة التي كانت تمنحهم المواثيق والمزايا نظير أن يقوموا هم على خدمتها وتحقيق المكاسب لها. وقد بُعث المفهوم من جديد مع ظهور الصهيونية، فالصهيونية إعادة إنتاج لعلاقة الجماعة الوظيفية بالنخبة الحاكمة وتأخذ شكل علاقة الدولة الوظيفية بالراعي الإمبريالي. وحماية اليهود إحدى الآليات التي تم من خلالها تحويل يهود العالم العربي (من يهود محليين ومهاجرين) إلى مادة استيطانية، وهي عملية لم تكن مقصورة على اليهود ولا على فلسطين؛ وإنما كانت تضم أعضاء الأقليات الدينية الأخرى وكل الوطن العربي. ولفهم صراع الدول الغربية حول حماية الأقليات، لابد أن ندرس البُعد الديني في العملية الاستعمارية الغربية. فالإمبريالية الغربية، شأنها شأن كل الأنساق العلمانية، وظفت النصوص الدينية كديباجات لتجنيد جماهيرها ولتجييش الجيوش. وبهذا المعنى، فإننا نتحدث عن البُعد الديني للاستعمار الغربي كتوظيف علماني غير ديني للدين. وقد بدأ المشروع الاستعماري الغربي بالاستعمار الكاثوليكي، البرتغالي والإسباني، الذي حقَّق الاندفاعة الأولى التي تم من خلالها استعمار أمريكا الجنوبية. ولكن، بعد هذه الاندفاعة، توقف التشكيل الاستعماري الكاثوليكي إذ أن إسبانيا والبرتغال دخل عليهما الجمود وكانت إيطاليا مجزأة، ولم تكن هناك قوة استعمارية كاثوليكية سوى فرنسا. ولكن الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون أدَّت إلى إبطاء المشروع الاستعماري الفرنسي، ولم ينشط مرة أخرى إلا في أفريقيا في ستينيات القرن الماضي، ولكن ظهور ألمانيا أجهز عليه في السبعينيات وهو ما جعلها ترضى بدور التابع لإنجلترا إلى حدٍّ كبير. ومع تَراجُع المشروع الاستعماري الكاثوليكي، ظهر المشروع الاستعماري البروتستانتي وانتقل مركز الثقل من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي. فظهرت هولندا كقوة استعمارية وتبعتها إنجلترا التي تزايدت قوتها وأصبح لها مركز الصدارة في العالم. وقد زاحمتها ألمانيا بعض الوقت في نهاية القرن التاسع عشر. ولكن ظهور الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرأسمالية العظمى رجح كفة التشكيل الأنجلو ساكسوني داخل التشكيل الاستعماري البروتستانتي. وفي القرن الثامن عشر ظهرت روسيا باعتبارها القوة الاستعمارية الأرثوذكسية. ويُلاحَظ أن التقسيم الثلاثي الديني: كاثوليك ـ بروتستانت ـ أرثوذكس، يقابله تقسيم ثلاثي عرْقي: لاتين ـ أنجلو ساكسون ـ سلاف، وهذا يدل على أن الدين إن هو إلا ديباجة وقشرة رقيقة تغطي المصالح الاقتصادية والرؤى العرْقية. وقد عبَّر الصراع بين القوى الاستعمارية المختلفة بديباجاتها الدينية عن نفسه، فكانت كل دولة تحاول حماية أقلية دينية ما وتحفظ لها حقوقها، وهذا يعني في واقع الأمر وضعها داخل مجال نفوذ الدولة الحامية وتحويلها إلى مادة بشرية تابعة لها. فكانت فرنسا تدعم الكاثوليك وتحميهم، وقامت روسيا بدعم الأرثوذكس. وقد كانوا يظنون أنه، مع سقوط الدولة العثمانية، سيقوم الرعايا الكاثوليك والأرثوذكس بالمطالبة بفلسطين لدولهم الراعية (ولذا حرص الصهاينة على إقناع الإيطاليين والفرنسيين بأن النشاط الصهيوني لن يُعرِّض مصالحهم للخطر) . لكن أنشط القوى الاستعمارية كانت هي القوة البروتستانتية (البروسية والإنجليزية) . وحيث لم يكن يوجد عرب بروتستانت، كان لابد من البحث عن أقلية «لحمايتها» ، فقام نشاط تبشيري بروتستانتي قوي بين المسيحيين العرب (الأرثوذكس والكاثوليك) ، وهذه حقيقة ذات مغزى عميق: مجال النشاط التبشيري الغربي الأساسي ليس المسلمين وإنما المسيحيون العرب، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية أصبحوا مرشحين لأن يلعبوا دور الأقلية القابلة للحماية والرعاية. وقد نشأ تنَافُس عميق بين الدول الاستعمارية لحماية الأقلية التي تتبعها. ومن ثم زاد عدد اليهود الذين تمتعوا بالحماية الأجنبية في فلسطين مع منتصف الخمسينيات إلى خمسة آلاف، أي أن نصف يهود فلسطين أصبحوا من يهود الحماية (مقابل يهود الراية العثمانيين) . وقد عملت القنصليات الأجنبية على الحيلولة دون قيام السلطات العثمانية بتطبيق القوانين التي كانت تهدف للحد من تَدفُّق اليهود على فلسطين. كما قامت هذه القنصليات بمساعدتهم في عملية التحايل على القانون حتى يمكنهم شراء الأراضي الزراعية. وقد ظهر الصراع بين أشكال الاستعمار المختلفة في عدة حوادث من أهمها حادثة دمشق، وذلك حين وقف القنصل الفرنسي بشكل واضح إلى جانب الكاثوليك السوريين الذين وجهوا تهمة الدم لبعض يهود دمشق، وكان موقف الحكومة الفرنسية من الأمر كله يتسم بالفتور الشديد وعدم الاكتراث بأعضاء الجماعة اليهودية، على عكس موقف الحكومة الإنجليزية التي تحركت وبشكل حاسم لنصرتهم؛ أي نصرة أعضاء الأقلية التي تقوم بحمايتها. وشهد منتصف القرن التاسع عشر حركة لحماية الأقليات فأنشئت عام 1842 مطرانية القدس البروسية الإنجليزية (أُلغيت الاتفاقية عام 1886 بعد أن قوي المشروع الاستعماري الألماني) وأُسِّست في العام نفسه قنصلية ألمانية كانت تحاول هي الأخرى حماية اليهود. وأُسِّست عام 1850 جمعية إغاثة اليهود البائسين، وفي عام 1852 تم تأسيس جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي على الأرض المقدَّسة. وشهد عام 1865 تأسيس صندوق استكشاف فلسطين. وقد استمرت حماية الأقليات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1914 تدخلت وزارة الخارجية الألمانية لحماية اليهود الروس في فلسطين من الطرد، وقد تُوِّجَت حماية اليهود بصدور وعد بلفور ثم قرار الانتداب وإنشاء الدولة واتفاقية التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة. فارس بعد انتشار الإسلام Persia after the Spread of Islam بعد الفتح الإسلامي للمنطقة ودخول الفرس إلى الإسلام، تم دمج أعضاء الجماعة اليهودية في فارس في الإطار الإسلامي الأكبر، وأصبح أعضاء الجماعة تابعين لرئيس اليهود في بغداد الذي كان يُسمَّى «رأس الجالوت (أمير يهود المنفى) » ، وكانوا يعتمدون على الفتاوى التي تصدرها الحلقة التلمودية في العراق. وقد ازدهرت حياة اليهود الثقافية وتأثروا بالمحيط الإسلامي وظهر المذهب القرّائي تعبيراً عن هذا التفاعل. وتمتع يهود فارس بحرية الحركة والانتقال التي تمتع بها أهل الذمة آنذاك نتيجة توحيد المنطقة تحت راية الإسلام ولاستتباب الأمن والأمان. ولم يكن وضع اليهود الاقتصادي مختلفاً عن وضع بقية أهل الذمة، فكان منهم النساجون والصباغون وصائغو الذهب والفضة، وكان منهم التجار وتجار الخمور. وظهرت طبقة من التجار اليهود الأثرياء في أصفهان وشيراز والأهواز. وتزايدت أهمية بعض أثرياء اليهود (الصيارفة) ابتداءً من القرن العاشر الميلادي، فكان منهم الجهابذة أي صيارفة البلاط الذين كانوا يُقرضون الوزراء والخلفاء العباسيين والسلاجقة من بعدهم. وظهر في القرن الثاني عشر الميلادي داود الرائي الماشيَّح الدجال. وحينما غزا المغول الدولة الإسلامية، تعاون معهم أعضاء الجماعة اليهودية، وبرز نجم سعد الدولة الذي أصبح وزير مالية الإمبراطور المغولي وظل يشغل هذا المنصب حتى اغتياله عام 1291. وقد عُيِّن بعده رشيد الدولة الذي أُعدم عام 1318. ثم ظهرت الأسرة الصفوية التي فصلت اليهود عن المحيط الحضاري السني، فدخلوا المحيط الحضاري الشيعي. فارس (إيران) منذ حكم الأسرة الصفوية حتى الوقت الحاضر Persia (Iran) from the Safavid Dynasty to the Present حكمت الأسرة الصفوية، وهي أسرة فارسية إسلامية، بلاد فارس في الفترة 1502 ـ 1736، وجعلت المذهب الشيعي دين الدولة، كما جعلت طبقة رجال الدين الشيعة (الملالي) عمودها الفقري. واتسم حكمها باضطهاد الأقليات، فطُبِّق على اليهود المفهوم الشيعي الخاص بنجاسة أهل الذمة. وانقطعت العلاقة تماماً بين أعضاء الجماعة اليهودية ورأس الجالوت (المنفى) في بغداد، وأصبحت لهم قيادتهم المحلية. وتحت حكم أسرة القاجار (1795 ـ 1925) ، زادت عملية قمع اليهود، كما كان الحال في مشهد عام 1839. وقد فُرض الإسلام قسراً على بعض أعضاء الجماعة اليهودية، فتحولوا إلى يهود متخفين، أي أبطنوا اليهودية وأظهروا الإسلام، وأُطلق عليهم مصطلح «جديد الإسلام» . وأصبح من حق اليهودي الذي يعتنق الإسلام أن يرث ممتلكات كل أعضاء أسرته الذين ظلوا على دينهم. وتَدنَّى وضع اليهود الاقتصادي وازداد إقبالهم على صناعة الخمور، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة التوترات بينهم وبين الأغلبية المسلمة. وهذا على عكس وضع اليهود في الدولة العثمانية حيث كان آخذاً في التحسن، الأمر الذي نتج عنه تَزايُد اندماجهم في المجتمع، حتى أن يهود أوربا كانوا يفرون من بلادهم طلباً للسلام والأمن والعدالة في الدولة العثمانية. وفي هذه الفترة، اشتهر اليهود في فارس بأنهم يعملون بأمور التسلية والترفيه في بلاط النبلاء، فكان منهم الراقصون ولاعبو السيرك والمغنون. وحتى هذا التاريخ، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من التشكيل الحضاري الشرقي في فارس. ولكن، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وظهور الإمبريالية الغربية وما صاحب ذلك من تَزايُد نفوذ الدول الغربية في بلاد العالم الإسلامي، بدأت هذه الدول تتدخل في شئون الأقليات الدينية بحجة حمايتها والدفاع عن هويتها، وذلك لاستخدامها كرأس حربة في مشروعها الاستعماري. وكان يهود العالم الإسلامي من أوائل العناصر التي تَوجَّه إليها الغرب، فأخذت حكومات الغرب تتدخل لصالح يهود إيران كما راحت القيادات اليهودية في الغرب التي تدور في إطار المصالح الغربية، تقابل المسئولين الإيرانيين الذين يزورون العواصم الأوربية وتطلب إليهم تحسين أحوال اليهود. ولعل من أكثر الأمثلة إثارة ما حدث عام 1873 أثناء زيارة الشاه نصر الدين لأوربا، إذ قابله وفد يهودي في برلين في 4 مايو، وآخر في أمستردام في 10 يونيه، وثالث في بروكسل في 17 يونيه، ورابع في لندن (مندوبو الرابطة الإنجليزية اليهودية) في 24 يونيه، وخامس في باريس (الأليانس) في 12 يوليه، وسادس في فيينا في 16 أغسطس، وسابع في القسطنطينية في 20 أغسطس. وحينما كان الشاه في لندن، اجتمع على انفراد (في قصر بكنجهام) مع السياسي الإنجليزي المتنصر دزرائيلي، وهو من أصل يهودي، وكذلك مع سير موسى مونتفيوري زعيم يهود إنجلترا آنذاك. كما اجتمع الشاه في باريس مع أدولف كريمييه الوزير الفرنسي اليهودي، ومع البارون إدموند دي روتشيلد أشهر يهود عصره وأكثرهم ثراءً. وثمة واقعة مهمة حدثت أثناء مقابلة الشاه لروتشيلد يتعين التعليق عليها، إذ اقترح الشاه على المليونير اليهودي أن يشتري قطعة أرض يجمع فيها كل اليهود المشتتين ويؤسس مملكة يهودية يصبح روتشيلد ملكاً لها. فضحك المليونير اليهودي ولم يُجب. والواقع أن اقتراح الشاه اقتراح صهيوني يسبق ظهور الحركة الصهيونية، وربما كان تعبيراً عن مُخطَّط إستراتيجي كامن تَكشَّف فيما بعد. وبدأ التدخل الأمريكي لصالح يهود إيران عام 1897 حين قام القنصل العام الأمريكي في طهران بمحاولة الظهور بمظهر حاميهم والمدافع عن حقوقهم. ومع أوائل القرن الحالي، تظهر في الوثائق الدبلوماسية الأمريكية أول إشارة لأعضاء الجماعة اليهودية في إيران. وفي عام 1918، قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتحويل بعض المعونات الأمريكية اليهودية إلى يهود فارس، ثم استمر يوسف شاؤول كونفلد، وهو حاخام يهودي وممثل للولايات المتحدة في طهران، في التدخل لصالح يهود إيران (عام 1924) . وواكب هذا حركة من جانب جماعة الأليانس تمثلت في فتح مدارس يهودية حيث فُتحت مدرسة عام 1898 في طهران وأخرى في أصفهان عام 1901 وثالثة في شيراز عام 1903.وبعد الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بالمساهمة في تمويل التعليم اليهودي في إيران. وتغيَّر وضع اليهود تحت حكم أسرة بهلوي (1925 ـ 1979) ، ومع ظهور الاتجاهات نحو إدخال القيم الغربية والعلمانية، قامت النخبة الحاكمة الإيرانية بتأكيد أهمية القيم الإيرانية المحلية السائدة في فارس قبل دخول الإسلام لتأكيد العنصر القومي. ومن هنا تغيير اسم الدولة إلى «إيران» ، تماماً كما فعل الكماليون في تركيا حينما بعثوا القومية الطورانية المرتبطة بالتاريخ التركي قبل الإسلام. وقد واكب ذلك كله تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة اليهودية في إيران كما يتضح في انتخاب أول يهودي للبرلمان. ومع هذا، أدَّى تَزايُد معدلات العلمنة وتعميق النفوذ الغربي إلى ظهور خطرين أساسيين: أولهما التبشير وثانيهما البهائية، فيُلاحَظ أن البعثات التبشيرية المسيحية التي نشطت آنذاك في العالم الإسلامي زادت من نشاطها بين اليهود فقامت ببناء المدارس لأبناء أعضاء الجماعة ووفرت لهم الكثير من النشاطات الاجتماعية حتى تيسر تنصيرهم إلى حدٍّ ما وتَحقَّق شيء من النجاح في هذا المجال. ولكن التحدي الأكبر كان البهائية التي رحب أعضاء الجماعة اليهودية بظهورها باعتبارها سبيل الخلاص لهم. وقد كرس أحد أتباع بهاء الله، ميرزا أبو الفضل، كل جهوده للتبشير بالبهائية بين اليهود، وقام بتفسير بعض آيات العهد القديم، وخصوصاً سفر أشعياء (الإصحاح التاسع) ودانيال (الإصحاح السابع) ، للبرهنة على صدق العقيدة البهائية. وتُرجمت بعض المقطوعات المختارة من النصوص البهائية إلى العبرية، الأمر الذي ساهم في ذيوع الأفكار البهائية بين اليهود. وقد نجحت البهائية في اجتذاب أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوفها. وربما يكون التركيب الاجتماعي للبهائيين، الذي كان مقارباً إلى حدٍّ ما للتركيب الاجتماعي لليهود، قد ساهم في هذه العملية. ويُلاحَظ أن معرفة يهود إيران باليهودية كانت ضعيفة إلى حدٍّ ما بسبب انفصالهم عن المراكز الرئيسية لليهودية في العالم، وبسبب عدم وجود حاخامات مدربين التدريب الديني اللازم. فقد كانوا لا يعرفون تمائم الصلاة (تيفلين) ، كما كانوا يتبعون عادات دينية لا تعرفها اليهودية الحاخامية مثل الحج إلى قبر إستير وموردخاي (في حمدان) وقبر دانيال (في سوسة) وغيرهم من شخصيات العهد القديم التي يزعم يهود فارس أنهم مدفونون فيها. ويُلاحَظ كذلك أن يهود فارس يتحدثون بعدة رطانات هي عبارة عن اللغة أو اللهجة السائدة في المنطقة التي عاشوا فيها، في مرحلة تاريخية سابقة، مضافاً إليها بضع كلمات عبرية. وهذه الرطانات تفيد علماء اللغة إذ تحتفظ بصيغ لغوية مندثرة. وإلى جانب الجماعة اليهودية الفارسية، وُجدت جماعة يهودية كردية في المنطقة التي يعيش فيها الأكراد داخل حدود إيران. ولكن لم تقم مؤسسات لتشرف على شئون الجماعة بسبب الخلافات الدائمة بين أعضائها. وقد بلغ عدد يهود إيران عام 1948 نحو 95 ألفاً. ومع هجرة يهود البلاد العربية إلى إسرائيل، أصبحت الجماعة اليهودية في إيران أكبر جماعة يهودية في الشرق، وبلغ عدد أعضائها ثمانين ألفاً عام 1968 من مجموع السكان البالغ عددهم آنذاك خمسة وعشرين مليوناً. وبعد نشوب الثورة الإيرانية في عام 1979، تناقص عددهم إلى ثلاثين ألفاً في حين زاد عدد سكان إيران إلى ما فوق الأربعين مليوناً، وبلغ عددهم ستة عشر ألفاً عام 1992. ويتركز يهود إيران في المدن، وخصوصاً في طهران. ففي عام 1948، كان 60% منهم يعيشون في طهران وأصفهان وشيراز، ثم زادت النسبة إلى 72% عام 1968. وقد هاجرت أعداد كبيرة من يهود إيران إلى إسرائيل حاملين معهم ممتلكاتهم من السجاد الإيراني الذي تعتبره إيران ضمن ثروتها القومية. ولكن يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تنزح من إسرائيل وتستقر في الولايات المتحدة، وخصوصاً في كاليفورنيا. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الجماعات اليهودية في العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر: تعداد
The Jewish Communities in the Arab World since the Mid-Nineteenth Century: Numbers يُلاحَظ أنه، مع بداية العصور الوسطى في الغرب، كان يهود العالم الإسلامي يشكلون أكثر من نصف تعداد يهود العالم. إلا أن عددهم أخذ في التناقص حتى أصبحوا يشكلون أقلية لا تتجاوز 10%. وهذا يرجع إلى الأسباب التالية: 1 ـ تحوَّل كثير من اليهود عن اليهودية الحاخامية إلى اليهودية القرّائية، وهي شكل من أشكال اليهودية التوحيدية تأثر بالإسلام. ويبدو أن أعداداً كبيرة من القرّائين اعتنقوا الإسلام، وهو ما أثر في وجود اليهود العددي. ولا تُوجَد دراسات إحصائية عن هذا الأمر، ولكن من الصعب تفسير اختفاء اليهود القرّائين وتَناقُص عددهم دون اعتبار اعتناق الإسلام كسبب أساسي. 2 ـ تَراجُع العالم الإسلامي ككل، وهو ما أدَّى إلى نزوح كثير من اليهود عنه. 3 ـ يُعَدُّ الريف مصدراً دائماً للزيادة السكانية. ولما كان يهود البلاد الإسلامية من سكان المدن، فلم تكن هناك مصادر لزيادة أعدادهم، ولهذا أخذت أعدادهم في التناقص. وفيما يلي عدد يهود العالم العربي قبل أن تحدث التغييرات العددية الكبرى بعد عام 1950: البلد / عدد السكان اليهود عام 1950 مصر / 75.000 العراق / 120.000 (110آلاف حسب باتاي) لبنان / 6.700 (6 آلاف حسب باتاي) سوريا / 6.000 (13 ألفًاحسب باتاي) البحرين / 400 حضرموت / 2.000 اليمن / 8.000 (غير مؤكد، 50 ألفاً حسب باتاي) عدن / 1.200 ليبيا / 14.000 (38 ألفاً حسب باتاي) تونس / 100.000 الجزائر / 120.000 (130 ألفاً حسب باتاي) المغرب / 225.000 (العدد الكلي حسب باتاي) مراكش الإسبانية / 14.700 (عام 1940) طنجة / 7.000 ويُلاحَظ أن نسبة السكان اليهود إلى التعداد العام في كل بلد كانت ضئيلة جداً. أما في عامي 1958 و1969، فقد كانت الأعداد كالتالي: البلد / عام 1958 / عام 1969 مصر / 40.000 / 1.000 العراق / 6.000 / 2.500 لبنان / 6.000 / 3.000 سوريا / 5.000 / 4000 اليمن / 3.500 / ــــــ ليبيا / 3.750 / 100 تونس / 85.000 / 10.000 الجزائر / 140.000 / 1.500 المغرب / 200.000 / 50.000 وبناءً على هذا الإحصاء، كان عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي عام 1950 يتراوح بين 650 ألف و800 ألف. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند المُصطلَح الذي نستخدمه: هل ينطبق مُصطلَح «يهود البلاد العربية» على اليهود العرب وغير العرب المقيمين في البلاد العربية حتى لو حملوا جنسيات أجنبية، أم يجب أن نقصر استخدام المُصطلَح على اليهود حاملي الجنسيات العربية المختلفة، والذين ينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، أي إلى اليهود المستعربة؟ الواقع أننا حين نتحدث عن مسيحيي البلاد العربية نتحدث عن عرب يؤمنون بالمسيحية، ولا يرد لنا على بال أن نضع ضمن هذه المجموعة أعضاء الإرساليات المسيحية الغربية لمجرد أنهم يقيمون في البلاد العربية. ومن المستحسن أن نميِّز بين «يهود البلاد العربية» من جهة و «اليهود العرب» أو «العرب اليهود» من جهة أخرى. والعدد 800 ألف يشير إلى يهود البلاد العربية، أما العرب اليهود فعددهم أقل من ذلك بكثير، إذ يجب أن نستبعد من هذا الرقم الأغلبية الساحقة من يهود الجزائر ومصر الذين كانوا يحملون جنسيات أجنبية، وإذا طرحنا عددهم يكون الباقي هو 600 ألف تقريباً. أما بالنسبة إلى الباقين، فيمكننا أن نستبعد من هذا العدد نسبة 25 ـ 30% من عدد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أجانب، فنسبة اليهود الأجانب إلى اليهود المستعربة كانت كبيرة جداً في طنجة والمغرب الإسبانية وتونس، بل كانت تقترب من نسبتهم في الجزائر ومصر، ولكنها كانت أقل في المغرب. وهذه البلاد تضم 346.500، أي أكثر من 50% من العدد الباقي. وتقل نسبة اليهود الأجانب بقدر أكبر في العراق، حيث كان يوجد 120 ألفاً، وتكاد تنعدم في اليمن وعدن وهي بلاد تضم بضعة آلاف وحسب. ويُلاحَظ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن بسبب اشتغالهم بالمهن وتركزهم في قطاعات اقتصادية بعينها. فيهود العراق الذين بلغ عددهم 118.000عام 1947 تَركَّز منهم في بغداد 77.542. كما كانت تُوجَد نسبة مرتفعة منهم في البصرة والموصل، أي أن معظم يهود العراق كانوا من سكان المدن، مع العلم بأن هذا يستبعد يهود كردستان البالغ عددهم 18 ألفاً. والوضع نفسه ينطبق على مصر، ففي إحصاء 1937 بلغ عدد يهود مصر 63.550 كانت تعيش أغلبيتهم (59 ألفاً) في القاهرة والإسكندرية، منهم 34.103 في الأولى و24.290 في الثانية. وبقيتهم موزعة على مدن صغيرة مثل المنصورة وطنطا ودمنهور. وفي عام 1947، كان 96% من يهود مصر في القاهرة والإسكندرية. أما في المغرب، فيعيش 80% من اليهود في مراكز حضرية مثل الدار البيضاء والباقون موزعون على مدن أخرى مثل مراكش وفاس. وقد أخذت الجماعات اليهودية في العالم العربي في الاختفاء بعد عام 1950 حتى لم يبق سوى بضع مئات في بلد مثل مصر والعراق وعدة آلاف في المغرب، وذلك للأسباب التالية: 1 ـ ظهور الاقتصاد الوطني الذي ضيَّق الخناق على العناصر الأجنبية، وكانت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية لا تحمل جنسية عربية، وخصوصاً أن الاقتصاد الوطني الجديد تلعب الدولة فيه دوراً كبيراً. 2 ـ ظهور طبقة تجارية ومالية وطنية بدأت تلعب دوراً اقتصادياً نشيطاً وشكلت منافسة قوية وخطيرة للعناصر التي كانت مهيمنة من قبل، كما أن ظهور الدول القومية لعب دوراً مماثلاً. 3 ـ ظهور الدولة الصهيونية بما خلقته من مشاكل خاصة بولاء يهود البلاد العربية، وهجرة أعداد كبيرة منهم إلى العالم الغربي وإسرائيل. ويصل عدد يهود البلاد العربية حسب إحصاء عام 1986 إلى 26.900، أما عام 1992 فيصل عددهم إلى 13.200على النحو التالي: البلد / عام 1986 / عام 1992 المغرب / 17.000 / 7.500 سوريا / 4.000 / 1.200 تونس / 3.700 / 2.000 اليمن / 1.200 / 1.600 الجزائر / 300 / 300 لبنان / 250 / 200 مصر / 250 / 200 العراق / 200 / 200 المجموع / 26.900 / 13.200 وكما نرى، بلغ العدد الإجمالي عام 1986 نحو 27 ألفاً إن أضفنا بضعة أفراد في ليبيا والسودان وغيرهما من البلاد. وقد انخفض هذا العدد إلى النصف تقريباً في غضون ستة أعوام. وكل هذا يعني أنه لن يوجد في القرن القادم يهود في أيٍ من أنحاء العالم العربي. لكن هذه ليست ظاهرة مقصورة عليه حيث يتوقع الدارسون لأسباب مختلفة أن يختفي أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا الشرقية وإنجلترا وأمريكا اللاتينية وأن تختفي البقية الباقية في الهند، وهي ظاهرة يُطلَق عليها مُصطلَح «موت الشعب اليهودي» . الجماعات اليهودية في العالم العربي: نمط الهجرة The Jewish Communities in the Arab World: Pattern of Migration تدخل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي في إطار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في العصر الحديث، وهي هجرة من البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية إلى البلاد الأكثر تقدماً، ومن البلاد التي تلعب فيها الدولة دوراً اقتصادياً كبيراً إلى بلاد المشروع الحر حيث يمكنهم تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. وقد لاحظنا أن الهجرة اليهودية في العصر الحديث تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الاستيطان الغربي (وخصوصاً الأنجلو ساكسوني) . ولكن يُلاحَظ أن يهود البلاد العربية كانوا يضمون بينهم أعداداً كبيرة من السفارد المتأثرين بالثقافة اللاتينية. كما أن الأليانس، حينما قامت بعملية صبغ لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي بصبغة تغريبية، صبغتهم أيضاً بصبغة فرنسية لاتينية. ويُلاحَظ أن معظم العناصر الثرية وأعضاء النخبة بين يهود البلاد العربية هاجروا إلى فرنسا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية. وهم برفضهم الهجرة إلى إسرائيل يتبعون النمط المذكور نفسه إذ أن مثل هذه الهجرة لا تحقق حراكاً لهذه الشريحة من أعضاء الجماعة بينما يمكن تحقيق هذا الحراك في البلاد الغربية المتقدمة. ولذا، نجد أن حركة هجرة يهود البلاد العربية تتجه أساساً إلى فرنسا وأحياناً أمريكا اللاتينية. ولكن العدد الأكبر اتجه إلى إسرائيل، أي أنها هجرة إلى بلد استيطاني لتحقيق قسط أكبر من الحراك الاجتماعي، هجرة من بلاد أقل تقدماً إلى بلد أكثر تقدماً، ومن بلاد بدأ يظهر فيها اقتصاد قومي أو اشتراكي إلى بلاد فيها مجال أكبر للمشروع الحر. وقد هاجر يهود الجزائر كلهم إلى فرنسا، كما هاجر إليها كثير من يهود تونس ومعظم يهود مصر، وكذلك الجزء الأكبر من يهود المغرب. ويبين باتاي أن عدد يهود المغرب كان عام 1947 نحو 280 ألفاً. فإذا أخذنا في الاعتبار الزيادة الطبيعية ونسبتها 1.8%، يمكن القول بأن بين الـ 250 ألف يهودي مغربي ممن هاجروا خلال الفترة 1947 ـ 1969 نحو 117 ألفاً ذهبوا إلى إسرائيل. ويرى البعض أن أكبر دليل على انتماء يهود البلاد العربية لبلادهم هو الدور الصغير الذي لعبوه في الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين. والواقع أنَّنا لا نجد بين العدد 460 ألفاً الذين دخلوا فلسطين بين عامي 1919 و1948 سوى 42 ألفاً قدموا من البلاد العربية والإسلامية، أي 9% من الهجرة العامة والتي شكَّل الإشكناز النسبة الكبرى منها. ولكننا إذا أخذنا بالعدد الذي يقدر يهود العالم بنحو 16 ـ17 مليوناً ويهود البلاد العربية بنحو 800 ألف، فإننا نجد أنهم كانوا يشكلون 5 ـ 6% من مجموع يهود العالم، وبالتالي تكون نسبة 9% من حاصل الهجرة اليهودية نسبة عالية للغاية مقارنة بالهجرة من أوربا. هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي وتركيا وإيران البلد / 1948-1951 / 1952-1954 / 1955-1957 / 1958-1960 / اجمالي48-1960 المغرب / 30.750 / 15.903 / 70.053 / 9.236 / 125.942 الجزائر / 1.523 / 396 / 2.483 / 529 / 4.931 تونس / 13.139 / 5.902 / 15.267 / 2.149 / 36.475 ليبيا / 30.482 / 1.609 / 198 / 94 / 32.383 مصر / 16.508 / 3.203 / 14.562 / 1.051 / 35.328 اليمن / 45.199 / 698 / 10 / 55 / 45.962 عدن / 3.155 / 151 / 7 / 95 / 3.408 سوريا ولبنان / 2.898 / 461 / ـــــ / ـــــ / 3.359 تركيا / 34.213 / 861 / 2.650 / 1.316 / 39.040 العراق / 121.512 / 1.382 / 361 / 233 / 123.488 إيران / 24.804 / 5.750 / 2.035 / 7.230 / 40.061 الإجمالي / 324.183 / 36.316 / 107.626 / 22.230 / 490.359 ولكن الأرقام هنا مضللة لأنها تتعامل ليس مع العرب اليهود (أي اليهود المحليين) وحسب وإنما تتعامل أيضاً مع يهود البلاد العربية ككل (أي اليهود الوافدين من الغرب) . ولو أن أرقام الهجرة فرَّقت بين اليهود المحليين من حاملي الجنسيات العربية واليهود من حاملي الجنسيات الغربية، لوصلنا إلى نتائج مغايرة قليلاً. وعلى كلٍّ، فإن هذه المناقشة أصبحت مجرد مناقشة أكاديمية إذ أنَّ تأسيس الدولة الصهيونية خلق حركية ضخمة ابتلعت كل يهود العالم العربي، المحليين منهم والوافدين، وأدَّت إلى اختفائهم تماماً، باستثناء المغرب التي هاجر معظم أعضاء الجماعة اليهودية بها إلى الكيان الصهيوني وبقيت فيه أقلية يهودية آخذة في التناقص. ومن المفارقات التي لها أعمق الدلالة أن يهود البلاد العربية كانوا يُشكّلون أقلية صغيرة جداً لا أهمية لها بالنسبة ليهود العالم، وأصبحوا الآن يشكّلون أغلبية سكان إسرائيل. وأكبر المجموعات التي هاجرت هي يهود المغرب، إذ يوجد في الدولة الصهيونية 480 ألف يهودي من المغرب أو من أصل مغربي و125 ألف يهودي من تونس والجزائر و78 ألفاً من ليبيا، أي أن هناك 682 ألف يهودي من المغرب العربي، وهم يشكلون 20% من يهود المستوطَن الصهيوني. ومن أهم الشخصيات اليهودية من أصل مغربي في المؤسسة الحاكمة أهرون أبو حصيرة الوزير السابق ورئيس حزب تامي، والحاخام عوفيديا يوسف، وديفيد ليفي أحد أقطاب حزب الليكود. أما اليهود من أصل عراقي فإن عددهم يبلغ 129.499، ومن أشهرهم شلومو هليل. ويوجد 245 ألف يهودي يمني أو من أصل يمني: (49.500 من مواليد اليمن و161.100 ولدوا لآباء يمنيين و35 ألفاً كانوا في فلسطين عام 1948) . ويهود اليمن هم الوحيدون الذين كانت تُوجَد منهم أعداد كبيرة نسبياً في المستوطَن الصهيوني قبل عام 1948، فلقد أراد المستوطنون الصهاينة أن يحلوا معضلة العمل العبري باستخدام يهود في الاقتصاد الصهيوني الاستيطاني، ولكنهم لم يجدوا العمالة الكافية بين يهود أوربا، فاستوردوا يهود اليمن. ويُوجَد إلى جانب ذلك بضعة آلاف من سوريا، وانضم إليهم 130 ألف يهودي من إيران و100 ألف يهودي كردي. وقد سمحت المغرب، كما سمح العراق، لليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل بالعودة، فعادت أعداد لا يُعتَد بها إحصائياً رغم دلالتها. وتكمن أهمية القرّار في أنه ضربة في الصميم لأسطورة الشرعية الصهيونية التي تطرح فكرة اليهودي الخالص الذي لا ينتمي إلا لوطنه اليهودي، إذ أنَّ القرّار العربي يؤكد عروبة هؤلاء اليهود وانتماءهم وانتماء كل أعضاء الأقليات العربية إلى وطنهم العربي. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسامات الدينية والعرْقية The Jewish Communities in The Arab World: Religious and Ethnic Divisions مع منتصف القرن التاسع عشر، ومع بداية تفكك الدولة العثمانية ودخول الدول العربية في الدائرة الاستعمارية، لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يُشكِّلون وحدة دينية أو ثقافية أو لغوية. ويمكن تقسيم الجماعات اليهودية على النحو التالي: 1 ـ اليهود المستعربة الذين يتحدثون العربية وينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. ويمكن أن نصنف يهود اليمن ضمن هؤلاء رغم خصوصيتهم التي تميِّزهم عن بقية اليهود المستعربة. 2 ـ يهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو. 3 ـ يهود الإشكناز الذين يتحدثون اليديشية. 4 ـ يهود الغرب الذين يتحدثون لغات بلادهم المختلفة: فرنسية وإنجليزية وألمانية. 5 ـ يهود البربر في جبال الأطلس ويتحدثون اللغات البربرية المختلفة. 6 ـ يهود كردستان في العراق وإيران الذين يتحدثون الكردية والآرامية. وكان بعضهم يتحدث العربية، ولذا كانوا يُعدُّون من اليهود المستعربة. وقد عبَّر عدم التجانس هذا عن نفسه في شكل صراع بين الجماعات اليهودية المختلفة. وفي المغرب، كان اليهود السفارد الوافدون إلى المغرب يشيرون إلى اليهود الأصليين على أنهم «توشافيم» ، أي سكان أصليون أو محليون، وهي عبارة تحمل بعض الإيحاءات القدحية. وكان اليهود الأصليون يشيرون بدورهم إلى الوافدين باعتبارهم «مجوراشيم» ، أي المنفيين أو المنبوذين! وكان يهود صنعاء في اليمن ينظرون بعين الاحتقار إلى يهود الجبال ويعتبرونهم أدنى مرتبة منهم. كما لم يكن الفريقان يتزاوجون فيما بينهم. وفي مصر، كان السفارد والإشكناز ينظرون إلى يهود مصر المستعربة بشيء من التعالي. كما كان السفارد يشيرون إلى الوافدين الجدد من الإشكناز على أنهم «شاخت» ، أي الأشرار، بسبب تَورُّط عدد كبير منهم في الأنشطة المشبوهة، وخصوصاً الدعارة، وقد كانوا ينظرون إليهم بقدرٍّ كبير من التعالي. وهذه المواقف كانت في معظم الأحوال انعكاساً لمواقف مشابهة في المجتمع وسائدة بين أعضاء الأغلبية. وقد نشب الصراع الحاد بعد ذلك بين دعاة الصهيونية وأعدائها. والواقع أنَّ انقسام يهود البلاد العربية كان بارزاً في الإطار التنظيمي حيث لم يكن يتسم بأية مركزية أو وحدة إلا إذا قامت الدولة بفرضه كما حدث في مصر. وكان أعضاء الجماعات اليهودية المستعربة مندمجين حضارياً في المحيط الثقافي العربي الإسلامي لكل جماعة. فكان يهود المغرب مغاربةً أو بربراً لهم نفس فلكلور المغاربة أو البربر ونفس المستوى الثقافي والحضاري، فكانوا يزورون أولياء اليهود، بل هناك حالات كثيرة كان فيها المسلمون واليهود يتبركون بوليّ واحد ويقومون بزيارته. وقد طلبت حكومة فيشي الموالية للنازي من الحكومة المغربية تسليم أعضاء الجماعات اليهودية للنازي لإبادتهم كما حدث مع أعداد كبيرة من يهود فرنسا. ولكن العاهل المغربي محمد الخامس تصدَّى لهم، وهو ما أدَّى إلى نجاة الجماعة اليهودية من خطر الإبادة. والشيء نفسه ينطبق على يهود ليبيا والجزائر ومصر وغيرها من البلاد العربية، فكان يهود مصر يزورون مقام سيدي أبو حصيرة الذي كان يزوره معهم المصريون من المسلمين والمسيحيين. وكان يهود متماته في جبال الأطلس بتونس يعيشون في الكهوف مثل المسلمين. ولكن كان هناك بالطبع العناصر اليهودية غير العربية التي كانت مرتبطة أساساً بالتشكيل الحضاري الغربي ثم الاستعماري. وكان السفارد ضمن هذه العناصر. وكذلك، بطبيعة الحال، الإشكناز الذين استوطنوا في العالم العربي مع تَزايُد النفوذ الغربي ومع تَعثُّر التحديث في روسيا ابتداءً من عام 1882. وقد ترك وصول يهود الغرب (الإشكناز والسفارد) آثاراً متنوعة من منطقة إلى أخرى. ففي المغرب، اندمج يهود المدن الساحلية مع السفارد، واصطبغوا بالصبغة السفاردية. أما في المدن الداخلية، فقد احتفظ اليهود بصبغتهم العربية أو البربرية، بحيث كانوا 36.8% من السفارد و30.5% من العرب و6.95% من البربر (في نهاية القرن التاسع عشر) . أما في الجزائر، فقد حدث العكس إذ تم استيعاب السفارد ضمن السكان الأصليين، وأصبح الجميع يهوداً مستعربة. ثم انضم إليهم في القرن السابع عشر الميلادي نخبة سفاردية من ليجورن (وقد سميت «جورينيم» ) قامت بدور الجماعة الوسيطة. وفي تونس، انقسمت الجماعة اليهودية إلى التوانسة وهم اليهود المستعربة، والجرانا أو الغرانا وهم السفارد من غرناطة، والجورينيم من ليجورن أيضاً. ومن الناحية الدينية، ينقسم اليهود إلى: 1 ـ يهود حاخاميين يؤمنون بالتوراة والتلمود، وهؤلاء كانوا هم الأغلبية. ومعظم هؤلاء كان يتبع النهج السفاردي، وكان بعضهم يتبع النهج الإشكنازي، وكان لكل فريق معابده المستقلة. 2 ـ يهود قرّائين، وكانوا يوجدون أساساً في مصر حيث بلغ عددهم عام 1947 نحو 3.486 (مقابل 62.153 يهودي حاخامي) . 3 ـ يهود سامريين. 4 ـ يهود لادينيين وعلمانيين. ويبدو أن التيارات اليهودية الدينية الجديدة (وهي أساساً تيارات إشكنازية) ، مثلها مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة وغيرها، لم تجد طريقها إلى العالم العربي. وكان اليهود يختلفون في درجة تَمسُّكهم بتعاليم دينهم حسب معدلات العلمنة الموجودة في مجتمعهم. فكان مدى تَمسُّك يهود مصر باليهودية يختلف عن مدى تمسك يهود اليمن الذين كانوا معزولين عن العالم ومشهورين بتمسكهم بتعاليم دينهم كما يتضح في طريقة قصهم شعر رأسهم وتركهم السوالف وإطلاقهم اللحى. وقد نشبت صراعات دينية بين أعضاء هذه الفرق، وخصوصاً بين الحاخاميين والقرّائين والسامريين، بحيث كان لكل فرقة دينية معبدها وحاخامها وتنظيماتها. لقد ضمنت دساتير العراق ومصر والمغرب وغيرها من الدول العربية لليهود المساواة في الحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية. وكان لكل جماعة يهودية مدارسها وصحفها، العربية والإنجليزية والفرنسية، ومحاكمها (إلى أن أُلغيت المحاكم الشرعية في بعض الدول العربية) . وكان تنظيم الجماعة اليهودية (الذي كان يترأسه شخص يُقال له الناسي أو الحاخام الأكبر) يشبه منصب بطريرك الأقباط في مصر يساعده مجلس أو لجان معيَّنة أو منتخبة تشرف على كل الشئون الاجتماعية للجماعة التي لا تندرج تحت نفوذ أو سلطان الدولة. وفي معظم الأحيان، كانت كل جماعة يهودية سفاردية أو إشكنازية أو مستعربة ... إلخ تحتفظ باستقلالها عن الجماعات الأخرى، ولكن كان يتم التنسيق بين هذه الجماعات أحياناً بحيث تعترف كلها بسلطة مركزية واحدة كما حدث في مصر. ويُلاحَظ أن ظاهرة الجيتو الغربية ليس لها نظير في العالم العربي إلا في المغرب حيث كان اليهود يعيشون في حي خاص بهم يُسمَّى «الملاح» ، والكلمة مشتقة من كلمة «ملح» ولا يُعرَف السبب هذه التسمية على وجه التحديد، وإن كان يُقال إنه سُمي كذلك لأنه بعد تنفيذ حكم الإعدام في أعداء السلطان كان رأس المعدوم يُفصَل عن جسده ثم يتم تمليحه حتى لا يصاب بالتلف عند عرضه على الجمهور، كما وردت تفسيرات أخرى لا تقل طرافة عن هذا التفسير. أما حارة اليهود، فلم تكن جيتو بأي معنى، وإنما كانت مجرد مكان يتركز فيه أعضاء الجماعة نفسها كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. الجماعات اليهودية في العالم العربي: تحولها إلى عنصر استيطاني The Jewish Communities in the Arab World: Their Trans- formation into a Colonial Settler Element بعد أن نجحت الدول الغربية في القضاء على تجربة محمد علي في النهضة القومية في مصر والعالم العربي، وفي إصلاح الدولة العثمانية ككل، تعاظم النفوذ الغربي في العالم العربي وتراجعت الدولة العثمانية التي أخذت تتنازل للقوى الغربية بالتدريج. وقد أخذ هذا شكل قوانين الامتيازات وحماية الأجانب. وانتهى الأمر إلى القضاء على الدولة العثمانية واقتسام معظم أجزاء العالم العربي بين الدول الغربية، فأصبحت العراق ومصر والسودان وفلسطين وعدن وبعض دول الخليج تابعة للإنجليز، وتونس والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان لفرنسا، وليبيا لإيطاليا، وأجزاء من المغرب لإسبانيا. وقد تَكرَّس هذا الوضع بانتهاء الحرب العالمية الأولى. وحاول الاستعمار الغربي في العالم العربي الإسلامي أن يوسع رقعة نفوذه بين السكان عن طريق فرض الحماية على أعضاء الأقليات وإعطائهم حقوقاً ومزايا لم تكن متاحة لأعضاء الأغلبية بحيث تتحول الأقلية إلى جيب سكاني ترتبط مصالحه وتطلعاته بالقوى الاستعمارية الحامية وتتحول هي إلى جماعة وظيفية وسيطة بين القوة الاستعمارية والسكان المحليين، وكانت هذه العملية تسمى عملية «حماية» الأقليات، وهذا هو النمط الذي يسم علاقة إسرائيل بالعالم الغربي ويسم موقف الحضارة الغربية من اليهود عبر تاريخها. ويبدو أن عملية حماية الأقليات أول شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني عن طريق تحويل أقلية محلية مندمجة إلى عنصر غريب يدين بالولاء لقوة غربية غريبة! ولعبت المؤسسات اليهودية الغربية، وخصوصاً الأليانس ذات الاتجاه الصهيوني، دوراً أساسياً في ذلك. فأسست الأليانس سلسلة من المدارس في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي دخلها أبناء اليهود من الجماعات كافة سواء المحلية أو الوافدة. ولم يتعلَّموا في هذه البلاد لغة بلادهم (العربية) وإنما تعلَّموا الفرنسية أساساً ولغات أوربية أخرى، وهو ما أدَّى إلى صبغ معظم أعضاء الجماعة اليهودية بصبغة غربية فرنسية فاقعة وإلى عزلهم عن بني أوطانهم وتهميشهم من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويُلاحَظ الانجذاب الشديد ليهود البلاد العربية إلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بما في ذلك يهود مصر التي كانت مستعمرة إنجليزية، ويهود ليبيا وكانت مستعمرة إيطالية. ولهذا، اتجه أغلبهم بعد الهجرة من البلاد العربية إلى فرنسا أو إلى القسم الفرنسي في كندا، أو إلى أمريكا الجنوبية ذات الثقافة اللاتينية. ومما عمق هذا الاتجاه نحو التهميش الاقتصادي والثقافي، وجود عناصر يهودية وافدة من الغرب كان يفوق عددها أحياناً عدد اليهود المحليين. فعدد يهود مصر، على سبيل المثال، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان بين ستة آلاف وسبعة آلاف. وفي عام 1897، بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفاً نصفهم من الأجانب الوافدين. وفي عام 1917، بلغ عددهم 60 ألفاً 58% منهم من الأجانب. ومع حلول عام 1947، أي عشية إنشاء الدولة الصهيونية، كانت نسبة المصريين بين أعضاء الجماعة اليهودية لا تتجاوز 20%. وفي دمشق وحلب، كان نصف اليهود «سنيوريس فرانكوس» ، وهي عبارة أسبانية تعني «الأسياد الفرنجة» ، وهو ما كان يعني أنهم وافدون يتمتعون بالامتيازات. وكان العنصر الوافد يشكل، بطبيعة الحال، عامل جذب قوياً للعناصر المحلية إذ كان لدى الوافدين من الكفاءات ما يؤهلهم للتعامل مع القوة الاستعمارية المهيمنة ومع الاقتصاد الحديث الآخذ في التشكل. ولذا، نجد أن العنصر المحلي سرعان ما اكتسب الصبغة الغربية حتى أصبح من الصعب، في كثير من الأحوال، تمييز اليهود المستعربة المحلية عن اليهود الوافدين. ولقد كان يهود العراق استثناء من هذه القاعدة، إذ لم تنضم أعداد كبيرة منهم إلى يهود العالم الغربي واحتفظوا بهويتهم العربية. وكانت هناك شريحة اكتسبت الثقافة الغربية في مدارس الأليانس واعتمدت عليها سلطات الاحتلال البريطانية للخدمة في إدارتها الجديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون كثيراً في سلوكهم هذا عن بعض أعضاء النخبة الحاكمة في البلاد العربية ولا عن بعض أعضاء طبقات المجتمع الهامشية الأخرى الذين يتركون ثقافتهم الوطنية وهويتهم ويكتسبون ثقافة الغازي ويتعلمون لغته. وهم في الواقع يهدفون إلى أن يحققوا حراكاً اجتماعياً، وينتهي بهم الأمر إلى التوحد الكامل مع هذا الغازي ثم الرحيل معه حينما تحين الساعة (كما حدث لبعض أعضاء الطبقات الحاكمة في العالم العربي) . وتجب إضافة أن أعضاء الأقليات أكثر تعرضاً لهذه العملية من أعضاء الأغلبية بسبب هامشيتهم فيما يتعلق بالرموز الأساسية للمجتمع. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن عملية إعتاق يهود العالم العربي وتحديثهم تمت خارج نطاق المجتمع العربي نفسه وبمعدلات مختلفة عن معدلات التحديث فيه، كما أنها تمت من خلال القوى الغازية. ولذلك، فبينما أدَّى الإعتاق والتحديث في الغرب إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم أدَّت العملية السياسية والاجتماعية نفسها إلى نتيجة عكسية تماماً في المجتمع العربي. وقرر كثير من المواطنين اليهود الاستفادة من قوانين الامتيازات، فتجنسوا بإحدى الجنسيات الأوربية حيث كانت بعض الدول الغربية تشجع هذا الاتجاه لخلق رأس جسر لها. وفي الجزائر بالذات، أعطيت الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر في محاولة لزيادة الكثافة البشرية الفرنسية داخل الجزائر، وكان هذا جزءاً من المخطط الاستعماري الاستيطاني. ومع اندلاع الثورة الجزائرية، كانت أغلبية يهود الجزائر العظمى مواطنين فرنسيين. وقد كان العدد أقل في تونس والمغرب نظراً لأن الحكومة الفرنسية لم تشجع هذا الاتجاه هناك. وبعد احتلال بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، سعى أعضاء الجماعة اليهودية في العراق للحصول على الجنسية البريطانية، فقدموا طلبات بهذا المعنى إلى المندوب السامي البريطاني عام 1921 ولكن بريطانيا لم تستجب لطلبهم. ومن العناصر الأخرى التي ساهمت في تعميق الاتجاه نحو التغريب، تركيب أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفي والاقتصادي، وخصوصاً بين الوافدين. فقد تركزوا في مهن تجارية معينة (تجارة دولية) ومالية (الربا والسمسرة وأعمال البورصة) وحرفية (صناعة الخمور) ، وهي مهن حولتهم إلى جماعات وظيفية وسيطة مرتبطة أساساً بالقطاع الاقتصادي الغربي وبالقوة المهيمنة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن معظم قرّارات التعريب أو التأميم كانت دائماً تضر بمصالح أعضاء الجماعة اليهودية والجماعات شبه الأوربية الأخرى، مثل اليونانيين والإيطاليين والمالطيين، من الوافدين أو الذين تم تهميشهم ثقافياً واقتصادياً. لكل هذا، نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهودية ارتبط بمصير الاستعمار في المنطقة، فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهم البنيوية مع تَزايُد الهيمنة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي. وأثناء فترة النضال ضد الفرنسيين في الجزائر، أيَّد 90% من يهود الجزائر بقاء الجزائر فرنسية، ووقفوا إلى جانب منظمة الجيش السري، وأخيراً رحلوا مع المستوطنين الفرنسين، رغم أن هؤلاء المستوطنين كانوا معروفين بكرههم العميق لليهود وعدائهم لهم، كما أنهم عارضوا منحهم الجنسية الفرنسية في بادئ الأمر. أما في تونس والمغرب، فتقول بعض المراجع الصهيونية إن أعضاء الجماعات اليهودية قد وقفوا موقف الحياد من حركة التحرر الوطني، وهي عبارة غير مفهومة وتفترض هامشية اليهود وعدم انتمائهم. وقد ازدادت عملية التهميش هذه مع تَزايُد نشاط الحركة الصهيونية التي حاولت أن تعرِّف اليهود لا باعتبارهم عرباً أو حتى غربيين وإنما باعتبارهم يهوداً يدينون بالولاء للشعب اليهودي ثم للدولة الصهيونية. وفي العشرينيات، قامت الوكالة اليهودية بتكوين شبكة جاسوسية في العالم العربي استخدمت المؤسسات والمنظمات اليهودية الشرعية (مثل نوادي المكابي) واجهات تخفي نشاطها المعادي وغير الشرعي. وفي الثلاثينيات، أسست الوكالة اليهودية جهاز مخابرات يتبعه قسم عربي يترأسه موشيه شاريت. وقد قام الموساد عام 1937 بتأسيس مركز لتدريب بعض اليهود العرب على أعمال الجاسوسية ضد بلادهم أطلقت عليه اسم «الأولاد العرب» . وبعد قيام الدولة، تم تجنيد بعض العناصر العربية اليهودية للقيام بأعمال تخريبية تخدم مصالحها، كما حدث في حادثة لافون حينما جنَّد بعض اليهود المصريين للإساءة إلى العلاقات بين حكومة مصر الثورية الجديدة عام 1952 وحكومات الدول الغربية. ولقد أدَّى تأسيس الدولة الصهيونية التي تدَّعي أنها دولة يهودية تُمثِّل كل يهود العالم، ومنهم يهود العالم العربي، إلى الوصول بعملية التهميش إلى ذروتها. ومع هذا، ظلت أغلبية يهود العراق بمنأى عن عملية التهميش آنفة الذكر لبعض الوقت، ولذلك فقد تمتعوا بقدر كبير من الاستقرّار والرخاء الاقتصادي واستفادوا من الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ولم يتعرض اليهود إلا لبعض الأحداث المتفرقة التي جاءت كرد فعل إما للتطورات الجارية في فلسطين أو لتصاعد المشاعر المعادية لبريطانيا. وقد كانت أخطر هذه الأحداث الاضطرابات التي جرت عام 1941، والتي جاءت في أعقاب هزيمة قوات رشيد عالي الكيلاني أمام القوات البريطانية وسقوط نظامه. وقد راح ضحية هذه الاضطرابات التي عُرفت باسم «فرهود» ما بين 170 و180 يهودياً (وعدد أكبر من غير اليهود) . وبعد هذه الأحداث، عادت الأمور إلى نصابها. ولذلك، فقد وجدت الحركة الصهيونية صعوبة بالغة في تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، واضطرت في نهاية الأمر إلى اللجوء للإرهاب ضدهم حين دفعت بعملائها ليضعوا متفجرات في المعابد اليهودية وفي أماكن تَجمُّع أعضاء الجماعة حتى يبدو الأمر وكأن المجتمع بدأ يتحرك ضد اليهود. ولكن هذا لا يعني أن كل أعضاء الجماعات اليهودية كانوا ممالئىن للاستعمار الغربي وتحولوا إلى وسطاء له، كما كان يهدف المخطَّط الاستعماري. ذلك أن أعداداً كبيرة من يهود سوريا انضمت إلى حركة التحرر الوطني ودعمت المطالب القومية. ومن المعروف أن يعقوب صنوع (أبو نظارة) ، وهو كاتب مصري يهودي، هاجم الاستعمار الإنجليزي ونُفي بسبب ذلك. كما أن المصري اليهودي ليون كاسترو كان، وهو رئيس تحرير جريدة يومية فرنسية، من كبار مؤيدي حزب الوفد المصري، ورافق سعد زغلول أثناء مفاوضاته في لندن (لكنه أسس بعد ذلك تنظيماً صهيونياً في مصر، ولعل تأييده للوفد كان يهدف إلى تعميق التيار الوطني المصري لعزل مصر عن العالم العربي وبالتالي فلسطين) . ويوجد، غير هؤلاء، كثيرون من أثرياء اليهود الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ مما يُطلق عليه مُصطلَح «الرأسمالية الوطنية» والذين ارتبطت مصالحهم ورؤيتهم وتطلعاتهم بالوطن الذي يعيشون فيه. ففي مصر مثلاً، ساهمت عائلتا قطاوي وشيكوريل في تأسيس بنك مصر عام 1920، وهو مشروع كان يهدف إلى تقليص اعتماد مصر على رأس المال الأجنبي وإلى إرساء حجر أساس لصناعة وطنية مستقلة. ومن المعروف كذلك أن يهود العالم العربي لعبوا دوراً ملحوظاً في تأسيس الحركات الشيوعية في العالم العربي. وقد كانت هذه الحركات نشاطات، أياً كان تقييم المرء لها، معادية للاستعمار. فقام هنري كورييل بتأسيس الحركة الشيوعية المصرية (وثمة دراسات تشير إلى دور كورييل المشبوه) . وقد كان هناك وجود يهودي ملحوظ في الحركة الشيوعية في العراق (الصحفي اليهودي نعيم قطان ومراد العماري وغيرهما ممن تبنوا موقفاً معادياً للصهيونية وأسسوا منظمة باسم «عصبة مكافحة الصهيونية» ) . والواقع أنَّ وجود اليهود في هذه النشاطات بأعداد تفوق نسبتهم العددية أمر ليس مقصوراً عليهم، ففي الكثير من الأحيان يوجد أعضاء الأقليات بنسب كبيرة في الحركات الثورية والفوضوية. وعلى كلٍّ، فحينما قررت الحركة الشيوعية العراقية أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في محيطها العربي، طلبت إلى أعضاء القيادة من اليهود الاستقالة، وقد فعلوا ذلك مؤثرين مصلحة الحزب على مصلحتهم الشخصية. ولكن الصورة العامة للجماعات اليهودية في العالم العربي هي أنَّ الاستعمار الغربي قد نجح في عزلها ثقافياً عن الثقافة العربية الإسلامية وربطها بمصالحه الاقتصادية ورؤيته الثقافية ومن ثم تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عالية للهجرة. وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ اختفى يهود البلاد العربية تقريباً. عائلة قورقوس The Corcos Family عائلة يهودية يعود أصلها إلى بلدة قرقوس في كاستيل (قشطالة) بإسبانيا. استقر أغلب أعضائها بعد عام 1492 في إيطاليا ومدينة فاس المغربية. ومن أهم أعضائها: إبراهيم قورقوس (حوالي عام 1275) وهو عالم عاش في كاستيل، أما يهودا بن إبراهيم قورقوس (تُوفي بعد عام 1493) فكان مالياً ثرياً استقر في البرتغال عام 1492. وبعد طرد كثير من يهود إسبانيا إلى المغرب، كان أعضاء عائلة قورقوس من بين المطرودين. ودافع جوشوا (توفي بعد 1552) عن حقوق منفى قشطالة بالنسبة لمسألة تقاليد الذبح الشرعي، كما شارك في وضع القواعد التكميلية (تاكانوت) الخاصة بتنظيم حياتهم الاجتماعية والدينية في المغرب. أما موسى بن إبراهيم قورقوس (توفي حوالي 1575) وهو من فاس، فقد عُرف بالتقوى وبالمعرفة الواسعة واختير قاضياً شرعياً في تونس وتحولت مقبرته بعد وفاته إلى مزار للحجاج. كما كان يوسف قورقوس (توفي حوالي عام 1710) حاخاماً له وزن واحترام، وكان له كثير من التلاميذ. أما يوسف بن جوشوا قورقوس (تُوفي بعد عام 1800) ، فعاش لفترة في جبل طارق وألَّف بعض الأعمال الدينية. كما ترك عالم التلمود إبراهيم بن موسى قورقوس (توفي حوالي 1778) عدداً من المؤلفات والفتاوى الدينية. وكان يوسف قورقوس (تُوفي بعد 1575) عالم تلمود وُلد في إسبانيا وسافر إلى مصر حيث ترأس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) ثم استقر في فلسطين. وكانت له بعض المؤلفات والتعليقات أو الشروح الدينية. أما شقيقه إسحق قورقوس (تُوفي قبل عام 1540) ، فكان حاخاماً في مصر ثم عُيّن قاضياً شرعياً في القدس. أما ميمون بن إسحق قورقوس (تُوفي عام 1799) ، فكان تاجراً ذا نفوذ وأحد دعائم السياسة البريطانية في المغرب. أما سولومون بن أبراهام قورقوس (تُوفي عام 1854) ، فقد كان مصرفياً ومستشاراً للسلطان كما اختارته بريطانيا وكيلاً قنصلياً لها عام 1822. أما ولداه، يعقوب (تُوفي عام 1878) وإبراهيم (توفي عام 1883) ، فكانا مقربين للسلطان وقاما بأعمال مهمة له. وقد عُيِّن إبراهيم عام 1862 قنصلاً للولايات المتحدة في إحدى مدن المغرب حيث نجح بفضل علاقته بالسلطان في تسهيل مهمة موسى مونتفيوري أثناء زيارته للمغرب. واختير أيضاً مائير إبراهيم قورقوس (تُوفي 1929) ، قنصلاً للولايات المتحدة عام 1884. أما جوشوا بن حاييم قورقوس (تُوفي 1929) ، فكان مستشاراً ومصرفياً للسلاطين ولعب دوراً أساسياً هاماً في الفترة ما بين عامي 1885 و1912. أما فرديناند قورقوس (1857 ـ 1956) ، فكان صهيونياً نشيطاً وصدر له بين عامي 1923 و1925 مؤلفات عن الصهيونية. أما ستيلا قورقوس (1857 ـ 1948) ، فوُلدت في نيويورك وتزوجت موسى قورقوس (تُوفي عام 1903) ، ثم استقرت في المغرب حيث أسست مدرسة يهودية حرة وعارضت نشاط البعثات التبشيرية البروتستانتية بين فقرّاء يهود المغرب، وأصبحت ستيلا ممثلة للرابطة الإنجليزية اليهودية. أما مونتفيوري قورقوس (تُوفي عام 1958) ، فكان طياراً في القوات الجوية الملكية البريطانية وخدم خلال الحربين العالميتين. وتاريخ عائلة قورقوس وانتقالهم من النشاط الديني إلى النشاط التجاري، ومن الانتماء للحضارة العربية إلى الانتماء التدريجي للحضارة الغربية، وكذلك تحوُّل كثير من أعضائها إلى قناصل للبلاد الغربية، يعكس تاريخ يهود البلاد العربية وتحولهم بالتدريج إلى جماعة وظيفية تابعة للاستعمار الغربي. عائلة قدوري The Kadoori Family عائلة تجارية ومالية يهودية من أصل عراقي استوطنت في الشرق الأقصى حيث حققت ثروة طائلة من خلال العمل في مجال الأعمال المصرفية والنقل والبناء والتشييد، وساهمت في تطوير شانغهاي وهونج كونج. ومؤسس العائلة هو صالح قدوري الذي كان من أغنياء بغداد. وقد وُلد ابنه سير إليس قدوري (1865 - 1922) في بغداد حيث تلقى تعليمه في مدرسة الأليانس إسرائيليت يونيفرسل. وفي عام 1880، انتقل إلى بومباي بالهند حيث عمل إدارياً في مكاتب عائلة ساسون، ثم بدأ في تأسيس وتطوير تجارته وأعماله الخاصة في هونج كونج والصين وحقق ثروة كبيرة. ومُنح إليس لقب «سير» عام 1917 تقديراً للخدمات التي قدمها للمستعمر البريطاني في الشرق الأقصى. وكانت له مساهمات مالية مهمة لعديد من المؤسسات اليهودية وغير اليهودية، فدعم الأليانس إسرائيليت يونيفرسل والرابطة الإنجليزية اليهودية، وأسس مدرستين زراعيتين لليهود والعرب في بغداد كما ساهم في تأسيس مدارس أخرى في كلٍّ من بغداد وبومباي. وبعد وفاته، أوصى إليس بتخصيص جزء من ثروته لبناء مدارس تحمل اسمه في فلسطين والعراق، فتأسست على ضوء ذلك كلية قدوري الزراعية في فلسطين عام 1931. أما شقيقه سير إللي (إليعازر سيلاس) قدوري (1867 ـ 1944) ، فقد وُلد في بغداد وانتقل مع شقيقه إلى الشرق الأقصى وأسس مؤسسة آي. اس قدوري وشركاه في هونج كونج وشنغهاي، كما كان شريكاً في مؤسسة آي. اس. قدوري وأبنائه. وقد مُنح لقب سير عام 1926. واشترك سير إللي مع شقيقه في دعم وتأسيس العديد من المؤسسات التربوية والمستشفيات في الشرق الأقصى والعراق. ولكنه أعطى اهتماماً خاصاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وبخاصة منذ عام 1900، فترأس صندوق مؤسسة فلسطين في شنغهاي، وساهم في تأسيس عدد من المدارس الزراعية في فلسطين، كما ساهم بمبلغ كبير لبناء الجامعة العبرية في القدس. وتولى ولداه من بعده؛ لورانس (1899 ـ؟) ، وهوراس (1902 ـ؟) ، إدارة أعمال الأسرة في هونج كونج ودعم الجماعة اليهودية الصغيرة بها. ومثل غيرها من العائلات اليهودية الثرية في الشرق الأقصى والهند وبعض دول الشرق الأوسط، كانت عائلة قدوري تقوم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي ارتبطت مصالحها بوجودها في هذه المناطق، وارتبط ذلك بمصالح الاستعمار المترجمة في شكل أنشطة مالية وتجارية وعقارية ونقل وغير ذلك من نشاطات في إطار المشروع الرأسمالي الإمبريالي الغربي الذي كان يسعى إلى استنزاف موارد هذه البلاد وشعوبها والذي وجد في كثير من الأقليات الدينية والإثنية ومن بينها الجماعات اليهودية خير معين لتحقيق أغراضه. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسام الطبقي والتمايز الوظيفي The Jewish Communities in The Arab World: Class Divisions and Professional Differentiation لم تكن الجماعات اليهودية داخل كل بلد عربي تتسم بالتماسك والوحدة، فقد كانت خاضعة للصراعات الطبقية والثقافية التي تسم أي مجتمع إنساني، إذ كان منهم الأغنياء والفقرّاء، ومنهم من استفاد اقتصادياً بدخول الاستعمار وظهور القطاع الاقتصادي الغربي الجديد، ومنهم من سقط ضحيته، ومنهم من استوعب الثقافة الغربية الدخيلة واندمج فيها، ومنهم من أخفق في ذلك وإن كان الفريق الأول أكبر بكثير من الثاني. ويمكن أن نضرب مثلاً بمصر حيث كانت الجماعة اليهودية فيها تشمل ثلاث طبقات. في أعلى السلم الطبقي نجد عدداً من العائلات الأرستقرّاطية الغنية المعروفة بثرائها ومركزها ومكانتها وعلاقتها القوية مع النخبة الحاكمة، ومن بينهم قطاوي باشا وموصيري ورولو وسوارس وهراري ووهبة ومنَسَّى ودي بيتشيوتو وشيكوريل وصيدناوي وعدس وغيرهم من أصحاب البنوك والأعمال التجارية وكبار ملاك الأراضي والبارزين في الحياة العامة. وكان هؤلاء يشكِّلون ما بين 5 و10% من تعداد الجماعة اليهودية في مصر. وتلي هذه الطبقة التي شملت كبار الأثرياء والمموِّلين طبقة متوسطة على رأسها رجال التصدير والاستيراد وأصحاب المحال التجارية والمهن الحرة في الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية وبورسعيد. وينتمي إلى هذه الشريحة أيضاً عدد ضخم من الموظفين اليهود في مكاتب بعض المؤسسات التي كانت تضم نسبة مرتفعة من اليهود. وكانت هذه الشريحة تتنافس مع طبقة كبار الأثرياء، ولكن أعضاء كل من هاتين الطبقتين كانوا متفرنسين تماماً، لغةً وثقافة. وعلى أية حال، كانت أعداد كبيرة منهم من أصل أجنبي إسباني أو إيطالي أو غير ذلك. وكانوا يقطنون الأحياء الثرية، كما كانوا أحياناً يحتلون قطاعاً خاصاً بهم في أحد الأحياء، كما كان حال حي السكاكيني. ثم يأتي أخيراً فقرّاء اليهود، وكانوا من الباعة المتجولين وصغار الحرفيين ومعظمهم من اليهود المستعربة. ويسكن معظم هؤلاء الفقرّاء في القاهرة؛ في حارة اليهود في الموسكي أو في حي الظاهر، وكانوا يشكِّلون حوالي 25% من تعداد الجماعة. وقد حققت بعض عائلات اليهود المستعربة قدراً من الثراء والبروز (مثل عائلة باروخ مسعودة، وعائلتي شماس وعبد الواحد، وكانت من الصياغ) . ولم يكن اليهود المتفرنسون يتزاوجون مع اليهود المستعربين، فلكل عالمه الخاص. ومع هذا، كان أبناء اليهود المستعربين يذهبون إلى مدارس الأليانس ويحصلون على الثقافة الأوربية اللازمة لدخول القطاع الاقتصادي الغربي. ويمكن أن نضيف هنا أنه رغم وجود فقرّاء بين أعضاء الجماعة اليهودية، فلو تمت مقارنة متوسط دخل أعضاء الجماعة اليهودية بمتوسط الدخل في مصر لتبيَّن أن متوسط دخل المصري اليهودي كان أعلى من متوسط دخل غيره من المصريين، ولاتضح أن اليهود لم يعرفوا الفقر المدقع إلا بأعداد صغيرة للغاية. وهذا التقسيم الثلاثي كان نمطاً سائداً في المغرب والعراق أيضاً. أما فيما يتصل بالوضع الوظيفي أو المهني أو الاقتصادي، فإن الصورة كانت مركبة. في المغرب واليمن وفي المناطق ذات الكثافة الكردية من العراق، عمل اليهود رعاةً ومزارعين. ولكن، بشكل عام، يُلاحَظ عدم وجود أعضاء الجماعات اليهودية كعمال أو فلاحين، أي أنهم كانوا بعيدين عن قاعدة الهرم الإنتاجي. وكان منهم الحرفيون الذين عملوا ببعض الحرف اليدوية مثل الصاغة والصباغة والصناعات اليدوية للزجاج، كما اشتغلوا بصناعة الخمور. وكانت هناك أعداد كبيرة منهم، في مهن الطبقة الوسطى، يعملون بالطب والصيدلة والصحافة، وكان منهم أساتذة الجامعات. وقد عملوا موظفين في الحكومة، ووصل أفراد منهم في العراق ومصر والمغرب إلى مناصب الوزراء، وانتُخبوا وعُيِّنوا أعضاء في البرلمان مثل يوسف قطاوي عضو البرلمان ووزير المالية، وأصلان قطاوي عضو مجلس الشيوخ، وساسون هيسكيل عضو البرلمان ووزير المالية في العراق، ومناحم دانييل عضو مجلس الشيوخ في العراق أيضاً. ولكن، ورغم عدم التمايز الواضح بينهم وبين أعضاء المجتمع ككل، نجد أن المجتمع، بحكم تركيبه، يضع قيوداً على أعضاء الأقليات مقارنةً بأعضاء الأغلبية، كما أنه يتيح أمامهم فرصاً ليست متاحة لأعضاء الأغلبية. ومن هنا تركُّز اليهود بنسبة تفوق نسبة عددهم إلى عدد السكان في الأعمال التجارية والمالية، فكان منهم صغار التجار والباعة الجائلون والمرابون. كما كان منهم أيضاً كبار التجار وتجار الجملة وأصحاب شركات العقارات والمشتغلون بالتجارة الدولية (التصدير والاستيراد) ووكلاء الشركات التجارية الأجنبية وشركات التأمين وقطاع الخدمات. كما أن سوق الأوراق المالية كانت تضم عدداً كبيراً من السماسرة اليهود. وتَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في صناعات قريبة من المستهلك (الصناعات الزراعية والقطاع المصرفي) أي أنهم لم يكونوا جزءاً من القطاع الأول في الاقتصاد (الصناعات الثقيلة والزراعة) فيما يُسمَّى «قاعدة الهرم الإنتاجي» . وهذا يعني أنهم كانوا جماعة وظيفية. ولعبت مدارس الأليانس دوراً أساسياً في تزويد أعضاء الجماعة اليهودية بالكفاءات اللازمة للتعامل مع الشركات الأجنبية والاقتصاد الاستعماري الجديد وفي صبغهم بالصبغة الغربية (الفرنسية) ، أي أنها عمقت هويتهم كجماعة وظيفية. وإذا نظرنا إلى مصر لوجدنا أن عدة عائلات يهودية مصرية كانت تساهم في إدارة وتوجيه 103 من الشركات من مجموع 308 في عام 1942، فكانوا يسيطرون على جانب كبير من رؤوس أموالها. كما أنهم احتكروا تجارة القطن وتجارة الصادرات والواردات، وأنشأوا العديد من البنوك (مثل البنك العقاري المصري، والبنك الأهلي المصري) ، والشركات الائتمانية (مثل شركة الشرق للتأمين، وشركة التأمين الأهلية المصرية) ، وشركات الأراضي الزراعية (مثل شركة البحيرة المساهمة، وشركة وادي كوم أمبو، وشركة سموحة) . كما أداروا عدة شركات لتقسيم الأراضي وبيعها وشراء المباني واستغلالها (مثل الشركة العقارية المالية بالقاهرة، والشركة المساهمة المصرية المالية والعقارية) . وساهموا في ميدان النقل البري والبحري وشركات السكك الحديدية (مثل شركة حلوان، وشركة الدلتا، وشركة قنا ـ أسوان للسكك الحديدية، وشركة الأمنيبوس العمومية المصرية، وشركة ترام الإسكندرية، وشركة بواخر البوستة الخديوية) . وساهموا أيضاً في الصناعات الزراعية وصناعة الزيوت والسكر، وأسسوا الشركات في هذا المجال (مثل: شركة المطاحن، وشركة الملح والصودا) . كما أسسوا المحلات التجارية الكبرى (مثل محلات شيكوريل وبنزايون وشملا وعمر أفندي وهانو) ، كما نشطوا في مجال تجارة الذهب والسجائر وفي أعمال الفنادق والمنسوجات وإقرّاض المال. وكانت لهم نشاطات اقتصادية فردية أخرى، ففي ميدان المضاربات المالية كان 98% من العاملين في البورصة في القاهرة والإسكندرية يهوداً. وكان التركيب الوظيفي لليهود في مصر (عام 1947) على النحو التالي: 59% تجار، 18% في الصناعات، 11% خدمات عامة. ولكن، حيث إن معظم هؤلاء كانوا من الأجانب وبينهم 20% فقط من المصريين، فإن قانون الشركات الصادر عام 1947، والذي نص على ضرورة أن يكون 75% من الموظفين و90% من العمال اليدويين في جميع المؤسسات في مصر سواء كانت وطنية أم أجنبية من حاملي الجنسية المصرية، تَسبَّب في خروج أعداد كبيرة منهم، وهو الاتجاه الذي تَزايُد بعد ثورة 1952. كما تَسبَّب في ذلك، العدوان الثلاثي عام 1956 وموجتا التمصير ثم التأميم. أما في العراق، فقد ساهم اليهود في النشاط الاقتصادي التجاري المحلي والدولي وفي النشاط المالي سواء على مستوى صغير ربوي أو على مستوى حديث مصرفي. حيث كانت ثمة بنوك مثل بنك زلخا وبنك كريديه. وقد ظهرت، مع بداية القرن التاسع عشر، بعض الشخصيات المالية والتجارية المهمة في بغداد (مثل الشيخ ساسون بن صالح عميد عائلة ساسون التي استوطنت الهند فيما بعد، وإسحق المصرفي، ومناحم عيني) ، كما ازدهرت الأوضاع الاقتصادية لأعضاء الجماعة اليهودية بعد افتتاح قناة السويس حيث أصبح خط التجارة الواصل بين إنجلترا والهند يمر عبر البصرة. وكان من أهم الشخصيات المالية في البصرة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر خوجا يعقوب، وأدون عبد الله. وسيطر اليهود تقريباً على تجارة الصادرات والواردات وعلى نسبة عالية من تجارة التجزئة، كما احتكروا تجارة أهم البضائع في أسواق العراق (مثل صناعة الأبسطة والحصر والأثاث والأحذية والأخشاب والأدوية والأسلحة والأقمشة والتبغ والأرز والحلويات) . كما كانوا من كبار تجار الأحجار الكريمة والمجوهرات ومن كبار الصاغة. وكان أصحاب أكبر الشركات في بغداد (شركة خضوري وعزرا ميدلاوي) الوكلاء الوحيدين لاستيراد دهون وشحوم شركة موبل أويل الأمريكية للبترول بفروعها في البصرة والموصل وكركوك. وكان يهود البصرة يحتكرون 95% من الأعمال التجارية في البلاد عام 1914. ورغم تَراجُع النسبة قليلاً، ظلت 85 ـ 90% عام 1933، و65 - 75% في عام 1946. وكان 95% من واردات العراق قبل الحرب العالمية الثانية (ولكن 10% فقط من صادراتها) في يد اليهود. وكان أغلبها، وهو ما كان يُسمَّى «بضائع مانشستر» ، وكان يتم استيرادها من مانشستر بإنجلترا. وحقق أعضاء الجماعة اليهودية ثروات كبيرة من خلال إعادة تصدير هذه البضائع إلى إيران. وقد استفاد يهود العراق بشبكة علاقاتهم التجارية والمالية في الخارج، وخصوصاً مع اليهود العراقيين الذين استوطنوا في الهند والشرق الأقصى وإنجلترا (مثل عائلة ساسون وعائلة عزرا) . أما بعد عام 1948، فقد انخفضت النسبة إلى 20% من واردات العراق و2% من صادراتها. ويُلاحَظ الشيء نفسه تقريباً في المغرب وتونس، إذ تَركَّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. وفي إحصاء عام 1947، يتبين أن 46.5% منهم يعملون بالتجارة و36.1% يمارسون المهن الصناعية المتنوعة و7.6% في المهن الحرة و4.1% يعملون بالزراعة. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مصر القديمة يرجع تاريخ مصر إلى ما قبل المسيح - عليه السلام - بأربعة آلاف وخمسمائة سنة تقريبًا.
وفى نحو عام (3110 ق. م) وحَّد الملك مينا مملكة مصر العليا ومملكة مصر السفلى. ولا يعرف غير القليل عن عهد الأسرتين الأولى والثانية (نحو 3110 - نحو 2665 ق. م). وفى عهد المملكة القديمة (الأسرات 3 - 6) (نحو 2614 - 2181 ق. م) بنيت أهرامات الجيزة، وكانت العاصمة مدينة ممفيس. وفى تلك الفترة كانت سلطة الفرعون فى أوجها، لكنها ما لبثت أن ضعفت بعد أن تعاظم نفوذ أمراء الإقطاع، ونشب الصراع فيما بينهم (الأسرات 7 - 10) (نحو 2181 - نحو 2052 ق. م)، ثم ظهرت المملكة الوسيطة (الأسرتان 11و12) (نحو 2052 - نحو 1786 ق. م)، وكانت عاصمتها طيبة، وتعد هذه الفترة العهد الكلاسيكى للفن المصرى، وفى عهد هذه المملكة - أيضًا - ازدهرت الحياة الاقتصادية، وبدأ التوسع المصرى خارج الحدود. وفى عهد الأسرات (13 - 17) (نحو 1786 - نحو 1570 ق. م) سيطر الهكسوس على مصر، ثم قامت المملكة الحديثة (الأسرات 18 - 20) (نحو 1570 - نحو 1075 ق. م) فطُرد الهكسوس من مصر، وبرزت حكومة مصرية قوية ذات إدارة بيروقراطية واسعة، وأنشأ المصريون إمبراطورية ضخمة، امتدت من بلاد النوبة إلى الفرات، لكن الغزو الحيثى سرعان ما قوض دعائمها، ثم ظهرت المملكة الحديثة المتأخرة (الأسرات 21 - 25) (نحو 1075 - 657 ق. م)، وفى أواخر عهدها احتل الآشوريون مصر (670 - 654 ق. م)، ثم ظهرت الأسرة السادسة والعشرون (664 - 525 ق. م)، وبعد سقوطها احتل الفرس مصر (525 - 332 ق. م)، ثم طردهم الإسكندر منها عام (332 ق. م). وبعد وفاة الإسكندر عام (323 ق. م) حكم البطالمة مصر (323 - 40 ق. م)، وبعد وفاة كليوباترا عام (30 ق. م) أصبحت مصر جزءًا من الإمبراطورية الرومانية. وتعد الحضارة المصرية القديمة إحدى الحضارات العريقة فى التاريخ. |
معجم القواعد العربية
|
يعني الكلمات) التي لا يَليها بَعْدَها إلاّ الفِعْلُ ولا تَعْمَل فيه:
فمِنْ تلكَ الحُرُوفِ: "قَدْ" يُفصَلُ بينهما وبينَ الفِعلِ بغيره، ومن تلكَ الحُرُوفِ أيضاً: سَوْفَ لأَنَّهَا بمنزلِةِ السِّين. وإنَّما تَدْخُل هذه السِّينُ على الأَفْعال، وإنَّما هي إثْبَاتٌ لِقَولِه: لَنْ يَفْعل، فأشْبَهَتْهَا في أنْ لا يُفْصلَ بينها وبين الفعل. ومِنْ تِلكَ الحُرُوف: رُبَّما، وقَلَّمَا، وأشباهُهُما كطالما. جَعَلُوا رُبَّ مع مَا بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وهَيَّأُها لِيُذْكرَ بعْدَهَا الفِعْلُ، لأنَّهم لم يكنْ لهم سَبيلٌ إلى "رُبَّ يَقُول" ولا إلى "قَلّ وطَالَ" فأَلْحَقُوهما "ما" وأَخْلَصُوهَما للفِعْل. ومِثلُ ما لا يَدخُل إلاّ إلى الفعلِ ولا يَعملُ فيه: هَلاَّ، وَلَوْلا، وأَلاَّ، ألْزَمُوهُنّ، لا، وجَعَلُوا كلَّ واحدةٍ معَ "لا" بمنزلة حَرْفٍ واحِدٍ، وأخْلَصُوهُنَّ للفِعْل، حَيثُ دَخَل فيهنَّ مَعْنَى التَّحْضِيض، وقد يَجوزُ في الشعرِ تَقْدِيمُ الاسم، قال وهو المَرار الفقعسي: صَدَدْتِ فأطْوَلْتِ الصُّدودَ وقَلَّما ... وِصَالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُوم |
|
في الفرنسية/ Ancien
في الانكليزية/ Ancient القديم في اللغة ما مضى على وجوده زمان طويل، ويطلق في الفلسفة العربية على الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، ويرادفه الأول ( Premier) قال ابن سينا: يقال قديم للشيء اما بحسب ذاته، وأما بحسب الزمان، فالقديم بحسب الذات هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة، والقديم بحسب الزمان هو الذي لا أول لزمانه (النجاة 355). وقال ايضا: القدم يقال على وجوه، فيقال قديم بالقياس، وهو شيء زمانه في الماضي أكثر من زمان شيء آخر. وأما القديم المطلق، فهو ايضا يقال على وجهين: بحسب الذات وبحسب الزمان. أما الذي بحسب الزمان، فهو الشيء الذي وجد في زمان ماض غير متناه، وأما القديم بحسب الذات، فهو الشيء الذي ليس لوجود ذاته مبدأ به وجب، فالقديم بحسب الزمان هو الذي ليس له مبدأ زماني، والقديم بحسب الذات هو الذي ليس له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق (رسالة الحدود، 102) والقديم بحسب الزمان الماضي هو المسمّى بالأزلي، فالأزل دوام الوجود في الماضي ( ante Parte A) وهو مقابل للابد، والابدي هو الشيء الذي لا نهاية لوجوده في المستقبل ( Poste Parte a). فإذا قال الفلاسفة ان العالم قديم، ارادوا بذلك ان وجود اللّه متقدم على وجود العالم والزمان تقدما ذاتيا، لا تقدما زمانيا. والقديم عندهم مقابل للحادث، وهو ما لوجوده مبدأ زماني (راجع: التقدم). |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
دعوة نابليون الأول ليهود العالم من أجل القتال معه لإعادة مملكة القدس القديمة.
1214 ربيع الأول - 1799 م رأى القائد الفرنسي نابليون بونابرت أن السيطرة على فلسطين ضرورة حيوية لحماية وتأمين مصالح الإمبراطورية الفرنسية، فهي من جهة تأخذ لفرنسا نصيبها من تركة الخلافة العثمانية التي كانت تحتضر آنذاك، ومن جهة أخرى تمكنه من الفوز في السباق مع منافسته بريطانيا، كما تحقق له حلمه الكبير في السيطرة على مصر التي كان يعتبرها أهم بلد في العالم. وكان نابليون أول زعيم أوروبي يعرض على اليهود إقامة وطن لهم في فلسطين إذا ما ساعدوه في حملته على مصر وفلسطين، بحيث تقام لهم دولة يهودية تكون تابعة للنفوذ الفرنسي. ولقد وَجّه نابليون إلى اليهود ليُوظفهم في مشروعه الاستعماري رسالة يستحثهم فيها على الانضمام إليه، ويعدهم فيها ويمنيهم .. وقد اتضح أن هذا البيان الذي ادّعي أنه صادر عن " قيادة نابليون في القدس " لم يكن أكثر من زهو حربي، لأن نابليون لم يقترب بفرقته قط من المدينة، بل تقهقرت من فلسطين إلى مصر بحراً بعد هزيمته في عكا، ولم يكن هناك أي أمل في أن يفي بوعده الذي قطعه في بيانه. لكن هذا لا يعني أن البيان كان التفاتة خالية من المعنى، فهو يعد بمثابة اعتراف دولي بوجود قومي لليهود، واعتقاد ببعث أمة يهودية في فلسطين، فملايين اليهود المشتتين في أوروبا يجب أن يُجمّعوا في نهاية المطاف في دولة يهودية في فلسطين تخدم المصالح الاستعمارية الفرنسية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
382 - يعيش بن عليّ بن يَعيش بن مسعود بن القَديم الأَنصاري الشَّلْبيُّ الأَنْدَلسِيّ، أبو البقاء وأبو مُحَمَّد وأبو الحَسَن. [المتوفى: 626 هـ]
روى عن أبي القاسم القِنْطريّ، وأبي الحَسَن عَقِيل، وموسى بن قاسم، وأبي عبد الله بن زرقون، وجماعة. وأجاز لَهُ أَبُو القاسم بْن بَشْكُوالَ، وَأَبُو الحَسَن الزُّهْريّ. وفي مشايخه كثرة. وقد سَمِعَ بفاس من أبي عبد الله بن الرّمّامة، وعلي بن الحسين اللّواتيّ، وأبي عبد الله بن خليل الإِشْبِيليّ. وكان من أهل المعرفة بالقراءات، والإِكثار من الحديث مع الضَّبْطِ والعدالة. وأَلّفَ " فضائل مالك "، وكتابًا في القراءات. حدَّث عنه أبو الحَسَن ابن القَطّان، وأبو العبّاس النَّباتيّ، وأبو بكر بن غَلْبون، وجماعة. ومن المُكثرين عنه ابن فرتون، وقال: عاش سبعًا وتسعين سَنَة. وقال ابن مَسْدِيّ: شيخُنا أبو البقاء نزيلُ فاس، أعذبُ مَنْ لقينا بالقرآن -[828]- لسانًا، كتب بخطّه نيّفًا على خمسمائة مجلّد. أخذ القراءات عن عَقيل بن العقل الخَوْلانيّ، وعن موسى بن القاسم. وسَمِعَ من جماعة، تفرَّد عنهم، ولم يزل يسمع إلى حين وفاته. إلى أن قال ابن مَسْدِيّ: ذكرتُ لشيخنا ابن القَديم يومًا إجازة الفقيه أبي الوليد بن رُشْد لِكلّ من شاءَ الرواية عنه، فقال: ذَكّرتني، وأنا أُحِبُّ الرواية عنه، اشْهَدْ عليّ أنّي قد قَبلتُ هذه الإِجازة. فقلتُ أنا: فأفعل أنت مثلَه. فقال: وأشهد عليَّ أني قد أجزتُ لِكل من أحبَّ الروايةَ عنّي. وهذا في رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة، وقد وقفت على إجازة له بالقراءات في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. قرأتُ عليه بالعَشْر. وأخبرنا أنّ مَوْلِدُه سَنَة سبع عشرة وخمسمائة بشِلْب، ومات على ما بلغني سَنَةَ أربعٍ وعشرين وستمائة. وقال الأبّار: مات سنة ست وعشرين وستمائة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
213 - إسماعيل بن هبة الله بْن أبي غانم محمد بْن هبة الله بن أبي جرادة، الشيخ فخر الدين أبو صالح العقيلي، الحلبي، ابن العديم شيخ خانكاه القديم بحلب. [المتوفى: 694 هـ]
ولد سنة سبع عشرة وستمائة، وروى عن زين الأُمَناء، وسيف الدّولة ابن غسّان، وعبد الرحيم بْن الطُّفَيْل، وغيرهم. وحدَّث بدمشق وغيرها. مات فِي ثالث عَشْر المُحَرَّم بحلب. وقد حجّ فِي صِغره فسمع فِي الطريق. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مصر القديمة يرجع تاريخ مصر إلى ما قبل المسيح - عليه السلام - بأربعة آلاف وخمسمائة سنة تقريبًا.
وفى نحو عام (3110 ق. م) وحَّد الملك مينا مملكة مصر العليا ومملكة مصر السفلى. ولا يعرف غير القليل عن عهد الأسرتين الأولى والثانية (نحو 3110 - نحو 2665 ق. م). وفى عهد المملكة القديمة (الأسرات 3 - 6) (نحو 2614 - 2181 ق. م) بنيت أهرامات الجيزة، وكانت العاصمة مدينة ممفيس. وفى تلك الفترة كانت سلطة الفرعون فى أوجها، لكنها ما لبثت أن ضعفت بعد أن تعاظم نفوذ أمراء الإقطاع، ونشب الصراع فيما بينهم (الأسرات 7 - 10) (نحو 2181 - نحو 2052 ق. م)، ثم ظهرت المملكة الوسيطة (الأسرتان 11و12) (نحو 2052 - نحو 1786 ق. م)، وكانت عاصمتها طيبة، وتعد هذه الفترة العهد الكلاسيكى للفن المصرى، وفى عهد هذه المملكة - أيضًا - ازدهرت الحياة الاقتصادية، وبدأ التوسع المصرى خارج الحدود. وفى عهد الأسرات (13 - 17) (نحو 1786 - نحو 1570 ق. م) سيطر الهكسوس على مصر، ثم قامت المملكة الحديثة (الأسرات 18 - 20) (نحو 1570 - نحو 1075 ق. م) فطُرد الهكسوس من مصر، وبرزت حكومة مصرية قوية ذات إدارة بيروقراطية واسعة، وأنشأ المصريون إمبراطورية ضخمة، امتدت من بلاد النوبة إلى الفرات، لكن الغزو الحيثى سرعان ما قوض دعائمها، ثم ظهرت المملكة الحديثة المتأخرة (الأسرات 21 - 25) (نحو 1075 - 657 ق. م)، وفى أواخر عهدها احتل الآشوريون مصر (670 - 654 ق. م)، ثم ظهرت الأسرة السادسة والعشرون (664 - 525 ق. م)، وبعد سقوطها احتل الفرس مصر (525 - 332 ق. م)، ثم طردهم الإسكندر منها عام (332 ق. م). وبعد وفاة الإسكندر عام (323 ق. م) حكم البطالمة مصر (323 - 40 ق. م)، وبعد وفاة كليوباترا عام (30 ق. م) أصبحت مصر جزءًا من الإمبراطورية الرومانية. وتعد الحضارة المصرية القديمة إحدى الحضارات العريقة فى التاريخ. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الأقوال القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة
لبرهان الدين: إبراهيم عمر البقاعي. المتوفى: سنة خمس وثمانين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تبيين الأمر القديم، المروي في تعيين القبر الكريم، الموسوي
لتاج الدين: عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري. وهو: جزء. أوله: (الحمد لله رب العالمين ... الخ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تفسير: ابن عطية القديم
هو: أبو محمد: عبد الله بن عطية الدمشقي. المتوفى: سنة 383، ثلاث وثمانين وثلاثمائة. ذكره أبو الخير في: (مفتاح السعادة) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تفسير: الأصفهاني القديم
هو: أبو مسلم: محمد بن علي الأصبهاني، المعتزلي. الأديب. المتوفى: سنة 459، تسع وخمسين وأربعمائة. المسمى: (بجامع التأويل، لمحكم التنزيل) . كما يأتي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تفسير: النيسابوري القديم
هو: أبو القاسم: الحسن بن محمد الواعظ. المتوفى: سنة 406، ست وأربعمائة. وأبو بكر: محمد بن إبراهيم المتوفى: سنة 310، عشر وثلاثمائة. وأحمد بن محمد النيسابوري. المتوفى: سنة 353، ثلاث وخمسين وثلاثمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الجوهرة اليتيمة، في أخبار مصر القديمة
.... |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
شاه نامه القديم
لأبي علي: محمد بن أحمد البلخي، الشاعر. ذكره أبو الريحان في: (الآثار الباقية) . وزعم أنه صحيح أخباره من كتاب: (سير الملوك) . الذي: لعبد الله بن المقفع. والذي: لمحمد بن الجهم البرمكي. والذي: لهشام بن القاسم. والذي: لبهرام بن مردان شاه موبذ مدينة شابور. والذي: لبهرام بن مهران الأصبهاني. ثم قابل ذلك: بما أورده: بهرام الهروي، المجوسي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب القديم
للإمام: محمد بن إدريس الشافعي. المتوفى: سنة 204، أربع ومائتين. رواه الكرابيسي عنه. |