نتائج البحث عن (تراك) 50 نتيجة

(تراك) اسْم فعل أَمر يُقَال تراك الشَّيْء اتركه
(تراكب) الشَّيْء ركب بعضه بَعْضًا أَو تراكم
(التراكب) (فِي علم النَّبَات) زِيَادَة جِدَار الخلية فِي الْغَلَط بِإِضَافَة مَادَّة التَّغْلِيظ طبقَة فَوق أُخْرَى (مج)
(تراكضوا) ركضوا مَعًا وركض بَعضهم إِلَى بعض فرسه وَالْخَيْل ركضوها يُقَال خَرجُوا يتراكضون الْخَيل وتراكضوا إِلَيْهِم خيلهم حَتَّى أَدْركُوهُم
(الاشتراكية) مَذْهَب سياسي واقتصادي يقوم على سيطرة الدولة على وَسَائِل الإنتاج وعدالة التَّوْزِيع والتخطيط الشَّامِل (مج)
تراكل: ذكرها دوماس في مخطوطته: بمعنى باز، أكبر الطيور الجوارح (دوماس مجلة الشرق والجزائر السلسلة الجديدة 3: 235 وهي فيه تبراكل، وتراكل = عارم، وأنثى اللانية من النوع الكبير (مرجريت 176، وجويون 221، وقد كتبها تاركلي).
الاشتراك:[في الانكليزية] Homonymy [ في الفرنسية] Homonymie في عرف العلماء كأهل العربية والأصول والميزان يطلق بالاشتراك على معنيين: أحدهما كون اللفظ المفرد موضوعا لمفهوم عام مشترك بين الأفراد ويسمّى اشتراكا معنويا، وذلك اللفظ يسمّى مشتركا معنويا، وينقسم إلى المتواطئ والمشكّك. وثانيهما كون اللفظ المفرد موضوعا لمعنيين معا على سبيل البدل من غير ترجيح، ويسمّى اشتراكا لفظيا. وذلك اللفظ يسمّى مشتركا لفظيا. فقولهم لمعنيين أي لا لمعنى واحد فيشمل ما وضع لأكثر من معنيين فهو للاحتراز عن اللفظ المنفرد وهو الموضوع لمعنى واحد، لكنه إذا وقع في معناه شكّ بحيث يتردّد بين معنيين بأنّ هذا اللفظ موضوع لهذا أو لهذا صدق عليه أنّه للمعنيين على سبيل البدل من غير ترجيح، فزيد قيد معا للاحتراز عن مثل هذا المنفرد إذ لا يصدق عليه أنّه لهما معا.إن قيل إنّا نقطع أنّ المنفرد ليس موضوعا للمعنيين فلا حاجة إلى الاحتراز، قلت: لمّا دار وضعه بين المعنيين عند المشكّك جاز انتسابه إليهما في الوضع بحسب الظاهر عنده، فاحترز عنه بزيادة معا احتياطا، ولذا قيل: إنه للاحتراز عن المشترك معنى كالمتواطئ والمشكّك.وقولهم على سبيل البدل احتراز عن الموضوع لمجموع المعنيين أو أكثر من حيث المجموع، وعن المتواطئ، لكن بحسب الظاهر لأن المتواطئ يحمل على أفراده بطريق الحقيقة فيظنّ أنه موضوع لها. وقولهم من غير ترجيح احتراز عن اللفظ بالقياس إلى معنييه الحقيقي والمجازي، فإنه بهذا الاعتبار لا يسمّى مشتركا؛ وهذا الاحتراز إنما هو على تقدير أن يقال بأن في المجاز وضعا أيضا، هكذا يستفاد من العضدي وحواشيه.وبالجملة فالمنقول مطلقا ليس مشتركا لأنه لا بدّ أن يكون في أحد معنييه حقيقة وفي الآخر مجازا، ولزم من هذا أن يكون المعنيان بنوع واحد من الواضع حتى لو كان أحدهما بوضع اللغة والآخر بوضع الشرع، مثلا كالصلاة لا يسمّى مشتركا، وقد صرّح بهذا في بعض حواشي الإرشاد أيضا. وفي بديع الميزان وضع المشترك لمعنيين فصاعدا لا يلزم أن يكون من لغة واحدة، بل يجوز أن يكون من لغة واحدة كالعين للباصرة والجارية والذهب وغيرها، أو من لغات مختلفة مثل بئر فإنه في العربية بمعنى چاه وفي الهندية برادر انتهى.وقيل المشترك هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أوّلا من حيث أنهما مختلفتان. فاحترز بالموضوع لحقيقتين عن الأسماء المفردة. وبقوله وضعا أولا عن المنقول وبالقيد الأخير عن المشترك معنى انتهى.وإطلاق اللفظ وعدم تقييده بالمفرد لا يبعد أن يكون إشارة إلى عدم اختصاصه بالمفرد.

فائدة:اختلف في أن المشترك واقع في اللغة أم لا، وقد يقال المشترك إمّا أن يجب وقوعه، أو يمتنع، أو يمكن، وحينئذ إمّا أن يكون واقعا أو لا، فهي أربعة احتمالات عقلية. وقد ذهبت إلى كلّ منها طائفة، إلّا أنّ مرجعها إلى اثنين إذ لا يتصوّر هاهنا وجوب ولا امتناع بالذات، بل بالغير، فهما راجعان إلى الإمكان. فالواجب هو الممكن الواقع والممتنع هو الممكن الغير الواقع، والصحيح أنه واقع. واختلف أيضا في وقوعه في القرآن والأصح أنه قد وقع، ودلائل الفرق تطلب من العضدي وحواشيه.اعلم أنّ في المشترك اختلافات كثيرة.
الاختلاف الأول: في إمكانه، قال البعض:وقوع الاشتراك ليس بممكن لأنّ المقصود من وضع الألفاظ فهم المعاني، وإذا وضع لمعان كثيرة فلا يفهم واحد منها عند خفاء القرينة وإلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح، وفهم الجميع يستلزم ملاحظة النفس وتوجّهها إلى أشياء كثيرة بالتفصيل عند زمان الإطلاق، لأن ملاحظة المعاني بالأوضاع المتعددة المفصّلة لا بدّ أن تكون على التفصيل، وهذا باطل لما تقرّر في موضعه. وأجيب عنه بأنّ المقصود قد يكون الإجمال دون التفصيل، وقد يكون في التفصيل مفسدة، وفي الإجمال رفع الفساد كما قال الصدّيق الأكبر عند ذهاب رسول الله في وقت الهجرة من مكة إلى المدينة، حين سأله بعض الكفار عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم بقوله: من هذا قدّامك؟ فقال الصدّيق: رجل هادينا. فالتفصيل هاهنا كان موجبا للفساد العظيم فالأصح أنه ممكن لعدم امتناع وضع اللفظ الواحد لمعان متعددة مختلفة بأوضاع متعددة.وقد يجاب بأنه يفهم واحد من المعاني، ولا يلزم الترجيح بلا مرجّح لجواز أن يكون بين بعض المعاني والذهن مناسبة ينتقل الذهن من اللفظ إليه أو يكون بعضها مناسبا للفظ بحيث يتبادر الذهن بسبب تلك المناسبة إليه، أو يكون بعضها مشهورا بحيث يتسارع الذهن بسبب الشهرة إليه، أو تكون القرينة مرجّحة لبعض المعاني على الآخر.والاختلاف الثاني في وقوع الاشتراك في اللغة، قال البعض: ليس بواقع، لأنّ وقوعه يوجب الإجمال والإبهام وهو مخلّ للاستعمال إذا لم يبيّن. وأمّا إذا بيّن المراد فالبيان هو الكافي للمقصود، ولا حاجة إلى غيره، فيلزم اللغو في وقوع المشترك ولأن الواضع إن كان هو الله تعالى فهو متعال عن اللغو والعبث، وإن كان غيره تعالى فلا بدّ لصدور الوضع من علّة غائية لأنّ الفعل الاختياري لا بدّ له من علّة غائية كما تقرر في موضعه. وأجيب بأنّ الإجمال والإبهام قد يكون مقصودا في الاستعمال كما عرفت، ومثل أن يريد المتكلّم إفهام مقصوده للمخاطب المعيّن وإخفاءه عن غيره، فيتكلّم بلفظ مشترك يفهم المخاطب مراده منه بسبب كونه معهودا بينهما من قبل، أو بسبب قرينة خفيّة بحيث يفهم المخاطب دون غيره؛ والمبيّن قد يكون أبلغ من البيان وحده، وقد يحدث من اجتماعهما لطافة في الكلام لا يحصل من البيان وحده، وغير ذلك من الفوائد.وأجيب بأن الواضع إذا كان الله تعالى فقد يكون المقصود منه ابتلاء العلماء الراسخين، وقد يكون المقصود منه توسيع المفاهيم بالنظر إلى جماعة العلماء المجتهدين، وقد يكون المقصود تشويق المخاطبين إلى فهم المراد حتى إذا ادركوه بعد التأمل وجدوه لذيذا لأن حصول المطلوب بعد الطلب والتعب يكون ألذ من المنساق بلا تعب وبغير نصب. وإن كان الواضع غيره تعالى فالمقصود قد يكون واحدا من تلك الأغراض وقد يكون غيرها مثل إخفاء المراد من غير المخاطب، ومثل اختبار ذهن المخاطب هل يفهم بالقرائن أم لا، أو اختيار مقدار فهم المخاطب هل يدرك بالقرائن الخفية أم لا، وغيرها من الأغراض. وقد يكون الواضع متعددا، فشخص وضع لفظا لمعنى واحد ثم شخص آخر وضعه لمعنى آخر كما في الأعلام المشتركة، فالأصح أن المشترك واقع في اللغة.والاختلاف الثالث في كون الاشتراك بين الضّدّين، يعني اختلف بعد تسليم إمكانه ووقوعه في أنه هل هو واقع بين الضّدّين بحيث يكون لفظ واحد مشتركا بين معان متضادة متباينة.فقال بعضهم ليس بواقع لأن الاشتراك يقتضي التوحّد، والتضادّ يقتضي التباين، وبينهما منافاة، فلا يكون واقعا. وأجيب بأنّ التوحّد والتباين ليسا من جهة واحدة ليلزم المنافاة، لأن الأول من جهة اللفظ والثاني من جهة المعاني، فلا منافاة حينئذ لاختلاف المحل، فالأصح أنه واقع بين الضّدّين كالقرء للحيض والطّهر.الاختلاف الرابع في عموم المشترك يعني بعد تسليم إمكانه ووقوعه وتحقّقه بين الضّدّين.اختلف في عموم المشترك بأن يراد بلفظ المشترك أكثر من معنى واحد معا أو لا. الأول مذهب الشافعي والثاني مذهب الإمام الأعظم.ثم بعد كون المشترك عاما اختلف في أن إرادة العموم على سبيل الحقيقة أو المجاز. فذهبت طائفة منهم إلى أنه حقيقة لأن كلا من معانيه موضوع له فكان مستعملا في الموضوع له، وهذا هو الحقيقة. وقال الآخرون منهم إنه مجاز وأن لفظ المشترك ليس بموضوع لمجموع المعنيين، وإلّا لما كان استعماله في أحدهما على سبيل الانفراد حقيقة، ضرورة أنّه لا يكون نفس الموضوع له بل جزؤه، واللازم باطل بالاتفاق فثبت أنه ليس بموضوع للمجموع، فلم يكن حقيقة. واستدل الشافعي على إرادة العموم من المشترك بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الخ بأنّ الصلاة مشتركة بين الرحمة والاستغفار والدعاء. وفي الآية الرحمة والاستغفار كلاهما مرادان من لفظ واحد وهو يصلّون، لأن الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار. والجواب عن هذا الاستدلال أنّ الآية سيقت لإيجاب اقتداء المؤمنين بالله وملائكته، ولا يصحّ ذلك إلّا بأخذ معنى عام شامل للكل وهو الاعتناء بشأنه صلى الله عليه وسلم، فيكون المعنى: الله وملائكته يعتنون بشأن النبي يا أيها المؤمنون اعتنوا أنتم أيضا بشأنه، وذلك الاعتناء من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن المؤمنين دعاء. فالصلاة هاهنا لمعنى الاعتناء سواء كان حقيقة أو مجازا، وهو مفهوم واحد ومعنى عام، لكن يختلف باختلاف المحال فكانت لها أفراد مختلفة بحسب اختلاف نسبة الصلاة إليها. وعند الإمام لا يجوز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد لا حقيقة لما مرّ، ولأن الوضع تخصيص اللفظ للمعنى، فكلّ وضع في المشترك يوجب أن لا يراد به إلّا هذا المعنى الموضوع له، ويوجب أن يكون هذا المعنى تمام الموضوع له. فإرادة المعنى الآخر ينافي الوضع للمعنى الأول، فلا يكون استعماله في كلا المعنيين بالوضع، فلم يكن حقيقة ولا مجازا لأنه إذا استعمل في أكثر من معنى واحد فقد استعمل في الموضوع له وغير الموضوع له أيضا، لأنّ كل واحد من المعنيين موضوع له باعتبار وضع اللفظ لذلك المعنى، وغير الموضوع له باعتبار وضعه للمعنى الآخر، فلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز عند الإمام الأعظم، فبطل استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد. هذا خلاصة ما في التوضيح والتلويح وحاشية المبين والحسن على السلّم.
فائدة:إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مجازا كالنّكاح، فإنه يحتمل أن يكون حقيقة في الوطء مجازا في العقد، وأنه مشترك بينهما، فليحمل على المجاز لأنه أقرب.
فائدة:جوّز الشافعي وأبو بكر الباقلاني وبعض المعتزلة كالجبائي وعبد الجبار وغيرهم أن يراد بالمشترك كلّ واحد من معنييه أو معانيه بطريق الحقيقة إذا صحّ الجمع بينهما، كاستعمال العين في الباصرة والشمس، لا كاستعمال القرء في الحيض والطهر معا، إلّا أنّ عند الشافعي وأبي بكر متى تجرد المشترك عن القرائن الصارفة إلى أحد معنييه أو معانيه وجب حمله على جميع المعاني كسائر الألفاظ العامة، وعند الباقين لا يجب، فصار العام عندهم قسمين:قسم متفق الحقيقة وقسم مختلفها، وعند بعض المتأخرين يجوز إطلاقه عليهما مجازا حقيقة.وعند الحنفية وبعض المحققين وجميع أهل اللغة وأبي هاشم وأبي عبد الله البصري يصح ذلك لا حقيقة ولا مجازا.
المتراكب:[في الانكليزية] Part of the rhyme [ في الفرنسية] Partir de la rime عند أهل القوافي قسم من القافية كما مرّ.
تَرَّاكَة
من (ت ر ك) كثيرة طرح الأشياء ونبذها.
تراكه
عن الفارسية "تراك" بمعنى انشقاق وانفجار.
تراكمة
شعب تركي يقطن آسيا الوسطى ويطلق عليه أيضا التركمان.

اشْتِرَاك الْمَاهِيّة بَين كثيرين

دستور العلماء للأحمد نكري

اشْتِرَاك الْمَاهِيّة بَين كثيرين: مَعْنَاهُ فِي الْكُلِّي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الْإِشْعَار: الْإِعْلَام وإشعار الْبَدنَة إعلامها بِشَيْء أَنَّهَا هدي من الشعار وَهُوَ الْعَلامَة وَطَرِيقَة الطعْن فِي سَنَام الْهَدْي من جَانبهَا الْأَيْمن وَهُوَ مَكْرُوه عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ خلافًا لَهما.
اشْتِرَاكالجذر: ش ر ك

مثال: دفع بدل الاشتراك في الجريدةالرأي: مرفوضةالسبب: لإسناد مصدر الفعل «اشترك» إلى جهة واحدة.

الصواب والرتبة: -دفع بدل الاشتراك في الجريدة [فصيحة] التعليق: لا تدل صيغة «افتعل» دائمًا على التفاعل الدال على الاشتراك، فقد وردت كذلك للدلالة على الفعل من طرف واحد، وقد جاء في الوسيط: «اشترك فلان في كذا: دفع أجرًا مقابل الانتفاع به». وقد أجاز مجمع اللغة المصري فيما يدل على الاشتراك أن يسند إلى جهة واحدة.
تَرَاكِيبالجذر: ر ك ب

مثال: تَرَاكِيب أجنبيَّةالرأي: مرفوضةالسبب: لجمع المصدر، والأصل فيه ألا يُثَنَّى ولا يُجمع.

الصواب والرتبة: -تراكيب أجنبيَّة [فصيحة]-تركيبات أجنبيَّة [فصيحة] التعليق: منع بعض اللغويين تثنية المصدر وجمعه مطلقًا، وأجاز ذلك بعضهم إذا أريد بالمصدر العدد أو كان آخره تاء المرَّة، مثل: «رَمْيَة: رَمْيَتان ورميات»، و «تسبيحة: تسبيحتان وتسبيحات»، وكذلك إذا تعددت الأنواع، مثل: «تصريح: تصريحان وتصريحات»، وذلك اعتمادًا على ما جاء في الاستعمال القرآني في قوله تعالى: {{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}} الأحزاب/10، حيث جاءت «الظنون» وهي جمع «الظن» وهو مصدر. وقد أجاز مجمع اللغة المصري إلحاق تاء الوحدة بالمصادر الثلاثية والمزيدة، ثم جمعها جمع مؤنث سالمًا، كما أجاز تثنية المصدر وجمعه جمع تكسير أو جمع مؤنث سالِمًا عندما تختلف أنواعه؛ ومن ثَمَّ يمكن تصويب الاستعمال المرفوض، وقد أورده الأساسيّ.

إِسْنَاد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

إِسْنَاد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباءالأمثلة: 1 - اشْتَبَهت إجابته بإجابتي 2 - التقى محمد بأخيهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «الباء» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة:1 - اشتبهت إجابته وإجابتي [فصيحة]-اشتبهت إجابته بإجابتي [صحيحة]2 - الْتَقَى محمد وأخوه [فصيحة]-الْتَقَى محمد بأخيه [صحيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «الباء»، بناءً على أنها تفيد معنى المعية والمصاحبة والاشتراك في الحكم مما يُدَل عليه بالواو.

إِسْنَاد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

إِسْنَاد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع» الأمثلة: 1 - اتَّحَدَ مع صديقه 2 - اتَّفَقَ البائع مع المشتري 3 - اجْتَمَعَ الوزير مع السفير 4 - اخْتَلَط مع التلاميذ 5 - التقى محمد مع أخيهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «مع» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة:1 - اتَّحد هو وصديقه [فصيحة]-اتَّحد مع صديقه [صحيحة]2 - اتَّفق البائع والمشتري [فصيحة]-اتَّفق البائع مع المشتري [صحيحة]3 - اجْتَمَعَ الوزير والسفير [فصيحة]-اجْتَمَعَ الوزير بالسفير [صحيحة]-اجْتَمَعَ الوزير مع السفير [صحيحة]4 - اختلط بالتلاميذ [فصيحة]-اختلط مع التلاميذ [صحيحة]5 - الْتَقَى محمد وأخوه [فصيحة]-الْتَقَى محمد مع أخيه [صحيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»؛ بناءً على أنها تفيد معنى المعية والمصاحبة والاشتراك في الحكم مما يُدل عليه بالواو، وقد جاء في اللسان والتاج: «وجامعه على أمر كذا: مالأه عليه، واجتمع معه»، وقد أجاز الكسائي وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو.

إِسْنَاد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

إِسْنَاد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباءالأمثلة: 1 - تَعَارَف محمد بأحمد 2 - تَقَابَل محمد بصديقهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «الباء» مع صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة:1 - تعارف محمد وأحمد [فصيحة]-تعارف محمد بأحمد [صحيحة]2 - تقابل محمد وصديقه [فصيحة]-تقابل محمد بصديقه [صحيحة] التعليق: الأفصح في استعمال صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك أن يجاء بواو العطف، فمتى أسند الفعل إلى أحد الفاعلين عطف عليه الآخر بالواو، ويمكن تصحيح استعمال الباء؛ بناءً على أنها تفيد معنى المشاركة أحيانًا كالواو و «مع» كما ذكر مجمع اللغة المصري، وإن كان المجمع - بدون مسوِّغ- قد قصر استخدام الباء بهذا المعنى على صيغة «افتعل».

إِسْنَاد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

إِسْنَاد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع» الأمثلة: 1 - تبارى الطالب مع صديقه 2 - تَجَاوَب الطالب مع أستاذه 3 - تَحَادَث الطالب مع زميله 4 - تَخَاصَم مع صديقه 5 - تَسَابَق أخي مع صديقه في حفظ القرآن الكريم 6 - تَشَاجَر الرجل مع أخيه 7 - تَشَارَك خالد مع أخيه لبناء مصنع 8 - تَصَارَع الجيش مع الحكومة 9 - تَعَاقَدَ مع زميله على العمل 10 - تَعَانَق محمد مع صديقه 11 - تَعَاهَدَ مع صديقه على الاجتهاد 12 - تَعَاوَنَ الرجل مع صديقه 13 - تَفَاعَلَ الطالب مع أستاذه 14 - تَقَابَل مع صديقه 15 - تَلاءَمَ رأيه مع رأيي 16 - تَلاحَمَ الشعب مع قائده 17 - تَنَازَعَ مع شريكه 18 - يَتَنَافى الكذب مع الإيمانالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء الظرف «مع» مع صيغة «تفاعل» الدالة على المشاركة.

الصواب والرتبة:1 - تَبَارَى الطالب وصديقه [فصيحة]-تَبَارَى الطالب مع صديقه [صحيحة]2 - تَجَاوَب الطالب وأستاذه [فصيحة]-تَجَاوَب الطالب مع أستاذه [صحيحة]3 - تَحَادَث الطالب وزميله [فصيحة]-تَحَادَث الطالب مع زميله [صحيحة]4 - تخاصم هو وصديقه [فصيحة]-تخاصم مع صديقه [صحيحة]5 - تَسَابق أخي وصديقه في حفظ القرآن الكريم [فصيحة]-تَسَابق أخي مع صديقه في حفظ القرآن الكريم [صحيحة]6 - تشاجر الرجل وأخوه [فصيحة]-تشاجر الرجل مع أخيه [صحيحة]7 - تشارك خالد وأخوه لبناء مصنع [فصيحة]-تشارك خالد مع أخيه لبناء مصنع [صحيحة]8 - تصارع الجيش والحكومة [فصيحة]-تصارع الجيش مع الحكومة [صحيحة]9 - تعاقد هو وزميله على العمل [فصيحة]-تعاقد مع زميله على العمل [صحيحة]10 - تعانق محمد وصديقه [فصيحة]-تعانق محمد مع صديقه [صحيحة]11 - تعاهد هو وصديقه على الاجتهاد [فصيحة]-تعاهد مع صديقه على الاجتهاد [صحيحة]12 - تعاون الرجل وصديقه [فصيحة]-تعاون الرجل مع صديقه [صحيحة]13 - تفاعل الطالب وأستاذه [فصيحة]-تفاعل الطالب مع أستاذه [صحيحة]14 - تقابل هو وصديقه [فصيحة]-تقابل مع صديقه [صحيحة]15 - تلاءم رأيه ورأيي [فصيحة]-تلاءم رأيه مع رأيي [صحيحة]16 - تلاحم الشعب وقائده [فصيحة]-تلاحم الشعب مع قائده [صحيحة]17 - تنازع هو وشريكه [فصيحة]-تنازع مع شريكه [صحيحة]18 - يتنافى الكذب والإيمان [فصيحة]-يتنافى الكذب مع الإيمان [صحيحة] التعليق: الفصيح المأثور في استعمال «تفاعل» الدالة على المشاركة أن يُجَاء معها بواو العطف، فمتى أسند الفعل إلى أحد الفاعلين عطف عليه الآخر بالواو. وقد ورد في كتابات الأدباء والكتاب على مر العصور استعمال «مع» بدلاً من الواو، وذلك لأنها تفيد معنى المعية والاشتراك في الحكم الذي تفيده الواو؛ ولذا فقد أجاز مجمع اللغة المصري إسناد «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع».

اسْتِعْمَال «الباء» مع «افتعل» الدالة على الاشتراك

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال «الباء» مع «افتعل» الدالة على الاشتراك

مثال: التقى محمد بأخيهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «الباء» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -الْتَقَى محمد وأخوه [فصيحة]-الْتَقَى محمد بأخيه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء).

اسْتِعْمَال «الباء» مع «تفاعل» الدالة على الاشتراك

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال «الباء» مع «تفاعل» الدالة على الاشتراك

مثال: تَقَابَل محمد بصديقهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال الباء مع صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -تقابل محمد وصديقه [فصيحة]-تقابل محمد بصديقه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء).

اسْتِعْمَال «مع» مع «افتعل» الدالة على الاشتراك

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال «مع» مع «افتعل» الدالة على الاشتراك

مثال: اجْتَمَعَ الوزير مع السفيرالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «مع» أو «الباء» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -اجْتَمَعَ الوزير والسفير [فصيحة]-اجْتَمَعَ الوزير بالسفير [صحيحة]-اجْتَمَعَ الوزير مع السفير [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»).

اسْتِعْمَال «مع» مع «تفاعل» الدالة على الاشتراك

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال «مع» مع «تفاعل» الدالة على الاشتراك

مثال: تَعَانَق محمد مع صديقهالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء الظرف «مع» مع صيغة «تفاعل» الدالة على المشاركة.

الصواب والرتبة: -تعانق محمد وصديقه [فصيحة]-تعانق محمد مع صديقه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»).

افْتَعَل الدالة على الاشتراك ومجيء «الباء» بعدها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

افْتَعَل الدالة على الاشتراك ومجيء «الباء» بعدها

مثال: التقى محمد بأخيهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «الباء» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -الْتَقَى محمد وأخوه [فصيحة]-الْتَقَى محمد بأخيه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء).

افْتَعَل الدالة على الاشتراك ومجيء «مع» بعدها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

افْتَعَل الدالة على الاشتراك ومجيء «مع» بعدها

مثال: اجْتَمَعَ الوزير مع السفيرالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «مع» أو «الباء» مع صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -اجْتَمَعَ الوزير والسفير [فصيحة]-اجْتَمَعَ الوزير بالسفير [صحيحة]-اجْتَمَعَ الوزير مع السفير [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «افتعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»).

تفاعل الدالة على الاشتراك ومجيء «الباء» بعدها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

تفاعل الدالة على الاشتراك ومجيء «الباء» بعدها

مثال: تَقَابَل محمد بصديقهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال الباء مع صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -تقابل محمد وصديقه [فصيحة]-تقابل محمد بصديقه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد «صيغة» تفاعل" الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال الباء).

تفاعل الدالة على الاشتراك ومجيء «مع» بعدها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

تفاعل الدالة على الاشتراك ومجيء «مع» بعدها

مثال: تَعَانَق محمد مع صديقهالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء الظرف «مع» مع صيغة «تفاعل» الدالة على المشاركة.

الصواب والرتبة: -تعانق محمد وصديقه [فصيحة]-تعانق محمد مع صديقه [صحيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك إلى معموليها باستعمال «مع»).
الإدراك، للسان الأتراك
للشيخ، أثير الدين، أبي حيان: محمد بن يوسف الأندلسي، النحوي.
المتوفى: سنة 745، خمس وأربعين وسبعمائة.

الاشتراك اللغوي، والاستنباط المعنوي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الاشتراك اللغوي، والاستنباط المعنوي
للشيخ: محمد بن عبد الله، المعروف: بابن ظفر المكي.
المتوفى: سنة ثمان وستين وخمسمائة.
أصول التراكيب من الطب
لمحمد بن الخجندي.
وهو مختصر.
أوله: (نحمد الله على ما هدانا سبيل الرشاد... الخ).
رتب على قسمين:
وللشيخ، العلامة، نجيب الدين: محمد بن علي السمرقندي.
تاريخ الأتراك
متعدد.
والمراد بها: دولة الترك بمصر.
(كتاريخ ابن الملقن)، و(درة الأسلاك، في دولة الأتراك).
وذيله.
وملخصه.
و (غرة السير، في دول الترك والتتر)... وغير ذلك.
تراكيب الأنوار، في الكيميا
لمؤيد الدين: حسين بن علي الطغرائي.
المتوفى: سنة خمس عشرة وخمسمائة.
أوله: (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين...).
جامع الأسرار، وتراكيب الأنوار
في الإكسير.
لمؤيد الدين: حسين بن علي الأصفهاني، المعروف: بالطغرائي، الوزير.
المتوفى: سنة 515، خمس عشرة وخمسمائة.
وهو مختصر.
أوله: (الحمد لله، ذي الآلاء 000 الخ).
رد فيه على منكري الصنعة، وأثبتها.
الاشْتِراكُ: تواطؤ الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة تَحت لفظ وَاحِد بِاعْتِبَار وَاحِد.
المتراكبُ: مَا فِي آخِره فاصلة صغرى، قيل: مَا توالت فِي آخِره ثَلَاث حركات.

السحابُ الْمُرْتَفع المُتَراكم

المخصص

أَبُو حنيفَة إِذا رَكِبَ السحابُ بعضُه بَعْضًا فَهُوَ الرُّكَامُ أَبُو عبيد المُكْفَهِرُّ الَّذِي يَغْلُظُ من السَّحَاب ويَرْكَبُ بعضُه بَعْضًا اللحياني وَهُوَ المُقْفَهِرُّ والمُكْفَهِرُّ والمُقْرَهِفُّ والمُكْرَهِفُّ وَقد تقدَّم أَنه المُمْتَلِئُ مَاء أَبُو عبيد النَّشَاصُ المُرْتَفِعُ بعضُه فَوق بَعْضٍ وَلَيْسَ بِمُنْبَسِطٍ وَأنْشد
(ماءُ نَشَاصٍ حَلَبَتْ مِنْهُ فَدَرْ ...
)

صَاحب الْعين نَشَصَ السَّحابُ ارْتَفَعَ من قِبَل العيْنِ حِين يَنْشَأُ ويَعْلُو أَبُو عبيد النَّشَاصُ الطِّوَالُ من السَّحَاب الْوَاحِدَة نَشَاصَةٌ أَبُو عبيد الصَّبِيرُ الَّذِي يَصِيرُ بَعْضُه فَوْقَ بعضٍ دَرَجاً وَأنْشد
(كَكِرْفِئَةِ الغَيْثِ ذاتِ الصِّبِيرِ ...
)

وَقد تقدَّم أَن الصَّبيرُ السحابةُ البيضاءُ وَأَنه الَّذِي ثَبَتَ وَلم يَبْرَح أَبُو زيد النَّضَدُ مثلُ الصَّبِير وجمعُه الأنضادُ أَبُو عبيد القَرِدُ المُتَلَبِّدُ بعضُه على بعض أَبُو حنيفَة إِذا رَأَيْتَهُ مُتَلَبِّداً وَلم يَمْلاَسَّ فَهُوَ القَردُ وَذَاكَ تَقَرُّدُه فهناتٌ صِغَارٌ تكونُ دون السَّحَاب لم تَلْتِئِم بَعْدُ وَأنْشد
(كأَنَّهُم تَحْتَ صَيْفِيِّ لَهُم نَخَمٌ ...
مُصَرِّحٍ طَحَرَتْ أسْنَاؤُه القَرَدَا)

فَإِذا ذَهَبَ ذَلِك عَنهُ وامْلاَسَّ فَهُوَ الأَخْلَقُ والسحابةُ خَلْقَاءُ وَأنْشد
(أوْ عازِبٍ جادَتْ على أوراقِهَ ...
خَلْقَاءُ عَامِلَةٌ ونَوْءٌ نُجومِ)

أَبُو عبيد الطَّخاءُ والطَّخَافُ والعَمَاءُ كلُّه السحابُ المُرْتَفِعُ غَيره العَمَاءُ والعَمَايةُ السحابُ الكَثِيفُ وَقد قيل فِي وَاحِد العَمَاء عَمَاءَة وبعضُهم يجعلُ العَمَاء اسْما للْجِنْس أَبُو عبيد اطْلَخَمَّ السحابُ اظْلاَمَّ وتَرَاكَبَ صَاحب الْعين الغُمْلُول مُجْتَمَعُ الغَمام إِذا أظْلَمَ وتَرَاكَمَ وَكَذَلِكَ هُوَ من الشّجر أَبُو عبيد المُحْمَومِي الأَسْوَد المُتَرَاكَمُ والكِرْفِيءُ مَقْصُورٌ واحدته كِرْفِئَةٌ وَهِي قِطَعٌ مُتَرَاكِمَةٌ صَاحب الْعين الطِرْيَمُ السحابُ الكَثِيفُ وَقد تقدَّم أنَّه العَسَلُ

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - الاشتراكية والجماعات اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الفكر الاشتراكي الغربي وموقفه من الجماعات اليهودية
‏Western Socialist Thought: Its Attitude toward the Jewish Communities
تتسم النظرة الاشتراكية إلى أعضاء الجماعات اليهودية بالإبهام نفسه الذي تتسم به رؤية عصر الاستنارة إليهم. فقد دعا مفكرو عصر الاستنارة إلى المساواة بين كل البشر، وبالتالي إلى إعتاق اليهود وإعطائهم حقوقهم السياسية والاقتصادية كاملة. وهذا تيار أساسي في الفكر الاشتراكي يُوجَد في كثير من كلاسيكيات هذا الفكر.
لكن إعتاق اليهود، بل الإنسان عموماً، يتم في إطار مفاهيم علمانية مادية مثل مفهوم الإنسان الطبيعي أو المادي أو العالمي أو الأممي. فهو مفهوم مادي اختزالي يُسقط أية خصوصية أو هوية، ويرى الإنسان باعتباره جزءاً من الطبيعة/المادة. ويترتب على هذه المقدمات عدة نتائج أهمها رفض خصوصية اليهود العرْقية، ثم يُنظَر إليهم باعتبارهم مواطنين عاديين وحسب يمكن دمجهم في المجتمع وإعطاؤهم حقوقهم كافة. ومن ثم نجد أن كثيراً من كلاسيكيات الفكر الاشتراكي ترفض الفكرة الصهيونية التي ترى أن اليهود أمة عرْقية مستقلة.

ولكن، كما أن هناك تياراً داخل فكر حركة الاستنارة يرى أن اليهود عنصر له خصوصيته، وأن تخلُّصه من هذه الخصوصية أمر صعب بل مستحيل أحياناً، فإن الفكر الاشتراكي قد اشتمل على مثل هذا التيار. وهو يترجم نفسه أيضاً إلى اتجاه معاد لليهود ومتحيِّز للصهيونية في آن واحد. ويطرح أتباع هذا التيار فكرة هوية يهودية مستقلة عضوية يُفترَض فيها عادة أنها ذات طابع شرقي أو آسيوي أو سامي. وقد ازداد الاهتمام بهذا الجانب مع تزايُد الاهتمام بالعنصر الهيليني (الآري فيما بعد) في الهوية الغربية. وهو اهتمام صار محورياً في الخطاب السياسي الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد أكد هيجل على ما أسماه «الطابع الشرقي» للروح القومية اليهودية التي لم تدرك المثل العليا (الهيلينية) للحرية والعقل، فظلت اليهودية لذلك مرتبطة بشعائر بدائية لاعقلانية أو طقوس لا روح فيها تسبَّبت في نهاية الأمر في إدخال العنصر العبراني السلبي على الحضارة الغربية.
وكجزء من هجومهم على المؤسسات القائمة في المجتمع، قام المفكرون الاشتراكيون بالهجوم الضاري على المسيحية وعلى كل الأفكار الدينية، فوجَّهوا النقد إلى اليهودية باعتبارها أساس المسيحية، بل باعتبارها شكلاً متخلفاً منها. واتهموا اليهودية أيضاً بأنها تتضمن عناصر نفعية أنانية تشجع اليهود على الاهتمام بأنفسهم وعلى كُره البشر. كما أن اليهودية تشجع اليهود على ضرب العزلة حول أنفسهم وعلى البقاء سجناء شعائرهم البدائية المتخلفة مثل قوانين الطعام التي تجعل اندماجهم مع بقية الجنس البشري مستحيلاً. بل إن بعضهم ذهب إلى حد القول بأن اليهودية تتضمن عناصر هضمية أو معوية، وأن كل إشارة إلى الإله في العهد القديم مرتبطة بالطعام، وأن تقديم القرابين البشرية كان أحد العناصر المكوِّنة للعبادة اليسرائيلية القديمة.

وللقضية أيضاً جانب اقتصادي، فكثير من المفكرين الاشتراكيين ينظر إلى اليهود بوصفهم عنصراً هامشياً غير منتج يتركز في التجارة والأعمال المالية ولا يتجه إلى الصناعة أو الزراعة أبداً (أي أنهم جماعة وظيفية وسيطة) . كما أن بعض الاشتراكيين يرون أن ثمة علاقة عضوية بين اليهود والرأسمالية، خصوصاً في شكلها التجاري المتمثل في الأعمال المالية والبورصة.
لكل ما تقدَّم، ذهب بعض المفكرين الاشتراكيين إلى أن اليهود يشكلون جماعة بشرية غير سوية وغير طبيعية. وكان الحل الذي يطرحونه هو ضرورة تخليص اليهود من هويتهم المتخلفة أو الخسيسة أو الأنانية (البورجوازية أو الرأسمالية) وتحويلهم إلى عناصر منتجة ودمجهم في المجتمع أو تأكيد هويتهم وتوطينهم في فلسطين داخل مجتمع تعاوني اشتراكي. وقد ساوى كارل ماركس بين " برجزة " المجتمع (أي سيادة العلاقات التعاقدية البورجوازية فيه) من جهة، وبين تهويده من جهة أخرى.
ومن أوائل الدعاة إلى الاشتراكية المفكر كونت دي سان سيمون (1780 ـ 1825) ، وهو ممن يسمون «الاشتراكيين الطوباويين» ، أي المثاليين. ويبدو أنه يوجد تيار يهودي مشيحاني في فكره، إذ طالب بتأسيس مجتمع صناعي يحكمه نخبة من العلماء وأصحاب الأعمال والمصرفيين الذين يهتدون بهدي «المسيحية الجديدة» ـ وهي مسيحية علمانية (أو لادينية) لا تستند إلى الإيمان بالإله أو باليوم الآخر أو الزهد في الدنيا ـ وهي تشبه في ذلك اليهودية الإثنية. وثمة إشارة في كتابات سان سيمون إلى الماشيَّح الأم، وهي أنثى يهودية من الشرق ستصوغ الأخلاق الجديدة. وبطبيعة الحال، سيتمتع اليهود بالمساواة الكاملة في هذا المجتمع الجديد. وقد كان الكثير من تلاميذ سان سيمون وحوارييه من اليهود.

وأدَّى هذا العنصر اليهودي اللاديني الفاقع في اشتراكية سان سيمون إلى رد فعل عنيف من الكنيسة ومن شارل فورييه (1772 ـ 1837) أحد أهم المفكرين الاشتراكيين وأحد أهم النقاد الاشتراكيين لليهود. ويذهب فورييه إلى أن التجارة هي مصدر كل الشرور، وأن اليهود هم تجسيد لها، كما أنهم المستغلون الاقتصاديون الرئيسيون في أوربا. واليهود (في تصوُّره) ليسوا جماعة دينية، وإنما هم جماعة قومية غير متحضرة وبدائية ومعادية للحقيقة، ولابد للمجتمع من التخلص منها بالدمج أو الطرد. ومعنى ذلك أنه يتحرك في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ.

وقد أشار فورييه إلى قوانين الطعام اليهودية كقرينة على صدْق كل الشائعات التي أطلقها أعداء اليهود عنهم مثل اتهامهم بأنهم يعتبرون سرقة المسيحي أمراً مباحاً لهم شرعاً. ولذا، يرى فورييه أن لفظتي «يهودي» و «لص» مترادفتان، وأن الإنسان عند التعامل معهم لا يتوقع سوى أكاذيب ولا شيء سوى الأكاذيب التي يشجعهم عليها دينهم. بل يرى فورييه أن اليهود عنصر تجاري لا ارتباط ولا انتماء له بوطن. ولذا، فهم لا يتورعون عن ارتكاب أعمال الخيانة العظمى ويعملون جواسيس لكل الأمم وجلادين لها. وهم كذلك غير مبدعين في الفنون والآداب ولا يتميَّزون إلا بسجل طويل من الجريمة والقسوة. ونشاطات اليهود الاقتصادية كلها هامشية وشرهة وغير منتجة، فهم لا يعملون أبداً بالزراعة ويشتغلون بالتجارة والأعمال المالية. وهم إلى جانب هذا متمرسون في التهرب من دفع الضرائب ولا يستثمرون رأسمالهم في الصناعة أبداً حتى لا يرتبط مصيرهم بمصير الدولة التي يعيشون فيها. ويقتصر نشاطهم التجاري على الاستيراد والتصدير حتى يحرموا تجار البلاد المضيفة من الاحتكاك بالبلاد الأخرى. وهم يحققون الثروات الهائلة على حساب المواطنين، خصوصاً أنهم بخلاء إلى درجة أن بإمكانهم العيش على أقل القليل وهو ما يساعدهم على مراكمة الثروة بسرعة. ومن الواضح أن فورييه يتحدث عن الجماعة الوظيفية الوسيطة، ولكنه نظراً لجهله بهذه الظاهرة وتواتُرها في المجتمعات الأخرى تصوَّر أنها ظاهرة يهودية وحسب، وأن خصائص أعضاء الجماعة الوظيفية هي خصائص لصيقة بطبيعة اليهود، أينما كانوا وعَبْر التاريخ.

وقد طرح فورييه برنامجاً لحل المسألة اليهودية، وذلك عن طريق دمج اليهود بالقوة اقتصادياً وروحياً. وهذا لن يتأتى إلا بالقضاء على خصوصيتهم اليهودية القومية الاقتصادية عن طريق تطبيق قوانين قاسية عليهم، ومنعهم من الاشتغال بالأعمال التجارية، وإبعادهم عن الحدود والسواحل والأماكن التي يمكنهم أن يمارسوا فيها التهريب والتجارة، وكذلك عن طريق توطينهم بالقوة في القرى. ويجب أن يواكب عملية الدمج الاقتصادي عملية دمج روحي عن طريق التعليم حتى يتخلى اليهود عن مبادئهم الشريرة.
والحل الثاني للمسألة اليهودية الذي يطرحه فورييه قد يبدو وكأنه نقيض الأول، ولكنه في الواقع امتداد له. فإذا كان الحل الأول يفترض إمكانية التخلص من الشعب العضوي المنبوذ عن طريق تخليصه من هويته الكريهة ودمجه، فإن الحل الثاني الذي ورد في كتاب الصناعة الزائفة (1835 ـ 1836) إذ يرى أنه يمكن التخلص منهم عن طريق توطينهم في فلسطين وسوريا ولبنان ليصبحوا أمة معترفاً بها لها ملك وعلم وقناصل وعملة! ويتوجه فورييه بالنصح إلى اليهود، فبدلاً من مضاربات البورصة يمكنهم تحويل فلسطين وما حولها في المنطقة الممتدة من لبنان إلى سيناء إلى أرض صالحة للسكنى عن طريق توفير منافذ لنهر الأردن والبحر الميت على موانئ البحر الأحمر، وأن يتم ري الصحراء وزراعة الغابات الخضراء فيها بواسطة الجيوش الصناعية والمزارع التعاونية وذلك بتمويل روتشيلد وبدعم أوربا، وهذا أدق وصف لعملية الاستيطان الصهيوني وللزراعة الصهيونية التعاونية المسلحة ولكل من الصهيونية التوطينية والاستيطانية (وقد قضت الحركة الصهيونية بين اليهود نحو سبعين عاماً لتكتشف هذه الصيغة البسيطة) . ويجب أن نشير إلى أن تاريخ نشر الكتاب هو أيضاً الوقت الذي طُرحت فيه المسألة الشرقية وبحدة بسبب ثورة محمد علي على السلطان العثماني.

وقد ترك فورييه أعمق الأثر في الفكر الاشتراكي بعده. فنجد أن تلميذه ألفونس توسينيل (1803 ـ 1885) يؤلف كتابه اليهود ملوك العصر: تاريخ الإقطاع المالي (1845) حيث يمثل الإقطاع المالي البنوك في أوربا وفرنسا. والكتاب ليس هجوماً عنصرياً تقليدياً على اليهود إذ يُحذِّر الكاتب في البداية من أنه سيستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها المحدد الذي يشير إلى جماعة إثنية أو دينية، وإنما يستخدمها بالمعنى الشائع لها، أي «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر» . ولذا، فإنه يستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى كل من يشتغل في الأمور المالية، كل الطفيليين غير المنتجين الذين يعيشون على وجود الآخرين وجهدهم. وقد ربط توسينيل بين القدس اليهودية وجنيف البروتستانتية الكالفنية، فكأن من يقول «يهودي» يقول «بروتستانتي، أي تجار وطيور جارحة» . وقد وصل توسينيل إلى أن اليهود، أي كبار المموِّلين، هيمنوا على أوربا في القرن التاسع عشر.
وقد ظهر هذا الاتجاه أيضاً في كتابات أدولف ألايزا الذي ترأَّس مجلة لا رينوفاسيون الناطقة باسم الحركة الاشتراكية من أتباع فورييه وأعطاها اتجاهاً معادياً لليهود. ويرى ألايزا أن اليهود مثل البكتيريا القذرة (وهذه صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو ثم الزعيم النازي هتلر من بعده) تؤدي إلى عفن المكان الذي تصل إليه. فاليهودي يتآمر ضد الأمن الوطني مثل دريفوس. وربطت مدرسة فورييه أيضاً بين ماركس والبلشفية من جهة، وبين ماركس واليهودية من جهة أخرى.

وتُعبِّر آراء ميخائيل باكونين (1814 ـ 1876) ، المنظِّر والمفكِّر الفوضوي الروسي، عن كُره عميق لليهود. ففي كتابه الاعتراف الذي ألفه في السجن عام 1851، انتقد قادة الاستقلال في بولندا لاتخاذهم موقفاً إيجابياً تجاه اليهود. وقد نُشر عام 1869 رداً على خطاب من موسى هس أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم أمة من المُستغلِّين تقف على الطرف النقيض تماماً من مصالح البروليتاريا. ويمكن فَهْم موقفه هذا من اليهود من خلال حقيقتين، أولاهما: خلافه الفكري الحاد مع الاشتراكيين وبالذات اليهود، منهم كارل ماركس وموسى هس وأمثالهما. وثانيتهما: الدور البارز لأعضاء الجماعة اليهودية في التجارة والمال في أوربا، وهو ما كان نتاجاً لميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية هامشية. وقد ذهب باكونين إلى أن اليهود يشكلون خطراً أكبر من اليسوعيين، وأنهم القوة الحقيقية في أوربا، إذ يسيطرون بشكل مطلق على التجارة والبنوك وعلى ثلاثة أرباع الصحافة الألمانية وعلى جزء كبير من صحافة الدول الأخرى. ووصف باكونين الفوضوي ظهور ماركس وأعماله بأنها ظهور جديد للنبي موسى، وأنه يعتبر نموذجاً يمثل الشعب اليهودي.

وقد كان عداء الاشتراكيين والثوريين لليهود يستند إلى تحليل طبقي يفترض فيه أصحابه علميته وموضوعيته. ولكن مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وظهور الخطاب العرْقي واكتساحه الفكر الأوربي، نجد أن أتباع فورييه أيضاً يتبنون التفسير العرْقي. فالعرْق اليهودي، بحسب تصوُّرهم، قبيح من الناحية الجسدية، فوجوههم تخرق قواعد الجماليات تماماً كما تخرق روحهم الروح الآرية (الهيلينية من قبل) التي تتسم بالجمال. والعرْق اليهودي لا يمكن دمجه ولا هضمه، وهو عرْق طفيلي كليةً، فاليهودي في كل مكان وزمان كان طفيلياً يصيب المجتمعات بالتحلل. وهم طفيليون لأسباب عرْقية ولا يمكنهم أن يغيِّروا دورهم، تماماً كما لا يمكن للمخلوقات الطفيلية التي تقتل الأجساد الحية أن تتوقف عن وظيفتها. وهم معروفون بشكل خاص بمقدرتهم على تخريب قوانين البلاد التي ينتمون إليها.
ويُلاحَظ أن كل هذه الأوصاف هي أوصاف الشعب العضوي المنبوذ، فما الحل إذن؟ طرحت المجلة، الناطقة بلسان أتباع فورييه، حلاًّ صهيونياً حيث طلبت من اليهود الجلاء عن فرنسا طواعية. ولذا، توجهت بنداء إلى اليهود: "أيها اليهود! إلى أعالي سيناء، حيث أرسل الإله بالوصايا العشر التي تخرقونها دائماً، إلى موسى والإله الذي تركتموه بسبب حبكم الشديد للذهب ... اعبروا البحر الأحمر مرة أخرى، ولتنزلوا إلى الصحراء مرة أخرى، إلى أرض الميعاد التي تنتظركم، الأرض الوحيدة التي تناسبكم، أيها الشعب الشرير الوقح الخائن، اذهبوا إلى هناك". وهذا هو الحل الاستعماري الصهيوني، إرسال كل مشاكل أوربا إلى الشرق.

ومن الطريف أنه برغم صهيونية مثل هذه الحلول التي طُرحت عام 1899 بعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول، فإن المجلة لم تُعط أية أهمية للحركة الصهيونية أو المنظمة الصهيونية. بل إنه حينما نشر أحد أتباع فورييه ويُدعى فيرييه كتيبه المسألة اليهودية (1902) ، فإنه يقدِّم رؤية إيجابية للحركة الصهيونية ويفرق بين يهود الغرب المندمجين الذين سيبقون في أوطانهم ويهود شرق أوربا (أي يهود اليديشية) الذين يجب تهجيرهم إلى وطن قومي خارج فلسطين لأنها ـ حسب تصوُّره ـ غير مناسبة. ورد عليه ألايزا قائلاً إنه يؤيد الحل الصهيوني الذي طرحه تيودور هرتزل من ناحية المبدأ، ويحب أن يرى اليهود في وطنهم وأن هذا سيحقق مصلحتهم، وأكثر من هذا فإنه سيحقق مصلحة فرنسا ذاتها! ولكنه عبَّر عن شكه في إمكانية تحقُّق هذا الحلم بسبب طبيعة اليهود الهامشية.
وقد أصبح ارتباط اليهود بالرأسمالية وكبار المموِّلين موضوعاً أساسياً متواتراً في الفكر الغربي امتزج بالأطروحة العرْقية التي تنظر إلى اليهود بوصفهم ساميين (مقابل الآريين) . ويُلاحَظ أن مقولة «الآريين» انفصلت بالتدريج عن مقولة «الهيلينيين» ، وبالتالي فقدت بعدها الثقافي واكتسبت بعداً عرْقياً فاقعاً. ولذا، نجد أن بعض الكتاب يقرنون بين التاجر اليهودي والتاجر اليوناني باعتبارهما من التجار الوسطاء.

وتبلور كتابات يوجين دوهرنج (1833 ـ 1921) هذه الاتجاهات كافة، فكتابه الحالة اليهودية كمسألة عرْقية وأخلاقية وحضارية ينسب النزعة الليبرالية في الاقتصاد السياسي (أي الرأسمالية والديموقراطية) إلى اليهود الذين يتهمهم باستغلال مبدأ الاقتصاد الحر وتسخيره في خدمة الاحتكار اليهودي الذي يحاول استعباد كل الناس. ورغم أن اليهود يلعبون دوراً طبقياً، فإنهم يُشكِّلون عرْقاً وضيعاً لا مثيل له. واتجاه اليهود نحو التجارة يعود إلى أن جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية. فاليهود، إذن، فئة تجارية نظراً لأن خصائصهم العرْقية تجعلهم ينزعون نحو التجارة، وهم يحققون ترابُطاً غير عادي بسبب شعائرهم القديمة التي لم يطرحوها جانباً تماماً. وتهمة الدم، بحسب رأي دوهرنج، ذات أساس علمي، فهي تعود إلى التضحيات البشرية التي كان اليهود يقدمونها. وقد استمرت هذه التضحيات بسبب رغبة قيادات اليهود في أن تجعل كل فرد في الجماعة اليهودية متورطاً في جريمة قتل الأطفال المسيحيين.

وحل المسألة اليهودية بالنسبة لدوهرنج هو أيضاً خليط عرْقي اشتراكي علمي، فهو ينادي باعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي وبالاقتصاد الموجَّه وبنوع من الاشتراكية المقيدة وبالحفاظ على الشرف العرْقي الذي يستدعي إنقاذ جميع الدوائر العامة وعالم المال والأعمال من تسلُّط اليهود وسيطرتهم. وبهذا، فإن دوهرنج قد وحَّد بين الرأسماليين بوصفهم تشكيلاً اقتصادياً واليهود بوصفهم عرْقاً وقرن بينهم. ولهذا، فهو يرفض الحل الصهيوني لأن الصهيونية ستدعم قوة اليهود العالمية، ويجد أن الحل الأسمى للمسألة اليهودية هو القتل والطرد. ومن هذا المنظور، فإن مفكراً اشتراكياً مثل ماركس، في رأي دوهرنج، هو الشر المجسد بسبب نظرياته الشيوعية وعرْقه اليهودي، فقد استقى كل نسقه الفكري من القانون الموسوي رغم أنه قد تم تعميده. وقد ظهرت الأطروحة مرة أخرى في كتابات ورنر سومبارت عن علاقة الرأسمالية باليهودية ووصلت إلى ذروتها في الفكر النازي.
وينبغي ألا نتصوَّر أن هذه الرؤية المعادية لليهود مقصورة على المفكرين غير اليهود وحدهم، ففرديناند لاسال (1825 ـ 1864) المفكر الألماني الاشتراكي اليهودي كانت له آراء شبيهة. فقد أكد تنصُّله من اليهودية لأنه يبغض اليهود، إذ لا يرى فيهم سوى سلالة منحلة لماض عظيم ولَّى. وبعد قرون طويلة من العبودية، اكتسب هؤلاء الرجال سمات العبيد. ويجب ذكر أنه كان يوجد عديد من المفكرين، من الاشتراكيين اليهود، لم يهتموا باليهود واليهودية، وإنما افترضوا أن المساواة داخل المجتمع الاشتراكي ستحل المشاكل كافة.

وقد يكون من المفيد ذكر أن ماكس فيبر يستخدم أيضاً منظوراً دينياً لتحليل إشكالية ظهور الرأسمالية في الحضارة الغربية، ولكنه طرح فكرة الرأسمالية الرشيدة مقابل الرأسمالية المنبوذة. وقد وجد أن الرأسمالية الرشيدة مرتبطة بالكالفنية في حين ترتبط الرأسمالية المنبوذة باليهود، وبالتالي فإن اليهود من هذا المنظور غير مسئولين عن ظهور الرأسمالية. (انظر الباب المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» ) .
البلاشفة والجماعات اليهودية
‏The Bolsheviks and the Jewish Communities

تنطلق رؤية المفكرين الاشتراكيين، ماركس وغيره، من تجربتهم التاريخية في فرنسا وألمانيا والنمسا أساساً. وهي دول لم تكن فيها تجمعات يهودية كبيرة، كما أن اليهود كانوا مُركَّزين في الأعمال التجارية والمالية، وزاد ارتباطهم بالنظام الرأسمالي مع تطوُّر المجتمعات. أما في شرق أوربا وروسيا على وجه الخصوص، فكان الوضع مغايراً تماماً إذ كانت تُوجَد أكبر كتلة بشرية يهودية ذات صفات شبه قومية واضحة تميِّزها اللغة اليديشية، كما أن ظروف التحديث أدَّت إلى تحوُّل قطاعات كبيرة من اليهود إلى بروليتاريا. ولذا، تجاهَل البلاشفة كلاسيكية ماركس عندما كان عليهم أن يتعاملوا مع جزء كبير من هذه الكتلة التي ورثوها ضمن ما ورثوا من روسيا القيصرية. ولم يكن من الصعب عليهم تجاهل كتيب ماركس، لأنه كان من أعماله الأولى ولم تكن أفكاره قد تبلورت بعد. مع هذا، يبدو أن البلاشفة، مثل ماركس من قبلهم، قد خلطوا بين مفهومين مختلفين تمام الاختلاف في منطلقاتهما وفي نتائجهما، وظنوا أنهما شيء واحد. أما المفهوم الأول فهو مفهوم الأمة اليهودية العالمية، وهو مفهوم صهيوني مطلق يفترض وجود وحدة يهودية عالمية ويهدف إلى تأسيس دولة يهودية لجمع الشعب اليهودي. أما المفهوم الثاني، فهو مفهوم اليهود بوصفهم أقلية قومية شرق أوربية لها خصوصيتها التي لا تختلف عن خصوصيات القوميات أو الأقليات الأخرى الموجودة في روسيا القيصرية. وهي خصوصية قد تفصل أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي الروسي أو البولندي، ولكنها لا تربطهم بالضرورة بالجماعات الأخري في بقية العالم، وهذا هو طرح البوند. ولعل هذا الخلط هو نتيجة محاولة البلاشفة والماركسيين عموماً الوصول إلى مستوى تعميم، مرتفع وعلمي، يتجاهل كل الخصوصيات أو يوحِّد بينها بحيث لا يراها، وهذا هو ميراث عصر الاستنارة والنموذج المادي الذي يصر على مستوى عال من البساطة والوضوح والتعميم لا يتفق مع تركيبية الظاهرة

الإنسانية. وهذا هو الذي أدَّى إلى تخبُّط السياسة السوفيتية بعض الوقت، وإلى عدم حسم المسألة اليهودية في الاتحاد السوفيتي إلا من خلال التطورات الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي (ككل) خارج إطار الحلول النظرية المطروحة وبدون هدي كبير منها.
وقد انطلق لينين من تعريف محدد للأمة استقاه من كارل كاوتسكي، وهو أن الأمة جماعة لابد أن تكون لها أرض تتطوَّر عليها، الأمر الذي لم يكن متوافراً لليهود، ولابد أن تكون لها لغة مشتركة، وهو الأمر الذي توافر ليهود شرق أوربا وحدهم. ولكن لينين، مع هذا، لم ينظر إلى يهود شرق أوربا بوصفهم وحدة مستقلة داخل التشكيل السياسي الروسي والتشكيل الحضاري لشرق أوربا منفصلة عن يهود العالم. ولذا، فقد ناقش القضية من منظور أعلى نقطة تعميم فتساءل: هل اليهود، بشكل عام ومجرد، وفي كل زمان ومكان، يُشكِّلون قومية أم لا؟ وهل هناك وحدة عالمية تنتظم كل اليهود؟ وهل هناك خصوصية مقصورة عليهم أو لا؟ والإجابة على مثل هذا السؤال البسيط بسيطة للغاية، وهي أن كل اليهود بطبيعة الحال لا يشكلون قومية، وأنه لا وجود لأية وحدة بين يهود ألمانيا وبولندا وفرنسا وإنجلترا. فيهود فرنسا يتحدثون الفرنسية، ويهود إنجلترا يتحدثون الإنجليزية، ويهود ألمانيا يتحدثون الألمانية، ويهود شرق أوربا كانوا يتحدثون اليديشية، ويتحدث يهود القوقاز عدة لغات، ولكل جماعة يهودية موروثها الثقافي ووضعها الاقتصادي المتميِّز الذي تحدِّده حركيات المجتمعات التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية. والخلل يكمن في درجة التعميم التي ينطوي عليها السؤال، فهو لا يتفق مع طبيعة الظاهرة وتنوُّعها وعدم تجانسها.

وفي تصوُّرنا أن موقف لينين كان سيختلف تماماً لو أنه لم يطرح السؤال بهذه الطريقة، وتخلَّى عن مفهوم «اليهود ككل» و «في كل زمان ومكان» ، وخفَّض من مستوى التعميم قليلاً ونظر إلى يهود شرق أوربا داخل الإطار الوحيد الممكن وهو التشكيل الحضاري الشرق أوربي، وطرح حلاًّ لمشاكلهم داخل هذا الإطار باعتبارهم أقلية قومية شرق أوربية.
ولأن اليهود، من وجهة نظر لينين، لا يشكلون أمة، فإن القضية تصبح هي مشكلة اندماجهم أو انعزالهم. ومن ثم، فإن حل المسألة اليهودية هو ببساطة دمجهم، وهي عملية يمكن أن تتم بأن ينخرط اليهود في النضال الثوري إلى جانب المُضطهَدين من الطبقة العاملة وغيرها من الطبقات على أن يذوب أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الاشتراكي الكبير، أي أن الخاص (يهود شرق أوربا) لابد أن يذوب في العام (المجتمع الثوري الجديد) . وهذا هو النمط الكامن في فكر حركة الاستنارة وفي كل الحلول الماركسية.

ولهذا، وقف لينين موقف المعارضة الكاملة لا من فكرة القومية اليهودية العامة العالمية الوهمية (أي الصهيونية) ، وإنما أيضاً من فكرة الخصوصية اليديشية المحدودة والمقصورة على يهود شرق أوربا، وهي الفكرة التي طرحها حزب البوند الذي طالب بقدر من الاستقلال الثقافي للعمال اليهود يتناسب مع هويتهم الثقافية المحددة وخصوصيتهم، ولا يختلف عن استقلال الأقليات والطوائف الأخرى، ويترجم نفسه إلى استقلال تنظيمي. كما رفض لينين بالتالي أي استقلال تنظيمي لحزب البوند أو ما سُمِّي «الوحدة الفيدرالية» ، ورأى أن مبدأ الاستقلال الذاتي يفي بكل احتياجات اليهود من أعضاء الطبقة العاملة، ويكفل لها أن تقوم بالدعاية لبرنامج الحزب باليديشية، وأن تعقد مؤتمراتها الخاصة، وأن تقدِّم مطالب مستقلة تدخل في برنامج واحد يُعبِّر عن الاحتياجات المحلية وخصوصية الحياة اليهودية. ذلك لأن الهدف النهائي هو اندماج أعضاء الطبقة العاملة من اليهود اندماجاً كاملاً في الطبقة العاملة الروسية. وثمة نظرية تذهب إلى أن معارضة لينين للبوند كانت في واقع الأمر نابعة من اعتبارات عملية سياسية غير نظرية، وأن كل تحليلاته هي عبارة عن مسوغات وديباجات لتبرير رغبته في تصفية البوند.
وكان تروتسكي الزعيم الماركسي اليهودي هو الآخر ضد فكرة القومية اليهودية، ولذا فقد عارض الصهاينة، وكان يرى أن حل المسألة اليهودية لا يكون عن طريق تأسيس دولة يهودية بين دول أخرى غير يهودية، وإنما يكمن في إعادة تركيب المجتمع تركيباً أممياً متماسكاً. إلا أنه عارض أيضاً مفهوم الأقلية اليهودية باعتبارها أقلية قومية شرق أوربية، ولذا عارض البوند.

ولا يخرج موقف ستالين عن موقف الزعماء الماركسيين السابقين، فقد بيَّن أن اليهود ككل لا يجمعهم إلا الدين، وقد يكون لهم طابع قومي، ولكنهم لا يكوِّنون أمة واحدة عالمية، ذلك لأنهم متفرقون اقتصادياً، ويعيشون على أراض مختلفة، ويتكلمون لغات متعددة وليس لهم ثقافة مشتركة. وهذا، مرة أخرى، أمر بدهي واضح. ولكن ستالين ارتكب الخلل التحليلي نفسه الذي ارتكبه كل من لينين وماركس وإنجلز من قبله وهو التعامل مع الظاهرة على مستوى تعميم وتخصيص لا يتفق مع طبيعتها، وقد رفض، بطبيعة الحال، فكرة القومية اليهودية العالمية التي تنتظم كل يهود العالم. ولأن مثل هذه القومية غير موجودة، يتم الانتقال إلى الحد الأدنى، أي افتراض عدم وجود أية وحدة على الإطلاق، دون البحث عن مستوى وسيط من الخصوصية يتمثل في قومية يهودية يديشية مقصورة على يهود شرق أوربا وحدهم دون سواهم.
وقد تبنَّى خروشوف نفس الموقف المطلق الكلي، في تعليق له بجريدة الفيجارو في 9 أبريل 1959، إذ تحدَّث عن اليهود بشكل عام ومجرد، وبيَّن أن اليهود هم المسئولون عن فشل تجربة بيروبيجان «فاليهود منذ أقدم الأزمنة فضلوا الحرف الفردية، وهم لا يحبون العمل الجماعي ولا الانضباط الجماعي، كما أنهم في جميع الأوقات فضلوا أن يكونوا مُشتَّتين. وهم في الواقع فرديون، ومنذ قرون لا تُحصَى، لم يستطيعوا أن يعيشوا مجتمعين، أو أن يستمدوا وجودهم وتوازنهم من أنفسهم» . وهذا حديث لا يختلف عن نقد فولتير أو ماركس لليهود بشكل عام. ولو تخلَّى خروشوف عن مقولة اليهود، وتحدَّث بدلاً من ذلك عن الجماعات اليهودية المختلفة، فربما استطاع أن يُفسِّر الواقع اليهودي في الاتحاد السوفيتي، وأن يبين سبب رفض اليهود الاستيطان في بيروبيجان. ولأن السوفييت يرفضون فكرة أن اليهود يكوِّنون شعباً، فإنهم يرفضون الصهيونية ويعتبرونها حركة رجعية، بل استغلالية.

ومن الواضح أن موقف البلاشفة من المسألة اليهودية، رغم معاداته الضارية للصهيونية ومعاداة اليهود، ورغم اعترافه من البداية باليديشية لغة قومية ورفض الاعتراف باللغة العبرية باعتبارها لغة قومية وهمية، خضع لبعض الوقت للصياغات العامة والمقولات المجردة، مثل مقولة «اليهود ككل» . ولكن هذا الوضع تم تصحيحه فيما بعد بتأسيس منطقة بيروبيجان، إذ كانت هذه الخطوة تعني ضمناً قبول ما رفضه لينين، وهو أنه إذا كان اليهود لا يشكلون أمة بالمعنى المطلق، فيهود روسيا يشكلون أقلية قومية روسية لها وضعها الثقافي المتميِّز ولها خصوصيتها التي لا تستمدها من جوهر يهودي عام، وإنما من تجربتها تحت ظروف اجتماعية وحضارية معينة في شرق أوربا، ولم يبق سوى توفير الأرض لها لتصبح أقلية قومية مثل مئات الأقليات الأخرى في الاتحاد السوفيتي.
وقد حُسمت مسألة الاندماج والعزلة اليهودية، في ثلاثينيات القرن، لا من خلال الأطروحات الماركسية أو البلشفية وإنما من خلال تغيُّرات بنيوية في المجتمع. فمع تصاعد حركة التصنيع داخل الاتحاد السوفيتي، تمتَّع أعضاء الجماعة اليهودية بحراك اجتماعي غير عادي، ونتج عن فرص الترقي أمام اليهود تفتُّت التجمعات اليهودية فزادت معدلات الاندماج واختفت اليديشية تقريباً، ولم تهاجر أعداد كبيرة إلى بيروبيجان. ومما ساعد على الاندماج، الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة التي كانت تضم كثيراً من العناصر اليهودية الشابة والعناصر ذات التوجه الصهيوني التي كان يمكنها أن تحافظ على عزلة اليهود. ولم تكن عملية الدمج والاندماج سهلة أو بسيطة، فتقاليد معاداة اليهود في الاتحاد السوفيتي قديمة وراسخة وكثيراً ما انعكست من خلال البيروقراطية السوفيتية ذاتها.

وإذا انتقلنا من استعراض موقف الفكر البلشفي إلى تأمُّل موقف الاتحاد السوفيتي من المسألة اليهودية، فإننا نجد الأمر لا يختلف كثيراً. فالقانون السوفيتي يجعل من الصهيونية ومعاداة اليهود جريمتين يعاقب عليهما القانون. وقد أُلغيت جميع التنظيمات الصهيونية وأصبح نشاطها غير شرعي، مع أن روسيا كانت مركز النشاط الصهيوني في العالم. ووقف المندوبون السوفييت، في المنظمات والمؤتمرات الشيوعية، ضد السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الماركسية البوروخوفية بالانضمام إليها حتى لا تكتسب أية شرعية.
البلاشفة والصهيونية
‏The Bolsheviks and Zionism
أيَّد الاتحاد السوفيتي قيام الدولة الصهيونية، واعترف بها فور قيامها. ولقد تحدَّث المندوب السوفيتي في هيئة الأمم عن الشعب اليهودي الذي لاقى الاضطهاد، أي أنه كان يتحرك داخل الإطار المجرد والعام لمقولة اليهود التي رفضها البلاشفة من قبل، وليس داخل إطار يهود شرق أوربا بوصفهم أقلية قومية.

ونود هنا أن نطرح عدة تساؤلات هي: هل كان الموقف البلشفي والسوفيتي المبدئي ينبع من اعتبارات عقائدية أم أنه كان وليد الاعتبارات العملية وحدها؟ وهل يُعتبَر إصرار السوفييت على أنه لا يُوجَد شعب يهودي، ثم إصرارهم أيضاً على أن يهود اليديشية لا يُشكِّلون قومية سلافية وكذلك طرحهم الاندماج كنوع من الحل، إصراراً نابعاً من النسق الماركسي أو هو حل نابع من الواقع العملي الروسي السوفيتي؟ نحن نميل إلى الاعتقاد بأن التطورات اللاحقة ترجح أن كلاًّ من الاعتبارات العملية والتقاليد السياسية الروسية القيصرية هي التي قررت مسار القضية، كما نرى أن سياسة البلاشفة تجاه يهود الاتحاد السوفيتي امتداد للسياسة القيصرية الشمولية التي كانت تهدف إلى دمج وتذويب أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم عنصراً غريباً ثقافته ألمانية وولاؤه مشكوك فيه، فألمانيا هي عدو روسيا الأكبر. وهناك من القرائن ما يشير إلى أن مشروع توطين اليهود في شبه جزيرة القرم قد استُبعد بعد البدء فيه نظراً لقرب القرم من ألمانيا، وأنه نُقل إلى بيروبيجان بعيداً عن أي مركز جذب أوربي. ولكن، مع بداية الأربعينيات، وتصاعُد النفوذ النازي الذي كان يشكل تهديداً قوياً للدولة السوفيتية، بدأت الاتصالات بين السوفييت والصهاينة، وشُكِّلت في بداية الأمر لجان يهودية لمناصرة السوفييت ولمناهضة الفاشية. وفي عام 1943، وضمن إطار الاستعدادات للتسوية النهائية لعالم ما بعد الحرب، بدأ السوفييت يتحدثون في إطار أن المشكلة اليهودية ستصبح مشكلة عالمية ملحة مع نهاية الحرب، لا مجرد مشكلة ألمانية أو حتى مشكلة غربية. ومن ثم، فلابد أن يحددوا موقفهم منها بوضوح وفي إطار عالمي.

وفي أكتوبر 1943، قام إيفان مايسكي، نائب وزير الخارجية السوفيتي، بزيارة إلى فلسطين قام خلالها بزيارة الكيبوتسات ومناقشة مشاكل الاستيطان مع بن جوريون وجولدا مائير، ولم يتصل بالجانب العربي قط. ويبدو أن مايسكي بدأ سياسة مراجعة موقف السوفييت من الاستيطان الصهيوني، إذ كان يرى أن «من الواضح أن اليهود الاشتراكيين والتقدميين في فلسطين سيكونون أكثر فائدة لنا من العرب المتخلفين الذين تسيطر عليهم مجموعات إقطاعية من الباشوات والأفندية» . وقد استمرت هذه النغمة طيلة الحرب وبعدها وأصبحت لبنة أساسية في الديباجات الاشتراكية الصهيونية. وأخذ السوفييت يتحدثون عن الدولة الصهيونية باعتبارها الدولة الديموقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنها كانت تسمح للحزب الشيوعي بممارسة نشاطاته بشكل قانوني. كما أن الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية المتطرفة كانت تُشكِّل من وجهة نظرهم نواة للاشتراكية في المنطقة!

ويبدو أن هذا هو المنطق الذي ساد، إذ أن مستشاري ستالين، كما يُقال، قد نصحوه بأن إقامة الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط المتخلف ستُدخل عنصراً من عدم الاتزان والصراع في المنطقة وهو ما سيؤدي إلى تثويرها، حتى ولو كانت هذه الدولة نفسها دولة رجعية واستعمارية! وهذا يعني أنه نسب للدولة الصهيونية نفس الدور أو الوظيفة التي نسبها الفكر الماركسي لليهود بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تقوِّض دعائم المجتمع دون أن تقوم هي ببناء المجتمع الجديد. بل كان هناك رأي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية ستؤدي إلى نوع من أنواع الاستقطاب الطبقي بحيث تتحالف الرجعية الغربية مع الرجعية اليهودية ويتحالف أعضاء الطبقة العاملة من العرب واليهود ضد أعدائهم الطبقيين، أي أن المنطقة بهذه الطريقة يتم إدخالها في العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب الرأسماليين والعمال، بحيث يتم استقطاب كل التفاعلات والتناقضات في عملية واحدة ذات قطبين متعارضين. ولكن مهما كانت الأسباب والدوافع، فإن التطورات اللاحقة بينت خلل المقدمات.
ويرى بعض المحللين العسكريين أن اندفاع موسكو وانضمامها إلى الولايات المتحدة في تأييد قيام دولة يهودية يُعتبَر خطوة ذكية لإحداث شرخ دائم في العلاقات الأمريكية العربية حول فلسطين. فقد كان السوفييت يدركون أنهم لن يخسروا شيئاً في المنطقة لأنهم لا يملكون شيئاً فيها، على عكس وضع الولايات المتحدة الأمريكية التي ستخسر الكثير من جراء هذا الموقف.
ومهما كانت الديباجات، قومية أو طبقية، بيروقراطية أو ثورية، فإن من الواضح أنه قد تقرَّر توظيف فلسطين وشعبها في خدمة المصالح الإستراتيجية للاتحاد السوفيتي، وكان يُفترَض أن انتشار الاشتراكية يخدم هذه المصالح. وقد تكون هذه الديباجات الاشتراكية زائفة أو حقيقية، ولكن ما يهم هو أن الدولة السوفيتية بدأت تدرك دورها باعتبارها قوة عظمى وأن من الضروري أن يكون لها دور تلعبه في الصراع.

وقد ظهر هذا الاهتمام العملي بفلسطين، بوصفها عنصراً يُوظَّف في خدمة المصالح، في صورة تحوُّل كامل على المستوى العقائدي وعلى مستوى الخطاب السياسي. ويُلاحَظ أنه، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأ تأييد الاتحاد السوفيتي لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين يتخذ صوراً واضحة. ففي فبراير عام 1945، عُقد مؤتمر نقابات العمال العالمي في لندن وصوَّت الوفد السوفيتي إلى جانب قرار يؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ونص القرار أيضاً على ضرورة إيجاد علاج أساسي عن طريق عمل دولي لإصلاح الخطأ الذي وقع على الشعب اليهودي، وأن تكون حماية اليهود من الاضطهاد والتمييز في أي بلد من بلدان العالم من واجب السلطات الدولية الجديدة. وأن يُعطَى اليهود الفرصة في الاستمرار لبناء فلسطين كوطن قومي عن طريق الهجرة والاستيطان الزراعي والإنماء الصناعي، على أن يكون ذلك مقروناً بتأمين المصالح الشرعية لكل السكان في فلسطين، وتأمين المساواة في الحقوق والفرص كذلك. وهذا جزء لا يتجزأ من الخطاب السياسي الغربي العلماني النفعي الذي لا تثقله أية مثاليات أو مطلقات.

كما اتفق ستالين مع كل من روزفلت وتشرشل في مؤتمر يالطا في فبراير عام 1945 على ضرورة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، وعلى وجوب إزالة كل معوقات الهجرة اليهودية إلى فلسطين فوراً مقابل السماح للسوفييت بإقامة مناطق نفوذهم في أوربا الشرقية. وبادر الاتحاد السوفيتي في يوليو من العام نفسه إلى الاعتراف بالوكالة اليهودية وسمح بفتح مكتب لها في موسكو. ثم قام جروميكو بتأييد قرار التقسيم حتى يتم التعايش بين الشعبين العربي واليهودي في أبريل 1947. وتحدث جروميكو في 13 أكتوبر 1947 من العام نفسه عن ارتباط الشعب اليهودي (التاريخي) بفلسطين، وأشار إلى الظروف التي وجد الشعب اليهودي نفسه فيها نتيجةً للحرب. وهنا لا نجد مجرد منطق ذرائعي، وإنما نجد كل مكونات الخطاب الغربي العنصري تجاه اليهود باعتبارهم شعباً ومادة استيطانية متحركة لها ارتباط أزلي بفلسطين، الأمر الذي يعطيها حقوقاً أزلية في هذه الأرض، خصوصاً أن ما يعانيه اليهود في الغرب لابد من تعويضهم عنه في الشرق، وهذا هو منطق الإمبريالية. كما يمكن استخدام هذا الوضع لخدمة الحضارة الغربية متمثلة هذه المرة في الاتحاد السوفيتي والاشتراكية العالمية والعلمية. وهذا هو الموقف الغربي التقليدي من الجماعة الوظيفية الوسيطة التي تُستخدَم كأداة. ولذا، ليس من المدهش معرفة أن الاتحاد السوفيتي هو أول دولة منحت إسرائيل اعترافاً قانونياً، وبذلك أعطتها مصداقية كانت في أمس الحاجة إليها. ومما يجدر ذكره أن من مجموع إحدى عشرة دولة اعترفت بإسرائيل خلال شهر واحد من إقامتها كان من بينها ستٌ من دول الكتلة الاشتراكية.

ولم تكن علاقة الاتحاد السوفيتي بالصهيونية على مستوى العقيدة النظرية أو على مستوى الاعتراف القانوني وحسب، وإنما امتدت لتشمل الدعم البشري والعسكري، إذ سهَّل السوفييت عملية الهجرة للعديد من يهود بولندا إلى مناطق احتلال الحلفاء في النمسا وألمانيا مدركين أن هؤلاء المهاجرين سيتوجهون في النهاية إلى فلسطين. كما أن تشيكوسلوفاكيا زودت المستوطنين بالأسلحة التي لعبت دوراً أساسياً. ويبدو أن السوفييت في الخمسينيات، حينما اكتشفوا عدم جدوى الدولة اليهودية وعدم نفعها، قطعوا العلاقات السياسية معها ودخلوا في تحالف مع العرب. ولكن، مع تغيُّر سياسة الدولة السوفيتية باتجاه الانفتاح، شهدت العلاقات مع إسرائيل تحسُّناً مرة أخرى، إلى أن فُتحت بوابات الهجرة على مصاريعها أمام من يريد أن يهاجر من أعضاء الجماعات اليهودية.
الطبقة العاملة اليهودية أو البروليتاريا اليهودية
‏Jewish Working Class or Proletariat
مصطلح «الطبقة العاملة اليهودية» أو «البروليتاريا اليهودية» مصطلح يشبه مصطلحات أخرى مثل «الرأسمالية اليهودية» أو «البورجوازية اليهودية» . ويتمثَّل وجه الشبه في افتراض أن ثمة استقلالاً يهودياً، وأن اليهود يشكلون طبقات خاصة مستقلة عن طبقات المجتمع. ونحن نفضل استخدام مصطلحات مثل: «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «العمال الأمريكيون اليهود» وذلك باعتبار أن اليهود يشكلون جزءاً من كل، ويخضعون إلى حدٍّ كبير لحركيات هذا الكل وآلياته وقوانينه.
العمال من أعضاء الجماعات اليهودية
‏Jewish Members of the Working Class

يستخدم كثير من الدارسين مصطلحات مثل «البروليتاريا اليهودية» و «الطبقة العاملة اليهودية» . وتشير كلمة «البروليتاريا» في اللغات الأوربية إلى طبقة من السكان لا تملك شيئاً بما في ذلك وسائل الإنتاج التي تستخدمها، وتكسب رزقها من عمل يدها، وتُستخدَم هذه الكلمة مرادفة لكلمة «طبقة عاملة» . والبروليتاري هو العامل (مقابل الرأسمالي الذي يمتلك وسائل الإنتاج والفلاح الذي يعمل في الزراعة) . ويشكل مفهوم البروليتاريا اليهودية أو الطبقة العاملة اليهودية إشكالية أساسية في الأدبيات التي تتناول وضع الجماعات اليهودية في أوربا. وقد عبَّر عن هذه القضية المفكر الصهيوني بوروخوف في فكرة الهرم الإنتاجي المقلوب، والتي تتلخص في أن اليهود يتركزون في المهن والحرف ويندُر وجودهم في صفوف الفلاحين والعمال على عكس معظم الشعوب الأخرى. وهو بطبيعة الحال مفهوم قيمته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة إلى أقصى حد. فاليهود ليسوا شعباً، وإنما جماعات يهودية تضطلع بدور الجماعات الوظيفية وتعيش بين مختلف الشعوب، وتتحدَّد طبيعة وظيفتها ووجودها في الهرم الإنتاجي بين المهنيين وبالقرب من أعضاء الطبقة الحاكمة باعتبارهم أداة في يدها لامتصاص فائض القيمة من المجتمع ولإنجاز أغراض أخرى. وقد تحوَّل بعض أعضاء هذه الجماعات إلى عمال انخرطوا في صفوف الطبقات العاملة المختلفة. ولكل هذا، فإننا نفضل استخدام مصطلحات مثل «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «العمال الأمريكيون اليهود» أو أية صيغة أخرى تؤكد أن العمال من أعضاء الجماعات اليهودية ليس لهم وجود يهودي مستقل وأنهم جزء من كل، وذلك لأن القيمة التفسيرية والتصنيفية لمثل هذه المصطلحات أعلى بكثير من مصطلح «البروليتاريا اليهودية» .

وقد انخرطت أعداد كبيرة من يهود اليديشية في شرق أوربا في صفوف الطبقة العاملة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، مع تزايُد معدلات تحديث اقتصاد الإمبراطورية الروسية التي كانت تضم أكبر كتلة بشرية يهودية في العالم. كما انخرطت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة أصغر في الطبقة العاملة في الإمبراطورية النمساوية.
أما في البلاد الأخرى، مثل الولايات المتحدة وإنجلترا وإلى حدٍّ ما فرنسا، فإن تاريخ العمال من أعضاء الجماعات اليهودية مرتبط بالهجرة من شرق أوربا ولا علاقة له بالحركيات الداخلية للمجتمع في أيٍّ من هذه البلاد.

وقد تركت التحولات الاجتماعية الضخمة في روسيا والنمسا أثرها في أعضاء الجماعات اليهودية، إذ فقد كثير من الحرفيين اليهود وظائفهم بظهور الصناعة الحديثة، وكذا التجار والمرابون اليهود الذين كانوا مرتبطين بالاقتصاد الزراعي. كما أن البورجوازيات الصاعدة والدولة القومية المطلقة التي كانت تريد السيطرة على كل جوانب الإنتاج، حرَّمت على اليهود العمل في بعض الوظائف التي كانوا يضطلعون بها كجماعة وظيفية، مثل صناعة الكحول والاتجار فيها. وأدَّى هذا الوضع إلى وجود عمالة يهودية ضخمة لا تمتلك وسائل الإنتاج وليس لديها رأس مال كاف الأمر الذي جعلها تنخرط في صفوف الطبقات العاملة، وكانت هذه العملية صعبة بعض الشيء في أوربا الشرقية بسبب الميراث الاقتصادي والتقاليد السائدة. أما العناصر المهاجرة، وهي عناصر أكثر حركية في العادة، فلم تجد صعوبة شديدة في التحول إلى عمال بسبب عدم وجود عوائق نفسية أو حضارية أو قانونية، وإن كان الميراث الاقتصادي ووضعهم كمهاجرين قد وجههم نحو قطاعات معينة دون غيرها. ومن الأمور التي تستحق التسجيل أن الصناعات التي كان يملكها يهود داخل منطقة الاستيطان استفادت في بداية الأمر من العمالة اليهودية. أما في الولايات المتحدة، فقد نجح أصحاب مصانع النسيج من اليهود من أصل ألماني في أن يستفيدوا من العمالة اليهودية الوافدة واستغلوها استغلالاً كاملاً فيما يُسمَّى «ورش العَرَق» . وقد بلغ عدد العمال من أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا، قبل الحرب العالمية الثانية، مليوناً ونصف المليون من مجموع يهود العالم البالغ عددهم نحو ستة عشر مليوناً، منهم: 400 ألف في الولايات المتحدة، و300 ألف في الاتحاد السوفيتي، و300 ألف في بولندا، و100 ألف في فلسطين، و400 ألف في البلاد الأخرى مثل إنجلترا وفرنسا وألمانيا والمجر ورومانيا وبلدان أمريكا اللاتينية. ويُلاحَظ أن هذه الأرقام تشير إلى العمال وحسب، ولا تشير إلى كل

العاملين في الصناعة من موظفين إداريين.
وقد ترك الميراث الاقتصادي لليهود أثره في العمال من أعضاء الجماعات اليهودية. فيُلاحَظ تركُّزهم في صناعات بعينها دون غيرها مثل صناعة الملابس والخياطة. وهذا يعود في الواقع إلى اشتغال اليهود بالربا وأعمال الرهونات. وكان من أكثر أعمال الرهونات الملابس المستعملة التي كان اليهودي يُعيد ترقيعها وبيعها. كما أن عدم كفاءة العمال اليهود، بسبب انخراطهم المتأخر في سلك الطبقة العاملة، ساهم في توجيههم نحو صناعات بعينها دون غيرها. وتتسم الصناعات التي تركَّز فيها اليهود بصغر حجمها وقربها من المراحل النهائية للإنتاج مثل إنتاج السلع المُصنَّعة أو نصف المُصنَّعة مقابل إنتاج وسائل الإنتاج، وهي صناعات لا تتطلب كفاءات عالية، بل تستند أحياناً إلى الصناعات المنزلية.
وتدل إحصاءات عام 1897 في روسيا على صدق هذا القول، إذ بلغ عدد العمال اليهود الذين تركزوا في النشاطات الصناعية الأساسية أو الأولية، مثل سبك المعادن، نحو 7.7%. أما في صناعات المرحلة الوسطى أو المرحلة الثانية، مثل صناعات المعادن والنسيج والبناء، فقد بلغت نسبتهم 19,7%، وبلغت نسبة العاملين في صناعات المرحلة النهائية أو صناعات المرحلة الثالثة، مثل الأطعمة والمشروبات والتبغ والملابس، نحو 45,5%.

أما في جاليشيا، ففي المجموعة الأولى الأساسية نجد 9و5%، وفي المجموعة الوسيطة الثانية 14,5%، وفي المجموعة النهائية الثالثة 47,7%. والنمط نفسه يوجد في بولندا، ففي إحصاء عام 1921 نجد أن 1,5% من العمال اليهود يُوجَد في المناجم، و3,4% في صناعة المعادن، و0,8% في صناعات الآلات، و2,9% في الصناعات الكيميائية، و2,9% في صناعة البناء، و5,9% في صناعة الأخشاب، و13,7% في صناعة النسيج، و43,6% في صناعة الملابس، و12,5% في صناعة الأغذية. وقد وُزِّعت البقية على كل الفروع الأخرى. ومعنى ذلك أن العمال اليهود يوجدون أساساً في الصناعات الاستهلاكية. وربما كان الاستثناء الوحيد للقاعدة هو فلسطين، حيث كان العمال من المستوطنين الصهاينة يعملون في الصناعات كافة، وكان هذا جزءاً من المخطط الإحلالي الذي أخذ شكل اقتصاد صهيوني منفصل يكتفي بالعمالة اليهودية. كما يُلاحَظ أنه في الاتحاد السوفيتي، بعد عام 1928، بدأ يتواجد العمال اليهود في جميع الصناعات بما في ذلك الصناعات الثقيلة. ولكن، مع هذا، ظل النمط الأساسي الذي أشرنا إليه سائداً.

وحيث إن العمال من أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يتركزون في صناعات خفيفة، لذا نجد أن هذا انعكس على نفوذهم وثقلهم الذي ظل ضئيلاً، فمارسوا ضغطهم من خلال الاتحادات والأحزاب العمالية المختلفة القائمة، أي أنهم لم يشكلوا حركة عمالية يهودية مستقلة. ومع هذا، ظهر حزب البوند الذي حاول تنظيم العمال اليهود من المتحدثين باليديشية. ويُلاحَظ أن حزب البوند لم يكن يتحدث عن طبقة عاملة يهودية عالمية، وإنما كان يتحدث عن عمال يهود في شرق أوربا لهم ظروفهم الثقافية (وربما الاقتصادية) الخاصة، وهو الرأي الذي رفضه البلاشفة. ومع اختفاء الثقافة اليديشية، اختفى تماماً أي أساس لوجود تنظيم عمالي يهودي (يديشي) مستقل. وعلى كلٍّ لم يَعُد هناك عمال يهود في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أي أن أحفاد العمال من أعضاء الجماعات اليهودية دخلوا الجامعات وانخرطوا في صفوف المهنيين والطبقة الوسطى وحققوا حراكاً اجتماعياً ابتعد بهم عن إطار العمال والعمل اليدوي.
الحركة الشعبوية الروسية (نارودنكي (
‏Narodnichestvo (Narodniki)

«الحركة الشعبوية الروسية» حركة ظهرت بين فئة المثقفين الروس في الستينيات من القرن التاسع عشر وعُرفت باسم «نارود نيشيتفو» ، وعُرف أتباعها باسم «النارودنيك» نسبة إلى «النارود» أو «الشعب العضوي» (فولك) وسنشير إليهم بمصطلح «الشعبويون الروس» . وقد اشتد نشاط هذه الجماعة خلال السبعينيات ووصلت إلى ذروتها حينما قام جناحها الإرهابي باغتيال ألكسندر الثاني، قيصر روسيا، عام 1881. وعبَّرت هذه الحركة عن نفسها بالدعوة إلى «العودة إلى الشعب» حيث كان الشعبويون يسعون إلى الاختلاط والاندماج مع الشعب الكادح والعمل على تثويره وخدمة الفلاحين في مطالبهم ومصالحهم اليومية. وجمعت هذه الحركة بين الفكر الاشتراكي الغربي والفكر الماركسي ومفاهيمه حول فائض القيمة ورفض الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج من جهة، ومن جهة أخرى النزعة السلافية المشيحانية وإيمانها بالشعب الروسي، وخصوصاً جماهير الفلاحين، وبالفضائل الكامنة فيه. وفي حين كانت النزعة السلافية ترى أن سرَّ الحياة والحقيقة الدينية مستترة وكامنة في هذا الشعب، كان الشعبويون يؤمنون بأن الحقيقة الاجتماعية كامنة فيه، وأن هذه الحقيقة محجوبة عن الطبقات الحاكمة المثقفة التي تقوم حياتها وثقافتها على استغلال عمل الشعب، وبالتالي فيجب على فئة الإنتليجنسيا (المثقفين) التي انفصلت عن الشعب، الذي يعيش ملتصقاً بالأرض، أن تعود إلى الشعب وإلى الأرض. كما آمن الشعبويون بطريق خاص لتطوُّر روسيا وأن بإمكانها الإفلات من مرحلة الرأسمالية البورجوازية وفظائعها والانتقال مباشرة إلى الاشتراكية الحديثة، خصوصاً أن حياة الفلاح تدور حول «الكوميون» أو القرية المشاعية التي مجَّدها الشعبويون مثلما مجَّدها قبلهم أنصار النزعة السلافية واعتبروها نتاجاً أصيلاً للتاريخ الروسي، والنمط المثالي أو الأعلى الذي يجب أن يحتذيه المجتمع بأسره في عمليات الإنتاج والتوزيع.

وانضم كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من المثقفين إلى هذه الحركة، وكانوا من دعاة الاندماج الذين يؤمنون بأن حل المسألة اليهودية يأتي من خلال تحرير الجماهير الروسية أولاً، وبالتالي أعطوا أولوية للعمل الثوري داخل الإطار الروسي على العمل من أجل حل مشاكل اليهود. كذلك اعتبروا أن الجماعة اليهودية في روسيا في أغلبها طبقة بورجوازية من التجار والحرفيين المستغلين. وأكد بانيل أكسيلرود (1850 ـ 1928) ـ وهو من أهم المثقفين الروس اليهود من الشعبويين، إيمانه بأن المسألة اليهودية لن تُحَل إلا بتحرير الجماهير الروسية. ومن هذا المنطلق، شارك الثوريون اليهود الشباب الروسي في حركة «الذهاب إلى الشعب الروسي» والعمل الدعائي والتنويري بين جماهير الفلاحين. وكما قال أحد الثوريين اليهود آنذاك: «نحن شعبويون روس، والفلاحون هم إخواننا الطبيعيون» . ولكي يكسبوا ثقة الفلاحين، قام الشعبويون من اليهود وغير اليهود بتعلُّم الزراعة والحرف والتعرف على التقاليد الشعبية للفلاحين وأسلوب حديثهم وارتدوا ملابسهم. بل ذهب بعض اليهود إلى أبعد من ذلك حيث اعتنق بعضهم المسيحية الأرثوذكسية (وذلك رغم أن فلسفة الحركة الشعبوية كانت فلسفة إلحادية ووضعية) حتى يوجدوا رابطة روحية بينهم وبين الفلاحين المتدينين، فالمسيحية الأرثوذكسية بالنسبة للشعبويين الروس كانت جزءاً من الفلكلور أو الميراث الثقافي الشعبي الروسي. ومن أبرز الشعبويين الروس اليهود جوزيف أبتكمان الذي اعتنق المسيحية، وكذلك ليف ديتش اليهودي المتروِّس الذي ارتدى ثياب الفلاحين وعمل بينهم في القرى الروسية.

ولكن جهود الشعبويين لم تنجح في نهاية الأمر، فهم من ناحية تعرضوا للمطاردة والاعتقال والمحاكمات السياسية من قبَل السلطات. ومن ناحية أخرى، لم تتجاوب معهم جماهير الفلاحين التي وجدت أفكار المثقفين القادمين من المدن غريبة عليهم، كما كان افتقار الشعبويين إلى الدين من دواعي نفور الشعب الروسي المتدين منهم، والذي قام أفراده أنفسهم بتسليمهم إلى أيدي السلطات.
وتُعَدُّ سيرة حياة أكسيلرود وتأرجُحه بين الحلول الشعبوية والثورية من جهة والحل الصهيوني من جهة أخرى نمطاً متكرراً بين كثير من المثقفين الروس اليهود الثوريين. وأكسيلرود هو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الروسي، وُلد في إقليم شيرنيجون وعاش طفولته في فقر شديد. وقد بدأ أكسيلرود نشاطه الثوري عام 1872 حينما كان طالباً في كييف، وانضم للحركة الشعبوية الروسية. ولكنه اضطر تحت وطأة الاضطهاد القيصري إلى الفرار عام 1874 إلى الخارج حيث عاش لفترة في برلين درس خلالها الحركة الاشتراكية الألمانية، ثم استقر في جنيف حيث واصل نشاطه الثوري. وكان على اتصال وثيق بمنظمة «الأرض والحرية» وقام بتحرير جريدتها. وقد تكونت هذه المنظمة السرية عام 1876 كرد فعل للمطاردة الحكومية.
وعلى صعيد العمل السياسي، اختلف الشعبويون فيما بينهم، إذ اجتمعت آراء الجناح المعتدل على أهمية العمل التنويري والدعائي بين جماهير الفلاحين من أجل تقويض النظام القيصري وفرض نظام ديموقراطي. ولكنهم اختلفوا حول كيفية تنفيذ ذلك المخطط، فآمن الفوضوي باكونين بأنه يكفي تحريض الشعب على الثورة دون أن تسبق ذلك مرحلة تعليم للشعب، وأن قوة الانتفاضات الفلاحية ستنتج عنها تحولات سياسية. أما لافروف، فكان يرى ضرورة تنوير الشعب وتعليم جماهير الفلاحين أولاً على أن تَعقُب ذلك الإصلاحات السياسية والثورة.

أما الجناح الراديكالي، فدعا إلى الإطاحة بالنظام القيصري بالقوة واستيلاء أقلية ثورية على السلطة تفرض سلطانها على جماهير الشعب وتقوم بتعليمه وتنويره إلى أن يصل إلى مرحلة كافية من الثقافة والتعليم تسمح له بالمشاركة في الحكم.
وبعد أن أخفقت حركة المثقفين المتجهة صوب الشعب وتبددت أوهام الشعبويين الروس في الفلاحين، بدأت عودتهم إلى المدن. ومن هنا، بدأ التحول من النشاط السلمي إلى العنف والإرهاب. وقد عمَّق هذا التطور الخلافات بين الجناح المعتدل والجناح الراديكالي داخل الحركة وانتهى بانشقاقها عام 1879 حيث اتجه المعتدلون بقيادة أكسيلرود (الذي عارض اللجوء إلى العنف) وبليخانوف إلى تأسيس منظمة كانت تهدف إلى توزيع أراضي النبلاء على الفلاحين. أما الجناح الراديكالي، فاتجه إلى تأسيس منظمة «إرادة الشعب» التي كانت تهدف إلى حل المشكلة السياسية بالقضاء على الملكية المطلقة والاستيلاء على السلطة بأقلية ثورية (عن طريق الإرهاب) ، وقامت بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات السياسية انتهت باغتيال ألكسندر الثاني في مارس 1881.

ولعب الشعبويون اليهود دوراً نشيطاً في هذه المرحلة أيضاً، خصوصاً في المجال التنظيمي والإداري، حيث ساهموا في تأسيس الحلقات الثورية وتوزيع المنشورات والمطبوعات السرية وتنفيذ عمليات الاغتيال. وكان من بينهم أعرون جوبيت الذي أُعدم عام 1879 بتهمة محاولة اغتيال ألكسندر الثاني، ومارك نيثانسون وأهارون زوندبليفيتش اللذان شاركا في تأسيس منظمة «الأرض والحرية» ، وقد كان زوندبليفيتش عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة «إرادة الشعب» . وكان من بين طلبة المعهد الحاخامي في فيلنو أولئك الذين انضموا إلى الحركة مثل أهرون ليبرمان وفلاديمير أيوخيلسون (وكان من دعاة استخدام الإرهاب كسلاح سياسي، وشارك في تنفيذ عمليتين إرهابيتين) . كذلك شارك جريجوري جولدنبرج الذي كان عضواً في «إرادة الشعب» في العمليات الإرهابية ومات منتحراً عام 1880 بعد اعتقاله وبعد أن اعترف على رفاقه. أما هيسي هيلفمان، فأُدينت بالاشتراك في اغتيال ألكسندر الثاني عام 1881 وتوفيت في السجن.
وأعقب اغتيال ألكسندر الثاني عملية قمع واسعة للحركة أسرعت بأفولها وتمزُّقها. ومع ذلك، نجد أن كثيراً من ملامح الحركة الشعبوية الروسية وجدت طريقها إلى المنظمات اليهودية ذات النزعة القومية أو الصهيونية والتي بدأت تتشكل في تلك الفترة، وذلك في أعقاب ما شهدته أعوام 1881 - 1883 من تزايُد الاضطهاد والهجمات ضد الجماعات اليهودية نتيجة تعثُّر التحديث في روسيا (وهو ما أصاب جميع الأقليات أيضاً) ، وقد آمنت هذه المنظمات ومن أهمها جمعيات أحباء صهيون بالنارود، أى الشعب العضوي الكادح، ولكنه في هذه الحالة، في تصوُّرهم، هو «الشعب اليهودي» فدعت إلى ضرورة الذهاب إلى هذا الشعب اليهودي، كما نادت بالعودة إلى الأرض (أي فلسطين) والعمل الزراعي والمشاعية.

ويُعتبَر الحزب الاشتراكي الثوري، الذي تأسَّس عام 1901، وريث الحركة الشعبوية وحزب «إرادة الشعب» الذي ساهم في تأسيسه حاييم جيتلويسكي. وقد حدثت تطورات في فكر أكسيلرود حيث وجد نفسه منجذباً نحو أفكار حركة أحباء صهيون ونحو ضرورة دعوة الشباب والمثقفين اليهود إلى " الذهاب إلى الشعب العضوي " (اليهودي) والعمل بين الجماهير اليهودية. وفي أوائل عام 1882، بدأ في تحضير منشور حمل عنوان "حول مهام الشباب اليهودي الاشتراكي" أعرب فيه عن تبدُّد أوهام الشباب الثوري اليهودي تجاه موقف الحركة الثورية الروسية بالنسبة لمشاكل الجماعة اليهودية في روسيا (وكان بعض زعماء الحركة قد أيَّدوا الهجمات ضد اليهود) ، وأكد أن هذه الجماعة تشكل «أمة» وأنها تواجه كراهية قطاع واسع من الجماهير المسيحية بغض النظر عن الانتماءات الطبقية لأعضاء الجماعة. ولكنه فسَّر هذه الكراهية في ضوء الوضع الاجتماعي والاقتصادي الخاص بالجماعة اليهودية في روسيا والذي تكَّون داخل سياق تاريخي معيَّن، حيث يشتغل قطاع واسع من أعضاء الجماعة في الأعمال الوسيطة غير المنتجة التي تنطوي على قدر كبير من استغلال الجماهير الروسية. وقد رأى أكسيلرود صعوبة تحولهم إلى قطاعات منتجة في ظل الأوضاع التي كانت قائمةً في روسيا، كذلك رأى صعوبة اندماجهم بين الجماهير الروسية الريفية أو العمالية التي اعتبرها أكثر تخلُّفاً من الناحية الثقافية بالمقارنة باليهود. ومن ثم، شجَّع فكرة الهجرة إلى الخارج سواء إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم التحول إلى طبقة منتجة، أو الانصهار مع السكان المحليين، أو الهجرة إلى فلسطين التي يمكن أن تكون «بفضل الميراث التاريخي، وطن اليهود الحقيقي ودولتهم الصغيرة الخاصة بهم» . وهنا نلاحظ ميلاد الصهيونية الاشتراكية (على طريقة بوروخوف) من رحم الأفكار الشعبوية والثورية الروسية، تماماً كما وُلدت الصهيونية التنقيحية من رحم الفاشية الأوربية، والصهيونية

الدبلوماسية من رحم الليبرالية الغربية، وكما وُلدت مدارس الصهيونية كلها من رحم الإمبريالية الغربية والاستعمار الاستيطاني الغربي. وواجهت آراء أكسيلرود هذه معارضة شديدة من رفاقه ومن بينهم رفاقه اليهود، وخصوصاً ليف رايتش الذي أكد أولوية العمل الثوري الاشتراكي على أية اعتبارات إثنية أو قومية أخرى، ونجح في إقناع أكسيلرود بالعدول عن موقفه، والذي حسم أمره في نهاية الأمر لصالح الاتجاه الثوري الاندماجي وتحوَّل تماماً إلى الماركسية وأصبح من المعارضين لكل من حزب البوند والصهيونية.
وفي عام 1883، شارك أكسيلرود في تأسيس حركة تحرير العمل التي تحوَّلت بعد ذلك إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وشارك في تحرير جريدة الحزب (إيسكرا) . وبعد انشقاق الحزب عام 1903، انضم أكسيلرود إلى المناشفة وأصبح أحد زعمائهم، وعاد إلى روسيا عقب ثورة فبراير عام 1917. وبعد قيام الثورة البلشفية، اعتزل أكسيلرود العمل السياسي واستقر في برلين حيث ظل معارضاً للنظام البلشفي واتهمه بأن «ديكتاتورية البروليتاريا» التي زعم أنه أقامها ما هي إلا ديكتاتورية مفروضة على البروليتاريا. وقد أصدر عدداً من الأعمال حول الفكر الاشتراكي الديموقراطي إلى جانب مذكراته التي صدرت عام 1922 تحت عنوان حياتي وأفكاري.
البوند (حزب (
‏The Bund

«بوند» كلمة يديشية معناها «الاتحاد» ، وهي الكلمة الأولى في عبارة «الاتحاد العام للعمال اليهود في روسيا وبولندا وليتوانيا» . وهو أهم التنظيمات الاشتراكية اليهودية في شرق أوربا. وقد تأسَّس الحزب داخل منطقة الاستيطان في مقاطعات ليتوانيا وروسيا البيضاء التي كانت تتميَّز بوجود عمال يهود متركزين بأعداد كبيرة نسبياً في الصناعات. كما أن الكثافة السكانية اليهودية ككل كانت عالية إلى حدٍّ ما، الأمر الذي كان يعني عزلة اليهود عن بقية السكان. وعُقد الاجتماع التأسيسي للحزب سراً في فلنا في أكتوبر عام 1897، أي بعد مرور أقل من شهرين على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول. وحضر الاجتماع ثلاثة عشر مندوباً كان من بينهم ثمانية عمال. وكان الحزب يُعَدُّ أكبر الأحزاب اليهودية وأكثرها جماهيرية، فكان يضم في صفوفه جماهير يهودية يفوق عددها عدد أعضاء المنظمة الصهيونية في شرق أوربا بل في العالم كله. فقد كان عدد أعضاء حزب البوند في الفترة 1903 ـ 1905 ما بين 25 و35 ألفاً، وقيل إن العدد قد وصل إلى 40 ألفاً عام 1905.

ويُقسَّم تاريخ حزب البوند في العادة إلى مرحلتين. ويمكن تقسيم المرحلة الأولى بدورها إلى فترتين، وقد سيطرت في الفترة الأولى من المرحلة الأولى عناصر ثورية من المثقفين على قيادات الحزب. ويُلاحَظ أن برنامج الحزب في سنواته الأولى لم يكن له توجُّه محلي أو يهودي واضح، فكانت قيادته ترى أنه حزب اشتراكي روسي يضطلع بمهمة التجنيد الثوري في القطاع اليهودي للطبقة العاملة. وتقبَّل الحزب يهودية العمال اليهود ولغتهم اليديشية بوصفها مجرد حقائق تؤخذ في الاعتبار. ولذا، أكد الحزب في برنامجه أهمية اللغة اليديشية باعتبارها إحدى الوسائل العملية للوصول إلى الجماهير اليهودية. ولكنه رفض من البداية أية تصورات صهيونية لقومية يهودية عالمية، وطرح بدلاً من ذلك مفهوماً كان يُشار إليه بكلمة «دوإكييت» اليديشية والتي تعني «هنا» ، أي الاهتمام بأوضاع أعضاء الجماعة اليهودية (هنا) في شرق أوربا خارج أي إطار يهودي عالمي وهمي. ولذا، كان البوند يعارض التعاون مع الحركات العمالية اليهودية في البلاد الأخرى (وقد ظل الالتزام بهذا المفهوم أحد ثوابت النظرية البوندية) . بل إن حزب البوند كان يرى أن وجود حركة عمالية يهودية مستقلة هو مرحلة مؤقتة انتقالية، وأن الهدف النهائي هو الاندماج في الشعب الروسي (أو البولندي) .

وفي هذا الإطار، أكد الحزب التزامه بالماركسية واهتمامه بالمصالح العامة للطبقة العاملة ككل بصفة أساسية وبالمصالح الخاصة بالعمال اليهود بالدرجة الثانية، وانضم إلى الحزب العمالي الديموقراطي الاشتراكي الروسي عام 1898، وكان البوند أحد مؤسسي هذا الحزب. وقد كان عدد المندوبين في اللجنة التأسيسية للحزب تسعة من بينهم ثلاثة من أعضاء البوند. وقام الحزب بنشاطات واسعة ذات طابع سياسي في صفوف العمال من أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت تتزايد أعدادهم بسبب تزايُد معدلات التحديث الاقتصادية والتصنيع في روسيا وتعثُّرها من الناحية الاجتماعية مع نهاية القرن. وأدَّى نجاحه في نشاطه إلى تأليب النظام الروسي القيصري ضده.
وفي هذه الآونة، كان المفكران الروسيان اليهوديان سيمون دبنوف وحاييم جيتلوسكي قد صاغا نظريتهما عن قومية الدياسبورا (أو بتعبير أدق قوميات الجماعة اليهودية، وربما أيضاً: القومية اليديشية) . وتذهب هذه النظرية إلى أن ثمة ثقافات يهودية مستقلة عن بعضها البعض وعن الحضارات التي يتواجد داخلها اليهود، وأن استقلال اليهود الثقافي النسبي عن محيطهم الحضاري لا يعني ارتباطهم جميعاً على مستوى يهودي عالمي. وأكد دبنوف أن الجماعة اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) لها هوية ثقافية مختلفة عن الهويات اليهودية الأخرى التي نشأت في أماكن وأزمنة أخرى، وأن هذه الهوية تستحق الحفاظ عليها وتطويرها على أرض شرق أوربا ذاتها دون الحاجة إلى الهجرة إلى فلسطين، وهي الهجرة التي كانت تتم في إطار تصوُّر وجود هوية يهودية عالمية واحدة.

ووجدت هذه النظرية صدى لدى قيادات البوند، خصوصاً أن التأكيد على الخصوصية اكتسب شيئاً من الشرعية الماركسية من القرار الذي اتخذه الحزب الديموقراطي الاشتراكي في النمسا، والذي بمقتضاه غيَّر الحزب بنيته من حزب مركزي إلى حزب فيدرالي قومي يتفق بناؤه مع التعددية القومية التي كانت تسم النمسا آنذاك. كما أن الواقع الفعلي لكثير من أعضاء الحزب كان يؤكد أنهم أقلية قومية شرق أوربية (يديشية) لها لغتها وهويتها الثقافية الخاصة. وقد ساهم التحديث المتعثر في روسيا القيصرية في هذه الآونة في دعم هذه الهوية وفي تعميق كثير من أبعادها، ولعل هذا يُفسِّر سبب تَرعرُع الثقافة اليديشية وازدهارها. وقد أعلن البوند في مؤتمره الرابع عام 1901 أن اليهود يشكلون أقلية إثنية لا دينية وأن مصطلح أمة (كما هو مستخدم في روسيا) ينطبق عليهم. وهنا تبدأ الفترة الثانية من المرحلة الأولى، حيث دعا الحزب إلى إعادة تأسيس روسيا كاتحاد فيدرالي من القوميات مع إدارة ذاتية قومية كاملة لكل أمة دون إشارة إلى الإقليم الذي تسكنه. ومع هذا، تقرر ألا يقوم البوند بحملة من أجل الإدارة الذاتية اليهودية حتى لا يتضخم الشعور القومي لدى أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي قد يمُيِّع الوعي الطبقي للعمال. ولكن هذا التحفظ الأخير لم يُطبَّق، وأُلغي رسمياً في المؤتمر السادس (عام 1905) . وكان البوند قد أكد في مؤتمره الخامس (عام 1903) حقه كممثل للعمال اليهود في أن يضيف إلى برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي العام مواد لا تتعارض مع ذلك البرنامج، وتتوجه في الوقت نفسه إلى مشاكل العمال اليهود الخاصة. واقترح البوند على مؤتمر الحزب الاشتراكي عام 1903 الاعتراف بأعضاء الجماعة كأقلية قومية روسية لها حق الإدارة الذاتية مثل بقية الأقليات. لكن الطلب رُفض، فانسحب ممثلو البوند.

ويُلاحَظ تذبذب البونديين بين نظرتين إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، إحداهما ترى أنهم يشكلون طبقة عاملة يهودية ذات هوية يهودية شرق أوربية محلية أي يديشية، ولذا لا يمكن دمجها بشكل كامل في الطبقة العاملة الروسية. ويرى الموقف الآخر (البلشفي) أن ثمة طبقة عاملة روسية، وأن العمال اليهود هم جزء لا يتجزأ منها، ومن ثم يكون حل مشكلة اليهود القومية والطبقية هو الاندماج. ويدل تذبذب قيادة البوند على مدى ذكائهم الحضاري ومدى التصاقهم بجماهيرهم التي كانت لها هوية مستقلة آخذة في التبلور. فهذه الجماهير كانت كتلة بشرية كبيرة تَصلُح أساساً لتطوير شخصية قومية شرق أوربية يديشية مستقلة. ولكن، لأن هذه الهوية ليست متبلورة وإنما آخذة في التبلور، طرح فلاديمير ميديم (1879ـ 1923) ، أحد منظري الحزب، فكرة " الحياد " التي تذهب إلى أنه لا يمكن تحديد الشكل الذي سيحقق من خلاله أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا بقاءهم، فهم قد يحتفظون بهويتهم وقد يندمجون في محيطهم الثقافي. وتصبح مهمة البوند بالتالي هي أن يحارب من أجل التوصل إلى إطار سياسي يضمن حرية التطور لكل من الاتجاهين، وألا يتخذ أية خطوات من شأنها أن تساعد على الاستمرارية الإثنية أوعلى عمليات التذويب. ولذا، لم تستمر القطيعة طويلاً مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي وعاد البوند إلى التحالف معه عام 1906. وبعد أن مارس الحزب نشاطه بشكل علني بعد ثورة 1905، وسَّع نشاطاته ووصل إلى قطاعات كبيرة من أعضاء الطبقة العاملة من اليهود. ولكنه بدأ ينتكس بعد عام 1908 (وهي الفترة التي شهدت المد الرجعي في روسيا) حيث قُبض على رؤساء الحزب وتم نفيهم، وانحصر اهتمام الحزب لبعض الوقت في الأمور الثقافية مثل اليديشية، واشترك في عدة مؤتمرات ومؤسسات ثقافية ذات طابع يهودي روسي عام مثل جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا.

ورغم تأكيد البوند الهوية اليديشية، وربما بسبب هذا، نجده يقف في حزم ضد الرؤية الصهيونية للقومية اليهودية العالمية التي تضم اليهود في كل زمان ومكان. وقد بيَّن البوند أن المشروع الصهيوني لن يؤدي إلى حل المسألة اليهودية لأن الدولة الصهيونية لن تستوعب كل يهود العالم، كما أنها تُفقد يهود العالم حقهم في المطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية حيثما وجدوا. ذلك بالإضافة إلى أن إنشاء هذه الدولة يجعل الصراع بين اليهود والعرب أبدياً، كما أن بقاءها يعتمد على رضا يهود الغرب. وقد بيَّن البوند أن الافتراض الصهيوني بأزلية معاداة اليهود بين الأغيار يهدف إلى تمييع الصراع الطبقي وإعاقة تطوُّر شعور المواطنة لدى اليهود وإلى تقوية عقلية الجيتو.
وتبدأ المرحلة الثانية في تاريخ الحزب بحدوث تغيير أساسي في صفوف الحزب في تلك الآونة، إذ انسحب المثقفون من قيادته، وأصبحت أغلبية أعضائه وقياداته من العمال. وزاد التركيز على خصوصية العمال اليهود وعلى خصوصية وضعهم. ولذا، كانت لغة المؤتمر العاشر للحزب (عام 1910) هي اليديشية، كما اتُخذت قرارات تدعو إلى استخدام هذه اللغة في المدارس والمؤسسات وإلى اشتراك الحزب في انتخابات الدوما (البرلمان) لعام 1912. وحينما حدث الانشقاق بين البولشفيك والمنشفيك، انضم البوند إلى المنشفيك لقبولهم مبدأ الإدارة الذاتية، ولأن لينين والبلاشفة بشكل عام رفضوا فهم البوند للمسألة اليهودية (أو المسألة اليديشية) ولخصوصية وضع العمال من يهود اليديشية.
وبعد اندلاع الثورة عام 1917، زادت عضوية البوند بسرعة ووصلت إلى خمسة وأربعين ألف عضو. ولكن أعداداً كبيرة منهم انضمت إلى الحزب الشيوعي، وكوَّن بعض أعضاء الحزب في أوكرانيا حزباً بوندياً شيوعياً، ولكن أعضاءه انضموا أيضاً إلى الحزب الشيوعي بعد تصاعُد الهجمات ضد أعضاء الجماعة اليهودية. وتم القضاء على ما تبقى من البوند عام 1919.

وهاجرت شرذمة صغيرة من البوند إلى برلين بعد الثورة، واستمرت في نشاطها الحزبي وأصدرت مجلة. ولم يبق من الحزب سوى أرشيفه الذي نُقل إلى جنيف عام 1927 ثم إلى باريس عام 1933.
وكانت هناك أحزاب بوند في أماكن أخرى من بينها جاليشيا ورومانيا، ولكن أهم هذه الأحزاب هو حزب البوند في بولندا الذي استقل في نشاطاته حين عُزل عن روسيا نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد ازداد الحزب راديكالية في بولندا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي اليهودي في جاليشيا عام 1919. ثم انضم الحزبان إلى الكومنترن، الأمر الذي تسبَّب في قمع الحكومة لهما. واختفى حزب البوند بين عامي 1920 و1924،ولكنه حينما عاود الظهور في عام 1924 أصبح أكبر حزب عمالي يهودي في بولندا، فأصدر مجلة أسبوعية وأخرى شهرية وجريدة يومية وبلغت عضويته سبعة آلاف (ويُقال 12 ألفاً) إلى جانب منظمة شبابية كانت تضم عشرة آلاف عضو.
ولعب حزب البوند دوراً مؤثراً في الحياة السياسية في بولندا. فاستمر في حربه ضد الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية، وكان يحصل على أغلبية الأصوات في انتخابات اتحادات نقابات العمال اليهود التي كانت تضم نحو تسعة وتسعين ألف عامل في عام 1939. وساهم الحزب في تأسيس منظمة المدارس اليديشية المركزية، كما كان يسيطر على نحو 80% من كل المؤسسات التعليمية اليديشية. واستمر البوند في معارضته للعبرية.
ووصل البوند في بولندا إلى قمة نفوذه السياسي بين عامي 1936 و1939، حين حصل على أغلبية أصوات اليهود في انتخابات البلديات، نظراً لأنه كان ينظم الجماهير اليهودية وغير اليهودية في الحرب ضد معاداة اليهود. وبعد الاحتلال النازي، اشترك البوند في المقاومة ضده. وقد تم القضاء على البوند مع تصفية معظم أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا على يد النازيين.

ويُلاحَظ أن حزب البوند لايزال له فروع في الولايات المتحدة وبريطانيا تضم كبار السن من نشطاء الحزب السابقين في بولندا وروسيا. وقد كوَّنت البقية الباقية من أعضائه وفروعه اتحاداً عالمياً له هيئة تنفيذية مقرها نيويورك، وقد عقدت هذه الهيئة مؤتمراً عاماً في أبريل عام 1965، والمنظمة عضو في الاشتراكية الدولية. ولا يزال الحزب يرفض الفكر الصهيوني ويحاول أن يأخذ موقفاً محايداً من الصراع العربي الإسرائيلي.
ورغم الجماهيرية الواضحة للبوند أثناء فترة نشاطه، سواء في روسيا أو في بولندا، فإن أثره في تواريخ أعضاء الجماعات كان محدداً. ولعل هذا يعود إلى عدة أسباب:
1 ـ ارتبط البوند من البداية بثقافة اليديشية التي ازدهرت لفترة محدَّدة، بسبب تعثُّر التحديث في شرق أوربا بعد عام 1880، وحتى في هذه الفترة كان عدد المتحدثين باليديشية آخذاً في التناقص.
2 ـ يحوي برنامج حزب البوند جوانب اندماجية عديدة، ولذا فإن الاختفاء هو في واقع الأمر جزء من البرنامج وتحقق له.
3 ـ أدَّت عملية التصنيع والتحديث، بعد الثورة البلشفية، إلى تصفية التجمعات اليهودية الكثيفة وإلى انتشار أعضاء الجماعات في روسيا، كما أدَّت الإبادة النازية إلى الشيء نفسه بالنسبة لبولندا، الأمر الذي أدَّى إلى تصفية القاعدة الجماهيرية للحزب في البلدين.

4 ـ تولت الدولة السوفيتية، بنفسها، تنفيذ الجانب الثقافي لبرنامج البوند. فاعترفت باللغة اليديشية بوصفها إحدى اللغات الرسمية، وشجعت دراستها، وأنشأت العديد من المؤسسات الثقافية اليديشية، ثم أنشأت أخيراً مقاطعة بيروبيجان وهي التنفيذ العملي للبرنامج البوندي. وإذا كانت اليديشية آخذة في الاختفاء وإذا كان مشروع بيروبيجان لم ينجح، فإن هذا يعود إلى الطبيعة المؤقتة للنهضة الثقافية اليديشية وإلى أن أعضاء الجماعة آثروا الاندماج وما يتبعه من حراك اجتماعي سريع على الاحتفاظ بخصوصيتهم اليديشية. وعلى كلٍّ، فقد كان منظرو البوند غير متأكدين منذ البداية من أن الهوية اليديشية ستنمو وتزدهر، ولذا طالبوا بإطار منفتح يسمح بتطوُّر هوية أعضاء الجماعة إما نحو مزيد من الاندماج أو نحو مزيد من الضمور ثم الاختفاء، وتركوا النتيجة ليحددها مسار التاريخ نفسه. ويبدو أن البديل الثاني هو الذي كتب له أن يتحقق.
فلاديمير ميديم (1879-1923 (
‏Vladimir Medem

أحد قادة حزب البوند البارزين في روسيا وبولندا. وُلد في منطقة الاستيطان لأب يعمل كضابط طبيب في الجيش. وكان والده من اليهود المندمجين تماماً في المجتمع الروسي، كما قام بتعميد ابنه في الكنيسة الأرثوذكسية. وقد درس ميديم القانون في كييف. وخلال فترة دراسته، اعتنق الماركسية ثم طُرد من الجامعة عقب اشتراكه في إضراب للطلبة عام 1899، وأمضى فترة قصيرة في السجن عاد بعدها إلى منسك. وكان ميديم يعتبر نفسه روسياً، ولكنه بدأ يوجه اهتمامه نحو الجماهير اليهودية. ودفعه ذلك إلى الانضمام إلى حزب البوند، فأصبح عضواً في لجنة الحزب في منسك وكتب في جريدته. وبعد أن سُجن لفترة أخرى، هرب إلى سويسرا حيث انضم إلى دوائر الطلاب الروس، وانتُخب عام 1901 أول سكرتير لحزب البوند في الخارج. وقام ميديم بتمثيل الحزب في المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المنعقد في لندن عام 1903. وعُيِّن عقب المؤتمر عضواً في اللجنة الخارجية لحزب البوند ثم عضواً في لجنته المركزية عام 1906.
وكان ميديم شديد الاهتمام بالمسألة القومية، فبلور عام 1904 سياسة الحياد التي تبناها حزب البوند كسياسة رسمية له بشأن مستقبل الجماعة اليهودية في روسيا، وهي سياسة تدعو إلى تبنِّي موقف محايد تجاه قضية الاندماج باعتبار أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية ستحسم هذه المسألة في نهاية الأمر. ولكن ميديم بدأ عام 1910 في الابتعاد عن هذه السياسة والمطالبة بضرورة اتخاذ موقف أكثر إيجابية تجاه المسألة القومية، وفي تأكيد أن الجماعة اليهودية جماعة قومية شرق أوربية (يديشية) لها الحق في التعبير عن هويتها القومية والثقافية مثل سائر القوميات داخل روسيا.

وقد كان ميديم أول من دعا إلى ضرورة أن يتبنى حزب البوند دوراً نشيطاً داخل الإطار التنظيمي للجماعة اليهودية (القهال) ، كما طالب بتأسيس المدارس اليديشية وبحق التوقف عن العمل يوم السبت والدفاع عن حقوق العمال اليهود، ولعب دوراً نشطاً في إحياء الصحافة البوندية في الفترة ما بين عامي 1912 و1913.
سُجن ميديم في وارسو خلال الحرب العالمية الأولى ثم أُفرج عنه عام 1915 بعد انسحاب القوات الروسية. وخلال الاحتلال الألماني لبولندا، أصبح ميديم الزعيم الفكري لحزب البوند بها. وقد عمل على تشجيع اللغة اليديشية، وبدأ يتحدث ويكتب بها ويهاجم الصهيونية بشدة.
ومع قيام الثورة البلشفية وصعود العناصر المؤيدة للشيوعية داخل حزب البوند، وجد ميديم نفسه منعزلاً داخله بسبب هجومه الشديد على البلاشفة وسياستهم، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1921 واستقر فيها.
انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الاشتراكية والثورية
‏Participation of Members of Jewish Communities in Socialist and Revolutionary Movements

يُلاحَظ وجود كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية الاشتراكية في كثير من بلاد العالم بنسبة تفوق نسبة انخراط السكان الأصليين في هذه الحركات. وهذه ظاهرة كانت ملحوظة في العالم العربي الإسلامي، إذ يُلاحَظ أن كثيراً من قيادات ومؤسسي الحركات الشيوعية كانوا من اليهود. وليس هذا بمستغرب، فكثير من أعضاء الأقليات ينجذبون إلى الحركات الثورية العلمانية على أمل أن يحقق لهم المجتمع الثوري العلماني الجديد الحرية الكاملة والمساواة التامة. ولكن ذلك، على كل حال، كان ظاهرة عابرة نظراً لأن كثيراً من العناصر اليهودية في الحركة الاشتراكية كانت أجنبية أو من أصل أجنبي ورحلت عن العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية وبعد اتضاح معالم حركة القومية العربية. كما أن هذه العناصر كانت ضمن القيادات وحسب ولم يكن هناك قط جماهير يهودية بهذا المعنى. ومع الخمسينيات، كانت معظم الحركات الاشتراكية يقودها عناصر عربية محلية. ومع هذا، يذهب بعض الباحثين إلى أن القيادات الشيوعية العربية من أصل يهودي (مثل هنري كورييل) ظلت مسيطرة على الحركات الشيوعية.
أما في العالم الغربي، فيمكن القول بأن غرب أوربا في القرن التاسع عشر (إنجلترا وهولندا وفرنسا وغيرها) لم يكن فيه كتلة بشرية يهودية كبيرة كما أنها كانت مندمجة، وبالتالي لم يكن هناك وجود يهودي ملحوظ لا على مستوى القيادات الاشتراكية ولا على مستوى الجماهير. ولكن من المُلاحَظ أن بعض العناصر الثورية كانت تُجَنَّد من بين المهاجرين من شرق أوربا مع يهود اليديشية. كما أن تمثيل اليهود في الأحزاب الثورية، سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجماهير، كان أعلى من نسبتهم القومية.

أما في وسط أوربا (ألمانيا والنمسا) ، فقد كانت أعداد اليهود صغيرة، كما كانت تنتمي أساساً لكبار المموِّلين والطبقات الوسطى، ولذا ارتبط اليهودي في الأذهان بكبار المموِّلين وبالدعاوى الليبرالية. ولم تكن الأحزاب الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من اليهود بشكل مطلق. ومع هذا، كان هناك عدد ملحوظ من قيادات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية، ومن المفكرين الثوريين، من أعضاء الجماعات اليهودية، يمكننا أن نذكر من بينهم كارل ماركس وفرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وروزا لوكسمبرج. ولعل هذا الوضع هو الذي أضفى مصداقية سطحية على الادعاءات النازية بشأن المؤامرة اليهودية الكبرى ومحاولة اليهود تحطيم ألمانيا بتطويقها من اليمين واليسار.
أما في شرق أوربا، فكان وجود اليهود في الحركات الثورية على مستوى القيادات والجماهير وجوداً ملحوظاً لا شك فيه. فكان عدد كبير من البلاشفة الروس، مثل زينوفييف وكامينيف وليتفينوف، من أعضاء الجماعات اليهودية، وعلى رأسهم تروتسكي مهندس الثورة البلشفية وقائد الجيش الأحمر. أما على مستوى المشاركة الجماهيرية، فكان حزب البوند الروسي البولندي اليهودي هو أكبر حزب ثوري اشتراكي في العالم عند تأسيسه. وكان الشباب اليهودي ينخرط في سلك الثوار بدرجات متزايدة، فقد كان 30% من المقبوض عليهم في جرائم سياسية عام 1900 (في روسيا) من أعضاء الجماعات اليهودية.
ويمكن تفسير انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية بشكل ملحوظ على الأساس التالي:
1 ـ كان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من القطاع المتعلم في المدن، وهو القطاع الذي يساهم في الحركات الثورية أكثر من القطاعات الأخرى.
2 ـ كان كثير من الشباب اليهودي محروماً من دخول الجامعات الروسية، فالتحقوا بالجامعات في أوربا حيث تم تسييسهم وتثويرهم بدرجة أعلى من أقرانهم.

3 ـ كان اليهود أقلية مُضطهَدة محرومة من حقوقها المدنية. ولذا، نجد أن المثقفين اليهود الذين كان من الممكن في ظروف عادية أن يتحولوا إلى مهنيين عاديين (وهو الأمر الذي حدث فيما بعد) وقد انخرطوا، بدلاً من ذلك، في صفوف القواعد الثورية، كما يحدث في كثير من الحركات الثورية في العالم، حيث نجد أن أعضاء الأقليات المضطهدة يشكلون نسبة عالية فيها.
واستفادت الصهيونية من ظاهرة انخراط أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات الثورية ووظفته لصالحها، إذ أن أحد الموضوعات الأساسية التي كان يطرحها تيودور هرتزل في كتاباته، وأثناء مفاوضاته، أن الحل الصهيوني هو الطريقة الوحيدة لتحويل الشباب اليهودي عن الثورة. وقد تم تطوير الصيغة الصهيونية العمالية كمحاولة لاستيعاب الديباجة الثورية الاشتراكية داخل الصهيونية. ومن الأسباب التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور، محاولة تجنيد الكتلة اليهودية الضخمة في شرق أوربا ضد الثورة البلشفية.

وبعد الحرب العالمية الأولى، يُلاحَظ تركُّز اليهود في التنظيمات الاشتراكية التي بدأت تتبلور في تنظيمات شيوعية وتنظيمات اشتراكية ديموقراطية. وكانت التنظيمات الشيوعية الدولية معادية للصهيونية ولمعاداة اليهود، ورفضت السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية بالانضمام إليها. وحيث إن الأحزاب الشيوعية كانت تتبع تعليمات الاتحاد السوفيتي في هذا المجال، وفي عدة مجالات أخرى، فإن هذه الأحزاب ناصبت الصهيونية وأحزابها العداء. ولكن هذه الأحزاب ذاتها أيَّدت قيام الدولة الصهيونية حينما فعل الاتحاد السوفيتي ذلك، ثم ناصبت الصهيونية العداء مرة أخرى حينما غيَّر الاتحاد السوفيتي سياسته وأعلن عداءه للصهيونية ودولتها. أما الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، فقد تقبلت الظاهرة الاستعمارية وبالتالي الصهيونية، وأيَّدت المشروع الصهيوني ثم الدولة الصهيونية، وتعاونت مع الأحزاب الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية ومنحتها حق العضوية في الأممية الثانية. وفي الستينيات، ظهرت حركة اليسار الجديد، وكان كثير من زعمائها في الولايات المتحدة وأوربا من أعضاء الجماعات اليهودية، وكان هربرت ماركوز، مُنظِّرها الأساسي، يهودياً. وأخذت هذه الحركة موقفاً معادياً لإسرائيل ومؤيداً للعرب، خصوصاً بعد حرب 1967، وهو ما أدَّى إلى ابتعاد بعض الشباب اليهودي عنها. ولكن، مع هذا، ظلت نسبة عالية من أعضائها من اليهود.
ولا تزال كثير من حركات الرفض الثورية تضم عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية. وهذه أيضاً ظاهرة ليست مقصورة علىهم وإنما هو أمر شائع بين أعضاء الأقليات.

ويُلاحَظ أننا لا نستخدم اصطلاحات مثل «الاشتراكية اليهودية» أو «الاشتراكيين اليهود» لأن مثل هذه الاصطلاحات تفترض وجود اشتراكية يهودية لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلى حركيِّات يهودية مستقلة، وأن يهودية الاشتراكي اليهودي هي أهم العناصر التي تفسر سلوكه. وهو ما نجد أن من الصعب قبوله. وفي المداخل الخاصة بالاشتراكيين من أعضاء الجماعات اليهودية وجدنا أنه لا يوجد نموذج تفسيري واحد ينطبق عليهم جميعاً. فبعضهم لعب انتماؤه اليهودي، الديني والإثني، دوراً في انخراطه في الحركة الاشتراكية، والبعض الآخر لم تلعب معه اليهودية أي دور على الإطلاق. وأحياناً نجد أن يهودية الاشتراكي من أعضاء الجماعات اليهودية قد لعبت دوراً سلبياً وجعلته يتخذ موقفاً معادياً لليهود واليهودية، وكثيرون منهم «يهود غير يهود» (على حد تعبير إسحق دويتشر) لا يكترثون باليهود أو اليهودية، وكل ما بقي من يهوديتهم هو الاسم، ومع هذا صُنِّف كل هؤلاء باعتبارهم يهوداً.

وثمة وجود ملحوظ لأعضاء الجماعات اليهودية في قيادة الأحزاب الشيوعية، وخصوصاً في شرق أوربا، بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان. كما يُلاحَظ وقوفهم إلى جوار الستالينية، ويجب أن نرى الستالينية هنا باعتبارها «النفوذ الروسي» . فرغم الإدعاءات الأممية للنظرية الشيوعية إلا أنه، في مجال التطبيق، ظهرت التوترات العرْقية والإثنية والقومية التقليدية وظهر مرة أخرى خوف الشعوب المحيطة بروسيا (بولندا - المجر - تشيكوسلوفاكيا - رومانيا) من الدب القيصري الذي ارتدى رداءً أممياً شيوعياً. وقد وقف كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جانب روسيا، وهو ما جعل منهم ما يشبه الجماعة الوظيفية التي تمثل المصالح الروسية باعتبارها القوة الإمبريالية الحاكمة. وفي هذا استمرار لميراث الجماعة اليهودية في شرق أوربا كجماعة وظيفية استخدمتها الطبقات الحاكمة لضرب الفلاحين وأحياناً النبلاء، الأمر الذي دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود عند شعوب شرق أوربا. ولعل هذا يُفسِّر سخط كثير من شعوب شرق أوربا على «اليهود» رغم اختفاء الجماعات اليهودية تقريباً، إذ لا تزال صورة اليهودي كسوط عذاب في يد الحاكم حية في الأذهان.
الثورة اليهودية
‏The Jewish Revolution

«الثورة اليهودية» مصطلح أطلقه البعض على الثورة البلشفية عند نشوبها، وهو يفترض أن الثورة البلشفية نظمها اليهود وخططوا لها وعملوا على نجاحها واستفادوا منها. بل يذهب البعض إلى أن الثورة البلشفية، كثورة يهودية، هي إحدى تطبيقات بروتوكولات حكماء صهيون أو المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى ضد الجنس البشري. والمدافعون عن هذا التصور يشيرون إلى أن كلاً من كارل ماركس ولينين يهود (وهو أمر مناف للواقع، فأبو ماركس قد تنصَّر، أما لينين فمن المعروف أن خلفيته ليست يهودية) ، كما يشيرون إلى وجود عدد كبير من اليهود في صفوف البلاشفة على مستوى الكوادر السياسية العادية والقيادات مثل تروتسكي وكامينيف وزينوفييف.
ولكن الدارس لسير هؤلاء البلاشفة اليهود، ولغيرهم، سيجد أنهم كلهم رفضوا اليهودية بل ساهموا في صياغة السياسة البلشفية تجاه الجماعات اليهودية وفي تطبيقها، وهي السياسة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفية التجمعات السكانية اليهودية في روسيا وأوكرانيا (وكانت من أكبر التجمعات في العالم) وإلى تصاعد معدلات الاندماج والعلمنة بينهم. ومن المعروف أن صعود وهبوط القيادات البلشفية اليهودية في ميزان القوى، داخل الحزب وخارجه، لم يكن نتيجة يهوديتهم، وإنما كان بسبب الظروف العامة للصراع داخل الحزب الشيوعي والمجتمع السوفيتي. وقد تحالف كامينيف وزينوفييف مع ستالين ضد تروتسكي، ومن ثم نجح ستالين في إقصائه ونفيه رغم أنه كان ثاني أهم شخص في الحزب. ثم تحالفا معاً ضد ستالين الذي نجح في نهاية الأمر، في القبض عليهما وإعدامهما، وهي أمور تحدث في كل الثورات.

ولا شك في أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية المشتركين في الثورة البلشفية والمناصرين لها كان أكبر من نسبتهم إلى عدد السكان. كما أن الجماعة اليهودية استفادت ولا شك من الثورة، ولكن هذا أمر مُتوقَّع من أقلية عانى أعضاؤها من الحكم القيصري في الوقت الذي كانوا يتمتعون فيه بمستوى تعليمي عال.
ولا شك في أن الميراث اليهودي للبلاشفة اليهود قد ترك أثراً في فكرهم وسلوكهم. ولعل تطرُّف تروتسكي كان نتيجةً لهذا الميراث. ولكن تفسير موقفهم بأكمله على أساس من انتمائهم اليهودي أمر غير ممكن، إذ ظل اشتراكهم في الثورة أو انخراطهم في صفوفها خاضعاً لآليات وحركيات المجتمع الروسي إبان الثورة. ومن ثم، فإن مصطلح «الثورة اليهودية» ليست له قيمة تفسيرية عالية، فهو قد يفسر بعض التفاصيل ولكنه يعجز عن تفسيرها جميعاً بكل تركيبيتها.
كما أن مصطلحاً مثل مصطلح «الثورة اليهودية» له مضمون عنصري، إذ يفترض أن اليهودي يظل يهودياً مهما غيَّر آراءه ومهما اتخذ من مواقف، فثمة حتمية ما تفرض نفسها عليه، أي أنه مصطلح ينكر عليه حرية الاختيار. ومن ثم، فهو أيضاً مصطلح صهيوني، فالصهاينة يفترضون أيضاً وجود هوية يهودية ثابتة، لا تتحوَّل ولا تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان.
وقد عاد مصطلح «الثورة اليهودية» إلى الظهور، إذ بدأ أعداء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي يلقون باللوم على اليهود وعلى الثورة اليهودية (أي البلشفية) التي ألحقت الكوارث بمجتمعهم، وأوصلته إلى ما وصل إليه من تفكُّك ودمار.
ماكسيم ليتفينوف (1867-1951 (
‏Maxim Litvinov

اسمه الأصلي مائير مويسيفيتش والسن. ثوري روسي ودبلوماسي سوفيتي، وُلد في بياليستوك في بولندا الروسية لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة. وانضم عام 1899 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور، واعتُقل ونُفي عام 1901، إلا أنه نجح في الفرار إلى سويسرا عام 1902. وفي عام 1903، بعد انقسام الحزب الاشتراكي الديموقراطي، انضم ليتفينوف إلى الجناح البلشفي وعاد سراً إلى روسيا حيث اشترك في ثورة 1905. تعاون مع ماكسيم جوركي في إصدار جريدة الحياة الجديدة، وهي أول جريدة بلشفية رسمية في روسيا. وبعد فشل الثورة، فرَّ مرة أخرى إلى فرنسا ثم إلى إنجلترا بشكل شبه دائم حتى عام 1918. وهناك توطدت علاقته بلينين وتعاون معه بشكل وثيق في نشاط البلاشفة خارج روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية عام 1917، عيَّنته الحكومة السوفيتية الجديدة ممثلاً دبلوماسياً لها لدى الحكومة البريطانية رغم عدم اعتراف هذه الأخيرة بالنظام السوفيتي الجديد. وقد اعتقلته السلطات البريطانية عام 1918 بدعوى قيامه بأنشطة دعائية، ولكنها أفرجت عنه في مطلع عام 1919 مقابل الإفراج عن الممثل الدبلوماسي البريطاني في الاتحاد السوفيتي وبعض الرعايا البريطانيين. ظل ليتفينوف، لمدة عشرين عاماً، يحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية السوفيتية ومثَّل بلاده في العديد من المؤتمرات والمفاوضات المهمة. وعُيِّن عام 1921 في منصب نائب مفوض أو قوميسار الدولة للشئون الخارجية، ثم تولَّى عام 1930 (وحتى عام 1939) منصب مفوض الدولة للشئون الخارجية. ولعب ليتفينوف دوراً مهماً على الجبهة الدبلوماسية لكسب اعتراف العالم بالنظام السوفيتي الجديد، ومثَّل بلاده في المفاوضات مع الولايات المتحدة الخاصة بإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين (عام 1933) . وقد لفت انتباه العالم من خلال مقترحاته الراديكالية التي قدمها في مؤتمر نزع السلاح الذي نظمته عصبة الأمم عام 1927. وفي الفترة بين

1934 و1939، وهي الفترة التي تبنت فيها موسكو سياسة معادية لألمانيا النازية، عمل ليتفينوف على تنمية علاقة الاتحاد السوفيتي بالدول الغربية وأكد ضرورة مواجهة النازية، كما دعا إلى إقامة نظام أمني دولي جماعي يستند إلى شبكة من الاتفاقات الإقليمية والثنائية للمعونة المتبادلة، وكان أول من أطلق عبارة «السلام لا يتجزأ» . ولكن مع التحول الذي طرأ على السياسة السوفيتية وإبرامها معاهدة عدم الاعتداء مع ألمانيا النازية عام 1939 تم إقصاء ليتفينوف من منصبه ومن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وذلك نظراً لموقفه المعادي لألمانيا، وكذلك لأصوله اليهودية، مع أنه لم يسجل نفسه يهودياً. أما بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام 1941، فقد عاد ليتفينوف للحياة السياسية مرة أخرى وعُيِّن سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1942 وحتى عام 1943. وعاد للاتحاد السوفيتي بعد ذلك وظل يلعب دوراً مهماً في السياسة الخارجية السوفيتية، خصوصاً فيما يخص علاقاتها بالدول الغربية الكبرى حتى اعتزاله عام 1946.
أدولف فارسكي/فارشافسكي (1868-1937 (
‏Adolf Warski-Warszawski

زعيم شيوعي بولندي يهودي، وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي البولندي. وُلد في كراكوف لعائلة يهودية مندمجة ومتعاطفة مع الحركة القومية البولندية المطالبة بالاستقلال التي ارتبط بها منذ شبابه. قام بتنظيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وشارك في الثورة الروسية لعام 1905، وأُلقي القبض عليه عدة مرات من قبل السلطات القيصرية. وخلال الحرب العالمية الأولى، مثَّل الديموقراطيين البولنديين في المؤتمرات المناهضة للحرب. ومع انتهاء الحرب، شارك في تأسيس الحزب الشيوعي البولندي وكان عضواً في لجنته المركزية ومكتبه السياسي كما انتُخب عن الحزب عضواً في البرلمان البولندي. وبعد أن حُظر نشاط الحزب عام 1930، هاجر إلى الاتحاد السوفيتي واحتل مكانة مهمة داخل القسم البولندي للدولية الشيوعية. وفي أعقاب حملات التطهير الواسعة التي جرت في الاتحاد السوفيتي عام 1937، وُجهت إليه اتهامات بالخيانة والمشاركة في الثورة المضادة وسُجن ثم أُعدم في العام نفسه.
إما جولدمان (1869-1940 (
‏Emma Goldman

أمريكية يهودية وكاتبة سياسية فوضوية، وُلدت في ليتوانيا وتعرَّفت إلى الأفكار الثورية أثناء وجودها في سانت بطرسبرج. وفي عام 1886، هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية واشتغلت في بعض مصانع الملابس. وفي أواخر الثمانينيات، انضمت إلى الحركة الفوضوية بعد أن أثارتها قضية أربعة من الفوضويين حُكم عليهم بالإعدام عام 1887 بعد إدانتهم، دون أي دليل قاطع، بتهمة تدبير انفجار تسبَّب في مصرع سبعة من رجال الشرطة في شيكاغو. وفي عام 1889، تعرَّفت إلى ألكسندر بيركمان الذي أصبح عشيقها ورفيق دربها. ويُقال إنها دبرت معه محاولة اغتيال رئيس شركة للحديد تسبَّب في مقتل عدد من العمال المضربين عام 1892. وبعد أن باءت هذه المحاولة بالفشل حُكم على بيركمان بالسجن مدة أربعة عشر عاماً. وخلال هذه الفترة، عملت إما جولدمان جاهدة من أجل دفع القضية الفوضوية إلى الأمام. ولم يقتصر نشاطها على جماعات المهاجرين من الألمان أو اليهود ولكنه امتد إلى قطاع واسع من العمال الأمريكيين. وكانت إما جولدمان تتمتع بقدرات خطابية فائقة وألقت العديد من الخطب باللغات الألمانية والروسية واليديشية والإنجليزية. وفي عام 1901، اتُهمت إما جولدمان بالتورط في اغتيال الرئيس الأمريكي آنذاك وليام ماكينلي، ومن خلال المحاكمة اتضح أنها بريئة إلا أن الشبهات التي أحاطت بها أثارت قضية الدور اليهودي في عملية الاغتيال. وفي عام 1906، أسست إما جولدمان مجلة موذر إيرث (أي أمنا الأرض) ، وقامت بتحريرها بالتعاون مع بيركمان الذي كان قد أنهى عقوبته في السجن. وهاجمت على صفحات المجلة ظُلم المجتمع الأمريكي ولا أخلاقيته، كما دافعت عن حقوق المرأة وضرورة مساواتها بالرجل، واعتبرت أن كل ما يهفو بداخل المرأة «يجب أن يجد مجالاً للتعبير عن نفسه بشكل كامل» . كما كانت إما جولدمان من أوائل من دافعوا عن تحديد النسل في الولايات المتحدة، وسُجنت عام 1916 بسبب انتهاكها القوانين

التي تمنع نشر أية معلومات خاصة بتحديد النسل. كما عارضت الحرب العالمية الأولى وهاجمت الجانبين المتحاربين، ونشطت ضد اشتراك الولايات المتحدة في الحرب وضد التجنيد الإجباري، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية عام 1917 إلى إلقائها في السجن لمدة عامين وإغلاق مجلتها.
وفي عام 1919، تم ترحيلها إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن تسبَّب قيام الثورة البلشفية في خلق حالة من الذعر في الولايات المتحدة من الشيوعية. ولم تقض إما جولدمان في الاتحاد السوفيتي سوى عامين حيث تركته بعد أن خاب ظنها في النظام الجديد. وقد هاجمت لينين وتروتسكي واعتبرتهما خائنين للاشتراكية لأنهما أسسا شكلاً جديداً من الحكم المطلق والطغيان. واعتبرت أن تجربتها في روسيا أكدت إيمانها بأن الدولة، مهما كانت طبيعتها، تشكل في النهاية سلطة قهرية تمحو خصوصية الإنسان وحريته.
وقد سجلت إما جولدمان تجربتها في روسيا في كتابها خيبة أملي في روسيا (1924) . وعاشت لفترة تنتقل من دولة إلى أخرى ثم حصلت على الجنسية البريطانية وتزوجت فوضوياً من ويلز واستقرت في جنوب فرنسا حيث كتبت سيرتها الذاتية عام 1931. وظلت على إيمانها بأهمية حرية الفرد الذي يعمل وفقاً لمعاييره وقيمه، واعتبرت أن الرأسمالية تحكم على الإنسان بحياة من الشقاء والعبودية وأن التعاون الحر بين الجماهير هو السبيل الوحيد نحو خلق مجتمع شيوعي جديد. وقد تُوفيت إما جولدمان في كندا عام 1940 ودُفنت في شيكاغو.
روزا لوكسمبورج (1871-1919 (
‏Rosa Luxemburg

ثورية واقتصادية من يهود اليديشية، وإحدى أهم الشخصيات النسائية في تاريخ الاشتراكية الدولية. وُلدت لعائلة يهودية تجارية في مدينة زاموست في بولندا الروسية، وانضمت في شبابها إلى الحزب الاشتراكي الثوري البولندي (البروليتاريا) . ثم درست التاريخ الاقتصادي السياسي في جامعة زيورخ حيث حصلت على درجة الدكتوراه عام 1897. وتناولت رسالتها التطور الصناعي في روسيا وبولندا. وشاركت روزا أثناء فترة دراستها في الحركة الاشتراكية السرية للمهاجرين البولنديين في سويسرا. وفي أوائل التسعينيات من القرن الثامن عشر، ساعدت في تأسيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وليتوانيا. وعلى خلاف توجُّه الاشتراكيين البولنديين، رفضت روزا فكرة إقامة دولة قومية بولندية مستقلة، واعتبرت أن هدف الطبقة العاملة البولندية يجب ألا يكون تحرير بولندا من روسيا، ولكن التخلص من الحكم القيصري المستبد باعتباره المهمة الاشتراكية الأسمى. ويُعتبر هذا الموقف مقدمة لخلاف روزا اللاحق مع لينين حول مبدأ حق تقرير المصير الوطني والذي اعتبرته متناقضاً مع الاشتراكية. إذ اعتبرت روزا أن انتماءها الحقيقي هو للطبقات العاملة في العالم أجمع، وأن نضالها هو من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية ومن أجل إيجاد حلول عالمية كبديل للحلول القومية، وانطلاقاً من هذا الموقف الأممي لم تُبد روزا لوكسمبورج أي اهتمام بإقامة حركة عمالية يهودية.

وقد لعبت روزا لوكسمبورج دوراً مهماً في الحركة الاشتراكية العمالية الألمانية. وهاجرت إلى ألمانيا عام 1898 حيث اكتسبت الجنسية الألمانية من خلال زواج صوري، ثم اتجهت للعمل مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني الذي كان يُعتبَر آنذاك أقوى وأكبر أحزاب الدولية الاشتراكية على الإطلاق. كما عملت في الصحافة واكتسبت من خلال مناقشتها الحيوية ونشاطها ضد عناصر المراجعة داخل الحزب، مكانة بارزة داخل الجناح اليساري الثوري للحركة الاشتراكية الألمانية. واهتمت روزا لوكسمبورج بالإضراب العام كأداة مهمة للعمل الثوري وبلورت مفهوم الحركة العفوية أو التلقائية للجماهير كشرط أساسي للإضراب العام، مختلفةً في ذلك مع لينين والبلاشفة الذين اعتبروا الحزب الأداة الرئيسية لذلك. وقد اختلفت مع لينين أيضاً حول مفهوم ديموقراطية البروليتاريا، وأدانت مركزية البلاشفة بعد انقسام الحزب الاشتراكي الروسي عام 1903، كما انتقدت فترة الإرهاب والقمع التي أعقبت ثورة 1917 البلشفية. واشتركت روزا لوكسمبورج في ثورة 1905 ـ 1906 في بولندا وسُجنت إثرها عدة أشهر عادت بعدها إلى برلين لتقوم بالتدريس في الكلية الاشتراكية بها. وقد تعرضت للسجن مرة أخرى بسبب معارضتها الحرب العالمية الأولى التي اعتبرتها حرباً بين قوى إمبريالية. وقد كان لروزا لوكسمبورج مساهمة مهمة في بلورة نظرية الإمبريالية التي اعتبرتها امتداداً للنظام الرأسمالي المتعطش للأسواق. وفي عام 1916، أسَّست بالتعاون مع فرانز مهرنج وكارل لايبنخت المنظمة الثورية (عصبة سبارتاكوس) التي جسدت انفصال الجناح اليساري الثوري عن الحزب الاشتراكي الألماني. وتحوَّلت هذه المنظمة في نهاية عام 1918 إلى الحزب الشيوعي الألماني. وفي يناير عام 1919، وبعد أسبوعين فقط من تأسيس الحزب الشيوعي، تم إلقاء القبض عليها وعلى لايبنخت في برلين، واغتيلا على أيدي حراسهما من ضباط الجيش وهما في طريقهما إلى السجن.

جوليوس مارتوف (1873-1923 (
‏Julius Martov
ثوري روسي يهودي وزعيم المناشفة. وُلد في إستنبول. وكان جده كاتباً ومحرراً لأول جريدة يومية تَصدُر بالعبرية في روسيا، أما والده فكان من دعاة الاندماج. انخرط مارتوف في النشاط الثوري عام 1891 ونُفي إلى فلنا حيث نشط في الحركة العمالية اليهودية. ودعا مارتوف إلى إيجاد تنظيم عمالي خاص باليهود تكون لغته اليديشية، وهو ما تحقَّق فيما بعد في حزب البوند. وفي عام 1895، انضم إلى لينين لتأسيس اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة، ثم اشترك معه عام 1901 في تأسيس جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي. وتخلَّى مارتوف عن موقفه السابق الخاص بالمسألة اليهودية حيث هاجم بشدة التوجه القومي والانفصالي لحزب البوند.
وفي عام 1903، انشق مارتوف عن لينين خلال المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي وتزَّعم المعارضة المنشفية المطالبة بحزب جماهيري ذي قاعدة واسعة والرافضة لمبدأ لينين القائل بحزب يستند إلى صفوة صغيرة من المحترفين الثوريين. وشارك مارتوف في ثورة عام 1905، وبعد فشلها نُفي خارج روسيا حيث حرَّر الجريدة المنشفية في باريس. وخلال الحرب العالمية الأولى، كان مارتوف من أقطاب حركة السلام المناهضة للحرب. وفي عام 1917، عاد مارتوف إلى روسيا حيث كان من دعاة الديموقراطية وهاجم الجانب القمعي للنظام البلشفي الجديد، ولكنه أيَّد نضاله ضد التدخل الأجنبي والثورة المضادة. وبعد حظر نشاط الحزب المنشفي عام 1920، استقر مارتوف في برلين ليتزعم المناشفة المنفيين خارج الاتحاد السوفيتي، وقام بتحرير جريدتهم حتى وفاته. وكان لمارتوف عدد من المؤلفات المهمة من بينها الشعب الروسي واليهود (عام 1908) والذي أكد فيه إيمانه بأن الاشتراكية هي الحل الوحيد للمسألة اليهودية.
ليون تروتسكي (1879-1940 (
‏Leon Trotsky

اسمه الأصلي ليف ديفيدوفيتش برونستاين. ثوري وماركسي وزعيم سوفيتي، وُلد لعائلة يهودية ميسورة الحال في أوكرانيا. درس في جامعة أوديسا، ولكنه ترك دراسته وانخرط في النشاط الثوري، وانضم عام 1896 إلى حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور. وقد ألقت السلطات القيصرية القبض عليه عام 1898 وأُرسل إلى سيبريا، إلا أنه نجح في الهروب إلى إنجلترا عام 1902 حيث عمل مع لينين في تحرير جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وكان يُدعَى «سوط لينين» . وخلال المؤتمر الثاني للحزب عام 1903، الذي شهد انقسام الحزب إلى جناحين، أوضح تروتسكي اختلافه مع لينين وهاجم ما اعتبره النزعات الديكتاتورية للبلاشفة واتخذ موقفاً وسطياً بين المناشفة والبلاشفة، وبلور حينذاك نظرية «الثورة الدائمة» التي اعتبرت أن الثورة البورجوازية في روسيا ستؤدي، من خلال حركياتها وقوة دفعها الذاتية، إلى سرعة مجيء المرحلة الاشتراكية حتى قبل قيام الثورة الاشتراكية في الغرب، أو ما دعاه فكرة اختصار المراحل مقابل فكرة مراحل الثورة الثابتة.

واستمر تروتسكي في نشاطه وكتاباته الثورية سواء في داخل روسيا أو في أوربا أو الولايات المتحدة، حيث لعب دوراً مهماً في ثورة 1905 في روسيا، وكان رئيساً لسوفييت بتروجراد، حيث برزت موهبته التنظيمية والقيادية الفذة. وتعرَّض تروتسكي للسجن في روسيا مرة أخرى عام 1905، وللطرد من فرنسا عام 1916. وقد اتخذ موقفاً معادياً للحرب العالمية الأولى استناداً إلى رؤيته الأممية. ومع اندلاع ثورة فبراير 1917، عاد إلى روسيا وبدأ التعاون مع لينين. وقد ألقت حكومة كرنسكي الانتقالية القبض عليه، ولكن تم الإفراج عنه بعد فترة وجيزة. وأثناء سجنه، انتُخب عضواً في اللجنة المركزية للبلاشفة ورئيساً لسوفييت بتروجراد ولجنتها العسكرية. ونظَّم تروتسكي وقاد الانتفاضة المسلحة التي جاءت بالبلاشفة إلى الحكم في أكتوبر من العام نفسه.
وفي أول حكومة شكلها البلاشفة عام 1917، تولَّى تروتسكي منصب مفوض أو قوميسار الشعب للشئون الخارجية، وترأَّس وفد بلاده لمحادثات السلام في برست ليتوفسك. وقد اختلف تروتسكي مع لينين حول مسألة السلام مع ألمانيا، حيث رفض فكرة السلام بأي ثمن وتبنَّى فكرة إنهاء القتال مع عدم إنهاء الحرب على أمل أن تقوم البروليتاريا الألمانية بثورتها.

وفي عام 1918، تولَّى منصب مفوض الشعب للشئون العسكرية والبحرية حيث عمل على بناء وتنظيم الجيش الأحمر. وإليه يعود الفضل في انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة. قاد تروتسكي الحملة على بولندا التي انتهت بكارثة رغم معارضته لها في البداية. وكان مسئولاً عن ضرب المعارضة الفوضوية واليسارية فيما عُرف بعدئذ باسم «الإرهاب الأحمر» ، كما كان صاحب فكرة كتائب العمل الإجباري. ومع وفاة لينين عام 1924، نشب صراع على السلطة بين تروتسكي وستالين انتصر فيه الأخير بفضل تحالفه مع زينوفييف وكامينيف (وهما من البلاشفة اليهود) . وقد اختلف تروتسكي مع ستالين حول سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد، فلم يكن تروتسكي يقبل فكرة الاشتراكية داخل حدود دولة واحدة، بل اعتبر أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال ثورة اشتراكية على نطاق العالم أجمع. وتزَّعم تروتسكي المعارضة اليسارية الراديكالية شبه الشرعية داخل الحزب، وانضم إليه زينوفييف وكامينيف بعد أن تحوَّل ستالين ضدهما. إلا أن ستالين نجح، في نهاية الأمر، في إقصاء تروتسكي من المكتب السياسي، وفي طرده من الحزب الشيوعي عام 1927، ثم نفيه إلى تركستان عام 1928 بتهمة التورط في نشاط معاد للثورة. ثم طرده ستالين من الاتحاد السوفيتي نهائياً عام 1929 وجرَّده من الجنسية السوفيتية عام 1932. وقد استمر تروتسكي في الهجوم على ستالين واتهمه بأنه مُمثِّل البيروقراطية البونابارتية. وتنقَّل تروتسكي بين عدة دول واستقر أخيراً في المكسيك عام 1937. وحاول مؤيدو تروتسكي عام 1938 تأسيس دولية شيوعية مستقلة عن موسكو، إلا أنهم فشلوا في تعبئة حركة جماهيرية واسعة مؤيدة له. واتُهم تروتسكي، أثناء المحاكمات التي تمت في موسكو في أواسط وأواخر الثلاثينيات ضد بعض القيادات البلشفية (وكان من بين المتهمين زينوفييف وكامينيف) ، بتورُّطه، بالاتفاق مع حكومتي ألمانيا واليابان وبعض العناصر المؤيدة له في الاتحاد

السوفيتي، في مؤامرة للإطاحة بنظام ستالين. وقد قامت السلطات السوفيتية بشطب أية إشارة إلى دور تروتسكي في الثورة أو في السنوات الأولى للنظام السوفيتي من السجلات التاريخية الرسمية. واغتيل تروتسكي عام 1940 في المكسيك، ويسود الاعتقاد بأنه اُغتيل بأوامر مباشرة من ستالين.
وقد تأثر تروتسكي، مثله مثل غيره من القادة الاشتراكيين، برؤية ماركس للمسألة اليهودية، والتي ترى أن ثمة ظاهرة يهودية عالمية واحدة وأن ثمة حلاًّ واحداً وهو الثورة الاجتماعية ودمج اليهود. فرفض تروتسكي فكرة القومية اليهودية، كما عارض استقلال اليهود ثقافياً الذي كان يطالب به حزب البوند عام 1903، وأكد وحدة أهداف ومصالح اليهود وغير اليهود داخل المعسكر الاشتراكي. كما رفض الصهيونية باعتبار أن حل مشاكل العصر لا يكون في إقامة دول قومية ولكن بالتطلع إلى مجتمع أممي. ورغم أن تروتسكي أعرب عام 1937 في حديث له لمجلة أمريكية يهودية عن أن تزايُد معاداة اليهود في ألمانيا والاتحاد السوفيتي قد دفعه للاعتقاد بأن المشكلة اليهودية تحتاج إلى حل إقليمي، إلا أنه رفض أن تكون فلسطين هي الحل. وقد تنبأ بأن الطبيعة الاستيطانية الإحلالية ستحوّل فلسطين إلى بقعة صراع ساحقة، وأن الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين سيكتسب طابعاً مأساوياً بشكل متزايد وأن "تطوُّر الأحداث العسكرية في المستقبل قد يحوِّل فلسطين إلى فخ دموي لعدد من مئات الآلاف من اليهود". ولذا استمر تروتسكي في تأكيد أن الحل النهائي للمسألة اليهودية لن يتحقق إلا مع تحرُّر الإنسانية من خلال الاشتراكية العالمية. ومع هذا اتجه تروتسكي في نهاية حياته إلى قبول المشروع الصهيوني.

لقد كان تروتسكي من جيل الثوريين الرومانسيين أو على حد تعبير هربرت ريد «كان تروتسكي يوحِّد التاريخ مع ذاته» (فبدلاً من حلول الإله في التاريخ نجد هنا توحُّد الزعيم به بحيث يصبح هو المطلق، أو اللوجوس الذي يضفي عليه معنى، فهو بمثابة الماشيَّح العلماني) . ومنذ بداية نشاطه الثوري، اهتم تروتسكي كثيراً بإيجاد دور لنفسه يجعله في صدارة الأحداث. ومع هذا، تُشكِّل نظريته في «الثورة الدائمة» ذروة الحلولية الثورية في الماركسية، فبإمكان الحزب الطليعي أن يقود الطبقة الطليعية إلى الجنة الدائمة رغماً عن حركة التاريخ! ونلاحظ أن قبول تروتسكي فيما بعد فكرة «المركزية الديموقراطية» اللينينية هو أمر طبيعي، حيث ينتهي الأمر إلى أن تقود اللجنة المركزية الحزب الطليعي ويقود الأمين الثوري الذي يمثل التجسيد النقي للفكر البروليتاري اللجنة المركزية.
جريجوري زينوفييف (1883-1936 (
‏Grigori Zinoviev

ثوري روسي، والمؤسس الرئيسي للدولية الشيوعية وأول رئيس للجنتها التنفيذية. وُلد في أوكرانيا لعائلة يهودية بورجوازية، واندمج تماماً في المجتمع الروسي والحياة الروسية، وتبنَّى الماركسية منذ شبابه، وانضم عام 1901 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي ثم إلى الجناح البلشفي بعد انقسام الحزب عام 1903. اشترك في ثورة 1905، وبعد فشلها انضم إلى لينين في منفاه وأصبح من المقربين إليه، وكتب العديد من المقالات والمطبوعات والمنشورات التي جسدت فكر لينين، كما شارك في تحرير عدة صحف ومجلات اشتراكية وبلشفية. وخلال الحرب العالمية الأولى، أصدر زينوفييف، بالاشتراك مع لينين، كتابهما المهم ضد التيار الذي هاجما فيه الحرب والقيادات الاشتراكية المنشقة. وصاحب لينين في رحلة القطار الذي أقله إلى روسيا في أبريل من عام 1917. إلا أن زينوفييف اختلف مع لينين عشية الثورة البلشفية حيث عارض فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة خوفاً من التدخل الأجنبي. ورغم هذا الاختلاف، أصبح زينوفييف عام 1922 عضواً في المكتب السياسي ورئيس سوفييت بتروجراد. إلا أن أهم منصب احتله كان رئاسة الكومنترن (أو الدولية الشيوعية) حيث عمل على تشكيل بنيتها وبناء إستراتيجيتها، وعمل من خلالها على دعم حركة الثورة العالمية. ولكن تراجع هذه الحركة في العشرينيات، وفشل الثورة في ألمانيا، أضعفا مركزه العالمي. ولكنه، مع ذلك، ظل داخل دائرة السلطة في الاتحاد السوفيتي. ومع وفاة لينين عام 1924، انضم إلى الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي ضمت إلى جانبه ستالين وكامينيف والتي أقصت تروتسكي من السلطة السياسية. إلا أن تبنِّي ستالين سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد واتجاهه نحو الانفراد بزعامة الحزب، دفعت زينوفييف إلى الانضمام عام 1926 إلى جبهة المعارضة التي تزعمها تروتسكي داخل الحزب. وانتهى هذا الصراع على السلطة بهزيمة زينوفييف وخروجه من الحزب عام

1927. وفي عام 1936، وبعد حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام 1934، وُجِّه الاتهام إلى زينوفييف وخمسة عشر آخرين من زملائه بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي السوفيتي بالتعاون مع تروتسكي. وقد اعترف المتهمون (ومن بينهم زينوفييف) علناً بالتورط في المؤامرة، وصدر حكم بإعدامه نُفِّذ فوراً في عام 1936. ولم يهتم زينوفييف بالموضوع اليهودي ولم تلعب أصوله اليهودية دوراً واضحاً أو كامناً في تحديد سلوكه أو رؤيته، فقد كان يهودياً مندمجاً تماماً أو يهودياً غير يهودي.
ليو كامينيف (1883-1936 (
‏Leo Kamenev

اسمه الأصلي ليف بوريسوفيتش روزنولد. ثوري روسي يهودي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في موسكو وانضم عام 1901 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي المحظور ثم إلى جناحه البلشفي عام 1903 بعد انقسام الحزب، وكان من كبار قادة هذا الجناح ومن أقرب المتعاونين مع لينين. وسُجن عام 1902، ثم سُجن مرة أخرى عام 1908 بسبب نشاطه الثوري، وهرب إلى سويسرا حيث تعاون مع لينين في تحرير جريدتي الحزب. وفي عام 1904، أرسله لينين إلى بطرسبورج كممثل شخصي له لتحرير جريدة برافدا والإشراف على نشاط الحزب في روسيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم إلقاء القبض عليه ونفيه إلى سيبريا. إلا أنه عاد إلى بتروجراد بعد قيام ثورة فبراير 1917. وقد اختلف كامينيف، ومعه زينوفييف، مع لينين حول فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة، حيث فضل قيام جبهة حكومية تضم جميع الأحزاب الاشتراكية. ورغم ذلك الاختلاف، أصبح كامينيف (بعد قيام الثورة البلشفية) واحداً من أكثر الشخصيات قوة وسلطة في الاتحاد السوفيتي، حيث احتل منصب رئيس سوفييت موسكو، كما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب. وبعد وفاة لينين عام 1924، قام كامينيف مع ستالين وزينوفييف بتشكيل الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي نجحت في إقصاء تروتسكي من السلطة السياسية وانفردت بالسيطرة على الحزب وحكم البلاد.

ولكن، ومع محاولة ستالين الانفراد بالسلطة، انضم كامينيف في الفترة ما بين عامي 1925 و1927 إلى المعارضة التي تزعمها تروتسكي. وبانتهاء هذا الصراع على السلطة بنجاح ستالين، تم طرد كامينيف من الحزب عام 1927 ونفيه إلى منطقة الأورال. وقد عاد كامينيف إلى صفوف الحزب مرتين، مرة في عام 1927 ثم مرة أخرى في عام 1932، وذلك بعد أن اعترف في كل مرة بشكل علني بسلامة الخط الذي ينتهجه الحزب. وبرغم ذلك، وُجِّه الاتهام لكامينيف عام 1936 وإلى كثيرين غيره من القادة البلاشفة بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي، وذلك عقب حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام 1934. وكان كامينيف من أبرز الشخصيات أثناء محاكمات موسكو، التي اعترف فيها جميع المتهمين بالتهم الموجهة إليهم. وقد حُكم عليه بالإعدام في أغسطس عام 1936 ونُفِّذ فيه الحكم فوراً. ولم تلعب أصول كامينيف اليهودية دوراً في تحديد رؤيته أو سلوكه.
ميخائيلوفيتش سفيردلوف (1885-1919 (
‏Mikhailovich Sverdlov

ثوري روسي يهودي، وواحد من أهم مؤسسي الحزب الشيوعي السوفيتي، وأول رئيس للاتحاد السوفيتي. وُلد في مدينة نيزني ـ نوفجورود (التي أصبحت مدينة جوركي فيما بعد) . انخرط في شبابه في النشاط الثوري وأسس عام 1901 اللجنة الثورية لمدينة نيزني ـ نوفجورود. وفي عام 1909، أسندت إليه اللجنة المركزية للحزب مهمة إعادة بناء تنظيمات الحزب في موسكو. وفي عام 1912، شارك أيضاً في تنظيم وبناء جناح الحزب داخل البرلمان الروسي. وتميَّز سفيردلوف بقدراته التنظيمية في هذا المجال. وقد سُجن مرتين (1902، 1905) ونُفي إلى سيبريا مرتين أيضاً (1910، 1913) . وبعد ثورة فبراير عام 1917، أصبح من أهم منظمي الحزب. أما بعد الثورة البلشفية، فقد عُيِّن رئيساً للجنة المركزية التنفيذية الروسية وكأول سكرتير للجنة المركزية للحزب ومن ثم أول رئيس للدولة السوفيتية. وقد عمل عن كثب مع لينين وشاركه في اتخاذ كثير من القرارات الخاصة بسياسات الدولة. وقد سُمِّيت إحدى المدن السوفيتية باسمه بعد وفاته تقديراً لدوره الحزبي والثوري المهم.
كارل راديك (1885-1939 (Karl Radek

اسمه الأصلي سوبيلسون. ثوري روسي يهودي وكاتب صحفي، وُلد في جاليشيا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي البولندي فكان مُمثِّلاً صحفياً للجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وكان كارل ممن صاحبوا لينين عام 1917 في رحلة القطار الذي أقله من سويسرا عبر ألمانيا إلى السويد، وظل في السويد مُمثِّلاً للحزب البلشفي إلى أن اندلعت الثورة البلشفية فعاد بعدها إلى روسيا، وترأَّس قسم وسط أوربا في مفوضية الشئون الخارجية. وبعد اندلاع الثورة في ألمانيا عام 1918، ساعد راديك بشكل سري في تنظيم أول مؤتمر للحزب الألماني الشيوعي بعد أن دخل ألمانيا بشكل غير شرعي. وفي عام 1920، أصبح راديك سكرتيراً للجنة التنفيذية للدولية الشيوعية كما أصبح عضواً باللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وفي عام 1924، انضم راديك إلى المعارضة التروتسكية وهو ما أدَّى إلى طرده من الحزب عام 1927 ونفيه إلى جبال الأورال. وفي عام 1930، سُمح له بالعودة إلى صفوف الحزب مرة أخرى بعد أن قدَّم طلباً بذلك أعلن فيه انفصاله عن المجموعة التروتسكية واعترف بأخطائه. وبعد ذلك أصبح راديك كاتباً وصحفياً ومُعِّلقاً ذا وزن ونفوذ في الشئون الخارجية. واشترك عام 1936 في وضع مشروع «دستور ستالين» للاتحاد السوفيتي، ولكنه تعرَّض مرة أخرى عام 1937 للاتهام بالعضوية في المعارضة التروتسكية وبالتآمر ضد الدولة السوفيتية، وقُدِّم للمحاكمة مع غيره من المتورطين في التنظيم التروتسكي حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع حرمانه من جميع حقوقه السياسية لمدة خمس سنوات ومصادرة ممتلكاته الخاصة. ولم يُعرَف أي شيء عن راديك بعد ذلك وتضاربت الأقوال عن مصيره، وإن كان البعض يُرجِّح أنه تُوفي عام 1939.
سيمون ديمانشتاين (1886-1937)
‏Simon Dimanstien

ثري روسي يهودي وزعيم شيوعي سوفيتي. وُلد في روسيا البيضاء لعائلة يهودية متدينة ودرس في معهد تلمودي حسيدي وتخرَّج فيه حاخاماً. وفي تلك الآونة، وقع تحت تأثير الأفكار الثورية المناهضة للقيصرية فانخرط في النشاط الثوري وانضم عام 1904 إلى الجناح البلشفي للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي وقام بنشاط دعائي بين العمال اليهود. وأُلقي عليه القبض عدة مرات، وفي عام 1908 حُكم عليه بالنفي إلى سيبريا، ولكنه نجح في الهروب عام 1913 وذهب إلى فرنسا حيث ظل فيها حتى قيام ثورة فبراير عام 1917، وعاد بعد ذلك إلى روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية، عمل مساعداً لستالين ثم رئيساً لدائرة شئون الأقليات حيث كان يُعَدُّ خبيراً في هذا المجال. وعُيِّن أيضاً رئيساً لدائرة الشئون اليهودية. وفي عام 1918، شارك في تأسيس القسم اليهودي (يفسيكتسيا) في الحزب الشيوعي، كما قام بتحرير جريدة يديشية يومية تميَّزت بخطها المعادي للدين والصهيونية وحزب البوند. وكان ديمانشتين مؤمناً بأن الثورة الاشتراكية ستحل مشاكل الجماعة اليهودية في روسيا، وأيَّد الحل الإقليمي للمسألة اليهودية داخل إطار الدولة السوفيتية، حيث لعب دوراً مهماً في تأسيس إقليم بيروبيجان. كما حرص أيضاً على ترجمة أعمال لينين إلى اليديشية حتى يتيح الفرصة لأعضاء الجماعات اليهودية للاطلاع على فكر لينين والفكر الاشتراكي.
ونظراً لخبرته في شئون الأقليات، احتل ديمانشتين عدداً من المناصب الإدارية في أقاليم ومقاطعات مختلفة، وكان رئيساً لدائرة العمل في ليتوانيا خلال الحرب الأهلية، وترأَّس الحكومة الإقليمية في روسيا البيضاء كما عُيِّن رئيساً لدائرة التعليم في تركستان، ثم رئيساً لقسم التربية السياسية في أوكرانيا، ثم رئيساً لمجلس إدارة منظمة أوزيت ورئيساً لمعهد الأقليات القومية.

وبعد صعود ستالين إلى السلطة، تقلَّص نفوذ ديمانشتين. ويُرجَّح أنه أُعدم عام 1937 خلال فترة الإرهاب الستاليني.
آنا بوكر (1890-1960 (
‏Ana Pauker
الاسم الأصلي لبوكر هو «حنا رابينسون» . وهي زعيمة شيوعية رومانية ووزيرة ونائبة رئيس وزراء. وُلدت في بوخارست لعائلة يهودية أرثوذكسية، وتلقت تعليماً يهودياً تقليدياً ثم قامت بتدريس اللغة العبرية في مدرسة ابتدائية يهودية. وفي عام 1920، انضمت (تحت تأثير خطيبها مارسيل بوكر الذي تزوجته فيما بعد) إلى الحزب الشيوعي المحظور، وقامت بتنظيم خلية شيوعية سرية. وأُلقي القبض عليها وحُكم عليها بالسجن لفترة طويلة عام 1936، ولكن تم الإفراج عنها عام 1941 في عملية تبادل للسجناء بين الاتحاد السوفيتي ورومانيا عقب احتلال القوات السوفيتية لمنطقة بساربيا، وانتقلت إلى موسكو ولم تَعُد إلى رومانيا إلا مع القوات السوفيتية التي دخلتها عام 1944. ورغم أن زوجها أُعدم في الاتحاد السوفيتي أثناء إحدى زياراته له، وذلك في إطار حملة التطهير التي قام بها ستالين ضد البلاشفة القدامى، إلا أن إيمانها بالنظام السوفيتي على ما يبدو لم يتزعزع. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت بوكر واحدة من أقوى القادة الشيوعيين في رومانيا. وساهمت في تشكيل الجبهة الديموقراطية الرومانية، وتولت منصب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبعد وصول الشيوعيين للحكم عام 1947، أصبحت وزيرة للخارجية ونائبة لرئيس الوزراء وتمتعت بسلطات واسعة.
وكانت بوكر قد قطعت جميع صلاتها بالجماعة اليهودية في رومانيا كما كانت مناهضة بشدة للصهيونية. ورغم ذلك، سُمح أثناء وجودها في السلطة بهجرة مائة ألف يهودي روماني إلى إسرائيل، ولعل هذا كان في إطار محاولتها تخليص رومانيا من العناصر التي قد تُسبب قلقاً اجتماعياً فيها.

وفي عام 1952، وُجِّهت لبوكر عدة اتهامات من بينها الانحراف اليميني والنشاط الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وطُردت من الحزب الشيوعي وأُعفيت من جميع مناصبها ووُضعت تحت التحفظ في منزلها لعدة سنوات. وقد تعرض عدد من القادة والزعماء الشيوعيين من اليهود وغير اليهود في دول أوربا الشرقية لإجراءات مماثلة في هذه الفترة، وهي إجراءات ارتبطت في المقام الأول بالصراعات السياسية الداخلية وبعلاقات هذه الدول بالاتحاد السوفيتي خلال فترة اشتداد حمية الحرب الباردة.
موسى بيجادي (1890-1957 (
‏Mosa Pijade
ثوري وسياسي يوغسلافي يهودي. وُلد في بلجراد، ودرس فن الرسم في ميونيخ وباريس، ثم انضم عام 1920 إلى الحزب الشيوعي اليوغسلافي المحظور، وسُجن عام 1921 بسبب نشاطه الثوري، ثم سُجن مرة أخرى عام 1925 وحتى عام 1939. وقام خلال هذه الفترة بترجمة رأس المال لماركس إلى اللغة الصربية. وبعد الاحتلال الألماني ليوغسلافيا عام 1941، تحوَّل بيجادي إلى بطل قومي حيث نظَّم المقاومة الشيوعية ضد الاحتلال تحت قيادة تيتو. وبعد تولِّي تيتو قيادة البلاد عقب تحريرها عام 1945، كان بيجادي من أقرب المساعدين له، حيث تولى عدداً من المناصب من أهمها رئاسة الجمهورية الصربية، ومن ثم كان أحد أربعة نواب لرئيس الدولة. كما شارك في وضع دستور يوغسلافيا الجديد ولعب دوراً رئيسياً في رسم سياسة يوغسلافيا تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، وكذلك في رسم السياسة التي تبنت يوغسلافيا بموجبها طريقاً مستقلاً عنهما. وقد تولَّى بيجادي رئاسة البرلمان اليوغسلافي، كما كان عضواً في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب.
لازار كاجانوفيتش (1893-1991 (
‏Lazar Kaganovich

ثوري روسي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في كييف لعائلة يهودية ريفية. انضم عام 1911 إلى الحزب البلشفي بعد أن غيَّر اسمه من كوجان إلى كاجانوفيتش. وفي عام 1914، أصبح عضواً في لجنة الحزب الشيوعي في كييف، ولعب دوراً نشيطاً في الفترة التي سبقت اندلاع ثورة 1917 مباشرة. وخلال الحرب الأهلية (1918 ـ 1920) ، خدم كضابط سياسي في الجيش الأحمر، ثم تولَّى رئاسة الحزب الشيوعي في أوكرانيا في الفترة بين عامي 1925 و1927.وفي عام 1930،ضمه ستالين إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي. وأصبح كاجانوفيتش، طوال الثلاثينيات، الرجل الثاني في الدولة، فأشرف على تنفيذ عدة مشاريع مهمة في الدولة من بينها مترو أنفاق موسكو (الذي حمل اسمه لفترة طويلة) وأعمال بناء السكك الحديدية والصناعات الثقيلة. كما تولَّى مسئولية تنفيذ عملية الزراعة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، ونقل ملايين الفلاحين إلى المزارع الجماعية الضخمة المملوكة للدولة. وقد ترأَّس في الفترة ما بين عامي 1933 و1936 لجنة الرقابة داخل الحزب، وأشرف على عمليات التطهير داخله التي شملت آلاف الأعضاء.
وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كاجانوفيتش عضواً في وزارة الحرب السوفيتية، ثم عُيِّن بعد الحرب نائباً لرئيس الوزراء ثم نائباً أول لرئيس الوزراء. ووقف كاجانوفيتش إلى جانب ستالين خلال فترة الإرهاب الستاليني التي أعقبت الحرب والتي راح ضحيتها كثير من اليهود وغير اليهود أيضاً.
وفي عام 1957، اتُهم كاجانوفيتش بالاشتراك مع مولوتوف ومالنكوف وغيرهما، في محاولة لإقصاء خروشوف من رئاسة الحزب الشيوعي. ولذلك أُعفي من جميع مناصبه وطُرد من الحزب الشيوعي عام 1961، وحاول العودة إليه بعد سقوط خروشوف ولكنه فشل.

وقد ظل كاجانوفيتش طوال حياته متمسكاً بتأييده لستالين ولعهده وسياساته، ورفض بشدة هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، سواء أثناء وجوده في الحكم أو فيما بعد ذلك وحتى وفاته. وعارض وجود قسم خاص لليهود داخل الحزب الشيوعي، كما عارض أيضاً حزب البوند، وهو ما يدل على نزعته الأممية الاندماجية الحادة.
إرنو جيرو (1898-1980 (
‏Erno Gero
زعيم شيوعي مجري يهودي، وُلد في بودابست وانضم عام 1918 إلى الحزب الشيوعي واشترك في الثورة التي قادها بيلا كون عام 1919. وعندما فشلت الثورة في ألمانيا، عاد سراً إلى المجر حيث قام بتحرير جريدة شيوعية سرية. وعاش جيرو لفترة في الاتحاد السوفيتي، كما ساعد العناصر الشيوعية في إسبانيا خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وفي عام 1944، عاد إلى المجر مع الجيش السوفيتي وبدأ في احتلال مواقع مهمة في الدولة حيث أصبح وزيراً للنقل ثم المالية ثم وزير دولة ووزيراً للتجارة الخارجية. وأشرف على عمليات إعادة البناء وعلى تنفيذ الخطط الخمسية. وفي الفترة ما بين عامي 1965 و1966، تولَّى منصب نائب رئيس الوزراء كما كان عضواً في المكتب السياسي.
بعد إقصاء ماتياس راكوسي عن الحكم، عُيِّن جيرو سكرتيراً أول للحزب الشيوعي عام 1956. وحاول، خلال فترة حكمه القصيرة، كبح جماح تيار التغيير ولكن دون جدوى. ومع تفجُّر الانتفاضة المجرية، استنجد بالجيش السوفيتي للتدخل، ولكن تم إقصاؤه من الحكم ففرَّ من البلاد. وعاش جيرو عدة سنوات في الاتحاد السوفيتي حيث مُنع من العودة إلى المجر حتى عام 1962. كما طُرد من الحزب الشيوعي.
رودولف سلانسكي (1901-1952 (
‏Rudolf Slansky

اسمه الأصلي رودولف شليزنجر. سكرتير عام الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي الذي أُعدم عام 1952 بتهمة الخيانة العظمى. انضم سلانسكي في شبابه إلى الحزب الشيوعي وصعد سريعاً في صفوفه، ثم وُجِّهت إليه عام 1936 انتقادات حادة من قبَل الدولية الشيوعية (كومنتيرن) ، بسبب ما وُصف بأنه «سياسته الانتهازية» ، وأُوقفت عضويته بشكل مؤقت من المجموعة القيادية.
وخلال الاحتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا، انتقلت قيادة الحزب إلى الاتحاد السوفيتي وأُوكل لسلانسكي خلال فترة الحرب العالمية الثانية عدة مهام مهمة في الجيش، من بينها تجنيد عناصر من أعضاء الحزب للانضمام لوحدات الجيش التشيكي الذي تكوَّن في الاتحاد السوفيتي، وتنظيم عمليات المقاومة المسلحة ضد الألمان. وشارك سلانسكي بنفسه في بعض العمليات العسكرية.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، عُيِّن سلانسكي (عام 1945) سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي التشيكي، وأصبح الرجل الثاني بعد رئيس الحزب الذي أصبح أيضاً رئيس الدولة. وأحكم قبضته على كافة مقاليد الأمور في الحزب وقوات الأمن والجيش، كما كان ينوب عن رئيس الدولة في المؤتمرات الحزبية. وفي عام 1951، مُنح سلانسكي أعلى وسام تشيكي وهو وسام الاشتراكية. ووقع سلانسكي ضحية سلسلة من الاتهامات والمحاكمات التي تعرَّض لها بعض القادة الشيوعيين في دول أوربا الشرقية بهدف تعزيز مواقع القيادات الموالية لموسكو في هذه الدول. ففي عام 1951، أُلقي القبض على سلانسكي وثلاثة عشر آخرين من القيادات الحزبية بتهمة التآمر ضد النظام، فطُرد من عضوية الحزب كما أُعفي من جميع مناصبه الحزبية. ووُجهت إليه ولمجموعة من المتهمين عدة تهم منها التروتسكية والصهيونية والتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية لإقامة مركز للأنشطة التخريبية المناهضة للدولة. وقُدِّم سلانسكي للمحاكمة عام 1952 واعترف بجميع التهم التي وُجِّهت إليه، وحُكم عليه مع عشرة آخرين بالإعدام وأُعدموا في العام نفسه.
وفيما بعد شُكِّلت لجان لتقصي ملابسات عملية الاستجوابات خلال هذه القضية، وتبيَّن عام 1968 أن قوات الأمن لجأت إلى أساليب غير مشروعة في التحضير لهذه المحاكمات ولانتزاع الاعترافات من المتهمين. وقد دعت اللجنة التي توصلت إلى هذه الحقائق إلى إلغاء قرار طرد سلانسكي من الحزب الشيوعي ورد الاعتبار إليه.
هنري كورييل (1914-1978 (
‏Henri Curiel

سياسي يهودي مُتمصِّر، ومؤسس أحد أهم التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وهو من أبرز قادة الحركة الشيوعية المصرية في تلك الفترة. وُلد في القاهرة لعائلة يهودية سفاردية قَدمت إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر من إيطاليا، وذلك في الفترة التي شهدت تدفُّق المستثمرين الأجانب على مصر للاستفادة من الأوضاع الاقتصادية والظروف السياسية والقانونية المواتية للاستثمار الأجنبي في مصر. ويبدو أن العائلة ادعت نسبها إلى مدينة ليغورن الإيطالية، وهي خطوة أقدمت عليها على ما يبدو كثير من العائلات اليهودية التي جاءت إلى مصر بعد أن احترق أرشيف المواليد والوفيات في ليغورن، وذلك ليكتسبوا الجنسية الإيطالية ويستفيدوا من الامتيازات الأجنبية. وقد كان والد هنري، دانييل نسيم كورييل، يمتلك مصرفاً صغيراً متخصصاً في الرهونات وإقراض الأموال للفلاحين. أما والدته، زفير بيهار، فجاءت من أسرة يهودية ثرية تعيش في إستنبول وتشتغل بتجارة السجاد. وقد اعتنقت زفير المسيحية الكاثوليكية وعمَّدت هنري وشقيقه راؤول سراً.

تلقَّى هنري تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس الجزويت الفرنسية في مصر، ثم درس الحقوق الفرنسية بالقاهرة حيث كان والده يُعدُّه لإدارة مصرف العائلة. ومما يُذكَر أن البورجوازية الأجنبية في مصر، ومن بينها العائلات اليهودية، كانت تعيش في عزلة اجتماعية وثقافية عن أغلب أفراد الشعب المصري، وكان أبناؤها يتلقون تعليمهم في المدارس الأجنبية والجامعات الأوربية، وكانت الفرنسية هي لغة التخاطب فيما بينهم. وقد عبَّر كورييل عن هذا الانتماء الثقافي الأجنبي بقوله: «كان من الصعب على يهودي إيطالي تخرَّج من مدرسة فرنسية أن يجد نقطة ارتباط حقيقية في بلد مسلم، وكانت فرنسا هي الوطن الوحيد الذي أشعر بالارتباط به بعد أن فقدت إيماني [الديني] مبكراً» . ومع ذلك، نجد أن كورييل اختار، عند بلوغه سن الحادية والعشرين (عام 1935) اتخاذ الجنسية المصرية، متنازلاً بذلك عن جنسيته الإيطالية بما كانت توفر له من امتيازات. وبرَّر كورييل هذه الخطوة بأنها تمت بدافع حبه لمصر ونفوره من هذه الامتيازات، وكذلك تأثره بمظاهرات الطلبة في مصر عام 1935 المطالبة بالاستقلال الوطني وعودة دستور 1923.

وتأثر كورييل في هذه الفترة أيضاً بالفكر الاشتراكي والماركسي الذي تعرَّف إليه من خلال شقيقه راؤول الذي كان يدرس في فرنسا، كما صدمه بؤس أحوال الفلاحين والعمال في مصر، فحسم اختياره لصالح الشيوعية وقرَّر الانخراط في العمل السياسي في مصر لصالح الطبقات الكادحة. كما أن صعود الفاشية والنازية في أوربا كان من الأسباب التي دفعت أبناء الجاليات الأجنبية، وخصوصاً أبناء البورجوازية اليهودية، إلى الاهتمام بدراسة الماركسية. وقد شارك كورييل في الأنشطة المعادية للفاشية، وساهم في إصدار مجلة باللغة الفرنسية تدعو إلى مقاومة الفاشية. ثم انضم عام 1939 إلى الاتحاد الديموقراطي الذي أسسه شقيقه راؤول كورييل بالتعاون مع جورج بوانتي ومارسيل إسرائيل والإيطاليين ساندروكا وباجيلي واليوناني كيبريو والمصري أحمد الأهواني الذي نشط أيضاً في مجال مكافحة الفاشية. وقد كان ذلك الاتحاد يعقد اجتماعاته الأولى في مركز محفل ماسوني إيطالي. وكما يقول كورييل، كان الماسونيون أعداء منطقيين للفاشية التي تضطهدهم وأصبح بعضهم مناضلين شيوعيين.

وفي عام 1941، افتتح كورييل مكتبة بميدان مصطفى كامل، ولعبت هذه المكتبة دوراً مهماً في توفير الأدبيات الماركسية باللغات الأجنبية والعربية، بعد أن كانت هذه الأعمال ممنوعة منذ عام 1924. وكانت هذه المكتبة كذلك حلقة اتصال بالعناصر الماركسية بين جنود قوات الحلفاء المتمركزين في مصر، ومن بينهم جنود الفرقة اليهودية التي عمل الصهاينة على تأسيسها للخدمة في صفوف الجيش البريطاني، وقام عناصرها بتوصيل الكتب المعادية للفاشية إلى الأسرى الألمان والإيطاليين. وكانت علاقة كورييل بعناصر هذه الفرقة، بل ثناؤه عليهم واستعداده لمساعدتهم، أحد الأسباب التي أثارت التساؤلات والجدل حول علاقته بالصهيونية فيما بعد. كما أن أنشطته هذه مع جنود الحلفاء أثارت الشكوك حول علاقته بالمخابرات البريطانية. وقد اتهمه الحزب الشيوعي الفرنسي بذلك بالفعل، خصوصاً أنه كان على علاقة صداقة بضابط إنجليزي بالمخابرات البريطانية كان يعمل في مصر خلال الحرب (روبرت براوننج) . وقد أكد كورييل أن براوننج كان ماركسياً وانضم بعد الحرب إلى الحزب الشيوعي البريطاني، ونفى أن تكون لعلاقته به أية أبعاد مريبة.
كما اهتم كورييل بتوزيع المنشورات المعادية للفاشية، والتي كانت تدعو المصريين إلى مقاومة التقدم الألماني، خصوصاً أن عناصر عديدة داخل الحركة الوطنية المصرية كانت على استعداد للترحيب والتعاون مع الألمان باعتبارهم أعداء الإنجليز.

ونتيجةً لنشاطه السياسي، اعتُقل كورييل عام 1942. ونظراً لأنه كان قد اكتسب الجنسية المصرية، أُودع معتقل الزيتون مع غيره من المصريين، ودامت مدة اعتقاله بين 6 و7 أسابيع. ولكنها كانت فرصة حقيقية ـ على حد قول كورييل ـ لكي يتلَّمس عن قرب، ولأول مرة، واقع السياسة المصرية، ويدرك مدى رفض المصريين للوجود البريطاني ومن ثم صعوبة استجابتهم لدعوى مقاومة المحور ومساعدة عدوتهم إنجلترا. ومن هنا، أدرك كورييل أن أفضل سبيل للوصول إلى الجماهير المصرية هو الانطلاق من موقف ثابت في عدائه للإمبريالية وتنمية أقوى حركة شيوعية يمكن إقامتها على هذه القاعدة. وراودته في تلك الفترة أيضاً فكرة اعتناق الإسلام كوسيلة لتأكيد مصريته، وهو ما كان بعض أصدقائه من اليهود قد أقدموا عليه بالفعل، إلى جانب تعمُّقهم في دراسة اللغة العربية، ولكنه عدل عن ذلك حتى لا تؤخذ هذه الخطوة على أنها محاولة للهروب من خطر النازية التي كانت تقف على أبواب مصر.
وقد خرج كورييل من المعتقل وهو أكثر اقتناعاً بضرورة بناء تنظيم شيوعي. وبالفعل، أسس عام 1943 «الحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو) » . وتأسست في الوقت نفسه منظمتان شيوعيتان أخريان بقيادة عناصر يهودية أيضاً، وهما إيسكرا التي أسسها هيلل شوارتز والتي ركزت على تجنيد عناصر من المثقفين الأجانب والمصريين من أبناء البورجوازية المصرية ذوي الثقافة الفرنسية، ثم منظمة تحرير الشعب التي أسسها مارسيل إسرائيل وركزت على التوجه للعمال.

واتسمت علاقة التنظيمات الثلاثة بالصراع والتنافس والخلاف حول قضايا فكرية وتنظيمية. وظلت هذه الانقسامات والخلافات التي وُلدت بها الحركة الشيوعة المصرية واحدة من السمات الملازمة لها بعد ذلك، وهو ما دفع بعض المؤرخين المصريين مثل سعد زهران للتساؤل عن أسباب هذه الانقسامات التي وُلدت بها الحركة الشيوعية والتي لم يكن لها مبرر واضح. وبسبب هذه الخلافات والصراعات، لم تعترف الحركة الشيوعية الدولية بأي من التنظيمات، بل كانت تشتبه وترتاب في نشاطاتهم وترى أنهم ليسوا أكثر من حفنة من البورجوازيين الصغار المنخرطين في معارك ديوك لا تنتهي ولا علاقة لهم بالنضال الثوري. وقد حاول كورييل مدَّ جسور التعاون مع السفارة السوفيتية في القاهرة وأجرى اتصالاً بمستشار السفارة عام 1943. ورغم عدم إقبال الاتحاد السوفيتي على الاعتراف به أو بوجود شيوعيين في مصر، إلا أن هذا الاتصال أثار ضده تهمة العمالة للاتحاد السوفيتي.

وبين قضايا الخلاف، كانت هناك مسألة التمصير والعمالية فقد أصر كورييل على تمصير حمتو، فضمت الحركة غالبية مصرية على جميع المستويات بما في ذلك اللجنة المركزية، على عكس منظمة إيسكرا مثلاً التي أصرت على بقاء قيادة التنظيم أجنبية خالصة. كما اهتمت حمتو بتوسيع القاعدة العمالية في صفوفها وركزت على تجنيد القيادات العمالية النشيطة، وتحركت في الجيش وفي صفوف الطلبة وكان لها كوادر بين طلبة الأزهر الذين كانوا حلقة الوصل بين الحركة والريف المصري. واهتم كورييل أيضاً بالتحرك بين صفوف النوبيين وتجنيدهم للعمل النضالي وإحباط محاولة الاستعمار فصل النوبة عن مصر، وكان لهم قسم خاص في الحركة، وكذلك كان الأمر مع السودانيين (ثم فُصل هذا القسم فيما بعد ليكوِّن الحركة السودانية للتحرر الوطني التي كانت نواة الحزب الشيوعي السوداني) . وكان موقف كورييل من السودان هو المطالبة بحقه في تقرير المصير، إما بالوحدة مع مصر أو الاستقلال التام عنه، وهذه هي أول سباحة ضد التيار العام للحركة السياسية المصرية على حد تعبير د. رؤوف عباس التي كانت تطالب بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري.
وقد تبنَّى كورييل أيضاً موقفاً مؤيداً للوحدة العربية حيث اعتبرها حقيقة لابد منها. ومن ثم، فقد أيَّد تأسيس الجامعة العربية وجعل وحدة الشعوب العربية هدفاً من الأهداف السياسية لحمتو. واختلفت معه التنظيمات الشيوعية الأخرى واتهمته بالعمالة للإمبريالية.
أقام كورييل مدرسة لتعليم وتدريب كوادر الحركة في سراي عزبة والده بالمنصورية. ومن السلبيات التي تؤخذ على كورييل (وقد اعترف بها فيما بعد) التركيز على الإعداد الحركي للكوادر وعلى تدريبهم على العمل الجماهيري على حساب الإعداد النظري الكافي، وعلى تأصيل الثقافة الماركسية بينهم.

وقد اهتم كورييل أيضاً بالعمل الجبهوي، حيث كان يرى أن من أهم أسباب فاعلية الحركة الجماهيرية وحدة القوى الوطنية بمختلف اتجاهاتها السياسية، ولذلك انضم مع يسار الوفد والإخوان المسلمين لتشكيل جبهة وطنية عام 1946 عُرفت باسم اللجنة الوطنية للطلبة والعمال (انشق عنها الإخوان فيما بعد) . ولعبت هذه اللجنة دوراً رئيسياً في قيادة النضال الوطني عام 1946، وهو ما دفع السلطات لبدء حملة اعتقالات واسعة شملت مائتي شخص فيما عُرف بقضية المؤامرة الشيوعية الكبرى وكان كورييل المتهم الأول فيها. وقد أُفرج عنه بعد عشرين شهراً بعد أن قضت محكمة الجنايات ببراءته.
وفي عام 1947، بدأ التفكير في توحيد صفوف الحركة الشيوعية المصرية. وبالفعل، اتحدت حمتو مع إيسكرا لتكوين الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني (حدتو) . ولكن هذا التنظيم الجديد لم يخل من الخلافات الفكرية والتنظيمية التي أسفرت عن انشقاقات وانقسامات جديدة نتجت عنها تنظيمات عديدة أخرى. وكان من أهم نقاط الخلاف مسألة التمصير ودور الأجانب أو المتمصرين في القيادة ومن بينهم هنري كورييل الذي اعتبر، برغم تأييده لمسألة التمصير، أن المطالبة بتخليه عن القيادة نوع من الشوفينية. ومن ناحية أخرى، يذهب بعض مؤرخي هذه الحقبة، مثل مصطفى طيبة، إلى أن السبب الرئيسي وراء انقسام وتَشرْذُم حدتو هو الجانب الانتهازي للوحدة، حيث كانت قيادة كل تنظيم تسعى إلى استقطاب كوادر الطرف الآخر نحوها وإقناعها بسلامة خطها الثوري وأنها تشكل التيار الثوري الوحيد. ويرى طيبة أن هذا الاتجاه ظل مسيطراً على سلوك جميع التنظيمات الشيوعية حتى بعد أن تم استبعاد جميع الأجانب عن الحركة الشيوعية، فكان وراء فشل التحالفات اللاحقة.

ومن أهم أسباب الخلاف والانشقاق في تلك الفترة قضية فلسطين، وقد كان كورييل وراء الموقف المؤيد الذي اتخذته حدتو بالنسبة لقرار التقسيم عام 1947 ومعارضتها بشدة دخول مصر الحرب. وأسَّس كورييل موقفه هذا من منطلق أممي وطبقي، وأيضاً تمشياً مع موقف الاتحاد السوفيتي والموقف الشيوعي العالمي إزاء قضية التقسيم. وأدان كورييل كلاًّ من الصهيونية والرجعية العربية والاستعمارين البريطاني والأمريكي، ونادى بالنضال المشترك لليهود والعرب في فلسطين ضد الاستعمار. ورغم رفض كورييل الصهيونية واعتباره إياها حركة بورجوازية متحالفة مع الاستعمار، إلا أنه لم ينكر حق اليهود في فلسطين في الوجود القومي، ودعا إلى التفرقة بين الصهيونية واليهود في فلسطين معتبراً أنهم أصبحوا ذوي سمات مميِّزة تختلف عن يهود الدول الأخرى وأصبحت لهم ثقافتهم ولغتهم ومؤسساتهم الخاصة. وبيَّن كورييل أن رُبع يهود فلسطين من الفلاحين والعمال وأن لهم حقوقاً قومية وسياسية يجب الاعتراف بها ومنحهم إياها، بما في ذلك حق الانفصال وذلك استناداً إلى شروط الأمة التي حدَّدها ستالين. واعتَبرَت حدتو أن الحرب ضد الصهاينة إثارة لحرب دينية لا يُفيد منها سوى المستعمر، ودعت إلى ضرورة تعبئة الجماهير الكادحة لمكافحة الاستعمار أولاً. وانتقد كورييل الدعاوى العنصرية التي حاولت حرف مسيرة الكفاح من كفاح سياسي ضد الاستعمار وضد الصهيونية كحركة استعمارية إلى كفاح عنصري ضد اليهود. وكان لموقف حدتو من قضية فلسطين انعكاس سلبي على شعبية الحركة الماركسية بأكملها رغم أن التنظيمات الشيوعية الأخرى اتخذت موقفاً معارضاً للتقسيم ورغم إدانة الحركة بشكل عام للصهيونية. كما كان موقفه هذا من أهم أسباب اتهامه بالصهيونية، سواء من قبَل معارضيه داخل الحركة الشيوعية أو من قبل القوى السياسية الأخرى في مصر.

وقد اعتُقل كورييل مع غيره من الشيوعيين في مايو 1948 بعد إعلان الأحكام العرفية بسبب حرب فلسطين. لكنه رفض أن يتم الإفراج عنه مقابل قبوله الهجرة من مصر وترحيله إلى إسرائيل، كما فعل بعض الشيوعيين اليهود، فظل في المعتقل مع سائر الشيوعيين المصريين حتى أُفرج عنه عام 1950. وحاول أن يعيد تنظيم صفوف حدتو بعد ظروف الاعتقالات والانقسامات، ولكن أجهزة الأمن المصرية قامت بإبعاده من البلاد في العام نفسه بحجة بطلان إجراءات اكتسابه للجنسية المصرية عام 1935. وقد رفض كورييل الذهاب إلى إسرائيل، وظل لفترة في إيطاليا، ثم نجح في دخول فرنسا حيث استقر في باريس، وهناك كوَّن مجموعة روما للحركة الديموقراطية للتحرر الوطني التي تشكلت من العناصر اليهودية التي خرجت من المعتقل في مصر عام 1949 وتوجهت إلى إسرائيل ثم فضَّلت التوجه والاستقرار في فرنسا. وظلت المجموعة على اتصال وثيق بكوادر حدتو في مصر وقدمت العون المادي والمعنوي لمعتقليها في سجون مصر. وفي عام 1958، قرَّر الحزب الشيوعي المصري المتحد حل مجموعة روما وفصل أعضائها لأنهم مجموعة أجنبية ومنعزلة عن الواقع المصري وبعيدة عن رقابة الحزب.
ولم يكن ذلك نهاية نشاط كورييل السياسي، إذ نقل اهتمامه السياسي من مصر إلى الجزائر. فأيَّد حركة التحرير الجزائرية واعتُقل مع قادتها، وبعد نجاح الثورة كان من بين مستشاري بن بللا. كما يبدو أنه كان على علاقة بمنظمات إرهابية وبحركات ثورية ويسارية في العالم الثالث على حد زعم أحد المصادر الفرنسية التي اتهمته بالعمالة للمخابرات السوفيتية.

أما على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، فقد كان كورييل حريصاً على إقرار السلام بين الطرفين. ورغم اعترافه بحق الفلسطينيين في الوجود القومي، إلا أنه ظل يؤمن بوجود قومية إسرائيلية ويدين المغامرات التوسعية الصهيونية، لكنه لم يُغيِّر موقفه المتمثل في ضرورة الوجود الآمن لإسرائيل. وكان كورييل قد أدان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولكننا بعد حرب عام 1967 نجده (كما جاء في خطاب له أورده جيل بيرو في كتاب رجل من طراز خاص) يقول: «الجماهير الإسرائيلية ترى أن الحرب لم تكن عدواناً من إسرائيل ولكن نضالاً من أجل بقاء بلدهم. فهل يُعقَل أن نطلب منهم العودة إلى وضع يصبحون فيه مهددين بالإبادة والفناء؟ وضع يتعيَّن عليهم أن يتنازلوا فيه عن الثمار التي حصلوا عليها مقابل تضحياتهم الجسيمة وبدون أي مقابل؟» .
وسعى كورييل في قضية السلام بين العرب وإسرائيل، وكان على صلة بالحزب الشيوعي الإسرائيلي وكذلك ببعض عناصر منظمة التحرير الفلسطينية، وعمل على تدبير اللقاءات بين كلا الطرفين وعلى تشجيع الحوار بينهما.

وقد جاء اغتيال كورييل، والذي يُرجَّح أنه تم بيد أحد أجهزة المخابرات، ليزيد الاتهامات ويعمِّق الشكوك والتساؤلات التي طالما أحاطت به. ومن أهم التساؤلات التي طُرحت حوله بشكل خاص، والحركة الشيوعية المصرية بشكل عام، لماذا عاد هذا التيار إلى الحياة السياسية في مصر، بعد أن غاب وجوده منذ عام 1926، على أيدي عناصر أجنبية أغلبها من اليهود الأجانب أو المتمصرين ومن أبرزهم كورييل؟ فيتساءل محمد سيد أحمد: هل كان الدافع الحقيقي هو إنشاء حركة مستقلة للطبقة العاملة المصرية كما كانوا يدَّعون، أم كان إطلاق حركة رأي عام للمصريين والمثقفين الوطنيين والشباب المتحمس؟ حركة كفيلة بحمايتهم كجالية في وجه توجُّه العديد من الشباب إلى النازية؟ ويشير سعد زهران إلى أن بريطانيا كانت تشجع في مصر (بعد عام 1936) الأنشطة المعادية للفاشية بين الجاليات الأجنبية، وأن أغلب الذين قاموا بهذه المهمة كانوا من اليهود الماركسيين الذين اجتمع لديهم حافز الخوف من هتلر مع القدرة على استخدام الماركسية. ويتساءل د. رؤوف عباس أيضاً عن السبب الذي دفع شباب البورجوازية اليهودية في مصر بالذات إلى اعتناق الماركسية وتأسيس الحركة الشيوعية دون غيرهم من الشرائح الأخرى من البورجوازية، ولماذا حدث ذلك في ظروف الحرب العالمية الثانية بالذات؟ ويؤكد د. رؤوف عباس على أن هذه الأسئلة تصبح مهمة إذا عرفنا أن الطلائع الماركسية اليهودية جلبت للحركة الشيوعية المصرية داء التكتلية والانقسام، كما جلبت إليها داء الإغراق في المناقشات النظرية والدخول في خلافات أيديولوجية مُصطنعة دون الاهتمام بالنضال السياسي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه مُخطَّط مُعَد مُسبقاً.

أما طارق البشري، فيذهب صراحةً إلى أن هذا الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيداً عن التحرك الصهيوني في منطقة المشرق العربي المتاخمة لفلسطين، وهو التحرك الذي أسفر عن إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. كما يشير إلى أن إلغاء الامتيازات الأجنبية في منتصف الثلاثينيات أثار مخاوف الجاليات الأجنبية من ضياع امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية فبدأوا يسعون لأن يكون لهم دور ما في الحركة السياسية المصرية ويشجعون عدداً من أفراس الرهان، منها الحركة الشيوعية، وحسبهم منها أن تكون ركيزة لمقاومة التيارين الإسلامي والقومي وهما تياران شعبيان. كما يرى طارق البشري أن الترويج للشيوعية اتفق مع التوجه الأجنبي اليهودي في السعي لتكوين منطقة أيديولوجية في السياسة المصرية وبين الشباب، منطقة تصلح مكاناً وموئلاً للوجود الأجنبي في السياسات المصرية. أما بالنسبة لكورييل ذاته، فيرى طارق البشري أن تكوينه الوجداني يتلاءم بشدة مع أنشطة المخابرات، فهو إنسان منقطع الجذور بارد الفكر والأعصاب، قراراته تتشكل دون دخل لأية عواطف أو غرائز. كما يؤكد أنه رغم رفض كورييل للصهيونية وإنكاره لها، إلا أن تحليله للوضع في فلسطين وموقفه إزاء هذه القضية كان في النهاية لصالح الصهيونية ومشروعها. كما يشير المؤرخون إلى مدى سيطرة العناصر اليهودية الأجنبية والمتمصرة على التنظيمات الشيوعية وحرصها على الاحتفاظ بمواقع القيادة، وأنهم ظلوا يمارسون نفوذاً قوياً على هذه التنظيمات حتى بعد إبعادهم عن مصر.

وأغلب التساؤلات السابقة تجد أن من الغريب وجود اليهود الأجانب والمتمصرين على رأس التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وتلقى بعض التفسرات المطروحة قدراً من الضوء على العوامل التي قد تكون وراء ذلك. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بشكل موضوعي دون أن يُؤخَذ في الاعتبار وضع الجاليات الأجنبية في مصر بشكل عام وأعضاء الجماعة اليهودية بشكل خاص، وذلك داخل إطار التحولات الخارجية الجارية على الساحة الدولية والتحولات والتفاعلات الداخلية الجارية في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع المصري في هذه الحقبة التاريخية.
وبدايةً، نجد أن أغلب الجاليات الأجنبية، خصوصاً الطبقة البورجوازية منها، بحكم وجودها على هامش المجتمع المصري وابتعادها عن الحركة السياسية المصرية وعدم اهتمامها بها، كانت أكثر ارتباطاً بما يجري في أوربا. ولذلك، فإننا نجد أن كل الجاليات الأجنبية في ذلك الحين، كما يشير مصطفى طيبة، كانت تزخر باتجاهات وتيارات فكرية متعددة تُعتبَر انعكاسات لما كان يجري في أوطانها الأصلية (بما في ذلك الاتجاهات الاشتراكية بمدارسها المختلفة، والليبرالية، بل الفاشية والنازية أيضاً) . ومع أن نشاط هذه الاتجاهات كان منحصراً داخل أفراد كل جالية، فإن ذلك لم يَحُل دون ظهور تنظيمات تضم أجانب من جنسيات مختلفة، ولذلك نجد أن أكثر العناصر اليهودية التي اعتنقت الفكر الماركسي كانوا أبناء البورجوازية والجامعات الفرنسية ممن تلقوا تعليمهم في المدارس الثانوية الفرنسية والجامعات الفرنسية، ومن ثم ارتبطوا ثقافياً ووجدانياً بفرنسا وتأثروا، كما يقول لنا كورييل نفسه، بالنضال الأوربي (وخصوصاً بانتصار الحزب الشيوعي الفرنسي والجبهة الشعبية في انتخابات 1936) ، كما تأثروا بالحركة الشيوعية الدولية أكثر من العناصر المصرية، وبتجربة الاتحاد السوفيتي وبأدائه خلال الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في معركة ستالينجراد.

وكانت هذه الجاليات تتابع عن كثب التطورات الجارية في أوربا ومن بينها صعود الفاشية والنازية والتي عملت، على حد قول رفعت السعيد، على تزايد الاهتمام بالعمل السياسي والاجتماعي بين أعضاء الجاليات (خصوصاً بين اليهود) الذين أثار ذعرهم اشتداد هجمات جيوش المحور على حدود مصر. بالإضافة إلى أن أغلب أعضاء البورجوازية اليهودية في مصر كانوا يحملون الجنسية الإيطالية ويحتلون مواقع بارزة داخل الجالية الإيطالية، ومن ثم فقد كانوا أقرب لتلمُّس أثر امتداد الفاشية إلى أبناء الجالية الإيطالية وتأثيرها عليهم، وساهموا في تشكيل جماعات مناهضة للفاشية لمواجهة هذا الاتجاه داخل الجالية. ومما لا جدال فيه أن أغلب العناصر اليهودية التي ساهمت في تأسيس التنظيمات الشيوعية خرجت من بين صفوف الجماعات التي تأسست أصلاً لمكافحة الفاشية في تلك الفترة، مثل اتحاد أنصار السلام الذي أسسه بول جاكو دي كومب عام 1934، ثم الاتحاد الديموقراطي الذي سبق ذكره. كما كان للتحركات الاجتماعية والسياسية في مصر انعكاسها على وضع الأقليات الأجنبية، ومن أهمها صعود حركة وطنية مصرية قوية معادية للوجود الأجنبي وللبورجوازية المهيمنة على اقتصاد البلاد والمرتبطة بالمصالح الاستعمارية وبالرأسمالية الأوربية. وقد ظهر في الثلاثينيات أيضاً تياران سياسيان، أحدهما ذو اتجاه قومي مصري (مصر الفتاة) والآخر ديني إسلامي (الإخوان المسلمون) ، وكلاهما كان معادياً بشدة للوجود الأجنبي. وكان وضع الجماعة اليهودية أكثر حساسية، وخصوصاً مع تصاعُد الصراع حول فلسطين. وقد وجَّه التيار الديني الاتهام لليهود باعتبار أنهم طابور خامس للصهيونية، كما قامت عناصره مع عناصر من مصر الفتاة بالهجوم على بعض الممتلكات والمعابد اليهودية عام 1945 أثناء المظاهرات التي قامت بمناسبة ذكرى وعد بلفور. وقد اتهم كورييل هذين التيارين بالفاشية ومعاداة اليهود.

ولا شك أيضاً في أن إلغاء الامتيازات عام 1937 كان له أعظم الأثر في إثارة مخاوف الجاليات الأجنبية، ومن بينهم اليهود من أعضاء البورجوازية، على مستقبل أوضاعهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم اهتمامهم بالاشتراك في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. ولكن يجب التذكير بأن كورييل اختار التنازل عن هذه الامتيازات بمحض إرادته وذلك عندما اختار الجنسية المصرية عام 1935.
وتبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية في مصر ردود أفعال متباينة إزاء هذه التحولات. فاليهود في مصر لم يُشكِّلوا جماعة متجانسة ثقافياً أو اجتماعياً أو طبقياً، بل تنوعت أصولهم الإثنية وجنسياتهم وثقافتهم ولغاتهم ومواقفهم الطبقية ومصالحهم الاقتصادية، ومن ثم اختلفت خياراتهم وتنوع نشاطهم السياسي.

واختار أغلب أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً أعضاء البورجوازية اليهودية السفاردية التي كانت تخشى على مصالحها المالية والتجارية في مصر، عدم الانخراط في السياسة وتأكيد ولائهم للدولة والملك ورفض الصهيونية والشيوعية على حدٍّ سواء. في حين اتجه قطاع آخر على رأسهم يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي وحاييم ناحوم أفندي كبير حاخامات مصر إلى تأييد الحركة الوطنية المصرية والدعوة إلى ضرورة تمصير أعضاء الجماعة اليهودية ودمجهم في المجتمع المصري. كما أبدى نادي الشباب اليهودي المصري خلال الثلاثينيات والأربعينيات تضامنه مع المطالب الوطنية المصرية بشكل عام ومع حزب الوفد بشكل خاص، ولكن هذا التيار ظل هامشياً للغاية وانحصر في عدد من المحامين والكُتاب والصحفيين اليهود ولم ينجح في تعريب أو تمصير أعضاء الجماعة. واختار قطاع ثالث الصهيونية، وتركزت أغلب هذه العناصر بين اليهود الإشكناز وعناصر الطبقات الدنيا والوسطى من أعضاء الجماعة، وخصوصاً بعد عام 1947، حيث كانت هذه العناصر أكثر القطاعات تضرراً من قوانين التمصير. واختار قطاع رابع الشيوعية، وذلك باعتبارها السبيل الوحيد نحو الاندماج في المجتمع المصري على أسس أممية وعن طريق إجراء تحويل جذري في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد. وقد تركزت أكثر هذه العناصر كما أسلفنا بين أبناء البورجوازية الكبيرة والمتوسطة من خريجي المدارس الفرنسية.

ومما سبق، تتضح بعض العوامل التي تُفسِّر نشأة التنظيمات الشيوعية في مصر على أيدي عناصر أجنبية يهودية بشكل خاص. وكان لهذه النشأة ولا شك آثار على طبيعة هذه التنظيمات وسياستها من أهمها تأكيد وتضخيم مفهوم الأممية على حساب المفهوم القومي والخضوع لتقديرات الوطن الاشتراكي الأول (الاتحاد السوفيتي) . وقد يُفسِّر ذلك موقف كورييل وحدتو من قضية فلسطين (وإن كان يجب الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات الشيوعية الأخرى، تحت قيادة عناصر يهودية أيضاً، قد رفضت قرار التقسيم) ، بالإضافة إلى أن كورييل ظل حتى آخر حياته متمسكاً بوجود قومية إسرائيلية وبحق إسرائيل في الوجود الآمن. ولا شك أيضاً في أن ثقافة كورييل الأجنبية، وكذلك ثقافة غيره من الماركسيين الأجانب ونشأتهم على هامش المجتمع المصري وفي عزلة عنه، حال دون صياغة نظرية مصرية لتفسير وتغيير المجتمع المصري العربي، نظرية تستند إلى إدراك حقيقي ودقيق لواقع هذا المجتمع بتفاصيله وتناقضاته وخصوصيته، الأمر الذي نتجت عنه سلسلة من الأخطاء السياسية وما صاحبها من انقسامات وتشرذم.
ورغم علامات الاستفهام التي ظلت تطارد هنري كورييل طوال حياته، فقد ساهم بشكل فعال (كما يذكر د. رؤوف عباس) في أن أصبح الفكر الاشتراكي والماركسي مطروحاً بشكل أكثر إلحاحاً على الساحة السياسية المصرية، وفي إعداد الكوادر المصرية من العمال والمثفقين الذين كانت لهم إسهامات مهمة في الحركة الشيوعية المصرية، وفي تأسيس أكثر التنظيمات الشيوعية المصرية استمراراً وأوسعها قاعدة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحركة الشيوعية المصرية كانت لها إسهاماتها الثرية في المجال الفكري والثقافي والسياسي المصري، ولعبت دوراً بارزاً في حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار. وكما يذكر طارق البشري، فإن الحركة الشيوعية قد أغنت السياسات الوطنية بمفاهيم جديدة تتعلق بالمضمون الاجتماعي لحركة التحرر الوطني وبالتصنيف الطبقي للمجتمع وتأكيد أولوية التحرر الاقتصادي والسياسي من الاستعمار.

*الأتراك جماعة عرقية استقرت بعد هجرتها من موطنها الأصلى فى وسط آسيا، فيما يسمى اليوم بجمهورية تركمانستان، ولهذه الجماعة العرقية امتداد فى شمال إيران وشمال غرب أفغانستان.
اعتمد الترك فى حياتهم على الرعى والتجارة؛ ولذا كثر ترحالهم، ثم اتجهوا إلى الزراعة، وقد فصل نهر المرغاب بين الشعوب التركية والفارسية.
وتعددت القبائل التركية فنجد الترك القراخانية والترك القفجاق، والترك البلغار.
وساهم الترك فى نشر الإسلام فوطَّد محمود بن سبكتكين الغزنوى دعائم الحكم الإسلامى فى الهند، وكان للترك نفوذ كبير أيام العباسيين حتى إنهم استولوا على بغداد سنة (447هـ)، واستطاعوا نشر الإسلام فى آسيا الوسطى بعد انتصارهم على الروم البيزنطيين فى موقعة ملاذكرد سنة (470هـ)، ثم قام الأتراك العثمانيون بتأسيس إمبراطورية بلغت ذروة مجدها فى القرن العاشر الهجرى، واستمرت حتى سنة (1343هـ).
وينتمى المماليك إلى العنصر التركى، واستطاع المماليك إقامة دولة تركية فى مصر عندما استطاع أيبك التركمانى تأسيس دولة للمماليك أطلق عليها المماليك البحرية.
ويمكن تقسيم الأتراك الموجودين حاليًّا من حيث الأصل السلالى واللغوى إلى قسمين: أحدهما: الأتراك الخُلَّص، وهم الذين يعيشون فى تركيا، بالإضافة إلى الأقليات التركية فى بلغاريا والجبل الأسود وكريت وقبرص.
والآخر المتأتركون: وهم مجموعة من الشعوب المختلفة ثقافيًّا ولغويًّا، غير أنها اختلطت بأصول تركية، ومن هذه الشعوب: قازاقستان وأذربيجان وتركمانستان.
في الفرنسية/ Homonymie
في الانكليزية/ Homonymy
الاشتراك قسمان: معنوي، ولفظي.
اما الاشتراك المعنوي فهو كون اللفظ المفرد موضوعا لمفهوم عام مشترك بين الأفراد، وذلك اللفظ يسمى مشتركا معنويا. وينقسم إلىالمتواطئ، والمشكك. اما المتواطئ ( Univoque) فهو الموضوع لأمر عام بين الأفراد على السواء، كالإنسان فهو يصدق على جميع أفراد الإنسان بالسّوية، وأما المشكك ( Equivoque) فهو اللفظ الموضوع لأمر عام مشترك بين الأفراد، لا على السواء بل على التفاوت، كالموجود، فإنه في الواجب أولى واقدم وأشدّ مما هو في الممكن.
وأما الاشتراك اللفظي فهو كون اللفظ المفرد موضوعا لمعان مختلفة، كلفظ العين، فهو يدل على عدة معان كينبوع الماء، والجاسوس، والشمس، وشريف القوم .. الخ. أو موضوعا لمعان متقاربة كلفظ العقل فهو يدل على وقار الإنسان وهيئته، أو على ما يكتسبه الإنسان بالتجارب من الأحكام الكلية، أو على صحة الفطرة الأولى في الإنسان، أو على قوة النفس العالمة أو العاملة. قال ابن سينا: و اما النفس الناطقة فتنقسم قواها إلىقوة عاملة وقوة عاملة، وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الاسم (النجاة، ص 267).

وضد المشترك، المترادف ( Synonyne) وهو ما كان معناه واحدا وأسماؤه كثيرة، كالليث والأسد.
التَّعْرِيفُ:
1 - يُطْلَقُ الاِشْتِرَاكُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الاِلْتِبَاسِ، يُقَال: اشْتَرَكَ الأَْمْرُ: الْتَبَسَ، وَيَأْتِي الاِشْتِرَاكُ بِمَعْنَى التَّشَارُكِ.
وَرَجُلٌ مُشْتَرَكٌ: إِذَا كَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ كَالْمَهْمُومِ، أَيْ أَنَّ رَأْيَهُ مُشْتَرَكٌ لَيْسَ بِوَاحِدٍ، وَلَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنًى. (1)
وَيُطْلَقُ الاِشْتِرَاكُ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ، كَأَهْل
الْعَرَبِيَّةِ وَالأُْصُول وَالْمِيزَانِ (الْمَنْطِقِ) عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الاِشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ. وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ مَوْضُوعًا لِمَفْهُومٍ عَامٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الأَْفْرَادِ، وَذَلِكَ اللَّفْظُ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا.
ثَانِيهِمَا: الاِشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ. وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ مَوْضُوعًا لِمَعْنَيَيْنِ مَعًا عَلَى سَبِيل الْبَدَل مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَذَلِكَ اللَّفْظُ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا. (2)
أَمَّا الاِشْتِرَاكُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى التَّشَارُكِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْخُلْطَةُ:
2 - الْخُلْطَةُ هِيَ الشَّرِكَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: خُلْطَةُ أَعْيَانٍ، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَ الاِشْتِرَاكُ فِي الأَْعْيَانِ. وَخُلْطَةُ أَوْصَافٍ: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَال كُل وَاحِدٍ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ مُتَمَيِّزًا فَخَلَطَاهُ، وَاشْتَرَكَا فِي عَدَدٍ مِنَ الأَْوْصَافِ، كَالْمَرَاحِ (الْمَأْوَى) وَالْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ وَالْمَحْلَبِ وَالْفَحْل وَالرَّاعِي.
وَلِلْخُلْطَةِ أَثَرٌ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي اكْتِمَال نِصَابِ الأَْنْعَامِ وَاحْتِسَابِ الزَّكَاةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (زَكَاة) .
الْمُشْتَرَكُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَأَقْسَامُهُ:
3 - الْمُشْتَرَكُ مَا كَانَ اللَّفْظُ فِيهِ مَوْضُوعًا حَقِيقَةً فِي مَعْنَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَنْقَسِمُ الْمُشْتَرَكُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَعْنَوِيٍّ وَلَفْظِيٍّ.
الأَْوَّل: الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ. وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ
الْمَوْضُوعُ لِمَفْهُومٍ عَامٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الأَْفْرَادِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى الْمُتَوَاطِئِ وَالْمُشَكِّكِ.
أ - الْمُتَوَاطِئُ: وَهُوَ الْكُلِّيُّ الَّذِي تَسَاوَى الْمَعْنَى فِي أَفْرَادِهِ، كَالإِْنْسَانِ، فَإِنَّهُ مُتَسَاوِي الْمَعْنَى فِي أَفْرَادِهِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا. وَسُمِّيَ مُتَوَاطِئًا مِنَ التَّوَاطُؤِ (التَّوَافُقُ) لِتَوَافُقِ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ فِيهِ.
ب - الْمُشَكِّكُ: وَهُوَ الْكُلِّيُّ الَّذِي تَفَاوَتَ مَعْنَاهُ فِي أَفْرَادِهِ، كَالْبَيَاضِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِي الثَّلْجِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْعَاجِ.
الثَّانِي: الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ. وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنَيَيْنِ مَعًا عَلَى سَبِيل الْبَدَل. أَوْ هُوَ أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ وَيَتَعَدَّدَ الْمَعْنَى عَلَى سَبِيل الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا، كَالْقَرْءِ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ. (3)
عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ:
4 - اخْتَلَفُوا فِي عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ جَمِيعُ مَعَانِيهِ، بِأَنْ تَتَعَلَّقَ النِّسْبَةُ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهَا، بِأَنْ يُقَال: رَأَيْتُ الْعَيْنَ وَيُرَادُ بِهَا الْبَاصِرَةُ وَالْجَارِيَةُ وَالذَّهَبُ وَغَيْرُهَا مِنْ مَعَانِيهَا، وَرَأَيْتُ الْجَوْنَ، وَيُرَادُ بِهِ الأَْبْيَضُ وَالأَْسْوَدُ، وَأَقْرَأَتْ هِنْدٌ، وَيُرَادُ بِهَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ.
فَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى مَنْعِ عُمُومِ
الْمُشْتَرَكِ، وَعَلَيْهِ الْكَرْخِيُّ وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالْبَصْرِيُّ وَالْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ الْمَالِكِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ إِلَى جَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ. (4)
مَوَاطِنُ الاِشْتِرَاكِ:
5 - يَرِدُ الاِشْتِرَاكُ كَثِيرًا فِي الْفِقْهِ فِيمَا نُجْمِل بَعْضَ أَحْكَامِهِ مَعَ الإِْحَالَةِ إِلَى مَوْطِنِهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
أ - الشَّرِكَةُ:
وَهِيَ نَوْعَانِ جَبْرِيَّةٌ وَاخْتِيَارِيَّةٌ.
(5) الْجَبْرِيَّةُ: وَهِيَ بِأَنْ يَخْتَلِطَ مَالاَنِ لِرَجُلَيْنِ اخْتِلاَطًا لاَ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِثَا مَالاً.
(6) الاِخْتِيَارِيَّةُ: بِأَنْ يَشْتَرِيَا عَيْنًا، أَوْ يَتَّهِبَا، أَوْ يُوصَى لَهُمَا فَيَقْبَلاَنِ، أَوْ يَسْتَوْلِيَا عَلَى مَالٍ، أَوْ يَخْلِطَا مَالَهُمَا. وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ فِي نَصِيبِ الآْخَرِ، لاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْعُقُودِ نَوْعَانِ أَيْضًا: فَهِيَ إِمَّا شَرِكَةٌ فِي الْمَال، أَوْ شَرِكَةٌ فِي الأَْعْمَال. فَالشَّرِكَةُ فِي الأَْمْوَال أَنْوَاعٌ: مُفَاوَضَةٌ وَعَنَانٌ وَوُجُوهٌ، وَشَرِكَةٌ فِي الْعُرُوضِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الأَْعْمَال نَوْعَانِ: جَائِزَةٌ، وَهِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَفَاسِدَةٌ وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْمُبَاحَاتِ.
وَهُنَاكَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ بَعْضِ الشَّرِكَاتِ. (7) وَفِي تَفْصِيل أَنْوَاعِ الشَّرِكَاتِ رَاجِعْ مُصْطَلَحَ (شَرِكَة) .
ب - الاِشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ:
بِأَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فِي قَتْلٍ عَمْدٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ جُرْحٍ، فَاخْتُلِفَ فِي الاِنْتِقَال إِلَى الدِّيَةِ، أَوْ قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَاتٌ، قِصَاص) .
- الاِشْتِرَاكُ فِي الإِْرْثِ:
وَهُوَ اشْتِرَاكٌ جَبْرِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الأَْنْصِبَةِ وَإِعْطَاءِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِرْثٌ) .
د - الطَّرِيقُ الْمُشْتَرَكُ:
وَهُوَ أَنْ تَشْتَرِكَ عِدَّةُ دُورٍ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا الطَّرِيقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا وَهُوَ الشَّارِعُ، أَوْ يَكُونَ مَسْدُودًا. وَفِي الْبِنَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الْبَيْتِ إِلَى الدَّرْبِ تَفْصِيلٌ فِي الْجَوَازِ وَالْحُرْمَةِ. (8) اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (طَرِيق) .
هـ - زَوَال الاِشْتِرَاكِ:
يَزُول الاِشْتِرَاكُ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ بِالتَّرَاضِي، لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَمَنْ نَصَّبُوهُ لِلْقِسْمَةِ وَكِيلٌ لَهُمْ. (9) اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (قِسْمَة) .
وَكَمَا تُقْسَمُ الأَْعْيَانُ الْمُشْتَرَكَةُ تُقْسَمُ الْمَنَافِعُ الْمُشْتَرَكَةُ أَيْضًا مُهَايَأَةً، أَيْ مُنَاوَبَةً فِي الزَّمَنِ. (10) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (قِسْمَة) (وَمُهَايَأَة) .
اشْتِغَال الذِّمَّةِ
التَّعْرِيفُ
1 - الاِشْتِغَال فِي اللُّغَةِ: التَّلَهِّي بِشَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ ضِدُّ الْفَرَاغِ، (11) وَالذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالأَْمَانُ. (12)
وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. (13)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلاِشْتِغَال عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
أَمَّا الذِّمَّةُ فَهِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلاً لِلإِْيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ بِأَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ. وَبَعْضُهُمْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا: نَفْسٌ لَهَا عَهْدٌ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ. (14) فَهِيَ مَحَل الْوُجُوبِ لَهَا وَعَلَيْهَا. (15)
وَلَعَل تَسْمِيَةَ النَّفْسِ بِالذِّمَّةِ مِنْ قَبِيل تَسْمِيَةِ الْمَحَل (أَيِ النَّفْسِ) بِالْحَال (أَيِ الذِّمَّةِ) .
فَمَعْنَى اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِالشَّيْءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ وُجُوبُ الشَّيْءِ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا، وَمُقَابِلُهُ فَرَاغُ الذِّمَّةِ وَبَرَاءَتُهَا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِفَرَاغِ ذِمَّةِ الأَْصِيل، وَالْكَفَالَةُ لاَ تَتَحَقَّقُ مَعَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. (16)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ:
2 - هِيَ فَرَاغُ الذِّمَّةِ وَضِدُّ الاِشْتِغَال، وَهِيَ أَصْلٌ مِنَ الأُْصُول الْمُسَلَّمَةِ الْفِقْهِيَّةِ. يُحَال عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلاَفُهُ، وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ تَقُول: " الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ " (17) .
وَلِذَا لَمْ يُقْبَل شَغْلُهَا إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ مُصْطَلَحُ (بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ) .
ب - تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ:
3 - وَمَعْنَاهُ جَعْل الذِّمَّةِ فَارِغَةً، وَهُوَ يَحْصُل بِالأَْدَاءِ مُطْلَقًا، أَوْ بِالإِْبْرَاءِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي تَقْبَل الإِْبْرَاءَ، كَمَا يَحْصُل بِالْمَوْتِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَيَحْصُل أَيْضًا بِالْكَفَالَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَعَبَّرَ الأُْصُولِيُّونَ عَنْ وُجُوبِ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ بِوُجُوبِ الأَْدَاءِ، كَمَا يَقُول صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: إِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا. (18)
صِفَتُهَا (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ) :
4 - الْغَالِبُ اسْتِعْمَال هَذَا الْمُصْطَلَحِ فِي الدُّيُونِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا يُعَرِّفُ الْفُقَهَاءُ الدَّيْنَ بِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، كَمِقْدَارٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ، وَمِقْدَارٍ مِنْهَا لَيْسَ بِحَاضِرٍ. (19) وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَلْزَمُ تَفْرِيغُهَا بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ. وَتَظَل الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً وَإِنْ مَاتَ، وَلِذَا يُوَفَّى الدَّيْنُ مِنْ مَال الْمَدِينِ الْمُتَوَفَّى إِذَا تَرَكَ مَالاً. وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ مُصْطَلَحُ (دَيْن) .
وَالْحَقُّ أَنَّ الذِّمَّةَ كَمَا تَشْتَغِل بِحُقُوقِ النَّاسِ الْمَالِيَّةِ، تَشْغَلُهَا الأَْعْمَال الْمُسْتَحَقَّةُ، كَالْعَمَل فِي ذِمَّةِ الأَْجِيرِ فِي إِجَارَةِ الْعَمَل، وَتَشْغَلُهَا أَيْضًا الْوَاجِبَاتُ الدِّينِيَّةُ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَنُذُورٍ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ قَدْ يَكُونُ مَالاً، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلاً مِنَ الأَْعْمَال، كَأَدَاءِ صَلاَةٍ فَائِتَةٍ، وَإِحْضَارِ شَخْصٍ أَمَامَ الْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (20) وَحِينَ اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ يَجِبُ تَفْرِيغُهَا، إِمَّا بِالأَْدَاءِ، وَإِمَّا بِالإِْبْرَاءِ إِذَا كَانَتْ حَقًّا لِلْعِبَادِ.
الْوُجُوبُ فِي الذِّمَّةِ، وَتَفْرِيغُهَا:
5 - عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِالْوُجُوبِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْوُجُوبَ هُوَ اشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ بِالشَّيْءِ، وَوُجُوبُ الأَْدَاءِ هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا. (21)
وَالأَْصْل أَنَّ الإِْيجَابَ هُوَ سَبَبُ اشْتِغَال الذِّمَّةِ، لأَِنَّ اشْتِغَال الذِّمَّةِ يَحْصُل بِالْوُجُوبِ عَلَيْهَا. يَقُول صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ: إِنَّ الشَّرْعَ شَغَل الذِّمَّةَ بِالْوَاجِبِ ثُمَّ أَمَرَ بِتَفْرِيغِهَا (22) وَيَقُول الْغَزَالِيُّ فِي مُسْتَصْفَاهُ: اشْتَغَلَتِ الذِّمَّةُ بِالأَْدَاءِ، وَبَقِيَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ، فَأُمِرَ بِتَفْرِيغِهَا بِإِتْيَانِ الْمِثْل، فَالْوُجُوبُ الَّذِي ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ. (23)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
6 - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِغَال الذِّمَّةِ فِي الْكَلاَمِ عَنِ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، (24) وَفِي عَقْدِ الْكَفَالَةِ، (25) وَالْحَوَالَةِ، وَفِي بَحْثِ الدَّيْنِ (26) . وَالْقَرْضِ، وَالأُْصُولِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ فِي بُحُوثِ الأَْهْلِيَّةِ، وَالأَْدَاءِ، وَالْقَضَاءِ، (27) وَالْمَأْمُورِ بِهِ، (28) وَفِي بَحْثِ الْقُدْرَةِ كَشَرْطٍ لِلتَّكْلِيفِ. (29) وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 34، 308.
(2) كشاف القناع 3 / 193.
(3) الشرح الكبير 3 / 59 - 67، وجواهر الإكليل 2 / 215، ومواهب الجليل 5 / 61 - 63.
(4) لسان العرب، وتاج العروس مع القاموس، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة: (شرك) .
(5) كشاف اصطلاحات الفنون 4 / 154.
(6)
) جمع الجوامع 1 / 274 - 275، وكشاف اصطلاح الفنون 4 / 154، وكشف الأسرار 1 / 39، وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت 1 / 198، والمنار مع حواشيه ص 339 وما بعدها، وحاشية التفتازاني مع مختصر المنتهى ص 111 - 112، وتيسير التحرير 1 / 186 وما بعدها، والبرهان 1 / 343، والأحكام للآمدي 1 / 10، وأصول السرخسي 1 / 126، وحاشية نسمات الأسحار 1 / 39.
(7) فواتح الرحموت 1 / 101، والمنار مع حواشيه ص 343، وجمع الجوامع 1 / 494 - 495.
(8) الاختيار 3 / 12 وما بعدها، والإقناع للشربيني 1 / 291 وما بعدها، ومنار السبيل 1 / 400 ط المكتب الإسلامي، وبلغة السالك 1 / 165 وما بعدها ط دار المعرفة.
(9) قليوبي وعميرة 2 / 312.
(10) شرح الروض 4 / 329.
(11) شرح الروض 4 / 337.
(12) المصباح المنير وتاج العروس مادة: (شغل) ، ومتن اللغة 3 / 339 وتاج العروس 9 / 391.
(13) المصباح المنير مادة: (شغل) .
(14) حديث: " وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري 6 / 279، 280 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 994 - 998 ط عيسى الحلبي) .
(15) التعريفات للجرجاني ص 95 ط الحلبي.
(16) كشف الأسرار لأصول البزدوي 4 / 237، والتوضيح والتلويح 2 / 162، وكشاف القناع 2 / 117.
(17) الزيلعي 4 / 171.
(18) الأشباه والنظائر لابن نجيم 1 / 23.
(19) الهداية مع الفتح 5 / 418، والتوضيح والتلويح 1 / 203، وكشف الأسرار لأصول البزدوي 1 / 222.
(20) مجلة الأحكام العدلية م / 158.
(21) الحموي على الأشباه والنظائر 2 / 209.
(22) التوضيح والتلويح 1 / 203، وكشف الأسرار لأصول البزدوي 1 / 222.
(23) التوضيح والتلويح 1 / 161.
(24) المستصفى للغزالي 1 / 142.
(25) الأشباه والنظائر لابن نجيم 1 / 23، 89.
(26) أسنى المطالب 2 / 235، وفتح القدير 5 / 418.
(27) ابن عابدين 3 / 138.
(28) كشف الأسرار لأصول البزدوي 1 / 134، والمستصفى للغزالي 1 / 142.
(29) التوضيح والتلويح 1 / 203.
(30) المستصفى للغزالي 1 / 140.

المبحث الثاني حكم الاشتراك في الهدي

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الثاني: حكم الاشتراك في الهدي
يجوز الاشتراك في الهدي في الإبل والبقر إلى حد سبعة أشخاص، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3).
الأدلة:
أولا: الدليل من الكتاب:
قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: 196].
وجه الدلالة:
أن (من) للتبعيض، فجاز الاشتراك في الهدي بظاهر الآية (¬4).
ثانياً: الدليل من السنة:
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال: ((نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية البدنة عن سبعة, والبقرة عن سبعة)) (¬5).
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: ((فنحر عليه السلام ثلاثاً وستين, فأعطى علياً فنحر ما غبر, وأشركه في هديه)) (¬6).
عن أبي جمرة قال: ((سألت ابن عباس رضي الله عنهما، عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور, أو بقرة, أو شاة, أو شرك في دم)) (¬7).
ثالثاً: أنه ورد ذلك عن طائفة كبيرة من الصحابة رضي الله عنهم: منهم علي، وابن مسعود، وعائشة، وأنس، وإليه رجع ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين (¬8).
رابعاً: القياس على اشتراك أهل البيت في الأضحية (¬9).
مسألة: لا يجوز أن يستعاض عن ذبح الهدي بالتصدق بقيمته.
الأدلة:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196].
وجه الدلالة:
أن الله جل وعلا أوجب على المتمتع الهدي في حال القدرة عليه، فإذا لم يجد هدياً أو ثمنه، فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يجعل الله واسطة بين الهدي والصيام، ولا بدلا عن الصيام عند العجز عنه (¬10).
ثانياً: من السنة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثم ليهل بالحج ويهدي, فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)) (¬11).
ثالثاً: الإجماع:
أخذ الصحابة, والتابعون, ومن بعدهم من المجتهدين بما دل عليه القرآن, ودلت عليه السنة من وجوب الهدي على المتمتع والقارن, فإذا لم يجد هدياً أو لم يجد ثمنه فإنه يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (¬12).
رابعاً: أن المقصود من هذه العبادة إراقة الدم وأما اللحوم فهي مقصودة بالقصد الثاني قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: 37]، وفي الاكتفاء بالتصدق بالثمن دون إراقة الدم إضاعة للقصد الأول (¬13).
خامساً: أن النسك عبادة مبنية على التوقيت، فلا يجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي موجب للعدول عنه, وكل تشريع مبني على التوقيت فإنه لا يدخله الاجتهاد, ومنه القول بالمصلحة المدعاة هنا (¬14).
¬_________
(¬1) ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/ 223)، ((الهداية شرح البداية)) للمرغياني (1/ 185).
(¬2) ((روضة الطالبين)) للنووي (3/ 52)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/ 515).
(¬3) ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (3/ 240)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/ 421).
(¬4) ((المحلى)) لابن حزم (7/ 154).
(¬5) رواه مسلم (1318)
(¬6) رواه مسلم (1218)
(¬7) رواه البخاري (1688)، ومسلم (1242)
(¬8) قال ابن حزم: (فصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إجماع من الصحابة)) ((المحلى)) لابن حزم (7/ 151).
(¬9) ((الذخيرة)) للقرافي (3/ 354).
(¬10) ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 208).
(¬11) رواه البخاري (1691)، ومسلم (1227)
(¬12) ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 208).
(¬13) ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 209).
(¬14) ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 210).
29 - الاشتراكية
لغة: مصدر صناعى من الاشتراك، يقال: اشترك الرجلان أى كان كل منهما شريك الآخر (لسان العرب).
واصطلاحا: هى نظام اجتماعى متكامل يختلف عن النظام الرأسمالى من حيث إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وعدم وجود طبقات.
والاشتراكية عند Weble: تمّلك الدولة بالنيابة عن المجتمع لأدوات الإنتاج والصناعات والخدمات دون الأفراد، كما أن الهيئات الصناعية والاجتماعية فى الدولة لا يجورأن تُوجّه نحو الربح أو نحو خدمة فرد، وإنما توجه لخدمة المجتمع.
وهناك كثيرون من المفكرين يحاولون تعريف الاشتراكية بذكر خصائصها، وتلك الخصائص هى:
1 - الملكية العامة لوسائل الإنتاج.
2 - أن تدار وسائل الإنتاج بواسطة المجتمع، والدولة نائبة عنه، وأن يكون الهدف من إدارتها إشباع حاجة الأفراد، ولذلك يراعى إنتاج الأهم فالمهم.
3 - يتم الإنتاج طبقا لبرنامج دورى يرسم وفقا للموارد القومية والبشرية والطبيعية ووفقا لحاجات الشعب لتتم المواءمة بين الإنتاج وبين الحاجات، فلا تحدث حاجة، ولا يبقى فائض يسبب الأزمات الاقتصادية.
4 - التوزيع يتم على أسس من العدل والمساواة، ويراعى فى التوزيع عمل كل فرد طبقا للقاعدة الاشتراكية: لكل فرد بنسبة عمله، لأن الإنتاج قد لا يكفي لسد حاجاتا كل الأفراد.
ولقد مر النظام الاقتصادى الغربى بمراحل، هى:
1 - مرحلة النظام الإقطاعى، وحصر النفوذ السياسى والاقتصادى فى أيدى الملاك المزارعين.
2 - وعندما تدهور النظام الإقطاعى صعدت الطبقة المتوسطة التى اعتمدت على الثورة الصناعية، واهتمت بالصناعة والتجارة، وتلك هى الطبقة التى رعت الرأسمالية والملكية الخاصة.
3 - وظهرت مآسى الرأسمالية فى الظلم الاجتماعى وعدم رعاية حقوق العمال وأسرهم، فظهرت الاشتراكية.
ويبدو أن اصطلاح الاشتراكية لم يستخدم قبل سنة 1800م وأن"سان سيمون" (1825م) هو أول من استعمل عبارات ربط فيها المجتمع بالاقتصاد، فظهرت كلمة Socialism مشتقة من كلمة Society ، ويقال إن "روبرت أوين" أول من استعمل كلمة Socialism ، ولكن الحركات التى تحارب الظلم الاجتماعى ترجع إلى القرن السادس عشر، وأهمها:
- الاشتراكية الطوبية، التى نادى بها Thomas More Esir 1478 م.
- اشتراكية باييف ودعاة المساواة 1796م.
- مشروعات روبرت أوين 1771 - 1858م.
- سان سيمون والمسيحية الجديدة 1760 - 1825م.
وكلها تطالب بالعدل الاجتماعى والرفق بالعمال وأسرهم.
والاشترأكية وإن كانت تعارض مبدأ الرأسمالية الذى يقوم على الملكية الفردية، ويقر التفاوت بين الطبقات، فإنها ليست وليدة الرأسمالية، لأنها وجدت قبل الرأسمالية، فقد قال بها أفلاطون، وتحدث عنها الفارابى، وتلاقت مع دعوات الأديان الى العدل الاجتماعى، وفى الإسلام تحدث المعاصرون عن أبى ذر الغفارى، الذى نسبه دعاة الإشتراكية فى القرن العشرين إليها حملا لرفضه التفاوت الكبير بين الطبقات في عصره، وما كان هو من دعاتها.
وفى القرن التاسع عشر كثر الذين يتحدثون عن الاشتراكية، ويقترحون -التوزيع لمناهضتها وسائل مختلفة منها: نشر النظام التعاونى، أو إلغاء الميراث، أو إلغاء الملكية الفردية. لكن الاشتراكية لم تبرز إلا فى أثر الثورة الصناعية.
بيد أن الاشتراكية ومثلها الشيوعية لم تصمدا فى ميدان الصناعة مع الرأسمالية، فقد ظهر أن العمل الذى يدار جماعيا لا ينال العناية التى يهتم بها الفرد فى المشروع الخاص، وبينما كانت الاشتراكية لهذا تتراجع، كانت الرأسمالية تخفف من غلوائها، ثم تدخلت الدولة لحماية الطبقة العاملة، وظهرت تشريعات خاصة ترمى إلى تذويب الفوارق بين الطبقات، واعترفت الدولة بالنقابات العمالية، ورفع الأجور، وحق العمال فى الاضراب لتحسين ظروف العمل.
وأخضعت المشروعات الكبرى للمراقبة. وقدرت إجازات للعمال.
وهكذا حققت الرأسمالية كثيرا من الأهداف التى كان العمال يتطلعون إليها، وأخذت بذلك الزمام الذى كانت الاشتراكية تتظاهر به.
أ. د/أحمد شلبى
__________
مراجع الاستزادة:
1 - الاشتراكية بول سوير القاهر 1965م (الترجمة العربية).
2 - المذاهب الاقتصادية الكبرى، جورج سسل القاهر 1962م (الترجمة العربية).
1 - H.Dichinson: Economics. لندن 1961م.
2 - The Decoy of Capitalist civilization: Well لندن 1962م

خروج حمزة بن أتراك في خراسان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خروج حمزة بن أتراك في خراسان.
180 - 796 م
خرج حمزة بن أتراك الخارجي في خراسان فجاء إلى بوشنج، فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي، وكان على هراة، في ستة آلاف، فقاتله، فهزمه حمزة، وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه في الزحام، فوجه علي بن عيسى وهو أمير خراسان ابنه الحسين في عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة، فعزله، وسير عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة، فهزمه حمزة، فرده أبوه إليه أيضا فقاتله بباخرز، وكان حمزة بنيسابور، فانهزم حمزة، وبقي أصحابه، وبقي في أربعين رجلا فقصد قهستان. وأرسل عيسى أصحابه إلى أوق وجوين، فقتلوا من بها من الخوارج، وقصد القرى التي كان أهلها يعينون حمزة، فأحرقها وقتل من فيها حتى وصل إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفاً ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس النسفي، فجبى الأموال وسار بها فلقيه حمزة بأسفزار، فقاتله، فصبر له عبد الله ومن معه من الصغد، فانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه، وجرح في وجهه، واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم، ثم خرج وسار في القرى يقتل، ولا يبقي على أحد. وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة، وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاماً؛ فقتلهم؛ وقتل معلمهم، وبلغ طاهراً الخبر، فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون، ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر، وأخذ أموالهم؛ وكان يشد الرجل منهم في شجرتين، ثم يجمعهما ثم يرسلهما فتأخذ كل شجرة نصفه، فكتب القعد إلى حمزة بالكف، فكف وواعدهم، وأمن الناس مدة، وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة، حتى غلب وفر إلى كابل.

شغب العامة ببغداد وسامرا بسبب من قتل من المسلمين في الغزو وبسبب تسلط الأتراك.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

شغب العامة ببغداد وسامرا بسبب من قتل من المسلمين في الغزو وبسبب تسلط الأتراك.
249 صفر - 863 م
شغب الجند والشاكرية ببغداد، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى في غزوهم للروم، وكانا من شجعان الإسلام، شق ذلك عليهم، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك للمتوكل، واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين، فاجتمعت العامة ببغداد الصراخ، والنداء بالنفير، وانضم إليها الأبناء، والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، وكان ذلك أول صفر، فتحوا السجون، وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالاً كثيرة، ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها لغزو الروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولم يوجه عسكره، ووثب نفر من الناس لا يدري من هم بسامرا ففتحوا السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة، ثم سكن ذلك آخر النهار.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت