المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الِاعْتِكَاف) الْإِقَامَة فِي الْمَسْجِد على نِيَّة الْعِبَادَة
|
|
الاعتكاف:[في الانكليزية] Retreat (religious)[ في الفرنسية] Retraite (spirituelle)هو افتعال من عكف إذا دام وعكفه حبسه فهو في اللغة اللبث والدّوام. وفي الشرع لبث رجل في مسجد جماعة أو امرأة في بيتها بنيته أي بنية اللّبث، والمراد اللبث للعبادة، على أن يكون الإضافة للعهد. ولذا عرّف بأنه مكث في مسجد بنيّة عبادة. والمراد بمسجد الجماعة ما يقوم فيه جماعة ولو مرّة في يوم. وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يصحّ إلّا في ما تقوم خمس مرات، والصحيح أنه يصح فيما أذّن وأقيم. ثم الاعتكاف واجب في المنذور، وسنّة في العشر الأخير من رمضان، ومستحب فيما سواه. وقيل هو سنّة مؤكّدة مطلقا. وأمّا الصوم فشرط في الواجب لا المستحب، وقيل للمستحب أيضا، كذا في جامع الرموز وغيره.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الِاعْتِكَاف: من العكوف وَهُوَ الْحَبْس وَالْإِقَامَة. وَشرعا هُوَ لبث فِي مَسْجِد مَعَ الصَّوْم وَالنِّيَّة. وَالْمعْنَى اللّغَوِيّ مَوْجُود فِيهِ مَعَ زِيَادَة. وَفِي كنز الدقائق سنّ لبث فِي مَسْجِد جمَاعَة بِصَوْم وَنِيَّة. وَعَن أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه لَا يَصح إِلَّا فِي مَسْجِد يُصَلِّي فِيهِ الْخمس. وَعنهُ أَن الْوَاجِب لَا يجوز فِي غير مَسْجِد الْجَمَاعَة وَالنَّفْل فِيهِ يجوز فِيهِ. وَعنهُ أَن كل مَسْجِد بِهِ إِمَام ومؤذن مَعْلُوم وَيُصلي فِيهِ الْخمس بِالْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يعْتَكف فِيهِ. وَأفضل مَا يكون فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ثمَّ فِي مَسْجِد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ فِي بَيت الْمُقَدّس ثمَّ فِي الْجَامِع ثمَّ فِي كل مَسْجِد أَهله أَكثر. قَالَ الشَّيْخ هُوَ سنة. وَقَالَ الْقَدُورِيّ مُسْتَحبّ. وَقَالَ صَاحب الْهِدَايَة وَالصَّحِيح أَنه سنة مُؤَكدَة. وَالصَّحِيح التَّفْصِيل فَإِن كَانَ منذورا تَعْلِيقا أَو تنحيزا فَوَاجِب. وَفِي الْعشْرَة الْأَوَاخِر من رَمَضَان سنة، وَفِي غَيره منالْأَزْمِنَة مُسْتَحبّ وَأَقل الِاعْتِكَاف النَّفْل سَاعَة فَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام.وَأما شُرُوطه فالنية فَلَا يجوز بِلَا نِيَّة - وَمَسْجِد جمَاعَة - وَالصَّوْم وَهُوَ شَرط فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب وَلَيْسَ بِشَرْط فِي التَّطَوُّع - وَالْإِسْلَام - وَالْعقل - وَالطَّهَارَة عَن الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس - وَلَا يشْتَرط الْبلُوغ - والذكورة - وَالْحريَّة - وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن أقل الِاعْتِكَاف النَّفْل سَاعَة لما فِي التَّبْيِين وَلَيْسَ لأَقل الِاعْتِكَاف التَّطَوُّع تَقْدِير على الظَّاهِر حَتَّى لَو دخل الْمَسْجِد وَنوى الِاعْتِكَاف إِلَى أَن يخرج مِنْهُ صَحَّ وَله آدَاب - ومفسدات فِي كتب الْفِقْه. وَاعْلَم أَنه لَو قَالَ لله عَليّ أَن أعتكف رَمَضَان أَو أعتكف هَذَا الشَّهْر مُشِيرا إِلَى رَمَضَان فصَام وَلم يعْتَكف لزمَه قَضَاء الِاعْتِكَاف شهرا مُتَتَابِعًا بِصَوْم مُبْتَدأ وَلَا يجوز أَن يَقْضِيه فِي رَمَضَان آخر مكتفيا بصومه خلافًا فالزفر رَحمَه الله وَالدَّلِيل فِي التَّلْوِيح.وَاعْلَم أَنه رُوِيَ أَن بعض الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم كَانُوا يخرجُون من الْمَسْجِد حَالَة الِاعْتِكَاف ويباشرون مَعَ أهلهم ثمَّ يرجعُونَ إِلَيْهِ فَنزلت {{وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد}} - وَفِي الْكَشَّاف فِيهِ دَلِيل على أَن الِاعْتِكَاف لَا يكون إِلَّا فِي الْمَسْجِد تمّ كَلَامه - أَقُول كَيفَ جعل جَار الله عدم الدَّلِيل دَلِيلا لِأَن التَّخْصِيص يَجْعَل الْمَخْصُوص عَاما كَمَا تَقول لَا تصلوا وَأَنْتُم نائمون فِي الْمَسْجِد فَكيف يفهم مِنْهُ أَن النّوم لَا يكون إِلَّا فِيهِ. وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله فِيهِ دَلِيل على أَن الِاعْتِكَاف يكون فِي الْمَسْجِد بِدُونِ أَدَاة الْحصْر. فَإِن مَا أَرَادَ صَاحب الْكَشَّاف فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ. وَإِن أَرَادَ نفس الْجَوَاز فِيهِ فَلَا حَاجَة إِلَّا الِاسْتِدْلَال لِأَن الْأُمَم كَافَّة لَا يخالفون لَهُ بل الْخلاف فِي أَن الِاعْتِكَاف هَل يشْتَرط لَهُ الْمَسْجِد أم يجوز فِي غَيره من الْأَمْكِنَة، وَقد تصدى الْفَاضِل المدقق عِصَام الدّين فِي حَاشِيَته على الْبَيْضَاوِيّ بجوابه بتكلف لَا يَسعهُ الْمَسَاجِد فَلِذَا تركتهَا على حَاله.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
التَّكَافؤ .. ليس غايتُناالجذر: غ ي ي
مثال: التَّكَافؤ النووي لَيْس غايتُناالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لرفع ما حقه النصب. الصواب والرتبة: -التَّكافؤ النووي ليس غايتَنا [فصيحة] التعليق: كلمة «غاية» خبر «ليس» منصوب، أما اسم «ليس» فضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «التكافؤ». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
تَكَافَلَالجذر: ك ف ل
مثال: تَكَافَلُوا في الشدائدالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لعدم ورود الفعل بهذا المعنى في المعاجم. المعنى: تضامنوا الصواب والرتبة: -تَكَافَلُوا في الشدائد [صحيحة] التعليق: أوردت المعاجم كَفَل الرجلَ كَفْلاً وكَفَالةً: ضَمِنَه، وكَفَل الصغيرَ: رَبَّاه وأنفق عليه، وقال تعالى: {{أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}} آل عمران/44، ومن ثم يجوز صوغ تَكَافَل تكافُلاً في مثل: تكافل القومُ بمعنى كَفَلَ بَعْضُهم بعضًا، أو تضامنوا. وقد ذكره الأساسي والمنجد بهذا المعنى. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الاعتكاف: هو لغة: اللبث، وشرعاً: لبث ذَكَر في مسجدِ جماعةٍ، أو امرأةٍ في مسجد بيتها بنية. وهو ثلاثةُ أقسام: واجبٌ بالنذر بلسانه أو بالشروع، وسنةٌ مؤكدة على الكفاية في العشر الآخر من رمضان، ومستحبٌ في غيره. وشرط الصوم لصحة الأول اتفاقاً. وأقلُّه نفلاً ساعةٌ من ليل أو نهار عند محمد وهو ظاهرُ الرواية عن الإمام.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الِاعْتِكَاف: لبث مُسلم عَاقل يحل فِي الْمَسْجِد زَائِدا على الطُّمَأْنِينَة بِالنِّيَّةِ.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
السُّطوحُ المتكافئةُ الأضلاع: مَا تناسبت أضلاعها على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.السَّطحُ الهِلاليُّ: مَا يُحِيط بِهِ خطان مقوسان حَرْبَة أَحدهمَا إِلَى أَخْمص الآخر.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِعْتِكَافُ لُغَةً: الاِفْتِعَال، مِنْ عَكَفَ عَلَى الشَّيْءِ عُكُوفًا وَعَكْفًا. مِنْ بَابَيْ: قَعَدَ، وَضَرَبَ. إِذَا لاَزَمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، وَعَكَفْتُ الشَّيْءَ: حَبَسْتُهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (1) . وَعَكَفْتُهُ عَنْ حَاجَتِهِ: مَنَعْتُهُ (2) . وَالاِعْتِكَافُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ. وَشَرْعًا: اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِنِيَّةٍ (3) . __________ (1) سورة الفتح / 25. (2) المصباح المنير مادة: (عكف) . (3) البجيرمي على المنهج 2 / 591 ط المكتبة الإسلامية، وفتح القدير 2 / 305 ط دار إحياء التراث، وانظر الفتاوى الهندية 1 / 211، والمغني 2 / 183، والشرح الصغير 1 / 725 ط دار المعارف، والإفصاح 1 / 170. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْخَلْوَةُ: 2 - الْخَلْوَةُ مِنْ خَلاَ الْمَكَانُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ خَالٍ، وَمِنْهُ خَلْوَةُ الرَّجُل بِنَفْسِهِ إِذَا انْفَرَدَ. وَالاِعْتِكَافُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الآْخَرِينَ بِنَفْسِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، فَالْمُعْتَكِفُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ لاَ يَنْفَرِدُ. ب - الرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ: 3 - الرِّبَاطُ هُوَ: الْحِرَاسَةُ بِمَحَلٍّ خِيفَ هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ، أَوِ الْمَقَامُ فِي الثُّغُورِ لإِِعْزَازِ الدِّينِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ (1) . وَالاِعْتِكَافُ يَكُونُ فِي الثُّغُورِ وَغَيْرِهَا، وَالرِّبَاطُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الثُّغُورِ، وَيَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ. ج - الْجِوَارُ: 4 - الْجِوَارُ هُوَ: الْمُلاَصَقَةُ فِي السُّكْنَى (2) ، وَيُسَمَّى الاِعْتِكَافُ جِوَارًا، لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ اعْتِكَافِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ (3) . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ - يَعْنِي الأَْوْسَطَ - ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي __________ (1) جواهر الإكليل 1 / 158، 245 ط دار المعرفة، وابن عابدين 3 / 217 ط بولاق. (2) المصباح المنير. (3) كشاف القناع 2 / 347 ط الرياض. وحديث عائشة رضي الله عنها. أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 273 ط السلفية) . فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ (1) . قَال مَالِكٌ (2) : الاِعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ إِلاَّ مَنْ نَذَرَ، مِثْل جِوَارِ مَكَّةَ، يُجَاوِرُ النَّهَارَ، وَيَنْقَلِبُ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، قَال: فَمَنْ جَاوَرَ مِثْل هَذَا الْجِوَارِ الَّذِي يَنْقَلِبُ فِيهِ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ صِيَامٌ. فَالْجِوَارُ عَلَى هَذَا أَعَمُّ مِنَ الاِعْتِكَافِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ مَعَ الصِّيَامِ وَبِدُونِهِ. حِكْمَةُ الاِعْتِكَافِ: 5 - الاِعْتِكَافُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبَ الزُّلْفَى، وَإِبْعَادَ النَّفْسِ مِنْ شُغْل الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مَانِعَةٌ عَمَّا يَطْلُبُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْقُرْبَى، وَفِيهِ اسْتِغْرَاقُ الْمُعْتَكِفِ أَوْقَاتَهُ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ مِنْ شَرْعِيَّةِ الاِعْتِكَافِ انْتِظَارُ الصَّلاَةِ فِي الْجَمَاعَاتِ، وَتَشْبِيهُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَيُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ (3) . حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ: 6 - الاِعْتِكَافُ سُنَّةٌ، وَلاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ، لَكِنِ __________ (1) حديث: " كنت أجاور هذه العشر. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري 4 / 59 ط السلفية، وصحيح مسلم 2 / 824 ط عيسى الحلبي) . (2) المدونة 1 / 232 ط دار صادر. (3) الفتاوى الهندية 1 / 212، الطحطاوي على مراقي الفلاح 387 ط الأميرية. والآية من سورة الأنبياء / 20. اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَرْتَبَةِ هَذِهِ السُّنِّيَّةِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمُسْتَحَبٌّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مُؤَكَّدٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ. وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي رَمَضَانَ وَمَنْدُوبٌ فِي غَيْرِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَفِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ آكَدُ اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَآكَدُهُ فِي رَمَضَانَ، وَآكَدُهُ فِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْهُ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ سُنَّةٌ، لاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا، إِلاَّ أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الاِعْتِكَافَ نَذْرًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ. وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِثَوَابِهِ، وَاعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ مَعَهُ وَبَعْدَهُ. أَمَّا أَنَّ الاِعْتِكَافَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلأَِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَلْتَزِمُوا الاِعْتِكَافَ كُلُّهُمْ، وَإِنْ صَحَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلُهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِالاِعْتِكَافِ إِلاَّ مَنْ أَرَادَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ (1) - أَيْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا عَلَّقَهُ بِالإِْرَادَةِ. وَيَلْزَمُ الاِعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: __________ (1) حديث: " من كان اعتكف معي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 271 ط السلفية) . مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (1) وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (2) . أَقْسَامُ الاِعْتِكَافِ: 7 - يَنْقَسِمُ الاِعْتِكَافُ إِلَى وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْنُونَ (3) . أ - الاِعْتِكَافُ الْمَنْدُوبُ: وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الاِعْتِكَافَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ، أَوْ سَاعَةٌ، أَوْ يَوْمٌ، أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَسَبَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ. وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَيُسَنُّ أَلاَّ يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ب - الاِعْتِكَافُ الْوَاجِبُ: 8 - لاَ يَجِبُ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَبِالشُّرُوعِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَيَأْتِي فِي (ف: 13) وَهَل يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالنَّذْرِ أَمْ يَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْقَلْبِ؟ صَرَّحَ الْجَمِيعُ بِوُجُوبِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، وَلاَ يَكْفِي __________ (1) حديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه. . . ". أخرجه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا (فتح الباري 11 / 581 ط السلفية) . (2) المغني 3 / 1840 ط الرياض، والروضة 2 / 389، والجمل على شرح المنهج 2 / 355، وكشاف القناع 2 / 348، والفتاوى الهندية 1 / 211، والدسوقي 1 / 541. وحديث " أوف بنذرك. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 274 ط السلفية) . (3) ابن عابدين 2 / 442 ط الحلبي. نِيَّةُ الْقَلْبِ (1) . ج - الاِعْتِكَافُ الْمَسْنُونُ: 9 - زَادَ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمًا ثَالِثًا لِلاِعْتِكَافِ، وَهُوَ مَا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ " سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ " أَيْ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا قَامَ بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنِ الْبَاقِينَ، فَلَمْ يَأْثَمُوا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّرْكِ بِلاَ عُذْرٍ، وَلَوْ كَانَ سُنَّةَ عَيْنٍ لأََثِمُوا بِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إِثْمًا دُونَ إِثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ (2) . أَرْكَانُ الاِعْتِكَافِ: 10 - أَرْكَانُ الاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَرْبَعَةٌ: وَهِيَ الْمُعْتَكِفُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمُعْتَكَفُ فِيهِ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الاِعْتِكَافِ هُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ، وَالْبَاقِي شُرُوطٌ وَأَطْرَافٌ لاَ أَرْكَانٌ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ رُكْنًا آخَرَ وَهُوَ: الصَّوْمُ (3) . الْمُعْتَكِفُ: 11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مَا يَلِي: (1) الإِْسْلاَمُ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْكَافِرِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ. __________ (1) ابن عابدين 2 / 441، وكشاف القناع 2 / 360، والروضة 2 / 395، والشرح الكبير 1 / 541، والفروع 3 / 162، والزرقاني 2 / 222، ومغني المحتاج 1 / 455. (2) حاشية ابن عابدين 2 / 442 ط الحلبي. (3) ابن عابدين 2 / 128 - 129 ط بولاق، والروضة 2 / 391، وكشاف القناع 2 / 347، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 1 / 409. (2) الْعَقْل. (3) التَّمْيِيزُ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، إِذْ لاَ نِيَّةَ لَهُمْ، وَالنِّيَّةُ فِي الاِعْتِكَافِ وَاجِبَةٌ. أَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِل الْمُمَيِّزُ فَيَصِحُّ مِنْهُ الاِعْتِكَافُ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ. (4) النَّقَاءُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، لأَِنَّهُمَا مَمْنُوعَتَانِ عَنِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ. (5) الطَّهَارَةُ مِنَ الْجُنُبِ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْجُنُبِ، لأَِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ (1) . اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ: 12 - يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِلْمُتَزَوِّجَةِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا زَوْجُهَا، لأَِنَّهَا لاَ يَنْبَغِي لَهَا الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ - أَيْ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ مَعَ الإِْثْمِ فِي الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ - فَإِنْ أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ بِالاِعْتِكَافِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلاً، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، فَإِنْ مَنَعَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا لاَ يَصِحُّ مَنْعُهُ. هَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا بِالاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، سَوَاءٌ أَدَخَلَتْ فِي الْعِبَادَةِ أَمْ لَمْ تَدْخُل، إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِأَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ حِينَئِذٍ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنَ الاِعْتِكَافِ حَتَّى وَلَوْ دَخَلَتْ فِي __________ (1) نيل المآرب 1 / 283 ط الفلاح، والشرح الصغير 1 / 725 ط دار المعارف، وبدائع الصنائع 2 / 108، وكشاف القناع 2 / 347 ط النصر الحديثة، ونهاية المحتاج 2 / 354. (2) ابن عابدين 2 / 441. الْعِبَادَةِ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى مَا إِذَا نَذَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. أَمَّا إِذَا أَذِنَ لَهَا فِي الاِعْتِكَافِ بِدُونِ نَذْرٍ، فَلاَ يَقْطَعْهُ عَلَيْهَا إِنْ دَخَلَتْ فِي الاِعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ تَدْخُل فِيهِ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا (1) . وَالاِعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ حُضُورِهَا الْجَمَاعَاتِ (2) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، لأَِنَّ التَّمَتُّعَ بِالزَّوْجَةِ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ. وَحَقُّهُ عَلَى الْفَوْرِ بِخِلاَفِ الاِعْتِكَافِ. نَعَمْ إِنْ لَمْ تُفَوِّتِ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا مَنْفَعَةً، كَأَنْ حَضَرَتِ الْمَسْجِدَ بِإِذْنِهِ، فَنَوَتِ الاِعْتِكَافَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ. وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ قِيَاسًا عَلَى خُرُوجِهَا لِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ. وَلِلزَّوْجِ إِخْرَاجُ زَوْجَتِهِ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ سَوَاءٌ أَكَانَ الاِعْتِكَافُ بِإِذْنِهِ أَمْ لاَ، وَاسْتَدَل الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ بِحَدِيثِ: لاَ تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَقَال: وَضَرَرُ الاِعْتِكَافِ أَعْظَمُ (3) . وَكَذَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهَا بِالاِعْتِكَافِ وَشَرَعَتْ فِيهِ، __________ (1) الدسوقي 1 / 545. (2) الطحطاوي على مراقي الفلاح 382. (3) كشاف القناع 2 / 349، 350 ط الرياض. وحديث: " لا تصوم المرأة وزوجها شاهد. . . ". أخرجه الترمذي بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وأصله في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه " تحفة الأحوذي 3 / 495 نشر السلفية، وصحيح مسلم 2 / 711 ط عيسى الحلبي. سَوَاءٌ أَكَانَ زَمَنُ الاِعْتِكَافِ مُعَيَّنًا أَمْ كَانَ مُتَتَابِعًا أَمْ لاَ. أَوْ إِذَا كَانَ الإِْذْنُ أَوِ الشُّرُوعُ فِي زَمَنِ الاِعْتِكَافِ الْمُعَيَّنِ أَوْ أَذِنَ فِي الشُّرُوعِ فِيهِ فَقَطْ وَكَانَ الاِعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا، وَذَلِكَ لإِِذْنِ الزَّوْجِ بِالشُّرُوعِ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ، لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذْنٌ فِي الشُّرُوعِ فِيهِ، وَالْمُعَيَّنُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، وَالْمُتَتَابِعُ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ بِلاَ عُذْرٍ (1) . وَالْحَنَابِلَةُ كَالشَّافِعِيَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، إِلاَّ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (2) . وَإِذَا اعْتَكَفَتِ الْمَرْأَةُ اسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِخِبَاءٍ وَنَحْوِهِ، لِفِعْل عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجْعَل خِبَاءَهَا فِي مَكَانٍ لاَ يُصَلِّي فِيهِ الرِّجَال، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا. نَقَل أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلَهُ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهِ بِالْخِيَمِ (3) . وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرِّجَال أَيْضًا، لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَِنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ. وَنَقَل إِبْرَاهِيمُ: لاَ. إِلاَّ لِبَرْدٍ شَدِيدٍ (4) . النِّيَّةُ فِي الاِعْتِكَافِ: 13 - النِّيَّةُ رُكْنٌ لِلاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَشَرْطٌ لَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَالنِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ، فَلاَ __________ (1) مغني المحتاج 1 / 454، وأسنى المطالب 1 / 436. (2) كشاف القناع 2 / 349 - 350. (3) مسائل الإمام أحمد 1 / 96 ط دار المعرفة. (4) كشاف القناع 2 / 351. يَصِحُّ اعْتِكَافٌ بِدُونِ نِيَّةٍ. سَوَاءٌ أَكَانَ الاِعْتِكَافُ مَسْنُونًا أَمْ وَاجِبًا، كَمَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل فِي الاِعْتِكَافِ، لِيَتَمَيَّزَ الْفَرْضُ مِنَ السُّنَّةِ (1) . وَإِذَا نَوَى الاِعْتِكَافَ الْمَسْنُونَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَهَل يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّتِهِ إِذَا رَجَعَ؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ فَقَدِ انْقَطَعَ اعْتِكَافُهُ، وَإِذَا رَجَعَ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةِ اعْتِكَافٍ مَنْدُوبٍ آخَرَ، لأَِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ، لاَ مُبْطِل لَهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ يَلْزَمُهُ إِذَا نَوَاهُ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا بِدُخُولِهِ مُعْتَكَفَهُ، لأَِنَّ النَّفَل يَلْزَمُ كَمَالُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُل مُعْتَكَفَهُ فَلاَ يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ. فَإِذَا دَخَل ثُمَّ قَطَعَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنِ اشْتُرِطَ عَدَمُ الْقَضَاءِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الإِْتْمَامُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ (2) . مَكَانُ الاِعْتِكَافِ: أ - مَكَانُ الاِعْتِكَافِ لِلرَّجُل: 14 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ __________ (1) ابن عابدين 2 / 441 ط مصطفى الحلبي، وبلغة السالك 1 / 539 ط عيسى الحلبي، والروضة 2 / 395، والجمل 2 / 357، وكشاف القناع 2 / 351. (2) ابن عابدين 2 / 441، 445 ط الحلبي، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 546، 552، والروضة 2 / 395، وكشاف القناع 2 / 350، وكفاية الطالب مع حاشية العدوي 1 / 358، وبلغة السالك 1 / 542 ط عيسى الحلبي. الرَّجُل وَالْخُنْثَى إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (1) وَلِلاِتِّبَاعِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاَثَةَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَل، ثُمَّ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ يَصِحُّ فِيهِ الاِعْتِكَافُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ، وَيَجِبُ الاِعْتِكَافُ فِيهِ إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ مُدَّةً تُصَادِفُهُ فِيهَا صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، لِئَلاَّ يَحْتَاجَ إِلَى الْخُرُوجِ وَقْتَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ إِذَا اشْتُرِطَ الْخُرُوجُ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (2) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَاجِدِ الأُْخْرَى الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الاِعْتِكَافُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلاَةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ يُصَلَّى فِيهِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ فِي كُل مَسْجِدٍ وَصَحَّحَهُ السُّرُوجِيُّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، فَاشْتُرِطَ لِلاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا النَّفَل فَيَجُوزُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ __________ (1) سورة البقرة / 187. (2) ابن عابدين 2 / 441 ط الحلبي، وحاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 410، والمجموع 6 / 483، ومغني المحتاج 1 / 450، وكشاف القناع 2 / 351 - 352، والروضة 2 / 398. كَانَ. وَيَعْنِي الْحَنَفِيَّةُ بِمَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ مَا لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، أُدِّيَتْ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْ لاَ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ تُقَامَ الْجَمَاعَةُ فِي زَمَنِ الاِعْتِكَافِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ إِقَامَتِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لاَ يَعْتَكِفُ فِيهِ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لاَ يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، لأَِنَّ الْمَمْنُوعَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (1) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ (2) . ب - مَكَانُ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ: 15 - اخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهَا كَالرَّجُل لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِل عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا (أَيْ نَذَرَتْ) أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَال: " بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ (3) . فَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلاَةُ. وَلأَِنَّ مَسْجِدَ الْبَيْتِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا، فَيَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، وَنَوْمُ الْجُنُبِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ __________ (1) ابن عابدين 2 / 129 ط بولاق، وكشاف القناع 2 / 351. (2) حاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 410، والمجموع 6 / 486، ومغني المحتاج 1 / 450. (3) الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البيهقي بلفظ: " إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور " (السنن الكبرى للبيهقي 4 / 316 ط الهند) . لَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ. وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لأَِنَّهُ مَكَانُ صَلاَتِهَا. قَال النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْقَدِيمَ. وَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا قَوْلاً وَاحِدًا وَغَلَّطُوا مَنْ قَال: فِيهِ قَوْلاَنِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لأَِنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ لِصَلاَتِهَا، فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ، وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَالْبَيْتُ أَفْضَل مِنْ مَسْجِدِ حَيِّهَا، وَمَسْجِدُ الْحَيِّ أَفْضَل لَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْعْظَمِ. وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ صَلاَتِهَا مِنْ بَيْتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْبَيْتِ مَكَانٌ مُتَّخَذٌ لِلصَّلاَةِ لاَ يَجُوزُ لَهَا الاِعْتِكَافُ فِي بَيْتِهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا الَّذِي اعْتَكَفَتْ فِيهِ اعْتِكَافًا وَاجِبًا عَلَيْهَا (1) . اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ: 16 - اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ رُكْنُ الاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْجَمِيعِ (2) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ اللُّبْثِ الْمُجْزِئِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ. __________ (1) تبيين الحقائق 1 / 350، وابن عابدين 2 / 129 ط بولاق، وحاشية العدوي 1 / 410، والمجموع 6 / 484، ومغني المحتاج 1 / 451 والروضة 2 / 398، وكشاف القناع 2 / 352. (2) ابن عابدين 2 / 441، والروضة 2 / 391، وبلغة السالك 1 / 538، وكشاف القناع 2 / 347. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ سَاعَةٌ (1) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِبِنَاءِ النَّفْل عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَبِهِ يُفْتَى. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال فِي الإِْنْصَافِ: أَقَلُّهُ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لاَبِثًا. قَال فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ. وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ أَلاَّ يَنْقُصَ الاِعْتِكَافُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ يَقُول: أَقَلُّهُ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَقَل الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لأَِجْلِهِ، مِنَ الْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْوُضُوءِ وَغُسْل الْجَنَابَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِلَيْلَةِ الْيَوْمِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ فَمَا فَوْقَهُ إِذَا كَانَ دُخُولُهُ فِي الاِعْتِكَافِ مَعَ الْفَجْرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَّل الْيَوْمِ الْفَجْرُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُقَدَّرُ اللُّبْثُ بِزَمَانٍ، بَل اشْتَرَطُوا فِي اللُّبْثِ أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُسَمَّى عُكُوفًا وَإِقَامَةً، وَلَوْ بِلاَ سُكُونٍ بِحَيْثُ يَكُونُ زَمَنُهُ فَوْقَ زَمَنِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، فَيَكْفِي التَّرَدُّدُ فِيهِ لاَ الْمُرُورُ بِلاَ لُبْثٍ. وَيُنْدَبُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّ __________ (1) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن لا جزء من أربع وعشرين. ابن عابدين مع الدر المختار 2 / 444 النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ (1) ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. الصَّوْمُ فِي الاِعْتِكَافِ: 17 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاجِبًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهُ، إِلاَّ إِنْ نَذَرَهُ مَعَ الاِعْتِكَافِ فَيَجِبُ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل حُكْمِ الصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ غَيْرِ الْمَنْذُورِ فِيهِ الصَّوْمُ: أ - الْقَوْل الأَْوَّل بِوُجُوبِ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ: لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِصَوْمٍ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَمِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اعْتَمَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالُوا: لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِصَوْمٍ. قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَالصَّوْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رُكْنٌ لِلاِعْتِكَافِ كَالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: لاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصِيَامٍ (2) __________ (1) ابن عابدين 2 / 441 ط الحلبي، وبلغة السالك مع الحاشية 1 / 538 - 539، والدسوقي مع الشرح الكبير 2 / 541، وكفاية الطالب 1 / 354 - 355، والروضة 2 / 391، وحاشية الجمل 2 / 361 - 362، وكشاف القناع 2 / 347. (2) حديث: " لا اعتكاف إلا بصيام. . . " أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه سويد بن عبد العزيز. قال عنه البيهقي: سويد ضعيف لا يقبل ما تفرد به. وروي عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها موقوفا بلفظ: " من اعتكف فعليه الصيام ". ور (سنن الدارقطني 2 / 199 - 200 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 317 ط الهند، والمستدرك 1 / 440، وعون المعبود 2 / 310 - 311 ط الهند، ونيل الأوطار 4 / 267 ط المطبعة العثمانية) . وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ صِيَامًا فِي رَمَضَانَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اعْتِكَافٍ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ (1) وَاَلَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا مَعَ الاِعْتِكَافِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ، كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (2) . ب - الْقَوْل الثَّانِي: أَفْضَلِيَّةُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ. ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الصَّوْمُ لِلاِعْتِكَافِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِبًا أَمْ مَنْدُوبًا، فَالصَّوْمُ لَيْسَ شَرْطًا لِلاِعْتِكَافِ عِنْدَهُمْ وَلاَ __________ (1) حديث عمر رضي الله عنه: " أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتكاف عليه. . . " أخرجه أبو داود والدارقطني واللفظ له. وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو. وهو ضعيف الحديث، كما ضعفه ابن حجر في الفتح. (عون المعبود 2 / 311 ط الهند، وسنن الدارقطني 2 / 200 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، وفتح الباري 4 / 274 ط السلفية) . (2) ابن عابدين 2 / 442 - 443، وبدائع الصنائع 3 / 1057، الفتاوى الهندية 1 / 211، والمجموع 6 / 485، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 542. رُكْنًا فِيهِ. وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الاِعْتِكَافَ مَعَ الصَّوْمِ أَفْضَل مِنَ الاِعْتِكَافِ بِدُونِهِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لِصِحَّةِ اعْتِكَافِهِ بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأُْوَل مِنْ شَوَّالٍ (1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا يَتَنَاوَل اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (2) . نِيَّةُ الصَّوْمِ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ: 18 - اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ مَعَ الاِعْتِكَافِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ الْوَاجِبَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِصَوْمٍ وَاجِبٍ، وَلاَ يَصِحُّ مَعَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ وَأَجْزَأَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ صَوْمِ الاِعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْهُ قَضَى شَهْرًا مُتَتَابِعًا غَيْرَهُ، لأَِنَّهُ الْتَزَمَ الاِعْتِكَافَ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ فَاتَهُ، فَيَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَجُزْ فِي رَمَضَانَ آخَرَ، وَلاَ فِي وَاجِبٍ آخَرَ، سِوَى قَضَاءِ رَمَضَانَ الأَْوَّل، لأَِنَّهُ خُلْفٌ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، ثُمَّ نَذَرَ اعْتِكَافَ __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 2 / 831 ط عيسى الحلبي) . (2) حديث " أوف بنذرك ". سبق تخريجه (ف / 6) . ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَصِحَّ الاِعْتِكَافُ، لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الاِعْتِكَافِ لِلنَّهَارِ. مِثَالُهُ: لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ، ثُمَّ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنِ اعْتَكَفَ هَذَا الْيَوْمَ، لاَ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ، لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ النَّهَارِ بِالاِعْتِكَافِ، وَعَدَمِ اسْتِيعَابِهِ بِالصَّوْمِ الْوَاجِبِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَقَلُّهُ أَكْثَرُ النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْهُ قَضَاهُ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ بِقِسْمَيْهِ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ يَصِحُّ بِأَيِّ صَوْمٍ كَانَ سَوَاءٌ قُيِّدَ بِزَمَنٍ كَرَمَضَانَ، أَوْ سَبَبٍ كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ، أَوْ أُطْلِقَ كَتَطَوُّعٍ، فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنْ مُفْطِرٍ، وَلَوْ لِعُذْرٍ، فَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ (2) . نَذْرُ الاِعْتِكَافِ: 19 - إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُنَجَّزًا أَمْ مُعَلَّقًا، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُتَتَابِعٍ وَغَيْرِ مُتَتَابِعٍ، أَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً. أ - النَّذْرُ الْمُتَتَابِعُ: 20 - وَذَلِكَ كَأَنْ يَنْذِرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً، أَوْ شَهْرًا مُتَتَابِعًا مَثَلاً، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (3) ، فَلَوْ أَفْسَدَهُ وَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِفَوَاتِ التَّتَابُعِ. __________ (1) حاشية ابن عابدين 2 / 120، 121 ط بولاق، والفتاوى الهندية 1 / 211. (2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 542. (3) كشاف القناع 2 / 348، وبلغة السالك 1 / 542. ب - النَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ: 21 - وَهُوَ أَنْ يُنْذِرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ غَيْرِ مُتَتَابِعَةٍ، فَإِنْ نَوَى أَيَّامًا غَيْرَ مُتَتَابِعَةٍ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ مُتَتَابِعَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ إِيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَتَابِعًا إِذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا لَزِمَهُ الاِسْتِقْبَال، كَصَوْمِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل. وَالإِْطْلاَقُ فِي الاِعْتِكَافِ كَالتَّصْرِيحِ بِالتَّتَابُعِ، بِخِلاَفِ الإِْطْلاَقِ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الاِعْتِكَافَ يَدُومُ بِاللَّيْل وَالنَّهَارِ، فَكَانَ مُتَّصِل الأَْجْزَاءِ، وَمَا كَانَ مُتَّصِل الأَْجْزَاءِ لاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إِلاَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لاَ يُوجَدُ لَيْلاً، فَكَانَ مُتَفَرِّقًا، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي نَفْسِهِ لاَ يَجِبُ الْوَصْل فِيهِ إِلاَّ بِالتَّنْصِيصِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ إِذَا نَذَرَهَا مُتَفَرِّقَةً فَتَجِبُ مُتَفَرِّقَةً، وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ عِنْدَهُمْ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ التَّتَابُعُ، فَيَجُوزُ أَدَاؤُهُ مُفَرَّقًا (1) . وَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ خِلاَل أَيَّامِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ نِيَّةِ الاِعْتِكَافِ، سَوَاءٌ أَخَرَجَ لِتَبَرُّزٍ أَمْ لِغَيْرِهِ، لأَِنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ تَامَّةٌ، وَهُوَ يُرِيدُ اعْتِكَافًا جَدِيدًا، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ كَانَتْ هَذِهِ الْعَزِيمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ النِّيَّةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (2) . __________ (1) كشاف القناع 2 / 349، وبلغة السالك 1 / 542، ومغني المحتاج 1 / 453، وابن عابدين 2 / 131، والفتاوى الهندية 1 / 214، ومغني المحتاج 1 / 454، وحاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 409، وابن عابدين 2 / 133، ط بولاق، والبحر الرائق 2 / 329 ط العلمية. (2) مغني المحتاج 1 / 453 - 454، والمقنع 1 / 282، وكشاف القناع 2 / 355. أَمَّا إِذَا نَوَى مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ النِّيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ تَعْيِينَ مُدَّةٍ لِلاِعْتِكَافِ كَشَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ، وَلَهُمْ قَوْلاَنِ فِي التَّتَابُعِ وَعَدَمِهِ. أَحَدُهُمَا كَالْحَنَفِيَّةِ، وَالثَّانِي كَالشَّافِعِيَّةِ اخْتَارَهَا الآْجُرِّيُّ وَصَحَّحَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ. وَنَصَّ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ (1) . وَالتَّتَابُعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ أَفْضَل مِنَ التَّفْرِيقِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّفْرِيقُ. وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ لَزِمَهُ الاِعْتِكَافُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى مِثْلِهِ لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَمَّا اللَّيْل فَلاَ يَلْزَمُهُ بِنَذْرِ اعْتِكَافِ النَّهَارِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْيَوْمِ عِنْدَهُمَا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَدْخُل اللَّيْل مَعَ الْيَوْمِ بِالنِّيَّةِ (2) . وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَأَطْلَقَ لَزِمَهُ لَيْلاً وَنَهَارًا، تَامًّا كَانَ الشَّهْرُ أَوْ نَاقِصًا وَيُجْزِئُهُ النَّاقِصُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (3) . زَمَنُ دُخُول الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ: 22 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُل مُعْتَكَفَهُ إِذَا نَوَى يَوْمًا قَبْل الْفَجْرِ، وَعِنْدَ __________ (1) مغني المحتاج 1 / 453، وكشاف القناع 2 / 355. (2) حاشية الجمل 2 / 365 - 366، وكشاف القناع 2 / 354. (3) المجموع 6 / 493، وكشاف القناع 2 / 354. الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا نَوَى لَيْلاً قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ، لأَِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ نَذْرُ اللَّيْل وَحْدَهُ، لأَِنَّهُ لاَ صِيَامَ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَ لَيْلَةَ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَزِمَتْهُ مَعَ نَهَارِهَا، لأَِنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (1) . وَاللَّيْل تَابِعٌ لِلنَّهَارِ إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً، كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ (2) . نَذْرُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ: 23 - سَبَقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الاِعْتِكَافُ الْوَاجِبُ وَالْمَسْنُونُ إِلاَّ بِصَوْمٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَنْدُوبِ. أَمَّا نَذْرُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ صَوْمًا وَاعْتِكَافًا لاَ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. ب - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا لَزِمَاهُ. ج - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا. فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمَا يَلْزَمَانِهِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةِ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَصِحُّ وَصْفًا لِلاِعْتِكَافِ، وَالاِعْتِكَافُ لاَ يَصِحُّ وَصْفًا لِلصَّوْمِ (3) . __________ (1) كشاف القناع 2 / 354، 355، وابن عابدين 2 / 443، وبدائع الصنائع 3 / 1060، والمجموع 6 / 494، وبلغة السالك 1 / 541 - 542. (2) ابن عابدين 2 / 452، وبلغة السالك 1 / 539، وكشاف القناع 2 / 355، والمجموع 6 / 492. (3) كشاف القناع 2 / 348 - 349، ومغني المحتاج 1 / 453، والفروع 3 / 162. نَذْرُ الصَّلاَةِ فِي الاِعْتِكَافِ: 24 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا فَالصَّلاَةُ لاَ تَلْزَمُهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ (1) . وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَتُقَاسُ الصَّلاَةُ عَلَى الصَّوْمِ، وَلأَِنَّ كُلًّا مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الاِعْتِكَافِ فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ، وَيَكْفِيهِ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ الصَّلاَةَ وَأَطْلَقَ (2) . هَذَا وَلَمْ أَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. نَذْرُ الاِعْتِكَافِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ: 25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ - الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى - لَزِمَهُ النَّذْرُ وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ، وَلاَ يُجْزِئُهُ الاِعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِفَضْل الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا، فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ __________ (1) حديث: " ليس على المعتكف صيام. . . " أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم وعارض هذا ما لم يصح. وأخرجه الدارقطني والبيهقي بنفس الإسناد ورجحا وقفه. (المستدرك 1 / 439 نشر د وسنن الدارقطني 2 / 199 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 319 ط الهند، ونيل الأوطار 4 / 268 ط المطبعة العثمانية المصرية) . (2) كشاف القناع 2 / 349، ومغني المحتاج 1 / 453. ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى. وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الثَّلاَثَةِ بِهَا مُمْتَنِعٌ لِثُبُوتِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِالنَّصِّ، قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ (1) . وَوَرَدَ أَنَّ الصَّلاَةَ بِالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ (2) . فَإِذَا عَيَّنَ الأَْفْضَل فِي نَذْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الاِعْتِكَافُ فِيمَا دُونَهُ، لِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِ لَهُ. فَإِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لاَ يُجْزِئُهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى. وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُجْزِئُهُ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الأَْقْصَى جَازَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ جَازَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (3) . __________ (1) حديث: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر صحيح ورجاله ثقات (سنن ابن ماجه 1 / 450 ط عيسى الحلبي) وأخرج البخاري الشطر الأول منه بلفظ " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري 3 / 63 ط السلفية) . (2) حديث: " أن الصلاة بالمسجد الأقصى. . . " أورده المنذري في الترغيب والترهيب وعزاه إلى الطبراني وابن خزيمة والبزار من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. ولفظ البزار " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المق (3) كشاف القناع 2 / 353، ومغني المحتاج 1 / 451. وَأَمَّا إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ فَهَل يَلْزَمُ؟ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ (1) . وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يَحْتَاجُ إِلَى شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ فَيُخَيَّرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الذَّهَابِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الإِْبَاحَةَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَكَذَلِكَ يُخَيَّرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ بَيْنَ الذَّهَابِ وَغَيْرِهِ. لَكِنْ قَال فِي الْوَاضِحِ: الْوَفَاءُ أَفْضَل، قَال فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ (2) . الاِشْتِرَاطُ فِي الاِعْتِكَافِ: 26 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الشَّرْطِ وَصِحَّتِهِ فِي الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى إِلْغَاءِ الشَّرْطِ. إِلاَّ أَنَّ الْجُمْهُورَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُل تَحْتَ الشَّرْطِ أَوْ لاَ يَدْخُل (3) . فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَطَ وَقْتَ النَّذْرِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَصَلاَةِ جِنَازَةٍ وَحُضُورِ مَجْلِسِ عِلْمٍ __________ (1) جواهر الإكليل 1 / 158، والإنصاف 3 / 366 - 367. (2) الإنصاف 3 / 368، والدسوقي 1 / 547 ط دار الفكر. (3) حاشية الطحطاوي على الدر 1 / 476، ومغني المحتاج 1 / 457، والمغني 3 / 194 - 195 ط الفجالة، والقوانين الفقهية 85 ط دار القلم، وكشاف القناع 2 / 359. جَازَ ذَلِكَ. وَهَذَا عَلَى قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ فَالأَْمْرُ أَوْسَعُ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا فِي الْمُعْتَمَدِ: لَوِ اشْتَرَطَ الْمُعْتَكِفُ لِنَفْسِهِ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْهُ - عَلَى فَرْضِ حُصُول عُذْرٍ أَوْ مُبْطِلٍ - لاَ يَنْفَعُهُ اشْتِرَاطُ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، وَشَرْطُهُ لَغْوٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنْ حَصَل مُوجِبُهُ، وَاعْتِكَافُهُ صَحِيحٌ. وَلَهُمْ قَوْلٌ آخَرُ بِأَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ بِالتَّفْصِيل بَيْنَ الاِشْتِرَاطَاتِ قَبْل الدُّخُول فِي الاِعْتِكَافِ فَلاَ يَنْعَقِدُ الاِعْتِكَافُ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُول فَيَلْغُو الشَّرْطُ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الاِعْتِكَافَ لَزِمَ بِالْتِزَامِهِ فَيَجِبُ بِحَسَبِ مَا الْتَزَمَهُ. فَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُعْتَكِفُ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ مُبَاحٍ مَقْصُودٍ غَيْرِ مُنَافٍ لِلاِعْتِكَافِ صَحَّ الشَّرْطُ. فَإِنِ اشْتَرَطَهُ لِخَاصٍّ مِنَ الأَْغْرَاضِ، كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى خَرَجَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَهَمَّ مِنْهُ. وَإِنِ اشْتَرَطَهُ لأَِمْرٍ عَامٍّ كَشُغْلٍ يَعْرِضُ لَهُ خَرَجَ لِكُل مُهِمٍّ دِينِيٍّ كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَوْ دُنْيَوِيٍّ مُبَاحٍ، كَاقْتِضَاءِ الْغَرِيمِ، فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ لأَِجْل الْحَرَامِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " مَقْصُودٍ " مَا لَوْ شَرَطَهُ، أَوْ لِغَيْرِ مَقْصُودٍ كَنُزْهَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ، كَإِتْيَانِ أَهْلِهِ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْخُرُوجَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوِ اشْتَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوِ الإِْجَارَةِ، أَوِ التَّكَسُّبِ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ بِلاَ خِلاَفٍ. وَلَوْ قَال: مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْتُ فَلَهُ شَرْطُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ. __________ (1) الدسوقي 1 / 552، وبلغة السالك 1 / 549. وَمَحَل ذَلِكَ فِي الاِعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ تَدَارُكُ مَا فَاتَهُ، فَكَأَنَّهُ قَال: نَذَرْتُ هَذَا الشَّهْرَ إِلاَّ كَذَا. فَيَكُونُ الْمَنْذُورُ شَهْرًا، وَالْمَشْرُوطُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ فَائِدَةَ الشَّرْطِ عِنْدَهُمْ سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ. أَمَّا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، فَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إِلاَّ لِمَرَضٍ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ زَمَنِ الْمَرَضِ، لإِِمْكَانِ حَمْل شَرْطِهِ هُنَا عَلَى نَفْيِ التَّتَابُعِ فَقَطْ، فَنُزِّل عَلَى الأَْقَل، وَيَكُونُ الشَّرْطُ قَدْ أَفَادَ هُنَا الْبِنَاءَ مَعَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ (1) . مَا يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ: يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ مَا يَلِي: الأَْوَّل - الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ: 27 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي الاِعْتِكَافِ حَرَامٌ وَمُبْطِلٌ لَهُ، لَيْلاً كَانَ أَوْ نَهَارًا، إِنْ كَانَ عَامِدًا. وَكَذَا إِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا لاِعْتِكَافِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (2) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْجِمَاعِ وَإِفْسَادَهُ. لِلاِعْتِكَافِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهِ ذَاكِرٍ لِلاِعْتِكَافِ، سَوَاءٌ أَجَامَعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ خَارِجَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ نَحْوِهَا، لِمُنَافَاتِهِ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ. وَالْبُطْلاَنُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل، أَمَّا مَا مَضَى فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ __________ (1) الإنصاف 3 / 376، ومغني المحتاج 1 / 457. (2) سورة البقرة / 187. وَتَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَأَمَّا دَوَاعِي الْجِمَاعِ كَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا أَنْزَل، فَإِنْ لَمْ يُنْزِل لَمْ يَفْسُدِ اعْتِكَافُهُ، وَالْقَوْلاَنِ الآْخَرَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَبْطُل مُطْلَقًا، وَقِيل: لاَ يَبْطُل. قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ إِذَا قَبَّل وَقَصَدَ اللَّذَّةَ، أَوْ لَمَسَ، أَوْ بَاشَرَ بِقَصْدِهَا، أَوْ وَجَدَهَا بَطَل اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَلَوْ قَبَّل صَغِيرَةً لاَ تُشْتَهَى، أَوْ قَبَّل زَوْجَتَهُ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ لَذَّةً وَلاَ وَجَدَهَا لَمْ يَبْطُل. ثُمَّ إِنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهْوَةِ فِي الْقُبْلَةِ إِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْفَمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ فَلاَ تُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ عَلَى الظَّاهِرِ، لأَِنَّهُ يُبْطِلُهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مَا يُبْطِل الْوُضُوءَ. وَقَدْ نَصُّوا عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا لِكَرَامَتِهِ، وَوَطْءُ الْمُعْتَكِفَةِ مُفْسِدٌ لاِعْتِكَافِهَا (1) . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْجِمَاعَ الْمُفْسِدَ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُتَتَابِعِ مِنَ الْمُعْتَكِفِ الذَّاكِرِ لَهُ الْعَالِمِ بِتَحْرِيمِهِ لاَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ هُوَ قَوْل جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، فَقَالاَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. وَعَنِ الْحَسَنِ رِوَايَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ يُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ عَجَزَ أَهْدَى بَدَنَةً، فَإِنْ عَجَزَ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ __________ (1) الدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 544، ومغني المحتاج 1 / 452، وبدائع الصنائع 3 / 1071 - 1072، وكشاف القناع 2 / 361. صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (1) . وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: هِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. الثَّانِي - الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ: 28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ الْوَاجِبَ، وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ - بِالْوَاجِبِ الاِعْتِكَافَ الْمَنْدُوبَ أَيْضًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخُرُوجُ يَسِيرًا أَمْ كَثِيرًا. أَمَّا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ فَلاَ يُبْطِل الاِعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَاجَةِ الَّتِي لاَ تَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ وَلاَ تُفْسِدُهُ (2) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل الْوَاجِبِ: 29 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْل الَّذِي وَجَبَ مِمَّا لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ. لَكِنْ إِنْ طَال مُكْثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْل، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلاَ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ بَطَل الاِعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لأَِحَدٍ __________ (1) المجموع 6 / 527، والإنصاف 3 / 380 - 381، وتبيين الحقائق 1 / 52، وابن عابدين 2 / 135 ط بولاق، والدسوقي 1 / 545، والمغني 3 / 298 ط الرياض. (2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 543، وتبيين الحقائق 1 / 350، وابن عابدين 2 / 445، وكشاف القناع 2 / 356، والروضة 2 / 404، وبدائع الصنائع 3 / 1071 الاِعْتِكَافُ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ. وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَدْخُل الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا (1) وَلَهُ الْغُسْل وَالْوُضُوءُ وَالاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ إِذَا لَمْ يُلَوِّثِ الْمَسْجِدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فِي الأَْصَحِّ، وَالثَّانِي يَجُوزُ (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ دُخُول مَنْزِل أَهْلِهِ وَبِهِ أَهْلُهُ - أَيْ زَوْجَتُهُ - إِذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِئَلاَّ يَطْرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ (3) . أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلاَنِ فَيَلْزَمُهُ أَقْرَبُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ (4) . وَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مِيضَأَةٌ يَحْتَشِمُ مِنْهَا لاَ يُكَلَّفُ التَّطَهُّرَ مِنْهَا، وَلاَ يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ فِي بَيْتِ صَدِيقِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ، وَتَزِيدُ دَارُ الصِّدِّيقِ بِالْمِنَّةِ بِهَا. أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَحْتَشِمُ مِنَ الْمِيضَأَةِ فَيُكَلَّفُهَا (5) . وَأَلْحَقُوا بِالْخُرُوجِ لِمَا تَقَدَّمَ الْخُرُوجَ لِلْقَيْءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَلاَ يَفْسُدُ الاِعْتِكَافُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ __________ (1) حديث عائشة رضي الله عنها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت. . . ". أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري 4 / 273 ط السلفية وصحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) . (2) ابن عابدين 2 / 445، 446، وكشاف القناع 2 / 356، ومغني المحتاج 1 / 457، والمجموع 6 / 501، 503، وبلغة السالك 1 / 544. (3) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 544. (4) المجموع 6 / 501، وكشاف القناع 2 / 356. (5) مغني المحتاج 1 / 457، وكشاف القناع 2 / 356، وابن عابدين 2 / 445. جَمِيعًا (1) . وَلاَ يُكَلَّفُ الَّذِي خَرَجَ لِحَاجَةٍ الإِْسْرَاعُ، بَل لَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ (2) . ب - الْخُرُوجُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ: 30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَى الْخُرُوجِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلأَْكْل، لأَِنَّ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. وَكَذَا لِلشُّرْبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَاءٌ. وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الْخُرُوجِ لِلأَْكْل إِذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَهْجُورًا فَلاَ يَحِقُّ لَهُ الْخُرُوجُ (3) . ج - الْخُرُوجُ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ: 31 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجَ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَلِحَرٍّ أَصَابَهُ فَلاَ يَفْسُدُ الاِعْتِكَافُ خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ (4) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، لأَِنَّهُ نَفْلٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ __________ (1) مغني المحتاج 1 / 457، وكشاف القناع 2 / 356، وبلغة السالك 1 / 546، وحاشية ابن عابدين 2 / 445. (2) المجموع 6 / 502. (3) مغني المحتاج 1 / 457، وابن عابدين 2 / 448 - 449، والمغني 3 / 193 ط الرياض، وبلغة السالك 1 / 540. (4) بلغة السالك 1 / 546. وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ. فَإِنِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ جَازَ (1) . د - الْخُرُوجُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ: 32 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَكَانَ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا، وَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لاَ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ آثِمٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، لأَِنَّهَا فَرْضٌ. فَإِذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَهُ لِلْجُمُعَةِ لاَ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ وَعَلَيْهِ الاِسْتِئْنَافُ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ الاِحْتِرَازُ مِنَ الْخُرُوجِ، بِأَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل وَخَرَجَ بَطَل اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ فِي اعْتِكَافِهِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ شَرْطَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ (2) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ وَقْتَ الزَّوَال، وَمَنْ بَعُدَ مَسْجِدُ اعْتِكَافِهِ خَرَجَ __________ (1) الفتاوى الهندية 1 / 16، وابن عابدين 2 / 133، وبلغة السالك 1 / 138، والمقنع 1 / 62، ومغني المحتاج 1 / 257 - 258. أما الخروج لغسل التنظف إذا احتاج إليه فاللجنة ترى أنه لا ينبغي أن يعتبر مما ينافي الاعتكاف. (2) ابن عابدين 2 / 445، وبلغة السالك 1 / 540، وكشاف القناع 2 / 357، والمجموع 6 / 514، ومغني المحتاج 1 / 457، والدسوقي 1 / 543. فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ التَّعْجِيل بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَانِ الاِعْتِكَافِ. لَكِنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْجِيل لأَِنَّهُ مَحَلٌّ لِلاِعْتِكَافِ، وَكُرِهَ تَنْزِيهًا الْمُكْثُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ لِمُخَالَفَةِ مَا الْتَزَمَهُ بِلاَ ضَرُورَةٍ (1) . هـ - الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ: 33 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَى الْخُرُوجِ، إِلاَّ إِذَا اشْتُرِطَ الْخُرُوجُ لَهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَمَحَل ذَلِكَ مَا إِذَا خَرَجَ لِقَصْدِ الْعِيَادَةِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ثُمَّ عَرَجَ عَلَى مَرِيضٍ لِعِيَادَتِهِ، أَوْ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَلاَّ يَطُول مُكْثُهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ، أَوْ بَعْدَ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِأَنْ لاَ يَقِفَ عِنْدَ الْمَرِيضِ إِلاَّ بِقَدْرِ السَّلاَمِ، لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنْ كُنْتُ أَدْخُل الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَل عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ (2) . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَل عَنْهُ (3) . __________ (1) ابن عابدين 2 / 445 - 446، وكشاف القناع 2 / 357. (2) الأثر عن عائشة رضي الله عنها " إن كنت أدخل البيت للحاجة. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) . (3) حديث عائشة " أنه عليه الصلاة والسلام كان يمر بالمريض. . . " أخرجه أبو داود وضعفه ابن حجر في التلخيص (سنن أبي داود 2 / 836 ط استانبول، والتلخيص الحبير 2 / 219) . فَإِنْ طَال وُقُوفُهُ عُرْفًا، أَوْ عَدَل عَنْ طَرِيقِهِ وَإِنْ قَل لَمْ يَجُزْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لاَ يُنْتَقَضُ الاِعْتِكَافُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ (1) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي فَسَادِ الاِعْتِكَافِ لِخُرُوجِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ الْمَرِيضَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، وَذَلِكَ لِبِرِّهِمَا فَإِنَّهُ آكَدُ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَيَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِهِ وَيَقْضِيهِ (2) . و الْخُرُوجُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ: 34 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يُبْطِل الاِعْتِكَافَ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ حَالَةَ الاِعْتِكَافِ مُذَكِّرَةٌ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعُذْرُ فِيمَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلاَنِ إِذَا خَرَجَ نَاسِيًا (3) ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُفِيَ لأُِمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (4) . __________ (1) مغني المحتاج 1 / 458، ونهاية المحتاج 3 / 223، والبحر الرائق 2 / 325 - 326، والمغني 3 / 195 - 196، والمجموع 6 / 510. (2) الدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 543، 548. (3) الفتاوى الهندية 1 / 212، والحطاب 2 / 457، والدسوقي 1 / 545، وابن عابدين 2 / 447، والمجموع 6 / 520 - 521، وكشاف القناع 2 / 358، والطحطاوي على الدر 1 / 475، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 384. (4) حديث: " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . ". أخرجه ابن ماجه من حديث أبي ذر الغفاري مرفوعا بلفظ " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال الحافظ البوصيري: إسناده ضعيف، كما أخرجه ابن ماجه عن طريق الأوزاعي عن عطاء ع والمستدرك 2 / 198 نشر دار الكتاب العربي، ونصب الراية 2 / 65 - 66 ط دار المأمون) . ز - الْخُرُوجُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ: 35 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لأَِجْل الشَّهَادَةِ مُفْسِدٌ لِلاِعْتِكَافِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ، بِأَلاَّ يَكُونَ هُنَاكَ غَيْرُهُ، أَوْ لاَ يَتِمُّ النِّصَابُ إِلاَّ بِهِ، لاَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لأَِدَائِهَا، بَل يَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ إِمَّا بِحُضُورِ الْقَاضِي، أَوْ تُنْقَل عَنْهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ مَتَى تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ وَيَأْثَمُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَكَذَلِكَ التَّحَمُّل لِلشَّهَادَةِ إِذَا تَعَيَّنَ، فَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ وَاجِبٌ (1) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، فَيَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ. __________ (1) المجموع 6 / 514 - 515، وابن عابدين 2 / 547، وكشاف القناع 2 / 357، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 543. ح - الْخُرُوجُ لِلْمَرَضِ: الْمَرَضُ عَلَى قِسْمَيْنِ: 36 - الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لاَ تَشُقُّ مَعَهُ الإِْقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ وَغَيْرِهِمَا لاَ يَجُوزُ مَعَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ مَنْذُورًا مُتَتَابِعًا، فَإِنْ خَرَجَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَيْهِ. 37 - أَمَّا الْمَرَضُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْبَقَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ لاَ يُمْكِنُ الْبَقَاءُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ أَوْ مُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَهُ مُفْسِدٌ لاِعْتِكَافِهِ، فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا خَرَجَ سَاعَةً بِعُذْرِ الْمَرَضِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ. هَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. عِلْمًا بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ نِصْفِ النَّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَبْطُل وَلاَ يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إِذَا شُفِيَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يَتَلَوَّثُ بِهِ الْمَسْجِدُ كَالْقَيْءِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ. أَمَّا الْخُرُوجُ حَالَةَ الإِْغْمَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِاخْتِيَارِهِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا، أَوْ أَصَابَهُ لَمَمٌ (جُنُونٌ) فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَعَلَيْهِ إِذَا بَرَأَ أَنْ يَسْتَقْبِل، لأَِنَّهُ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَرَضَ وَالإِْغْمَاءَ يُحْسَبَانِ مِنَ الاِعْتِكَافِ (1) __________ (1) المجموع 6 / 516 - 517، وكشاف القناع 2 / 351، 357 - 358، والفتاوى الهندية 1 / 212، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 551 - 552. وَفِي مَعْنَى الْمَرَضِ هَذَا، الْخَوْفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ حَرِيقٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) . ط - الْخُرُوجُ لاِنْهِدَامِ الْمَسْجِدِ: 38 - إِذَا انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ فَخَرَجَ مِنْهُ لِيُقِيمَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (2) . ي - الْخُرُوجُ حَالَةَ الإِْكْرَاهِ: 39 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ لِحُكُومَةٍ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ قَبْل تَمَامِ الاِعْتِكَافِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِأَنَّ الإِْكْرَاهَ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ إِذَا دَخَل الْمُعْتَكِفُ مَسْجِدًا آخَرَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَهَذَا اسْتِحْبَابٌ مِنْهُمْ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَدْخُل مَسْجِدًا آخَرَ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى أَصْل الْقِيَاسِ وَهُوَ الْبُطْلاَنُ (3) . ك - خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ: 40 - تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ إِنْ كَانَ بِعُذْرٍ طَبِيعِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ بِدُونِ عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ - حَسَبَ اعْتِبَارِ الْفُقَهَاءِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ - وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الْخُرُوجِ يَسِيرًا، إِلاَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا زَمَنَ الْمُفْسِدِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ (4) . __________ (1) مغني المحتاج 1 / 458. (2) الإنصاف 3 / 377، والمجموع 6 / 522 - 523، والفتاوى الهندية 1 / 212، والقوانين الفقهية 85. (3) الفتاوى الهندية 1 / 212، ومغني المحتاج 1 / 458، والدسوقي 1 / 549، وكشاف القناع 2 / 357. (4) تبيين الحقائق 1 / 351، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق. ل - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ: 41 - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ، فَإِنْ خَرَجَ بِبَعْضِهِ لَمْ يَضُرَّ، لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّل رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ (1) . م - مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ: 42 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الاِعْتِكَافُ، مَا كَانَ بِنَاءً مُعَدًّا لِلصَّلاَةِ فِيهِ. أَمَّا رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ، وَهِيَ سَاحَتُهُ الَّتِي زِيدَتْ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ لِتَوْسِعَتِهِ، وَكَانَتْ مُحَجَّرًا عَلَيْهَا، فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَجَمَعَ أَبُو يَعْلَى بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الرَّحْبَةَ الْمَحُوطَةَ وَعَلَيْهَا بَابٌ هِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ فِيهَا صَحَّ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا سَطْحُ الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. أَمَّا الْمَنَارَةُ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهَا فِيهِ فَهِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. __________ (1) حديث عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه. . . " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري 4 / 272 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) . وانظر كشاف القناع 2 / 360، ومغني المحتاج 1 / 457، وبلغة السالك 1 / 540، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق. وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ فَهِيَ مِنْهُ، وَيَصِحُّ فِيهَا الاِعْتِكَافُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ أَذَانُ الْمُعْتَكِفِ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُؤَذِّنًا أَمْ غَيْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَجُوزُ لِلرَّاتِبِ الأَْذَانُ فِيهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دُونَ غَيْرِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الأَْصَحُّ (1) . الثَّالِثُ مِنَ الْمُفْسِدَاتِ - الْجُنُونُ: 43 - إِذَا طَرَأَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْجُنُونُ، وَكَانَ زَمَنُهُ قَلِيلاً فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ فِي قَوْل الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا. أَمَّا إِذَا طَال الْجُنُونُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ، وَمَتَى أَفَاقَ بَنَى. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الصَّوْمِ إِذَا جُنَّ، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِحْسَانَ أَنَّهُ يَقْضِي إِذَا طَال جُنُونُهُ سَنَةً فَأَكْثَرَ، وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، لأَِنَّ الْجُنُونَ إِذَا طَال قَلَّمَا يَزُول، فَيَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ فَيُحْرَجُ فِي قَضَائِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الاِعْتِكَافِ (2) . وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِيهِ، هَل يَبْنِي أَوْ يَبْتَدِئُ؟ بِنَاءً عَلَى خِلاَفِهِمْ فِي بُطْلاَنِ الصَّوْمِ (3) . __________ (1) ابن عابدين 2 / 445، والمجموع 6 / 506 - 507، والإنصاف 3 / 364 - 365، والدسوقي 1 / 547، والزرقاني 2 / 224، وكشاف القناع 2 / 352، والمغني 3 / 197 ط الرياض. (2) ابن عابدين 2 / 136. (3) الفروع 3 / 148، والمجموع 6 / 518، والدسوقي 1 / 551، وبدائع الصنائع 3 / 1076. الرَّابِعُ - الرِّدَّةُ: 44 - يَبْطُل الاِعْتِكَافُ بِالرِّدَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لَكِنْ إِذَا تَابَ وَأَسْلَمَ هَل يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الاِعْتِكَافِ؟ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الاِسْتِئْنَافِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ لَمَّا بَطَل بِرِدَّتِهِ، وَلاَ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (1) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ (2) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبُ الاِسْتِئْنَافِ (3) . الْخَامِسُ - السُّكْرُ: 45 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السُّكْرَ بِالْحَرَامِ مُفْسِدٌ لِلاِعْتِكَافِ، وَعَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِذَا كَانَ بِسَبَبٍ حَرَامٍ. وَلَمْ يَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُفْسِدًا إِنْ وَقَعَ لَيْلاً، أَمَّا إِنْ كَانَ فِي النَّهَارِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّوْمَ فَيَبْطُل الاِعْتِكَافُ، لأَِنَّهُ كَالإِْغْمَاءِ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ. وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالسُّكْرِ الْحَرَامِ اسْتِعْمَال الْمُخَدِّرِ إِذَا خَدَّرَهُ (4) . __________ (1) سورة الأنفال / 38. (2) حديث " الإسلام يجب ما كان قبله. . . " أخرجه ابن سعد في الطبقات من حديث الزبير بن العوام وجبير بن مطعم، وعزاه المناوي إلى الطبراني وحكم عليه الألباني بالصحة. (فيض القدير 3 / 179 - 180 ط المكتبة التجارية، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني 2 / 411 نشر المكتب الإسلامي) . (3) مغني المحتاج 1 / 455، وكشاف القناع 2 / 362، وبدائع الصنائع 3 / 1076، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 543. (4) بدائع الصنائع 3 / 1074، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 544، ومغني المحتاج 1 / 454 - 455، وكشاف القناع 2 / 362. السَّادِسُ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ: 46 - يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِذْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْمُكْثُ فِيهِ، وَلأَِنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَقْطَعَانِ الصِّيَامَ. وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَبْنِيَانِ وُجُوبًا وَفَوْرًا - فِي نَذْرِ الاِعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ - بِمُجَرَّدِ زَوَال الْعُذْرِ، فَإِذَا تَأَخَّرَتَا بَطَل الاِعْتِكَافُ. وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسُ مِنَ الاِعْتِكَافِ. وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ، فَإِنَّهَا إِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ اعْتِكَافِهَا، فَإِنْ خَرَجَتْ بَطَل اعْتِكَافُهَا (1) . وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الاِعْتِكَافِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَلاَّ تَكُونَ مُدَّةُ الاِعْتِكَافِ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الاِعْتِكَافِ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنِ الْحَيْضِ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ فِي الأَْظْهَرِ، لإِِمْكَانِ الْمُوَالاَةِ بِشُرُوعِهَا عَقِبَ الطُّهْرِ، وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَنْقَطِعُ، لأَِنَّ جِنْسَ الْحَيْضِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّتَابُعِ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إِلَى بَيْتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ، لِلْمَسْجِدِ رَحْبَةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي كُتُبِهِمْ (2) . مَا يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ وَمَا يُكْرَهُ لَهُ: 47 - كَرِهَ الْعُلَمَاءُ لِلْمُعْتَكِفِ فُضُول الْقَوْل وَالْعَمَل __________ (1) بلغة السالك مع الشرح الصغير 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 455، 458، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق، والإنصاف 3 / 374، وكشاف القناع 2 / 358، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار 1 / 473. (2) مغني المحتاج 1 / 455، 458، والإنصاف 3 / 374. مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا يُعْتَبَرُ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: أ - الأَْكْل وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ: يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ الأَْكْل وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ اعْتِكَافَ مَنْ لاَ يَجِدُ مَنْ يَأْتِيهِ بِحَاجَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَكْرُوهٌ. أَمَّا النَّوْمُ لِلْمُعْتَكِفِ فَمَحَلُّهُ الْمَسْجِدُ، لأَِنَّ خُرُوجَهُ لِلنَّوْمِ لَيْسَ بِعُذْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّ الْخُرُوجَ لِلنَّوْمِ جَائِزٌ (1) . ب - الْعُقُودُ وَالصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ: 48 - يُبَاحُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ، فَلَوْ لِتِجَارَةٍ كُرِهَ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ لِذَلِكَ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ لأَِجْلِهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يُنْكِحَ مَنْ فِي وِلاَيَتِهِ فِي مَجْلِسِهِ دَاخِل الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ انْتِقَالٍ وَلاَ طُول مُدَّةٍ، وَإِلاَّ كُرِهَ (2) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ إِحْضَارَ الْمَبِيعِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّزٌ عَنْ مِثْل ذَلِكَ (3) . 49 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الْكِتَابَةِ لِلْمُعْتَكِفِ __________ (1) حاشية ابن عابدين 2 / 448، والدسوقي 1 / 547 - 548، وكشاف القناع 2 / 356، ومغني المحتاج 1 / 457 - 458. (2) ابن عابدين 2 / 448 - 449، والدسوقي 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 452، وكشاف القناع 2 / 362، والمغني 3 / 209 ط الرياض. (3) ابن عابدين 2 / 449. وَإِنْ كَانَ مُصْحَفًا أَوْ عِلْمًا إِنْ كَثُرَ، وَلاَ بَأْسَ بِالْيَسِيرِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى. وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ لِلثَّوَابِ لاَ لِلأُْجْرَةِ، بَل لِيَقْرَأَ فِيهِ وَيَنْتَفِعَ مَنْ كَانَ مُحْتَاجًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ الصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَكْثُرْ مِنْهَا، فَإِنْ أَكْثَرَ مِنْهَا كُرِهَتْ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ كِتَابَةُ الْعِلْمِ، فَلاَ يُكْرَهُ الإِْكْثَارُ مِنْهَا، لأَِنَّهَا طَاعَةٌ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ. أَمَّا إِذَا احْتَرَفَ الْخِيَاطَةَ وَالْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ بِلاَ حَاجَةٍ فَتُكْرَهُ وَإِنْ قَلَّتْ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، كَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا وَالْكَثِيرُ وَالْقَلِيل وَالْمُحْتَاجُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ (2) . ج - الصَّمْتُ: 50 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّمْتَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا حَالَةَ الاِعْتِكَافِ إِنِ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قُرْبَةً فَلاَ، لِحَدِيثِ مَنْ صَمَتَ نَجَا (3) وَيَجِبُ الصَّمْتُ عَنِ الْغَيْبَةِ وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ الْقَبِيحِ وَتَرْوِيجِ سِلْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. __________ (1) الدسوقي 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 452. (2) الإنصاف 3 / 386. (3) حديث: " من صمت نجا. . . " أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، وأبو عبد الرحمن الحبلي هو عبد الله بن يزيد. وأورده المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه الترمذي وقال: حديث غريب. والطبران (سنن الترمذي 4 / 660 ط استانبول، والترغيب والترهيب 5 / 170 ط مطبعة السعادة) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ التَّقَرُّبَ بِالصَّمْتِ لَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ. قَال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إِلَى اللَّيْل. وَقَال الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ تَحْرِيمُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، قَال فِي الاِخْتِيَارَاتِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إِنْ طَال حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلاَمِ الْوَاجِبِ صَارَ حَرَامًا، وَكَذَا إِنْ تَعَمَّدَ بِالصَّمْتِ عَنِ الْكَلاَمِ الْمُسْتَحَبِّ، وَالْكَلاَمُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ، وَفُضُول الْكَلاَمِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، وَإِنْ نَذَرَ الصَّمْتَ لَمْ يَفِ بِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَال: " حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: لاَ صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْل (1) . د - الْكَلاَمُ: 51 - يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ أَلاَّ يَتَكَلَّمَ إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَشْتَغِل بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالصَّلاَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالذِّكْرِ، لأَِنَّهُ طَاعَةٌ فِي طَاعَةٍ، وَكَتَدْرِيسِ سِيرَةِ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَصَصِ الأَْنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ تَحْرِيمًا التَّكَلُّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَهُوَ مَا لاَ إِثْمَ فِيهِ. __________ (1) ابن عابدين 2 / 449، وكشاف القناع 2 / 362 - 363، وحديث: " لا صمات يوم إلى الليل. . . " أخرجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال المنذري: في إسناده محمد بن المدني الجاري، قال البخاري: يتكلمون فيه، وقال ابن حبان: يجب التنكب على ما أخذه من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث وذكر أن وفيض القدير 6 / 444 ط المكتبة التجارية) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ، أَمَّا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ فَفِعْلُهَا مُسْتَحَبٌّ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ اجْتِنَابُ مَا لاَ يَعْنِيهِ مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلاَمٍ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ (1) ، لأَِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الاِعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْلَى. رَوَى الْخَلاَّل عَنْ عَطَاءٍ قَال: " كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُول الْكَلاَمِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُول الْكَلاَمِ: مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ فِي مَعِيشَتِكَ بِمَا لاَ بُدَّ لَكَ مِنْهُ " (2) . وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَال بِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَخْتَصُّ نَفْعُهَا بِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ، فَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ إِذَا قَصَدَ الطَّاعَةَ لاَ الْمُبَاهَاةَ (3) . __________ (1) حديث: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وأخرجه مالك والترمذي عن طريقه من حديث علي ب (تحفة الأحوذي 6 / 606 - 609 نشر المكتبة السلفية، والموطأ للإمام مالك 2 / 903 ط عيسى الحلبي) . (2) ابن عابدين 2 / 449 - 450، والدسوقي 1 / 548، والجمل 2 / 364، وكشاف القناع 2 / 362. (3) الدسوقي 1 / 548، وكشاف القناع 2 / 363 - 364. هـ - الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ 52 - يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِمْ. وَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَخْذُ الظُّفْرِ وَالشَّارِبِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ لِعُذْرٍ. أَمَّا حَلْقُ الرَّأْسِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَتَضَرَّرَ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ، لأَِصْل الإِْبَاحَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ الثِّيَابِ، وَالتَّلَذُّذُ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْل الاِعْتِكَافِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الطِّيبُ. قَال أَحْمَدُ: لاَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ (1) . |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّكَافُؤُ لُغَةً: الاِسْتِوَاءُ، وَكُل شَيْءٍ سَاوَى شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ مِثْلَهُ فَهُوَ مُكَافِئٌ لَهُ، وَالْمُكَافَأَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذَا، وَالْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ أَيْ تَتَسَاوَى فِي الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَلَيْسَ لِشَرِيفٍ عَلَى وَضِيعٍ فَضْلٌ فِي ذَلِكَ (1) . وَالْكُفْءُ: النَّظِيرُ وَالْمُسَاوِي، وَمِنْهُ: الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ أَيْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُسَاوِيًا لِلْمَرْأَةِ فِي حَسَبِهَا وَدِينِهَا وَنَسَبِهَا وَبَيْتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ (2) . وَالْكَفَاءُ مَصْدَرُ كَافَأَهُ أَيْ قَابَلَهُ وَصَارَ نَظِيرًا لَهُ، وَقَوْلُهُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، أَيْ يُلاَقِي نِعَمَهُ وَيُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ، وَهُوَ أَجَل التَّحَامِيدِ (3) . وَسَيَأْتِي التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ مَعَ الإِْطْلاَقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ: حُكْمُ الْكَفَاءَةِ: 2 - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ التَّكَافُؤَ (أَوِ الْكَفَاءَةَ حَسَبَ عِبَارَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ) فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: النِّكَاحُ، وَالْقِصَاصُ، وَالْمُبَارَزَةُ فِي الْقِتَال، وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ وَنَحْوِهَا، وَفِيمَا يَلِي حُكْمُ التَّكَافُؤِ فِي كُلٍّ مِنْهَا: الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ: 3 - هِيَ لُغَةً: التَّسَاوِي وَالتَّعَادُل وَاصْطِلاَحًا: اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِهَا الاِصْطِلاَحِيِّ، وَعَرَّفَهَا الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا مُسَاوَاةُ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ فِي الأُْمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي النِّكَاحِ (4) . وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا أَمْرٌ يُوجِبُ عَدَمَهُ عَارًا (5) . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ (6) ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ وَالْمَعْقُول، لَكِنَّ الْكَرْخِيَّ وَالثَّوْرِيَّ (7) وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْجُمْهُورُ فِي النِّكَاحِ (8) . وَالْوَقْتُ الَّذِي تُعْتَبَرُ عِنْدَهُ الْكَفَاءَةُ، هُوَ ابْتِدَاءُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَلاَ يَضُرُّ زَوَالُهَا بَعْدَهُ. وَتُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - فِي جَانِبِ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَال (9) . وَالْحَقُّ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ لِلأَْوْلِيَاءِ أَوْ لَهُمَا. عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ (10) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي خِصَال الْكَفَاءَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُكَافِئَ الزَّوْجُ فِيهَا الزَّوْجَةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ - كَمَا قَال الْخَطَّابِيُّ - إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الدِّينُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالنَّسَبُ، وَالصِّنَاعَةُ (11) . وَاعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْكَفَاءَةَ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لاَ لِصِحَّتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَسَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (12) . وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل، وَفِي النِّكَاحِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَاءَةُ، وَفِي أَثَرِ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " كَفَاءَةٌ " وَفِي مُصْطَلَحِ " نِكَاحٌ ". هَذَا عَنْ حُكْمِ التَّكَافُؤِ (أَثَرُهُ) أَمَّا اخْتِيَارُ الأَْكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ فَهُوَ مَسْنُونٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ (13) . التَّكَافُؤُ فِي الدِّمَاءِ: 4 - مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلْقِصَاصِ: أَنْ يَتَكَافَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَعَ الْجَانِي، أَيْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَكَافُؤٌ فِي الدَّمِ. وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ التَّكَافُؤَ فِي الْقِصَاصِ بِأَنَّهُ: مُسَاوَاةُ الْقَاتِل لِلْقَتِيل الْجَانِي لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. بِأَنْ لاَ يَفْضُلَهُ بِإِسْلاَمٍ أَوْ أَمَانٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ سِيَادَةٍ، أَوْ أَصْلِيَّةٍ (أَيْ لاَ يَكُونُ أَصْلاً لِلْمَقْتُول وَإِنْ عَلاَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا) (14) وَقَالُوا: إِنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل الْمُسْلِمَيْنِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى تَفَاوُتٍ فِي نَسَبٍ أَوْ مَالٍ أَوْ صِفَاتٍ خَاصَّةٍ (15) . لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (16) . . . وَيُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل حَال الْجِنَايَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالْحَال قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا (17) . وَيُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ، فَإِنْ سَاوَى الْجَانِي الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ اقْتُصَّ فِيهِمَا (18) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ أَثَرَ اعْتِبَارِ التَّكَافُؤِ فِي الْقِصَاصِ: أَنَّهُ لاَ يُقْتَل الْمُسْلِمُ بِمَنْ لاَ يُسَاوِيهِ فِي الْعِصْمَةِ، وَيُقْتَل الْمُسْلِمُ بِالْمُسْلِمِ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَغَيْرِهِمَا (19) . وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَافُؤِ فِي الدِّمَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: " كَفَاءَةٌ " وَفِي مُصْطَلَحِ: " قِصَاصٌ ". التَّكَافُؤُ فِي الْمُبَارَزَةِ: 5 - الْمُبَارَزَةُ لُغَةً: الْخُرُوجُ إِلَى الْخَصْمِ لِقِتَالِهِ وَمُصَارَعَتِهِ، وَكَانَتْ تَتِمُّ بِخُرُوجِ أَحَدِ الْمُقَاتِلِينَ أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَدَعْوَةِ أَحَدِ الْخُصُومِ لِلْقِتَال، فَيَبْرُزُ لَهُ مَنْ دُعِيَ إِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى أَحَدًا أَوْ يَبْرُزُ إِلَيْهِ أَحَدُ أَكْفَائِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى أَحَدًا، وَيَدُورُ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ حَتَّى يَصْرَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (20) . وَالتَّكَافُؤُ لِلْمُبَارَزَةِ: أَنْ يَعْلَمَ الشَّخْصُ الَّذِي يَخْرُجُ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِ (21) . وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ " الْجِهَادِ " حُكْمَ الْمُبَارَزَةِ، وَأَنَّهَا تَكُونُ جَائِزَةً - خِلاَفًا لِلْحَسَنِ - بِإِطْلاَقٍ أَوْ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، وَتَكُونُ مُسْتَحَبَّةً لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، لأَِنَّ فِي خُرُوجِهِ لِلْمُبَارَزَةِ نَصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَدَرْءًا عَنْهُمْ وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِمْ، وَتَكُونُ مَكْرُوهَةً لِلضَّعِيفِ الَّذِي لاَ يَثِقُ مِنْ قُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَإِضْعَافِ عَزْمِهِمْ لأَِنَّهُ يُقْتَل غَالِبًا. فَالتَّكَافُؤُ هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ أَوِ الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْكَرَاهَةِ فِي الْمُبَارَزَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا جَازَتِ الْمُبَارَزَةُ بِمَا اسْتَشْهَدْنَا. . كَانَ لِتَمْكِينِ الْمُبَارَزَةِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَا نَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِ، فَإِنْ كَانَ بِخِلاَفِهِ مُنِعَ. وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ زَعِيمًا لِلْجَيْشِ يُؤَثِّرُ فَقْدُهُ فِيهِمْ (22) . وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ التَّكَافُؤَ فِي الْمُبَارَزَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَادَى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا مِنْ قَوْمِنَا أَكْفَاءَنَا. . فَقَدْ خَرَجَ عُتْبَةُ بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ، حَتَّى إِذَا فَصَل مِنَ الصَّفِّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِتْيَةٌ مِنَ الأَْنْصَارِ ثَلاَثَةٌ، وَهُمْ: عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا الْحَارِثِ وَرَجُلٌ آخَرُ يُقَال هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: رَهْطٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، قَالُوا: مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ (23) : يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ، وَقُمْ يَا عَلِيُّ، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَال عُبَيْدَةُ: عُبَيْدَةُ، وَقَال حَمْزَةُ: حَمْزَةُ، وَقَال عَلِيٌّ: عَلِيٌّ قَالُوا: نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِل شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِل الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ كِلاَهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ، وَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفَّفَا عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلاَ صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إِلَى أَصْحَابِهِ (24) . التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْخَيْل فِي السَّبْقِ: 6 - السَّبْقُ - بِالسُّكُونِ - فِي اللُّغَةِ: الْمُسَابَقَةُ، وَالسَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - مَا يُجْعَل مِنَ الْمَال رَهْنًا عَلَى الْمُسَابَقَةِ وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (25) . وَقَدْ شُرِعَ السَّبْقُ فِي الْخَيْل وَفِي الإِْبِل - وَلَوْ بِجُعْلٍ - لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْدَادٍ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلسَّبْقِ وَحِل الْجُعْل شُرُوطًا مِنْهَا: التَّكَافُؤُ بَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ الْمُتَسَابِقَتَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ سَبْقُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالتَّكَافُؤُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُحَلِّل الَّذِي يَدْخُل بَيْنَهُمَا فِي حَالَةِ شَرْطِ إِخْرَاجِ الْجُعْل مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلاَ بَأْسَ بِالْمُسَابَقَةِ فِي الرَّمْيِ وَالْفَرَسِ وَالإِْبِل. . وَحَل الْجُعْل وَطَابَ إِنْ شُرِطَ الْمَال فِي الْمُسَابَقَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَحَرُمَ لَوْ شُرِطَ فِيهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَصِيرُ قِمَارًا، إِلاَّ إِذَا أَدْخَلاَ ثَالِثًا مُحَلِّلاً بَيْنَهُمَا بِفَرَسٍ كُفْءٍ لِفَرَسَيْهِمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ أَيْ إِنْ كَانَ يَسْبِقُ أَوْ يُسْبَقُ لاَ مَحَالَةَ فَلاَ يَجُوزُ (26) . لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ (27) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِجُعْلٍ فِي الْخَيْل، وَفِي الإِْبِل، وَبَيْنَ الْخَيْل وَالإِْبِل، وَفِي السَّهْمِ إِذَا كَانَ الْجُعْل مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالْمَرْكَبُ. وَثُمَّ قَالُوا فِي شَرْحِ الْمَرْكَبِ: وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْخَيْل أَوِ الإِْبِل مُتَقَارِبَةً فِي الْجَرْيِ، وَأَنْ يَجْهَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبْقَ فَرَسِهِ وَفَرَسَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَ الْفَرَسَيْنِ أَكْثَرُ جَرْيًا مِنَ الآْخَرِ لَمْ تَجُزْ (28) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُل وَاحِدٍ. . فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ (29) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّل (30) مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا مِثْل أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئًا فَهُوَ قِمَارٌ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ، وَلأَِنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا جَازَ. وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْبَعِيرَ لاَ يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ فَلاَ يَحْصُل الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ (31) . __________ (1) القاموس المحيط، ولسان العرب، والصحاح في اللغة والعلوم والمصباح المنير ولسان العرب مادة: " كفأ "، والكليات 4 / 183. (2) المغرب في تعريف المعرب 409 (دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ لبنان) . (3) الكليات 4 / 128. (4) رد المحتار على الدر المختار 2 / 317 (ط. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) . (5) مغني المحتاج 3 / 165 (دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ، وقليوبي وعميرة 3 / 233 (ط عيسى البابي الحلبي) . (6) المراجع السابقة، وجواهر الإكليل 1 / 288، والمغني لابن قدامة 6 / 481 (مكتبة الرياض الحديثة ـ الرياض) . (7) على ما جاء في كتب الحنفية لكن جاء في نيل الأوطار للشوكاني (6 / 146) عن الثوري أن المولى إذا نكح العربية يفسخ النكاح، وكذلك في المغني لابن قدامة 6 / 480. (8) بدائع الصنائع 2 / 317 (دار الكتاب العربي ـ بيروت) . (9) تبيين الحقائق 2 / 128 (دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت) ، وبدائع الصنائع 2 / 320. (10) المراجع التي سبقت الإشارة إليها. (11) نيل الأوطار 6 / 147. (12) المراجع السابقة. (13) حديث: " إذا آتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". أخرجه ابن ماجه (1 / 633 ط الحلبي) ، والترمذي (3 / 394 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وحسنه الترمذي. (14) مغني المحتاج 4 / 16، البيجوري على ابن قاسم 2 / 11 ط مصطفى البابي الحلبي 1343 هـ. (15) سنن النسائي 8 / 24 ط استانبول، ونيل الأوطار 7 / 10. (16) حديث: " المسلمون تتكافأ دماؤهم. . " أخرجه أحمد (2 / 192 ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (12 / 261 ط السلفية) . (17) مغني المحتاج 4 / 16. (18) حاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد القيرواني 2 / 283 (دار المعرفة ـ بيروت) (19) المغني 7 / 648. (20) القاموس المحيط 2 / 171. (21) المغني لابن قدامة 6 / 368، والأحكام السلطانية للماوردي ص 40 (دار الكتب العلمية ـ بيروت) . (22) الأحكام السلطانية ص 40. (23) في نيل الأوطار _ (7 / 272) أن الذي نادى هو عتبة بن ربيعة. (24) سيرة النبي ﷺ: ألفها ابن إسحاق وهذبها ابن هشام (الناشر مكتبة محمد على صبيح ـ القاهرة) 2 / 455 ـ 456. وقصة المبارزة يوم بدر. أخرجها ابن إسحاق في المغازي كما في سيرة ابن هشام (1 / 525 ط الحلبي) . (25) لسان العرب مادة: " سبق " والمغني لابن قدامة 8 / 652. (26) رد المحتار على الدر المختار 5 / 258. (27) حديث: " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار ". وأخرجه أبو داود (3 / 66ـ 67 تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده ضعيف (التلخيص لابن حجر 4 / 163 ط شركة الطباعة الفنية) . (28) شرح الزرقاني (دار الفكر ـ بيروت) 3 / 152. (29) مغني المحتاج 4 / 313. (30) المحلل الفرس الثالث الذي يدخل في السباق بين الفرسين إن كان هناك جعل من المتسابقين. (31) المغني لابن قدامة 8 / 658ـ 661. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الباب الثامن: أحكام الاعتكاف
• الفصل الأول: تعريف الاعتكاف. • الفصل الثاني: حكم الاعتكاف وغايته. • الفصل الثالث: شروط صحة الاعتكاف. • الفصل الرابع: ما يفسد الاعتكاف وما لا يفسده. • الفصل الخامس: نذر الاعتكاف. • الفصل السادس: قضاء الاعتكاف. • الفصل السابع: ما يندب للمعتكف فعله. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الفصل الأول: تعريف الاعتكاف
• الاعتكاف لغةً:. • الاعتكاف اصطلاحاً:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الاعتكاف لغةً:
عكف على الشيء أي أقبل عليه مواظباً لا يصرف عنه وجهه، ويقال لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه، عاكفٌ ومعتكف. والاعتكاف والعكوف: الإقامة على الشيء بالمكان ولزومهما، والاحتباس عليه (¬1) ¬_________ (¬1) ((لسان العرب لابن منظور)) (مادة: عكف)، وانظر ((المصباح المنير للفيومي)) (مادة: عكف). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الاعتكاف اصطلاحاً:
هو الإقامة في المسجد بنية التقرُّب إلى الله عز وجل، ليلاً كان أو نهاراً (¬1) ¬_________ (¬1) قال ابن حزم: (هو الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل ساعةً فما فوقها ليلاً أو نهارا) ((المحلى)) (5/ 179). وقال ابن قدامة: (وهو في الشرع: الإقامة في المسجد على صفةٍ نذكرها، وهو قربةٌ وطاعة) ((المغني)) (3/ 62). وقال ابن دقيق: (وفي الشرع: لزوم المسجد على وجهٍ مخصوص) ((إحكام الأحكام)) (1/ 292). وقال ابن تيمية: (وأخص البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوته المبنية لذلك؛ فلذلك كان الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله، ولو قيل: لعبادة الله فيه، كان أحسن) ((كتاب الصيام من شرح العمدة)) (2/ 707 - 708). وقال ابن باز: (والمقصود من ذلك هو التفرغ للعبادة والخلوة بالله لذلك، وهذه هي الخلوة الشرعية) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 438). وقال ابن عثيمين: (الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجداً لطاعة الله سبحانه وتعالى؛ لينفرد به عن الناس؛ ويشتغل بطاعة الله؛ ويتفرغ لذلك) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 155). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: حكم الاعتكاف للرجال
الاعتكاف سنةٌ للرجال. الأدلة: أولاً: من السنة: 1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير .. ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف، فليعتكف. فاعتكف الناس معه)). أخرجه مسلم (¬1) وجه الدلالة: أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم يدل على السنية، وتعليقه الاعتكاف على من أحب ذلك يدل على عدم الوجوب (¬2). ثانياً: الإجماع: أجمع العلماء على أن الاعتكاف سنةٌ وليس بواجب، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (¬3)، وابن عبدالبر (¬4)، والنووي (¬5) ¬_________ (¬1) رواه مسلم (1167). (¬2) قال ابن قدامة: (ومما يدل على أنه سنةٌ, فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه, تقرباً إلى الله تعالى, وطلباً لثوابه, واعتكاف أزواجه معه وبعده, ويدل على أنه غير واجبٍ أن أصحابه لم يعتكفوا , ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به إلا من أراده) ((المغني)) (3/ 62). (¬3) قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه، فيجب عليه) ((الإجماع)) (ص50). (¬4) قال ابن عبدالبر: (وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجبٍ وأن فاعله محمودٌ عليه مأجورٌ فيه) ((التمهيد)) (23/ 52). (¬5) قال النووي: ( .. فالاعتكاف سنةٌ بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع) ((المجموع)) (6/ 475). وقال أيضاً: (وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب) ((شرح صحيح مسلم)) (8/ 67). وقال ابن قدامة: (ولا نعلم بين العلماء خلافاً في أنه مسنون) ((المغني)) (3/ 62). وقال القرطبي: (وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قربةٌ من القرب، ونافلةٌ من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه) ((الجامع لأحكام القرآن)) (2/ 333). وقال ابن حجر: (وليس بواجبٍ إجماعاً) ((فتح الباري)) (4/ 271). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: حكم الاعتكاف للرجال
الاعتكاف سنةٌ للرجال. الأدلة: أولاً: من السنة: 1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير .. ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف، فليعتكف. فاعتكف الناس معه)). أخرجه مسلم (¬1) وجه الدلالة: أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم يدل على السنية، وتعليقه الاعتكاف على من أحب ذلك يدل على عدم الوجوب (¬2). ثانياً: الإجماع: أجمع العلماء على أن الاعتكاف سنةٌ وليس بواجب، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (¬3)، وابن عبدالبر (¬4)، والنووي (¬5) ¬_________ (¬1) رواه مسلم (1167). (¬2) قال ابن قدامة: (ومما يدل على أنه سنةٌ, فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه, تقرباً إلى الله تعالى, وطلباً لثوابه, واعتكاف أزواجه معه وبعده, ويدل على أنه غير واجبٍ أن أصحابه لم يعتكفوا , ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به إلا من أراده) ((المغني)) (3/ 62). (¬3) قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه، فيجب عليه) ((الإجماع)) (ص50). (¬4) قال ابن عبدالبر: (وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجبٍ وأن فاعله محمودٌ عليه مأجورٌ فيه) ((التمهيد)) (23/ 52). (¬5) قال النووي: ( .. فالاعتكاف سنةٌ بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع) ((المجموع)) (6/ 475). وقال أيضاً: (وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب) ((شرح صحيح مسلم)) (8/ 67). وقال ابن قدامة: (ولا نعلم بين العلماء خلافاً في أنه مسنون) ((المغني)) (3/ 62). وقال القرطبي: (وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قربةٌ من القرب، ونافلةٌ من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه) ((الجامع لأحكام القرآن)) (2/ 333). وقال ابن حجر: (وليس بواجبٍ إجماعاً) ((فتح الباري)) (4/ 271). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: حكم الاعتكاف للرجال
الاعتكاف سنةٌ للرجال. الأدلة: أولاً: من السنة: 1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير .. ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف، فليعتكف. فاعتكف الناس معه)). أخرجه مسلم (¬1) وجه الدلالة: أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم يدل على السنية، وتعليقه الاعتكاف على من أحب ذلك يدل على عدم الوجوب (¬2). ثانياً: الإجماع: أجمع العلماء على أن الاعتكاف سنةٌ وليس بواجب، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (¬3)، وابن عبدالبر (¬4)، والنووي (¬5) ¬_________ (¬1) رواه مسلم (1167). (¬2) قال ابن قدامة: (ومما يدل على أنه سنةٌ, فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه, تقرباً إلى الله تعالى, وطلباً لثوابه, واعتكاف أزواجه معه وبعده, ويدل على أنه غير واجبٍ أن أصحابه لم يعتكفوا , ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به إلا من أراده) ((المغني)) (3/ 62). (¬3) قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه، فيجب عليه) ((الإجماع)) (ص50). (¬4) قال ابن عبدالبر: (وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجبٍ وأن فاعله محمودٌ عليه مأجورٌ فيه) ((التمهيد)) (23/ 52). (¬5) قال النووي: ( .. فالاعتكاف سنةٌ بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع) ((المجموع)) (6/ 475). وقال أيضاً: (وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب) ((شرح صحيح مسلم)) (8/ 67). وقال ابن قدامة: (ولا نعلم بين العلماء خلافاً في أنه مسنون) ((المغني)) (3/ 62). وقال القرطبي: (وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قربةٌ من القرب، ونافلةٌ من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه) ((الجامع لأحكام القرآن)) (2/ 333). وقال ابن حجر: (وليس بواجبٍ إجماعاً) ((فتح الباري)) (4/ 271). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثاني: حكم اعتكاف النساء
الاعتكاف سنةٌ للنساء كالرجال، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (¬1): الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، (¬6) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضةٌ ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم .. )). أخرجه البخاري (¬7) 2 - عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬8) 3 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب .. )). أخرجه البخاري ومسلم (¬9) ¬_________ (¬1) قال الجصاص: (للمرأة الاعتكاف باتفاق الفقهاء) ((أحكام القرآن)) (1/ 303). (¬2) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 110)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 113). - إلا أن اعتكافها في مسجد بيتها عندهم أفضل من اعتكافها في مسجد الجماعة - (¬3) ((القوانين الفقهية لابن جزي)) (ص84)، ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 541). (¬4) ((المجموع للنووي)) (6/ 475،480)، ((مغني المحتاج للخطيب الشربيني)) (1/ 451). (¬5) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 62،67)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 351). (¬6) قد تُمنَع المرأة من الاعتكاف في المسجد إذا لم يكن فيه مكان تستتر فيه، أوخوف الفتنة عليها من الفسقة، فالمنع هاهنا إنما هو لنظر الشارع إلى صيانة المرأة، لا إلى أصل حكم الاعتكاف. انظر ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 110). وقال ابن عثيمين: ( أي: فيصح اعتكافها ويسن في كل مسجد، فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن كان في اعتكافها فتنة فإنها لا تُمكَّن من هذا؛ لأن المستحب إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، كالمباح إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، فلو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، فالمسجد الحرام ليس فيه مكانٌ خاصٌّ للنساء، وإذا اعتكفت المرأة فلا بد أن تنام إما ليلاً وإما نهاراً، ونومها بين الرجال ذاهبين وراجعين فيه فتنة) ((الشرح الممتع)) (6/ 509 - 510). (¬7) رواه البخاري (309). (¬8) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). (¬9) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الثاني: غاية الاعتكاف
للاعتكاف غاياتٌ منها: أولاً: عكوف القلب على طاعة الله تعالى. ثانياً: جمع القلب عليه ووقف النفس له. ثالثاً: الخلوة به. رابعاً: الانقطاع عن الاشتغال بالخلق وتفريغ القلب من أمور الدنيا، والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرِّبُ منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم (¬1). ¬_________ (¬1) ((زاد المعاد لابن القيم)) (2/ 87)، ((تبيين الحقائق وحاشية الشلبي)) (1/ 348). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: الإسلام
يشترط لصحة الاعتكاف: الإسلام، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). الأدلة: أولاً: من الكتاب: 1 - قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه [التوبة: 54] فكما أنه لا تقبل من الكافر النفقة، فكذلك لا تقبل منه العبادات البدنية. 2 - قوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل برٍّ عند أنفسهم، فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً أي لا يُنتفَعُ به؛ حيث أبطلناه بالكفر (¬5). ثانياً: من السنة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6). فالعبادة لا تؤدى إلا بالنية، والكافر ليس من أهل النية. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 108)، ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 322). (¬2) ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 541)، ((شرح مختصر خليل للخرشي)) (2/ 267). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 476)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 454). (¬4) ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 358)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 347). (¬5) ((تفسيرالقرطبي)) (13/ 21 - 22)، وانظر ((تفسير الطبري)) (19/ 256 - 257). قال ابن كثير: (فعمل الرهبان ومن شابههم – وإن فُرِضَ أنهم مخلصون فيه لله- فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافةً، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *الفرقان: 23* وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا *النور: 39*) ((تفسير ابن كثير)) (1/ 385). (¬6) رواه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثاني: حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، (وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى)، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وهو قول أكثر أهل العلم من السلف والخلف (¬5) الدليل: عموم قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187] فلفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد، وليس للمساجد الثلاثة فقط. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 113)، ((فتح القدير للكمال بن الهمام)) (2/ 394). (¬2) ((بداية المجتهد لابن رشد)) (1/ 313)، ((القوانين الفقهية لابن جزي)) (ص84). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 483)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 450). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 66)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 137). (¬5) قال ابن المنذر: (والاعتكاف جائزٌ في جميع المساجد على ظاهر الآية) ((الإشراف)) (3/ 160). يعني قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد *البقرة: 187* قال ابن حزم: (والاعتكاف جائزٌ في كل مسجدٍ جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع) ((المحلى)) (5/ 193). وقال الشوكاني: (ويجوز الاعتكاف في كل مسجد) ((نيل الأوطار)) (4/ 269). وقال ابن باز: (يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة إلا أنه يشترط في المسجد الذي يعتكف فيه إقامة صلاة الجماعة فيه فإن كانت لا تقام فيه صلاة الجماعة لم يصح الاعتكاف فيه) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 444). وقال ابن عثيمين: (يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 160). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثالث: ضابط المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف
إن كان يتخلل الاعتكاف صلاة جماعةٍ، فيشترط لصحته أن يكون في مسجد جماعة، وهو قول الحنفية (¬1)، والحنابلة (¬2)، واختاره ابن باز (¬3)، وابن عثيمين (¬4). وذلك لأن الجماعة واجبةٌ، واعتكاف الرجل في مسجٍد لا تقام فيه الجماعة إن كان يتخلل اعتكافه جماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة. وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله تعالى فيه. ¬_________ (¬1) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 112)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 113). (¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 65)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 137). (¬3) قال ابن باز: (يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة إلا أنه يشترط في المسجد الذي يعتكف فيه إقامة صلاة الجماعة فيه فإن كانت لا تقام فيه صلاة الجماعة لم يصح الاعتكاف فيه) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 444). (¬4) قال ابن عثيمين: (لا يصح الاعتكاف إلا في مسجدٍ تقام فيه الجماعة) ((الشرح الممتع)) (6/ 509). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الرابع: الاعتكاف في غير مسجد الجمعة
الفرع الأول: الاعتكاف في غير مسجد الجمعة إن كان لا يتخلل الاعتكاف جمعة يجوز الاعتكاف في غير مسجد الجمعة إن كان لا يتخلل الاعتكاف جمعة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، وهو قول طائفةٍ من السلف (¬5)، والخلف (¬6) الدليل: عموم قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187] فلفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد، وتخصيصه ببعض المساجد دون بعضٍ يحتاج إلى دليل. الفرع الثاني: الاعتكاف في غير الجامع إن كان يتخلل اعتكافه يوم جمعة من وجبت عليه الجمعة، وكانت تتخلَّل اعتكافه، فإنه لا يشترط لصحة استمرار الاعتكاف أن يكون اعتكافه في الجامع – وعليه أن يخرج لحضور الجمعة ثم يرجع إلى المسجد الذي يعتكف فيه - ولكنَّ الأفضل أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع، وهو قول الحنفية (¬7)، والحنابلة (¬8)، وقولٌ لبعض السلف (¬9)، وهو اختيار ابن العربي المالكي (¬10)، وابن باز (¬11)، وابن عثيمين (¬12). الدليل: عموم قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187] فلفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد، وتخصيصه ببعض المساجد دون بعضٍ يحتاج إلى دليل. وأما خروجه إلى الجمعة فهو ضرورةٌ من الضرورات، لا يبطل بها الاعتكاف. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 113)، قال ابن الهمام: (والحاصل أن الاعتكاف في غير الجامع جائزٌ في الجملة بالاتفاق أو إلزامها بالدليل فإذا صح فبعد ذلك الضرورة مطلقة للخروج مع بقاء الاعتكاف وهي هنا متحققةٌ نظراً إلى الأمر بالجمعة) ((فتح القدير)) (2/ 395). (¬2) لكن عند المالكية أنه إذا نوى مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها فيتعين الجامع ((التاج والإكليل للمواق)) (2/ 455). (¬3) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 485)، ((المجموع للنووي)) (6/ 483). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 66)، ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 258). (¬5) قال ابن عبد البر: (وقال آخرون الاعتكاف في كل مسجدٍ جائزٌ، روي هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وإبراهيم النخعي وهمام بن الحارث وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي الأحوص والشعبي وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد، وهو أحد قولي مالك وبه يقول ابن علية وداود والطبري) ((التمهيد)) (8/ 326). (¬6) قال الجصاص: (وكما لا تُمنع صلاة الجمعة في سائر المساجد كذلك لا يمتنع الاعتكاف فيها فكيف صار الاعتكاف مخصوصاً بمساجد الجمعات دون مساجد الجماعات؟!!) ((أحكام القرآن)) (1/ 302). وقال ابن حزم: (والاعتكاف جائزٌ في كل مسجدٍ جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع) ((المحلى)) (5/ 193). وقال ابن باز: (ومحل الاعتكاف المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة، وإذا كان يتخلل اعتكافه جمعة فالأفضل أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع إذا تيسر ذلك) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 442). وقال ابن عثيمين: (وهو في كل مسجدٍ، سواء كان في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، أو في مسجدٍ لا تقام فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجدٍ تقام فيه، حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 155). (¬7) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 108)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 114). (¬8) ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 140)، ((شرح منتهى الإرادات للبهوتي)) (1/ 501). (¬9) قال البغوي: (أما الخروج للجمعة، فواجبٌ عليه، لا يجوز له تركه. واختلفوا في بطلان اعتكافه، فذهب قومٌ إلى أنه لا يبطل به اعتكافه، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، كما لو خرج لقضاء الحاجة) ((شرح السنة)) (6/ 401). (¬10) قال ابن العربي: (إذا اعتكف في مسجدٍ لا جمعة فيه للجمعة، فمن علمائنا من قال: يبطل اعتكافه، ولا نقول به; بل يشرف الاعتكاف ويعظم. ولو خرج من الاعتكاف من مسجدٍ إلى مسجد لجاز له; لأنه يخرج لحاجة الإنسان إجماعاً، فأي فرقٍ بين أن يرجع إلى ذلك المسجد أو إلى سواه؟) ((أحكام القرآن)) (1/ 180). (¬11) وقال ابن باز: (ومحل الاعتكاف المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة، وإذا كان يتخلل اعتكافه جمعة فالأفضل أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع إذا تيسر ذلك) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 442). (¬12) وقال ابن عثيمين: (وهو في كل مسجدٍ، سواء كان في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، أو في مسجدٍ لا تقام فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجدٍ تقام فيه، حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 155). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: زمان الاعتكاف
يجوز الاعتكاف في رمضان وفي غيره، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على هذا (¬1)، إلا أنه يُستحَبُّ في العشر الأواخر من رمضان، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) وفيه استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً)). أخرجه البخاري (¬7) وفيه جواز الاعتكاف في العشر وفي غير العشر. 3 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬8) وفيه أن الاعتكاف يكون في رمضان وفي غيره. ¬_________ (¬1) قال ابن عبدالبر: (الاعتكاف في غير رمضان جائزٌ كما هو في رمضان، وهذا ما لا خلاف فيه) ((التمهيد)) (11/ 199). قال الجصاص: (تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيفٍ أو اتفاقٍ، وهما معدومان، فالموجب لتحديده متحكمٌ قائلٌ بغير دلالةٍ، فإن قيل تحديد العشرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان وروي أنه اعتكف العشر الأواخر من شوال في بعض السنين، ولم يرو أنه اعتكف أقل من ذلك، قيل له: لم يختلف الفقهاء إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف ليس على الوجوب وأنه غير موجبٍ على أحدٍ اعتكافاً، فإذا لم يكن فعله للاعتكاف على الوجوب فتحديد العشرة أولى أن لا يثبت بفعله، ومع ذلك فإنه لم ينف عن غيره فنحن نقول: أن اعتكاف العشرة جائزٌ ونفي ما دونها يحتاج إلى دليلٍ، وقد أطلق الله تعالى ذكر الاعتكاف فقال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ *البقرة: 187* ولم يحده بوقتٍ ولم يقدره بمدةٍ فهو على إطلاقه، وغير جائزٍ تخصيصه بغير دلالةٍ والله أعلم) ((أحكام القرآن)) (1/ 304 - 305). وقال ابن حزم: (الاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عددٍ ولا وقتاً من وقتٍ، ومدعي ذلك مخطئٌ لأنه قائلٌ بلا برهان) ((المحلى)) (5/ 179). وقال الشوكاني: (صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه اعتكف في غير رمضان) ((السيل الجرار)) (ص 292). وقال أيضا: (شرع في كل وقتٍ في المساجد وهو في رمضان آكد، سيَّما في العشر) ((الدراري المضية)) (2/ 182). وقال ابن باز: (وهو مشروعٌ في رمضان وغيره) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 438). وقال ابن عثيمين: (لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزاً .. لكن لا يُؤمر الإنسان ولا يُطلب منه أن يعتكف في غير رمضان) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 160). (¬2) ((تبيين الحقائق للزيلعي)) (1/ 348)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/ 442). (¬3) ((الكافي لابن عبدالبر)) (1/ 352)، ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 542،550). (¬4) ((المجموع للنووي)) (6/ 475)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 449). قال الشربيني: (وهو مستحبٌّ كل وقتٍ في رمضان وغيره بالإجماع ولإطلاق الأدلة). (¬5) ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 132)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬6) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). (¬7) رواه البخاري (2044). (¬8) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: زمان الاعتكاف
يجوز الاعتكاف في رمضان وفي غيره، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على هذا (¬1)، إلا أنه يُستحَبُّ في العشر الأواخر من رمضان، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) وفيه استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً)). أخرجه البخاري (¬7) وفيه جواز الاعتكاف في العشر وفي غير العشر. 3 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬8) وفيه أن الاعتكاف يكون في رمضان وفي غيره. ¬_________ (¬1) قال ابن عبدالبر: (الاعتكاف في غير رمضان جائزٌ كما هو في رمضان، وهذا ما لا خلاف فيه) ((التمهيد)) (11/ 199). قال الجصاص: (تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيفٍ أو اتفاقٍ، وهما معدومان، فالموجب لتحديده متحكمٌ قائلٌ بغير دلالةٍ، فإن قيل تحديد العشرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان وروي أنه اعتكف العشر الأواخر من شوال في بعض السنين، ولم يرو أنه اعتكف أقل من ذلك، قيل له: لم يختلف الفقهاء إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف ليس على الوجوب وأنه غير موجبٍ على أحدٍ اعتكافاً، فإذا لم يكن فعله للاعتكاف على الوجوب فتحديد العشرة أولى أن لا يثبت بفعله، ومع ذلك فإنه لم ينف عن غيره فنحن نقول: أن اعتكاف العشرة جائزٌ ونفي ما دونها يحتاج إلى دليلٍ، وقد أطلق الله تعالى ذكر الاعتكاف فقال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ *البقرة: 187* ولم يحده بوقتٍ ولم يقدره بمدةٍ فهو على إطلاقه، وغير جائزٍ تخصيصه بغير دلالةٍ والله أعلم) ((أحكام القرآن)) (1/ 304 - 305). وقال ابن حزم: (الاعتكاف يقع على ما ذكرنا مما قل من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسنة عدداً من عددٍ ولا وقتاً من وقتٍ، ومدعي ذلك مخطئٌ لأنه قائلٌ بلا برهان) ((المحلى)) (5/ 179). وقال الشوكاني: (صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه اعتكف في غير رمضان) ((السيل الجرار)) (ص 292). وقال أيضا: (شرع في كل وقتٍ في المساجد وهو في رمضان آكد، سيَّما في العشر) ((الدراري المضية)) (2/ 182). وقال ابن باز: (وهو مشروعٌ في رمضان وغيره) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 438). وقال ابن عثيمين: (لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزاً .. لكن لا يُؤمر الإنسان ولا يُطلب منه أن يعتكف في غير رمضان) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 160). (¬2) ((تبيين الحقائق للزيلعي)) (1/ 348)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/ 442). (¬3) ((الكافي لابن عبدالبر)) (1/ 352)، ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 542،550). (¬4) ((المجموع للنووي)) (6/ 475)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 449). قال الشربيني: (وهو مستحبٌّ كل وقتٍ في رمضان وغيره بالإجماع ولإطلاق الأدلة). (¬5) ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 132)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬6) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). (¬7) رواه البخاري (2044). (¬8) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثاني: متى يبدأ من أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ومتى ينتهي؟
الفرع الأول: متى يبدأ من أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؟ اختلف أهل العلم متى يبدأ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، على قولين: القول الأول: يبدأ قبل غروب شمس ليلة إحدى وعشرين، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5) الأدلة: 1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) 2 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7). وجه الدلالة: أن العشر بغير هاء، عدد الليالي, فإنها عدد المؤنث, كما قال الله تعالى: وَليالٍ عَشْر. وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين. ¬_________ (¬1) ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 329)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/ 452). (¬2) ((الكافي لابن عبدالبر)) (1/ 353)، ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 542). (¬3) ((الأم للشافعي)) (2/ 115)، ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 488) إلا أنهم نصوا على هذا الحكم في اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 80)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 158). (¬5) قال ابن دقيق العيد: (الجمهور على أنه إذا أراد اعتكاف العشر دخل معتكفه قبل غروب الشمس) ((إحكام الأحكام)) (ص293). وقال ابن حزم: (ومن نذر اعتكاف ليلةٍ أو ليالٍ مسماة أو أراد ذلك تطوعاً فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس) ((المحلى)) (5/ 198). وقال ابن حجر: ( .. وهو محمولٌ على أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام، وسبيل من أراد ذلك أن يدخل قبيل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيام خاصة فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معاً فيدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضاً) ((فتح الباري)) (4/ 283). وقال ابن عثيمين: (يدخل المعتكف عند غروب الشمس ليلة العشرين من رمضان، فإن العشر الأواخر تبتدئ بغروب الشمس ليلة العشرين من رمضان) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 179). (¬6) رواه البخاري (2027) واللفظ له، ومسلم (1167). (¬7) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثالث: أقل مدةٍ للاعتكاف
اختلف أهل العلم في أقل مدةٍ تصلح للاعتكاف، على أقوال، منها: القول الأول: أقلُّ زمانٍ للاعتكاف لحظةٌ (¬1) وهو ما ذهب إليه الحنفية (¬2)، والشافعية (¬3)، وهو قولٌ للحنابلة (¬4)، واختاره ابن حزم (¬5)، والشوكاني (¬6) وابن باز (¬7). الدليل: عموم قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة: 187] فكل إقامةٍ في مسجدٍ لله تعالى بنية التقرب إليه، فهي اعتكاف، سواء قلت المدة أو كثرت حيث لم يخص الشارع عدداً أو وقتاً. القول الثاني: أقل الاعتكاف يومٌ وليلة، وهو مذهب المالكية (¬8)، (¬9) وذلك لأن المالكية يشترطون الصوم مع الاعتكاف، والصوم لا يكون إلا في يومٍ كامل، فكذلك الاعتكاف لا يكون إلا في يوم كاملٍ. ¬_________ (¬1) قال ابن عبدالبر: (ولا حد عند أبي حنيفة، والشافعي، وأكثر الفقهاء في أقل مدته) ((الاستذكار)) (10/ 314). (¬2) وهذا في غير الاعتكاف المنذور؛ لأن الحنفية يشترطون فيه الصوم. ((الدر المختار للحصكفي)) (2/ 488)، ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 323). قال الحصكفي: (من ليلٍ أو نهارٍ عند محمد، وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة، وبه يفتي، والساعة في عرف الفقهاء جزءٌ من الزمان لا جزءٌ من أربعةٍ وعشرين كما يقوله المنجمون). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 480)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 453). قال النووي: (الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه يشترط لبثٌ في المسجد، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة). (¬4) ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 143)، ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 254)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 347). (¬5) قال ابن حزم: (فكل إقامةٍ في مسجدٍ لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف ... مما قلّ من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسّنّة عدداً من عدد، ولا وقتاً من وقت) ((المحلى)) (5/ 179). (¬6) قال الشوكاني: (لم يأتنا عن الشارع في تقدير مدة الاعتكاف شيءٌ يصلح للتمسك به، واللبثُ في المسجد والبقاء فيه يصدق على اليوم وبعضه، بل وعلى الساعة إذا صحب ذلك نية الاعتكاف) ((السيل الجرار)) (ص293). (¬7) قال ابن باز: (والاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرةً أو قليلةً؛ لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيومٍ ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 441). (¬8) ((الكافي لابن عبد البر)) (1/ 352)، ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 550). (¬9) قال ابن عثيمين: (من اعتكف اعتكافاً مؤقتاً كساعةٍ، أو ساعتين، ومن قال: كلما دخلت المسجد فانو الاعتكاف، فمثل هذا ينكر عليه؛ لأن هذا لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ((الشرح الممتع)) (6/ 506). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الرابع: أطول مدةٍ للاعتكاف
لا حد لأكثر زمان الاعتكاف ما لم يتضمن أية محذوراتٍ شرعية، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5)، بل حكى الإجماع على ذلك ابن الملقن (¬6)، وابن حجر (¬7). الدليل: عموم قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة: 187] فلم يحده الله سبحانه وتعالى بوقتٍ، ولم يقدره بمدةٍ، فهو على إطلاقه، وغيرُ جائزٍ تخصيصُهُ بغير دلالة. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 115). (¬2) ((بداية المجتهد لابن رشد)) (1/ 314). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 480). (¬4) ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 385). (¬5) قال الجصاص: (تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيفٍ أو اتفاقٍ وهما معدومان فالموجب لتحديده متحكمٌ قائلٌ بغير دلالة) ((أحكام القرآن)) (1/ 304). وقال ابن حزم: (فكل إقامةٍ في مسجدٍ لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف ... مما قلّ من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسّنّة عدداً من عدد، ولا وقتاً من وقت) ((المحلى)) (5/ 179). وقال ابن باز: (والاعتكاف هو المكث في المسجد لطاعة الله تعالى سواء كانت المدة كثيرةً أو قليلةً؛ لأنه لم يرد في ذلك فيما أعلم ما يدل على التحديد لا بيومٍ ولا بيومين ولا بما هو أكثر من ذلك) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 441). (¬6) قال ابن الملقن: (أجمع العلماء على أن لا حدَّ لأكثره) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) (5/ 430). (¬7) قال ابن حجر: (واتفقوا على أنه لا حدَّ لأكثره) ((فتح الباري)) (4/ 272). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث التاسع: اشتراط الصوم للاعتكاف
يصح الاعتكاف من غير صومٍ (¬1)، وهو قول الشافعية (¬2)، والمشهور عند الحنابلة (¬3)، وقول طائفةٍ من السلف (¬4)، وهو ما ذهب إليه ابن حزم (¬5)، والنووي (¬6)، وابن دقيق العيد (¬7)، وابن حجر (¬8)، وابن باز (¬9)، وابن عثيمين (¬10) الأدلة: 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، ((أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك)). أخرجه البخاري ومسلم (¬11) وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لعمر رضي الله عنه بالاعتكاف ليلاً، ومعلومٌ أن الليل لا صوم فيه (¬12)، فلو كان الصوم شرطاً في صحة الاعتكاف، لما صح اعتكاف الليل لأنه لا صيام فيه. 2 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر، ثم دخل معتكفه. وإنه أمر بخبائه فضرب. أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، نظر فإذا الأخبية، فقال: آلبر تردن؟ فأمر بخبائه فقوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬13) ففيه دليلٌ على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام (¬14) كما أن إيجاب الصوم حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نصٌّ ولا إجماع (¬15) ¬_________ (¬1) وذلك لأنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط للواحدة وجود الأخرى. (¬2) ((الأم للشافعي)) (2/ 118)، ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 486). قال الماوردي: (فأما الصوم فغير واجبٍ فيه بل إن اعتكف مفطراً جاز). (¬3) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 64)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 145). قال ابن قدامة: (المشهور في المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صومٍ). (¬4) قال ابن عبدالبر: (وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وابن علية الاعتكاف جائزٌ بغير صومٍ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبدالعزيز) ((التمهيد)) (11/ 200)، وانظر ((المغني لابن قدامة)) (3/ 64). (¬5) قال ابن حزم: (من البرهان على صحة قولنا اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلا يخلو صومه من أن يكون لرمضان خالصا وكذلك هو فحصل الاعتكاف مجردا عن صوم يكون من شرطه وإذا لم يحتج الاعتكاف إلى صوم ينوي به الاعتكاف فقد بطل أن يكون الصوم من شروط الاعتكاف وصح أنه جائز بلا صوم وهذا برهان ما قدروا على اعتراضه .. وأيضا فإن الاعتكاف هو بالليل كهو بالنهار ولا صوم بالليل فصح أن الاعتكاف لا يحتاج إلى صوم) ((المحلى)) (5/ 186). (¬6) قال النووي: (ويجوز بغير صوم) ((المجموع)) (6/ 485). (¬7) قال ابن دقيق العيد: (الصوم ليس بشرطٍ) ((إحكام الأحكام)) (ص295). (¬8) ((فتح الباري)) (4/ 274). (¬9) قال ابن باز: (ولا يشترط أن يكون معه صومٌ على الصحيح فلو اعتكف الرجل أو المرأة وهما مفطران فلا بأس في غير رمضان) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 441). وقال أيضاً: (ولا يشترط له الصوم ولكن مع الصوم أفضل) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 442). (¬10) قال ابن عثيمين: (القول الثاني: أنه لا يشترط له الصوم .. وهذا القول هو الصحيح) ((الشرح الممتع)) (6/ 507). (¬11) رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656). (¬12) ((التمهيد لابن عبدالبر)) (11/ 200). (¬13) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173) واللفظ له. (¬14) ((فتح الباري لابن حجر)) (4/ 276). (¬15) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 65). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
مطلب: أقسام الخروج من المسجد
الفرع الأول: الخروج ببعض البدن الخروج ببعض البدن من المسجد لا بأس به للمعتكف ولا يفسد الاعتكاف، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم ... يخرج رأسه من المسجد - وهو معتكف - فأغسله وأنا حائض)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) 2 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وهو معتكفٌ في المسجد وهي في حجرتها، يناولها رأسه)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7) الفرع الثاني: الخروج بجميع البدن بغير عذر الخروج بجميع البدن من المسجد بغير عذرٍ يفسد الاعتكاف، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة (¬11)، (¬12)، بل حكى ابن حزم الإجماع على ذلك (¬13) الدليل: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ، إذا كان معتكفا)). أخرجه البخاري ومسلم (¬14). الفرع الثالث: الخروج بجميع البدن بعذر ¬_________ (¬1) ((المبسوط للشيباني)) (2/ 287)، ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 117). (¬2) ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 549)، ((حاشية الدسوقي)) (1/ 543). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 500)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (4/ 332). (¬4) ((الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة)) (3/ 141)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 360). (¬5) قال ابن حزم: (وله إخراج رأسه من المسجد للترجيل) ((المحلى)) (5/ 187). وقال ابن دقيق العيد: (أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لم يفسد اعتكافه، وقد يقاس عليه غيره من الأعضاء إذا لم يخرج جميع بدنه من المسجد) ((إحكام الأحكام)) (ص89). وقال ابن القيم: (وكان إذا اعتكف، دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله، وتغسله وهو في المسجد وهى حائض) ((زاد المعاد)) (2/ 89). وقال الصنعاني: (في الحديث دليلٌ على ... أن خروج بعض بدنه لا يضر) ((سبل السلام)) (2/ 174). وقال ابن عثيمين: (وأما خروجه من المسجد فإن كان ببعض بدنه فلا بأس به) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/ 341). (¬6) رواه البخاري (2031) واللفظ له، ومسلم (297). (¬7) رواه البخاري (2046) واللفظ له، ومسلم (297). (¬8) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 109)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 115). (¬9) ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 543)، ((حاشية الدسوقي)) (1/ 543). (¬10) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 486)، ((المجموع للنووي)) (6/ 500). (¬11) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 69)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 179). (¬12) قال الصنعاني: (في الحديث دليلٌ على أنه لا يخرج المعتكف من المسجد بكل بدنه) ((سبل السلام)) (2/ 174). وقال الشوكاني: ( فيه دليلٌ على المنع من الخروج لكل حاجةٍ من غير فرقٍ بين ما كان مباحاً أو قربة أو غيرهما إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها) ((نيل الأوطار)) (4/ 267). (¬13) قال ابن حزم: (واتفقوا على أن من خرج من معتكفه في المسجد لغير حاجةٍ ولا ضرورةٍ ولا برٍ أمر به أو ندب إليه، فإن اعتكافه قد بطل) ((مراتب الإجماع)) (ص41)، ولم يتعقبه ابن تيمية في ((نقد مراتب الإجماع)). والخلاف في المسألة منقولٌ عن أبي يوسف ومحمد ما لم يكن الخروج أكثر من نصف يوم. ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 109)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 115). (¬14) رواه البخاري (2029)، ومسلم (297). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: حكم نذر الاعتكاف
من نذر الاعتكاف فإنه يلزمه الوفاء به، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). الأدلة: 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، ((أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك)). أخرجه البخاري ومسلم (¬5) وفي ذلك لزوم الوفاء بالنذر. 2 - عموم ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)). أخرجه البخاري (¬6). ¬_________ (¬1) ((المبسوط للشيباني)) (2/ 279)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 109). (¬2) ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 545)، ((التاج والإكليل للمواق)) (2/ 458). (¬3) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 491)، ((روضة الطالبين للنووي)) (2/ 394). (¬4) ((الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة)) (3/ 128)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬5) رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656). (¬6) رواه البخاري (6700). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: حكم نذر الاعتكاف
من نذر الاعتكاف فإنه يلزمه الوفاء به، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). الأدلة: 1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما، ((أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك)). أخرجه البخاري ومسلم (¬5) وفي ذلك لزوم الوفاء بالنذر. 2 - عموم ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)). أخرجه البخاري (¬6). ¬_________ (¬1) ((المبسوط للشيباني)) (2/ 279)، ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 109). (¬2) ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 545)، ((التاج والإكليل للمواق)) (2/ 458). (¬3) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 491)، ((روضة الطالبين للنووي)) (2/ 394). (¬4) ((الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة)) (3/ 128)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬5) رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656). (¬6) رواه البخاري (6700). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الثاني: نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة
من نذر الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة (¬1)، فعليه الوفاء بنذره، وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية (¬2) والشافعية (¬3) والحنابلة (¬4)، (¬5) الأدلة: 1 – عموم ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)). أخرجه البخاري (¬6) فالوفاء بنذر الطاعة واجبٌ. 2 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7) 3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلي ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى)). أخرجه البخاري ومسلم (¬8). ¬_________ (¬1) وهي: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى. (¬2) ((التاج والإكليل للمواق)) (2/ 461)، ((مواهب الجليل للحطاب)) (3/ 405). (¬3) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 491)، ((المجموع للنووي)) (6/ 481 - 482). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 82)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 151). قال ابن مفلح: (من نذر الاعتكاف أو الصلاة في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لم يجزئه في غيرها). (¬5) قال ابن تيمية: (ولو نذر صلاةً أو صياماً أو قراءةً أو اعتكافاً في مكانٍ بعينه فإن كان للتعيين مزيةٌ في الشرع: كالصلاة والاعتكاف في المساجد الثلاثة لزم الوفاء به) ((مجموع الفتاوى)) (31/ 50 - 51). وقال ابن باز: (إذا نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة فإنه يلزمه الاعتكاف بها وفاء لنذره) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 445). وقال ابن عثيمين: (لو نذر رجلٌ أن يعتكف في أي مسجدٍ من المساجد، في أي بلدٍ فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه، إلا المساجد الثلاثة) ((الشرح الممتع)) (6/ 512). (¬6) رواه البخاري (6700). (¬7) رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656). (¬8) رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الثالث: حكم من نذر الاعتكاف قبل إسلامه
من نذر الاعتكاف قبل أن يسلم فيجب الوفاء به بعد إسلامه، وهذا قول أهل الظاهر (¬1)، وهي رواية عن أحمد (¬2)، واختاره ابن بطال (¬3)، والبغوي (¬4)، والصنعاني (¬5)، والشوكاني (¬6)، والشنقيطي (¬7)، وابن عثيمين (¬8) الدليل: عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك)). أخرجه البخاري ومسلم (¬9) ¬_________ (¬1) ((المحلى لابن حزم)) (5/ 183)، قال ابن حجر: (وبه جزم الطبري والمغيرة بن عبد الرحمن من المالكية والبخاري وداود وأتباعه) ((فتح الباري)) (11/ 582). (¬2) ((شرح منتهى الإرادات للبهوتي)) (3/ 472). (¬3) قال ابن حجر: () ((فتح الباري)) (11/ 582). (¬4) قال البغوي: (في هذا الحديث دليلٌ على أن من نذر في حال كفره بما يجوز نذره في الإسلام، صح نذره، ويجب عليه الوفاء به بعد الإسلام) ((شرح السنة)) (6/ 402). (¬5) قال الصنعاني: (دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم) ((سبل السلام)) (4/ 115). (¬6) قال الشوكاني: (والظاهر أنه يلزمه الوفاء بنذره) ((نيل الأوطار)) (4/ 92). (¬7) قال الشنقيطي: (اشتراط الإسلام في النذر فيه نظر؛ لأن ما نذره الكافر من فعل الطاعات قد ينعقد نذره له بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان لغواً غير منعقد، لما كان له أثرٌ بعد الإسلام .. فقوله صلى الله عليه وسلم لعمر في هذا الحديث الصحيح: أوف بنذرك. مع أنه نذره في الجاهلية، صريحٌ في ذلك كما ترى) ((أضواء البيان)) (5/ 248). (¬8) قال ابن عثيمين: (لو كان الناذر كافراً فإن نذره ينعقد، فإن وفى به في حال كفره برئت ذمته، وإن لم يف به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك. والأمر هنا للوجوب، وإيجاب الوفاء عليه لنذره فرعٌ عن صحته؛ لأنه لو كان غير صحيحٍ ما وجب الوفاء به) ((الشرح الممتع)) (15/ 209). (¬9) رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: قضاء الاعتكاف المستحب
المعتكف تطوعاً إذا أبطل اعتكافه بعد الشروع فيه، فإنه يستحب له القضاء ولا يلزمه، وهو مذهب الشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2)، وقولٌ للحنفية (¬3) الدليل: عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬4). وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهن بالقضاء، وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم له لم يكن واجباً عليه, وإنما فعله تطوعاً; لأنه كان إذا عمل عملا أثبته (¬5). ¬_________ (¬1) ((المجموع للنووي)) (6/ 490). (¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 73)، ((الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة)) (3/ 142). (¬3) ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 326)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/ 444). (¬4) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). (¬5) ((المغني)) (3/ 60). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: قضاء الاعتكاف المستحب
المعتكف تطوعاً إذا أبطل اعتكافه بعد الشروع فيه، فإنه يستحب له القضاء ولا يلزمه، وهو مذهب الشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2)، وقولٌ للحنفية (¬3) الدليل: عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬4). وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهن بالقضاء، وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم له لم يكن واجباً عليه, وإنما فعله تطوعاً; لأنه كان إذا عمل عملا أثبته (¬5). ¬_________ (¬1) ((المجموع للنووي)) (6/ 490). (¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 73)، ((الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة)) (3/ 142). (¬3) ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 326)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/ 444). (¬4) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). (¬5) ((المغني)) (3/ 60). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: قضاء الاعتكاف المنذور إذا فات أو فسد
من نذر اعتكاف يومٍ أو عدة أيامٍ معينةٍ ففاتته أو بطل اعتكافه فيها بأحد مفسداته، فعليه قضاء اليوم أو الأيام التي فاتته، أو بطل اعتكافه فيها، وهذا قول الجمهور من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). وذلك لأن الوفاء بالنذر واجب، فإذا فسد اعتكافه المنذور فإن النذر لا يزال باقياً، فهو دينٌ في ذمته، وعليه قضاؤه. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 118)، ((فتح القدير للكمال ابن الهمام)) (2/ 402 - 403). (¬2) ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 551). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 493)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 456). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 73)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 336). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: قضاء الاعتكاف المنذور إذا فات أو فسد
من نذر اعتكاف يومٍ أو عدة أيامٍ معينةٍ ففاتته أو بطل اعتكافه فيها بأحد مفسداته، فعليه قضاء اليوم أو الأيام التي فاتته، أو بطل اعتكافه فيها، وهذا قول الجمهور من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4). وذلك لأن الوفاء بالنذر واجب، فإذا فسد اعتكافه المنذور فإن النذر لا يزال باقياً، فهو دينٌ في ذمته، وعليه قضاؤه. ¬_________ (¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 118)، ((فتح القدير للكمال ابن الهمام)) (2/ 402 - 403). (¬2) ((الشرح الكبير للدردير)) (1/ 551). (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 493)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 456). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 73)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 336). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثاني: قضاء الاعتكاف الواجب عن الميت
من مات وقد نذر قبل موته الاعتكاف فلم يعتكف، فقد اختلف أهل العلم هل يستحب لوليه أن يقضي هذا الاعتكاف عنه أو لا، على قولين: القول الأول: لا يستحب لوليه أن يقضيه عنه، ويطعم عنه إن أوصى، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3). الأدلة: 1 - عموم قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم:39] 2 - عموم قوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] القول الثاني: يستحب لوليه أن يقضي هذا الاعتكاف عنه، وهو المذهب عند الحنابلة (¬4)، وقولٌ للشافعي (¬5)، وذهب إليه ابن عثيمين (¬6) الأدلة: أولاً: من السنة: عموم الأحاديث التالية: 1 - عن ابن عباس رضي الله عنهما، ((أن سعد بن عبادة رضي الله عنه استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال: اقضه عنها)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7) 2 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دينٌ، أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يُقضَى)). أخرجه البخاري ومسلم (¬8) فقوله صلى الله عليه وسلم: ((فدين الله أحق أن يقضى)) يشمل نذر الاعتكاف؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثانياً: القياس: فقضاء الاعتكاف عن الميت قياساً على الصوم؛ لأن كلاًّ منهما كفٌّ ومنع (¬9). ¬_________ (¬1) ((حاشية ابن عابدين)) (8/ 471). (¬2) ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 547). (¬3) ((المجموع للنووي)) (3/ 372). (¬4) ((المغني لابن قدامة)) (10/ 86)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 336). (¬5) ((المجموع للنووي)) (6/ 372)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 439). (¬6) قال ابن عثيمين: (رجلٌ نذر أن يعتكف ثلاثة أيام من أول شهر جمادى الآخرة، ولم يعتكف ومات، فيعتكف عنه وليه؛ لأن هذا الاعتكاف صار ديناً عليه، وإذا كان ديناً فإنه يقضى، كما يقضى دين الآدمي. وقوله: قد يفهم منه أن هناك اعتكافاً واجباً بأصل الشرع وليس كذلك؛ لأن الاعتكاف لا يكون واجباً إلا بالنذر) ((الشرح الممتع)) (6/ 454). (¬7) رواه البخاري (2761)، ومسلم (1638). (¬8) رواه البخاري (1953)، ومسلم (1148) واللفظ له. (¬9) ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 439). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: أفضل الاعتكاف زمناً
أفضل الاعتكاف زمناً هو في رمضان، وآكده في العشر الأواخر منه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) 2 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7) ¬_________ (¬1) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 207)، ((فتح القدير للكمال ابن الهمام)) (2/ 389) (¬2) ((الكافي لابن عبدالبر)) (1/ 352)، ((بداية المجتهد لابن رشد)) (1/ 312) (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 475)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 449). (¬4) ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 254)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬5) قال ابن دقيق العيد: (واستحبابه في رمضان بخصوصه وفي العشر الأواخر بخصوصها) ((إحكام الأحكام)). (1/ 293) وقال ابن تيمية: (وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادةٌ يُشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زماناً أو مكاناً بعبادةٍ كان تخصيصه بتلك العبادة سنةٌ، كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها) ((مجموع الفتاوى)) (10/ 409). وقال ابن القيم: (ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان) ((زاد المعاد)) (2/ 87). وقال الشوكاني: (قوله: فيه دليلٌ على استحباب مداومة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ذلك الوقت بالمداومة على اعتكافه) ((نيل الأوطار)) (4/ 264). وقال ابن باز: (ويستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 442). (¬6) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). (¬7) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الأول: أفضل الاعتكاف زمناً
أفضل الاعتكاف زمناً هو في رمضان، وآكده في العشر الأواخر منه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5) الأدلة: 1 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)). أخرجه البخاري ومسلم (¬6) 2 - عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف. فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال)). أخرجه البخاري ومسلم (¬7) ¬_________ (¬1) ((المبسوط للسرخسي)) (3/ 207)، ((فتح القدير للكمال ابن الهمام)) (2/ 389) (¬2) ((الكافي لابن عبدالبر)) (1/ 352)، ((بداية المجتهد لابن رشد)) (1/ 312) (¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 475)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 449). (¬4) ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 254)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 348). (¬5) قال ابن دقيق العيد: (واستحبابه في رمضان بخصوصه وفي العشر الأواخر بخصوصها) ((إحكام الأحكام)). (1/ 293) وقال ابن تيمية: (وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعبد فهو عبادةٌ يُشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زماناً أو مكاناً بعبادةٍ كان تخصيصه بتلك العبادة سنةٌ، كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها) ((مجموع الفتاوى)) (10/ 409). وقال ابن القيم: (ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان) ((زاد المعاد)) (2/ 87). وقال الشوكاني: (قوله: فيه دليلٌ على استحباب مداومة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ذلك الوقت بالمداومة على اعتكافه) ((نيل الأوطار)) (4/ 264). وقال ابن باز: (ويستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/ 442). (¬6) رواه البخاري (2026)، ومسلم (1172). (¬7) رواه البخاري (2045)، ومسلم (1173). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المطلب الثاني: أفضل الاعتكاف مكاناً
أفضل الاعتكاف مكاناً هو المسجد الحرام ثم يليه المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، ثم المسجد الجامع، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)، (¬5) وذلك لأن هذه المساجد الثلاثة قد خصها الله تعالى بمزيدٍ من التشريف على غيرها، فهي أعظم مساجد الله عزَّ وجلَّ، وأفضل مساجد الله سبحانه (¬6). ولأن كل ما عظُم من المساجد وكثُر أهله فهو أفضل. ولأن الاعتكاف قد يتخلله يوم جمعةٍ، فإن لم يكن اعتكافه في مسجد جمعةٍ اضطر إلى الخروج لأدائها. ¬_________ (¬1) ((المبسوط للشيباني)) (2/ 282)، ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 324). (¬2) ((التاج والإكليل للمواق)) (3/ 344)، ((الفواكه الدواني للنفراوي)) (2/ 935). (¬3) ((الأم للشافعي)) (2/ 118)، ((المجموع للنووي)) (6/ 479). (¬4) ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 259)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 151). (¬5) قال ابن عثيمين: (لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيره) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)). (¬6) قال ابن تيمية: (والمسجد الحرام أفضل المساجد ويليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويليه المسجد الأقصى) ((مجموع الفتاوى)) (27/ 7). |