موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
خَمْسِين
من (خ م س) ما بين الأربعين والستين، أو صورة كتابية صوتية من خماسين: رياح حارة جافة تربة يكثر هبوبها في أشهر الربيع بمصر. يستخدم للذكور والإناث. |
مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات للدوسري
|
القراءات الخمسين:القراءات التي ضمنها أبو القاسم الهذلي (ت 465 هـ) كتابه الكامل في القراءات الخمسين، وهي التي رواها عن تسعة وأربعين رجلاً من أئمة قراء الحجاز والشام والعراق بالإضافة إلى اختياره.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الأَرْبَعة وخمسينالجذر: ر ب ع
مثال: تَمَّ فصل الأَرْبَعة وخمسين تلميذًا لكثرة غيابهمالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لتعريف الجزء الأول فقط من العدد المعطوف، وهذا مخالف للقاعدة. الصواب والرتبة: -تَمَّ فصل الأربعة والخمسين تلميذًا لكثرة غيابهم [فصيحة] التعليق: إذا كان العدد معطوفًا، فالقاعدة دخول «أل» على المعطوف والمعطوف عليه لتعريفهما معًا. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الخَمْسينالجذر: خ م س
مثال: نشر القصة الخمسينالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال لفظ العقد «خمسين» وصفًا للمفرد، وهو استعمال لا يُعْرَف له وجه فيما نصت عليه اللغة. الصواب والرتبة: -نشر القصة المتمّة للخمسين [فصيحة]-نشر القصة الخمسين [صحيحة] التعليق: استخدم هذا الأسلوب جماعة من قدامى العلماء، ومنه قولهم: الجزء العشرون، والورقة العشرون على معنى تمام العشرين، فتحذف كلمة التمام وتقام العشرون مقامها، وقد أقره مجمع اللغة المصري. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خَمْسِيناتالجذر: خ م س
مثال: رَجُل في الخَمْسيناتالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجمع لفظ العقد دون إلحاق ياء النسب به. الصواب والرتبة: -رجل في الخَمْسينيّات [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري جمع ألفاظ العقود بالألف والتاء إذا ألحقت بها ياء النسب، فيقال: خسمينيّات للأعوام من الخمسين إلى التاسع والخمسين، ومنع أن يقال في هذا المعنى: خمسينات بغير ياء النسب؛ لأن لها معنى آخر، وهو: عدة وحدات، كل منها يتكون من خمسين عنصرًا. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خمسين عالمٍالجذر: خ م س
مثال: شَارَكَت الدولة في المؤتمر بخَمْسِين عالمٍالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجر التمييز «عالم»، وهو مخالف للقاعدة. الصواب والرتبة: -شاركت الدولة في المؤتمر بخمسين عالمًا [فصيحة] التعليق: توجب القاعدة أن يكون تمييز ألفاظ العقود منصوبًا دائمًا. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
خَمْسينيّالجذر: خ م س
مثال: العيد الخمسينيّالرأي: مرفوضةالسبب: للنسب إلى لفظ العقد دون رده إلى المفرد. الصواب والرتبة: -العيد الخمسينيّ [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري النسب إلى ألفاظ العقود، دون ردها إلى مفردها، كما أجاز أن يلزم لفظ العقد «الياء» مع اختلاف الموقع الإعرابي، وجعل الإعراب بحركات ظاهرة على ياء النسب. وقد وردت النسبة إلى ألفاظ العقود على لفظها في مفردات ابن البيطار وغيره. |
معجم الصحابة للبغوي
|
[من اسمه الحكم]
حكم بن عمرو الأقرع الغفاري قال أبو القاسم: رأيت في " كتاب محمد بن سعد " الحكم بن عمرو بن مجدع بن حزيم بن الحارث // 110 // بن ثعلبة بن مليل بن [ضمرة] بن بكر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم [حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى البصرة] ثم ولاه زياد بن أبي سفيان خراسان فخرج إليها فلم يزل واليا عليها حتى مات سنة خمسين. 477 - حدثنا أبو خيثمة نا يحيى بن سعيد عن التيمي عن أبي تميمة عن دلجة بن قيس: أن الحكم الغفاري قال لرجل أو قال له رجل تذكر يوم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النقير أو قال: المقير أو أحدهما والدبا والحنتم؟ قال: نعم، قال الآخر: وأنا سمعته يقول ذلك. |
سير أعلام النبلاء
|
3177- الدُّخَمْسِيني 1:
المحدِّث الرحَّال الإِمَامُ, أَبُو أَحْمَدَ بَكْرُ بنُ محمد بن حمدان المَرْوَزِيُّ الصَّيْرَفِيُّ, كَانَ يَقُوْلُ: زِدْ خَمْسِيْنَ, فَبَنَوْا لَهُ لَقَباً مِنْ ذَلِكَ. سَمِعَ أَبَا قِلاَبَةَ الرَّقَاشِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّرْسِيُّ, وَأَبَا الموجَّه مُحَمَّد بن عَمْرٍو, وَعَبْدَ الصَّمَدِ بن الفَضْلِ، وَأَبَا حَاتِم الرَّازِيّ, لَكِنْ عُدم سَمَاعُه مِنْ أَبِي حَاتِمٍ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عَدِيّ, وَالحَاكِمُ, وَابْنُ مَنْدَة, وَغُنْجَار, وَمَنْصُوْر الكَاغَدِي، وَحُسَيْن بن مُحَمَّدٍ الماسَرْجسي. سَار إِلَى سَمَرْقَنْد لميراثٍ لَهُ مِنْ غُلاَمه, فَمَاتَ بِبُخَارَى سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ -كَذَا أرَّخه الحَاكِم. وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ وَغَيْرُهُ: بَلْ توفِّي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَمَا علمتُ أَنَا بِهِ بَأْساً. __________ 1 ترجمته في الأنساب للسمعاني "5/ 289"، والعبر "2/ 267"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 369". |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
وقبلك مَا فارقت بالجوف أرحبا فِي أبيات له ذكره ابن الكلبي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ خَمْسِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيِّ. وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ الشَّاعِرُ. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَمِدْلَاجُ بْنُ عَمْرٍو. وَصَفِيَّةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا احْتَضَرَ الْمُغِيرَةُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ ابْنَهُ عُرْوَةَ أَوْ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ الْمِصْرَيْنِ؛ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ تَحْتَ إمرة زياد، فعزل زياد عَنِ سِجِسْتَانَ الرَّبِيعَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بن أبي بكرة. وفيها نفذ مُعَاوِيَةُ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَخَطَّ الْقَيْرَوَانَ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ. -[391]- وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: لما افتتح عقبة إفريقية وقف على مكان القيروان، فقال: يَا أَهْلَ الْوَادِي إِنَّا حَالُّونَ إِنْ شَاءَ الله فاظعنوا ثلاث مرات، قال: فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا يخرج من تحته دَابَّةٌ حَتَّى هَبَطْنَ بَطْنَ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا بِاسْمِ اللَّهِ. وَفِيهَا وَجَّهَ زيادٌ الربيعَ الْحَارِثِيَّ إِلَى خُرَاسَانَ فَغَزَا بَلْخَ، وَكَانَتْ قَدْ أُغْلِقَتْ بَعْدَ رَوَاحِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْهَا، فَصَالَحُوا الرَّبِيعَ، ثُمَّ غَزَا الرَّبِيعُ قُهِسْتَانَ فَفَتَحَهَا عُنْوَةً. وَفِيهَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فَتْحًا بِالْمَغْرِبِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بن مَرْوَانَ فِي مَدَدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ غَزَاةٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا غَزْوَةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، كَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَعَهُ وُجُوهُ النَّاسِ، وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَبُو أَيُّوبُ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَازِيَةٌ وَلَا صَائِفَةٌ، حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، فَأَغْزَى الصَّوَائِفَ وَشَتَّاهُمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ غَزَاهُمُ ابْنُهُ يَزِيدُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى أجاز بهم الْخَلِيجَ، وَقَاتَلُوا أَهْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ عَلَى بَابِهَا ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا. وَفِيهَا دَعَا مُعَاوِيَةُ أَهْل الشَّامِ إِلَى الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ يَزِيدَ فَبَايَعُوهُ. وَفِيهَا غَزَا سِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ الْقَيْقَانَ، فَجَاءَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَالَ سِنَانٌ لِأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُوا فَإِنَّكُمْ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ؛ الْجَنَّةِ أَوِ الْغَنِيمَةَ. فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ وَمَا أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلٌ واحد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ثم دخلت (1) سَنَة إحدى وخمسين
تُوُفِّيَ فِيهَا: زيد بن ثابت في قول، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْد اللَّهِ البجلي بخلف، وعُثْمَان بن أَبِي العاص الثقفي، وأَبُو أيوب الْأَنْصَارِيّ، وكعب بن عُجْرة في قول، وميمونة أم المؤْمِنِينَ، وعمرو بن الحَمِق في قول، وقُتل حُجْر بن عديّ وأصحابه، كما في ترجمته. ورافع بن عمرو الغِفاري، وَيُقَالُ: سَنَة ثلاث، وله خمس وسبعون سَنَة. وَفِيهَا حج بالنَّاس مُعَاوِيَة وأخذهم ببيعة يزيد. قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: قَدِمَ زِيَادٌ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسُنَ نَظَرُهُ لَكُمْ، وَأَنَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مَفْزَعًا تَفْزَعُونَ إِلَيْهِ، يَزِيدُ ابْنُهُ. فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي أُمَيَّةَ اخْتَارُوا مِنَّا بَيْنَ ثَلاثَةً، بَيْنَ سُنَّةِِ رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ سُنَّةِ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ سُنَّةِ عُمَرَ، إِنَّ هَذَا الأَمْرَ قَدْ كَانَ، وَفِي أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَوْ وَلاهُ ذَلِكَ لَكَانَ لِذَلِكَ أَهَلا، ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ لَوْ وَلاهُ، لَكَانَ لِذَلِكَ أَهْلا، فَوَلاهَا عُمَرَ فَكَانَ بَعْدَهُ، وَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِ بَيْتِ عُمَرَ مَنْ لَوْ وَلاهُ ذَلِكَ، لَكَانَ لَهُ أَهْلًا، فَجَعَلَهَا فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَلَّا -[458]- وَإِنَّمَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَجْعَلَوْهَا قَيْصَرِيَّةً، كُلَّمَا مَاتَ قَيْصَرُ كَانَ قَيْصَرُ، فَغَضِبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَقَالَ لعَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: "وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا" فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَذَبْتَ، إِنَّمَا أَنْزَلَ ذَلِكَ فِي فُلانٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَبَاكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِهِ. وَقَالَ سالم بن عَبْد اللَّهِ: لَمَّا أرادوا أن يبايعوا ليزيد، قَامَ مروان فَقَالَ: سَنَة أَبِي بكر الراشدة المهديّة، فقام عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر، فَقَالَ: ليس بسُنّة أبي بكر، قد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة، وعدل إِلَى رَجُلٌ من بني عديّ، أن رأي أَنَّهُ لذلك أَهْلًا، ولكنها هِرَقْلية. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، قَالَ: لَمَّا أَجْمَعَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَنْ يبايع لابنه حَجَّ، فَقَدِمَ مَكَّةَ فِي نَحْوِ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَهُ يَزِيدَ، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْهُ، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَقَدِمَ مَكَّةَ، فَقَضَى طَوَافَهُ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَبَعَثَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَتَشَهَّدَ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنَّكَ كُنْتَ تُحَدِّثُنِي أَنَّكَ لا تُحِبُّ تَبِيتُ لَيْلَةً سَوْدَاءَ، لَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا أَمِيرٌ، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَسْعَى فِي فَسَادِ ذَاتَ بَيْنِهِمْ. فَحَمِدَ ابْنُ عُمَرَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ قَدْ كَانَتْ قَبْلَكَ خُلَفَاءُ لَهُمْ أَبْنَاءٌ، لَيْسَ ابْنُكَ بِخَيْرٍ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا فِي أَبْنَائِهِمْ مَا رَأَيْتَ فِي ابْنِكَ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَارُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ عَلِمُوا الْخِيَارَ، وَإِنَّكَ تُحَذِّرُنِيَ أَنْ أَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ أَكُنْ لأَفْعَلْ، إِنَّمَا أنا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَإِنَّمَا أنا رَجُلٌ مِنْهُمْ. فَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَخَرَجَ ابْنُ عُمَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْكَلامِ، فَقَطَعَ عليه كلامه، فقال: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْدِدْتُ أنا وَكَّلْنَاكَ فِي أَمْرِ ابْنِكَ إِلَى اللَّهِ، وَإِنَّا وَاللَّهِ -[459]- لا نَفْعَلُ، وَاللَّهِ لَتَرُدُنَّ هَذَا الأَمْرَ شُورَى في المسلمين، أو لنعيدنها عليك جذعة، ثُمَّ وَثَبَ وَمَضَى، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ اكْفَنِيهِ بِمَا شِئْتَ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى رَسْلِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، لَا تُشْرِفْنَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَسْبِقُونِي بِنَفْسِكَ، حَتَّى أُخْبِرُ الْعَشِيَّةَ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَ، ثُمَّ كُنْ بَعْدُ عَلَى مَا بَدَا لَكَ مِنْ أَمْرِكَ. ثُمَّ أَرْسَلَ إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزُّبَيْرِ، إِنَّمَا أَنْتَ ثَعْلَبٌ رَوَاغٌ، كُلَّمَا خَرَجَ من جحر دَخَلَ آخَرَ، وَإِنَّكَ عَمَدْتَ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَنَفَخْتُ فِي مَنَاخِرِهِمَا وَحَمَلْتَهُمَا عَلَى غَيْرِ رَأْيِهِمَا. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ كُنْتَ قَدْ مَلِلْتَ الإِمَارَةَ فَاعْتَزِلْهَا، وَهَلُمَّ ابْنَكَ فَلنُبَايِعْهُ، أَرَأَيْتَ إِذَا بَايَعْنَا ابْنَكَ مَعَكَ لأَيُّكُمَا نَسْمَعُ وَنُطِيعُ! لَا نجمع البيعة لكما أبدا، ثم راح. وَصَعَدَ مُعَاوِيَةُ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا أَحَادِيثَ النَّاسِ ذَاتَ عَوَارٍ، زَعَمُوا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، لَنْ يُبَايِعُوا يَزِيدَ، وَقَدْ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا وَبَايَعُوا لَهُ، فَقَالَ أَهْلُ الشَّامُ: والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الأَشْهَادِ، وَإِلَّا ضَرَبْنَا أَعْنَاقَهُمْ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى قُرَيْشٍ بِالشَّرِّ، لا أَسْمَعُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ النَّاسُ: بَايَعَ ابْنُ عمر وابن الزيبر وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ يَقُولَوْنَ: لا وَاللَّهِ مَا بَايَعْنَا. فَيَقُولَ النَّاسُ: بَلَى، وَارْتَحَلَ مُعَاوِيَةُ فَلَحِقَ بِالشَّامِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: خَطَبَ مُعَاوِيَةُ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُبَايِعَنَّ أَوْ لأَقْتُلَنَّهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ الله فأخبره، فبكى ابن عمر، فقدم معاوية مكة، فنزل بذي طوى، فخرج إليه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ تَقْتُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إن لم يبايع ابنك؟ فقال: أأنا أَقْتُلُ ابْنَ عُمَرَ! وَاللَّهِ لا أَقْتُلُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ بُويِعَ يَزِيدُ: إِنْ كَانَ خَيْرًا رَضِينَا، وَإِنْ كَانَ بلاء صبرنا. -[460]- وَقَالَ جُوَيْرية بن أسماء: سمعت أشياخ أَهْل المدينة يحدّثون: أنّ مُعَاوِيَة لَمَّا رحل عَن مَر قَالَ لصاحب حَرَسِه: لَا تدع أحدًا يسير معي إِلَّا من حملته أنا، فخرج يسير وحده حَتَّى إذا كَانَ وسط الأراك، لقيه الحسين فوقف وَقَالَ: مرحبًا وَأَهْلًا بابن بِنْت رَسُول الله، وسيّد شباب المسلمين، دابة لأبي عَبْد اللَّهِ يركبها، فأتي بِبرذوْن فتحول عَلَيْهِ، ثُمَّ طلع عَبْد الرَّحْمَنِ بن أَبِي بكر، فَقَالَ: مرحبًا وَأَهْلًا بشيخ قريش وسيدها وابن صِديق الأمة، دابةً لأبي محمد، فأتي ببرْذَوْن فركبه، ثُمَّ طلع ابن عمر، فَقَالَ: مرحبًا وَأَهْلًا بصاحب رَسُول اللَّهِ، وابن الفاروق، وسيد المسلمين، فدعا لَهُ بدابّة فركبها، ثُمَّ طلع ابن الزُّبير، فَقَالَ: مرحبًا وَأَهْلًا بابن حواريّ رَسُول اللَّهِ، وابن الصدّيق، وابن عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دعا لَهُ بدابة فركبها، ثُمَّ أقبل يسير بينهم لَا يسايره غيرهم، حَتَّى دَخَلَ مكة، ثُمَّ كانوا أول داخل وآخر خارج، وليس في الأرض صباح إلا ولهم حباءٌ وكرامة، وَلَا يعرض لهم بذكر شيء، حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله، وقرب مسيره، فأقبل بعض القوم عَلَى بعض فَقَالَ: أيها القوم لا تخدعوا، إنّه واللَّه مَا صنع بكم مَا صنع لحبكم وَلَا لكرامتكم، وَلَا صنعه إِلَّا لَمَّا يريد، فأعدّوا لَهُ جوابًا. وأقبلَوْا عَلَى الحسين فقالْوَا: أنت يَا أبا عَبْد اللَّهِ! فَقَالَ: وفيكم شيخ قريش وسيدها هُوَ أحق بالكلام. فقالْوَا لعَبْد الرَّحْمَنِ: يَا أبا محمد! قَالَ: لست هناك، وفيكم صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسيد المسلمين. فقالْوَا لابن عمر: أنت! قَالَ: لست بصاحبكم، ولكن وَلَّوُا الكلام ابن الزبير. قَالَ: -[461]- نعم، إن أعطيتموني عهودكم أن لَا تخالفوني، كفيتكم الرجل، قالْوَا: ذاك لك. قَالَ: فأذِن لهم وَدَخَلُوا، فحمد اللَّه مُعَاوِيَة وأثني عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ علمتم مسيري فيكم، وصِلَتي لأرحامكم، وصفحي عَنْكُم، ويزيد أخوكم، وابن عمَكم، وأحسن الناس فيكم رأيا، وإنما أردت أن تقدموه، باسم، وتكونوا أنتم الذين تنزعون، وتؤمرون، وتقسمون، فسكتوا، فَقَالَ: ألَّا تجيبوني! فسكتوا، فأقبل عَلَى ابن الزبير فَقَالَ: هات يا ابن الزبير، فإنك لعَمْري صاحب خطبة القوم. قَالَ: نعم يَا أمير المؤْمِنِينَ، نخيرك بَيْنَ ثلاث خصال، أيها مَا أخذتَ فهو لك، قَالَ: للَّهِ أَبُوك، اعرضهنّ، قَالَ: إن شئتَ صُنع مَا صنع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شئت صُنع مَا صنع أَبُو بكر، وإن شئت صُنع مَا صنع عمر. قَالَ: مَا صنعوا؟ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعهد عهدًا، وَلَمْ يستخلف أحدًا، فارتضي المسلمون أبا بكر. فَقَالَ: إِنَّهُ ليس فيكم الْيَوْم مثل أَبِي بكر، إن أبا بكر كَانَ رجلًا تُقطع دونه الأعناق، وإني لست آمن عليكم الاختلاف. قَالَ: صدقت، واللَّه مَا نحب أن تدعنا، فاصنع مَا صنع أَبُو بكر. قَالَ: للَّهِ أَبُوك وَمَا صنع؟ قَالَ: عمد إِلَى رَجُلٌ من قاصية قريش، ليس من رهطه فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أي رَجُلٌ من قريش شئت، ليس من بني عَبْد شمس، فنرضى بِهِ. قَالَ: فالثالثة مَا هِيَ؟ قَالَ: تصنع مَا صنع عمر. قَالَ: وَمَا صنع؟ قَالَ: جعل الأمر شورى في ستة، ليس فِيهِم أحد من ولده، وَلَا من بني أبيه، وَلَا من رهطه. قَالَ: فهل عندك غير هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فأنتم؟ قالْوَا: ونحن أيضَا. قَالَ: أما لي فإني أحببت أن أتقدم -[462]- إليكم، أَنَّهُ قَدِ أعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، وأَنَّهُ قَدْ كَانَ يقوم القائم منكم إِلَى فيكذبني عَلَى رؤوس النَّاس، فأحتمل لَهُ ذلك، وإني قائم بمقالة، إن صدقتُ فلي صدقي، وإن كذبتُ فعلي كذبي، وإني أقسم باللَّه لئن ردّ عَلِيّ إنسان منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حَتَّى يسبق إِلَى رأسه، فلا يرعين رَجُلٌ إِلَّا عَلَى نَفْسَهُ، ثُمَّ دعا صاحب حَرسَه فَقَالَ: أقم عَلَى رأس كل رَجُلٌ من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رَجُلٌ يرد عَلَى كلمة في مقامي، فليضربا عنقه، ثُمَّ خرج، وخرجوا معه، حَتَّى رقي الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لَا يُستبد بأمر دونهم، وَلَا يُقضى أمر إلا عن مشورتهم، وإنهم قَدْ رضوا وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤْمِنِينَ من بَعْده، فبايعوا بسم اللَّه، قَالَ: فضربوا عَلَى يده بالمبايعة، ثُمَّ جلس عَلَى رواحله، وانصرف النَّاس فلقوا أولئك النفر فقالْوَا: زعمتم وزعمتم، فلما أرضيتم وحبيتم فعلتم، فقالوا: إنا واللَّه مَا فعلنا. قالْوَا: مَا منعكم؟ ثُمَّ بايعه النَّاس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة اثنتين وخمسين
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَبُو بكرة الثقفي، في قول وعمران بن حُصَين وكعب بن عجرة ومعاوية بن حديج وسَعِيد بن زيد في قول، وسفيان بن عوف الأزدي أمير الصوائف، وحُوَيطب بن عَبْد العزى القرشي. وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، بخلف فيها. وَرُوِيَفع بن ثابت، أمير برقة. وَفِيهَا وُلد يزيد بن أَبِي حبيب فقيه أَهْل مصر. وَفِيهَا صالح عبيد اللَّه بن أَبِي بكرة الثقفي رتبيل وبلاده عَلَى ألف ألف درهم. وأقام الحج سَعِيد بن العاص. وشتَّى بُسر بن أبي أرطأة بأرض -[463]- الروم. وَفِيهَا، أَوْ في حدودها، قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَن جَرِيرُ بْنُ يزيد، قَالَ: خرج قريب وزحاف في سبعين رجلًا في رمضان فأتوا بني ضُبيعة، وهم في مسجدهم بالْبَصْرَة، فقتلوا رؤبة بن المخبل. قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: فحدثني الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد: أن رؤبة قَالَ في العشية التي قُتِلَ فِيهَا، لرجل في كلام: إن كنت صادقًا فرزقني اللَّه الشهادة قبل أن أرجع إِلَى بيتي. قَالَ جَرِيرُ عَن قطن بن الأزرق، عَن رَجُلٌ منهم، قَالَ: مَا شعرنا وإنا لقيام في المسجد، حَتَّى أخذوا بأَبُواب المسجد ومالْوَا في النَّاس، فقتلَوْهم، فوثب القوم إِلَى الجُدُر، وصعد رَجُلٌ المنارة فجعل ينادي: يَا خيل اللَّه اركبي، قَالَ: فصعدوا فقتلَوْه، ثُمَّ مضوا إِلَى مسجد المعاول، فقتلَوْا من فِيهِ، فحدثني جَرِيرُ بْنُ يزيد، أَنَّهُم انتهوا إِلَى رحبة بني عَلِيّ، فخرج عليهم بنو عَلِيّ، وكانوا رُماة، فرموهم بالنبل حَتَّى صرعوهم أجمعين. قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: واشتد زياد بن أبيه في أمر الحَرُورية، بَعْدَ قُتِلَ قريب وزحاف فقتلهم، وأمر سَمُرَة بن جندب بقتلهم، فقتل منهم بشرًا كثيرًا. قَالَ أَبُو عبيدة: زحاف: طائي، وقريب: أزدي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة ثلاث وخمسين.
فِيهَا تُوُفِّيَ: فَضَالَةُ بن عبيد الأنصاري، وقيل: سَنَة تسع. والضحاك بن فيروز الديلمي. وعَبْد الرَّحْمَنِ بن أَبِي بكر الصدَيق بمكة، وزياد بن أبيه وعمرو بن حزم الْأَنْصَارِيّ، بخُلف فيه. -[464]- وَفِيهَا بَعْدَ موت زياد استعمل مُعَاوِيَة عَلَى الْكُوفَة الضحاك بن قيس الفِهْري، وعلى الْبَصْرَةِ سَمُرَة بن جندب، وعزل عُبيد اللَّه بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَن سِجِسْتَانَ وَوَلاهَا عباد بن زياد، فغزا ابن زياد القنُدُهار حَتَّى بلغ بيت الذهب، فجمع لَهُ الهند جمعًا هائلًا، فقاتلهم فهزمهم، وَلَمْ يزل عَلَى سجستان حَتَّى توفي معاوية. وفيها شتى عبد الرحمن ابن أم الحَكَم بأرض الروم. وأقام الموسم سَعِيد بن العاص. وَفِيهَا أمر مُعَاوِيَة عَلَى خُراسان عُبيد اللَّه بن زياد. وَفِيهَا قُتِلَ عائذ بن ثعلبة الْبَلَوِيُّ، أحد الصحابة، قتله الروم بالبرلس. يزيد بن هارون: أخبرنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قال حدثني محمد بن أبي يحيى، عَنْ أَبِيهِ - أَوْ عَن أُمِّهِ - أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ اتَّخَذَتْ خِنْجَرًا زَمَنَ سَعِيدِ بن العاص للصوص، وكانوا قد استعدوا بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَتْ تَجْعَلُهُ تَحْتَ رَأْسِهَا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة أربع وخمسين.
فِيهَا تُوُفِّيَ: جبير بن مطعم. وَفِيهَا: أسامة بن زيد عَلَى الصحيح، وثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعمرو بن حزم، وَفِيهَا حسان بن ثابت، وعَبْد اللَّهِ بن أنيْس الجُهَني، وسَعِيد بن يربوع المخزومي، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، وَفِيهَا بخُلف: حُوَيطب بن عَبْد العُزي، وأَبُو قتادة الحارث بن رِبْعي. وَفِيهَا عُزل عَن المدينة سَعِيد بن العاص بمروان. وَفِيهَا غزا عُبيد اللَّه بن زياد، فقطع النهر إِلَى بخارى، وافتتح زامين، -[465]- وصيف ببيكند، فقطع النهر عَلَى الإبل، فكان أول عربي قطع النهر. وَفِيهَا وجه الضحاك بن قيس من الْكُوفَة مَصْقلة بن هبيرة الشيباني إِلَى طبرستان، فصالح أَهْلها عَلَى خمس مائة ألف درهم. وَفِيهَا عزل مُعَاوِيَة عَن الْبَصْرَةِ سَمُرَة بعَبْد اللَّهِ بْن عمرو بن غيلان الثقفي. وحج بالنَّاس مروان. وَفِيهَا تُوُفيت سَوْدة أم المؤْمِنِينَ في قول، وقد مرت في خلافة عمر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة خمس وخمسين.
فِيهَا تُوُفِّيَ: زيد بن ثابت في قول المدائني. وسعد بن أَبِي وقاص، على الأصح. والأرقم بن أَبِي الأرقم، في قول. وأَبُو اليسر كعب بن عمرو السلمي. وَفِيهَا عزل عَن الْبَصْرَةِ عبد اللَّه الثقفي، ووليها عُبيد اللَّه بن زياد. وَفِيهَا غزا يزيد بن شجرة الرَهاوي، فقُتل، وقيل: لَمْ يُقْتل، إِنَّمَا قُتِلَ في سَنَة ثمان وخمسين. وأقام الحج مروان بن الحكم. وشتى بأرض الروم مالك بن عَبْد اللَّهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة ست وخمسين
فِيهَا تُوُفِّيَ: عبد اللَّه بن قرط الثُمالي. وجُوَيرية أم المؤْمِنِينَ المصْطَلقية، وقيل: توفيت سَنَة خَمْسِينَ. وَفِيهَا: إِسْحَاق بن طلحة بن عُبَيد اللَّه. وَفِيهَا: وُلد أَبُو جعفر محمد بن عَلَى، وعمرو بن دينار. وقد مر أن مُعَاوِيَة وَلَّى عَلَى البصرة عُبيد اللَّه بن زياد، فعزله في هَذِهِ السنة عَن خراسان، وأمَّر عليها سَعِيد بن عُثْمَان بن عفان، فغزا سَعِيد ومعه -[466]- المهلب بن أَبِي صُفرة الأزدي، وطلحة الطلحات، وأوس بن ثعلبة فغزا سمرقند، وخرج إليه الصُغد فقاتلَوْه، فألجأهم إِلَى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهائن. وَفِيهَا شتى المسلمون بأرض الروم. وَفِيهَا اعتمر مُعَاوِيَة في رجب. وَفِيهَا تُوفيت الكلابية التي تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستعاذت مِنْهُ، ففارقها، أرَّخها الْوَاقدي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة سبع وخمسين.
فِيهَا تُوفيت أم المؤْمِنِينَ عائشة، أَوْ في سَنَة ثمان، وَفِيهَا: السائب بن أبي وداعة السهمي، ومعتب بن عوف ابن الحمراء وعَبْد اللَّهِ بن السعدي العامري، وفي قول: أَبُو هريرة. وَفِيهَا: كعب بن مرة، أَوْ مرة بن كعب البهزي، وقثم بن العباس. وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِيهَا سَعِيد بن العاص. وعَبْد اللَّهِ بن عامر بن كريز. وَفِيهَا عُزِل الضحاك عَن الْكُوفَة، ووليها عَبْد الرَّحْمَنِ ابن أم الحكم. وَفِيهَا وجه مُعَاوِيَة حسان بن النعمان الغساني إِلَى إفريقية، فصالحه من يليه من البربر، وضرب عليهم الخراج، وبقي عليها حَتَّى تُوُفِّيَ مُعَاوِيَة. وَفِيهَا عزل مُعَاوِيَة مروان عَن المدينة، وأمَّر عليها الْوَليد بن عُتْبة بن أَبِي سفيان، وعزل عَن خُراسان سَعِيد بن عُثْمَان، وأعاد عليها عُبيد اللَّه بن زياد. وشتى عَبْد اللَّهِ بن قيس بأرض الروم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة ثمان وخمسين
فِيهَا تُوُفِّيَ: شداد بن أوس، وعَبْد اللَّهِ بن حوالة، وعُبيد اللَّه بن العباس وعُقْبة بن عامر الجُهَني وأَبُو هريرة، ويزيد بن شجرة الرَهاوي، وجُبَير بن مطعم في قول المدائني. وَفِيهَا غزا عُقْبة بن نافع من قِبَل مَسْلمة بن مخلد، فاختط مدينة القيروان وابتناها. وصلى أبو هريرة عَلَى عائشة، وَكَانَ مروان غائبًا في العُمرة. وَفِيهَا حج بالنَّاس الْوَليد بن عُتبة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تسع وخمسين
فِيهَا تُوُفِّيَ: سَعِيد بن العاص الأموي، عَلَى الصحيح، وجُبير بن مُطعم، في قول، وأوس بن عوف الطائفي، لَهُ صُحْبة. وشيبة بن عُثْمَان الحُجُبي في قول، وأبومحذورة المؤذن، وعبد اللَّه بن عامر بن كريز عَلَى الصحيح. وأَبُو هريرة في قول سَعِيد بن عُفَير. وَيُقَالُ: توفيت فِيهَا أم سلمة، وتأتي سَنَة إحدى وستين. وفيها وُلد عوف الأعرابي. وَفِيهَا غزا أَبُو المهاجر دينار فنزل عَلَى قُرْطاجَنة، فالتقوا، فكثُر القتل في الفريقين، وحجز الليل بينهم، وانحاز المسلمون من ليلتهم، فنزلَوْا جبلًا في قبلة تونس، ثُمَّ عاودوهم القتال، فصالحوهم على أن يخلو لهم الجزيرة، وافتتح أَبُو المهاجر ميلة، وكانت إقامته في هَذِهِ الغزاة نحوا من سنتين. وفيها شتى عمرو بن مرة بأرض الروم في البر. -[468]- وأقام الحج للناس الْوَليد بن عُتْبة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
فِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ فِي قَوْلٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ الْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَفَقِيهُ مَكَّةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَدَّاحُ، وَعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ بِخُلْفٍ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعُمَرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ الإِمَامُ، وَأَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ بِخُلْفٍ. وَفِيهَا كَانَ خُرُوجُ أُسْتَاذِسِيسَ فِي جُمُوعِ أَهْلِ هَرَاةَ وَسِجِسْتَانَ وَبَاذَغِيسَ، وَتَجَمَّعَ مَعَهُ جَيْشٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِه قَطُّ، حَتَّى قِيلَ: كَانَ فِي نَحْوٍ مِنْ ثلاث مائة أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَغَلَبَ عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ، وَاسْتَفْحَلَ البلاء، -[806]- فَخَرَجَ لِقِتَالِهِمُ الأَجْثَمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ بِأَهْلِ مَرْو الرُّوذِ، فاقتتلوا أشد قتال، فَقُتِلَ الأَجْثَمُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جَيْشِهِ، فَبَعَثَ الْمَنْصُورُ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ، فَوَلاهُ الْمَهْدِيُّ مُحَارَبَتِهِمْ، فَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْهَيْثَمَ بْنَ شُعْبَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ نَهَارَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ بَكَّارَ بْنَ سَلْمٍ الْعُقَيْلِيَّ، ثُمَّ خَنْدَقَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ إِلَى أَنْ نَزَلَ النَّصْرُ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِخَدِيعَةٍ عَمِلُوهَا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جَيْشِ أُسَتَاذِسِيسَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَأُسِرَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَهَرَبَ أُسْتَاذِسِيسُ إِلَى جَبَلٍ فِي طَائِفَةٍ، ثُمَّ ضُرِبَتْ أَعْنَاقُ الأَسْرَى كُلِّهِمْ، وَحَاصَرُوا أُسْتَاذِسِيسَ وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ أَبِي عَوْنٍ أَحَدِ الْقُوَّادِ، فَحَكَمَ بِتَقْيِيدِ أُسْتَاذِسِيسَ وَأَوْلادِهِ، وَأَنْ يُطْلِقَ الْبَاقُونَ، وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفًا، فَكَسَاهُمْ وَمَنْ عليهم. وقيل: كانت الوقعة فِي عَامِ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ. وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيَّ. وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ علي، فالله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَكِّيُّ، وَدَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ، وَسَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ فِي رَجَبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الأَسْلَمِيُّ، يُقَالُ فِيهَا، وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ الْمَكِّيُّ، وَعِيسَى بْنُ عِيسَى الْحَنَّاطُ، وَمُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَّارٍ فِيهَا عَلَى الأَصَحِّ، وَمَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ الأمير، وَالْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَصَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الأَمِيرُ بِخُلْفٍ. وَفِيهَا عُزِلَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْمُهَلَّبِيُّ عَنِ السَّنَدِ بِهِشَامِ بْنِ عَمْرٍو التَّغْلِبِيِّ، ثُمَّ وَلِيَ الْمُهَلَّبِيُّ إِفْرِيقِيَّةَ، وَسَبَبُ عَزْلِهِ عَنِ السَّنَدِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لَمَّا خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ، وَجَّهَ وَلَدَهُ الأَشْتَرَ فِي طَائِفَةٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا بِهَا خَيْلا وَيَمْضُوا بِهَا إِلَى السَّنَدِ يُقَدِّمُونَهَا إِلَى عُمَرَ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، فَقَدِمُوا بِهَا فَسُرَّ بِهِمْ، وَدَعَا خَوَاصَّهُ إِلَى بَيْعَةِ مُحَمَّدٍ فَأَجَابُوهُ، وَفَصَلَ الأَقْبِيَةَ وَالأَعْلامَ الْبِيضَ، وَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ، فَجَاءَهُ مَصْرَعُ ابْنِ حَسَنٍ، فَوَجَّهَ عَبْدَ اللَّهِ الأَشْتَرَ خُفْيَةً إِلَى مَلِكٍ مُشْرِكٍ يَثِقُ بِهِ، فَأَكْرَمَ الْمَلِكُ مَوْرِدَ الأَشْتَرِ، وَكَانَ مَعَهُ نَحْوُ أربع مائة، فَكَانَ يَرْكَبُ وَيَتَصَيَّدُ فِي هَيْئَةِ مَلِكٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورُ فَعَزَلَ عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ، ثُمَّ إِنَّ الأَشْتَرَ خَرَجَ يَتَنَزَّهُ، وَظَفَرَ بِهِ أَجْنَادُ هِشَامٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الأَشْتَرُ وَأَصْحَابُهُ. وَفِيهَا قَدِمَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الرَّيِّ إِلَى بَغْدَادَ، وَشَرَعَ الْمَنْصُورُ فَبَنَى الرَّصَافَةَ وَشَيَّدَهَا، وَعَمِلَ لَهَا سُورًا مَنِيعًا وَخَنْدَقًا وَمَيْدَانًا، وَجَرَّ إِلَيْهَا الْمَاءَ، وَجَعَلَهَا -[8]- لِلْمَهْدِيِّ، وَجَدَّدَ لَهُ بَيْعَةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْمَهْدِيِّ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى، وَفِيهَا وَلِيَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ إِقْلِيمَ سِجِسْتَانَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، وَأَبُو خَلَدَةَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ الْخَزَّازُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيُّ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو المكي، وعباد بن منصور الناجي، وأبو حُرَّةَ وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُونُسُ بْنُ يزيد الأيلي فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا وَثَبَتَ الْخَوَارِجُ بِبُسْتٍ عَلَى مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ فَقَتَلُوهُ لِجَوْرِهِ وَعَسَفِهِ. وَفِيهَا غَزَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ كَابُلَ، وَوَلاهُ الْمَنْصُورُ إِقْلِيمَ خُرَاسَانَ. وَفِيهَا وَلِيَ الْبَصْرَةَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَوَلِيَ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُزِلَ عَنْهَا يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْمَنْصُورُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
مَاتَ فِيهَا: أَبَانُ بْنُ صَمْعَةَ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَالِمٍ بَرَدَانُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الْكُلاعِيُّ، وَبُكَيْرُ بنُ مِسْمَارٍ، فِي قَوْلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ قَاضِي بَغْدَادَ، وَحُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ الْحِزَامِيُّ، وَعَبْدُ الله بن محمد بن عمرو بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَفِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكُوفِيُّ، وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى الْجُمَحِيُّ، وَمُحِلُّ بْنُ مُحْرِزٍ الضَّبِّيُّ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ الْبَصْرِيُّ بِالْيَمَنِ فِي رَمَضَانَ، وَمُوسَى بْنُ أَيُّوبَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ الْغَازِ الدِّمَشْقِيُّ، وَوُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ. -[9]- وَفِيهَا قُتِلَ مُتَوَلِّي إِفْرِيقِيَّةَ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الأَزْدِيُّ، خَرَجَتْ عَلَيْهِ أُمَمٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو حَاتِمٍ الإِبَاضِيُّ وَأَبُو عَادٍ، فَيُقَالُ: كَانُوا فِي خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَزْيَدَ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ رَاجِلٍ، وَكَانُوا قَدْ بَايَعُوا بِالْخِلافَةِ أَبَا قُرَّةَ الصفري. وفيها أَلْزَمَ الْمَنْصُورُ رَعِيَّتَهُ بِلَبْسِ الْقَلانِسِ الطِّوَالِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّنِيَّةِ فَكَانُوا يَعْمَلُونَهَا بِالْقَصَبِ وَالْوَرَقِ وَيُلْبِسُونَهَا السَّوَادَ، وَفِيهَا يَقُولُ أَبُو دُلامَةَ: وَكُنَّا نُرَجِّي مِنْ إِمَامٍ زِيَادَةً ... فَزَادَ الإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي الْقَلانِسِ تَرَاهَا عَلَى هَامِ الرِّجَالِ كَأَنَّهَا ... دِنَّانُ يَهُودَ جُلِّلَتْ بِالْبَرَانِسِ وَفِيهَا غَزا الصَّائِفَةَ مَسْعُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَحْدَرِيُّ، فَفَتَحَ حِصْنًا بِالرُّومِ بِالسَّيْفِ. وَفِيهَا وَلِيَ بَكَّارُ بْنُ مُسْلِمٍ أَرْمِينِيَّةَ. وَفِيهَا دَخَلَ الْمِيذُ دِجْلَةَ فَوَصَلُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقَتَلُوا وَسَبُوا، ثُمَّ سَارَ لِحَرْبِهِمُ الْعَسْكَرُ، فَقَهَرُوهُمْ وَاسْتَنْقَذُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِمَّا أَخَذُوا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
مَاتَ فِيهَا: أَشْعَبُ الطَّمَعُ، وَجَعْفَرُ بْنُ بَرْقَانَ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ الْعَدَنِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الدِّمَشْقِيُّ، وعُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن مَوْهب، وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَّارٍ الْمَدَنِيُّ، وقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُهَاجِرٍ الشُّعَيْثِيُّ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ الْمَازِنِيُّ، وَمَعْمَرٌ فِي قَوْلٍ. -[10]- وَفِيهَا قَدِمَ الْمَنْصُورُ الشَّامَ، وَزَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَهَّزَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا لِحَرْبِ الْخَوَارِجِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ - مَعَ شُحِّهِ بِالْمَالِ - سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَزِيَادَةً. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ صَاعِقَةَ نَزَلَتْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَهْلَكَتْ خَمْسَةَ نَفَرٍ. وَفِيهَا هَلَكَ الوزير أبو أيوب المورياني، وكان الْمَنْصُورُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ فِي عَامِ أَوَّلٍ، فَسَجَنَهُ وَأَخَاهُ خَالِدًا وَبَنِي أَخِيهِ وَصَادَرَهُمْ، وَسَبَبُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ كَاتِبَ سِرِّ الْوَزِيرِ سَعَى بِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَهَلَكَ أَبُو أَيُّوبَ وَضَرَبَ أَعْنَاقَ بَنِي أَخِيهِ. وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ: قَدِمَ الْمَنْصُورُ دِمَشْقَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى قَضَائِهَا يَحْيَى بْنَ حَمْزَةَ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهُ شَابٌّ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى أَهْلَ بلَدِكَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْكَ، فَإِيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ، فَبَقِيَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلاثِينَ سَنَةً. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: زَبَّانِ بن فائد المصري، وصفوان بْنِ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ التُّجِيبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ الدِّمَشْقِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ بِالشَّامِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ظَنًّا، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُفَضَّلُ بن لاحق، وأبو فروة يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا اسْتَنْقَذَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمَغْرِبَ مِنَ الْخَوَارِجِ بَعْدَ حُرُوبٍ عَظِيمَةٍ، وَقَتَلَ أَبَا عَادٍ وَأَبَا حَاتِمٍ مَلِكَيِ الْخَوَارِجِ، وَمَهَّدَ الإِقْلِيمَ وَبَقِيَ عَلَى إِمْرَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا. وَفِيهَا سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى الرَّافِقَةِ، فَنَزَلَ هُنَاكَ، وَأَنْشَأَ الْمَدِينَةَ. وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِعَمَلِ سُورٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَسُورٍ عَلَى الْكُوفَةِ، فعُمِلا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ، وَوَلِيَ البصرة الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ. -[11]- وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ عن الجزيرة، وحسبه مُدَّةً وَأَغْرَمَهُ أَمْوَالا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ. وَفِيهَا عَزَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ الْحُسَيْنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيَّ بِعَبْدِ الصَّمَدِ عَمِّ الْمَنْصُورِ، وَجَعَلَ مَعَهُ فُلَيْحَ بْنَ سُلَيْمَانَ مُعِينًا له. وفيها كانت غزوة ذاذقشة بِنَاحِيَةِ بَحْرِ الْخَزَرِ، وَمُقَدَّمُ الإِسْلامِ مُتَوَلِّي أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ أَحَدَ الأَبْطَالِ الْمَوْصُوفِينَ فَجُرِحَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ بَقَايَا أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى أَرْمِينِيَّةِ، وَلَهُ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ يَوْمَ الْمَصَافِّ، رَوَاهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَلِرَبِيعَةَ الشَّاعِرِ فِيهِ، وَفِي يَزِيدَ بْنِ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ الْمُهَلَّبِيِّ مُتَوَلِّي إِفْرِيقِيَّةَ: لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْيَزِيدَيْنِ فِي النَّدَى ... يَزِيدَ سليم والأغر ابن حَاتِمِ فَهَمُّ الْفَتَى الأَزْدِيِّ إِتْلافُ مَالِهِ ... وَهَمُّ الْفَتَى الْقَيْسِيِّ جَمْعُ الدَّرَاهِمِ وَلا يَحْسَبُ التَّمْتَامُ أَنِّي هَجَوْتُهُ ... وَلَكِنَّنِي فَضَّلْتُ أَهْلَ الْمَكَارِمِ |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَفْلَحُ بْنُ سعيد القبائي، وأفلح بن حميد الْمَدَنِيِّ فِي قَوْلٍ، وَحَمَّادُ الرَّاوِيَةُ بِالْعِرَاقِ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ الْقَاضِي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ الْبَلْخِيُّ بِالشَّامِ، وَعبد الحكيم بن أَبِي فَرْوَةَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الإِفْرِيقِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْلَةَ الشَّامِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ الهمذاني، وعيسى بن عمر الهمذاني المقرئ، وقباث بن رزين اللخمي، وهشام بن الغاز فِي قَوْلٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ -[12]- مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ الأَمِيرُ. وَفِيهَا كَانَ الْهَيْثَمُ الْمَذْكُورُ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ قَدْ ظَفَرَ بِعَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ الَّذِي كَانَ وَلاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، إِذْ خَرَجَ عَلَى إِقْلِيمِ فَارِسٍ فَصُلِبَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ قَطْعِ أَرْبَعَتِهِ، ثُمَّ عُزِلَ الْهَيْثَمُ وَاسْتُعْمِلَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الصلاة مضافا إلى القضاء، فمات الهيثم فجاءة بِبَغْدَادَ عَلَى صَدْرِ سَرِيَّتِهِ، وَوَلِيَ شُرْطَةَ الْبَصْرَةِ سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا قَاضِي مَرْوَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي قَوْلٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ سَعِيدٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيُّ الأَمِيرُ، وَفَقِيهُ الشَّامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأوزاعي، وعمر بن صهبان، ومحمد بن عبد الله ابن أَخِي الزُّهْرِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو مِخْنَفٍ لُوطٌ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا أَنْشَأَ الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الَّذِي سَمَّاهُ الْخُلْدَ، وَفِيهَا عَرَضَ جُيُوشَهُ فِي السِّلاحِ وَالْخَيْلِ، وَخَرَجَ هُوَ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ وَقَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مُضَرَّبَةٌ، وَفَوْقَهَا الْخَوْذَةُ، وَنَقَلَ الأَسْوَاقَ مِنْ بَغْدَادَ، وَعُمِلَتْ بِظَاهِرِهَا بِبَابِ الْكَرْخِ، وَأَمَرَ بِعَمَلِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَوَسَّعَ شَوَارِعَ بَغْدَادَ، وَهَدَمَ دُورًا لِذَلِكَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ سَوَّارٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى السِّنْدِ مَعْبدَ بْنَ خَلِيلٍ، وَصَرَفَ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو. وَفِيهَا غَزَا الرُّومَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ، فَوَجَّهَ عَلَى بَعْضِ جَيْشِهِ سِنَانًا مَوْلَى الْبَطَّالِ، فسبى وغنم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَيَّوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الأَخْبَارِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْمَنْتُوفِ، وَجُبَيْرٌ الْقَصَّابُ، وَحَاجِبُ بْنُ عُمَرَ، وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ الْفَقِيهُ، وَعَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ أَخْبَارِيٌّ عَلامَةٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ الأَيْلِيُّ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ الْكُوفِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَاضِي الأَنْدَلُسِ. وَفِيهَا وَجَّهَ الْمَنْصُورُ وَلَدَهُ إِلَى الرِّقَّةِ، فَعَزَلَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَوَلِيَهَا يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، فَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: كَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَلْزَمَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ بِثَلاثَةِ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وندر دَمِهِ، وَأَجَّلَهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ خَالِدٌ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ قَدْ تَرَى مَا حَلَّ بِنَا فَانْصَرِفْ إِلَى أَهْلِكِ، فَمَا كُنْتَ فَاعِلا بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِي فَافْعَلْ، وَالْقَ إِخْوَانَنَا، وَمُرْ بِعُمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ، وَصَالِحٍ صَاحِبِ الْمُصَلَّى، وَمُبَارَكٍ التُّرْكِيِّ، فأعلمهم حالنا. قال ابن عطية: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: أَتَيْتُهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ تَجَهَّمَنِي وَأَرْسَلَ الْمَالَ سِرًّا، وَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَارَةَ، فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا وَقَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ؟ قُلْتُ: بِخَيْرٍ، يَسْتَسِلْفُكَ لِمَا نَزَلَ بِهِ، فَسَكَتَ، فَضَاقَ بِي مَوْضِعِي وَلَعَنْتُهُ عَلَى تِيهِهِ وَكِبْرِهِ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ بَعَثَ عُمَارَةُ مَعَ رَسُولِهِ مِائَةَ أَلْفٍ، وجمعنا في يومين ألفي ألف وسبع مائة أَلْفٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى الْجِسْرِ مَارًّا وَأَنَا مَهْمُومٌ، إِذْ وَثَبَ إِلَيَّ زَاجِرٌ، فَقَالَ: فَرْخُ الطَّائِرِ أَخْبَرَكَ، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَتَعَلَّقَ بِاللِّجَامِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ مَهْمُومٌ، وَلَيُفَرِّجَنَّ اللَّهُ هَمَّكَ وَلَتَمُرَّنَ غَدًا هُنَا وَاللِّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَأَقْبَلْتُ أَعْجَبُ مِنْهُ، فَقَالَ: فَإِنْ تَمَّ ذَلِكَ فَلِي خَمْسَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، قُلْتُ: نَعَمْ، وَمَضَيْتُ، فورد على المنصور انتقاض الموصل وانتشار الأكراد بها، فقال: من لها؟، فقال له المسيب بن زهير - وكان صديقنا -: عندي يا أمير -[14]- المؤمنين رأي، إنك لا تَنْتَصِحُهُ وَسَتَلْقَانِي بِرَدِّهِ، قَالَ: قُلْ فَلَسْتُ أَسْتَغِشُّكَ، قَالَ: مَا رَمَيْتَهَا بِمِثْلِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، قَالَ: وَيْحَكَ! وَيَصْلُحُ لَنَا بَعْدَمَا أَتَيْنَا إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا ضامن له، فأمر بإحضاره، وصفح عن الثلاث مائة أَلْفٍ الْبَاقِيَةِ، وَعَقَدَ لَهُ، وَأَعْطَيْتُ الزَّاجِرَ خَمْسَةَ آلافٍ، وَأَمَرَنِي أَبِي بِحَمْلِ الْمَالِ وَهِيَ مِائَةُ أَلْفٍ إِلَى عُمَارَةَ، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى هَيْئَةٍ مِنَ الْبَأْوِ وَالْكِبْرِ، فَسَلَّمْتُ، فَمَا رَدَّ، بَلْ قَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، وَذَكَرْتُ لَهُ رَدَّ الْمَالِ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: أَكُنْتُ صَيْرَفِيًّا لِأَبِيكَ يَأْخُذُ مِنِّي إِذَا شَاءَ وَيَرُدُّ إِذَا شَاءَ، قُمْ عَنِّي لا قُمْتَ! فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي فَأَعْلَمْتُهُ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّهُ عُمَارَةُ، وَمَنْ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَوَاصِلَةِ قَالَ: مَا هِبْنَا أَمِيرًا قَطُّ مَا هِبْنَا خالد بن برمك. واستعمل المهدي على أذربيجان يَحْيَى بن خَالِد بن برمك، واتصلت وِلايَتُهُ بِوِلايَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَقُولُ: وُلِدَ النَّاسُ أَبْنَاءً وَوُلِدَ خَالِدٌ أَبًا. وَفِيهَا نَزَلَ الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الْخُلْدَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبِ شُرْطَتِهِ الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ وَقَيَّدَهُ وَسَجَنَهُ لِكَوْنِهِ قَتَلَ أَبَانَ بْنَ بِشْرٍ الْكَاتِبَ تَحْتَ السِّيَاطِ، ثُمَّ شَفَعَ الْمَهْدِيُّ فِيهِ فَرُدَّ إِلَى مَنْصِبِهِ. وَفِيهَا سَقَطَ الْمَنْصُورُ عَنْ فَرَسِهِ، فَشُجَّ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ. وَفِيهَا أَمَرَ الْمَنْصُورُ نَائِبَ مَكَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيَّ بِحَبْسِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَعَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ فحبسهما، وكان يسامرهما خُفْيَةً، ثُمَّ أهَمَّهُ أَمْرُهُمَا، وَخَافَ أَنْ يَحُجَّ الْمَنْصُورُ فَيَقْتُلُهُمَا، فَنَفَّذَ رَاحِلَةً وَذَهَبًا فِي السِّرِّ إِلَى عَبَّادِ وَسُفْيَانَ، وَإِلَى شَخْصٍ عَلَوِيٍّ لِيَهْرَبُوا أَوْ يَخْتَفُوا، وَقَدِمَ الْمَنْصُورُ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَمَاتَ وَوَقَى اللَّهُ شَرَّهُ، تَمَرَّضَ فِي أَثْنَاءِ الدَّرْبِ وَحَمِيَ مِزَاجُهُ، وَكَتَمَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ مَوْتَهُ، وَمَنَعَ النِّسَاءَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَمَعَ الأُمَرَاءَ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْمَهْدِيِّ. وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يحيى بن محمد العباسي ابن أَخِي الْمَنْصُورِ، وَهُوَ شَابٌّ أَمْرَدُ. وَفِيهَا مَاتَ طَاغِيَةُ الرُّومِ لَعَنَهُ اللَّهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
مَاتَ فِيهَا: أَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ الْوَاسِطِيُّ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ الأَمِيرُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِمَكَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ الضَّبِّيُّ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قِيلَ فِي أَوَّلِهَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْهُذْلِيُّ وَاسْمُهُ سَلْمَى. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ الْعَبَّاسُ أَخُو الْمَنْصُورِ، فَوَصَلَ إِلَى أَنْقَرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ. وَهَلَكَ نَائِبُ خُرَاسَانَ ابْنُ قَحْطَبَةَ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: وَلِيَهَا أَبُو عون عبد الملك بن يزيد، وولي حمزة بن مالك سجستان، وَوَلِيَ جِبْرِيلُ بْنُ يَحْيَى سَمَرْقَنْدَ وَتِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَتَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شِهَابٍ الْمِسْمَعِيُّ فِي البحر لغزو الهند، وفرض معه لألفين، وَخَرَجَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْمُطَّوِعَةِ، فَمَضَوْا حَتَّى وَافَوْا مَدِينَةَ بَارْبَدَّ مِنَ الْهِنْدِ، فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى السِّنْدِ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ بِإِشَارَةِ وَزِيرِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا أَطْلَقَ مِنَ السِّجْنِ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ، وَالْحَسَنَ وَلَدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَسُلِّمَ الْحَسَنُ إِلَى أَمِيرٍ يَتَحَفَّظُ بِهِ، فَهَرَبَ الْحَسَنُ، فَتَلَطَّفَ الْمَهْدِيُّ حَتَّى وَقَعَ بِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنِ الْكُوفَةِ إِسْمَاعِيلُ الثَّقَفِيُّ بِعُثْمَانَ بْنِ لُقْمَانَ الْجُمَحِيِّ، وَقِيلَ بِغَيْرِهِ، وَعُزِلَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، وَعَنْ شُرْطَتِهَا سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ، وَوَلِيَ حَرْبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ النُّمَيْرِيُّ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَ عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ وَاقِدٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى الصَّلاةِ. وَفِيهَا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمَنْصُورِ خَالُ الْمَهْدِيّ عَنِ الْيَمَنِ، وَوَلِيَهَا رَجَاءَ بْنُ رَوْحٍ، وَعُزِلَ عَنْ مِصْرَ مَطَرٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ بأبي ضمرة محمد سليمان. وفيها تحرك الأمراء والخراسان فِي خَلْعِ وَلِيِّ الْعَهْدِ عِيسَى بْنِ مُوسَى -[16]- وَجَعْلِهَا - أَعْنِي وِلايَةَ الْعَهْدِ - لِمُوسَى وَلَدِ الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ لَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ إِلَى الْكُوفَةِ إِلَى عِيسَى لِيَقَدَمَ عَلَيْهِ، فَأَحَسَّ فَلَمْ يَأْتِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى الْكُوفَةِ رَوْحَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ الْمُهَلَّبِيَّ، فَجَعَلَ عِيسَى يَتَرَدَّدُ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ، وَلا يُقِيمُ بِالْكُوفَةِ إِلا شَهْرَيْنِ فِي الْعَامِ، وَأَخَذَ الْمَهْدِيُّ يُلِحُّ عَلَى عِيسَى فِي النُّزُولِ عَنِ الْعَهْدِ وَيُرَغِّبُهُ وَيُرَهِّبُهُ، فَأَجَابَهُ مُكْرَهًا، وَبَايَعَ لِمُوسَى الْهَادِي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ لِعِيسَى بُعَشَرَةِ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ عِدَّةَ قُرَى. وَقَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فَحَجَّ بِالنَّاسِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين ومائتين
فيها تُوُفيّ أبو الطّاهر أحمد بن السرح، وأبو الحسن البزّيّ مُقرئ مكّة، والحارث بن مسكين، وأبو حاتم السِّجِسْتانيّ، وعبّاد بن يعقوب الرّواجنيّ، شيعيّ، وعَمْرو بن عثمان الحمصيّ، والجاحظ، وكُثَيِّر بن عبيد الحمصي، ونصر بن علي الجهمضي. وفيها ظهر يحيى بن عمر بن حسين بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بالكوفة. وقُتِل في المصافّ بينه وبين جيش محمد بن عبد الله بن طاهر بناحية الكوفة، ومحمود بن خالد، وهشام بن خالد الأزرق. ثمّ في رمضان، خرج الحَسَن بن زيد بن محمد الحَسنيّ بطَبَرسْتان واستولى على آمُل، وجبى الخَرَاج، وامتدَّ سلطانه إلى الرِّيِّ، وهمذان، والتجأ إليه كلّ من يريد الفتنة والنَّهْب. وانهزم عسكر ابن طاهر بين يديه مرَّتين. فبعث المستعين جيشا إلى همذان يكون مسلحة. وفيها عقد المستعين لابنه العَبّاس على العراق والحرمين. وفيها نُفي جعفر بن عبد الواحد إلى البصرة لأنّه عُزِل عن القضاء، وبعث إلى الشاكرية، فأفسدهم. وفيها وثب أهل حمص بعاملها الفضل بن قارن، فقتلوه في رجب، فسار إليهم موسى بن بُغا، فالتقوا عند الرَّسْتَن، فهَزَمهم، وافتتح حمص، وقتل فيها مقتلة عظيمة، وأحرق فيها وأسر من رؤوسها. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
فيها تُوُفّي: إِسْحَاق بْن منصور الكوَسج، وحُمَيْد بْن زَنْجَوَيْه، وعمرو بْن عثمان الحمصيّ، ومحمد بْن سهل بن عسكر، وأبو التقي هشام بن عبد الملك الحمصي. وفيها خرج الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن محمد بْن إِسْمَاعِيل بْن محمد بْن الأرقط عَبْد اللَّه بْن زين العابدين على بْن الْحُسَيْن بقزوين، فغلب عليها فِي أيّام فتنة المستعين، وقد كَانَ هُوَ وأحمد بْن عيسى العلويّ اجتمعا عَلَى أهل الرِّيّ، وقتلَا بها خلْقًا كثيراً، وأفسدا وعاثا، وخرج لقتالهما جيش، فأسر أحدهما وقتل الآخر. وفيها خرج إِسْمَاعِيل بْن يوسف بْن إبْرَاهِيم بْن مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ الحسنيّ بالحجاز، وهو شابٌ لَهُ عشرون سنة، وتَبِعه خلْقُ مِنَ العرب، فعاث فِي الحَرَمَيْن، وأفسد موسم الحجّ، وقتل مِنَ الحجيج أكثر من ألف رجل، واستحل المحرمات بأفاعيله الخبيثة، وبقي يقطع المِيرة عَنِ الحرمين حتى هَلكَ أهل الحجاز وجاعوا، ونزل الوباء فهلك فِي الطاعون هُوَ وعامّة أصحابه فِي السنة الآتية. وفيها فتنة المستعين أَحْمَد، كما هُوَ مذكور فِي ترجمته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ثمّ دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن سُوَيْد بْن مَنْجُوف، والمستعين بالله أحمد ابن المعتصم، قتلوه، وإسحاق بْن بُهْلُولٍ الحافظ، وأَشْناس الأمير، وزياد بْن أيّوب، وعبد الوارث بْن عَبْد الصَّمد بْن عَبْد الوارث، ومحمد بْن بشار بُنْدار، وأبو موسى محمد بْن المُثَنَّى العَنَزيّ، ومحمد بْن منصور الجوّاز، ويعقوب الدَّوْرَقيّ. وفيها خلع المستعين، ثم حبس، ثم قتل، وبويع المعتز بالله فأمر التُّرك -[8]- ببيعته، وخلع عَلَى محمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر خلْعة المُلْك، وقلّده سَيْفَيْن، فأقام بُغَا ووَصيف الأميران ببغداد عَلَى وجَلٍ مِنَ ابن طاهر، ثمّ رضي المعتزّ عَنْهُمَا، وردهما إلى مرتبتهما، ونُقِل المستعين إلى قصر المخرَّم هُوَ وعياله، ووكَّلوا بِهِ أميرًا، وكان عنده خاتم مِنَ الجوهر، فأخذه ابن طاهر فبعثَ به إلى المعتز. وفيها خلع المعتزّ عَلَى أخيه أَبِي أَحْمَد خلعة المُلْك وتوّجه بتاجٍ من ذَهَبٍ، وقَلَنْسُوَةٍ مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلده سيفين. وفي رجب خلع المعتز بالله أخاه المؤيّد من العهد وقيده وضربه. وفيها ولي قضاء القُضاة الْحَسَن بْن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب. وفيها حُسِبَتْ أرزاقُ الأتراك والمغاربة والشّاكريّه ببغداد وغيرها، فجاءت فِي العام الواحد مائتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة سنتان. وفيها قبض المعتز بالله عَلَى أخيه أَبِي أَحْمَد، ثمّ نفاه إلى واسط، ثمّ قاموا معه فَرُدّ إلى بغداد، وأبعد علي ابن المعتصم عن الحضرة. وولي مزاحم بْن خاقان إمرة مصر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث وخمسين ومائتين
توفي فيها أحمد بن سعيد الهمداني المصري، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأحمد بن المقدام العجلي، وخشيش بن أصرم، وسَرِيٌّ السَّقَطيّ الزّاهد، وعلي بْن شُعَيب السَّمسار، وعلي بْن مُسلْمِ الطُّوسيّ، ومحمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر الأمير، ومحمد بْن عيسى بن رزين التيمي مقرئ الرِّيّ، ومحمد بْن يحيى بْن أَبِي حَزْم القطعيَ، وهارون بْن سعَيِد الأيْليّ، والأمير وصيف التُّرْكيّ، ويوسف بْن مُوسَى القطّان، وأبو العباس القلوري. وفيها قصد يعقوب بْن اللَّيث الصّفّار هَرَاة فِي جمعٍ، فأخذ هراة من نواب ابن طاهر، وقيدهم وحبسهم. وفيها سار الأمير موسى بن بغا، فالتقى هو وعسكر عَبْد العزيز ابن الأمير أَبِي دُلَف العِجْليّ، فهزمهم وساق وراءهم إلى الكَرْج، وتحصن منه عَبْد العزيز، وأُسرَتْ والدة عَبْد العزيز، وبُعِث إلى سامرّاء بتسعين حِمْلا من رؤوس القتلى. وفي رمضان خلع المعتزّ بالله عَلَى بُغَا الشرابي، وألبسه تاج الملك. وفي شوال قتل وصيف التركي. -[9]- وفي ذي القعدة كسف القمر. وغزا محمد بْن مُعَاذ بلَاد الروم، ودخل بالعسكر من جهة ملطية، فأسر وقتل من أصحابه خلق. وفي ذي القعدة التقى موسى بن بغا والكوكبي بأرض قزوين، فانهزم الكوكبي ولحق بالديلم. وفيها مات مُزاحِم بْن خاقان أخو الفتح بمصر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربعٍ وخمسين ومائتين
فيها تُوُفّي أَحْمَد بْن عَبْد الواحد بْن عبُّود الدِّمشقيُّ، وإبراهيم بْن مجشّر الكاتب، وبُغَا الصَّغير الشَّرابيّ، وزياد بْن يحيى الحسّانيّ، وسَلْم بْن جُنَادَةَ، والدّارِميّ، وعلي بْن محمد بْن عَلِيّ بْن مُوسَى الرضا أبو الحَسَن العسْكريّ من الأثني عشر، ومحمد بن عبد الله المخرَميّ الحافظ، ومحمد بْن منصور الطُّوسيّ العابد، ومحمد بْن هاشم البَعْلَبَكّيّ، والمَرّار بْن حَمُّوَيْه الهمذاني الفقيه. ولم يجر فيها مِنَ الحوادث ما لَهُ صورة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسٍ وخمسين ومائتين
فيها تُوُفّي: عَبْد اللَّه بْن أبي زياد القطواني، وعبد الله الدارمي الحافظ، بخُلْف، وعبد اللَّه بْن هاشم الطوسي، وعبد الغنيّ بْن رفاعة المِصْريُّ، وعِتيق بْن محمد النَّيسابوري، والجاحظ، وأبو حاتم بخُلْفٍ فيهما، وقد مرا سنة خمسين، والمعتز بالله محمد ابن المتوكل، قتلوه، ومحمد بن حرب النشائي، ومحمد بْن عَبْد الرحيم أَبُو يحيى صاعقة، ومحمد بْن كرام الصُّوفيّ شيخ الكرامية، وموسى بن عامر المري. وفيها فتنه الزَّنْج، وخروج قائد الزَّنْج العَلَويّ بالبصرة، خرج وعسْكر، وانتسب إلى زيد بْن عَلِيّ، وزعم أنّه عَلَى بْن محمد بْن أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن عيسى بْن زيد بْن عَلِيّ، وهذا نَسَب لم يصحّ، وكان مبدأ ظهوره في هذه السنة، والتفت عَلَيْهِ عبيد أهل البصرة مِنَ الزنج، وغيرهم، وعظُم أمره وفعل بالمسلمين الأفاعيل، وهزم الجيوش، وامتدّت أيّامه، وتمادى فِي غيّه إلى أن قتل في سنة -[10]- سبعين، على يد أبي أحمد الموفق. وفيها دخل مفلح طبرستان، فهزم الْحَسَن بْن زيد العلويّ، فلحق بالديلم، ودخل مفلح آمُل، فهدم دُورَ الْحَسَن بْن زيد، وساق في طلبه. وفيها كَانَ بين يعقوب بْن الليث وطوق بْن المغلَّس وقْعهٌ كبيرة بظاهر كِرْمان، فانتصر يعقوب وأسر طوق، وكان يعقوب قد خرج عَنِ الطّاعة وجبى الخراج لنفسه. وفيها خرج عَنِ الطّاعة علي بْن الْحَسين بْن قُرَيش، وكتب إلى المعتزّ بالله يسأله أنْ يولّيه خُراسان، ويقول: إنّ آل طاهر قد ضعُفُوا عَنْ مقاومه يعقوب بْن الليث، فكتب المعتز إليه بعهده إلى خراسان وأمره عليها، وكتب بمثل ذلك إلى يعقوب بْن الليث، وأراد أنْ يغري بينهما ليشغل كلا منهما بصاحبه، وتسقط عنه مؤونة الهالك منهما، فسار يعقوب يريد كِرْمان، وبعث ابن قُرَيش المذكور طوق بن المغلس، فسبق يعقوب إلى كرمان فدخلها، ونزل يعقوب على مرحلة منها، فأقام نحْوًا من شهرين، فلّما طال عليه أظهر الرحيل إلى سجستان، وسار مرحلةً، فوضع طَوْقٌ عَنْهُ السّلَاح، وأحضر الملَاهي والشّراب، وجاءت الأخبار إلى يعقوب، فأسرع الرجعة وأحاط بطَوْق، فأسره واستولى عَلَى كرمان وعلي سجِستْان، ثمّ سار إلى فارس فتملك شيراز، وحارب ابن قُرَيش وظفر بِهِ وأسرهُ، وبعث إلى المعتزّ بالله بتقادُمَ وتحفٍ سَنِيّة، واستفحل أمره. وفيها أخذ صالح بْن وصيف أَحْمَد بْن إسرائيل، والحسن بْن مَخْلَد، وأبا نوح عيسى بْن إبْرَاهِيم، فقيدّهم، وهم خاصّة المعتز وكُتّابه. وقد كَانَ ابن وصيف قَالَ: يا أمير المؤمنين لَيْسَ للجُنْد عطاء، وليس فِي بيت المال مال، وقد استولى هؤلَاء عَلَى أموال الدُّنيا، فقال لَهُ أَحْمَد بْن إسرائيل: يا عاصي يا ابن العاصي، وتراجعَا الكلَام والخصام، حتى احتدّ ابن وصيف، وغشي عَلَيْهِ وأصحابه بالباب، فبلغهم فصاحوا وسلّوا سيوفهم وهجموا، فقام المعتزّ ودخل إلى عند نسائه فأخذ ابن وصيف أَحْمَد والجماعة، قَالَ: فقال لَهُ المعتزّ: هب لي أحمد، فإنه ربّاني، فلم يفعل، وضربهم بداره حتى تكسّرت أسنان أَحْمَد، وأخذ خُطوطهم بمالٍ جليلٍ وقيدهم. وفيها ظهر عيسى بْن جعْفَر، وعلي بْن زيد العلويان الحَسَنيّان، فقتلَا عَبْد اللَّه بْن محمد بن داود الهاشمي الأمير. -[11]- وفي رجبُ خلِع المعتزّ بالله مِنَ الخلَافة، ثمّ قُتِل، فاختفت أمّه قبيحة، ثمّ ظهرت فِي رمضان، وأعطت صالح بْن وصيف مالَا عظيمًا، ثمّ نفاها بعدما استصفاها إلى مَكّة، فحبست بها، وظهر لها مِنَ الذَّهب ألف ألف وثلَاث مائة ألف دينار، وسفط فِيهِ مكوك زُمُرُّد، وسفط فِيهِ مكُّوك لؤلؤ، فِيهِ حَبُّ كِبار عديمُ المثل، وكيلجة ياقوت أحمر، وغيره، فقومت الأسفاط بألفي ألف دينار، وحمل الجميع إلى ابن وصيف، فلمّا رآه قَالَ: قبحها اللَّه، عرضت ابنها للقتْل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا، فأخذ الكل ونفاها. وفي رمضان قَتَل ابنُ وصيف أَبَا نوح، وأحمد بن إسرائيل، وبويع المهتديّ بالله محمد بالأمر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستٍّ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: الربيع بْن سُليمان الجيزيّ، والزُّبَير بْن بكّار، وعبد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبَّويْه المَرْوزِيّ الحافظ، وعبد اللَّه بْن محمد الزُّهْريّ المخرّميّ، وعلي بْن المنذر الطّريقيّ، وأبو عبد الله الْبُخَارِيّ ليلة عَيد الفِطْر، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، وَمُحَمَّدُ بْن عثمان بْن كرامة، والمهتدي بالله محمد ابن الواثق. وفي أولها قدِم الأمير مُوسَى بْن بُغَا وعبى جيشه ميمنة وميسرة وشهروا السلاح، ودخلوا سامراء مجمعين عَلَى قتل صالح بْن وصيف بدم المعتزّ، يقولون: قتل أمير المؤمنين المعتزّ، وأخذ أموال أمّه قبيحة وأموال الكُتّاب، وصاحت العامّة والغوغاء عَلَى ابن وصيف: " يا فرعون قد جاءك موسى "، فطلب موسى من بُغَا الإذن عَلَى المهتدي بالله، فلم يؤذن لَهُ، فهجم بمن معه عَلَيْهِ وهو جالس فِي دار العدْل، فأقاموه وحملوه عَلَى فَرَس ضعيفة، وانتهبوا القصر، فلما وصلوا إلى دار ياجور أدخلوا المهتدي إليها وهو يقول له: يا مُوسَى اتقِ اللَّه، ويْحَك ما تريد؟ قَالَ لَهُ: والله ما نريد إلَا خيرًا، وحَلَفَ لَهُ: لَا نالك سوء، ثمّ حَلَّفوه أن لَا يمالئ صالح بْن وصيف، فحلَف لهم، فبايعوه حينئذ ثمّ طلبوا صالحًا لكي يناظروه عَلَى أفعاله، فاختفى، ورُد المهتدي بالله إلى داره، ثمّ قُتِل صالح بْن وصيف بعد شهر شر قتلة. وفي آخر المحرم ظهر كتابٌ ذكر أن سِيما الشَّرابيّ، زعم أنّ امرأةً جاءت بِهِ، وفيه نصيحة لأمير المؤمنين: وإنْ طلبتموني فأنا فِي مكان كذا، فلمّا وقف -[12]- عَلَيْهِ المهتدي طلبها فِي المكان فلم يوجد لها أثر، فدعا مُوسَى بْن بُغَا وسليمان بن وهب ومفلحاً وباكباك، وياجور، ودفَع الكتاب إلى سُلَيْمَان فقال: أتعرف هذا الخط؟ قَالَ: نعم، خطّ صالح بْن وصيف، ثمّ قرأه عَلَيْهِم، وفيه يذكر أنّه مُسْتَخْفٍ بسامراء، وأنه استتر خوفاً من الفتن، وأن الأموال علمها عَنْد الْحَسَن بْن مَخْلَد، وكان كتابه يدلّ عَلَى قوة نفسه، فندب المهتدي إلى الصّلح، فاتهمه موسى وذووه بأنّه يدري أين صالح، فكان بينهم فِي هذا كلَام، ثمّ مِنَ الغد تكلموا فِي خلعه، فقال باكباك: ويْحَكُم، قتلتم ابن المتوكلّ وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ويصلي ولا يشرب؟ والله لئِنْ فعلتم لأصيرنّ إلى خراسان ولأشيعن أمركم هناك. ثمّ خرج الَمهتدي إلى مجلسه وعليه ثياب بيض، متقلداً سيفًا، ثمّ أمر بإدخالهم إِلَيْهِ، فقال: قد بلغني شأنكُم، ولست كمن تقدَّمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلَا وأنا متحنّط وقد أوصيت، وهذا سيفي، والله لأضربن بِهِ ما استمسكْتُ قائمته بيدي، أما دِين! أما حَيَاء! إمَا رِعة! كم يكون الخلَاف عَلَى الخلفاء والْجُرأة عَلَى اللَّه؟! ثمّ قَالَ: ما أعلم عِلم صالح، قَالُوا: فاحِلفْ لنا، قَالَ: إذا كَانَ يوم الجمعة، وصلَّيت الجمعة، حلفت لكم، فرضوا وانفصلوا على هذا. ثمّ ورد إذْ ذاك مالٌ مِن فارس نحو من عشرة آلاف ألف درهم، فانتشر فِي العامة أنّ الأتراك على خلع المهتدي، فثار العوام والقواد، وكتبوا رقاعاً وألقوها في المساجد: يا معاشر المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدْل الرّضا المضاهي لعمر بْن عَبْد العزيز أنْ ينصره اللَّه عَلَى عدوّه، وراسل أهل الكَرْخ والدُّور المهتدي بالله فِي الوثوب بموسى بْن بُغَا والأتراك، فجزاهم خيرًا ووعدهم بالخير. وفيها تحول الزنج فقربوا مِنَ البصرة، وأخذوا مراكب كثيرة بأموالها؛ فتهيأ سعيد الحاجب لحربهم. وفي أول جماد الأولى رحل موسى بن بغا وباكباك إلى مساور الشاري وكانا ماكثين قريبا من الموصل، وتقهقر مساور. وفي رجب ثار الجند يطلبون العطاء، فلم يعطوا شيئا، ووعدهم المهتدي، وكان موسى وباكباك فِي طلب مساور. وكان المهتدي قد استمال باكباك وجماعة من الأتراك، فكتب إلى باكباك -[13]- أنْ يقتل مُوسَى ومُفْلحًا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف باكباك مُوسَى عَلَى كتابه وقال: إنيّ لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على أن يسير باكباك إلى سامراء، فإن المهتدي يطمئن إليه، لم يقتله. فسار إلى سامرّاء ودخل عَلَى المهتدي فغضب وقال: أمرتك أن تقتل موسى ومفلحا فَدَاهنْت، قَالَ: كيف كنت أقدر عليهما وجيشهما أعظم من جيشي، ولكن قَدْ قدِمت بجيشي ومن أطاعني لأنصُرك عليهما، فأمر المهتدي بأخذْ سلَاحه، فقال: أذهب إلى منزلي وأعود، فليس مثلي من يفعُل بِهِ هذا، فأخذ سلاحه وحبسه، ولمّا أبطأ خبره عَلَى أصحابه قَالَ لهم أَحْمَد بْن خاقان الحاجب: اطلبوا صاحبكم قبل أنْ يفْرُط بِهِ أمرٌ، فأحاطوا بالْجَوْسق، فقال المهتدي لصالح بْن عَلِيّ بْن يعقوب بْن المنصور: ما ترى؟ فقال: قد كَانَ أَبُو مُسلْمِ أعظم شأنًا من هذا العبد، وأنت أشجع مِن المنصور، فاقتله. فأمر بضرب عنقه، وألقى رأسه إليهم، فجاشوا، وأرسل المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأشروسنية، فجاؤوا واقتتلوا، فقُتِل مِنَ الأتراك أربعة آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف، فِي ثالث عشر رجب يوم السبت، وحجز بينهُمُ الليل؛ ثمّ أصبحوا على القتال ومعهم أخو باكباك وحاجبه أَحْمَد بْن خاقان فِي زُهاء عشرة آلاف. وخرج المهتدي بالله ومعه صالح بْن عَلِيّ والمصحف فِي عُنقه، وهو يَقُولُ: أيُّها النّاس انصروا خليفتكم، وحمل عليه طغوياً أخو باكباك فِي خمس مائة، فمال الأتراك الذين مَعَ الخليفة إلى طغويا، والتحم الحرب، فانهزم جمْع الخليفة وكثُر فِيهِمُ القتْل، فولّى منهزمًا والسيف فِي يده، وهو ينادي: أيها الناس انصروا خليفتكم. ثمّ دخل دار صالح بْن محمد بن يزداد، ورمى سلاحه ولبس البياض ليهرب مِنَ الأسطحة، وجاء أَحْمَد حاجب باكباك فأخبر بِهِ، فتبعه، فهرب، فرماه بعضهم بسهمٍ ونفجَه بالسيف، ثمّ حُمِل إلى أَحْمَد، فأركبوه بغلاً، وركبوا خلفه سائساً، وأتوا به إلى دار أحمد بْن خاقان، وجعلوا يضربونه ويقولون: أين الذهب. فأقر لهم بست مائة ألف دينار مودعة ببغداد، أودعها الكرخي، فأخذوا خطّه إلى خشف الواضحية المُغَنّية بست مائة ألف دينار، ودفعوه إلى رجلٍ، فعصر عَليْ خصيتيه فمات، وقيل: -[14]- كانت بِهِ طعنه فحملوه عَلَى بِرْذَون، وقيل: أرادوه بدار أَحْمَد عَلِيّ الخلْع، فأبي واستسلم للقتل، فقتلوه. وبايعوا أحمد ابن المتوكل ولقّبوه المعتمد عَلَى اللَّه، وكنيته أَبُو الْعَبَّاس، وقيل: أَبُو جعْفَر، فِي سادس عشر رجب. وقدِم مُوسَى بْن بُغَا إلى سامرّاء بعد أربعة أيام، وخمدت الفتنة، وكان المعتمد محبوساً بالجوسق فأخرجوه. وقتل المهتدي مع باكباك أَبَا نصر محمد بْن بُغَا أخا مُوسَى. وضيّق المعتمد عَلَى عيِال المهتدي بالله، ثمّ استعمل المعتمد أخاه الموفق طلحة عَلَى المشرق، وصيّر أبنه جعفرًا ولي عهده، وولَاه مصر والمغرب، ولقّبه المفوض إلى اللَّه، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عَنِ الرّعيّة، فكرهه النّاس وأحبوا أخاه طلحة. وفي العشرين من رجب دخلت الزَّنج البصرة، فقتلوا وفتكوا، وفعلوا بالأهواز والأُبلةَ أكثر مما فعلوا بالبصرة. وفيها ظهر بالكوفة عَلِيّ بْن زيد الطالبيّ، فبعث إليه المعتمد جيشاً هزمهم الطالبي. وفيها غلب الْحَسَن بْن زيد الطالبيّ عَلَى الرِّيّ، فجهز إليه المعتمد مُوسَى بْن بُغَا، وخرج معه مُشيِّعا له. وفيها حجّ بالنّاس محمد بْن أَحْمَد بْن عيسى بن المنصور أبي جعفر العباسي. وأما صالح بْن وصيف، فكان قد استطال عَلَى الخلفاء وقتل المعتزّ، وأقام المهتدي، وحكم عَلَيْهِ، وذكرنا استتاره فِي أيّام المهتدي، قَالَ: فنادى عَلَيْهِ مُوسَى بْن بُغَا: من جاء بِهِ فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، فاتفق أنّ بعض الغلْمان دخل زقاقًا وقت الحرّ، فرأى بابًا مفتوحًا فدخل، فمشى فِي دِهْليز مظلمٍ، فرأى صالحًا نائمًا، فعرفه وليس عنده أَحْد، فجاء إلى مُوسَى فأخبره، فبعث جماعةً فأخذوه، ثمّ ذهبوا بِهِ مكشوف الرأس إلى الْجَوْسَق، فبادره بعض أصحاب مُفْلح، فضربه من ورائه، واحتزُّوا رأسه وطافوا بِهِ، وتألًم المهتدي فِي الباطن لقتْله، وقال: رحِم اللَّه صالحًا، فلقد كَانَ ناصحًا. وأمّا الصُّوليّ، فقال: عذَّبوه في حمام كما فعل بالمعتز، حتى أقر بالأموال ثم خنقوه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعٍ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: أحمد بْن منصور زاج، وإسحاق بْن إبْرَاهِيم بْن حبيب بْن الشّهيد، والحسن بْن عَبْد العزيز الْجَرَوِيّ، والحسن بْن عَرَفَة، وزُهَير بْن محمد المروزي، وزيد بن أخزم، وسليمان بْن مَعْبَد السنجيّ، وأبو الفضل الرياشي عَبَّاس، وأبو سعَيِد الأشَجّ، وعلي بْن خَشْرَم، ومحمد بْن حسان الأزرق، ومحمد بْن عَمْرو بن حنان الحمصي، ومحمد بن وزير الواسطي. وفيها دخلت الزَّنج البصرة، وبذلوا السيف واستباحوا، وقتلوا بالأُبلّة نَحْوًا من ثلَاثين ألفًا وأحرقوها، فحاربهم سعَيِد الحاجب، واستخلص منهم كثيرًا ممّا أخذوه، ثمّ استظهروا عَلَيْهِ، وقتلوا من جنده مقتلةً عظيمة، ودخلوا البصرة، فيقال: إنهم قتلوا بها اثني عشر ألفًا، وخرّبوا الجامع، وهرب من سلم في البلدان، وخربت البصرة، وجرت بين الزنج وبين عساكر الخليفة عدة وقعات. وفيها قُتِل ميخائيل بْن توفيل ملك الروم، قتله بسيل الصَّقْلبيّ، وكان بسيل من أبناء الملوك، وتملّك ميخائيل عَلَى دين النصرانية أربعًا وعشرين سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانٍ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: أحمد بن بديل قاضي همذان، وأحمد بْن حفص النَّيسابوري، وأحمد بْن سنان القطّان، وأبو عُبَيْدة بْن أَبِي السّفْرَ واسمه أَحْمَد، وأحمد بْن الفُرات الرّازيّ الحافظ، وأحمد بن محمد بْن يحيى القطّان، وأحمد بْن عُمَر، يعرف بحمدان البزاز الحميري البَغْداديُّ، وإسماعيل بْن أَبِي الحارث، وجعفر بْن عَبْد الواحد الهاشميّ القاضي، وحفص بن عمرو الربالي، والعباس بن يزيد البْحرانيّ، وعَبده بْن عَبْد اللَّه الصَّفّار، وعليّ بْن حرب الْجُنْدَيْسابوريّ، وعلي بْن محمد بْن أَبِي الخصيب، والفضل بْن يعقوب الرخاميّ، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الحسّانيّ، ومحمد بْن سِنْجر الحافظ، ومحمد بْن عَبْد الملك بن زَنْجَوَيْه الحافظ، ومحمد بْن عُمَر بْن أَبِي مذعور، ومحمد بْن يحيى الذُّهْليّ، وهارون بْن إِسْحَاق الهَمَدانيّ، ويحيى بن معاذ الرازي الصوفي. -[16]- وفيها عقد المعتمد عَلَى اللَّه لأخيه الموفق أبي أَحْمَد عَلَى الشّام ومصر، ثمّ جهّزه ومُفْلحًا إلى حرب الخبيث رأس الزنج، فكانت فِي هذه السنة وقعة بين الزنج وبين منصور بْن جعْفَر بْن دينار، فانهزم عَنْ منصور عسكره، وساق وراءه زنجيُّ فضرب عُنقه، واستباحت الزنج عسكره. وعرض أَبُو أَحْمَد ومُفْلح فِي جيش لم يخرج مثله من دَهْر فِي العدد والفُرسان والأموال والخزائن، فلمّا وصل الموفق أَبُو أَحْمَد إلى دير معقل انهزم جيش الخبيث مرعوبين، فلحقوا بِهِ، لعنه اللَّه، وقالوا: هذا جيش هائل لم يأتنا مثله، فجهّز عسكرًا كبيرًا، فالتقوا هُمْ ومُفْلح، فاقتتلوا أشدّ قتال، وظهر مُفلح، ثمّ جاءه سهم غرب فِي صدره، فمات مِنَ الغد، وأنهزم النّاس وركبتهُمُ الزَّنج واستباحوهم، وتحيز الموفق إلى الأبلة وتراجع إليه الفل ونزل نهر أَبِي الأسد، ثمّ بعث جيشًا، فالتقوا هُمْ وقائد الزنج يحيى، فنصر اللَّه، وأسر طاغيتهم هذا، وقُتِل عامّة أصحابه، وبعث بِهِ إلى المعتمد فضربه، وطوف بِهِ، ثمّ ذبحه وأحرق جُثَّته. وسار الموفق إلى واسط. ووقع الوباء الَّذِي لَا يكاد يتخلف عَنِ الملاحم بالعراق، ومات خلق لا يحصون، ومات من عسكر الموفق خلق، ثمّ تجمعت الزنج، فالتقاهُمُ الموفّق، فقُتِل خلْقٌ من جنده وانهزموا، وتفرَّق عَنْهُ عامة جنده، ثمّ تحيز وسلِم. وعظُم البلَاء بالخبيث وأصحابه، وكان هذا الخبيث المذكور كذابا ممخرقا يدعي أنه أرسل إلى الخلق، فرد الرسالة، وكان يُوهم أصحابه أنّه يطلع عَلَى المُغَيبَّات، ويفعل ما ليس في قدرة البشر. وكان يحيى بْن محمد البحرانيّ الأزرق قائد جيوش الخبيث، فقُتل بسامرّاء بعد أن قُطِعت أربعته. ثمّ كَانت وقعات بين الخبيث والموفّق كانوا فيها متكافئين. وفيها كانت هدّات عظيمة بالصَّيْمَرة، وزلَازل سقطت منها المنازل، ومات تحت الرَّدْم ألوف مِنَ الناس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وخمسين ومائتين
فيها توفي أَبُو إِسْحَاق الجوزجانيّ الحافظ، وإسحاق بْن وهْب العلاف، وأحمد بن إسماعيل السهمي، وإسحاق البغوي لؤلؤ، وبشر بْن مطر السامريّ، وحجاج بْن الشّاعر، وعلي بْن مَعْبَد نزيل مصر، ومحمد بْن يزيد السُّلَميّ النَّيسابوري، ومحمود بْن سميع الدِّمشقيُّ، ومحمد بن آدم المروزي. وفيها عرض الموفق عسكره بواسط، وجاءته النجدة، وهيّأ السُّفن ليدخل إلى الخبيث رأس الزنج، وكان قد نزل البطيحة وبثق حوله الأنهار وتحصن، فهجم عَلَيْهِ الموفّق، فأحرق أكواخه، وقتل من أصحابه مقتلةً كبيرة، واستنقذ مِنَ النُّسوان جمْعًا كبيرًا، وردّ إلى بغداد، واستخلف عَلَى حرب الخبيث محمد بْن المولّد، فسار الخبيث إلى الأهواز، وقتل خمسين ألفًا، وسبى أربعين ألفًا، وأهلك الأمّة، فسار لحربه مُوسَى بْن بُغَا، فأقام يحاربه بضعة عشر شهرًا، وقُتِل خلق من الطائفتين وفيها قُتِل كنجور، وكان عَلَى إمرة الكوفة، فانصرف منها يريد سامرّاء بغير إذْن المعتمد، فأرسل إِلَيْهِ يأمره بالرجوع، فامتنع، فبعث إِلَيْهِ مالَا ليفرّقه فِي أصحابه، فلم يقنع بِهِ، وقويت نفسه، فجهّز المعتمد لحربه ساتكين، وعبد الرَّحْمَن بْن مُفْلح، وموسى بْن أتامش، وجماعة من الأمراء، فأحاطوا به، وأنزلوه عن فرسه وذبحوه. وفيها نزلت الروم، لعنهُمُ اللَّه، عَلِيّ ملطية وسُمَيْساط، فخرج أَحْمَد بْن محمد القابوس بأهل ملَطية، فهزموا الرّوم وقُتِل مقدّمهُمُ الأقرِيطشيّ، وفتح الله ونصر. وفي شوال ملك يعقوب بْن الليث الصّفّار نيسابور، فركب إلى خدمته محمد بن طاهر بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر، فأخذ يعقوب يوبّخه ويعنّفه عَلَى تفريطه فِي البلَاد، حتى غلب عليها العدوّ، ثمّ اعتقله ورسم عَلَيْهِ وعلى أهل بيته، فبعث المعتمد ينُكْر عَلَى يعقوب ويأمره بالانصراف إلى ولَايته، فلم يقبل، واستولى عَلَى خُراسان، واستفحل أمرُه وشرّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسين وثلاثمائة
فيها شرع معز الدولة لمّا تعافى فِي بناء دارٍ هائلة عظيمة ببغداد، أخرب لأجلها دُورًا وقصورًا، وقلع أبواب الحديد التي عَلَى باب مدينة المنصور. وألزم الناس ببيع أملاكهم ليُدخلها فِي البناء، ونزل فِي الأساسات ستة وثلاثين ذراعًا. فحاصله أنّه لزِمه من الغرامات عليها إلى أنّ مات ثلاثة عشر ألف ألف درهم. وصادرَ الدّواوين وغيرهم. وجعل كلّ ما صحَّ لَهُ شيء أخرجه فِي بنائها. وقد درست هذه الدار من قبل سنة ستمائة، ولم يبقَ لها أثر. وبقي مكانها دَحْلَة تأوي إليها الوحوش، وشيء من الأساس -[763]- يعتبر بِهِ من يراه. وفيها قُلِّد قضاء القُضاة أَبُو الْعَبَّاس عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن أَبِي الشوارب، وركب بالخِلَع مِن دار معز الدولة، وبين يدية الدّبادب والبوُقات، وفي خدمته الجيش. وشرطَ عَلَى نفسه أن يحمل فِي كلّ سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم. وكتب عليه سجلا بِذَلِك. فانظر إِلَى هَذِهِ المصيبة. وامتنع المطيع من تقليده ومن دخوله عَلَيْهِ، وأمر أن لا يُمكن من الدخول عَلَيْهِ أبدًا. وفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة، فلا كَانَ اللَّه عافاه. وفي شعبان ماتَ بمصر متوليّ ديوان الخراج بها، وهو أَبُو بكر محمد بْن عليّ بْن مقاتل. فوجدوا في داره ثلاثمائة ألف دينار مدفونة. وفيها دخل نجا، غلام سيف الدولة بْن حمدان، إلى بلاد الروم فسبى ألف نفس، وغنم أموالا، وأسر خمسمائة. وفيها مات عبد الملك بن نوح صاحب بلاد خراسان تنقطر به فرسه، ونصبوا مكانه منصور بن نوح، وأرسل إليه الخليفة التقليد. وفيها أخذ ملك الروم أرمانوس بْن قسطنطين من المسلمين جزيرة أقرِيطش فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكان الَّذِي افتتح أقريطش عُمَر بْن شُعيب الغليظ البلُّوطيّ، غزاها فافتتحها فِي حدود الثلاثين ومائتين، وصارت فِي يد أولاده إلى هذا الوقت. وفيها تُوُفّي مُحَدَّث بغداد أَبُو سهل أَحْمَد بْن محمد بْن زياد القطّان فِي شعبان. وكان صوّامًا قوّامًا، روى الكثير. وفيها تُوُفّي أبو محمد إِسْمَاعِيل بْن محمد بْن عَلِيّ الخُطبي. وكان عالمًا إخباريًا محدثًا يرتجل الخُطب. وفيها تُوُفّي أَبُو جعْفَر عَبْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل الهاشميّ خطيب جامع المنصور. وكان ذا قُعْدُد فِي الأبَّوه، فإنه فِي طبقة الواثق، إذ هُوَ عبد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل بْن إبْرَاهِيم بْن عيسى بْن المنصور أَبِي جعْفَر. وفيها تُوُفّي، فِي ربيع الآخر، القاضي أَبُو السائب عُتْبة بْن عُبّيْد اللَّه بْن مُوسَى الهمذاني. ولد بها سنة أربع وستين ومائتين، وكان أَبُوهُ تاجرًا. ولي -[764]- أولا قضاء أذربيجان، ثم قضاء همذان، ثمّ آل بِهِ الأمر إلى أن تقلَّد قضاء القضاة. وفيها تُوُفّي فاتك المجنون أَبُو شجاع، أكبر مماليك الإخشيد. ولي إمرة دمشق. وكان فارسًا شجاعا. وقد رثاه المتنبي. وفيها تُوُفّي صاحب الأندلس الناصر لدين اللَّه أَبُو المطرف عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الحَكَم بْن هشام ابن الداخل إلى الأندلس عند زوال ملُكْ بْني أمية عَبْد الرَّحْمَن بْن معاوية الأمويّ. ولي الإمرة سنة ثلاثمائة وطالت أيّامه. ولمّا ضعُف شأن الخلافة ببغداد من أيّام المقتدر تلقَّب هذا بأمير المؤمنين. وكذا تلقَّب عُبّيْد اللَّه المهدي وبنوه بالقيروان. وكان هذا شجاعًا شهمًا محمود السّيرة. لم يزل يستأصل المتغلّبين حتى تم أمره بالأندلس. واجتمع فِي دولته من العلماء والفُضلاء ما لم يجتمع فِي دولة غيره. وله غزوات عظيمة ووقائع مشهورة. قَالَ ابن عَبْد ربه: قد نظمتُ أرجوزة ذكرتُ فِيها غزواته. قَالَ: وافتتح سبعين حصنًا من أعظم الحصون، ومدحه الشعراء. وتوفي فِي رمضان من السنة. وكانت إمرتُه خمسين سنة، وقام بعده ولده الحكم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
176 - بكر بن محمد بن حمدان، أبو أحمد المَرْوزِيّ الصَّيْرفيّ الدُّخَمْسينيّ. [المتوفى: 345 هـ]
لُقِّب بذلك لأنّه كَانَ يَقُولُ: دُو خمسين. فبنوه من ذَلِكَ. -[820]- قَالَ الحاكم: كَانَ مُحَدَّث خُراسان. وما أظنّه جلس فِي حانوتٍ قطّ؛ فإنّه كَانَ يُنادم آل سامان لأدبه وفصاحته وتقدُّمه. سَمِعَ: عَبْد العزيز بْن حاتم، وأبا الموجّه بَمرْو؛ وعبد الصمد بْن الفضل ببلْخ؛ وأبا حاتم بالرّيّ، لكن عُدم سماعه منه؛ وأبا قلابة، وأحمد بْن عُبّيْد اللَّه النَّرْسيّ. سَمِعَ مِنْهُ: الحاكم، وغيره بمرو؛ وَرَوَى عَنْهُ: هُوَ وعبد اللَّه بْن عديّ، وابن مَنْدَه، ومحمد بْن أَحْمَد الغُنْجار، والحسين بْن محمد الماسرجِسيّ، وأبو الفضل منصور الكاغديّ. وخرج إلى سَمَرْقند لميراثٍ لَهُ من غلامه، فمات ببُخَارى سنة خمسٍ وأربعين. كذا ورّخه الحاكم. وقال ابن السَّمْعانيّ وغيره: بل توفي سنة ثمانٍ وأربعين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
289 - بكر بن محمد بن حمدان، أبو أحمد المَرْوزِيّ الصَّيْرفيّ الدُّخَمْسِينيّ. [المتوفى: 348 هـ]
تُوُفّي فِي هذه السنة عَلى الصحيح. وقد ذكرنا ترجمته فِي سنة خمسٍ وأربعين عَلَى ما ورّخ الحاكم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
فيها نقلت سنة خمسين وثلاثمائة من حيث المغلات إلى سنة إحدى وخمسين الخراجية، وكتب الصّابي كتابًا عن المطيع في المعنى، فمنه: أنّ السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع بالتقريب، وأنّ الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وكسرا، وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين على اختلاف مذاهبها، وفي كتاب الله شهادة بذلك، قال الله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، فكانت هذه الزيادة بإزاء ذلك. وأما الفُرْس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهراً، وأيامها ثلاثمائة وستون يومًا، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبًا، وسمُّوا الأيام بأسامي، وأفردوا الأيام الخمسة الزائدة وسمّوها المشرقة، وكبسوا الربع في كل مائة وعشرين سنة شهرًا؛ فلما انقرض مُلكهم بطل ذلك، وذكر كلامًا طويلاً حاصله تعجيل الخراج وحساب أيام الكبيس. قال ثابت بن سنان: ودخلت الروم عين زَربه مع الدُّمُسْتُق في مائة وستين ألفًا، وهي في سفح جبل مُطِلٍّ عليها، فصعد بعض جيشه الجبل، ونزل هو على بابها، وأخذوا في نقب السور، فطلبوا الأمان، فأمّنَهُم، وفتحوا له، فدخلها ونَدِمَ حيث أمَّنَهم، ونادى بأن يخرج جميع من في البلد إلى الجامع. فلما أصبح بثّ رجاله، وكانوا ستين ألفًا، فكلّ من وجدوه في منزله قتلوه، فقتلوا عالمًا لا يُحْصَى، وأخذوا جميع ما كان فيها. وكان من جملة ما أخذوا أربعون ألف رمح. وقطع - لعنه الله - من حوالي البلد أربعين ألف نخلة، وهدم البيوت وأحرقها. ونادى: مَن كان في الجامع فلْيذْهب حيث شاء، ومن -[8]- أمسى فيه قُتل، فازدحم الناس في أبوابه، ومات جماعة ومرّوا على وجوههم حُفاةً عُراةً لا يدرون أين يذهبون، فماتوا في الطُّرُقات جوعًا وعطشًا، وأخرب السُّور والجامع، وهدم حولها أربعة وخمسين حصنًا، أخذ منها بالأمان جملة ومنها بالسيف. انتهى قول ثابت. ولما عاد إلى بلاده أعاد سيف الدولة عينَ زَربه إلى بعض ما كانت، وظنّ أنّ الدُمُسْتق لا يعود إلى البلاد في العام فلم يستعدّ، فبينا هو غافل وإذا بالدُمُسْتُق قد دَهَمه ونازل حلب ومعه ابن أخت الملك، فخرج إليه وحاربه، والدُمُسْتُق في مائتي ألفٍ بالرجالة وأهل الحصار، فلم يَقْوَ به سيف الدولة وانهزم في نفر يسير. وكانت داره بظاهر حلب، فنزلها الدمستق وأخذ منها ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم، وألفاً وأربعمائة بغْل، ومن السلاح ما لا يُحْصَى، فنهبها ثم أحرقها، وملك رَبَض حلب. وقاتله أهل حلب من وراء السور، فقتلوا جماعة من الروم، فسقطت ثُلمة من السور على جماعة من أهل حلب فقتلتهم، فأَكبّت الروم على تلك الثُلمة، فدافع المسلمون عنها، فلما كان الليل بنوها، ولما أصبحوا صعدوا عليها وكبّروا، فعدل الروم عنها إلى جبل جَوْشَن فنزلوا به، ومضى رَجّالة الشُّرط بحلب إلى بيوت الناس فنهبوها، فقيل لمن على السُّور: الحقوا منازلكم، فنزلوا وأخلوا السور، فتسورته الروم ونزلوا ففتحوا الأبواب ودخلوها، فوضعوا السيف في الناس حتى كلّوا وملّوا، وسبوا أهلها وأخذوا ما لا يُحصى، وأخربوا الجامع، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، ولم يَنْجُ إلّا من صعد القلعة. ثم ألحّ ابن أخت الملك في أخذ القلعة، حتى أنه أخذ سيفًا وترسًا وأتى إلى القلعة، ومَسْلَكُها ضيّق لا يحمل أكثر من واحد، فصعد وصعدوا خلفه. وكان في القلعة جماعة من الدَّيْلَم، فتركوه حتى قَرُب من الباب وأرسلوا عليه حجرًا أهلكه، فانصرف به خواصُّه إلى الدُمُسْتُق، وكان قد أسر من أعيان حلب ألفًا ومائتين فضرب أعناقهم بأسرهم، وردّ إلى أرض الروم ولم يؤذ أهل القرى، وقال لهم: ازرعوا فهذا بلدنا، وبعد قليل نعود إليكم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
يوم عاشوراء، قال ثابت: ألزم معزّ الدولة الناسَ بغلْق الأسواق ومنْع الهّراسين والطبّاخين من الطبيخ، ونصبوا القباب في الأسواق وعلّقوا عليها المُسُوح، وأخرجوا نساء منشّرات الشعور مُصَخَّمات يلطمن في الشوارع ويُقِمْن المآتمَ على الحسين عليه السلام، وهذا أول يوم نِيح عليه ببغداد. وفيها قُلِّد القضاءَ بالعراق أبو البِشْر عمر بن أكثم على أن لا يأخذ رِزْقًا، وصُرِف ابن أبي الشوارب. وفيها قُتل ملك الروم، وصار الدُمُسْتُق هو الملك واسمه تقفور. وفيها أصاب سيفَ الدولة فالجٌ في يده ورِجْله، وكان دخل الرومَ ووصل إلى قونية، ثم عاد، وكان هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة عنده بحلب، ثم إنه قتل رجلًا من أعيان النصارى، وساق إلى أبيه إلى الموصل. وفي ثامن عشر ذي الحجّة عُمل عيد غدير خُم وضُربت الدبادب، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك، وإلى مشهد الشيعة. قال ثابت بن سنان: وأنفذ بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة ومعهما أبوهما، والالتصاق كان في الجنب والمعدة، ولهما بطنان وسوءتان ومعدتان، وتختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبَوْلهِما، ولكلّ واحدٍ كتِفان وذِراعان ويَدان وفَخذان وساقان وإحليل، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر إلى المُرْد. قال القاضي التنوخي: ومات أحدهما وبقي أيامًا فأنْتَنَ، وأخوه حيّ، وجمع ناصر الدولة الأطبّاء على أن يقدروا على فصلهما فلم يمكن، ثم مرض الحيّ من رائحة الميت ومات. -[12]- وفيها تُوُفِّيت خَوْلَةُ أخت سيف الدولة بحلب، وهي التي رثاها المتنبي بقوله: يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبِ. كناية بهما عن أشرف النَّسبِ. ومن سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة استضرت الرُّوم على الإسلام بكائنة حلب، وضَعُف أمر سيف الدولة بعد تيك الملاحم الكبار التي طَيَّر فيها لب العدو ومزَّقهم، فلله الأمر وما شاء الله كان. وفيها عبرت الرُّوم الفرات لقصد الجزيرة، وأغلق أهل الموصل الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك، ومضوا إلى ناصر الدولة، فضَمِنَ لهم العدو، ووردت الكتب من بغداد ان الرعية أغلقت الأسواق وذهبوا إلى باب الخِلافة ومعهم كتاب يشرح مُصيبة حلب وضَجُّوا، فخرج إليهم الحاجب وأوصل الكتاب إلى الخليفة، فقرأه ثم خرج إليهم فَعَرَّفهم أن الخليفة بكى وأنه يقول: قد غمَّني ما جرى، وأنتم تعلمون أن سيفي معز الدولة، وأنا أرسله في هذ، فقالوا: لا نقنع إلا بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق وتجمع الجيوش، وإلا أن تعتزل لنولي غيرك. فغاضه كلامُهم، ثم وجه إلى دار معز الدولة، فركب ومعه الأتراك وصرفوهم صرفاً قبيحاً. ثم لطف الله وجاءت الأخبار بموت طاغية الروم، وأن الخُلفَ واقع بينهم فيمن يملكونه، فطمع عسكر طرسوس، ودخلوا أرض الروم في عدةٍ وافرة، ولججوا، فالتقوا بالروم ونُصروا عليهم، وعادوا. ثم عادوا بغنائم لم يُرَ من دهر مثلها. فلما ردُّوا إلى الدرب إذا هم بابن الملابني على الدَّرب فاقتتلوا طول النَّهار، ونُصِرَ المسلمون. وبلغ سيف الدولة أيضاً اختلاف الروم، فبادر، ودَوَّخ الأعمال، وأحرق، وحَصَّل من السبي أكثر من ألفين، ومن المواشي مائة ألف رأس، وفرح المؤمنون بالنصر والاستظهار على العدو. ثم بعد شهر أو شهرين توجه سيف الدولة غازياً، فسار على حَرَّان، وعطف على مَلَطية، فملأ يديه سبياً وغنائم. ثم خرج إلى آمد. وفي شعبان ورد غزاة خراسانية نحو الستمائة إلى الموصل يريدون الجهاد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
عُمل ببغداد يوم عاشوراء كعام أوّل إلى الضُّحى، فوقعت فتنة عظيمة بين السنة والرافضة، وجُرح جماعة ونُهب الناس. وفيها نزل الدُمُسْتُق على المَصِّيصَة في جيش ضخم، فأقام أسبوعًا، ونقب السُّور في أماكن، وقاتَلَه أهلُها فضاقت بهم الأسعار، ثمّ رحل عنها بعد أن أهلك الضياع، وإنّما رحل لشدّة الغلاء فإنّ القحط كان بالشام والثغور. وفيها بعثت القرامطة إلى سيف الدولة يستهدونه حديداً، فسير لهم شيئًا كثيرًا منه أبواب الرَّقَّةِ، وحمل إليهم في الفرات، ثم في البرّيّة إلى هجَر. وفيها خرج مُعِزّ الدولة إلى الموصل غضبان على ناصر الدولة، فلما وصل في الماء إلى بلد، كان قد لحقه ذرب شديد، فخلَّف بالموصل جماعة من الأتراك لِحفّظ البلد، وقصد نَصِيبيّن، فسار ناصر الدولة إلى ميّافارقين، فساق وراءه طائفة فخرج عن ميّافارقين، ولا يُدْرَى أين ذهب، فرجعت الطائفة إلى مُعِزّ الدولة. ثم جاء ناصر الدولة إلى الموصل واقتتل مع من فيها، فظهر وانتصر، فاستأمن إليه الدَّيْلَم، واستأسر جميع التُرْك، وأخذ حواصل معزّ الدولة وثقله، فسار معزّ الدولة يريد الموصل، وجرت لهم فصول. ثم اصطلحوا، وعاد مُعِزّ الدولة إلى بغداد خائبًا. وفيها جاء الدُمُسْتُق إلى طَرَسُوس وأهدى هدايا إلى سيف الدولة، فاحتفل وجلس على سرير وعلى رأسه تاج. وفيها عُمل لسيف الدولة خيمة عظيمة، ارتفاع عمودها خمسون ذراعًا. وفيها توفي بُنْدار بن الحسين الشيرازي الزاهد العارف بأرجان، وأبو بكر محمد بن أحمد بن خروف المحدّث بمصر، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهانيّ بها، والحافظ أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السَكَن البغداديّ بمصر، والمحدّث أبو القاسم عليّ بن يعقوب بن أبي العقب الدمشقيّ بها، وأبو على محمد بن هارون بن شُعيب الأنصاري بدمشق، وأبو عيسى بكار بن أحمد، أحد القُرَّاء المُتْقِنين ببغداد. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ورد الخبر بأن الرُّوم خرجوا يريدون -[14]- أذنة والمِصِّيصة، فاستنجد أهل أذنة بأهل طَرَسوس، فجاؤوهم في خمسة عشر ألف فارس وراجل، فالتقوا، واشتد القتالُ، وركب المسلمون أقفية الروم، وأتبعوهم، فخرج للروم كمين اقتطعَ أربعة آلاف راجل، فقاتلوا عن أنفسهم وتَحَيَّزوا إلى تل، فقاتلوهم يومين، ثم كثر عليهم جموع الروم، فاستأصلوهم. ثم نازلوا المِصِّيصة، ونقبوا سورها في مواضع، فكان المسلمون يحاربونهم في النقوب، ويُحَرِّمونهم. ثم تَرَحَّلوا لإنجاد سيف الدولة أخاه والمسلمين. وفيها ملك المسلمون حصن اليمانية بجبلة، وهو على ثلاثة فراسخ من آمد. وفيها جاء عسكرٌ من الروم، وكادوا أن يملكوا حِصْناً من نواحي حَلَب، فسار لحربهم عسكرُ سيف الدولة، فالتقوا فلم يفلت من الروم فيما يقال أحد، وقتل منهم خمسمائة، وتَجَرَّح المسلمون وخيولهم. ثم جاء الخبرُ بنزول الروم على المِصِّيصة مع تقفور ملك الروم، وعلى طرسوس، وأنهم في ثلاثمائة ألف، ونزلوا بقرب البرندون، وبثوا خيولهم وعاثوا وأفسدوا، ثم تَرَّحَلُوا للقحط، فتبعهم الطَّرَسوسيون، فقتلوا وأسروا طائفة، ولطف الله، وله الحمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد مأَتَمُ الحسين كالعام الماضي. وفيها وثب غلمان سيف الدولة على غلامه نجا الكبير وضربوه بالسيوف، وكان أكبر غلمانه ومُقَدَّم جيشه. وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملكها وكانت لنجا. وفيها تُوُفِّيت أخت مُعِزّ الدولة ببغداد، فنزل المطيع في طيّارة إلى دار مُعِزّ الدولة يعزّيه، فخرج إليه معزّ الدولة ولم يكلّفه الصعودَ من الطيّارة، وقبّل الأرض مَرات، ورجع الخليفة إلى داره. وفيها بنى تقفور ملك الروم قَيْساريّة، بناها قريبًا من بلاد المسلمين وسكنها ليغير كل وقت، وترك أباه بالقسطنطينية، فبعث أهل طَرَسُوس والمَصِّيصة إليه يسألونه أن يقبل منهم حِمْلًا كل سنة، ويُنْفِذ إليهم نائباً له يقيم عندهم، فأجابهم، ثم رأي أنّ أهل البلاد قد ضَعُفوا جدًّا وأنّهم لا ناصر لهم، -[15]- وأنّهم من القحط قد أكلوا الميتة والكلاب، وأنّه يخرج كل يوم من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فبدا له في الإجابة، ثم أحضر رسولهم وقال: مَثَلُكُمْ مِثْل الحّية في الشتاء إذا لحقها البرد ضعُفَتْ وذبلت حتى يظنّ الظانّ أنّها ميّتة، فإذا أخذها إنسان وأحسن إليها ودفّاها انتعشت ولدغته قتلته، وأنا إنْ أترككم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيت بكم، ثم أحرق الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيته، وقال: قم، ما لهم عندي إلّا السيف. ثم سار بنفسه إلى المَصِّيصة ففتحها بالسيف في رجب، وقتل وسبى وأسر ما لا يُحصَى، ثم سار إلى طَرَسوس فحاصرها، فطلب أهلُها أمانًا، فأعطاهم، ففتحوا له، فدخلها، ولقي أهلَها بالجميل، وأمرهم بالخروج منها وأن يحمل كل واحد من ماله وسلاحه ما أطاق، ففعلوا، وبعث من يَخْفُرُهم إلى أنطاكية، وجعل الجامع إصطَبْلًا لدوابّه، وعمل فيها وفي المَصِّيصة جيشًا يحفظونهما وأمر بتحصينهما. وقيل: رجع جماعة من أهل المَصِّيصة إليها وتنصّروا. وكان السبب في فتح المَصّيصة أنهّم هدموا سورها بالنقوب، فأشار عليهم رجل بحيث أن يُخْرِجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك تقفور، فأخرجوهم، فعَّرفه الأسارى بعدم الأقوات، وأطمعوه في فتحها، فزحف عليها. ولقد قاتل أهلها في الشوارع حتى أبادوا من الروم أربعة آلاف، ثم غلبوهم بالكثرة وقتلوهم وأخذوا من أعيانهم مائة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس، فأخرج أهل طَرَسُوس مَن عندهم من الأسرى فضربوا أعناقهم على باب البلد، وكانوا ثلاثة آلاف. وفيها حجّ الركبِ من بغداد. وفيها تُوُفّي شاعر زمانه أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي المتنّبي عن نيّف وخمسين سنة، قُتل بين شيراز وبغداد وأُخِذ ما معه من الذهب. وفيها اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طَرَسُوس، وتكاثرت عليهم جموع الروم، وضعُفَتْ عزائمهم بأخذ المَصِّيصة وبما هم عليه من القِلّة والغلاء، وعجز سيف الدولة عن نجدتهم، وانقطعت الموادّ عنهم. وطال الحصار وخذلوا، فراسلوا تقفور ملك الروم في أن يُسلّموا إليه البلد بالأمان على أنفسهم وأموالهم، واستوثقوا منه بأيْمان وشرائط. -[16]- ودخل طائفة من وكلاء الروم فاشتروا منهم من البَزّ الفاخر والأواني المخروطة، واشتروا من الروم دوابّ كثيرة تحملهم، لأنه لم يبق عندهم دابّة إلا أكلوها، وخرجوا بحريمهم وسلاحهم وأموالهم، فوافى ثبج الثمليّ من مصر في البحر في مراكب، فاتّصل بملك الروم خبرُهُ، فقال لأهل طَرَسوُس: غدرتم! فقالوا: لا، والله، لو جاءت جيوش الإسلام كلها، فبعث إلى الثمليّ: يا هذا لا تُفْسِد على القوم أمرهم، فانصرف، ثم عمل تقفور دعوة لكبار أهل البلد وخلع عليهم، وأعطاهم جملة وخفرهم بجيش حتى حصّلوا ببغراس، وحصل منهم خمسة آلاف بأنطاكية، فأكرمهم أهلها، ثم دخلت الروم مدينة طَرَسُوس فأحرقوا المنبر وجعلوا المسجد إِصْطَبْلًا. وأما سيف الدولة فإنه سار إلى أرْزَن وأرمينية، وحاصر بَدْلِيس وخلاط، وبها أَخَوَا نجا غلامه عَصَيَا عليه، فتملّك المواضع ورَدَّ إلى مَيّافارقين. وعمل أهل أنطاكية وطردوا نائب سيف الدولة عنهم، وقالوا: نُداري ببيت المال ملكَ الروم أو ننزح عن أنطاكية فلا مُقام لنا بعد طَرَسُوس، ثمّ إنّهم أَمَّروا عليهم رشيق النَّسَيْمِيّ الذي كان على طَرَسوس، فكاتب ملك الروم على حمل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقّرر الأمر على حمل أربعمائة ألف درهم في السنة، وجعل على كل رأس من المسلمين والنصارى ثلاثين درهمًا. والأمر لله. قال علي الشمشاطي: وفيها ورد الخبرُ بإجابة تقفور إلى ما طلبه منه سيف الدولة من الهُدنة والفداء على أن يُخرِجَ بدل أبي الفوارس محمد بن ناصر الدولة ومن معه من بني عَمِّه جماعة من البطارقة، وأن يفادي بغلمان سيف الدولة عدة من الروم، وأن يبتاع ما يفضل من الأسرى ببلد الروم كل واحدٍ بثمانين ديناراً. فأحضر سيف الدولة اثمان ألفي رأس، وذلك مائة وستون ألف دينار، فعاينها الرسول. وجاءت كتب الطرسوسيين إلى سيف الدولة ليأخذ منهم الأُسارى، فإنهم عجزوا عن أقواتهم للغلاء. ثم جاء من بلد الرُّوم كتاب أبي فراس بن حَمدان من الأسر بتصحيح أمر الفداء وتنفيذ شرائط ملك الروم، وفيه خط ملك الروم بالأحمر وخطوط بطارقته على أن يؤخروا عندهم ستة من بني حَمْدان، ويؤخر سيف الدولة عنده ستةً من البطارقة. ووردت الأخبار بأن ملك الروم أرسل إلى أهل طرسوس يهادنهم على أن يخربوا سور المدينة، وأن يبنوا بيعةً كانت لهم تَخَرَّبت، فلم يجيبوه، فسار -[17]- حتى نزل عليهم وحاصرهم، فبذلوا له ثلاثمائة ألف دينار وإطلاق ما عندهم من الأُسارى، فأبى إلا أن يخرجوا بالأمان بما قدروا على حَمْله، أو أن يكونوا في طاعته ويُخرِّبوا سورهم، فامتنعوا. وأخذت الروم ثغر المِصِّيصة وقتلوا كل الرجال، فلم يفلت منهم إلا سبعة نفر، فما شاء الله كان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة. وفيها ورد الخبر بأن ركْب الشام ومصر والمغرب أَخِذوا وهلك أكثرهم، ووصل الأقلُّ إلى مصر، وتمزّق الناسُ كلَّ ممزَّق، فلا حول ولا قوة إلّا بالله، أخذتهم بنو سُليم، وكان ركباً عظيماً بمرةٍ نحو عشرين ألف جَمَل معهم الأمتعة والذهب، فمما أُخِذَ لقاضي طَرَسُوس المعروف بالخواتيمي عشرون ألف دينار. وفيها سار جيشٌ من خراسان بضعة عشر ألفًا إلى غزو الروم، فأتوا الرّيّ، فبعث إليهم ركن الدولة إقامات كثيرة، فلما كان في يوم من الأيام ركب هؤلاء الغُزاة إلى منازل قُوَّاد ركن الدولة، فقتلوا من وجدوا من الدَّيْلم، ونهبوا دار أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة، فظفر بهم وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة، فانهزموا على طريق أذربَيْجان، ثم قدموا الموصل إلى الشام فغزوا في الرُّوم. وفيها قدِم أبو الفوارس محمد ابن ناصر الدولة من الأسر إلى ميّافارقين، أخذته أخت الملك لتفادي به أخاها، فجاء ستة آلاف فنفّذ سيف الدولة أخاها في ثلاثمائة إلى حصن الهَتَّاخ. فلما شاهد بعضهم بعضًا سرّح المسلمون أسيرهم في خمسة فوارس، وسرّح الروم أسيرهم أبا الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق وتعانقا، ثم صار كل واحد إلى أصحابه، فترجّلوا له وقبّلوا الأرض، ثم احتفل سيف الدولة لابن أخيه وعمل له الخيل والمماليك والعْدَد التامّة، فمن ذلك مائة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهمَ. وفيها قُتل رشيق النُّسَيْميّ، ويقال: لم يُقتل بل أصابته هَيْضَة وضعف -[18]- وتجرأ عليه غلام له فأمسك بعنانه فسقط من الفرس ميتًا وقُطع رأسه وحُمل إلى قرغُوَيْه. وتغلّب على أنطاكية دِزْبَرُ الدَّيْلَمي وحارب قرغُوَيْه. وطال مقام سيف الدولة بميّافارقين فأنفق في سنة وثلاثة أشهر: نيّفًا وعشرين ألف ألف درهم ومائتين وستين ألف دينار. وتمّ الفٍداء في رجب، فخلّص من الأسر من بين أمير إلى راجل ثلاثة آلاف ومائتان وسبعون نفسًا. وتقرّر أمر أربعة أعوام. وأرسل أبو القاسم الحسين بن علي المغربي لتقرير ذلك ومعه هديّة بعشرة آلاف دينار منها ثلاثمائة مثقال مِسْك، وأنفق سيف الدولة على الفِداء ثلاثمائة ألف دينار. ثم قدم حلب وقد عزم دِزْبَر صاحب أنطاكية على منازلة حلب، فقصده سيف الدولة ثم حمل عليه، فهرب دِزْبَر، وقاتل ديلمه ورجّالته أعظم قتال، وسيف الدولة قد شَهَرَ سيفَه يصيح في الناس، فانتصر وأسر طائفة، وغنِمَ جُنْدُه شيئًا كثيرًا، وردّ إلى حلب وصادر أعيان الأسرى الأنطاكيّين وأخذ خطوطهم بأموال عظيمة. وهرب دِزْبَر الدَّيْلَمي إلى بني كلاب فأسلموه، فوسَّطه سيف الدولة وأحرقه، وقتل وزراءه وأعوانه، وقطع أيدي جماعة، حتى قيل إنّه قتل نحو الخمسة آلاف رجل. ثم كتب سيف الدولة يبشّر ولَدَه أبا المعالي بنصره على دِزْبَر يقول: وقد أنجز الله وعده، وأعزّ جنده، ونصر عبده، وأظفر بمن كان استشرى بالشام أمره، وعم أهله غشمه وظلمه، دزبر الدَّيْلَميّ، ومحمد بن أحمد الأهوازي، وقد استوليا على مدن الشام وكاتبا الديلم من كل صقع، وتجمّع لهما عدد كثير من العرب وخلق من الثغريّين، وجبى الأموال، واشتغلت بأمر الفداء مدّة حتى لم يبق بأيدي الكفرة أسير، ولله الحمد. ثم عبرت الفرات ونظرت في التقويم فوجدت الكسوف فتأمّلته على حسب ما أوجبه علم النجوم والمولد فكان نحسًا على أعدائنا، فقصدتهم، وهم على مرحلة من حلب بالناعور. إلى أن ذكر هزيمتهم، ثم قال: ولا شهدت عسكرًا على كثرة مشاهدتي للحرب استولى على جميع رؤسائه وأتباعه مثْل هؤلاء، ولا غنم من عسكر مثل ما غنم منهم، وقد كنت ناديت بأن من جاء بدِزْبَر والأَهوازي فله كذا وكذا، فتعاقد طوائف على ذلك وجعلوهما وكْدَهُم فأسروهما، وقُيِّدا، إلى أن قال: ولا شكّ عندي -[19]- في أنّ ما أنفق على الفداء نحو ثلاثمائة ألف دينار، فكّ الله بها ثلاثة آلاف وخمسمائة إنسان. وفيها جرت بالرِّيّ فتنة هائلة بين ركن الدولة وبين الخُراسانية الغُزاة، فقُتل من الفريقين نحو ثلاثة آلاف، وانتهب أهل الرِّيّ من الغزاة ألْفَيْ جملٍ محمَّلةٍ أمتعة، ثم ظفرت الغزاة ودخَلوا الرّيّ وضربوا جوانبها بالنّار، ثم طلب خلق منهم الموصل، وذهب خلق منهم فوق العشرين ألفًا إلى خُوَيّ وسَلَمَاس. وفيها سار طاغية الروم بجيوشه إلى بلد الشام فعاث وأفسد، وأقام به نحو خمسين يومًا، فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة يقول: إن تقفور قد عسكر بالدرب ومنع رسولنا ابن المغربيّ أن يكتب بشيء، وقال: لا أجيب سيف الدولة إلّا من أنطاكية، ليذهبْ من الشام فإنّه لنا ويمضي إلى بلده ويهادن عنه، وأنّ أهل أنطاكية راسلوا تقفور وبذلوا له الطاعة وأن يحملوا إليه مالًا، وإنّه التمس منهم يد يحيى بن زكريا عليهما السلام والكرسيّ، وأن يدخل بيعة أنطاكية ليُصَلِّي فيها ويسير إلى بيت المقدس. وكان الذي جرّ خروجه وأحنقه إحراق بيعة القدس في هذا العام. وكان البَتْرَك كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قُصُورَ يده عن استيفاء حقوق البيعة، فكاتب متولّي القدس بالشدّ على يده، فجاءه من الناس ما لم يطق دفعه، فقتلوا البترك وحَرَّقُوا البَيْعَةَ وأخذوا زينتها، فراسل كافورُ طاغية الروم بأن يردّ البَيْعَةَ إلى أفضل ما كانت، فقال: بل أنا أبنيها بالسيف. وأما ناصر الدولة فكتب إلى أخيه إنْ أحبَّ مسيرَه إليه سار، وإنْ أحبّ حِفْظَه ديارَ بكر سار إليها، وبثّ سراياه، وأصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب وشحنها، وانجفل الناس وعَظُم الخَطْبُ، وأَخْلِيتْ نَصٍيبّين. ثم نزل عظيم الروم بجيوشه على منبج وأحرق الربض، وخرج إليه أهلها فأقرّهم ولم يؤذِهم، ثم سار إلى وادي بُطْنان. وسار سيف الدولة متأخّرًا إلى قنسرين، ورجاله والأعراب قد ضيّقوا الخناق على الروم، فلا يتركون لهم علُوفة تخرج إلّا أوقعوا بها، وأخذت الروم أربعة ضياع بما حَوَتْ، فراسل سيفُ الدولة ملكَ الروم وبذل له مالًا يعطيه إيّاه في ثلاثة أقساط، فقال: لا أجيبه إلّا أن يُعْطيني نصفَ الشام، فإنّ طريقي إلى -[20]- ناحية الموصل على الشام، فقال سيف الدولة: والله لا أعطيه ولا حجرًا واحدًا. ثم جالت الروم بأعمال حلب، وتأخّر سيف الدولة إلى ناحية شيزر، وأنْكَت العُرْبان في الروم غير مرّة، وكسبوا ما لا يوصف. ونزل عظيم الروم على أنطاكية فحاصرها ثمانية أيّام ليلًا ونهارًا، وبذل الأمان لأهلها، فأبوا، فقال: أنتم كاتبتموني ووعدتموني بالطاعة، فأجابوا: إنّما كاتبنا الملك حيث كان سيف الدولة بأرمينية بعيدًا عنّا، وظننّا أنّه لا حاجة له في البلد، وكان السيف بين أَظْهُرِنا، فلما عاد سيف الدولة لم نُؤْثِر على ضبط أدياننا وبلدنا شيئًا. فناجَزَهُمُ الحربً من جوانبها، فحاربوه أشدّ حربٍ، وكان عسكره مُعْوِزًا من العلوفة. ثم بعث نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قرغويه متولّي نيابة حلب بتفاصيل الأمور وبثبات الناس على القتال، وأنّا قد قتلنا جملةً من الروم، وأنّ المسلمين قد أثّروا في الروم وتشجعوا ونشطوا للقتال، وأنا ليلي ونهاري في الحرب لا أستقرّ ساعة، وأنّ اللعين قد ترحّل عنّا ونزل الجسر. وفيها أوقع تقي السيفي بسريّة للروم فاصطلموها، ثم خرج الطاغية من الدروب وذهب. ثم جاء الخبر بأنّ نائب أنطاكية محمد بن موسى الصُّلَحيّ أخذ الأموال التي في خزائن أنطاكية مُعَدَّة وخرج بها كأنّه متوجّه إلى سيف الدولة، فدخل بلَدَ الروم مرتدًّا، فقيل: إنه كان عزم على تسليم أنطاكية للملك فلم يمكنه لاجتماع أهل البلد على ضبطه، فخشي أن يُنَمَّ خبرُه إلى سيف الدولة فيتلفه، فهرب بالأموال. وفيه قدم الغُزاة الخراسانية ميّافارِقين فتلقّاهم أبو المعالي ابن سيف الدولة وبالغ في إكرامهم بالأطعمة والعلوفات ورئيسهم أبو بكر محمد بن عيسى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسين وثلاثمائة
عَمِلت الرافضة يوم عاشوراء ببغداد وناحت. وفيها مات مُعِزّ الدولة بن بُوَيْه، وولي إمرة العراق ابنه عزُّ الدولة بختيار ابن أحمد بن بُوَيْه. قال أبو القاسم التَّنوخي: حدَّثني الحُسين بن عثمان الفارقي الحنبليُ، -[21]- قال: كنت بالرَّمْلة في سنة ست وخمسين، فقدِمَها أبو علي القِرمطيّ القَصير الثِّياب، يعني الذي تملَّك الشام، فَقَرَّبني، فكنت ليلة عنده، فقال بديهاً: ومَجْدُولَةٍ مثل صدْر القَنَاة تَعَرَّتْ وباطنها مُكْتَسي لها مُقْلَةٌ هي روحٌ لها وتاج على هيئة البُرْنُسِ إذا غازَلْتهَا الصَّبا حَرَّكت لساناً من الذَّهب الأملسِ فنحنُ من النُّور في أسعدٍ وتلك من النَّار في أنحسِ وفي المجلس أبو نصر بن كُشَاجم، فقَبَّل الأرضَ وزاد فيها: وليلتنا هذه لَيْلَةٌ تشَاكِلُ أشكال أقليدس فيا ربَّةَ العُود غني الغنا ويا حامل الكأس لا تحبسِ وفيها دخلت الخراسانية فغزوا بلد ابن مَسْلَمَة وخرجوا بالسلامة والغنائم، وتضور أهل نَصِيبّين إلى ناصر الدولة بمصادرة العمّال، فأزال ضررهم وردّ إليهم كثيرًا من أموالهم، حتى قيل: إنّه قال لهم: قد أبحت لكم دماء من ظلمكم. وفيها رجع غزاة خُراسان إلى بلادهم، ودخل سيف الدولة إلى حلب ومعه قوم من الخراسانية. ومعهم فيل، فمات الفيل بعد أيام، فاتّهموا أنّ النّصارى سمَّتْهُ. ومات سيف الدولة في صفر، وبُعِثَ بتابوته إلى عند قبر أمّه. وكان تُقَى مولى سيف الدولة أكبر الأمراء، وكان قد أخذ من أنطاكية مالًا كثيرًا، حتى ضجّ الناس منه، وشكوه إلى قرغُوَيْه الحاجب نائب حلب، فأحبَّ أن يبعدَهُ عن الشام، فرفق به حتى جاء إلى حلب، ونفّذه مع التابوت المذكور في سبعمائة فارس وراجل، وقال له: أقِمْ بديار بكر، فإنّها مملكة مفتقرة إلى مثلك. وأجمع رأي أبي المعالي ابن سيف الدولة على المجيء إلى حلب، فلما وافى تُقي بالتابوت إلى ميّافارقين، خرج أبو المعالي منها لتلقّيه، فصَعُب على تُقي، كون القاضي وابن سهل الكاتب وابن جلبة لم يترجّلوا له، فلمّا نزل قبض عليهم، فاضطرب لذلك البلد، فجهّزت والدة أبي المعالي إلى كبار الغلمان ولاطفتهم ففرَّقَتْهم عن تُقى، وقالوا: ما جئنا لنخرق بابن مولانا ولا لنقاتله، واجتمعوا على مخالفة تُقى، فلما أحسّ بذلك سار في حاشيته إلى ناحية أَرْزن، فلم يمكنه عبور النهر لزيادته، فرجع وتذلّل، فقبض عليه أبو المعالي وقيّده واعتقله بحصن كافا، وأخذ منه سبعة وعشرين ألف دينار وثلاثمائة ألف درهم كانت معه. -[22]- وفيها قبض على الملك ناصر الدولة بن حمدان ولده أبو تغلب، لأن أخلاقه ساءت، وظلم وعسف وقتل جماعة وشتم أولاده وتزايد أمره، فقبض عليه ابنه بمشورة الدولة في جمادى الأولى ونفَّذه إلى قلعة، ورتب له كل ما يحتاج إليه، ووسّع عليه، وقال: هذا قد اختلّ مِزاجُه. وفي رجب دخل أبو المعالي حلب وفرح الناس به. وفي هذه الأيام نزلت الروم على رَعْبان، فسار عسكر حلب للكشف عنها، فترحل ملك الروم، ثم سار عسكر حلب فنزلوا على حصن سرجون فافتتحوه بعد أيام بالسيف بعد حرب عظيم، وأخذوا منه ما لا يوصف، وحصل من السبي خمسة آلاف آدميّ، ثم نازلوا حصن سنّ الحمراء، فافتتحوه وسبوا منه نحو الألف، وأسروا ثلاثمائة عِلْج، وأسروا سرجون لعنه الله، وهو الذي كان أسر أبا فراس بن حمدان فلله الحمد. وغزت الخراسانية مع لؤلؤ الحجراجي من أنطاكية إلى ناحية المَصّيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الروم، فنصر الله وقتلوا ألفاً من الروم، وأسروا خلقًا، وردّوا بالغنائم إلى أنطاكية، ثم عادوا غزوا فأصيبوا. وسار نحو ألفي فارس من التُرْك إلى مصر لأنّ كافورًا راسلهم. ودخل الثغر محمد بن عيسى رئيس الخراسانية ومعه ابن شاكر الطرسوسي، فظفروا وغنموا وردّوا بالغنائم. وتأخّر في الساقة محمد بن عيسى وابن شاكر في نحو ثمانمائة فارس، فدَهَمهُمْ جموع الروم، فقال ابن عيسى: ما أستحل أن أُوَلّيهم الدُّبُرَ بعد أن قَرُبُوا. وسار ابن شاكر يكشفهم فإذا هم فيما يقال في ثلاثين ألفًا، فرجع وقال: لا طاقة لك بهؤلاء، فلم يقبل، والتقاهم وقاتلوا أشدّ قتال، وأنكوا في الروم نكاية عظيمة، واستُشْهِد عامّة المسلمين، وبقي محمد بن عيسى في مائة وخمسين فارسًا، فقال له ابن شاكر: لا تُلْقي بيدك إلى التَهْلُكة، فقال له فقيه معه: إن وَلَّيْتَ الدُّبُرَ لحِقُوك وقتلوك وأنت فارَّ، فقاتَلَ حتى قتل أكثر أصحابه، ثم أُسِر محمد بن عيسى، وابن شاكر، ثم ورد الخبر بأن ابن عيسى اشترى نفسه بمائة ألف درهم وبمائة وعشرين عِلْجًا كانوا بأنطاكية، وبرطل فصوص فيروزج، وإنّه بعد ذلك غزا العدُوَّ وظفر، رحمه الله تعالى وغفر له. |