سير أعلام النبلاء
|
نجم الدين أيوب، يوسف بن آدم:
5171- نجم الدين أيوب 1: والد الملوك. وَلِيَ نِيَابَةَ بَعْلَبَكَّ لِلأَتَابَك زِنْكِي، وَأَنشَأَ الخَانكَاه بِهَا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَعيَانِ أُمَرَاءِ دِمَشْقِ، وَلَمَّا تَمَلَّكَ مِصْر وَلدُهُ، أَذن لَهُ نُوْر الدِّيْنِ، فَسَارَ إِلَى ابْنِهِ، فَبَالغ فِي مُلتقَاهُ، وَخَرَجَ لِتلقِّيه الخَلِيْفَةُ الرَّافضِيُّ العَاضد. وَكَانَ مِنْ رِجَالِ العَالَمِ عَقْلاً وَخِبْرَةً. شبَّ بِهِ الْفرس، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّام فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. ثُمَّ نُقل هُوَ وَأَخُوْهُ إِلَى تُربَةٍ بِقُرْبِ الحُجْرَة النَّبويَةِ بَعْد عشر سنين. ولده عِدَّةُ بنِيْنَ وَبنَات رَحِمَهُ اللهُ. 5172- يُوْسُفُ بنُ آدم: ابن محمد بن آدم، المُحَدِّثُ الصَّالِحُ، أَبُو يَعْقُوْبَ المَرَاغِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيّ، من مشايخ السنة. __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "1 ترجمة 107" وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 226- 227". |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
* الصالح نجم الدين أيوب أحد سلاطين الدولة الأيوبية فى مصر، تولى العرش خلفالأخيه العادل الثانى بن الكامل.
ورث «الصالح نجم الدين أيوب» عرشًا مضطربًا، مزعزع الأركان جلب عليه الكثير من المشاكل والمتاعب، فدبر أموره، وأعد عدته وتمكن من القضاء على أكثر هذه المصاعب التى واجهته رغم شدتها، فلما تم له ما أراد تحول بقوته إلى مواجهة الصليبيين، ولم يألُ جهدًا فى جهاده ضدهم، واستطاع استعادة «بيت المقدس» ثانية من قبضتهم، فاستقرت له الأحوال، وحل السلام بينه وبين أمراء مملكته، وتفرغ لمواصلة جهاده ضد الصليبيين؛ أملا منه فى تحرير البلاد كافة من أطماعهم. أكثر «الصالح نجم الدين أيوب» من استجلاب المماليك لمساعدته فى حروبه ضد الصليبيين، فنبغ منهم عدة أشخاص كان لهم أكبر الأثر فى تغيير مجرى السياسة المصرية، ومنهم «شجرة الدر» الأرمينية الأصل، والتى كانت أم ولد للصالح نجم الدين أيوب، ولازمته فى حياة أبيه «الكامل»، وظلت معه بذكائها حتى أنجبت من «الصالح أيوب» ابنه «خليل» فتوطدت مكانتها، فلما أصبح سلطانًا على «مصر» اتخذها إلى جواره ملكة غير متوَّجة، فقد كانت تعمل على راحته، ووجد فيها ما يحبه. مات «الصالح أيوب» فى ليلة النصف من شعبان سنة (647هـ)، وكانت الحرب لاتزال دائرة بين المسلمين والصليبيين أمام «المنصورة»، فأعملت «شجرة الدر» عقلها وتجلى ذكاؤها، وأخفت خبر وفاته عن الناس فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ «مصر» و «الشام»، وأمرت أحد أطبائه بغسل جثمانه ووضعه فى تابوت، ثم حمله فى الظلام إلى «قلعة الروضة»، ثم إلى «قبو» بجوار المدرسة الصالحية ودفنه هناك، وأخبرت الأمراء أن «السلطان مريض لا يصل إليه أحد»، ولم تعلن خبر وفاته إلا بعد انتصار المسلمين على الصليبيين، ورد حملتهم، فاستمر العزاء ثلاثة أيام بلياليها بمدرسته، وبعثت «شجرة الدر» بالسناجقة السلطانية، وأمرت بأن تُعلَّق داخل القاعة على ضريح |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*نجم الدين أيوب هو أيوب بن شاذى بن مروان.
الملك الأفضل والد السلطان صلاح الدين الأيوبى، كان كريمًا سمحًا، حسن النية. من أهل دُوْين (بلدة فى أذربيجان)، وكان والده واليًا على تكريت من قبل بهروز والى بغداد وتكريت، وبعد أن تُوفِّى، تولى ابنه أيوب، ولكن بهروز مالبث أن غضب عليه وعلى أخيه أسد الدين شيركوه، وطردهما من خدمته، فخرجا إلى الموصل واتصلا بعماد الدين زنكى، فأقطع أيوب بن شاذى قلعة بعلبك. ولما تولى ابنه صلاح الدين الأيوبى الوزارة فى مصر بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه، استدعى والده نجم الدين من بلاد الشام إلى مصر سنة (565هـ =1169م)، فعرض عليه الوزارة ولكنه رفضها. ولما خرج صلاح الدين لحرب الصليبيين أناب عنه والده نجم الدين على القاهرة، فخرج يومًا مع العسكر، فسقط عن جواده، فظل أيامًا مريضًا، حتى تُوفِّى، وكان ذلك سنة (568هـ = 1172م). ومن أهم أثاره خانقاه فى دمشق، وأخرى فى مصر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ولاية السلطان الصالح نجم الدين أيوب على مصر.
637 ذو الحجة - 1240 م بعد وفاة السلطان الكامل محمد سنة (635هـ = 1238م) تعرضت الدولة الأيوبية في مصر والشام لخطر الانقسام والفوضى، فاستولى الصالح نجم الدين أيوب على دمشق سنة (636هـ = 1239م)، وكان هذا إيذاناً بدخوله في صراع مع أخيه السلطان العادل الصغير بن الكامل الذي خلف أباه على حكم مصر والشام، واستعان كل منهما بأنصار من البيت الأيوبي للوقوف في وجه الآخر، وفي غمرة الصراع قفز عمهما الصالح إسماعيل على "دمشق" واستولى عليها، وطرد الصالح أيوب منها، والذي وقع في قبضة الناصر داود صاحب الأردن والكرك، ثم لم يلبث أن أفرج عنه، واتفقا معاً على القيام بحملة عسكرية على مصر والاستيلاء عليها من قبضة العادل الصغير, وقد كانت الظروف مهيأة تماماً لنجاح حملة الصالح أيوب؛ فكبار أمراء العادل الصغير مستاءون منه لاحتجابه عنهم، وانشغاله باللهو واللعب عن تدبر شئون الدولة؛ فقبضوا على سلطانهم اللاهي واستدعوا أخاه الصالح أيوب لتولي مقاليد البلاد الذي دخل القاهرة في (25 ذي الحجة 637هـ = 17 يوليو 1238م) وجلس على عرشها، واستأثر بها دون الناصر داود. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر وتولي ابنه توران شاه بعده.
647 شعبان - 1249 م كان السلطان في دمشق ثم سار عنها في المحرم إلى مصر بعد أن سمع بوصول الفرنج إلى سواحل مصر من دمياط، وكان قد أصابه المرض ولم يقدر السلطان على الحركة لمرضه، ونودي في مصر من كان له على السلطان أو عنده له شيء، فليحضر ليأخذ حقه، فطلع الناس وأخذوا ما كان لهم، ثم لما كان ليلة الاثنين نصف شعبان مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة، وهو في مقابلة الفرنج، عن أربع وأربعين سنة، بعدما عهد لولده الملك المعظم توران شاه، وكانت مدة ملكه بمصر عشر سنين إلا خمسين يوماً، فغسله أحد الحكماء الذين تولوا علاجه، لكي يخفى موته، وحمل في تابوت إلى قلعة الروضة، وأخفى موته، فلم يشتهر إلى ثاني عشر رمضان، ثم نقل بعد ذلك بمدة إلى تربته بجوار المدارس الصالحية بالقاهرة، وقد كانت كتمت جاريته أم خليل المدعوة شجرة الدر موته، وأظهرت أنه مريض لا يوصل إليه، وبقيت تعلم عنه بعلامته سواء، وأعلمت إلى أعيان الأمراء فأرسلوا إلى ابنه الملك المعظم توران شاه وهو بحصن كيفا فأقدموه إليهم سريعا، وذلك بإشارة أكابر الأمراء منهم فخر الدين بن الشيخ، فلما قدم عليهم ملكوه عليهم وبايعوه أجمعين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
266 - عمر ابن الأمير نور الدين شاهنشاه ابن الْأمير نجم الدِّين أيوب بْن شاذي، الملك المظفَّر تقي الدّين [المتوفى: 587 هـ]
صاحب حماه، وأَبُو ملوكها. كَانَ بطلًا شجاعًا لَهُ مواقف مشهودة فِي قتال الفِرَنج مَعَ عمّه السّلطان صلاح الدّين، وكان يحبّه، وَهُوَ الَّذِي أَعْطَاه حماه. وَقَدِ استنابه على مصر مدة، وأعطاه المعرة، وسليمة، وكفر طاب، وميافارقين، ثُمَّ أَعْطَاه فِي العام الماضي حَرّان والرُّها بعد ابن صاحب إربل، فأذِن لَهُ السلطان فِي السَّفَر إلى تِلْكَ البلاد -[837]- ليقرر قواعدها، فسار إليها وإِلَى ميافارقين في سبعمائة فارس، وكان عالي الهمَّة، فقصد مدينة حاني فحاصرها وافتتحها، فَلَمَّا سَمِع الملك بكتمر صاحب خِلاط سار لقتاله فِي أربعة آلاف فارس فالتقوا، فلم يثُبت عسكر خِلاط وانهزموا، فساق تقيّ الدّين وراءهم، وأخذ قلعةً لبكتمر، ونازل خِلاط وحاصرها، فلم ينل غَرَضًا لقلة عسكره، فرحل. ونازل منازكُرد مدَّة. وَلَهُ أفعال بِرّ بمصر والفيوم. وسمع بالإسكندرية من السفلي، والفقيه إِسْمَاعِيل بْن عَوْف، وروى شيئًا من شِعره. تُوُفّي عَلَى منازكرد محاصرًا لها، وهي من عمل أرمينيَّة فِي طريق خِلاط، فِي تاسع عشر رمضان، ونُقِل إلى حماه فدُفن بها. وكان فيه عدل وكرم ورياسة. ثم فوض السلطان حماة، والمعرة، وسليمة إلى ولده الملك المَنْصُور ناصر الدّين مُحَمَّد. وكان تقي الدين قد حدَّث نفسه بتملُّك الديار المصرية، فلم يتم لَهُ، وعُوفي عمّه صلاح الدّين، وطلبه إلى الشام، فامتنع واستوحش، وهَمَّ باللّحُوق بمملوكيه قراقوش وبوزبا اللَّذَين استوليا عَلَى بَرْقة وأطراف المغرب، وتجهَّز للمسير، ثُمَّ سار إِلَيْهِ الفقيه عِيسَى الهَكّاريّ الأمير، وكان مَهِيبًا مُطاعًا، فثنى عزْمه، وأخرجه إلى الشام، فأحسن إِلَيْهِ عمّه السّلطان وأكرمه وداراه، وأعطاه عدة بلاد. قَالَ ابن واصل: كَانَ الملك المظفَّر عُمَر شجاعًا جوادًا، شديد البأس، عظيم الهيبة، ركنًا من أركان البيت الأيوبي. وكان عنده فضل وأدب، وَلَهُ شِعْر حَسَن، أصيب السّلطان صلاح الدّين بموته؛ لأنه كَانَ من أعظم أعوانه عَلَى الشدائد. وتملك حَرّان والرُّها بعده العادل سيف الدين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
376 - يوسف السّلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المظفر ابن الْأمير نجم الدِّين أيوب بْن شاذي بْن مَرْوَان بْن يعقوب الدُّوِينيّ الأصل، التكريتيّ المولد. [المتوفى: 589 هـ]
ودُوِين بطرف أَذَرْبَيْجان من جهة أرّان والكَرَج، أهلها أكراد رَوَاديَّة، والرَوَاديَّة بطن منَ الهَذَبّانيَّة. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة إذْ أَبُوهُ والي تكريت. وسَمِع من أَبِي الطاهر السِّلَفيّ، والإمام أَبِي الْحَسَن عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن المسلم ابْن بِنْت أَبِي سَعْد، وأبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النَّحْويّ، والقُطْب مَسْعُود النَّيْسابوريّ، وجماعة. وروى الْحَدِيث، وملك البلاد، ودانت لَهُ العباد، وافتتح الفتوحات، وكسر الفِرَنج مرات، وجاهد فِي سبيل اللَّه بنفسه ومالِهِ. وكان خليقًا للمُلك. وأقام فِي السلطة أربعًا وعشرين سنة. رَوَى عَنْهُ يُونُس بْن مُحَمَّد الفارقيّ، والعماد الكاتب، وغيرهما. وتُوُفّي بقلعة دمشق بعد الصُّبْح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صَفَر، وحَضَر وفاته القاضي الفاضل. وذُكِر أَبُو جَعْفَر القُرْطُبيّ إمام الكلّاسة أَنَّهُ لما انتهى فِي القراءة إِلَى قوله تَعَالَى: " هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عالم الغيب والشهادة " سمعه وَهُوَ يَقُولُ: صحيح. وكان ذهنه غائبًا قبل ذَلِكَ. ثُمّ تُوُفّي. وهذه يقظة عِنْد -[891]- الحاجة، وغسّله الدَّوْلِعيّ، وأُخرج فِي تابوت، وصلّى عليه القاضي محيي الدين ابن الزَّكيّ، وأُعيد إِلَى الدار التي فِي البستان التي كان متمرضًا فيها. ودفن بالصفة الغربية منها. وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظُم الضجيج، حَتَّى إن العاقل يتخيّل أنّ الدُّنْيَا كلها تصيح صوتًا واحدًا. وغَشِيَ النّاس منَ البكاء والعويل ما شغلهم عَنِ الصَّلاة، وصلى عليه النّاس أَرسالًا، وتأسَّف النّاسُ عليه، حَتَّى الفِرَنج، لِما كان من صِدْق وفائه إذا عاهد. ثُمّ بنى ولده الأفضل صاحب دمشق قبة شمالي الجامع، وهي التي شباكها القِبْلي إِلَى الكلّاسة، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين، ومشى بَيْنَ يدي تابوته. وأراد العلماء حمله على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفيه أدْعِيتكم الصالحة. وحمله مماليكه، وأُخرِج إِلَى باب البريد، فصُلّي عليه قُدّام النَّسْر. وتقدم فِي الإمامة القاضي محيي الدّين بإذْن ولده. ودخل الأفضل لَحْدَه وأودعه وخرج، وسد الباب، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيام، وذلك خلاف العادة، وخلاف السُّنَّة. كَانَ رحِمَه اللَّه كريمًا، جوادًا، بطلًا، شجاعًا، كامل العقل والقُوَى، شديد الهيبة، افتتح بسيفه وبأقاربه منَ اليمن إِلَى المَوْصِل، إِلَى أوائل الغرب، إِلَى أسوان. وَفِي " الروضتين " لأبي شامة إن السّلطان رحِمَه اللَّه لَمْ يخلف فِي خزائنه منَ الذَّهَب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا، ودينارًا واحدًا صوريًّا. ولم يخلف ملكًا ولا عقارًا، وخلف سبعةَ عشر ولدًا ذَكَرًا، وابنة صغيرة. ومن إنشاء العماد الكاتب إِلَى الخليفة عَلَى لسان الأفضل: " أصدر العبدُ هَذِهِ الخدمة وصدرهُ مشروح بالولاءِ، وقلبه مغمور بالضياءِ، ويده مرفوعة إِلَى السماء، ولسانه ناطق بالشكر والدُّعاء، وجَنَانه ثَابِت منَ المهابة والمحبَّة عَلَى الخوف والرجاء، وطرفه مغمض من الحياء. وهو للأرض مقبل، وللفرض متقبل، يمتُّ بما قدمه منَ الخدمات، وذخَره ذخر الأقوات لهذه الأوقات، وَقَدْ أحاطت العلوم الشريفة بأن الوالد السعيد الشهيد الشديد السديد المبيد للشرك المبير، لم يزل مستقيمًا على جديد الجد، ومصر بل الأمصار باجتهاده فِي -[892]- الجهاد شاهده، والأنجاد والأغوار فِي نظر عزمه واحده، والبيتُ المُقَدَّسُ من فتوحاته، والمُلك العقيم من نتائج عزماته، وَهُوَ الَّذِي ملك ملوك الشرق، وغلَّ أعناقها، وأسرَ طواغيت الكُفر، وشد خناقها، وقَمَعَ عَبَدَةَ الصُّلْبان، وقطع أصلابها، وجمع كلمة الْإِيمَان وَعَصَم جنابها، وقُبِضَ وعدلُه مبسوط، ووِزْره محطوط، وعمله بالصلاح منوط، وخرج منَ الدُّنْيَا وَهُوَ فِي الطاعة الأمامية داخلْ. قَالَ العماد الكاتب: لما تُوُفّي وملكت أولاده كَانَ العزيز عُثْمَان بمصر يقرِّب أصحاب أَبِيهِ ويكُرمهم، والأفضل بدمشق يفعل بضد ذَلِكَ. وأشار عليه جماعة كالوزير الجزري الذي استوزره، يعني الضياء ابن الأثير. وفيه يَقُولُ فتيان الشاغوريّ: مَتَى أرَى وزيرَكم ... وما لَهُ من وزرِ يقلعه اللَّه فذا ... أوانُ قلْع الجزرِ ومن كتاب فاضلي: أمّا هَذَا البيت، فَإِن الآباء منه اتفقوا فملكوا، وأنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا. قُلْتُ: خلَّف منَ الأولاد صاحب مصر السّلطان الملك الْعَزِيز، والملك الأفضل عليّ صاحب دمشق، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك المعز فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد نجم الدين مسعود، والملك الأعز شرف الدين يعقوب، والملك الظافر مظفَّر الدّين خضر، والملك الزاهر مجير الدّين دَاوُد، والملك المفضل قُطْب الدّين مُوسَى، والملك الأشرف عزيز الدّين مُحَمَّد، والملك المحسن ظهير الدّين أَحْمَد، والملك المعظم فخر الدّين تورانشاه، والجواد ركن الدّين أيوب، والغالب نصير الدّين ملك شاه، وعماد الدّين شاذي. ونُصْرة الدّين مَرْوَان، والمَنْصُور أَبُو بَكْر، ومؤنسة زَوْجَة الكامل. هَؤُلَاءِ كلهم عاشوا بعده، وكان أكثرهم بحلب عِنْد الظاهر، وآخرهم موتًا تورانشاه، تُوُفّي بعد أخْذ حلب، وكان بقلعتها. قَالَ الموفق عَبْد اللطيف: أتيتُ الشام، والملك صلاح الدّين بالقدس، فأتيته فرأيته ملكًا عظيمًا، يملأ العيون روعَةً، والقلوب محبة، قريبًا بعيدًا، سَهْلًا محببًا، وأصحابه يتشبهون بِهِ، يتسابقون إِلَى المعروف كَمَا قال الله -[893]- تَعَالَى: {{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}}. وأول ليلةٍ حَضَرْتُهُ وجدتُ مجلسًا حفِلًا بأهل العلم يتذاكرون فِي أصناف العلوم، وَهُوَ يُحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ فِي كيفية بناء الأسوار، وحفْر الخنادق، ويتفقّه فِي ذَلِكَ، ويأتي بكلّ معنى بديع. وكان مهتمًّا فِي بناء سور القدس، وحفْر خندقه، يتولى ذَلِكَ بنفسه، وينقل الحجارة عَلَى عاتقه، ويتأسّى بِهِ جُمَيْع النّاس الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، حَتَّى العماد الكاتب والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشّمس إِلَى وقت الظُّهْر، ويأتي دارَه فيمدّ السِّماط، ثُمّ يستريح، ويركب العصر، ويرجع فِي ضوء المشاعل، ويُصرّف أكثر الليل فِي تدبير ما يعمل نهارًا. وقَالَ لَهُ بعض الصُّنّاع: هَذِهِ الحجارة التي تُقطع من أسفل الخندق، ويُبنى بها السور رخْوة. قَالَ: نعم، هَذِهِ تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة، فإذا ضربتها الشمس صَلُبَت. وكان رحِمَه اللَّه يحفظ " الحماسة "، ويظن أن كُلّ فقيه يحفظها، فكان ينشد القطعة، فإذا توقف فِي موضعٍ استطعم فلم يُطعَم. وجرى لَهُ ذَلِكَ مَعَ القاضي الفاضل، ولم يكن يحفظها، فخرج من عنده، فلم يزل حَتَّى حفظها. وكتب لي صلاح الدّين بثلاثين دينارًا فِي الشهر عَلَى ديوان الجامع بدمشق، وأطلق لي أولاده رواتب، حَتَّى تقرَّر لي فِي كُلّ شهر مائة دينار. ورَجَعْتُ إِلَى دمشق، وأكبَّيْت عَلَى الاشتغال وإقراء النّاس بالجامع. قَالَ: وكان عمّه أسد الدّين شِيركُوه من أمراء دولة نور الدّين، وكان أَبُوهُ أيوب معروفًا بالصلاح. وكان شيركوه معروفًا بالشجاعة، وكان لأيوب بنون وبنات، ولم يكن صلاح الدّين أكبرهم. وكان شِحْنَة دمشق، ويشرب الخمر، فمُذْ باشَر المُلْك طلق الخمر واللّذّات. وكان محببًا، خفيفًا إلى قلب نور الدّين، يلاعبه بالكُرَة. وملك مصر. وكانت وقعته مَعَ السودان سنة بضْع وستين، وكانوا نحو مائتي ألف، ونُصِر عليهم، وَقُتِلَ أكثرهم، وهرب الباقون، وابتنى سورَ القاهرة ومصر عَلَى يد الأمير قَراقُوش. وَفِي هَذِهِ الأيام ظهر ملك الخَزَر، ومَلَكَ دُوِين وَقُتِلَ منَ المسلمين ثلاثين ألفًا. -[894]- ثُمّ فِي سنة سبْعٍ قطع صلاح الدّين خطبة العاضد بمصر، وخطب للمستضيء. ومات العاضد واستولى صلاح الدّين عَلَى القصر وذخائره، وقبض عَلَى الفاطميين. وَفِي سنة ثمانٍ وستين فتح أخوه شمس الدولة بَرْقة ونَفُوسَا. وَفِي سنة تسعٍ مات أَبُوهُ، ونور الدّين، وافتتح أخوه شمس الدولة اليمن، وقبض عَلَى المتغلب عليها عَبْد النَّبِيّ بْن مهْديّ المهديّ، وكان شابًا أسود. وَفِي سنة سبعين سار من مصر، وملك دمشق. وَفِي سنة إحدى وسبعين حاصَرَ عَزَاز. قَالَ ابن واصل: حاصر عَزَاز ثمانيةً وثلاثين يومًا بالمجانيق، وَقُتِلَ عليها كثير من عسكره. وكانت لجاولي الأمير خيمة، كَانَ السّلطان يحضر فيها، ويحض الرجال عَلَى الحرب، فحضرها والباطنية، الَّذِين هُمُ الإسماعيلية، فِي زي الأجناد وقوفٌ، إذ قفَزَ عليه واحد منهم، فضرب رأسه بسِكين، فلولا المِغْفَر الزَّرَد، وكان تحت القَلَنْسُوَة، لقتله. فأمسك السّلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب فِي عُنقه ضرْبًا ضعيفًا، والزّرَدُ يمنع، فأدرك السّلطان مملوكُه يازكوج الأمير، فأمسك السِّكين فجرحته، وما سيبها الباطني حَتَّى بضّعوه. ووثب آخر، فوثب عليه الأمير دَاوُد بْن منكلان، فجرحه الباطني الآخر فِي جنْبه فمات وَقُتِلَ الباطنيّ، ثُمّ جاء باطنيٌّ ثالث، فماسَكَه الأمير عَلِيّ بْن أَبِي الفوارس، فضمّه تحت إبطه، وبقيت يد الباطنيّ من ورائه لا يقدر عَلَى الضَّرْب بالسِّكين، ونادى: اقتلوني معه، فقد قتلني وأذهب قوتي. فطعنه ناصر الدّين مُحَمَّد بْن شِيركُوه فقتله، وانهزم آخر فقطعوه، وركب السّلطان إِلَى مخيمه ودمه سائل عَلَى خده، واحتجب فِي بيت خشب، وعرض الْجُنْد، فَمنْ أنكره أبعده. ثُمّ تسلَّم القلعة بالأمان. وَفِي سنة ثلاثٍ كسرته الفِرَنج عَلَى الرملة، وفرَّ عندما بَقِيّ فِي نفرٍ يسير. وَفِي سنة خمسٍ وسبعين كسرهم. وأسَرَ ملوكهم وأبطالهم. وَفِي سنة ست أمَرَ ببناء قلعة القاهرة عَلَى جبل المقطم. -[895]- وَفِي سنة ثمانٍ عَبَر الفرات، وفتح حرَان، وسَرُوج، والرها، والرَّقَّة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمِد، وحاصر المَوْصِل، وملك حلب، وعوض عَنْهَا سِنْجار لصاحبها عماد الدّين زنكي الَّذِي بنى العمادية بالمَوْصِل. ثُمّ إن صلاح الدّين حاصر المَوْصِل ثانيًا وثالثًا، ثُمّ هادنه صاحبها عز الدّين مَسْعُود، ودخل فِي طاعته، ثُمّ تسلم صلاح الدّين البوازيج، وشَهْرَزُور، وأنزل أخاه الملك العادل عَنْ قلعة حلب، وسلمها لولده الملك الظاهر، وعمره إحدى عشر سنة. وسير العادل إِلَى ديار مصر نائبًا عَنْهُ، وكان بها ابن أَخِيهِ تقي الدّين عُمَر بْن شاهنشاه، فغضب حيث عزله، وأراد أن يتوجه إِلَى المغرب، وكان شهْمًا شجاعًا، فخاف صلاح الدّين من مَغَبَّة أمره، فلاطَفَه بكل وجهٍ حَتَّى رجع مُغضبًا وقَالَ: أَنَا افتح بسيفي ما أستغني بِهِ عما فِي أيديكم. وتوجه إِلَى خِلاط، وفيها بُكْتمر، فالتقى هُوَ وبُكْتمر، فانكسر بُكْتمر شر كسره، وسير تقي الدّين عَلَمَه وفَرَسَه إِلَى دمشق وأنا بها، وكان يومًا مشهودًا. وَفِي سنة ثلاثٍ وثمانين فتح صلاح الدّين طبريَّة، ونازل عسقلان، وكانت وقعة حِطِّين، واجتمع الفِرَنج، وكانوا أربعين ألفًا، عَلَى تل حِطّين، وسبقَ المسلمون إِلَى الماء، وعطش الفِرَنج، وأسلموا نفوسهم وأخذوا عن بكرة أبيهم، وأُسِرت ملوكهم. ثُمّ سار فأخذ عكّا، وبيروت، وقلعة كَوْكَب، والسواحل. وسار فأخذ القدس بالأمان بعد قتالٍ لَيْسَ بالشديد. ثُمّ إن قَراقُوش التركيّ مملوك تقي الدّين عُمَر المذكور توجه إِلَى المغرب لما رجع عَنْهَا مولاه، فاستولى عَلَى أطراف المغرب، وكسر عسكر تونس، وخطب لبني الْعَبَّاس. وإن ابن عَبْد المؤمن قصد قَراقُوش، ففرَّ منه ودخل البرية. ثُمّ دخل إليه مملوك آخر يسمى بُوزبَّةُ، واتفقا، ثُمّ اختلفا، ولو اتفقا مَعَ المايرقيّ لأخذوا المغرب بأسره. ووصلت خيل المايرقيّ إِلَى قريب مَرّاكُش، وتهيأ الموحدون للهرب، لكنْ أرسلوا رَجُلًا يُعرف بعبد الواحد لَهُ رأي ودهاء، فقاوم المايرقيّ بأنْ أفسد أكثر أصحابه والعرب الَّذِين حوله بالأموال، وكسره مرات، وجَرَت أمورٌ لَيْسَ هَذَا موضعها. ثُمّ إن الفِرَنج نازلوا عكّا مدةً طويلة، وكانوا أُممًا لا يُحصون، وتعب المسلمون، واشتد الأمر. -[896]- قَالَ: ومدة أيامه لَمْ يختلف عليه أحدٌ من أصحابه، وفُجع النّاس بموته. وكان الناس في أيامه يأمنون ظُلمه، ويرجون رِفْده. وأكثر ما كَانَ عطاؤه يصل إِلَى الشجعان، وإلى أَهْل العلم، وأهل البيوتات. ولم يكن لمُبْطِلٍ، ولا لصاحب هزلٍ عنده نصيب. ووُجد فِي خزائنه بعد موته دينارٌ صوريّ، وثلاثون درهمًا. وكان حسن الوفاء بالعهود، حسن المقدرة إذا قدر، كثير الصَّفْح. وَإِذَا نازل بلدًا وأشرف عَلَى أخْذِه، ثُمّ طلبوا منه الأمان أمَّنهم، فيتألَّم جيشه لذلك لفوات حظهم. وَقَدْ عاقد الفِرَنج وهادنهم عندما ضرس عسكره الحرب وملوا. قَالَ القاضي بهاء الدين ابن شدّاد: قَالَ لي السّلطان فِي بعض محاوراته فِي الصُّلح: أخاف أنْ أصالح، وما أدري أَيّ شيءٍ يكون مني، فيقوى هَذَا العدو، وَقَدْ بقيت لهم بلادٌ فيخرجون لاستعادة ما فِي أيدي المسلمين، وترى كُلّ واحدٍ من هَؤُلَاءِ، يعني أخاه وأولاده وأولاد أَخِيهِ، قَدْ قعد فِي رأس تلةٍ، يعني قلعته، وقَالَ لا أنزل. ويهلك المسلمون. قَالَ ابن شدّاد: فكان واللَّه كَمَا قَالَ؛ تُوُفّي عَنْ قريبٍ، واشتغل كُلّ واحدٍ من أَهْل بيته بناحية، ووقع الخُلف بينهم، وبعد، فكان الصُّلح مصلحةً، فلو قُدر موتُه والحربُ قائمةٌ لكان الْإِسْلَام على خطر. قال الموفق: حم صلاح الدين ففصده من لا خبرة له، فخارت القوة ومات قبل الرابع عشر، ووَجِدَ النّاس عليه شبيهًا بما يجدونَه عَلَى الأنبياء. وما رَأَيْت ملكًا حزن النّاس لموته سواه، لأنه كَانَ محبَّبًا، يحبه البَرّ والفاجر، والمسلم والكافر. ثُمّ تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومُزقوا فِي البلاد. قلت: ولقد أجاد في مدحه العماد حيث يقول: وللناس بالمالك الناصر الص ... صلاح صلاحٌ ونصرٌ كبيرٌ هُوَ الشمس أفلاكه فِي البلا ... دِ ومطلعه وسرجُه والسريرُ إذا ما سطا أَوْ حبا واحتبى ... فَمَا الليثُ مَنْ حاتم ما ثبير وقد طول القاضي شمس الدين ترجمته فعملها في تسعٍ وثلاثين ورقة -[897]- بالقطع الكبير، فمما فيها بالمعني أن صلاح الدين قدم به أبوه وهو رضيع، فناب أبوه ببعلبك لما أخذها الأتابك زنكي في سنة ثلاثٍ وثلاثين. وقيل: إنهم خرجوا من تكريت في الليلة التي ولد فيه صلاح الدّين، فتطيروا بِهِ، ثُمّ قَالَ بعضُهم: لعل فِيه الخِيَرَة، وأنتم لا تعلمون. ثُمّ خدم نجمّ الدّين أيوب وولَدَه صلاح الدّين السلطانُ نورُ الدّين، وصيرهُما أميرين، وكان أسد الدّين شيركوه أخو نجم الدّين أرفع منهما منزلةً عنده، فَإنَّهُ كَانَ مقدَّم جيوشه، وولي صلاح الدّين وزارة مصر، وهي كالسلطنة فِي ذَلِكَ الوقت، بعد موت عمّه أسد الدّين سنة أربعٍ وستين، فَلَمَّا هلك العاضد فِي أول سنة سبع، استقل بالأمر، مَعَ مُداراة نور الدّين ومراوغته، فَإِن نور الدّين عزم عَلَى قصد مصر ليُقيم غيره فِي نيابته، ثُمّ فَتَر، ولما مات نور الدّين سار صلاح الدّين إِلَى دمشق مظهرًا أَنَّهُ يقيم نفسَه أتابكًا لولد نور الدّين لكونه صبيًا، فدخلها بلا كلْفة، واستولى عَلَى الأمور فِي سلْخ ربيع الأول سنة سبعين، ونزل بالبلد بدار أَبِيهِ المعروفة بالشريف العقيقيّ التي هِيَ اليوم الظاهرية، ثُمّ تسلم القلعة، وصعِد إليها، وشال الصبيَّ منَ الوسط، ثُمّ سار فأخذ حمص، ولم يشتغل بأخذ قلعتها، فِي جُمادى الأولى، ثُمّ نازل حلب في سلخ الشهر، وهي الوقعة الأولى، فجهَّز السّلطان غازي بْن مودود أخاه عز الدّين مَسْعُود فِي جيشٍ كبيرٍ لحرْبه، فترحل عَنْ حلب، ونزل عَلَى قلعة حمص فأخذها، وجاء عز الدّين مَسْعُود، فأخذ معه عسكر حلب، وساق إِلَى قرون حماه، فراسلهم وراسلوه، وحرص عَلَى الصُّلْح فأبوا، ورأوا أن المصاف معه ينالون بِهِ غرضهم لكثرتهم، فالتقوا، فكانت الهزيمة عليهم، وأسَر جماعة، وذلك فِي تاسع عشر رمضان، ثُمّ ساق وراءهم، ونزل عَلَى حلب ثانيًا، فصالحوه وأعطوه المَعَرَّة، وكَفَرْطاب، وبارين. وجاء صاحب المَوْصِل غازي فحاصر أخاه عماد الدّين زنكي بسنْجار، لكونه انتمى إِلَى صلاح الدّين، ثُمّ صالحه لما بلغ غازي كسرةُ أَخِيهِ مَسْعُود، ونزل بنصيبين، وجمع العساكر، وأنفق الأموال، وعبر الفُرات، وقدِم حلب، فخرج إلى تلقيه ابن عمه الصالح ابن نور الدّين، وأقام عَلَى حلب مدة، ثُمّ كَانَتْ وقعة تل السّلطان، وهي منزلة بَيْنَ حلب وحماه، جرت بَيْنَ صلاح الدّين وبَيْنَ غازي صاحب المَوْصِل فِي سنة إحدى وسبعين، فنُصِر صلاح الدّين، ورجع غازي فعدى الفُرات، وأعطى صلاح الدّين لابن أَخِيهِ عز الدّين فرخشاه -[898]- ابن شاهنشاه صاحب بِعْلَبَكّ خيمة السّلطان غازي، ثُمّ سار فتسلَّم مَنْبِج وحاصر قلعة عزاز، ثُمّ نازل حلب ثالثًا فِي آخر السنة، فأقام عليها مدةً، فأخرجوا ابنةً صغيرة لنور الدّين إِلَى صلاح الدّين، فسأَلَتْه عَزاز، فوهبها لها، ثُمّ دخل الديار المصرية واستعمل عَلَى دمشق شمسَ الدولة تُورانشاه، وكان قَدْ جاء مِنَ اليمن، وخرج سنة ثلاثٍ من مصر، فالتقى الفرنج عَلَى الرملة، فانكسر المسلمون يومئذٍ، وثبت صلاح الدّين، وتحيز بمن معه، ثُمّ دخل مصر، ولمَّ شعث العسكر. وتقدم أكثر هَذَا القول مفرَّقًا. ونازل حلب فِي أول سنة تسعٍ، فطلب منه عماد الدّين زنكي بْن مودود أن يأخذ ما أراد منَ القلعة، ويعطيه سِنْجار، ونصيبين، وسروج، وغير ذَلِكَ، فحلف لَهُ صلاح الدّين عَلَى ذَلِكَ، وكان صلاح الدّين قَدْ أَخَذَ سنْجار مِنْ أربعة أشَهر، وأعطاها لابن أَخِيهِ تقي الدّين عُمَر، ثُمّ عوضه عَنْهَا، ودخل حلب، ورتَّب بها ولده الملك الظاهر، وَجَعَل أتابكه يازكوج الأَسَديّ، ثُمّ توجه لمحاصرة الكرك، وجاءه أخوه العادل من مصر، فحشدت الفرنج، وجاؤوا إِلَى الكَرَك نجدة، فسيَّر صلاح الدّين تقي الدّين عُمَر يحفظ لَهُ مصر، ثُمّ رحل عَنِ الكَرَك فِي نصف شعبان، وأعطى أخاه العادل حلب، فدخلها فِي أواخر رمضان، وقدم الظاهر وأتابكه، فدخلا دمشق فِي شوال، وقيل: أَعْطَاه عِوَض حلب ثلاث مائة ألف دينار، ثُمّ إن صلاح الدّين رَأَى أن عَوْد العادل إِلَى مصر، وعَوْد الظاهر إِلَى حلب أصلح، وعوض بعدُ العادل بحران، والرُّها، وميّافارقين. وَفِي شعبان سنة إحدى وثمانين نزل صلاح الدّين عَلَى المَوْصِل، وترددت الرُّسُل بينه وبَيْنَ صاحبها عز الدّين، ثُمّ مرض صلاح الدّين، فرجع إِلَى حَرّان، واشتد مرضه حَتَّى أَيِسوا منه، وحلفوا لأولاده بأمره، وَجَعَل وصيَّه عليهم أخاه العادل وكان عنده، ثُمّ عوفي ومرَّ بحمص وَقَدْ مات بها ابن عمّه ناصر الدّين مُحَمَّد بْن شيركوه، فأقطعها لولده شيركوه، ثُمّ استعرض الترِكة فأخذ أكثرها، قَالَ عز الدّين ابن الأثير: وكان عُمَر شيركوه اثنتي عشرة سنة. ثُمّ إنَّه حضر بعد سنة عند صلاح الدّين، فقال له: إلى أَيْنَ بلغت فِي -[899]- القرآن؟ قَالَ: إلى قوله تَعَالَى: {{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بطونهم ناراً}} فعجب الحاضرون من ذكائه. وَفِي سنة اثنتين وثمانين عاد الظاهر فدخل حلب، وزوجه أَبُوهُ بغازية بِنْت أَخِيهِ الملك العادل، فدخل بها بحلب فِي السنة. وَفِي سنة ثلاثٍ افتتح صلاح الدّين بلاد الفِرَنج، وقهرهم وأباد خضراءهم، وأسَرَ ملوكهم، وكسرهم عَلَى حِطّين، وافتتح القدس، وعكا، وطبرية، وغير ذَلِكَ. وكان قَدْ نذر أن يقتل البرنس أَرْناط صاحب الكَرَك، فكان مِمَّنْ وقع فِي أسرهْ يومئذٍ، وكان قَدْ جاز بِهِ قومٌ من مصر فِي حال الهدنة، فغدر بهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبَيْنَ المسلمين، فَقَالَ ما فِيهِ استخفاف بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقتلهم، فاستحضرهم صلاح الدّين، ثُمّ ناول الملك جفري شربةً من جُلاب وثلج، فشرب، وكان فِي غاية العَطَش، ثُمّ ناولها البرنْس أرناط فشرب، فَقَالَ السّلطان للتَّرجُمان: قُلّ للملك جفْري، أَنْت الَّذِي سقيته، وإلا أَنَا فَمَا سقَيْتُه. ثُمّ استحضر البرنس فِي مجلسٍ آخر وقَالَ: أَنَا انتصر لمحمد منك، ثُمّ عَرَضَ عليه الْإِسْلَام، فامتنع فسلَّ النيمجاه، وحلَّ بها كتِفَه، وتممه بعض الخاصة، وافتتح فِي هَذَا العام مِنَ الفتوحات ما لَمْ يفتحه ملك قبله، وطار صيتُه فِي الدُّنْيَا، وهابته الملوك. ثُمّ وقع المأتم والنَّوح فِي جزائر الفِرَنج، وإلى رومية العُظْمَى، ونودي بالنفير إِلَى نُصرة الصليب، فأُتي السلطانَ من عساكر الفِرَنج ما لا قِبَل لَهُ بِهِ، وأحاطوا بعكا يحاصرونها، فسار السّلطان إليها ليكشف عَنْهَا، فعِيلَ صبرُه، وبذل فوق طاقته، وجرت لَهُ أمورٌ وحروبٌ قَدْ ذكرتُها فِي الحوادث، وبقي مرابطًا عليه نحوًا من سنتين، فالله يُثيبه الْجَنَّة برحمته. وكتب القاضي الفاضل بطاقة إِلَى ولده الملك الظاهر صاحب حلب: {{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}}، {{إنَّ زلزلة الساعة شيء عظيم}}، كتبتُ إِلَى مولانا السّلطان الملك الظاهر أحسن اللَّه عزاءه، وجَبَرَ مُصابه، وَجَعَل فِيهِ الخَلف فِي الساعة المذكورة، وَقَدْ زُلزل المسلمون زلزالًا شديدًا وَقَدْ حفرت الدموعُ المحاجر، وبلغت القلوبُ -[900]- الحناجر، وَقَدْ ودَّعت أباكَ ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده، وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إِلَى اللَّه تَعَالَى، مغلوبَ الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن اللَّه، وَلا حَوْلَ وَلا قوَّة إِلا بِاللَّه، وبالباب مِنَ الجنود المجنَّدة، والأسلحة المعمّدة، ما لَمْ يدفع البلاء ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرضي الرَّبَّ، وإنا بك يا يوسف لمحزونون، وأمّا الوصايا فَمَا تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المُصاب عَنْهَا، وأمّا لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاقٌ فَمَا عدِمتم إلا شخصَه الكريم، وإنْ كَانَ غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وَهُوَ الهولُ العظيم "؟ وَقَدْ كتب إِلَى صلاح الدّين ابن التعاويذيّ هذه القصيدة يمتدحه: إنْ كَانَ دينك فِي الصَّبابة ديني ... فقِفِ المطيَّ برملَتيْ يبرينِ وألثم ثَري لو شارفتْ بي هَضْبَةُ ... أيدي المطي لثمته بجفوني وأنشد فؤادي فِي الظباء معرضًا ... فبغير غزْلان الصريم جنوني ونشيدتي بَيْنَ الخيام، وإنما ... غالطتُ عَنْهَا بالظباءِ العينِ للَّهِ ما اشتملتْ عليهِ قبابُهم ... يوم النَّوَى من لؤلؤٍ مكنونِ مِنْ كُلّ تائهةٍ عَلَى أترابها ... فِي الحُسْن غانية عَنِ التّحسين خودٍ تَرى قمرَ السماء إذا بدت ... ما بَيْنَ سالفةٍ لها وجبين يا سَلمَ إنْ ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الَّذِي استودعتُ غيرَ أمين هيهات ما للبِيض فِي ودّ امرِئٍ ... أربٌ وَقَدْ أربى عَلَى الخمسين ليت الضنين عَلَى المحب بوصلهِ ... لقن السماحة من صلاح الدّين ولعلَم الدّين حَسن الشاتانيّ فِيهِ قصيدةٌ مطلعها: أرى النصرَ مقرونًا برايتك الصَّفرا ... فسِرْ واملكِ الدُّنْيَا فأنْت بها أَحْرَى وللمهذب عمر بن محمد ابن الشِّحْنة الْمَوْصِلِيّ قصيدةٌ فِيهِ مطلعها: سلامُ مشوقٍ قَدْ براه التشوُّقُ ... عَلَى جيرة الحي الَّذِين تفرقوا منها: -[901]- وإني امرؤٌ أحببتكم لمكارم ... سمعتُ بها والأذْن كالعينِ تعشقُ وقالت لي الآمال: إنْ كنتَ لاحقًا ... بأبناء أيوب فأنت الموفقُ وللقاضي السعيد هبة اللَّه ابن سناء الملك فِيهِ: لستُ أدري بأي فتحٍ تُهنّا ... يا مُنيل الْإِسْلَام ما قَدْ تمنى أنهنيك إذ تملكت شاما ... أم نهنيك إذ تبوأت عدنا قَدْ ملكت الجنان قصرًا فقصرًا ... إذْ فتحت الشامَ حصْنًا فحصْنا لَمْ تَقِفْ في المعارك قطُّ إلا ... كُنْت يا يوسف كيوسف حُسنا قصدَتْ نحوكَ الأعادي، فرد ... اللَّه ما أملوه عنك وعنا حملوا كالجبال عُظمًا ولكنْ ... جَعَلَتْها حملاتُ خَيْلك عِهنا كُلّ من يجعل الحديدَ لَهُ ثوبًا ... وتاجًا وطيلسانًا ورُدنا خانهم ذَلِكَ السلاح فلا الرمحُ ... تَثَنَّى، ولا المهند طنّا وتولت تِلْكَ الخيولُ وكم يُثنى ... عليها بأنها لَيْسَ تُثنى وتصيدتهم لحلقة صيدٍ ... تجمع الليثَ والغزال الأَغَنّا وجَرَت منهم الدماء بِحارًا ... فَجَرَت فوقها الجزائرُ سُفنا صُنعت فيهم وليمةُ وحشٍ ... رقص المشرفي فيها وغنى وحوى الأسرُ كُلّ ملك يظن ... الدَّهْر يَفْنَى وملكه لَيْسَ يفنى والملكُ العظيمُ فيهم أسيرٌ ... يتثنى فِي أدهمٍ يتثنى كم تمنى اللقاء حتى رآهُ ... فتمنى لو أَنَّهُ ما تمنى رق من رحمةٍ لَهُ القيدُ والغل ... عليه فكُلما أنَّ أنَا واللّعين البرنس أرناط مذبوحٌ ... بيُمْنَى مَنْ بات للدِّين يُمنى أَنْت ذكَّيته فَوَفَيْتَ نَذْرًا ... كُنْت قدَّمتهُ فَجُوزِيت حُسنا قَدْ ملكت البلادَ شرقًا وغربًا ... وحويتَ الآفاقَ سهْلًا وحَزنا واغْتَدَى الوصفُ فِي عُلاك حسِيرًا ... أيُّ لفظٍ يُقَالُ أَوْ أيُّ مَعْنى فَمنْ فتوحاته: افتتح أولًا الإسكندرية سنة أربعٍ وستين، وقاتل معه أهلها لما حاصرتهم الفِرَنج أربعة أشهر، ثُمّ كشف عنه عمه أسد الدّين شيركوه، وفارقاها وقدما الشام. -[902]- ثُمّ تملك وزارة العاضد بعد عمّه شيركوه سنة أربع وستين، وَقُتِلَ شاور، وحارب السودان؛ واستتب لَهُ أمرُ ديار مصر، فأعاد بها الخطبة العباسية، وأبادّ بني عُبيد، وَعَبيدهم. ثُمّ تملَّك دمشق بعد نور الدّين، ثُمّ حمص، وحماه، ثُمّ حلب، وآمِد، وميافارِقين، وعدة بلاد بالجزيرة، وديار بَكْر. وأرسل أخاه فافتتح لَهُ اليمن، وسار بعض عسكره فافتتح لَهُ بعض بلاد إفريقية. ثُمّ لَمْ يزل أمره فِي ارتقاء، وملكه فِي ارتفاع، إلى أن كَسَرَ الفِرَنج نوبة حِطّين، وأسرَ ملوكهم، ثم افتتح طبريَّة، وعكا، وبيروت، وصيدا، ونابلس، والناصرة، وقَيْساريَّة، وصَفُّوريَّة، والشَّقيف، والطُّور، وحيفا، ومَعْليا، والفولة، وغيرها منَ البلاد المجاورة لعكا، وسبَسْطية التي يُقال لها قبر زكريا، وتبْنين، وجُبيل، وعسقلان، وغزة، وبيت المَقْدِس، ثُمّ نازل صور مدة أشهُر، فلم يقدر عليها وترحل عَنْهَا، وافتتح هونين، وكوكب، وأنْطَرَسُوس، وجَبَلَة، وبكسرائيل، واللّاذقيَّة، وصهيون، وقلعة العيذ، وقلعة الجماهرية، وبلاطنُس، والشَّغر، وبَكّاس، وسرمانية، وبرزُية، ودربْساك، وبغراس، وكانا كالجناحين لأنطاكية، ثُمّ عقد هدنةً مَعَ إبرنس أنطاكية، ثُمّ افتتح الكَرَك، والشَّوْبك، وصَفَد، والشَّقِيف المنسوب إِلَى أَرْنُون. وحضر مصافاتٍ عدة ذُكرت سائرها فِي الحوادث، رحِمَه اللَّه وأسكنه جنته بفضله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
129 - طغتكين ابن نجم الدِّين أيُوب بْن شاذي بْن يَعْقُوب بْن مروان. الدُّوَيْنيّ الأصل، ظهير الدّين، الملك الْعَزِيز سيف الْإِسْلَام صاحب اليمن، [المتوفى: 593 هـ]
أخو السّلطان صلاح الدين. كان أخوه قد سيَّره إِلَى بلاد اليمن بعد أَخِيهِ شمس الدّولة، فملكها واستولى على كثيرٍ من بلادها فِي سنة سبْعٍ وسبعين. وكان شجاعًا، محمود السّيرة، مع ظُلمٍ. وكان قد أَخَذَ من نائبيَ أَخِيهِ ابن مُنْقِذ، وعثمان الزَّنْجيليّ أموالًا عظيمة بالمرَّة. وكان مِمَّا كثُر الذَّهب عنده يسبكه ويجعله كالطّاحون. وكان حَسَن السيّاسة، مقصودًا من البلاد. سارَ إليه شرف الدّين بْن عُنَين ومدَحه فأحسن إليه، وخرج من عنده بذهبٍ كثير ومتاجر، فقدِم مصر، فأخذ منه ديوان الزّكاة ما على متجره، والسّلطان يومئذٍ الْعَزِيز عُثْمَان، فعمل: ما كلُّ من يتسمَّى بالعزيز لها ... أهلٌ ولا كلُّ برْقٍ سُحْبُهُ غَدِقَهْ بين العَزيزَيْن بَوْنٌ فِي فَعَالهما ... هذاك يُعطي، وهذا يأكل الصَدَقَهْ تُوُفّي سيف الْإِسْلَام فِي شوّال بالمنصورة، مدينة أنشأها باليمن، وقام بالمُلك بعده ابنه إِسْمَاعِيل الّذي سفك الدّماء، وادَّعى أنّه أُمَويّ، ورام الخلافة وتلقَّب بالهادي، وكان شَهْمًا، شجاعًا طيّاشًا، وكان أَبُوهُ يخاف منه، وقد وفد على عمّه السّلطان صلاح الدّين قبل موته بأيّامٍ، ثمّ رجع إِلَى اليمن، فأدركتْه وفاةُ أَبِيهِ، وقد قارب تَعِز، فتسلَّم اليمن. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
439 - أيّوب، المَلِك الأوحد نجم الدين أيوب ابن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أَبِي بَكْر بن أيوب بن شاذي، [المتوفى: 609 هـ]
صاحب خِلاط. مَلَك خِلاط نحوًا من خمس سنين، وسفكَ دماء الأمراء بخلاط، وظلمَ وعَسَفَ، فابتُلِيَ بأمراضٍ مزمنة حتّى تمنَّى الموت، وتملّك بعده أخوه السلطان الملك الأشرف موسى، فأحسن إِلى أهل خِلاط فأحبّوه. تُوُفّي في ربيع الأول. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
340 - أَبُو بَكْر السُّلْطَان الملكُ العادل، سيفُ الدُّنْيَا والدين، ابن الْأمير نجم الدِّين أيوب بْن شاذي بْن يَعْقُوب بن مروان الدُّويني ثُمَّ التَّكْرِيتيّ ثُمَّ الدمشقي. [المتوفى: 615 هـ]
وُلِدَ ببَعْلَبَكّ في سنة أربعٍ وثلاثين، إِذْ أَبُوه نائبٌ عليها للأتابك زنكي والد -[454]- نور الدِّين محمود. وَهُوَ أصغر من أخيه السُّلْطَان صلاح الدِّين بسنتين. وَقِيلَ: مولده سنة ثمانٍ وثلاثين. وَقِيلَ: وُلِدَ في أَوَّل سنة أربعين. قَالَ أَبُو شامة: تُوُفِّي الملك العادل، سيف الدِّين أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن أيوب، وهو بكنيته أشهر، وولده ببعلبك، وعاش ستاً وسبعين سنة. ونشأ في خدمته نور الدِّين مَعَ أَبِيهِ، وإخوته. وحضر مَعَ أخيه صلاح الدِّين فتوحاته. وقامَ أحسن قيام في الهدنة مع الإنكليز ملك الفرنج بعد أخذهم عَكَّا. وَكَانَ صلاح الدِّين يعوِّل عَلَيْهِ كثيرًا، واستنابه بمصر مُدَّة، ثُمَّ أعطاه حلب، ثُمَّ أخذها منه لولده الظّاهر، وأعطاه الكَرَك عِوَضَها، ثُمَّ حَرّان. وَقَالَ غيرُه: كَانَ أقعد الملوك بالمُلك، ومَلَك من بلاد الكرج إلى قريب همذان، وَالشَّام، والجزيرة، وَمِصْر، والحجاز، واليمن، إلى حضرموت. وقد أبطل كثيرًا من الظلم والمُكُوس. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر سبط ابن الْجَوْزيّ: امتدَّ ملكه من الكرج إلى همذان، والجزيرة، وَالشَّام وَمِصْر، واليمن. وَكَانَ خليقًا بالمُلك، حسن التدبير، حليماً، صَفوحاً، مُجاهدًا عفيفًا، ديّنًا، متصدّقًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر طهَّر جميع ولايته من الخُمور والخواطئ والمُكوس والمظالم. كذا قَالَ أَبُو المُظَفَّر والعهدة في هذه المجازفة عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ الحاصل من جهة ذَلِكَ بدمشق خصوصًا مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله، وأعانه عَلَى ذَلِكَ وإليه المعتمِد. وفعل في غلاء مِصْر عُقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره. كان يخرج بالليل ومعه الْأموال فيفرّقها، ولولاه لمات النَّاس كلّهم. وكفَّى في تلك السنة ثلاثمائة ألف نفس من الغُرباء. قُلْتُ: هَذَا خسف من لَا يتقي اللَّه فيما يقوله!. قَالَ ابن خلِّكان: وَلَمَّا ملك صلاح الدِّين حلب في صفر سنة تسع وسبعين، أعطاها للعادل، فانتقل إليها في رمضان، ثُمَّ نزل عَنْهَا في سنة اثنتين -[455]- وثمانين للملك الظّاهر، فأعطاه صلاح الدِّين الكَرَك، وقضاياه مشهورة مَعَ الْأفضل والعزيز. وآخر الْأمر استقلّ بمملكة الدّيار المصرية. ودخل القاهرة في ربيع الآخر سنة ستٍّ وتسعين، وملك معها البلاد الشامية والشرقية، وصَفَت لَهُ الدُّنْيَا. ثُمَّ ملك اليمن سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسيّر إليها وُلِدَ ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف المنعوت بأقسيس ابن الكامل. وَكَانَ ولده نجم الدِّين - الملك الْأوحد - ينوب عَنْهُ بميّافارقين، فاستولى عَلَى خِلاط، وبلاد أرمينية في سنة أربع وستمائة. وَلَمَّا تمهدت لَهُ البلاد، قسّمها بين أولاده الكامل، والمعظَّم، والْأشرف. وَكَانَ عِظمُ ملكه، وجميل سيرته، وحُسن عقيدته، ووفور دينه، وحزمه، وميله إلى العُلَمَاء مشهورًا؛ حَتَّى صنَّف لَهُ فخرُ الدِّين الرَّازِيّ كتاب " تأسيس التّقديس " وسيَّره إليه من خُرَاسَان. وَلَمَّا قسّم الممالك بين أولاده كَانَ يتردّد بينهم، وينتقل من مملكة إلى أخرى، وكان في الغالب يصيف بالشام، ويُشتي بالدّيار المصرية. قَالَ: وحاصل الْأمر أَنَّهُ تمتع من الدُّنْيَا، ونال منها ما لم ينله غيره. قَالَ: وولد بدمشق في المحرّم سنة أربعين، وَقِيلَ: سنة ثمانٍ وثلاثين. قُلْتُ: وَلَمَّا افتتح ولدّه إقليم أرمينية فَرِحَ العادل فرحاً عظيماً، وسير أستاذ داره ألْدُكْز، وقاضي العَسْكَر نجم الدِّين خليل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر وَالشَّام وخِلاط وبلاد الجزيرة، فأُكرما، وأُرسل إليه الشَّيْخ شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْدي بالتشريف، ومرّ بحلب ووعظ بها، واحترمه الظاهر، وبعث معه بهاء الدين ابن شدَّاد بثلاثة آلاف دينار ينثرها إِذَا لبس العادل الخِلعة. وتلقّاه العادل إلى القَصْر، وَكَانَ يومًا مشهودًا ثُمَّ من الغدّ أُفيضت عَلَيْهِ الخِلَع، وَهِيَ جُبَّة سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب فيه جوهر. وقلِّد بسيف محلّى جميع قرابه بذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعَلَم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين اللَّه. ثُمَّ خَلَعَ السُّهْرَوَرْدي عَلَى المُعَظَّم والْأشرف، لكلّ واحد عمامة سوداء، وثوب أسود واسع الكُمّ. وخلع عَلَى الصاحب ابن شُكر كذلك، ونُثر الذَّهَب -[456]- من رُسل صاحب حلب وحماة وَحِمْص، وغيرهم. وركب الْأربعة بالخلع، ثُمَّ عادوا إلى القلعة. وقرأ ابن شُكر التّقليد عَلَى كُرسي وخُوطب العادل فيه بـ " شاه أرمن ملك الملوك خليل أمير المؤمنين ". ثُمَّ توجّه السُّهْرَوَرْدي إلى مصر، وخلع عَلَى الكامل. وفيها أمر السُّلْطَان بعمارة قلعة دمشق، وألزمَ كلَّ واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج. أعني في سنة أربع وستمائة. وَقَالَ الموفَّق عَبْد اللطيف في سيرة العادل: كَانَ أصغر الإخوة، وأطولهم عمرًا، وأعمقهم فكرًا، وأنظرهم في العواقب، وأشدَّهم إمساكًا، وأحبَّهم للدِّرهم. وَكَانَ فيه حلم، وأناة، وصبر عَلَى الشدائد، وَكَانَ سَعِيد الجدّ، عالي الكَعب، مُظَفَّرًا بالْأعداء من قبل السماء. وَكَانَ أكولًا نَهِمًا، يحبّ الطعام واختلاف ألوانه. وَكَانَ أكثر أكله في الليل، كالخيل، وله عندما ينام آخر الأكل رضيع، ويأكل رِطلاً بالدمشقي خبيص السُّكَّر يجعل هَذَا كالجواشِن. وَكَانَ كثير الصَّلَاة، ويصوم الخميس، وَلَهُ صدقات في كثير من الْأوقات؛ وخاصة عندما تنزل بِهِ الآفات. وَكَانَ كريمًا عَلَى الطعام يحبّ من يؤاكله. وَكَانَ قليل الْأمراض، قَالَ لي طبيبه بمصر: إني آكل خُبز هَذَا السُّلْطَان سنين كثيرة، ولم يحتج إليَّ سوى يوم واحد؛ أُحضر إِلَيْهِ من البطّيخ أربعون حملًا، فكسَرَ الجميع بيده، وبالغ في الْأكل منه، ومن الفواكه والْأطعمة، فعرض لَهُ تخمة، فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء الحار، وأن يركب طويلًا، ففعل، وآخر النهار تعشَّى، وعاد إلى صحتّه. وَكَانَ نكّاحًا، يكثر من اقتناء السَّراري. وَكَانَ غيورًا؛ لَا يدخل داره خصيّ إِلَّا دون البلوغ. وَكَانَ يحبّ أن يطبخ لنفسه، مَعَ أَنَّ في كلّ دار من دور حظاياه مطبخا دائرا. وَكَانَ عفيف الفَرْج لَا يُعرف لَهُ نظر إلى غير حلائله. نجب لَهُ أولاد من الذّكور والإناث؛ سَلْطَن الذكور وزوّج البنات بملوك -[457]- الْأطراف. آخر ما جرى من ذَلِكَ بعد وفاته أَنَّ ملك الروم كَيْقُباذ خطب إلى الملك الكامل أخته، واحتفل احتفالًا شديدًا، واجتمع في العرس ملوك وملكات. وَكَانَ العادل قد أوقع اللَّه بُغضته في قلوب رعاياه، والمخامرة عَلَيْهِ في قلوب جُنده، وعملوا في قَتْله أصنافًا من الحِيلَ الدَّقيقة مرّات كثيرة. وعندما يُقَال: إِنَّ الحيلة قد تمّت، تنفسخ، وتنكشف، وتحسم موادّها. ولولا أولاده يتولون بلاده لَمَا ثبت ملكه بخلاف أخيه صلاح الدِّين فَإِنَّهُ إنّما حفظ ملكه بالمحبَّة لَهُ، وحُسن الطّاعة، ولم يكن - رحمه اللَّه - بالمنزلة المكروهة؛ وإنّما كَانَ النَّاس قد ألفوا دولة صلاح الدِّين وأولاده. فتغيّرت عليهم العادة دفعة واحدة، ثُمَّ إن وزيره ابن شُكر بالغ في الظُّلم وتفنَّن. ومن نيّاته الجميلة أَنَّهُ كَانَ يعرف حقَّ الصُّحبة، ولا يتغيّر عَلَى أصحابه، ولا يضْجر منهم، وهم عنده في حَظْوة. وَكَانَ يواظب عَلَى خِدمة أخيه صلاح الدِّين؛ يكون أَوَّل داخل وآخر خارج؛ وبهذا جَلَبَهُ، فَكَانَ يشاوره في أمور الدَّوْلَة لِما جرَّب من نفوذ رأيه. وَلَمَّا تسلطن الْأفضل بدمشق، والعزيز بمصر، قَصَد العزيز دمشق، وذاقَ جندهُ عليها شدائد، فرحل عَنْهَا، ثُمَّ حاصرها نَوْبة ثانية ومعه عمُّه العادل فأخذها، وعُوِّض الْأفضل بصرخد، ولم يزل العادل يَفْتل في الذّروة والسنام، حتى أقطعه العزيز دمشق وَهِيَ السبب في أنْ تملَّك البلاد كُلّهَا. وأعطى ابن أَبِي الحجّاج - يعني كاتب الجيش - لَمَّا جاءه بمنشورها ألف دينار. ثُمَّ أخذ يدقّق الحيلة حَتَّى يستنيبه العزيز عَلَى مِصْر، ويقيم هُوَ بدمشق يتمتع في بساتينها بعضُ أصحابه فرمى قُلُنسوته بين يديه، وَقَالَ: ألم يكفِك أنك أعطيته دمشق، حَتَّى تُعطيه مِصْر؟ فنهض العزيز لوقته عَلَى غرة ولحق بمصر. ثُمَّ شغّب الْجُند، وجرت أمور إلى أن اجتمع الْأفضل والعادل، وقصدا مصر، وخامر جميع الأجناد عَلَى الملك العزيز، وصاروا إلى الأفضل والعادل، حَتَّى خلت مِصْر والقاهرة منهم، وتهدَّمت دولة العزيز، ثُمَّ أصبحت، وقد عادت أحسن ممّا كانت، وصار معه كلّ من كَانَ عَلَيْهِ، ورجع الملك العادل في خدمته، وردَّ الْأفضل إلى الشَّام. -[458]- ثُمَّ إن العادل توجّه إلى الشَّام، وحَشَد وعبر الفُرات، ونازل قلعة ماردين يحاصرها، وبذل الْأموال، وأخذ الرَّبض. ثُمَّ إِنَّ الملك الْأفضل وجد فُرصة ونزلَ هُوَ وأخوه الملك الظّاهر صاحبُ حلب عَلَى دمشق يوم الثلاثاء فأصبح الملك العادل خارجًا من أبواب دمشق، فانقطعت قلوبُهم، وتعجّبوا مَتَى وصل؟ وَكَانَ لَمَّا سَمِعَ بنزولهم استناب ابنه الكامل، وسارَ عَلَى النجائب في البرية فلحق دمشق قبل نزولهم بليلة، وَمَعَ هَذَا فضايقوه. وَكَانَ أكثر أهل المدينة معهم عَلَيْهِ إلى أن اختلف الإخوان أيّهما يملكها؛ وتنافسا فتقاعسا. ورحلَ الملكُ الظاهر فضعُف الأفضل، ورحلَ. وبلغت نفقة العادل عليها وَعَلَى ماردين ألف ألف دينار. وَسَعْد العادل بأولاده، فمن ذَلِكَ أمر خِلاط فإنّ ملكها شاه أرمن ملّك مملوكه بكتُمر، ومات بعد صلاح الدِّين بنحو شهرين؛ قتلته الملاحدة. وملك بعده هزار ديناري مملوكه وبقي قليلًا، ومات. وتملّك بعده وُلِدَ بكتُمر، وَكَانَ جميل الصورة، حديث السن، فاجتمع إِلَيْهِ الْأراذل والمُفسدون، وحسّنوا لَهُ طرقهم؛ فغار الْأخيار، وملَّكوا عليهم بلبان مملوك شاه أرمن، وقَتَلَ ولد بكتمر أَوْ حبسه. وكانت أخته بنت بكتُمر مزوَّجة بالملك المُغيث طُغْريل بن قِلِج أرسلان صاحب أرْزَن الروم، وبين بلبان والمُغيث معاقدة ومُعاضدة، ولابن بكتُمر جماعة يهوونه، فكاتبوا الملك الْأوحد ابن العادل صاحب ميافارقين، فقصد خِلاط، فسار المُغيث لينصر بلبان، فانكف الْأوحد، وطَمِع المُغيث في خلاط، فاغتال بلبان، قتله ابن حُق باز. وتسلَّم المغيث خِلاط، فحصلَ لأهلها غبن؛ إِذْ غدر بمَلكهم فمنعوه. ثُمَّ إِنَّهُ قبض يده عن الإحسان المُنْسي الضَّغائن، وَقَالَ لَهُ بعض الْأمراء: ابذل قدر ألف دينار، وأنا الضَّامن بحصول البلد. قَالَ: أخاف أن لَا يحصل ويضيع مالي. فعلموا أَنَّهُ صغير الهمة؛ فتفرّقوا عَنْهُ، وكاتبوا الْأوحد فجاء وملكها، ثُمَّ اختلفوا عَلَيْهِ؛ ونكثوا، فبذل فيهم السِّيف، وانهزم طائفةٌ. قَالَ الموفق: فَقَالَ لي بعض خواصّه: إِنَّهُ قتل في مُدَّة يسيرة ثمانية عشر ألف نفسٍ من الخواصّ. وَكَانَ يقتلهم ليلًا بين يديه، ويُلقون في الآبار. وما لبثَ إِلَّا قليلًا واختل عقله؛ ومات، وتوهَّم أَبُوه أَنَّهُ جُنّ، فسيَّر إِلَيْهِ ابن زيد المعزِّم وصدقة الطبيب من دمشق. -[459]- وتملَّك خِلاط بعده أخوه الْأشرف. ومات الظاهر قبله بسنتين، فلم يتهنَّ بالمُلك بعده. وَكَانَ كلُّ واحدٍ منهما ينتظر موتَ الآخر، فلم يصف له العَيْش لأمراض لزمته بعد طُول الصحة، والخوف من الفرنج بعد طول الْأمن. وخرجوا إلى عَكَّا وتجمّعوا عَلَى الغور، فنزل العادل قبالتهم عَلَى بَيْسان، وخفيَ عَلَيْهِ أن ينزل عَلَى عُقْبَة فَيْق، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب وكانت ظهرهم. ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عَلَيْهِ الفرنج من الغارة، فاغترّ بما عوّدته المقادير من طول السّلامة، فغشيت الفرنج عسكره عَلَى غرَّة. وَكَانَ قد أوى إليهم خلقٌ من أهل البلاد يعتصمون بِهِ. فركب مُجدّاً ورماح الفرنج في أثره حَتَّى وصل دمشق عَلَى شفا، وهمَّ بدخولها، فمنعه المُعْتَمد وشجَّعه، وَقَالَ: المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأمّا الفرنج فاعتقدوا أَنَّ هزيمته مَكِيدة، فرجعوا من قريب دمشق بعدما عاثوا في البلاد قَتْلًا وأسرًا، وعادوا إلى بلادهم وقصدوا دِمْيَاط في البَحْر فنازلوها. وَكَانَ قد عرض لَهُ قبل ذَلِكَ ضعفٌ، ورَعْشة، وصارَ يعتريه ورم الْأنثيين، فَلَمَّا هزّته الخيل عَلَى خلاف العادة، ودخله الرعب، لم يبق إِلَّا مُدَّة يسيرة، ومات بظاهر دمشق. وَكَانَ مَعَ حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة، ويبذله. وشرع في بناء قلعة دمشق، فقسّم أبرجتها عَلَى أُمرائه وأولاده، وَكَانَ الحفّارون يحفرون الخندق، ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء معين. ومن نوادره أَنَّ عنتر العاقد بلغه أَنَّ شاهدَا شهد عَلَى القاضي زكيّ الدِّين الطّاهر بقضية مزوّرة فتكلَّم عنتر في الشاهد وجرحه، فبلغ العادل، فَقَالَ: من عادة عنتر الْجَرْح. وتوضّأ مرة، فَقَالَ: اللَّهمَّ حاسبني حسابًا يسيرًا. فَقَالَ رجل ماجنٌ لَهُ: يا مولانا إِنَّ الله قد يسَّر حسابك. قَالَ: ويلك وكيف ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا حاسَبَك فقل لَهُ: المال كلُّه في قلعة جَعْبَر لم أفرط منه في قليل ولا كثير! وقد كانت خزائنه بالكرك ثُمَّ نقلها إلى قلعة جَعْبَر وبها ولده الملك الحَافِظ، فسوَّل لَهُ بعض أصحابه الطَّمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقلها إلى قلعة دمشق، فحصلت في قبضة المعظَّم فلم ينازعه فيها إخوته. وَقِيلَ: إِنَّ المعظَّم هُوَ الَّذِي سوَّل لأخيه الحَافِظ الطّمع والعصيان، ففعل، ولم يفطن بأنّها مكيدة لترجع -[460]- الْأموال إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أخرج سراري أَبِيهِ من دمشق واستصفى أموالهم وحُليهم، وشرَعَ يضع عَلَى أملاك دمشق القطائع والخراجات الثَّقيلة، والخُمْس عَلَى البساتين، والثُّمن عَلَى المزروعات. قرأت بخط الكندي في " تذكرته ": حدثنا شرف الدين ابن فضل الله سنة اثنتي عشرة بدمشق، قال: حَدَّثَنَا والدي أَنَّ القاضي بهاء الدِّين إِبْرَاهِيم بن أَبِي اليُسر، حدَّثه، قَالَ: بعثني الملك العادل رسولًا إلى علاء الدِّين سلطان الروم، فبالغ في إكرامي، فجرى ذِكر الكيمياء، فأنكرتها، فَقَالَ: ما أحدّثك إِلَّا ما تمَّ لي؛ وقفَ لي رجل مغربي، فسلَّم عَليّ، وكلَّمني في هَذَا، فأخذته، وطلب منّي أصنافًا عيَّنها، فشرع يعمل لي ذهبًا كثيرًا حَتَّى أذهلني. ثُمَّ بعد مُدَّة طلب منّي إذنًا في السّفر، فأبيت، فألحّ حَتَّى غضبت، وكدت أقتله، وهدّدته، وجذبت السيف، فَقَالَ: ولا بدَّ، ثُمَّ صفَّق بيديه وطار، وخرج من هَذَا الشبّاك. فهذا رجل صحّ معه الكيمياء والسيمياء. قُلْتُ: وقد سمع من أبي الطاهر السلفي، وغيره. وحدَّث؛ رَوَى عَنْهُ ابنه الملك الصالح إسماعيل، والشهاب القوصي، وأبو بكر ابن النُّشبي. وَكَانَ لَهُ سبعة عشر ولدًا، وهم شمس الدِّين ممدود، والد الملك الجواد، والملك الكامل مُحَمَّد، والملك المُعَظَّم عيسى، والملك الْأشرف موسى، والملك الْأوحد أيوب، والملك الفائز إِبْرَاهِيم، والملك شهَاب الدِّين غازي، والملك العزيز عُثْمَان، والملك الْأمجد حسن، والملك الحَافِظ رسلان، والملك الصالح إسْمَاعِيل، والملك المُغيث عُمَر، والملك القاهر إِسْحَاق، ومُجير الدِّين يَعْقُوب، وتقيّ الدِّين عَبَّاس، وقُطب الدِّين أَحْمَد، وخليل، وَكَانَ لَهُ عدَّة بنات. فمات في أيامه شمس الدِّين ممدود، وَيُقَال: مودود، والمغيث عُمَر، وخلّف ولدَا لقّب باسم أَبِيهِ، وَهُوَ المُغيث محمود بن عُمَر، وَكَانَ من أحسن أهل زمانه ربّاه عمُّه المعظم، ومات سنة ثلاثين وستمائة. ومات منهم في حياته الملك الْأمجد، ودُفن بالقُدس، ثُمَّ نُقل فدفن جوار الشهداء بمُؤتة من عمل الكَرَك. وآخر أولاده وفاةً عَبَّاس، وَهُوَ أصغر الْأولاد، بقي إلى سنة -[461]- تسع وستين وستمائة، وكان مولده في سنة ثلاث وستمائة، وقد رَوَى الحديث. وَكَانَ العادل من أفراد العالم، وَتُوُفِّي في سابع جُمَادَى الآخرة بعالقين؛ منزلة بقرب دمشق. فكتبوا إلى الملك المُعَظَّم ابنه، وَكَانَ بنابُلُس، فساقَ في ليلة، وأتى فصبَّره وصيَّره في محفَّة، وجعل عنده خادمًا يروّح عَلَيْهِ، ودخلوا بِهِ قلعة دمشق، والدَّوْلَة يأتون إلى المِحفَّة، وسُجفها مرفوعة، يعني أَنَّهُ مريض، فيقبّلون الْأرض. فلمّا صار بالقلعة أظهروا موته، ودُفن بالقلعة، ثُمَّ نُقل إلى تُربته ومدرسته في سنة تسع عشرة، رحمه اللَّه. قال أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ: دخلوا بِهِ القلعة ولم يجدوا لَهُ كَفنًا في تِلْكَ الحال، فأخذوا عمامة وزيره النَّجِيب بن فارس، فكفنوه بها، وأخرجوا قطنًا من مِخَدَّة، ولم يقدروا عَلَى فأس، فسرقَ كريمُ الدِّين فأسًا من الخَنْدق، فحفروا لَهُ في القلعة سرَّا، وصلى عَلَيْهِ ابن فارس. قَالَ: وكنت قاعدًا بجنب المُعَظَّم وَهُوَ واجم، ولم أعلم بحاله. فَلَمَّا دُفن أَبُوه قام قائمًا وشقَّ ثيابه، ولطمَ عَلَى وجهه، وعَملَ العزاء. وَلَمَّا دخل رجب ردَّ المُعَظَّم المُكُوس والخمور وما كَانَ أبطله أَبُوه، فَقُلْتُ لَهُ: قد خلّفت سيف الدِّين غازيًا ابن أخي نور الدِّين؛ فَإِنَّهُ كذا فعل لَمَّا مات نور الدِّين، فاعتذر بقِلَّة المال وبالفرنج. ثُمَّ سار إلى بانياس، وراسل الصّارم وَهُوَ بتبنين أن يُسلّم الحصون، فأجابه، وخرَّب بانياس وتبنين وكانت قُفلاً للبلاد، وأعطى جميع البلاد التي كانت لسركس لأخيه الملك العزيز عُثْمَان، وزوَّجه بابنة سركس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
488 - مُحَمَّد، السُّلْطَان الملك المنصور ابن السُّلْطَان الملك المُظَفَّر تقيّ الدِّين عُمَر ابن الْأمير نور الدَّوْلَة شاهنشاه ابن الْأمير نجم الدِّين أيوب بْن شاذي بْن مروان، [المتوفى: 617 هـ]
صاحب حماه وابن صاحبها. سَمِعَ بالإسكندرية من الإِمَام أَبِي الطاهر بن عوف الزُّهْرِيّ، وجمعَ " تاريخًا " عَلَى السنين في عدَّة مُجَلَّدات فيه فوائد. قَالَ أَبُو شامة: كَانَ شجاعًا، محبًّا للعلماء يقربهم ويعطيهم. قُلْتُ: وروى أيضا عن أُسَامَة بْن مُنْقذ؛ رَوَى عَنْهُ القُوصيّ في " معجمه " وَقَالَ: قرأت عَلَيْهِ قطعة من كتابه " مضمار الحقائق في سر الخلائق " وَهُوَ كبير نفيس يدلّ عَلَى فضله، لم يُسبق إلى مثله. قُلْتُ: وَتُوُفِّي والده المُظَفَّر في سنة سبعٍ وثمانين؛ كما تقدم، وَتُوُفِّي جَدّه في وَقْعَة الفرنج شهيدًا عَلَى باب دمشق سنة ثلاثٍ وأربعين شابًا، رحمه اللَّه، وخَلَّف ولدين: أحدهما تقيّ الدِّين (عُمَر)، والآخر فَرُّوخ شاه نائب دمشق. وكانت دولة الملك المنصور مُدَّة ثلاثين سنة، وقد ذكرنا من أخباره في الحوادث، وأنه كَسَر الفرنج مرتين. وَكَانَ مُزوّجًا بملكة ابْنَة السُّلْطَان الملك العادل، وَهِيَ أُمّ أولاده، وماتت قبله، فتأسف عليها بحيث أَنَّهُ لبس الحداد واعتمَّ بعمامة زرقاء؛ قَالَ ذلك ابن -[529]- واصل في " تاريخه "، وَقَالَ: ورد عَلَيْهِ السيف الآمدي، فبالغ في إكرامه واشتغل عَلَيْهِ. قَالَ: وصنّف كتاب " طبقات الشعراء "، وكتاب " مضمار الحقائق " وَهُوَ نحوٌ من عشرين مُجَلَّدة. وقد جمع في خزانته من الكتب ما لَا مزيد عَلَيْهِ، وَكَانَ في خدمته ما يناهز مائتي معمَّم من الفقهاء والْأدباء والنُّحاة والمشتغلين بالعلوم الحكميَّة والمنجمين والكُتّاب، وَكَانَ كثير المطالعة والبحث، بنى سور القلعة والمدينة بالحجر، وكانت القلعة قد بناها أَبُوه باللّبِن، وَكَانَ موكبه جليلًا تجذب بين يديه السيوف الكثيرة حَتَّى كَانَ موكبه يضاهي موكب عمّه الملك العادل والملك الظّاهر، وجُمعت أشعاره في " ديوان ". قُلْتُ: شِعره جيّد، أورد منه ابن واصل قصائد مليحة. وتملّك حَماة بعده ولده الملك النَّاصر قِلج رسلان، فأخذ منه السُّلْطَان الملك الكامل حماة، وأعطاها لأخيه الملك المظفر ابن المنصور، وحبس النَّاصر بالْجُبّ بمصر، فمات عَلَى أسوأ حال. تُوُفِّي المنصور في ذي القِعْدَة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
114 - عُمَر، الملك المغيث جلال الدّين ابن السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن العادل. [المتوفى: 642 هـ]
تُوُفّي شابًّا بقلعة دمشق فِي حبْس عمّ والده الملك الصّالح إِسْمَاعِيل، وكان والده لمّا خرج من دمشق إلى فلسطين استناب ولده هذا بقلعة دمشق. فلمّا أخذ إِسْمَاعِيل دمشقَ اعتقله. فلم يزل إلى أن تُوُفّي في ربيع الآخر. فتألمَّ أبوه لموته، واتَّهَم عمّه بأنّه سقاه، وحاربه، وتجهَّز لَهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
171 - ربيعة خاتون بِنْت نجم الدّين أيّوب بْن شاذي، [المتوفى: 643 هـ]
أخت الناصر والعادل. تزوجت أولاً بالأمير سَعْد الدِّين مسعود ابن الأمير مُعين الدِّين أنر، فلمّا مات تزوّجت بالملك مظفَّر الدين صاحب إربل، فبقيت بإربل دهرًا معه. فلمّا مات قدِمت إلى دمشق، وخدمتها العالمة أَمَةُ اللّطيف بنت الناصح ابن الحنبليّ، فأحبّتها وحصل لَهَا من جهتها أموال عظيمة، وأشارت عليها ببناء المدرسة بسفح قاسيون، فَبَنَتْها ووَقَفَتْها عَلَى النّاصح والحنابلة. وتُوُفّيَت بدمشق فِي دار العقيقيّ الّتي صُيِّرَت المدرسة الظّاهريّة. ودُفنت بمدرستها تحت القبو. ولقيت العالمة بعدها شدائد من الحبس ثلاث سنين بالقلعة والمصادرة، ثُمَّ تزوَّج بِهَا الأشرف صاحب حمص ابن المنصور، وسافر بِهَا إلى الرَّحبة فَتُوُفّيَتْ هناك سنة ثلاثٍ وخمسين. ولربيعة خاتون عدّة محارم سلاطين، وهي أخت ستّ الشّام. واستولى الصّاحب معين الدين ابن الشَّيْخ عَلَى موجودها، فلم يُمتَّع، وعاش بعدها أياماً قلائل. توفيت في ثامن رجب - رحمها الله - عن سن عالية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
142 - إبراهيم بن أونبا، الأميرُ مجاهدُ الدين الصوابي، أمير جانْدار الملك الصالح نجم الدين أيوب. [المتوفى: 654 هـ]
كان من كبار الأمراء، وقد ولي ولاية دمشق. وله شِعرٌ وَسَطَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
517 - يوسف، السلطان الملك الناصر صلاح الدّين ابن السلطان الملك العزيز محمد ابن الظاهر غازي ابْن السلطانِ المُلْك الناصرِ صلاحِ الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب الأيوبي، [المتوفى: 659 هـ]
صاحب حلب ثُمَّ صاحب الشّام. وُلِد بقلعة حلب فِي رمضان سنة سبعٍ وعشرين، وسلطنوه عند موت أَبِيهِ سنة أربعٍ وثلاثين، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأمِيني، وعز الدين ابن مُجلي، والوزير الأكرم جمال الدين القفْطي، والطواشي جمال الدّولة إقبال الخاتوني، والأمر كله راجعٌ إلى جدته ضيفة خاتون بِنْت المُلْك العادل. ثُمَّ توجه قاضي القُضاة زَين الدين عَبْد الله ابن الأستاذ إلى الديار المصرية ومعه عدة المُلْك العزيز، وكان قد مات شابًا ابن أربعٍ وعشرين سنة، فلمّا رآها السُّلطان المُلْك الكامل أظهر الحُزنَ لموته، وحلف للملك النّاصر لمكان الصاحبة أخته، فلمّا توفيت الصاحبة سنة أربعين أشتد النّاصر وأمر ونهى، فلمّا -[922]- كانت سنة ستٌّ وأربعين سار من جهته نائبه شمسُ الدين لؤلؤ وحاصر حمص، وطلب النجدة من الصالح نجم الدّين أيوب، فلم ينجده، وغضب وجرت أمور، ثُمَّ استقرت حمص بيد المُلْك النّاصر. وفي ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين قدِم إلى دمشق وأخذها من غير كلفة لاشتغال غلمان الصالح بأنفسهم، ثُمَّ فِي أثناء السَّنَة قصد الديارَ المصرية ليمتلكها فما تم لَهُ. وفي سنة اثنتين وخمسين دخل عَلَى بِنْت السُّلطان علاء الدين صاحب الروم، فولدت لَهُ علاء الدين فِي سنة ثلاثٍ، وأم هذه هي أخت جدته الصاحبة. وكان سمْحًا، جوادًا، حليمًا، حَسَن الأخلاق، محببًا إلى الرعية، فيه عدلٌ فِي الجملة، وصفح ومحبة للفضيلة والأدب، وكان سوق الشعْر نافقًا فِي أيامه، وكان يذبح فِي مطبخه كل يومٍ أربعمائة رأس، سوى الدجاج والطيور والأجديّة، وكان يبيع الغلمان منِ سماطه أشياء كثيرة مفتَخَرَة عند باب القلعة بأرخص ثمن، حكى علاءُ الدين ابن نصر الله أن المُلْك النّاصر جاء إلى داره بغتة، قال: فمددت له فِي الوقت سِماطًا بالدجاج المحشي بالسكر والفُسْتُق وغيره، فتعجب وقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هُوَ من نعمتك، اشتريتُه من عند باب القلعة. وكانت نفقة مطابخه وَمَا يتعلق بها فِي كل يومٍ أكثر من عشرين ألف درهم. وكان يحاضر الفُضَلاء والأُدباء، وعلى ذهنه كثير من الشعْر والأدب، وله نوادر وأجوبة ونَظْم، وله حُسْنُ ظنٍّ فِي الصالحين، بنى بدمشق مدرسة وبالجبل رباطًا وتُربة، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيلية. وقال أبو شامة: وفي منتصف صَفَر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التّتار عَلَى حلب بالسيف، فهرب صاحبها من دمشق بأُمرائه الموافقين لَهُ عَلَى سوء تدبيره، وزال مُلْكه عَن البلاد، ودخلت رسُل التّتار بعده بيومٍ إلى دمشق، وقُرئ فَرَمَان المَلِك بأمان دمشق وَمَا حولها، ووصل النّاصر إلى غزة، ثُمَّ إلى قطية، فتفرَّق عَنْهُ عسكره، فتوجه فِي خواصه إلى وادي موسى، ثُمَّ جاء إلى -[923]- بركة زيزا، فكبسه كتبغا، فهرب، ثُمَّ أتى التّتار بالأمان، فكان معهم فِي ذُل وهوان، وكان قد هرب إلى البراري، فساقوا خلفه، فأخذوه وقد بلغت عنده الشربة الماء نحو مائة دينار، فأتوا بِهِ إلى مُقَدَّم التّتار كتبغا وهو يحاصر عجلون، فوعده وكَذَبَه، وسقاه خمرًا صِرْفًا، فسكِر، وطلبوا منه تسليم قلعة عجلون، فجاء إلى نائبها، وأمره بتسليمها ففعل، ودخلها التّتار، فنهبوا جميع ما فيها، ثُمَّ ساروا بالنّاصر وأخيه إلى هولاكو. قَالَ قُطْبُ الدين: فأكرمه وأحسن إِليْهِ، فلمّا بلغه كسْرُ عسكره بعين جالوت غضب، وأمر بقتله، فاعتذر إِليْهِ، فأمسك عَنْ قتله، لكن أعرض عَنْهُ، فلمّا بلغه كسرةُ بيدره عَلَى حمص استشاط غضبًا، وقتله ومن معه، سوى ولدِه المُلْك العزيز. وقيل: إن قتل الناصر عَقِيب عين جالوت فِي الخامس والعشرين من شوال سنة ثمانٍ، وعاش إحدى وثلاثين سنة وأشهرًا، فيُقال: قُتل بالسيف، وقيل: إنه خُص بعذابٍ دون أصحابه. قلت: وكان مليح الشكل، أحول، وله شعر، فروى شيخُنا الدمياطي عَنْ عليّ بْن أبي الفَرَج النَّحْويّ، قَالَ: أنْشَدَنا السُّلطان المُلْك النّاصر يوسف لنفسه: البدرُ يَجْنَحُ للغُروب ومُهجَتي ... أسفًا لأجل غروبه تتقطع والشرْب قد خاط النعاسُ جُفُونَهم ... والصبح في جِلْبابه يتطلع وقد اشتهر عَنْهُ أنه لمّا مر بِهِ التّتار عَلَى حلب وهي خاويةٌ على عروشها، قد هدت أسوارها، وهدمت قلتعها، وأحرقت دُورها الفاخرة، وبادَ أهلُها، وأصبحت عبرةً للناظرين، انهل ناظره بالعبرة وقال: يعز علينا أن نرى رَبْعَكْم يبلى ... وكانت بِهِ آيات حُسْنكم تتلى وقد أورد لَهُ ابن واصل عدة قصائد، ووصفه بالذكاء والفضيلة والكَرَم، إلى أن قال: وفي سابع جمادى الأولى عُقِد عزاؤه بدمشق بالجامع لمّا ورد الخبر بمقتله، قَالَ: وصورته عَلَى ما ثبت بالتواتر أن هولاكو لمّا بَلَغَه مقتل كتبغا، ثم كسرة أصحابه بحمص، أحضر النّاصر وأخاه وقال للترجمان: قلَّ لَهُ أنت -[924]- زعمت أن البلاد ما فيها أحدٌ، وأن من فيها في طاعتك حتى غررت بي وقتلت المغل، فقال النّاصر: أما إنهم فِي طاعتي لو كنتُ فِي الشّام ما ضرب أحدٌ فِي وجه غلمانك بسيف، ومَن يكون ببلاد توريز كيف يحكم عَلَى من فِي الشّام؟ فرماه هولاكو بالنشاب فأصابه، فقال: الصنيعة يا خَوَنْد، فقال أخوه المُلْك الظاهر: اسكُتْ، تَقُولُ لهذا الكلب هذا القول وقد حضرت، فرماه هولاكو بفردةٍ ثانية قتله، ثُمَّ أخرج المُلْك الظاهر وبقية أصحابهم فضربت أعناقهم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
332 - الملك الموحد عبد الله ابن المعظم تورانشاه ابن السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بْن الكامل بن العادل. [المتوفى: 669 هـ]
وُلِد بآمِد إذْ أبوه متولّيها، فقصد غياث الدّين صاحب الرّوم وعسكر حلب آمِد وحاصروها، ثمّ أخذوها من المعظّم وأبقوا له حصْن كيفا، فتحوّل إليه، فلمّا مات أبوه بالدّيار المصريّة وطُلب المعظّم وقدِم وتملَّك مصرَ والشّام في سنة سبعٍ وأربعين، خلَّف الملك الموحّد هذا بحصن كيفا فتملّكه. قال ابن واصل في " تاريخه " وقد ألّفه في حدود السّبعين وستّمائة: الملك الموحّد باق إلى الآن مستول على حصن كيفا تحت أوامر التتر وله عدّة أولاد على ما بلغني، قال: وكان عمره لما مضى والده إلى مصر عشر سنين. سألتُ الشّيخ تاج الدّين الفارقي عن الموحد هذا، فقال: رأيته، وكان شجاعًا قصيرًا، عاش إلى بعد الثّمانين وستّمائة وابنه إلى الآن باقٍ بيده الحصن من تحت أوامر التّتار. قلت: لقّب ابنه الملك الكامل. قتله التتار في حدود سنة سبعمائة وأقاموا بعده ولده الملك الصّالح صورةً بلا أمر، ورتبته كجندي كبير. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
* الصالح نجم الدين أيوب أحد سلاطين الدولة الأيوبية فى مصر، تولى العرش خلفالأخيه العادل الثانى بن الكامل.
ورث «الصالح نجم الدين أيوب» عرشًا مضطربًا، مزعزع الأركان جلب عليه الكثير من المشاكل والمتاعب، فدبر أموره، وأعد عدته وتمكن من القضاء على أكثر هذه المصاعب التى واجهته رغم شدتها، فلما تم له ما أراد تحول بقوته إلى مواجهة الصليبيين، ولم يألُ جهدًا فى جهاده ضدهم، واستطاع استعادة «بيت المقدس» ثانية من قبضتهم، فاستقرت له الأحوال، وحل السلام بينه وبين أمراء مملكته، وتفرغ لمواصلة جهاده ضد الصليبيين؛ أملا منه فى تحرير البلاد كافة من أطماعهم. أكثر «الصالح نجم الدين أيوب» من استجلاب المماليك لمساعدته فى حروبه ضد الصليبيين، فنبغ منهم عدة أشخاص كان لهم أكبر الأثر فى تغيير مجرى السياسة المصرية، ومنهم «شجرة الدر» الأرمينية الأصل، والتى كانت أم ولد للصالح نجم الدين أيوب، ولازمته فى حياة أبيه «الكامل»، وظلت معه بذكائها حتى أنجبت من «الصالح أيوب» ابنه «خليل» فتوطدت مكانتها، فلما أصبح سلطانًا على «مصر» اتخذها إلى جواره ملكة غير متوَّجة، فقد كانت تعمل على راحته، ووجد فيها ما يحبه. مات «الصالح أيوب» فى ليلة النصف من شعبان سنة (647هـ)، وكانت الحرب لاتزال دائرة بين المسلمين والصليبيين أمام «المنصورة»، فأعملت «شجرة الدر» عقلها وتجلى ذكاؤها، وأخفت خبر وفاته عن الناس فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ «مصر» و «الشام»، وأمرت أحد أطبائه بغسل جثمانه ووضعه فى تابوت، ثم حمله فى الظلام إلى «قلعة الروضة»، ثم إلى «قبو» بجوار المدرسة الصالحية ودفنه هناك، وأخبرت الأمراء أن «السلطان مريض لا يصل إليه أحد»، ولم تعلن خبر وفاته إلا بعد انتصار المسلمين على الصليبيين، ورد حملتهم، فاستمر العزاء ثلاثة أيام بلياليها بمدرسته، وبعثت «شجرة الدر» بالسناجقة السلطانية، وأمرت بأن تُعلَّق داخل القاعة على ضريح |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*نجم الدين أيوب هو أيوب بن شاذى بن مروان.
الملك الأفضل والد السلطان صلاح الدين الأيوبى، كان كريمًا سمحًا، حسن النية. من أهل دُوْين (بلدة فى أذربيجان)، وكان والده واليًا على تكريت من قبل بهروز والى بغداد وتكريت، وبعد أن تُوفِّى، تولى ابنه أيوب، ولكن بهروز مالبث أن غضب عليه وعلى أخيه أسد الدين شيركوه، وطردهما من خدمته، فخرجا إلى الموصل واتصلا بعماد الدين زنكى، فأقطع أيوب بن شاذى قلعة بعلبك. ولما تولى ابنه صلاح الدين الأيوبى الوزارة فى مصر بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه، استدعى والده نجم الدين من بلاد الشام إلى مصر سنة (565هـ =1169م)، فعرض عليه الوزارة ولكنه رفضها. ولما خرج صلاح الدين لحرب الصليبيين أناب عنه والده نجم الدين على القاهرة، فخرج يومًا مع العسكر، فسقط عن جواده، فظل أيامًا مريضًا، حتى تُوفِّى، وكان ذلك سنة (568هـ = 1172م). ومن أهم أثاره خانقاه فى دمشق، وأخرى فى مصر. |