نتائج البحث عن (وَثمّ) 50 نتيجة

وثم: التهذيب: الفراء: الوَثْمُ الضَّرْبُ، وفي الصحاح: الدّقُّ والكَسرُ. والمَطرُ يَثِمُ الأَرض وَثْماً: يَضْرِبُها؛ قال طرفة: جَعَلَتْه حَمَّ كَلْكَلِها، لِرَبيعٍ، دِيمة تَثِمُهْ فأَما قوله: فسقَى بلادَك، غيرَ مُفْسِدِها، صَوبُ الرَّبيع ودِيمةٌ تَثِم فإِنه على إِرادة التعدِّي، أَرادَ تَثِمُها فحذف، ومعناه أَي تؤثّر في الأَرض. وَوَثَمَت الحِجارةُ رِجْلَه وَثْماً ووِئاماً: أَدْمَتْه. وقال المزني: وَجَدْتُ كَلأً كَثِيفاً وَثِيمةً؛ قال: الوَثِيمةُ جماعةٌ من الحَشِيش أَو الطعامِ. يقال: ثِمْ لها أَي اجْمَعْ لها. والوَثِيمُ: المُكتنزُ اللحمِ، وقد وَثُمِ يَوْثُم وثَامةً. ويقال: وَثَمَ الفرسُ الحجارةَ بحافِره يَثِمُها وَثْماً إِذا كسَرها. ووَثَمَ الشيءَ وَثْماً: كسَره ودَقَّه. وفي الحديث: أَنه كان لا يَثِمُ التَّكْبيرَ أَي لا يكسِره بل يأْتي به تامّاً. والوَثْمُ الكسرُ والدَّقُّ أَي يُتِمُّ لَفْظه على جهة التعظيم مع مُطابَقةِ اللِّسانِ والقلبِ. ووَثَمَ الفرسُ الأَرضَ بحافِره وَثْماً وثِمَةً: رَجَمَها ودَقَّها، وكذلك وَثْمُ الحجارة. والمُواثَمَةُ في العَدْوِ: والمُضابَرةُ كأَنه يرمي بنفسه؛ وأَنشد: وفي الدَّهاسِ مِضْبَرٌ مُواثِمُ وَوثَمَ يَثِمُ أَي عَدا. وخُفٌّ مِيثَمٌ: شديدُ الوطءِ، وكأَنه يَثِمُ الأَرضَ أَي يَدُقُّها؛ قال عنترة: خَطَّارة، غِبَّ السُّرى، زَيَّافةٌ، تَطِسُ الإِكامَ بكلّ خُفٍّ مِيثَمِ ابن السكيت: الوَثِيمةُ الجماعةُ من الحشيش أَو الطعامِ. وقولهم: لا والذي أَخرجَ النارَ من الوَثيمةِ أَي من الصخرة. والوَثيمةُ: الحجرُ، وقيل: الحجر المكسور. وحكى ثعلب: أَنه سمع رجلاً يَحْلِف لرجل وهو يقول: والذي أَخْرج العَذْقَ من الجَرِيمةِ والنارَ من الوَثيمةِ؛ والجَريمةُ: النواة؛ وقال ابن خالويه: الجَريمةُ التَّمْرةُ لأَنها مجرومة من النخل فسَمَّى النَّواةَ جَريمةً باسم سبَبِها لأَن النَّواةَ، الجَريمة، والوَثيمةُ: حجرُ القَدَّاحة، قال وذكر ابن سيده قال: الوَثيمةُ الحجارةُ، يكون في معنى فاعِلةٍ لأَنها تَثِمُ، وفي معنى مفعولة لأَنها تُوثَم. وذكر محمد بن السائب الكلبي: أَنَّ أَوْسَ بن حارثة عاشَ دَهْراً وليس له ولدٌ إِلا مالِك، وكان لأَخيه الخَزْرَج خمسةُ أَولاد: عُمر وعَوْفٌ وجُشَمٌ والحرث وكعْب، فلما حضره الموتُ قال له قومُه: قد كنا نأْمرُك بالتزويج في شبابك حتى حضرك الموت، فقال أَوْسٌ: لم يَهْلِكْ هالِك، مَن ترَك مالِك، وإِن كان الخَزْرَجُّ ذا عدد، وليس لِمالكٍ، وَلَد، فلعلَّ الذي استخرج النخلة من الجريمة، والنارَ من الوَثِيمة، أَن يجعلَ لمالكٍ نَسْلاً، ورجالاً بُسْلاً. وجم: الوُجومُ: السكوتُ على غَيْظٍ، أَبو عبيد: إِذا اشتدَّ حُزْنُه حتى يُمْسِك عن الطعام (* قوله «عن الطعام» في التهذيب: عن الكلام). فهو الواجمُ، والواجمُ: الذي اشتدَّ حُزْنه حتى أَمْسَك عن الكلام. يقال: ما لي أَراكَ واجِماً؛ وفي حديث أَبي بكر، رضي الله عنه: أَنه لَقِيَ طَلْحةَ فقال: ما لي أَراك واجِماً؟ أَي مُهْتَمّاً. والواجمُ: الذي أَسْكتَه الهمُّ وعَلَتْه الكآبةُ، وقيل: الوُجومُ الحُزْنُ. ويقال: لم أَجِمْ عنه أَي لم أَسكُتْ عنه فَزَعاً. والواجِمُ والوَجِمُ: العَبوسُ المُطْرِقُ من شدَّةِ الحُزْن، وقد وَجَمَ يَجِمُ وَجْماً ووُجُوماً وأَجَمَ على البدل؛ حكاها سيبويه. ووجَمَ الشيءَ وَجْماً ووُجوماً: كرِهَه. ووَجَم الرجلَ وَجْماً: لكَزَه، يمانية. ورجلٌ وَجَمٌ: رديءٌ. وأَوْجَمُ الرملِ: مُعْظمُه؛ قال رؤبة: والحِجْرُ والصَّمّانُ يَحْبُو أَوْجَمُه ووَجْمةُ: اسمُ موضع؛ قال كثيِّر: أَجَدَّتْ خُفوفاً من جُنوبِ كُتانةٍ إِلى وَجْمةٍ، لمَّا اسجَهَرَّتْ حَرورُها ابن الأَعرابي: الوَجَمُ جبل صغير مثل الإرَم. ابن شميل: الوَجَمُ حجارةٌ (* قوله «الوجم حجارة» هو بالفتح والتحريك). مركومةٌ بعضُها فوق بعض على رؤوس القُورِ والأِكام، وهي أَغلظُ وأَطولُ في السماء من الأُرومِ، قال: وحجارتُها عظامٌ كحجارة الصِّيرة والأَمَرَة، لو اجتمع على حجرٍ أَلفُ رجل لم يُحَرِّكوه، وهي أَيضاً من صَنْعة عاد، وأَصلُ الوَجَمِ مُستدِيرٌ وأَعلاهُ مُحدَّد، والجماعة الوُجوم؛ قال رؤبة: وهامة كالصَّمْدِ بين الأَصْمادْ، أَو وَجَمِ العادِيّ بين الأَجْمادْ الجوهري: والوجَمُ، بالتحريك، واحد الأَوْجامِ، وهي علاماتٌ وأَبْنِيةٌ يُهْتَدى بها في الصَّحارَى. ابن الأَعرابي: بيتٌ وَجْمٌ ووَجَمٌ، والأَوْجامُ: البيوتُ وهي العِظامُ منها؛ قال رؤبة: لو كان مِنْ دُونِ رُكامِ المُرْتَكَمْ، وأَرْمُلِ الدَّهْنا وصَمّانِ الوَجَمْ قال: والوَجَمُ الصَّمّانُ نفْسُه، ويُجمع أَوْجاماً؛ وقال رؤبة: كأَنَّ أَوْجاماً وصَخْراً صاخِرا ويومٌ وَجِيمٌ أَي شديدُ الحرِّ، وهو بالحاء أَيضاً، ويقال: يكون ذلك وَجَمة أَي مَسَبَّةً. والوَجْمةُ مثل الوَجْبة: وهي الأَكْلة الواحدة.
[وث م] وَثَمَ الشَّيْءَ وَثْمًا كَسَرَه ودَقَّه وخُفٌّ مِيثَمٌ شَدِيدُ الوَطْءِ قالَ عَنْتَرَةُ

(تَطِسُ الإكامَ بذاتِ خُفٍّ مِيثَمِ...)

ووَثَمَ الفَرَسُ الأَرْضَ بحافِرِه وَثْمًا رجَمَها ودَقَّها وكَذلِكَ وَثْمُ الحِجارَةِ والمُواثَمَةُ في العَدْوِ المُضابَرَةُ كأَنَّه يَرْمِي بنَفْسِه والمَطَرُ يَثِمُ الأَرْضَ وَثْمًا يَضْرِبُها قالَ طَرَفَة

(جَعَلَتْهُ حَمَّ كَلْكَلِها...لرَبِيعٍ دِيمَةٌ تَثِمُهْ)

فأما قوله

(فسَقَى بِلادَكِ غَيْرَ مُفْسِدِها...صَوْبُ الرًّبِيعِ ودِيمَةٌ تَثِمُ)

فإِنَّه على إِرادَةِ التَّعَدَّي أرادَ تَثِمُها فَحَذَفَ ووَثَمَت الحِجارَةُ رِجْلَه وَثْمًا ووِثامًا أَدْمَتْها والوَثِيمَةُ الحِجارَةُ تكونُ في معْنَى فاعِلَةٍ لأَنَّها تَثِمُ وفي مَعْنَى مَفْعُولَة لأنَّها تُوثَمُ ومنه قَوْلُه لا والَّذِي اسْتَخْرَجَ النَّخْلَةَ من الجَرِيمَةِ والنّارَ من الوَثِيمَةِ والوَثِيمَةُ الجَماعَةُ من الطَّعام والحَشِيشِ يُقال ثِمْ لَهَا والوَثِيمُ المُكْتَنِزُ اللَّحْمِ وقَدْ وَثُمَ وَثامَةً
وثم
( {{وَثَمَهُ}} يِثِمُهُ) {{وَثْماً: (كَسَرَهُ، وَدقَّه) كَمَا فِي الصِّحَاحِ، وفِي التَّهْذِيبِ، عَنِ الفَرَّاءِ:}} الوَثْمُ: الضَّرْبُ، والمَطَرُ {{يَثِمُ الأَرْضَ وَثْماً: يَضْرِبُهَا، قَالَ طَرَفَهُ:
(جَعَلتُهُ حَمَّ كَلْكَلِهَا...لِرَبِيعٍ دِيمَةٌ}} تَثِمُهْ)

فَأَمَّا قَولُ الشَّاعِرِ:
(فَسَقَى دِيَارَكِ غَيْرَ مُفْسِدِهَا...صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ {{تَثِمُ)
فَإِنَّهُ عَلَى إِرَادَةِ التَّعَدِّي، أَرَادَ}}
تَثِمُهَا، فَحَذَفَ، أَيْ: تَؤَثِّرُ فِي الأَرْضِ. وفِي الحَدِيثِ: ((أَنَّهُ كَانَ لاَ {{يِثمُ التَّكْبِيرَ)) أَيْ: لاَ يَكْسِرُهُ، بَلْ يَأْتِي بِهِ تَامّاً. (}} ووَثَمَ الفَرَسُ الأَرْضَ: رَجَمَهَا بِحَوَافِره) وَدَقَّهَا، (و) {{وثَمَتِ (الحِجَارَةً رِجْلَهُ، وَثْماً،}} وَوِثَاماً)) ، بِالكَسْرِ: (أَدْمَتْها) . ( {{والوَثِيمَةُ) ، كَسَفِينَةٍ: (الحِجَارَةً) ، تَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ؛ لأَنَّهَا تَثِمُ، وفِي مَعْنَى مَفْعُولَةٍ؛ لأَنَّهَا}} تُوثَمُ، قَالَهُ ابْنُ سِيدَه. ومِنْهُ قَوْلُهُم: لاَ والَّذِي أَخرَجَ الثَّمَر مِنَ الجَرِيمَةِ، وَالنَّارَ مِنَ! الوَثِيمَةِ، وَالوَثِيمَةً، قَالُوا: الحَجَرُ المَكْسُورُ، وقِيلَ: حَجَرُ القَدَّاحِة، وقِيلَ: الصَّخْرُ.(و) الوَثيمَةُ: (الجَماعَةُ من الحَشيشِ) أ (وِ الطَّعام) ، نَقله الْجَوْهَرِي، عَن ابْن السَّكِّيت، وَقَالَ الْمُزنِيّ: وجدت كلأً كَثيفًا {{وَثيمَةً. (و) وثيمَةُ: (اسْمٌ) . (}} وَوثيمَةُ بن مُوسَى: مُحَدِّثٌ) ضعيفٌ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم، يُحَدِّثُ عَن سَلَمَةَ بن الفَضْل، وَسقط ذِكْرُهُ فِي بعض النّسخ. (و) {{الوَثيمُ، (كأميرٍ: المُكْتَنِزُ لحْمًا) ، وَقد (}} وَثُمَ، ككَرَمُ، وثامةً) ، نَقله الْجَوْهَرِي. (و) فِي الصِّحاح: (خُفٌّ {{مِيثَمٌ) ، أَي: كمِنْبَرٍ: (شديدُ الوطءِ) كأنَّه}} يَثِمُ الأرْضَ، أَي يَدُقُّها، قَالَ عنترة:
(خَطَّارةٌ غِبَّ السُّرَى زَيَّافَةٌ...تَطِسُ الإكامَ بِكُلِّ خُفٍّ مِيثَمِ)
( {{والوَثَمُ، محرَّكَةً: القلَّةُ) ، يُقَال (}} وَثِمَتْ أرْضُنا، كَفَرِحَ) : قَلَّ نباتُها، (وَمَا {{أوْثَمَها: مَا أقَلَّ رِعْيَها،}} والمُواثمَةُ فِي العَدْوِ: المُضابَرَةُ، كأنَّه يَرْمِي بنفسِهِ) ، وَأنْشد الْجَوْهَرِي للعجَّاج:
(عافى الرَّقاقِ مِنْهَبٌ {{مُواثِمُ...)

(وَفِي الدَّهاسِ مِضْبَرٌ مُتائِمُ...)
أوردهُ، هَكَذَا، فِي تركيب ((ت أم)) قَالَ: وَهُوَ من}}
الوَثْمِ، بِمَعْنى الدَّقِّ. ( {{ومِيثَمٌ) ، كمِنْبَرٍ: (اسمٌ) ، مِنْهُمْ: أحمدُ بن}} مِيثَمِ بن أبي نُعيمٍ، الْكُوفِي، عَن جده. وعِمْرانُ بن مِيثَمٍ، تَابِعِيّ. وصالحُ بن مِيثَمٍ، عَن بُرَيْدَةَ الأسلميِّ. (وَثِمْ لَهَا، بِالْكَسْرِ، أَي: اجْمَعْ لَهَا) ، نَقله الْجَوْهَرِي. [] وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ: {{الوَثْمُ: الضَّرب، عَن الْفراء.}} ووَثَمَ {يَثِمُ وَثْمًا: عدا، نَقَلهُ الْجَوْهَرِي.
[وثم]نه: فيه: كان "لا يثم" التكبير، أي لا يكسره بل يأتي به تاما، والوثم: الكسر والدق، أي يتم لفظه على جهة التعظيم مع مطابقة اللسان والقلب. وفيه: والذي أخرج العذق من الجريمة والنار من "الوثيمة": الحجر المكسور.
(الحوثم)الْمُتَوَسّط الطول من الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان
(الحوثم) الْمُتَوَسّط الطول من الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان
(وَثمّ) (يوثم) وثامة اكتنز وامتلأ لَحْمًا فَهُوَ وثيم
(وَثمّ)الْحَيَوَان (يثم) وثما عدا وَالشَّيْء كَسره ودقه وَفُلَان الرجل ضربه والمطر الأَرْض ضربهَا وَفُلَان الْحَشِيش جمعه وَالْفرس الأَرْض بحافره وثما وثمة رَجمهَا ودقها وَالْحِجَارَة رجله وثما ووثاما ووثاما أدمتها
وثم: الوَثِيْمُ: المُكْتَنِزُ لَحْماً، والفِعْلُ وَثُمَ وَثَامَةً.ووَثَمَ الفَرَسُ يَثِمُ: أي كَسَرَ بحافِرِه الحِجَارَةَ. والمُوَاثَمَةُ في العَدْوِ: المُضَابَرَةُ كأنَّه يَرْمِي بنَفْسِه.والوَثِيْمَةُ على فَعِيْلَةٍ: الجَمَاعَةُ من الحَشِيْشِ والطَّعَامِ.والوَثْمُ: الجَمْعُ، والمَوْثُوْمُ: المَجْمُوْعُ.ووَثِمَتْ أرْضُنَا وَثَماً؛ وما أوْثَمَها: أي هي قَلِيلَةُ الرِّعْي. والوَثَمُ: القِلَّةُ.والوَثِيْمَةُ: الحَجَرُ، ومن أيْمَانِهم: لا والذي أخْرَجَ الماءَ من الوَثِيْمَةِ. وقيل: هي فَعِيْلَةٌ من الوَثْمِ وهو الدَّقُّ والكَسْرُ.
وثم:
وثيمة: بارود، حجر بارود؛ قسّم عند العرب: لا والذي أخرج العدق من الجريمة، والنار من الوثيمة (ابن خلكان 6:135:9 و7).
(وثم)- في الحديث: "أنه كان لَا يَثِمُ التَّكْبِيرَ": أي لا يَكْسِرُه، بَلْ يُتِمُّه، والوَثْمُ: الكَسْرُ والدَّقُّ.: أي يَأتى به تامًّا في اللّفظ على جِهةِ التّعْظِيم، مع مُطابَقَةِ اللِّسَانِ والقَلْب، والوَثيمَة: الحَجَر.- ومنه قَولهم : "لا وَالذى أخرجَ النارَ من الوَثيمَةِ": أي الحِجَارَة المكْسُورَة.
(وَثَمَ)(س) فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَثِمُ التَّكبير» أَيْ لَا يَكْسِرُه، بَلْ يَأْتِي بِهِ تَامًّا.والْوَثْمُ: الكَسْر والدَّقّ. أَيْ يُتِمُّ لفظَه عَلَى جِهة التَّعْظِيمِ، مَعَ مُطابَقة اللِّسَانِ والقلْب.وَفِيهِ «وَالَّذِي أخْرَج العِذْق مِنَ الجَرِيمة، والنَّار مِنَ الوَثِيمة» الْوَثِيمَةُ: الحَجَر الْمَكْسُورُ.
وثم وَثِيمَةٌ Broken stones. (TA, art. جرم.) See جَرَامٌ.
وَثْمان
من (و ث م) ضارب الرجل، وكاسر الشيء، وجامع الحشيش.
سوثمان
عن الإنجليزية بمعنى رجل من الجنوب أو جنوبي. يستخدم للذكور.
خَوْثم
من (خ ث م) وصف من خثم خثما: عرض، وخثم السيف وخثم أنفه: استدار وانبسط فهو أخثم وهي خثماء.
وثَمَهُ يَثِمُهُ: كسَرَهُ، ودَقَّهُ،وـ الفَرَسُ الأرضَ: رَجَمَهَا بحوافِرِه، والحجارَةُ رِجْلَهُ وَثْماً ووِثاماً: أدْمَتْها.والوَثيمَةُ: الحجارَةُ والجماعَةُ مِنَ الحَشِيشِ والطعامِ، واسمٌ. وكأَميرٍ: المُكْتَنِزُ لَحْماً، وَثُمَ، كَكَرُمَ، وثَامَةً.وخُفٌّ مِيثَمٌ: شَديدُ الوَطْء.والوَثَمُ، محرَّكةً: القِلَّةُ، وَثِمَتْ أرْضُنا، كفرِحَ،وما أوثَمَها: ما أقَلَّ رِعْيَها.والمُواثَمَةُ في العَدْوِ:المُضَابَرَةُ، كأنه يَرْمي بنفسِهِ.ومِيثَمٌ: اسمٌ.وثِمْ لها، بالكسر، أي: اجْمَعْ لها.
وثم
وَثَمَ
a. [ يَثِمُ] (n. ac.
وَثْم)
, Pounded, crushed.
b. Pawed the ground.
c.(n. ac. وَثْم
وِثَاْم)
, Scratched, cut (foot).
d. Ran, sped.

وَثِمَ(n. ac. وَثَم)
a. Was unproductive.

وَثُمَ(n. ac. وَثَاْمَة)
a. Was firm-fleshed, muscular.

وَاْثَمَ
a. [Fī], Started off into ( a run ).

أَوْثَمَa. Was barren.

وَثَمa. Small quantity.

وَثِيْمa. Firmfleshed; muscular.

وَثِيْمَةa. Haystack, corn-stack.
b. Stones, pebbles.

اجْتِمَاع همزة الاستفهام وحروف العطف «الواو-والفاء-وثمّ»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اجْتِمَاع همزة الاستفهام وحروف العطف «الواو-والفاء-وثمّ» الأمثلة: 1 - ثُمّ أَلَيْس الأفضل أن نأكل من غرسنا 2 - فأَلا يكفي العالم العربي ما به من انقسام 3 - وَأَلا يكفي العالم العربي ما به من انقسامالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأن تقديم العاطف «و- ف- ثم» على همزة الاستفهام يخالف الاستعمال العربي.

الصواب والرتبة:1 - أثم ليس الأفضل أن نأكل من غرسنا [فصيحة]2 - أفلا يكفي العالم العربي ما به من انقسام [فصيحة]3 - أَوَلا يكفي العالم العربي ما به من انقسام [فصيحة] التعليق: إذا اجتمعت همزة الاستفهام وحرف العطف (و- ف- ثم) فالاستعمال العربي جارٍ على البدء بحرف الاستفهام وإتباعه بحرف العطف. ومنه قوله تعالى: {{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}} آل عمران/165، {{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}} المائدة/50، {{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَءَامَنْتُمْ بِهِ}} يونس/51.
(وَثَمَ)الْوَاوُ وَالثَّاءُ وَالْمِيمُ: أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى جَمْعٍ وَتَجَمُّعٍ. وَالْأَصْلُ الْوَثِيمَةُ: الْحَجَرُ. يَقُولُونَ: وَالَّذِي أَخْرَجَ النَّارَ مِنَ الْوَثِيمَةِ. ثُمَّ يُقَالُ لِلْحُزْمَةِ مِنَ الْحَشِيشِ وَثِيمَةٌ. يُقَالُ ثِمْ، أَيِ اجْمَعْ. وَالْوَثِيمُ: الْمُكْتَنِزُ لَحْمًا.

أبو إسحاق سعد بن مالك ومالك هو أبو وقاص الزهري كان يسكن الكوفة ومات بالمدينة وهو ابن اربع وسبعين سنة. ويقال: ابن نيف وثمانين.

معجم الصحابة للبغوي

المجلد الثالث

باب السين
من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن ابتدأ اسمه سين

أبو إسحاق سعد بن مالك
ومالك هو أبو وقاص الزهري كان يسكن الكوفة ومات [بالمدينة] وهو ابن اربع وسبعين سنة.
ويقال: ابن نيف وثمانين.
909 - حدثني زهير بن محمد المروزي نا عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سعد أنه قال: يارسول الله

أبو أمامة اسمه صدي بن العجلان. من بني سهم بن عمرو بن ثعلبة بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعيد بن قيس بن غيلان بن مضر، وأم بني معن بن مالك: باهلة بن صعب بن سعد العشيرة من مذحج حمير يعرفون سكن، أبو أمامة دمشق وبيت المقدس وتوفي سنة ست وثمانين.

معجم الصحابة للبغوي

أبو أمامة
اسمه صدي بن العجلان. من بني سهم بن عمرو بن ثعلبة بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعيد بن قيس بن غيلان بن مضر، //309// وأم بني معن بن مالك: باهلة بن صعب بن سعد العشيرة من مذحج [حمير] يعرفون سكن، أبو أمامة دمشق وبيت المقدس وتوفي سنة ست وثمانين.
حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي نا أبو نعيم قال: اسم أبي أمامة: الصدي بن عجلان.

1311 - حدثنا الحكم بن موسى نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني سليمان بن عامر قال: قلت لأبي أمامة: ابن كم كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: " ما سألني عنها عربي كنت ابن ثلاثة

‏<br> سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر، وأتينا به مكة، فأتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فابتاع منا رجل سراويل، وثمّ وزّان يزن بالأجرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: يا وزان، زن وأرجح. يختلف في حديثه. روى عنه سماك بن حرب. يعد في الكوفيين.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

سبعة آلاف شخص وثمان قرى بالكاميرون تعتنق الإسلام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

سبعة آلاف شخص وثمان قرى بالكاميرون تعتنق الإسلام.
1431 محرم - 2010 م
دخل سكان ثمانية قرى في بلاد الكاميرون في الدين الإسلامي بتوفيق الله وكرمه، وقد كانت تلك القرى تدين بالوثنية ثم تنصر أهلها بسبب أنشطة الكنيسة في البلاد، ثم وفق الله تعالى بعض الدعاة في إقناع أهلها بالإسلام حتى أسلموا، ثم بدأت جهود تثبيتهم على الدين. وهذه القرى هي: كوادي، وتولوم، وبيزيل، أسلمت واحدة تلو الأخرى واعتنق الإسلام ثلاثة آلاف شخص فيها، كما قام مجموعة من الدعاة من الندوة العالمية للشباب الإسلامي بنشر الإسلام بين الناس في قرى مجاورة، حتى أسلمت 5 قرى أخرى على أيديهم، وصار عدد المهتدين للإسلام 7 آلاف شخص.
-سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو الْقَاسِمِ محمد بن علي ابن الْحَنَفِيَّةِ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَفِيهَا خَلَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ الطَّاعَةَ، وَتَابَعَهُ النَّاسُ، وَسَارَ يَقْصِدُ الْحَجَّاجَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ سَبَبَ خُرُوجِهِ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا أَجْمَعَ ابْنُ الأَشْعَثِ الْمَسِيرَ مِنْ سِجِسْتَانَ وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، دعى ذَرًّا الْهَمْدَانِيُّ، فَوَصَلَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَحُضَّ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُصُّ كلَّ يومٍ، وَيَنَالُ مِنَ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ سَارَ الْجَيْشُ وَقَدْ خَلَعُوا الْحَجَّاجَ، وَلا يَذْكُرُونَ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فَاسْتَصْرَخَ الْحَجَّاجُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ سَارَ، وَقَدَّمَ الْحَجَّاجُ طَلِيعَتَهُ، فَالْتَقَى ابْنَ الأَشْعَثِ وَهُمْ عِنْدَ دُجَيْلَ يَوْمَ الأَضْحَى، فَانْكَشَفَ عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ وَانْهَزَمَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الأَشْعَثِ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ خلقٌ مِنَ الْمُطَّوَّعَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلُوهَا، فَخَرَجَ الْحَجَّاجُ إِلَى طَفِّ الْبَصْرَةِ.
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَرَأَيْتُ ابْنَ الأَشْعَثِ مُتَرَبِّعًا عَلَى الْمِنْبَرِ يَتَوَعَّدُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ تَوَعُّدًا شَدِيدًا.
قَالَ غَيْرُهُ: فَبَايَعَهُ عَلَى حَرْبِ الْحَجَّاجِ وَعَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ، ثُمَّ خَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَحَصَّنَهَا.
وَفِيهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ - كَعَادَتِهِ - بِالْمَغْرِبِ، فَقَتَلَ وَسَبَى فِي أَهْلِ طُبْنَةَ.
وَفِيهَا أَصَابَتِ الصَّاعِقَةُ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. -[906]-
وَفِيهَا قُتِلَ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْقُوَّادِ بِخُرَاسَانَ، قَاتَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ وَظَفَرَ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ بُكَيْرَ بْنَ وشاح، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَهْطُ بُكَيْرٍ فَقَتَلُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَحَجَّتْ مَعَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ.

-سنة اثنتين وثمانين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ اثنتين وَثَمَانِينَ
فِيهَا: قُتِلَ جَمَاعَةٌ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَمَاتَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ الْخَوْلانِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ زَاذَانُ الْكِنْدِيُّ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الزَّاوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَ ابْنِ الأَشْعَثِ وَبَيْنَ جَيْشِ الْحَجَّاجِ.
وَلابْنِ الأَشْعَثِ مَعَ الْحَجَّاجِ وَقَعَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: وَقْعَةُ دُجَيْلَ الْمَذْكُورَةُ يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ، وَوَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَوَقْعَةُ الأَهْوَازِ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ خَرَجَ مَعَ ابْنُ الأَشْعَثِ ثلاثةٌ وَثَلاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، ومائةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ راجل، فِيهِمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ وَصَالِحُونَ، خَرَجُوا مَعَهُ طَوْعًا عَلَى الْحَجَّاجِ.
وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا أربعٌ وَثَمَانُونَ وَقْعَةً فِي مِائَةِ يَوْمٍ، فَكَانَتْ مِنْهَا ثلاثٌ وَثَمَانُونَ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَوَاحِدَةٌ لَهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: كَانَتْ وَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ جرير: وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ هي سَنَةِ ثلاثٍ وَثَمَانِينَ.
فَذَكَرَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى، قال: حدثني -[907]- أَبُو الزُّبَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ، فَقَالَ لِي: اعْدِلْ عَنِ الطَّرِيقِ لا يَرَى النَّاسُ جِرَاحَتَكُمْ، فَإِنِّي لا أُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُمُ الْجَرْحَى، فَلَمَّا دَخَلَ الْكُوفَةَ مَالُوا إِلَيْهِ كُلُّهُمْ، وَحَفَّتْ بِهِ هَمْدَانُ، إِلا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ تَمِيمٍ أَتَوْا مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ، وَقَدْ كَانَ وَثَبَ عَلَى قَصْرِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يُطِقْ قِتَالَ النَّاسِ، فَنَصَبَ ابْنُ الأَشْعَثِ السَّلالِمَ عَلَى الْقَصْرِ فَأَخَذُوهُ، وَأَتَوْا بِمَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ، فَقَالَ لابن الأشعث: اسْتَبْقِنِي فَإِنِّي أَفْضَلُ فُرْسَانِكَ وَأَعْظَمُهُمْ غِنَاءً عَنْكَ، فَحَبَسَهُ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ أَتَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَتَفَوَّضَتْ إِلَيْهِ الْمَسَالِحُ وَالثُّغُورُ، وَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَ الْحَجَّاجُ بِالْبَصْرَةِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.
وَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْبَصْرَةِ يسير مِنْ بَيْنِ الْقَادِسِيَّةِ وَالْعُذَيْبِ، فَنَزَلَ دَيْرِ قُرَّةَ، وَكَانَ أَرَادَ نُزُولَ الْقَادِسِيَّةِ، فَجَهَّزَ لَهُ ابْنُ الأَشْعَثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَبَّاسِ، فَمَنَعَهُ مِنْ نُزُولِهَا، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيُّ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ، فَكَانَ الْحَجَّاجُ بَعْدُ يَقُولُ: أَمَا كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ حَيْثُ رَآنِي نَزَلْتُ بِدَيْرِ قُرَّةَ، وَنَزَلَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ.
وَاجْتَمَعَ جُلُّ النَّاسِ عَلَى قِتَالِ الْحَجَّاجِ لِظُلْمِهِ وَسَفْكِهِ الدِّمَاءَ، فَكَانُوا مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَجَاءَتْهُ أَمْدَادُ الشَّامِ، فَنَزَلَ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَكَذَا خَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ كَانَ الْجَمْعَانِ يَلْتَقُونَ كُلَّ يَوْمٍ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ.
وَأَشَارَ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَرْضَى أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ تَنْزِعَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ فَانْزِعْهُ عَنْهُمْ تَخْلُصُ لَكَ طَاعَتُهُمْ، فَبَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَعْرِضَا عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ نَزْعَ الْحَجَّاجِ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهُمُ الْعَطَاءَ، وَأَنْ يَنْزِلَ ابْنُ الأَشْعَثِ أَيُّ بلدٍ شَاءَ مِنَ الْعِرَاقِ، يَكُونُ عَلَيْهِ وَالِيًا، فَإِنْ قَبِلُوا فَاعْزِلا عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ، وَمُحَمَّدٌ أَخِي مَكَانَهُ، وَإِنْ أَبَوْا فَالْحَجّاجُ أَمِيرُكُمْ كُلُّكُمْ وَوَلِيُّ الْقِتَالِ، قَالَ: فَقَدِمُوا عَلَى الْحَجَّاجِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَشُقَّ عَلَيْهِ الْعَزْلُ، فَرَاسَلُوا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَجَمَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ -[908]- مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهُمْ بِالْمُصَالَحَةِ، فَوَثَبَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَهُمْ، وَأَصْبَحُوا فِي الأَزْلِ وَالضَّنْكِ وَالْمَجَاعَةِ وَالْقِلَّةِ فَلا نَقْبَلُ.
وَأَعَادُوا خَلْعَ عبد الملك ثانية، وتعبؤوا لِلْقِتَالِ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ الأَشْعَثِ حَجَّاجُ بْنُ جَارِيَةِ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الْمُجَنَّبَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِزَامٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْمُطَّوَّعَةِ وَالصُّلَحَاءِ جَبَلَةُ بن زحر الْجُعْفِيُّ.
وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْحَجَّاجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ سُفْيَانُ بْنُ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ تَأْتِيهِمُ الأَمْدَادُ والخيرات مِنَ الْبَصْرَةِ، وَجَيْشُ الْحَجَّاجِ فِي ضِيقٍ وَغَلَاءِ سِعْرٍ.
فَيُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ كَانَ فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ، وَلا شَكَّ أَنَّ نَوْبَةَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ كَانَتْ أَيَّامًا، بَلْ أَشْهُرًا، اقْتَتَلُوا هُنَاكَ مِائَةَ يَوْمٍ، فَلَعَلَّهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ، وَأَوَائِلِ سَنَةِ ثلاثٍ.
فَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي خَيْلِ جَبَلَةَ بْنِ زَحْرٍ، وَكَانَ عَلَى الْقُرَّاءِ، فَحَمَلَ عَلَيْنَا عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَنَادَانَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، لَيْسَ الْفِرَارُ بأحدٍ مِنَ النَّاسِ بِأَقْبَحِ مِنْكُمْ، وَبَقِيَ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَاتِلُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الشَّعْبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَاتِلُوهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ وَاسْتِذْلالِهِمُ الضُّعَفَاءَ، وَإِمَاتَتِهِمُ الصَّلاةَ.
قَالَ: ثُمَّ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَبَدَّعْنَا فِيهِمْ، ثُمَّ رَجَعْنَا، فَمَرَرْنَا بجبلة بن زحر صَرِيعًا فَهَدَّنَا ذَلِكَ، فَسَلانَا أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، فَنَادُونَا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ هَلَكْتُمْ، قُتِلَ طَاغُوتُكُمْ.
وَقَالَ خالد بن خداش: حدثنا غَسَّانُ بْنُ مُضَرٍ قَالَ: خَرَجَ الْقُرَّاءُ مَعَ -[909]- ابْنِ الأَشْعَثِ، وَفِيهِمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ " يَا ثَارَاتِ الصَّلاةِ ".
وَقِيلَ: إِنَّ سُفْيَانَ بن الأبرد حمل على ميسرة ابن الأَشْعَثِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا هَرَبَ الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَلَمْ يُقَاتِلْ كَبِيرَ قِتَالٍ، فَأَنْكَرَهَا مِنْهُ النَّاسُ، وَكَانَ شُجَاعًا لا يَفِرُّ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ خَامَرَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ تَقَوَّضَتِ الصُّفُوفُ، وَرَكِبَ النَّاسُ وُجُوهَهُمْ.
وَكَانَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى منبرٍ قَدْ نُصِبَ لَهُ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ ذَوُو الرَّأْيِ: انْزِلْ وَإِلا أُسِرْتَ، فَنَزَلَ وَرَكِبَ، وَخَلَّى أَهْلَ الْعِرَاقَ، وَذَهَبَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ كُلُّهُمْ، وَمَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ مَعَ ابْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي أناسٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، حَتَّى إِذَا حَاذُوا قَرْيَةَ بَنِي جعدة عبر في مَعْبَرَ الْفُرَاتِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، وَعَلَيْهِ السِّلاحُ لَمْ يَنْزِلْ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ بِنْتُهُ، فَالْتَزَمَهَا، وَخَرَجَ أَهْلُهُ يَبْكُونَ، فَوَصَّاهُمْ وَقَالَ: لا تَبْكُوا، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ أَتْرُكْكُمْ، كَمْ عَسَيْتُ أَنْ أَعِيشَ مَعَكُمْ، وَإِنْ أَمُتْ فَإِنَّ الَّذِي يَرْزُقُكُمْ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَوَدَّعَهُمْ وَذَهَبَ.
وَقَالَ الْحَجَّاجُ: اتْرُكُوهُمْ فَلْيَتَبَدَّدُوا، وَلا تَتْبَعُوهُمْ، وَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ رَجَعَ فَهُوَ آمِنٌ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا، وَجَعَلَ لا يُبَايِعُ أَحَدًا مِنْهَا إِلا قَالَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ كَفَرْتَ، فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، بَايَعَهُ، وَإِلا قَتَلَهُ، فَقَتَلَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَحَرَّجَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ. وَجِيءَ بِرَجُلٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَا أَظُنُّ هَذَا يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخَادِعِي عَنْ نَفْسِي، أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الأَرْضِ، وَأَكْفَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ، فَضَحِكَ وَخَلاهُ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَنَزَلَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِالْمَدَائِنِ، فَتَجَمَّعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الْعَبْشَمِيُّ، فَأَتَى الْبَصْرَةَ وَبِهَا ابْنُ عَمِّ الْحَجَّاجِ أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، فَأَخَذَ الْبَصْرَةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ، وَقَالَ ابْنُ سَمُرَةَ لَهُ: إِنَّمَا أَخَذْتُ الْبَصْرَةَ لَكَ، وَلَحِقَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بِهِمْ، فَسَارَ الْحَجَّاجُ لِحَرْبِهِمْ، وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ إِلَى مَسْكِنَ عَلَى دُجَيْلَ.
وَتَلاوَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الأَشْعَثِ عَلَى الْفِرَارِ، وَتَبَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ، فَخَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَسَلَّطَ الْمَاءَ فِي الْخَنْدَقِ، وَأَتَتْهُ النَّجْدَةُ -[910]- مِنْ خُرَاسَانَ، فَاقْتَتَلُوا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ مِنْ أُمَرَاءِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ غُنَيْمٍ الْقَيْنِيُّ.
ثُمَّ عَبَّأَ الْحَجَّاجُ جَيْشَهُ وَصَرَخَ فِيهِمْ وَحَمَلَ بِهِمْ، فَهَزَمَ أَصْحَابَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكُسِرَ بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ جُفُونَ سُيُوفُهُمْ وَثَبَتُوا، وَقَاتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، كَشَفُوا فِيهِ عَسْكَرَ الْحَجَّاجِ مِرَارًا، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: عَلَيَّ بِالرُّمَاةِ، قَالَ: فَأَحَاطَ بِهِمُ الرُّمَاةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَانْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ فِي طائفةٍ، وَطَلَبَ سِجِسْتَانَ، فَأَتْبَعَهُمْ جَيْشُ الْحَجَّاجِ، عَلَيْهُمْ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ، فَالْتَقَوْا بِالسُّوسِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ، فَأَتَى سَابُورَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الأَكْرَادُ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ عُمَارَةُ، فَقُتِلَ عُمَارَةُ وَانْهَزَمَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ مَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ إِلَى بُسْتَ، وَعَلَيْهَا عَامِلُهُ، فَأَنْزَلَهُ وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَوَثَبَ عَامِلُ بُسْتَ عَلَيْهِ فَأَوْثَقَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ يَدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ.
وَقَدْ كَانَ رُتْبِيلُ سَمِعَ بِمَقْدِمِ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَسَارَ فِي جُيُوشِهِ حَتَّى أَحَاطَ بِبُسْتَ، فَرَاسَلَ عَامِلَهَا يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَ ابْنَ الأَشْعَثِ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْتَنْزِلَكَ، وَأَقْتُلَ جَمِيعَ مَنْ مَعَكَ، فَخَافَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ابْنَ الأَشْعَثِ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ، فَقَالَ ابْنُ الأَشْعَثُ: إِنَّ هَذَا كَانَ عَامِلِي فَغَدَرَ بِي وَفَعَلَ مَا رَأَيْتَ، فَأْذَنْ لِي فِي قَتْلِهِ، قَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ، ثُمَّ مَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ مَعَ رُتْبِيلَ إِلَى بِلادِهِ، فَأَكْرَمَهُ وعظمه. وكان مع ابن الأشعث عدد كبير مِنَ الأَشْرَافِ وَالْكِبَارِ، مِمَّنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانِ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ تَبِعَ أَثَرَ ابْنِ الأَشْعَثِ خَلْقٌ مِنْ هَذِهِ الْبَابَةِ حَتَّى قَدِمُوا سِجِسْتَانَ، وَنَزَلُوا على عبد الله بن عامر النعار، فَحَصَرُوهُ، وَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ الأَشْعَثِ بِعَدَدِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الأَشْعَثِ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ غَلَبُوا عَلَى مَدِينَةِ سِجِسْتَانَ، وَعَذَّبُوا ابْنَ عَامِرٍ وَحَبَسُوهُ، ثُمَّ لَمْ يَشْعُرِ ابْنُ الأَشْعَثِ إِلا وَقَدْ فَارَقَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَسَارَ فِي أَلْفَيْنِ، فَغَضِبَ ابْنُ الأَشْعَثِ وَرَجَعَ إِلَى رُتْبِيلَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: سَارُوا مَعَ الْهَاشِمِيِّ فَقَاتَلَهُمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَفِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ اختلاف. -[911]-
وَمِنْ بَقِيَّةِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ: قَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ بَيْنَهُمْ إِحْدَى وَثَمَانُونَ وَقْعَةً، كُلُّهَا عَلَى الْحَجَّاجِ، إِلا آخِرَ وَقْعَةٍ كَانَتْ عَلَى ابْنِ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ مِنَ الْقُرَّاءِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ خَلْقٌ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: أَتَى الْقُرَّاءُ يَوْمَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ يُؤَمِّرُونَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي، فَأَمِّرُوا رَجُلا مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَّرُوا جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْخَثْعَمِيَّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: رَأَيْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَشَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالرُّمْحِ فَطَعَنَهُ، وَانْكَشَفَ ابْنُ الأَشْعَثِ فَأَتَى الْبَصْرَةَ، وَتَبِعَهُ الْحَجَّاجُ، فَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ دُجَيْلَ الأَهْوَازِ، وَاتَّبَعَهُ الْحَجَّاجُ، فَالْتَقَوْا بِمَسْكِنَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ ناسٌ كَثِيرٌ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: افْتُقِدَ بِمَسْكِنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو فَرْوَةَ قَالَ: افْتُقِدَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِسُورَاءَ، وَأَسَرَ الْحَجَّاجُ نَاسًا كَثِيرًا مِنْهُمْ: عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ، وعبد الرحمن بن ثروان، وَأَعْشَى هَمْدَانَ، قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ: قَتَلَهُمْ جَمِيعًا.
وقال خليفة: أول وقعةٍ كانت يَوْمِ النَّحْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَالْوَقْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ بِالزَّاوِيَةِ، وَالْوَقْعَةُ الثَّالِثَةُ بِظَهْرِ الْمِرْبَدِ فِي صَفَرٍ، وَالْوقْعَةُ الرَّابِعَةُ بَدَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي جُمَادَى، وَالْوَقْعَةُ الْخَامِسَةُ لَيْلَةَ دُجَيْلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ.
قَالَ: ثُمَّ سَارَ ابْنُ الأَشْعَثِ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، وَتَبِعَهُ طائفةٌ قليلةٌ، فَتَرَكَهُمْ وَصَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ بعده عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيُّ، وَمَعَهُ الْقُرَّاءُ، فَالْتَقَى هُوَ وَمُتَوَلِّي هَرَاةَ مُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَهَزَمَهُ الْمُفَضَّلُ، ثُمَّ قَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأَسَرَ عِدَّةً مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْهِلْقَامُ بن نعيم. -[912]-
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَلِيَ بِلادَ فَارِسٍ وَغَزَا التُّرْكَ، ثُمَّ خَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَفَعَلَ الأَفَاعِيلَ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ.
قَالَ خَلِيفَةُ: تَسْمِيَةُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ: مُسْلِمُ بن يسار المزني، وأبو مراية العجلي، وقد قتل، وعقبة بن عبد الغافر العوذي فقتل، وعقبة بن وساج البرساني، فقتل، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ الْجَهْضَمِيُّ، فَقُتِلَ، وَأَبُو الجوزاء الربعي، فقتل، وَالنَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعِمْرَانُ وَالِدُ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ سَيَّارُ بْنُ سلامة الرِّيَاحِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُرَّةُ بْنُ دَبَّابٍ الهدادي، وَأَبُو نُجَيْدٍ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو شَيْخٍ الْهَنَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَخُوهُ الْحَسَنُ، وَقَالَ: أُكْرِهْتُ عَلَى الْخُرُوجِ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِّيُّ: قِيلَ لابْنِ الأَشْعَثِ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلُوا حَوْلَكَ كَمَا قُتِلُوا حَوْلَ الْجَمَلِ مَعَ عَائِشَةَ فَأَخْرِجِ الْحَسَنَ.
وَمَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَزُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامَيَانُ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ.
قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: مَا صُرِعَ أحدٌ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ إِلا رُغِبَ لَهُ عَنْ مَصْرَعِهِ، وَلا نَجَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا حَمَدَ اللَّهَ الَّذِي سَلَّمَهُ.
وَقَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: قَتَلَ الْحَجَّاجُ بِمَسْكِنَ خَمْسَةَ آلافِ أَوْ أَرْبَعَةَ آلافِ أَسِيرٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: فِيهَا، يَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، قَتَلَ قُتَيبةُ بْنُ مُسْلِمٍ: عُمَرَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ، وَأَخَاهُ، وَمُوسَى بْنَ كَثِيرٍ الْحَارِثِيَّ، وَبُكَيْرَ بْنَ هَارُونَ الْبَجَلِيَّ.
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بِأَرْمِينِيَةَ، فَهَزَمَ الْعَدُوَّ، ثُمَّ صَالَحُوهُ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَبَا شَيْخِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَدَرُوا بِهِ وَقَتَلُوهُ. -[913]-
وَفِيهَا فَتَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِصْنَ سِنَانٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِصِّيصَةِ.
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ صِنْهَاجَةَ بِالْمَغْرِبِ.
وَأُسِر يَوْمَ الْجَمَاجِمِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا، وَقُتِلَ مَاهَانُ الأَعْوَرُ الْقَاصُّ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ بَزْوَانَ يومئذٍ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الزَّاوِيَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ أَبُو قُرَيْشٍ الْجَهْضَمِيُّ: إِنِّي لأَرَى أَمْرًا مَا بِي صَبَرَ، رُوحُوا بِنَا إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ يُوجَدُ مِنْ رِيحِ قَبْرِهِ الْمِسْكُ. وَكَانَ عَابِدًا لَهُ أَوْرَادٌ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ بَنِيَّ ماتوا ولم أتمتع من النظر إليهم. وروى ابْنُ غَالِبٍ عَنْ: أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ: عَطَاءٌ السُّلَيْمِيُّ، وَغَيْرُهُ.
-سَنَةَ ثلاثٍ وَثَمَانِينَ
كَانَتْ فِيهَا غَزْوَةُ عَطَاءِ بْنِ رَافِعٍ صِقِلِّيَةَ، وَخَرَجَ عِمْرَانُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَلَى الْبَحْرِ، وَجَعَلَ عَلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي الْكَنُودِ.
وَفِيهَا عُزِلَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوُلِّيَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ.
وَفِي سَنَةَ ثلاثٍ بَنَى الْحَجَّاجُ مَدِينَةَ وَاسِطٍ. وَاسْتَعْمَلَ عَلَى فَارِسٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيَّ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ الْأَكْرَادَ.
وَفِيهَا بَعَثَ الْحَجَّاجُ عُمَارَةَ بْنَ تَمِيمٍ الْقَيْنِيَّ إِلَى رُتْبِيلَ فِي أَمْرِ ابْنِ الأَشْعَثِ، قال: فصالح رتبيل متولي سجستان وخلى بين ابن الأشعث وبينهم، فقيد ابن الأشعث هُوَ وجماعةٌ فِي الْحَدِيدِ، وَقُرِنَ بِهِ فِي الْقَيْدِ أَبُو الْعَنْزِ، وَسَارُوا بِهِمْ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا كَانُوا بِالرُّخَّجِ طَرَحَ ابْنُ الأَشْعَثِ نَفْسَهُ مِنْ فَوْقَ بُنْيَانٍ فَهَلَكَ هُوَ وَقَرِينُهُ، فقُطِعَ رَأْسُهُ وَحُمِلَ إِلَى الْحَجَّاجِ، -[914]- فَرَأْسُهُ مَدْفُونٌ بِمِصْرَ وَجُثَّتُهُ بِالرُّخَّجِ.
وَكَانَ قَدْ أَمَّرَهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عِنْدَ قَتْلِ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ.
وَفِي سَنَةَ ثلاثٍ ضَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ إِمْرَةَ أَذْرَبَيْجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ مَعَ إِمْرَةِ الْجَزِيرَةِ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ الْوَلِيدِ. وَلَهُ غَزَوَاتٌ وَفُتُوحَاتٌ كَثِيرَةٌ.
-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: عُتْبَةُ بْنُ النُّدَّرِ السُّلَمِيُّ، صَحَابِيٌّ شَامِيٌّ، وَالأَسْوَدُ بْنُ هًلالٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ السَّدُوسِيُّ، وَرَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ.
وَقِيلَ: فِيهَا ظَفَرُوا بِابْنِ الأَشْعَثِ وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الأَقَالِيمِ.
وَفِيهَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ أَيُّوبَ بْنَ الْقَرِّيَّةِ، وَكَانَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَبُلَغَائِهِمْ، خَرَجَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَاسْمُهُ أَيُّوبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْهِلالِيُّ، ثُمَّ نَدِمَ الْحَجَّاجُ عَلَى قَتْلِهِ.
وَفِيهَا وَلِيَ إِمْرَةَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ التُّجِيبِيُّ.
وَبَعَثَ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِالشَّعْبِيِّ إِلَى مِصْرَ، إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ سَنَةً.
وَفِيهَا فُتِحَتِ الْمِصِّيصَةُ، عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُوسَى بن نصير بلد أورية مِنَ الْمَغْرِبِ، فَقَتَلَ وَسَبَى، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ السَّبْيَ بَلَغَ خَمْسِينَ أَلْفًا.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَةَ فَهَزَمَهُمْ وَحَرَّقَ كَنَائِسَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ، وَتُسَمَّى سَنَةُ الْحَرِيقِ.
-سَنَةَ خمسٍ وَثَمَانِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ، توفي فيها أو في التي تليها، وفيها وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ، وَيَسَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ.
وَفِيهَا، على ما ورخ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ هَلاكُ ابْنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَى رُتْبِيلَ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِابْنِ الأَشْعَثِ، وَإِلا فَوَاللَّهِ لَأُوطِئَنَّ أَرْضَكَ أَلْفَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يُطْلَقَ لَهُ خَرَاجُ بِلادِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَأَسْلَمَهُ إِلَى أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ علٍ فَهَلَكَ.
وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُلَيْكَةَ بِنْتَ يَزِيدَ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلا ورأسه في حجري على فخذي، تعني مِنْ جُرْحٍ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ حَزَّ رَأْسَهُ رُتْبِيلُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ.
قُلْتُ: هَذَا قول شاذ، وأبو مخنف كذاب.
قيل: إن الحجاج قال لدهاقين العراق: كم كان عمر يجبي سواد العراق؟ قالوا: مائة ألف ألف درهم، وعشرون ألف ألف. قال: فكم جباه زياد؟ قالوا: ثمانين ألف ألف. قال: فكم نجبيه نحن اليوم؟ قال: ستين ألف ألف.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَةَ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَةً، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حاتم بن النعمان الباهلي، فبنى مدينة أردبيل وَمَدِينَةَ بَرْذَعَةَ.
وَفِيهَا قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيُّ: بَعَثَ عبد الله بن عبد الملك بن مروان وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْمِصِّيصَةَ يَزِيدَ بْنَ حُنَيْنٍ فِي جيشٍ، فلقيته الروم في جمعٍ كبير، فَأُصِيبَ النَّاسُ، وَقُتِلَ مَيْمُونٌ الْجُرْجُمَانِيُّ فِي نَحْوَ أَلْفِ نفسٍ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ مَيْمُونٌ أَمِيرُ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ، مشهورٌ بِالْفُرُوسِيَّةِ، وَتَأَلَّمَ غَايَةَ الأَلَمِ لِمُصَابِهِمْ. -[916]-
وَفِيهَا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوُلِّيَ أَخُوهُ الْمُفَضَّلُ يَسِيرًا، ثُمَّ عُزِلَ وَوُلِّيَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ بَطَلا شُجَاعًا وَسَيِّدًا مُطَاعًا، غَلَبَ عَلَى تِرْمِذَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مُدَّةَ سِنِينَ، وَحَارَبَ الْعَرَبَ، مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَالتُّرْكُ مِنْ تِيكَ الْجِهَةِ، وَجَرَتْ لَهُ وَقَعَاتٌ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَالِدَهُ فِي سَنَةِ نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَآخِرُ أَمْرِ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً فِي هَذَا الْعَامِ لِيُغِيرَ عَلَى جيشٍ فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَابْتَدَرَهُ ناسٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَقَتَلُوهُ. وقد استوفى ابن جرير أخباره وحروبه، وقيل: قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ.
وَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مِصْرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَقَدَ بِالْخِلافَةِ مِنْ بَعْدِهِ لابْنَيْهِ الْوَلِيدِ ثُمَّ سُلَيْمَانَ، وَفَرِحَ بِمَوْتِ أَخِيهِ، فَإِنَّهُ عَزَمَ عَلَى عَزْلِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَجَاءَهُ مَوْتُهُ.
-سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.
وَفِيهَا - وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانِ وَهُوَ أَصَحُّ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى.
وَفِيهَا كَانَ طَاعُونُ الْفَتَيَاتِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بَدَأَ فِي النِّسَاءِ، وَكَانَ بِالشَّامِ وبواسط والبصرة.
وَفِيهَا سَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مُتَوَجِّهًا إِلَى وِلايَتِهِ، فَدَخَلَ خُرَاسَانَ، وَتَلَقَّاهُ دَهَاقِينُ بَلْخٍ، وَسَارُوا مَعَهُ، وَأَتَاهُ أَهْلُ صَاغَانَ بِهَدَايَا وَمِفْتَاحٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَسَلَّمُوا بِلادَهُمْ بِالأَمَانِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُسْلِمَةُ بن عبد الملك حصن تولق وحصن الأخرم. -[917]-
وَعَقَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ لابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مِصْرَ، فَدَخَلَهَا فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، وَعُمْرُهُ يومئذٍ سبعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَقَرَّهُ أَخُوهُ الْوَلِيدُ عَلَيْهَا لَمَّا اسْتُخْلِفَ، وَأَمَّا ابْنُ يُونُسَ فَذَكَرَ أَنَّ الْوَلِيدَ عَزَلَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ مِصْرَ بِقُرَّةَ بْنِ شَرِيكٍ أَوَّلَ مَا اسْتُخْلِفَ.
وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ الأَخْرَمُ بُورِي - لا رَحِمَهُ اللَّهُ - قَبْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بِشَهْرٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ يُونُسُ بْنُ عَطِيَّةَ الْحَضْرَمِيُّ قَاضِي مِصْرَ، فَوُلِّيَ ابْنُ أَخِيهِ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطِيَّةِ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ قَلِيلا وَعُزِلَ، وَوُلِّيَ الْقَضَاءَ - مُضَافًا إِلَى الشُّرَطِ - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، ثُمَّ عُزِلَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِعِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ.
وَوَلِيَ الْخِلافَةَ الْوَلِيدُ بعهدٍ مِنْ أَبِيهِ.
-سَنَةَ سبعٍ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: عُتْبَةُ بْنُ عبْدٍ السُّلَمِيُّ، والمقدام بن معدي كرب الْكِنْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَالأَصَحُّ وَفَاتَهُ سَنَةَ تِسْعٍ.
وَيُقَالُ: فِيهَا افْتَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِيكَنْدَ.
وَفِيهَا شَرَعَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بِنَاءِ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمَدِينَةِ عُمَرَ بن عبد العزيز ببناء مسجد النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِّيَ عُمَرُ الْمَدِينَةَ وَلَهُ خمسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَصُرِفَ عَنْهَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأُهِينَ وَوَقَفَ لِلنَّاسِ، فَبَقِيَ عُمَرُ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ عَزَلَهُ الْوَلِيدُ بأبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ نَيْزَكُ طَرْخَانَ عَلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَصَالَحَهُ وَأَطْلَقَ مَنْ فِي يَدِهِ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ نَوَاحِي بُخَارَى، فَكَانَتْ هُنَاكَ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَلْحَمَةٌ هَائِلَةٌ، هَزَمَ اللَّهُ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ، وَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلا مِنْ أَقَارِبِهِ، فَقَتَلُوا عَامَّةَ أَصْحَابِهِ وَغَدَرُوا، فَرَجَعَ قُتَيْبَةُ لِحَرْبِهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا عَنْوةً، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ أَمْوَالا عَظِيمَةً.
وَفِيهَا أَغْزَى أَمِيرُ الْمَغْرِبِ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ - عِنْدَمَا وَلاهُ الوليد بن -[918]- عَبْدِ الْمَلِكِ إِمْرَةَ الْمَغْرِبِ جَمِيعَهُ - وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ سِرْدَانِيَّةَ، فَافْتَتَحَهَا وَسَبَى وَغَنِمَ.
وَفِيهَا أَغْزَى موسى بن نصير ابن أَخِيهِ أَيُّوبَ بْنَ حَبِيبٍ مَمْطُورَةَ، فَغَنِمَ وَبَلَغَ سَبْيُهُمْ ثَلاثِينَ أَلْفًا.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَافْتَتَحَ قميقم وَبُحَيْرَةَ الْفُرْسَانِ، فَقَتَلَ وَسَبَى.
وَيَسَّرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْعَامِ بِفُتُوحَاتٍ كِبَارٍ عَلَى الإِسْلامِ.
وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْمَوْسِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَقَفَ غَلَطًا يَوْمَ النَّحْرِ، فَتَأَلَّمَ عُمَرُ لِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ يُعْرَفُ النَّاسَ ". وَكَانُوا بِمَكَّةَ فِي جَهْدٍ مِنْ قِلَّةِ الْمَاءِ، فَاسْتَسْقَوْا وَمَعَهُمْ عُمَرُ، فَسُقُوا، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَرَأَيْتُ عُمَرَ يَطُوفُ وَالْمَاءُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ.
-سَنَةَ ثمانٍ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ، وَأَبُو الأَبْيَضِ الْعَنْسِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي أوفى، على الأصح.
وَفِيهَا جَمَعَ الرُّومُ جَمْعًا عَظِيمًا وَأَقْبَلُوا فَالْتَقَاهُمْ مُسْلِمَةُ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْخَلِيفَةِ الْوَلِيدِ، فَهَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، وَافْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ جُرْثُومَةَ وَطُوَّانَةَ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، فَزَحَفَ إِلَيْهِ التُّرْكُ وَمَعَهُمُ الصُّغْدُ وَأَهْلُ فَرْغَانَةَ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُ أُخْتِ مَلِكِ الصِّينِ، وَيُقَالُ: بَلَغَ جَمْعُهُمْ مِائَتَيْ أَلْفٍ، فَكَسَرَهُمْ قُتَيْبَةُ، وَكَانَتْ مَلْحَمَةً عَظِيمَةً.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وابن أخيه العباس، وشتوا بِقُرَى أَنْطَاكِيَةَ، ثُمَّ التقوا الرُّومَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ فِيهَا شَرَعَ الْوَلِيدُ بِبِنَاءِ الْجَامِعِ، وَكَانَ نِصْفُهُ كَنِيسَةً لِلنَّصَارَى، وَعَلَى ذَلِكَ صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ لِلنَّصَارَى: إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا كَنِيسَةَ تُومَا عَنْوَةً، - يَعْنِي كَنِيسَةَ مَرْيَمَ - فَأَنَا أَهْدِمُهَا، وَكَانَتْ أَكْبَرَ من -[919]- النِّصْفِ الَّذِي لَهُمْ، فَرَضُوا بِإِبْقَاءِ كَنِيسَةِ مَرْيَمَ، وَأُعْطُوا النِّصْفَ وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَالْمِحْرَابُ الْكَبِيرُ هو كان باب الكنيسة، ومات الوليد وهم بَعْدُ فِي زَخْرَفَةِ بِنَاءِ الْجَامِعِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ الْحَجَّارِينَ وَالْمُرَخِّمِينَ مِنَ الأَقْطَارِ، حَتَّى بَلَغُوا - فِيمَا قِيلَ - اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفَ مُرَخِّمٍ، وَغَرِمَ عَلَيْهَا قَنَاطِيرَ عَدِيدَةً مِنَ الذَّهَبِ، فَقِيلَ: إِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ بَلَغَتْ سِتَّةَ آلافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَذَلِكَ مِائَةُ قنطارٍ وَأَرْبَعَةُ وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا بِالْقِنْطَارِ الدِّمَشْقِيِّ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْوَلِيدُ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ - عمر بن عبد العزيز - ببناء مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنْ يُزَادَ فِيهِ مِنْ جِهَاتِهِ الأَرْبَعِ، وَأَنْ يُعْطِيَ النَّاسَ ثَمَنَ الزِّيَادَاتِ شَاءُوا أَوْ أَبُوا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سعد: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ مَنَازِلَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ هَدَمَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ بُيُوتًا بِاللَّبِنِ، وَلَهَا حُجَرٌ مِنْ جَرِيدٍ مطرورٌ بِالطِّينِ، عَدَدْتُ تِسْعَةَ أبياتٍ بِحُجَرِهَا، وَهِيَ مَا بَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي بَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعَ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: أَدْرَكْتُ حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، عَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ مِنْ شعرٍ أَسْوَدَ، فَحَضَرْتُ كِتَابَ الْوَلِيدِ يُقْرَأُ بِإِدْخَالِ الْحُجَرِ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: لَوْ تَرَكُوهَا فَيَقْدَمُ الْقَادِمُ مِنَ الآفَاقِ فَيَرَى مَا اكْتَفَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: ذَرْعُ السِّتْرِ الشَّعَرِ ذِرَاعٌ فِي طُولِ ثَلاثَةٍ.
وَفِيهَا كَتَبَ الْوَلِيدُ - وَكَانَ مُغْرَمًا بِالْبِنَاءِ - إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِحَفْرِ الأَنْهَارِ بِالْمَدِينَةِ، وَبِعَمَلِ الْفَوَّارَةِ بِهَا، فَعَمِلَهَا وَأَجْرَى مَاءَهَا، فَلَمَّا حَجَّ الْوَلِيدُ وَقَفَ وَنَظَرَ إليها فأعجبته.
وقال عمرو بْنُ مُهَاجِرٍ - وَكَانَ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْوَلِيدِ -: حَسَبُوا مَا أَنْفَقُوا عَلَى الْكَرْمَةِ الَّتِي فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَكَانَ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَالَ أَبُو قُصَيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُذْرِيُّ: حَسَبُوا مَا أَنْفَقُوا عَلَى -[920]- مسجد دمشق، فكان أربع مائة صُنْدُوقٍ، فِي كُلِّ صُنْدُوقٍ ثمانيةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ.
قُلْتُ: جُمْلَتُهَا عَلَى هَذَا: أَحَدَ عَشْرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَنَيِّفٍ.
قَالَ أَبُو قُصَيٍّ: أَتَاهُ حَرَسِيُّهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَحَدَّثُوا أَنَّكَ أَنْفَقْتَ الأَمْوَالَ فِي غَيْرِ حَقِّهَا، فَنَادَى: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: بَلَغَنِي كَيْت وكَيْت، ألا يا عمرو بن مهاجر قُمْ فَأَحْضِرِ الأَمْوَالَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. فَأَتَتِ الْبِغَالُ تَدْخُلُ بِالْمَالِ، وَفَضَّتْ فِي الْقِبْلَةِ عَلَى الأَنْطَاعِ، حَتَّى لَمْ يُبْصِرْ مَنْ فِي الْقِبْلَةِ مَنْ فِي الشَّامِ، وَوُزِنَتْ بِالْقَبَابِينَ، وَقَالَ لِصَاحِبِ الدِّيوَانِ: أَحْصِ مِنْ قِبَلِكَ مِمَّنْ يَأْخُذُ رِزْقَنَا، فوجدوا ثلاث مائة أَلْفٍ فِي جَمِيعِ الأَمْصَارِ، وَحَسَبُوا مَا يُصِيبُهُمْ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُ رِزْقَ ثَلاثِ سِنِينَ، فَفَرِحَ النَّاسُ، وَحَمِدُوا اللَّهَ، فَقَالَ: إِلَى أَنْ تَذْهَبَ هَذِهِ الثَّلاثُ السِّنِينَ قَدْ أَتَانَا اللَّهُ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِهِ، إِلا وَإِنِّي رَأَيْتُكُمْ يَا أَهْلَ دِمَشْقٍ تَفْخَرُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ: بِهَوَائِكُمْ، وَمَائِكُمْ، وَفَاكِهَتِكُمْ، وَحَمَّامَاتِكُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَكُمُ الْخَامِسُ، فَانْصَرَفُوا شَاكِرِينَ دَاعِينَ.
وَرُوِيَ عَنِ الْجَاحِظِ، عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أحدٌ أَشَدَّ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ مَسْجِدِهِمْ.
-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا - عَلَى الصَّحِيحِ -: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ. وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَأَبُو ظَبْيَانَ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَالصَّحِيحُ وَفَاتُهُمْ فِي غَيْرِهَا.
وَفِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ جَزِيرَتَيْ مَيُورْقَةَ وَمَنُورْقَةَ، وَهُمَا جَزِيرَتَانِ فِي الْبَحْرِ، بَيْنَ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَجَزِيرَةِ الأَنْدَلُسِ، وَتُسَمَّى غَزْوَةُ الأَشْرَافِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ خلقٌ مِنَ الأَشْرَافِ وَالْكِبَارِ.
وَفِيهَا غَزَا قتيبة وردان خداه ملك بخارى، فلم يُطِقْهُمْ، فَرَجَعَ.
وَفِيهَا أَغْزَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ ابْنَهُ مَرْوَانَ السُّوسَ الأَقْصَى، فَبَلَغَ السَّبْيُ أَرْبَعِينَ ألفا. -[921]-
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَمُّورِيَّةَ، فَلَقِيَ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى -.
وَفِيهَا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَلِيَ.
وَفِيهَا عُزِلَ عَنْ قَضَاءِ مِصْرَ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، وَلَهُ خمسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْوَاقِدِيَّ زَعَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَهُ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ قَالَ. سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّهُمَا أَعْظَمُ، خَلِيفَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، أَمْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَعْلَمُوا فَضْلَ الْخَلِيفَةِ إِلا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ اسْتَسْقَى فَسَقَاهُ اللَّهُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَاسْتَسْقَاهُ الْخَلِيفَةُ فَسُقِيَ عَذْبًا فُرَاتًا، بِئْرًا حَفَرَهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، وَكَانَ يُنْقَلُ مَاؤُهَا فَيُوضَعُ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ، لِيُعْرَفَ فَضْلُهُ عَلَى زَمْزَمَ. قَالَ: ثُمَّ غَارَتِ الْبِئْرُ فَذَهَبَتْ، فَلا يُدْرَى أَيْنَ مَوْضِعُهَا.
قُلْتُ: مَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

-استهلت سنة إحدى وثمانين ومائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-استهلت سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
فَفِيهَا تُوُفِّيَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطِيَّةَ الثَّقَفِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ، وَأَبُو الْمَلِيحِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الرَّقِّيُّ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ الأَمِيرُ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَضَيْغَمُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَهْلُ بْنُ أَسْلَمَ الْعَدَوِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْوَاسِطِيُّ بِهَا، وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيُّ، وَرَوْحُ بْنُ المسيب الكلبي، وسهيل بن صبرة الْعِجْلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أبجر، وعفان بْنُ سَيَّارٍ قَاضِي جُرْجَانَ، وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بن البريد الكوفي، وعيسى ابن الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ، وَقِرَانُ بْنُ تَمَّامٍ الأَسَدِيُّ تَخْمِينًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَجَّاجٍ الْوَاسِطِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ابن الأصبهاني الكوفي، ومصعب بن ماهان المروزي، ومفضل بْنُ فَضَالَةَ قَاضِي مِصْرَ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، وَأُمُّ عُرْوَةَ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ الزبير بن العوام.
وَفِيهَا غَزَا الرَّشِيدُ بِلادَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ حِصْنَ الصَّفْصَافِ عَنْوَةً.
وَسَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ حَتَّى بَلَغَ أَنْقَرَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، وَافْتَتَحَ حِصْنًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ.
وَاسْتَعْفَاهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ مِنَ الأُمُورِ، فَعَزَلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْخَاتَمَ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْمُجَاوَرَةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ.
وَفِيهَا كَتَبَ الرَّشِيدُ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ يُعْفِيهِ مِنْ إِمْرَةِ الْمَغْرِبِ، وَيَأْذَنُ لَهُ فِي الْقُدُومِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَغْرِبِ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيَّ رَضِيعَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ أَبُوهُ مُقَاتِلٌ أَحَدَ مَنْ قَامَ بِالدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَبَذَلَ جُهْدَهُ، وَكَانَ لا يُفَارِقُ الْمَنْصُورَ، وَكَانَ جَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ عَظِيمَ الْعِنَايَةِ بِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، فَوَصَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ.

-سنة اثنتين وثمانين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وثمانين
فِيهَا تُوُفِّيَ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وأبو سفيان الحميري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، وعمار بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ أُخْتِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبُو سُفْيَانَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ، وَمَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ الشَّاعِرُ، وَنُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ الْقَاضِي، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُوَقَّرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أبو يوسف في ربيع الآخر، ويعقوب ابن الْمَنْصُورِ.
وَفِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ الْبَيْعَةَ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ وَلَدِهِ الأَمِينِ لِوَلَدِهِ الآخَرِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالرَّقَّةِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَادَ في خِدْمَتِهِ جَعْفَرٌ عَمُّ الرَّشِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى، وَوَلاهُ مَمَالِكَ خُرَاسَانَ بِأَسْرِهَا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُرَاهِقٌ.
وَفِيهَا وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ فَسَمَلُوهُ وَاعْتَقَلُوهُ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أمه، أغطسه.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ موسى العباسي.
-سنة ثلاث وثمانين
تُوُفِّيَ فِيهَا: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سليمان ظنا، وأزهر بن مسلمة المصري، وأنيس بن سوار الجرمي، وبكار بن بلال الدمشقي، وبهلول بن راشد الفقيه، وجابر بن نوح الحماني، وَحَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ فِي قَوْلٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ مَعْنٍ التُّجِيبِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْهَدَادِيُّ، وَخُنَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، يَرْوِي عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيِّ، وَدَاوُدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّبَعِيُّ الْحَرَّانِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ، وسليمان بن سليم الرفاعي الْعَابِدُ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَادٍ الْمُرَادِيُّ، وَعَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ، وَالْمَاضِي بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَافِقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَّاكِ الْوَاعِظُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ -[781]- مَعْنٍ، وَمُوسَى الْكَاظِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَمُوسَى بْنُ عيسى الكوفي القارئ، والنضر بن محمد الْمَرْوَزِيُّ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الأَصْبَهَانِيُّ، وَنُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْبَصْرِيُّ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَاضِي دِمَشْقَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ صَاحِبُ الْعَرَبِيَّةِ.
وَفِيهَا كَانَ خُرُوجُ الْخَزْرِ بِسَبَبِ ابْنَةِ الْخَاقَانِ، وَقَدْ كَانَتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي حُمِلَتْ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ، وَتَزَوَّجَ بِهَا؛ فَمَا وَصَلَتْ، وماتت بِبَرْذَعَةَ، فَرَجَعَ مَنْ كَانَ فِي خِدْمَتِهَا مِنَ الْعَسَاكِرِ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا قُتِلَتْ غَيْلَةً، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَخَرَجَ لِلْقِتَالِ بِجُيُوشِهِ مِنْ بَابِ الأَبْوَابِ، فَأَوْقَعُوا بِأَهْلِ الإِسْلامِ وَبِالذِّمَّةِ، وَسَفَكُوا وَسَبَوْا، فِيمَا قِيلَ، أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ نَسَمَةٍ، وَفِي الْجُمْلَةِ جَرَى عَلَى الإِسْلامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَهُ بِمِثْلِهِ أَبَدًا، فَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدَ مَعَ أَذْرَبَيْجَانَ، وأمده بالجيوش، وأردفه بخزيمة بن خازم، وَسَارُوا فَدَفَعُوا الْخَزْرَ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الدربند.
وحج بالناس العباس ابن الْخَلِيفَةَ الْهَادِي.
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَتَمَرَّدَ مُتَوَلِّيهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيُّ، وَظَلَمَ وَعَسَفَ، وَاقْتَطَعَ مِنْ أَرْزَاقِ الأَجْنَادِ، وَآذَى الْعَامَّةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ تَمَّامُ بْنُ تَمِيمٍ التميمي، نائبه عَلَى تُونُسَ فَزَحَفَ إِلَيْهِ، وَبَرَزَ لِمُلْتَقَاهُ الْعَكِّيُّ، وَوَقَعَ الْمَصَافُّ، فَانْهَزَمَ الْعَكِّيُّ، وَتَحَصَّنَ بِالْقَيْرَوَانِ فِي الْقَصْرِ، وَغَلَبَ تَمَّامٌ عَلَى الْبَلَدِ، ثُمَّ نَزَلَ العكي بأمان، وتسحب إِلَى طَرَابُلْسَ، فَنَهَضَ لِنُصْرَتِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَغْلَبِ، فَتَقَهْقَرَ تَمَّامٌ إِلَى تُونُسَ، وَدَخَلَ ابْنُ الأَغْلَبِ الْقَيْرَوَانَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَخَطَبَ وَحَضَّ عَلَى الطَّاعَةِ والألفة، ثُمَّ الْتَقَى ابْنُ الأَغْلَبِ وَتَمَّامٌ، فَانْهَزَمَ تَمَّامٌ، واشتد بِغْضَةُ النَّاسِ لِلْعَكِّيِّ، وَكَاتَبُوا الرَّشِيدَ فِيهِ، فَعَزَلَهُ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَغْلَبِ.
-سَنَةَ أَرْبَعٍ وثمانين
فِيهَا مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ فِي قَوْلٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدُ بن الأسود، وزين بْنُ شُعَيْبٍ الْفَقِيهُ بِمِصْرَ، وَصَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزَّاهِدُ الْعُمَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، وَعَبْدُ السَّلامِ بْنُ -[782]- شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ فِي قَوْلٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ الْقَاضِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ الزَّاهِدُ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ، وَمَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو أُمَيَّةَ بُن يَعْلَى، قَالَهُ خَلِيفَةُ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِشَهْرَزُورَ أَبُو عَمْرٍو الشَّارِيُّ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ زُهَيْرٌ الأَمِيرُ فَقَتَلَهُ.
وَفِيهَا وُلِّيَ حَمَّادٌ الْبَرْبَرِيُّ مَكَّةَ وَالْيَمَنَ، وَوُلِّيَ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ السِّنْدَ، وَابْنُ الأَغْلَبِ الْمَغْرِبَ، وَمَهْرُوَيْهِ الرَّازِيُّ طَبَرِسْتَانَ.
وَفِيهَا طَلَبَ أَبُو الْخَصِيبِ الْخَارِجُ بِخُرَاسَانَ الأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَأَكْرَمَهُ.
وَفِيهَا سَارَ أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ الشَّيْبَانِيُّ فَأَغَارَ عَلَى مَمَالِكِ الرُّومِ، فَغَنِمَ، وَسَلِمَ.
وَفِيهَا سَارَ ابْنُ بَيْهَسَ الْكِلابِيُّ إِلَى مَلِكَةِ الرُّومِ فِي الْفِدَاءِ.

-سنة خمس وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَصْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ، وَضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ بِسَلَمِيَةَ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَمُّ الْمَنْصُورِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَابِدُ، وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، ومحمد ابن الإمام إبراهيم بن محمد ابن عَمِّ الْمَنْصُورِ، وَقَاضِي مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ فِي قَوْلٍ قَوِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطِينُ بْنُ مُوسَى الأَمِيرُ.
وَفِيهَا وَثَبَ أَهْلُ طَبَرِسْتَانَ عَلَى مُتَوَلِّيهِمْ مَهْرُوَيْهِ، فقتلوه، فَوَلَّى الرَّشِيدُ بَدَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الحرشي.
وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس فانتدب لحربه عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَبَادَ عَشَرَةَ آلافٍ مِنْ جموع حمزة. -[783]-
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو الْخَصِيبِ ثَانِيَةً، وَغَدَرَ، وَغَلَبَ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَطُوسٍ، وَأَبِيوَرْدَ، وَزَحَفَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَرْوٍ فَالْتَقُوهُ، فَانْكَسَرَ، وَتَأَخَّرَ إِلَى سَرْخَسَ، وَاسْتَفْحَلَ أمره.
قال القطبي: وَفِيهَا ظَهَرَ بِعَبَّادَانَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيُّ، وَبِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ، وَبُويِعَ سِرًّا، ثُمَّ عَجَزَ وَهَرَبَ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي دَوْلَةِ الإِسْلامِ اسْتَمَرَّ فِي طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَبَدًا غيره.

-سنة ست وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: جَعْفَرُ ابن المنصور، وحاتم بن إسماعيل فيها أو سنة سبع، والحارث بْنُ عُبَيْدَةَ حِمْصِيٌّ، وَحَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ الْمِصْرِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ، وَطَيْفُورُ الأَمِيرُ مَوْلَى الْمَنْصُورِ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي قَوْلٍ، وَعَبَّاسُ بن الفضل الواقفي المقرئ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَمِيرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمَدَنِيُّ، وَعِيسَى الْبُخَارِيُّ غُنْجَارٌ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ بِخُلْفٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ.
وَفِيهَا سَارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ مِنْ مَرْوٍ لِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَالْتَقَاهُ بِنَسَا، فَقُتِلَ أَبُو الْخُصَيْبِ وَتَمَزَّقَتْ جُيُوشُهُ، وَسُبِيَتْ حُرَمُهُ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ خُرَاسَانَ.
وَفِيهَا سَجَنَ الرَّشِيدُ ثُمَامَةَ بْنَ أَشْرَسَ الْمُتَكَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ إِعَانَةِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ.
وَحَجَّ الرَّشِيدُ وَابْنَاهُ الأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ، وَفَرَّقَ الأَمْوَالَ بِالْحَرَمَيْنِ.
وَفِيهَا بَايَعَ الرَّشِيدُ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ لِوَلَدِهِ قَاسِمٍ مِنْ بَعْدِ الأَخَوَيْنِ الأَمِينِ، وَالْمَأْمُونِ، وَلَقَّبَهُ الْمُؤْتَمَنَ، وَوَلاهُ الْجَزِيرَةَ، وَالثُّغُورَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، فَلَمَّا قَسَّمَ الرَّشِيدُ الدُّنْيَا بَيْنَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، قَالَ بَعْضُ الْعُقَلاءِ: قَدْ أَلْقَى بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَغَائِلَةُ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالرَّعِيَّةِ.
وَقَالَتِ الشُّعَرَاءُ فِي الْبَيْعَةِ الْمَدَايِحَ، ثُمَّ إِنَّهُ عَلَّقَ نُسْخَةَ الْبَيْعَةِ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ: -[784]-
خَيْرُ الأُمُورِ مَغَبَّةً ... وَأَحَقُّ أَمْرٍ بِالتَّمَامِ
أَمْرٌ قضى إحكامه الر ... حمن فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ

-سنة سبع وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فيها: أو في سنة ست بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَجَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ صلب، ورباح بن زيد الصَّنْعَانِيُّ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الذَّارِعُ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ فِي آخِرِهَا، وَعَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ الْمُلائِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي رَجَبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ أَبُو نَصْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ السَّدُوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، وَمَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَصْرِيُّ، وَمُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ النَّحْوِيُّ الْمُعَمَّرُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا مَقْتَلُ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ قتلِهِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ بْنَ بُخْتِيشُوعَ الطَّبِيبَ قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، إذ أَتَى يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَكَانَ يَدْخُلُ بِلا إِذْنٍ، فَلَمَّا قَرُبَ سَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ رَدًّا ضَعِيفًا، فَعَلِمَ يَحْيَى أَنَّ أمرهم قد تغير، فأقبل علي الرشيد، فقال: يَا جِبْرِيلُ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مَنْزِلَكَ بِلا إِذْنٍ؟ فَقُلْتُ: لا! قَالَ: فَمَا بَالُنَا يُدْخَلُ عَلَيْنَا بِلا إِذْنٍ؟ فَوَثَبَ يَحْيَى، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدَّمَنِي اللَّهُ قِبَلَكَ، وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا شَيْءٌ خَصَصْتَنِي بِهِ، وَالآنَ فَأَكُونُ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَهْلِ الإِذْنِ إِنْ أَمَرْتَنِي، فَاسْتَحْيَا الرَّشِيدُ، وَكَانَ مِنْ أَرَقِّ الْخُلَفَاءِ، وَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَدْتُ مَا تَكْرَهُ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَمْ يَسْنَحْ لَهُ جَوَابٌ يَرْتَضِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَحْيَى.
وَقِيلَ: إِنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَشْرَسَ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَنْكَرَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ رَفَعَ رِسَالَةً إِلَى الرَّشِيدِ يَعِظُهُ وَيَقُولُ: إِنَّ يَحْيَى لا يُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَقَدْ جَعَلْتَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِكَ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، -[785]- فَسَأَلَكَ عَمَّا عَمِلْتَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ؟
فَدَعَا الرَّشِيدُ يَحْيَى، وَقَدْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ، فَقَالَ: تَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَمَرَ بِابْنِ اللَّيْثِ فَوُضِعَ فِي الْمُطْبَقِ دَهْرًا، فَلَمَّا تَنَكَّرَ الرَّشِيدُ لِلْبَرَامِكَةِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَأَحْضَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ، قَالَ: أَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَضَعْتَ فِي رِجْلَيَّ الأَكْبَالَ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيَالِي بِلا ذَنْبٍ سِوَى قَوْلِ حَاسِدٍ يَكِيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الإِلْحَادَ وَأَهْلَهُ، فَأَطْلِقْهُ ثُمَّ قَالَ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ قَدْ ذَهَبَ مَا في قلبي، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ: أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: انْتَقَمَ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ، وَأَخَذَ لَكَ مِمَّنْ بَعَثَنِي عَلَيْكَ.
قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ فِي الْبَرَامِكَةِ فَأَكْثَرُوا. وَقِيلَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ دَخَلَ بَعْدُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَامَ الْغِلْمَانُ لَهُ، وَقَالَ الرَّشِيدُ لِمَسْرُورٍ: مُرْهُمْ لا يَقُومُونَ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَمَا قام أحد فاربد لون يَحْيَى.
وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ قَتْلِ جَعْفَرٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ لَهُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ وَأَطْلَقَهُ.
وَكَانَ ابْنُ حَسَنٍ مَرْبُوعًا، أَجْلَحَ، بَطِينًا، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ، فَأَتَى رَجُلٌ بِصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، وَأَنَّهُ رَآهُ بِحُلْوَانَ، فَأَعْطَى الرَّجُلَ جَائِزَةً.
وَقِيلَ: إن جعفر بَنَى دَارًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسْرَفَ.
وَعَنْ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ قَالَ: اعْتَمَرَ أَبِي فِي الْعَامِ الَّذِي نُكِبَ فِيهِ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ لا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ، إِنْ كُنْتَ مُعَاقِبِي فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمَالِي، وَوَلَدِي حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ، وَلا تَجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الآخِرَةِ، وَكَانَ مُوسَى هَذَا أَحَدَ الأَبْطَالِ الموصوفين، فقيل: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ قَدَحَ فِيهِ عِنْدَ الرَّشِيدِ، وَأَعْلَمَهُ طَاعَةَ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَهُ وَمَحَبَّتَهُمْ إِيَّاهُ، وَأَنَّهُ يُكَاتِبُهُمْ وَيَعْمَلُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَوْحَشَ الرَّشِيدُ مِنْهُ.
ثُمَّ رَكِبَ مُوسَى دَيْنٌ فَاسْتَتَرَ مِنَ الْغُرَمَاءِ، فَتَوَهَّمَ الرَّشِيدُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، ثُمَّ ظَهَرَ فَحَبَسَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ نَكْبَتِهِمْ، فَأَتَتْ زَوْجَةُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ إِلَى الرَّشِيدِ وَلاطَفَتْهُ، فَقَالَ: يَضْمَنُهُ أَبُوهُ، فَضَمِنَهُ يَحْيَى. -[786]-
وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ غَضِبَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى لِتَرْكِهِ الشُّرْبَ مَعَهُ.
وَكَانَ الْفَضْلُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مِنْ مُرُوءَتِي مَا شَرِبْتُهُ، وَكَانَ مَشْغُوفًا بِالسَّمَاعِ.
وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَكَانَ يُنَادِمُ الرَّشِيدَ، وَأَبُوهُ يَأْمُرُهُ بِالإِقْلالِ من ذلك فيخالفه، وقد كان يحيى قال: يا أمير المؤمنين، أنا والله أكره مداخل جعفر معك، فلو اقْتَصَرْتَ بِهِ عَلَى الإِمْرَةِ دُونَ الْعِشْرَةِ، قَالَ: يا أبة، ليس هذا بك وَلَكِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُقَدِّمَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير، أظنه عَنْ عَمِّهِ زَاهِرِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ سَبَبَ هَلاكِ الْبَرَامِكَةِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لا يَصْبِرُ عَنْ جَعْفَرٍ، وَعَنْ أُخْتِهِ عَبَّاسَةَ بِنْتِ الْمَهْدِيِّ، قال: وكان يحضرهما مَجْلِسَ الشَّرَابِ، فَقَالَ: أُزَوِّجُكَهَا عَلَى أَنْ لا تمسها، فكانا يثملان من الشرب وهما شابان، فيقوم الرشيد، فيثب جَعْفَرٌ عَلَيْهَا، فَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلامًا، فَخَافَتِ الرَّشِيدَ، فَوَجَّهَتْ بِالطِّفْلِ مَعَ حَوَاضِنَ إِلَى مَكَّةَ، وَاخْتَفَى الأَمْرُ، ثُمَّ ضَرَبَتْ جَارِيَةً لَهَا فَوَشَتْ بِهَا إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا حَجَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْحَوَاضِنُ، وَهَمَّ بِقَتْلِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ تَأَثَّمَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْحِيرَةِ، وَنَاحِيَةِ الأَنْبَارِ أَرْسَلَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لانْسِلاخِ الْمُحَرَّمِ إِلَى مَسْرُورٍ الْخَادِمِ وَمَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ وَأَجْنَادٌ، فَأَحَاطُوا بِجَعْفَرٍ لَيْلا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ لَهْوِهِ، فَأَخْرَجَهُ بِعُنْفٍ، وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ وَأَتَى بِهِ، فَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَفَعَلَ.
وَحَدَّثَ مَسْرُورٌ قَالَ: وَقَعَ عَلَى رِجْلَيَّ يُقَبِّلُهَا، وَقَالَ: دَعْنِي أَدْخُلُ فَأُوصِي، قُلْتُ: لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَوْصِ بِمَا شِئْتَ، فَأَوْصَى، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ، ثُمَّ ذَبَحْتُهُ بَعْدَ أَنْ رَاجَعْتُ الرَّشِيدَ فِيهِ، وَأَتَيْتُهُ بِرَأْسِهِ.
ثُمَّ وَجَّهَ الرَّشِيدُ جُنْدًا أَحَاطُوا بِأَبِيهِ، وَبِجَمِيعِ أَوْلادِهِ وَمَوَالِيهِ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْلاكُهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِ مَالِهِمْ، وَبُعِثَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ إِلَى بَغْدَادَ، فَنُصِبَتْ عَلَى خَشَبَةٍ، وَنُودِيَ أَلا لا أَمَانَ لِمَنْ آوَى أَحَدًا مِنَ الْبَرَامِكَةِ.
ثُمَّ أَمَرَ الرَّشِيدُ يَوْمَ دَخَلَ الرَّقَّةَ بِقَتْلِ أَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرَامِكَةِ. -[787]-
وَذَكَر ابْنُ الصَّابِئِ فِي كِتَابِ " الأَمَاثِلِ وَالأَعْيَانِ " عَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: خَلا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى يَوْمًا بِنُدَمَائِهِ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَبِسَ الْحَرِيرَ، وَتَضَمَّخَ بِالطِّيبِ، وَفَعَلَ بنا مثله، فقدم إليه عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَخَلَ فِي رُصَافِيَّتِهِ وَسَوَادِهِ، فَارْبَدَّ وَجْهُ جَعْفَرٍ، فَدَعَا غُلامَهُ فَنَاوَلَهُ سَوَادَهُ وَقَلَنْسُوَتَهُ، وَأَتَى مَجْلِسَنَا، وَقَالَ: أَشْرِكُونَا مَعَكُمْ، فَأَلْبَسُوهُ حَرِيرًا، وَأُحْضِرَ لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَقَالَ لِجَعْفَرٍ: وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَلْيُخَفِّفْ عَلَيَّ، ثُمَّ ضُمِّخَ بِالْخَلُوقِ، فَنَادَمَنَا أَحْسَنَ مُنَادَمَةً، وَسُرِّيَ عَنْ جَعْفَرٍ، فَلَمَّا أَرَادَ الانْصِرَافَ قَالَ لَهُ: اذْكُرْ حَوَائِجَكَ فَإِنَّنِي مَا أَسْتَطِيعُ مُقَابَلَةَ مَا كَانَ مِنْكَ، قَالَ: فِي قَلْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ مَوْجِدَةٌ فَتُخْرِجُهَا؟ قَالَ: قد رضي عنك أمير المؤمنين، قال: وعلي أربعة آلاف ألف دِرْهَمٍ دَيْنًا، قَالَ: قُضِيَ دَيْنُكَ، قَالَ: وَإِبْرَاهِيمُ ابْنِي أُحِبُّ أَنْ أُزَوِّجَهُ، قَالَ: قَدْ زَوَّجَهُ أمير المؤمنين بالعالية بنته، قال: وأوثر أن يُوَلَّى بَلَدًا، قَالَ: قَدْ وَلاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إمرة مِصْرَ، فَخَرَجَ وَنَحْنُ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ إِقْدَامِ جَعْفَرٍ عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ، وَرَكِبَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الرَّشِيدِ فَدَخَلَ وَوَقَفْنَا، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ دُعِيَ بِالْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلْيِهِ الْخُلَعُ، وَاللِّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ زُوِّجَ بِالْعَالِيَةِ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ، وَحُمِلَتِ الأَمْوَالُ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَ جَعْفَرٌ فَقَالَ لَنَا: وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَرَّفْتُهُ بِأَمْرِ عَبْدِ الملك كله، وهو يقول: أحسن أحسن، ثُمَّ قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ مَعَهُ؟ فَعَرَّفْتُهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِي، فَاسْتَصْوَبَهُ، وَأَمْضَاهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّهُمْ أَعْجَبُ فعلا: عَبْدُ الْمَلِكِ فِي شُرْبِهِ النَّبِيذَ وَلِبَاسِهِ مَا لَيْسَ مِنْ لُبْسِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ جِدٍّ وَوَقَارٍ، أَوْ إِقْدَامُ جَعْفَرٍ بِمَا أَقْدَمَ بِهِ، أَوْ إِمْضَاءُ الرَّشِيدِ لِمَا حَكَمَ جَعْفَرٌ بِهِ؟!
قَالَ القاضي ابن خلكان الْبَرْمَكِيِّ: قَدْ بَلَغَ جَعْفَرٌ مِنْ عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّ الرَّشِيدَ اتخذ ثوبا له زيقان، فكان يلبسه هُوَ وَجَعْفَرٌ مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ صَبْرٌ، وَكَانَ الرَّشِيدُ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لأُخْتِهِ عَبَّاسَةَ، وَهِيَ أَعَزُّ النِّسَاءِ عَلَيْهِ، فَكَانَ مَتَى غَابَ أَحَدٌ مِنْهُمَا لا يَتِمُّ سُرُورُ الرَّشِيدِ فَقَالَ: إِنِّي لا صَبْرَ -[788]- لِي عَنْكُمَا، وَإِنِّي سَأُزَوِّجُكها لِأَجْلِ النَّظَرِ فَقَطْ، فَاحْذَرْ أَنْ تَخْلُوَ بِهَا، فَزَوَّجَهُ بِهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ هَذَا التَّغَيُّرِ، فَقِيلَ: إِنَّ عَبَّاسَةَ أَحَبَّتْ جَعْفَرًا وَرَاوَدَتْهُ فَخَافَ، وَأَعْيَتْهَا الْحِيلَةُ، فَبَعَثَتْ إِلَى أم جعفر: أن ابعثيني إِلَى ابْنِكِ كَأَنَّنِي جَارِيَةٌ لَكِ تُتْحِفِيهِ بِهَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُتْحِفُهُ كُلَّ جُمْعَةٍ بِجَارِيَةٍ بِكْرٍ، فَيَشْرَبُ ثُمَّ يَقتَضُّهَا، فَأَبَتْ عَلَيْهَا أُمُّ جَعْفَرٍ، فَقَالَتْ: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لأَقُولَنَّ أَنَّكِ خَاطَبْتِنِي بِهَذَا، وَلَئِنِ اشْتَمَلْتُ مِنَ ابْنِكِ عَلَى وَلَدٍ لَيَكُونَنَّ لَكُمُ الشَّرَفُ، فَأَجَابَتْهَا وَجَاءَتْهَا عَبَّاسَةُ فَأَدْخَلَتْهَا مُتَنَكِّرَةً عَلَى جَعْفَرٍ، وَكَانَ لا يَثَّبَّتُ صُورَتَهَا، وَلا يَجْسُرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَيْهَا مِنَ الرَّشِيدِ قَالَ: فَاقتَضَّهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ خَدِيعَةَ بَنَاتِ الْخُلَفَاءِ؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا مَوْلاتُكَ، فَطَارَ السُّكْرُ مِنْ رَأْسِهِ، وَقَامَ إِلَى أمه فقال: بِعْتِنِي وَاللَّهِ رَخِيصًا، وَعَلِقَتْ مِنْهُ الْعَبَّاسَةُ، فَلَمَّا وَلَدَتْ وَكَّلَتْ بِالْوَلَدِ خَادِمًا، وَمُرْضِعًا، ثُمَّ بَعَثَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ وَشَتْ بِهَا زُبَيْدَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَحَجَّ وَكَشَفَ عَنِ الأَمْرِ وَتَحَقَّقَهُ، فَأَضْمَرَ السُّوءَ لِلْبَرَامِكَةِ. وَلِأَبِي نُوَاسٍ يُشِيرُ إِلَى ذلك:
ألا قل لأمين اللـ ... ـه وابن القادة الساسه
إذا ما ناكث سر ... ك أَنْ تُعْدِمَهُ رَاسَهْ
فَلا تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ ... وَزَوِّجْهُ بِعَبَّاسَهْ
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِيَّ، وَلا تَجْعَلْ خَصْمِكَ غَدًا جَدِّي، فَرَقَّ لَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَخَفَرَهُ إِلَى مَأْمَنِهِ.
وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ جِنَايَةِ الْبَرَامِكَةِ، فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ مَا يُوجِبُ مَا عَمِلَ الرَّشِيدُ بِهِمْ، وَلَكِنْ طَالَتْ أَيَّامُهُمْ، وَكُلُّ طَوِيلٍ مَمْلُولٌ.
وَقِيلَ: رُفِعَتْ وَرَقَةٌ إِلَى الرَّشِيدِ فِيهَا:
قُلْ لِأَمِينِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ... وَمَنْ إِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ
هَذَا ابْنُ يَحْيَى قَدْ غَدَا مَالِكًا ... مِثْلَكَ مَا بَيْنَكُمَا حَدُّ
أَمْرُكَ مَرْدُودٌ إِلَى أَمْرِهِ ... وَأَمْرُهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ -[789]-
وقد بنى الدار التي ما بنى الـ ... فرس لَهَا مِثْلا وَلا الْهِنْدُ
الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ حَصْبَاؤُهَا ... وَتُرْبُهَا الْعَنْبَرُ وَالنَّدُّ
وَنَحْنُ نَخْشَى أَنَّهُ وَارِثٌ ... مُلْكَكَ إِنْ غَيَّبَكَ اللَّحْدُ
وَلَنْ يُضَاهِي الْعَبْدُ أَرْبَابَهُ ... إِلا إِذَا مَا بَطِرَ الْعَبْدُ
فَلَمَّا قَرَأَهَا أَثَّرَتْ فِيهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ أُخْتَ الرَّشِيدِ قَالَتْ لَهُ: مَا رَأَيْتُ لَكَ سُرُورًا تَامًّا مُنْذُ قَتَلْتَ جَعْفَرًا، فَلِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لَمَزَّقْتُهُ.
وَلَمْ يَزَلْ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ وَابْنُهُ الْفَضْلُ وَعِدَّةٌ مِنَ الْخَدَمِ مَحْبُوسِينَ، وَحَالُهُمْ حَسَنٌ إِلَى أَنْ سَخِطَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَعَمَّهُمْ بِسَخَطِهِ، وَجَدَّدَ لَهُمُ التُّهْمَةَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ مُعَلَّقَةً مُدَّةً، وَقُطِّعَتْ أَعْضَاؤُهُ، وَعُلِّقَتْ بِأَمَاكِنَ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أُنْزِلَتْ وَأُحْرِقَتْ، وَحُبِسَ يَحْيَى وَأَوْلادُهُ كُلَّهُمْ سِوَى مُحَمَّدٍ وَبَنِيهِ.
وَلِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ:
قُولا لِمَنْ يَرْتَجِي الْحَيَاةَ أَمَا ... فِي جَعْفَرٍ عِبْرَةٌ وَيَحْيَاهُ
كَانَا وزيري خليفة الله هـ ... ـارون هُمَا مَا هُمَا وَزِيرَاهُ
فَذَاكُمُ جَعْفَرٌ بِرُمَّتِهِ ... فِي حَالِقٍ رَأْسُهُ وَنِصْفَاهُ
وَالشَّيْخُ يَحْيَى الْوَزِيرُ أصبح قد ... نحاه عن نفسه وأقصاه
وشتت بعد الجميع شملهم ... فأصبحوا في البلاد قد تاهوا
كذاك مَنْ يُسْخِطِ الإِلَهَ بِمَا ... يُرْضِي بِهِ الْعَبْدَ يُجْزِهِ اللَّهُ
سُبْحَانَ مَنْ دَانَتِ الْمُلُوكُ لَهُ ... أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُو
طُوبَى لِمَنْ تَابَ قَبْلَ غِرَّتِهِ ... فَمَاتَ قَبْلَ الْمَمَاتِ طُوبَاهُ
وَفِيهَا هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بَيْنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ بِالشَّامِ، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ فأصلح بينهم.
وفيها خرج عبد السلام الخارجي بآمد فظفر به يحيى العقيلي فقتله.
وَفِيهَا أَغْزَى الرَّشِيدُ وَلَدَهُ الْقَاسِمَ الصَّائِفَةَ، وَوَهَبَهُ لله، وولاه العواصم. -[790]-
وَكَانَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ وَلَدٌ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَعَى هُوَ وَوَزِيرُ أَبِيهِ بِابْنِهِ إلى الرشيد، قالا: إِنَّهُ عَامِلٌ عَلَى الْخِلافَةِ، فَاعْتَقَلَهُ الرَّشِيدُ فِي مكان مليح وفي إكرام، فَمَا زَالَ مَحْبُوسًا حَتَّى تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ فَأَطْلَقَهُ الأَمِينُ وَوَلاهُ الشَّامَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الأَمِينِ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَيْتِهِ وَفُصَحَائِهِمْ وَنُبَلائِهِمْ، مَرَّ الرَّشِيدُ بِمَنْبِجٍ فَقَالَ لَهُ، وَبِهَا إِذْ ذَاكَ مَقَرُّ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا مَنْزِلُكَ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وُلِّيَ بِكَ، قَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: دُونَ بِنَاءِ أَهْلِي، وَفَوْقَ مَنَازِلِ مَنْبِجٍ، قَالَ: كَيْفَ لَيْلُهَا؟ قَالَ: سَحَرٌ كُلُّهُ.
وَفِيهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الرُّومِ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ نِقْفُورَ، وَالرُّومُ تَذْكُرُ أَنَّ نِقْفُورَ هَذَا مِنْ وَلَدِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَأَنَّهُ قَبْلَ الْمُلْكِ كَانَ يَلِي دِيوَانَ خَرَاجِهِمْ، وَكَانَ عَقَدَ الهدنة مع الملكة زبني، فخلعتها الروم وسلطنوا نقفور.
ثم ماتت زبني بَعْدَ أَشْهُرٍ، فَكَتَبَ: مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ، إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي قَبْلِي كَانَتْ أَقَامَتْكَ مَقَامَ الرُّخِ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مَقَامَ الْبَيْدَقِ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا أَحْمَالا، وَذَلِكَ لِضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَارْدُدْ مَا حَصَلَ قِبَلَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَافْتَدِ نَفْسَكَ، وَإِلا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَشَاطَ غَضَبًا حتى لم يمكن أحد أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ مِنَ الْخَوْفِ، وَاسْتَعْجَمَ الرَّأْيُ عَلَى الْوَزِيرِ، فَدَعَا الرَّشِيدُ بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ لا مَا تَسْمَعُهُ.
ثُمَّ سَارَ لِيَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى نَازَلَ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ، وَكَانَتْ غزوة مشهودة، وَفَتْحًا مُبِينًا، فَطَلَبَ النِّقْفُورُ الْمُوَادَعَةَ، وَالْتَزَمَ بِخَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأُجِيبَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّقَّةِ نَقَضَ الْكَلْبُ الْعَهْدَ لِإِيَاسِهِ مِنْ كرة الرَّشِيدِ فِي الْبَرْدِ، فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يبلغ الرشيد نقضه، بل قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّيْمِيُّ: -[791]-
نَقَضَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ ... فَعَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَوَارِ تَدُورُ
أَبْشِرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ ... غُنْمٌ أَتَاكَ بِهِ الإِلَهُ كَبِيرُ
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ أَبْيَاتًا، وَعُرِضَتْ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلَهَا؟ فَكَرَّ رَاجِعًا فِي مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَائِهِ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى بَلَغَ مُرَادَهُ وَحَازَ جِهَادَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
أَلا بادت هِرَقْلَةُ بِالْخَرَابِ ... مِنَ الْمَلِكِ الْمُوَفَّقِ لِلصَّوَابِ
غَدَا هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة العضاب
وَرَايَاتٍ يَحِلُّ النَّصْرُ فِيهَا ... تَمُرُّ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّحَابِ
وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ طَلَبَ سَيْفَهُ وَأَخَذَهُ، وَيَقُولُ: لأَقْتُلَنَّ الرَّشِيدَ أَوْ لأَقْتُلَنَّ قَاتِلَ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، ثُمَّ يَبْكِي حَزِنًا عَلَى جَعْفَرٍ.
وَحَجَّ وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ عبيد الله بن العباس ابن أخي الْمَنْصُورِ.
وَوَلِيَ دِمَشْقَ شُعَيْبُ بْنُ حَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَهَاجَتِ الأَهْوَاءُ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ، وَالْيَمَانِيَّةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ مَهُولَةٌ، ظَهَرَتْ فِيهَا الْيَمَانِيَّةُ، وَقُتِلَ نَحْوٌ من خمس مائة نَفْسٍ، ثُمَّ عُزِلَ شُعَيْبٌ بَعْدَ عَامٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ.

-سنة ثمان وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: إِسْحَاقُ بْنُ مِسْوَرٍ الْمُرَادِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحميد الضبي، والحسين بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ الْمِصْرِيُّ، وسليم بن عِيسَى الْمُقْرِئُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْصَّدَفِيُّ، وَعَبْدَهِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، وَعَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ الْحَرَّانِيُّ بِخُلْفٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَوْصِلِيُّ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسُ السَّبِيعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ أَوْ سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَمَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ، وَمَعْرُوفُ بْنُ حَسَّانٍ الضَّبِّيُّ، وَمَهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الرَّازِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غُنْيَةَ.
وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ الصَّائِفَةَ، وَدَخَلُوا مِنْ دَرْبِ الصفصاف، فبرز نقفور بجموعه، فالتقوا فَجُرِحَ نِقْفُورُ ثَلاثَ جِرَاحَاتٍ وَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ مِنَ الروم مقتلة -[792]- عَظِيمَةٌ، فَقِيلَ: بَلَغَتِ الْقَتْلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: أربعة آلاف وسبع مائة.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ.

-سنة تسع وثمانين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: حَكَّامُ بْنُ سَلَمٍ الرَّازِيُّ، وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَبْدُ الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهَرٍ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ الْعَبْدِيُّ، وَمُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَعَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ شَيْخُ الْقُرَّاءِ، وَهَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ الْعِجْلِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ.
وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّيِّ بِسَبَبِ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كَتَبُوا يَشْكُونَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَعَسْفَهُ وَظُلْمَهُ، وَيَطْلُبُونَ عَزْلَهُ، وَتُحَدِّثُ بِأَنَّ ابْنَ مَاهَانَ عَلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ، فَأَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى وَافَاهُ ابْنُ مَاهَانَ بِالأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْمِسْكِ وَالتُّحَفِ وَالْخَيْلِ، ثُمَّ أَهْدَى بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى كِبَارِ الْقُوَّادِ، وَرَأَى مِنْهُ الرَّشِيدُ مَا أَعْجَبَهُ وَأَرْضَاهُ، فَرَدَّهُ إِلَى إِمَارَةِ خُرَاسَانَ، وَرَكِبَ مُشَيِّعًا لَهُ.
وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمَمَالِكِ الرُّومِ فِي الأَسْرِ مُسْلِمٌ.

-فمن سنة إحدى وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-فمن سنة إحدى وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أحمد بن إسحاق الوزّان، وإبراهيم بن دِيزِيل، وعبد الله بن محمد بن سَعِيد بن أبي مريم، وأبو بكر بن أبي الدُّنيا، وعبد الله بن محمد بن النُّعْمَان، وأبو زُرْعَة النصري الدِّمِشْقِيّ، وعثمان بن خُرَّزَاذ الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن المواز المالكي، ووريزة الغساني.
وفيها دخل طُغْجُ بنُ جُفّ صاحب خُمَارَوَيْه من ناحية طَرَسُوس لغزو الرُّوم، ففتح مَلُورِيةَ.
وفيها غارت مياه الرَّيِّ وطَبَرسْتَان، حَتَّى أُبيع الماءُ ثلاثةَ أرطالٍ بدِرهم، وقحط الناس، وأكلوا الجيف.
وفي رجب شخصَ المُعْتَضِد إلى الجبل ناحية الدَّيْنَوَر، وقلَّد ابنه عليًّا الرِّيَّ، وقزوين، وهَمَذان، والدينور، وجعل كاتبه أحمد بن أبي الأصْبَغ، وقلد عمر بن عبد العزيز ابن أبي دُلَف إصبهان، وأسرع الانصراف من غلاء السعر، فقدم بغداد في رمضان. ثُمَّ خرج في ذي القِعْدَة إلى المَوْصِل عامدًا لحمدان بن حمدون بن الحارث بن منصور بن لقمان، وهو جد ناصر الدولة. وكان قد بلغ المُعْتَضِد أَنَّهُ يميل إلى هارون الشاري الخارجي. وكانت الأعراب والأكراد قد تجمعوا وتحالفوا أَنَّهُم يُقتلون على دمٍ واحد؛ فالتقوا على الزّاب، فحمل عليهم المُعْتَضِد فمزَّق شملهم، فكان من غرق أكثر ممن قتل.
ثم سار إلى ماردين وبها حمدان، فهرب منها، وخلف بها ابنه، فنازلها المُعْتَضِد، فحاربه من كان بها، فلما كان مِن الغد ركب المُعْتَضِد ودنا من باب القلعة، وصاح بنفسه: يا ابن حَمْدَان، فأجابه، فَقَالَ: افتح الباب. فَقَالَ: نعم. ففتحه، وقعد المُعْتَضِد على الباب، ونقل ما فيها من الحَوَاصِلِ، وأمَرَ بهدمها، فهُدمت، ووجّه وراء حَمْدَان، ثُمَّ ظفر به وحبسه. -[650]-
ثُمَّ سار المُعْتَضِد إلى قلعة الحَسَنيّة، وبها شداد الكُردي، في عشرة آلاف مقاتل، فحاصره حتى ظفر به، وهدمها.
وفيها هدم المُعْتَضِد دار النَّدْوة بمكة، وصيَّرها مسجدًا إلى جانب المسجد الحرام.

-سنة اثنتين وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وثمانين ومائتين
تُوُفِّي فيها: إسماعيل بن إسحاق القاضي الفقيه، وجعفر بن أبي عثمان الطَّيَالِسِيّ، والحارث بن محمد بن أبي أُسَامَةَ، وصاحب مصر خمارويه بن أحمد بن طُولون، والفضل بن محمد الشّعْراني، ومحمد بن الفَرَج الأزرق، وأبو العَيْنَاء محمد بن القاسم الأديب، ومحمد بن مسلمة الواسطي، ويحيى بن عثمان بن صالح المصري.
وفيها أبطل المُعْتَضِد ما يُفعل في النَّيْرُوز من وقيد النيران، وَصَبِّ الماء على الناس، وأزال سنة المجوس.
وفي أولها قَدِمَتْ قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه من مصر، ومعها عمّها لِتُزَف إلى المُعْتَضِد، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جِهَازها أربعة آلاف تِكّة مُجوْهرة، وعشرة صناديق جواهر. وَقُوِّمَ ما دَخَلَ معها فكان ألف ألف دينار ونيف، وكان صداقها من المعتضد ألف ألف درهم، وأعطي ابن الجصاص الذي مشى في الدلالة مائة ألف دينار، أعطاه ذلك أبوها.
وفيها خرج المُعْتَضِد إلى الجبل، فبلغ الكَرْج، وأخذ أموال ابن أبي دلف.
وفيها بعث محمد بن زيد العَلَوِيّ من طَبَرسْتَان إلى محمد بن الورد العطار ببغداد ثلاثين ألف دينار، ليُفرّقها على العلويين، فبلغ المُعْتَضِد، فسألوه، فَقَالَ محمد: إِنَّهُ يبعث إليَّ كل سنة بمثلها، فأفرقها. فقال المُعْتَضِد: أنا رأيت أمير المؤمنين عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في النَّوم، فأوصاني بذُرِّيّته خيرًا، ففرِّق ما تُفرقه من هذا المال ظاهراً.
وفيها ذُبح خُمَارَوَيْه بن أحمد على فراشه بدمشق. وكان يتعانى الفاحشة بغلْمانه، راود مملوكًا في الحَمّام، فامتنع عليه حَيَاءً من الخَدَم، فأمر أن يدخل في دبره بمثل الذَّكر خَشَب، فلم يزل يصيح حَتَّى مات في الحمام، فأبغضه -[651]- الخدم، فذبحه جماعة وهربوا، فَمُسِكت عليهم الطُّرُق، وجيء بهم وقُتلوا.
وكان ذبحه في ذي الحِجَّة، وحُمل في تابوتٍ إلى مصر، وصلّى عليه ابنه جيش بن خُمَارَوَيْه، وكان الذي نَهَضَ في مسك أولئك الخَدَمِ طُغْجُ بنُ جف، فصلبهم بعد القتل.
وولي بعده ابنه جيش، فقتلوه بعده بيسير. وأقاموا مكانه أخاه هارون بن خُمَارَوَيْه، وقرَّر على نفسه أن يحمل إلى المُعْتَضِد كل سنة ألف ألف وخمس مائة ألف دينار. فلما استُخلف المكتفي عزله، وولي محمد بن سليمان الواثقي، فاستصفى أموال آل طولون.
وفيها، أو قبلها، أهلك المعتضد عمه محمد بن المتوكل لِأَنَّهُ بلغه أَنَّهُ كاتب خُمَارَوَيْه بن أحمد، فيما قيل. وكان عالما شاعرًا.

-سنة ثلاث وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاث وثمانين ومائتين
توفي فيها: إسحاق بن إبراهيم بن سنين الخُتُّليّ، وسهل بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ الزاهد، والعباس بن الفضل الأسفاطي، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وعَليُّ بْن محمد بْن عَبْد الملك بْن أَبِي الشَّوارب القاضي، ومحمد بن سُلَيْمَان الْبَاغَنْدِيُّ، ومحمد بن غالب تَمْتَام، ومقدام بن داود الرعيني.
وفي أولها خرج المُعْتَضِد إلى المَوْصِل بسبب هارون الشاري، وكان الحسين بن حَمْدَان قد قَالَ له: إنْ أَنَا جئتُ بهارون إليك فليَ ثلاثُ حوائج. قَالَ: اذكرها. قَالَ: تُطلق أبي، والحاجتان أذكرهما بعد أن آتي به. قَالَ: لك ذلك. قَالَ: أريد أنتخب ثلاث مائة فارس. قَالَ: نعم. وخرج الحسين يطلب هارون حَتَّى انتهى إلى مخاضةٍ في دجلة، وكان معه وَصيف الأمير، فَقَالَ لوصيف: ليس لهارون طريق يهرب منه غير هَذَا، فقِف هاهنا، فإنْ مرَّ بك فامنعه من العبور. قَالَ: نعم. ومضى الحسين فالتقى مع هارون، فقتل جماعة وهرب هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثاً، فقال أصحابه: قد طال مقامنا. ولسنا نأمن أن يأخذ الحسين هارون فيكون له الفتح له دوننا، فالصواب أن نمضي في آثارهم. فأطاعهم ومضوا. وجاء الشاري إلى المخاضة فَعَبَرَ، وجاء الحسين في إثره فلم ير وصيفاً، ولم يعرف لهارون خبرا، فبلغه أَنَّهُ عبر دِجْلة، -[652]- فعبر خلفه. وجاء هارون إلى حيٍّ من العرب، فأخذ دابة ومضى، وجاء الحسين فسألهم فكتموه، فَقَالَ: المُعْتَضِد في إثري؛ فأخبروه بمكانه، فاتَّبعه في مائة فارس، فأدركه. فناشده هارون الشاري وتوعَّده، فألقى الحسين نفسه عليه، وأسره، وجاء به إلى المُعْتَضِد، فأمر بفك قيود حَمْدَان والتوسعة عليه. ورجع بهارون إلى بغداد، وخلع على الحسين بن حَمْدَان وطوّقه، وعُمِلَت قِباب الزّينة، وركَّبوا هارون فيلًا بين يدي المُعْتَضِد، وازدحم الخَلْق حَتَّى سقط كرسي الجسر الأعلى ببغداد، فغرق خلق كثير. وكان على المُعْتَضِد قِباء أسود، وعِمَامة سوداء، وجميع الأمراء يمشون بين يديه.
وفيها ولي طغج بن جف إمرة دمشق لجيش الطولوني.
وفيها وصلت تَقَادُم عمرو بن اللَّيث أمير خراسان، فكانت مائتي حمل مال ومائتي جمارة وغير ذلك من التحف.
وفيها خلع المعتضد على حمدان بن حمدون وأطلقه.
وفيها كُتِبَت الكتب إلى الآفاق، بأن يورَّث ذَوُو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثُر الدُّعاء للمعتضد. وكان قد سأل أبا حازم القاضي عن ذلك، فقال: " وأولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ "، فَقَالَ المُعْتَضِد: قد رُوِيَ عدم الرد عن الخُلفاء الأربعة. فَقَالَ أبو حازم: كَذِب الناقلُ عنهم؛ بل كلهم ردوا، هم وجميع الصحابة، سوى زيد بن ثابت، وكان زيد يُخفيه حَتَّى مات عمر، وَهُوَ مذهب فقهاء التابعين ومن بعدهم. ولم يذهب إلى قول زيد غير الشافعي في أحد القولين، والقول الآخر كالجماعة. فَقَالَ المُعْتَضِد: اكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وفيها خرج عمرو بن اللَّيْث من نَيْسَابُور، فهاجمها رافع بن هَرْثَمَة وخطب بها لمحمد بن يزيد العلوي، فعاد عمرو ونزل بظاهر نيسابور محاصراً لها.
وفيها وثب الْجُنْدُ من البربر على جيش بن خمارويه، وقالوا: تنح عن الأمر لنُولي عمَّك، فكلمهم كاتبه عَليَّ بن أحمد المادرائي، وسألهم أن ينصرفوا عنهم يومهم، فانصرفوا. فغدا جيش على عمه أبي العشائر، فضرب عُنقه وعُنُق عمٍ له آخر، ورمى برؤوسهما إليهم. فهجم الجند على جيش -[653]- فذبحوه، وذبحوا أمه، وانتهبوا الدار، وأجلسوا أخاه هارون مكانه.
وفيها هزم عمرو بنُ اللَّيْث رافعَ بن هرْثَمَة، وساقَ وراءه إلى أن أدركه بخوارزم فقتله بها. وكان المُعْتَضِد قد عزله سنة سبعٍ وسبعين عن خُراسان، وولى عليها عمرو بن اللَّيْث، فبقي رافع بالرِّي. ثُمَّ إِنَّهُ هادن الملوك المجاورين له يستعين بهم على عَمْرو، ودعا إلى العلوي ثم سار إلى نيسابور، فواقعه عمرو في ربيع الآخر من هذه السنة، وهزمه إلى أبِيورد، وقصد رافع أن يخرج إلى مَرْو أَوْ هراة، ثُمَّ دخل نَيْسَابُور، فأتى عَمْرو فحاصره بها، فهرب رافع وأصحابه على الجمازات إلى خُوَارِزْم في رمضان، فأحاط به أمير خُوَارِزْم وقتله في سابع شوال، وبعث برأسه إلى عَمْرو بن اللَّيْث، فنفذه إلى المعتضد.
ولم يكن رافع ولدا لهرثمة، وإنما هو زوج أمه، فنُسب إليه، وَهُوَ رافع بن تُومَرْد. وَصَفَتْ خراسان لعمرو بن الليث.
وفيها دخل جيش بن خمارويه مصر، فقال الأمراء: لا نرضى بك ونريد عمك أبا العشائر، فوثب وقتل عمه، فشاش الناس ووقع حريق ونهب، فوثب هارون في جماعة على أخيه فقتله، واستولى على مصر، قَالَ ربيعة بن أحمد بن طولون: لما دخل ابن أخي جيش مصر قبض عَليَّ وعلى عمَّيه مُضر وشيبان، وحبسنا، ثُمَّ إِنَّهُ أخذ أخانا مُضر فأدخله بيتًا، وجوعه خمسة أيام، ثُمَّ دخل علينا ثلاثة من غلمان جيش، فقالوا: مات أخوكم؟ قلنا: لا ندري.
فدخلوا عليه البيت، فرماه كل واحدٍ بسهم، فقتلوه وأغلقوا علينا الباب، وتركونا يومين بلا طعام، فظننا أَنَّهُم يُهلكوننا بالجوع. فسمعنا صُراخًا في الدار، ففتحوا علينا، وأدخلوا إلينا جيش بن خُمَارَوَيْه، فقلنا: ما جاء بك؟ قَالَ: غَلبني أخي هارون على مصر. فقلنا: الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك. فَقَالَ: ما كان في عزمي إِلا أن أُلْحِقَكُما بأخيكما. وبعث إلينا هارون أن نقتله بأخينا، فلم نفعل، وانصرفنا إلى دُورِنا، فبعث إليه من قتله.

-سنة أربع وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع وثمانين ومائتين
فيها توفي: أبو عَمْرو أحمد بن المبارك المُسْتَمْلِي، وإسحاق بن الحسن الحربي، وأبو خالد عبد العزيز بن معاوية القُرَشي، ومحمود بن الفرج الأصبهاني الزاهد، وهشام بن عَليَّ السيرافي، ويزيد بن الهيثم أبو خالد البادا. -[654]-
وفي رابع المحرم قُدم على المُعْتَضِد برأس رافع بن هرثمة، فنصب يوماً ببغداد.
وفي كانت وقعة بين عيسى النُّوشَري المعتضدي وبين بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف، وكان قد أظهر العصيان، فهزمه النَّوْشَرِيّ بقرب أصبهان، واستباح عسكره.
وفي ربيع الأول ولى القضاء أبا عمر محمد بن يوسف على مدينة المنصور.
وفيها ظهرت بمصر حُمرة عظيمة، حَتَّى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرًّع الناس بالدعاء إلى الله، وكانت من العصر إلى الليل.
وفيها بعث عَمْرو بن اللَّيْث بألف ألف درهم لتنفق على إصلاح درب مكة من العراق.
قَالَ ابن جرير الطبري: وفيها عزم المُعْتَضِد على لعنة معاوية على المنابر، فخوَّفه عُبَيْد الله الوزير اضطراب العامة. فلم يلتفت، وتقدَّم إلى العامة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القُصَّاص من القعود في الأماكن، ومنع من اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب المُعْتَضِد كتابًا في ذلك. واجتمع الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه، فما قرئ، وكان من إنشاء الوزير عُبَيْد الله، وفيه: " وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة دخلتهم في أديانهم، على غير معرفة ولا روية، خالفوا السنن، وقلدوا فيها أئمة الضلالة، ومالوا إلى الأهواء، وقد قال تعالى: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هدى من الله "، خروجًا عن الجماعة، ومسارعةً إلى الفتنة، وإظهارًا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملة. قَالَ الله تعالى: " وَالشَّجَرَةَ الملعونة في القرآن "، وإنما أراد بني أمية الملعونين على لسان نبيه، وهم كانوا أشدّ عداوة له من جميع الكفار. ولم يرفع الكفار رايةً يوم بدرٍ وأُحد والخندق إِلا وأبو سُفْيَان وأشياعه أصحابها وقادتها ". -[655]-
ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ وَمَوْضُوعَةٍ فِي ذَمِّ أَبِي سُفْيَانَ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَحَدِيثَ: " لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ "، عَنْ مُعَاوُيَةَ، وَأَنَّهُ نَازَعَ عَلِيًّا حَقَّهُ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَمَّارٍ: " تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ". وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ سَفَكَ الدِّمَاءَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَانْتَهَبَ الْأَمْوَالَ الْمُحَرَّمَةَ، وَقَتَلَ حُجْرًا، وَعَمْرَو بن الحمق، وادعى زياد بن أبيه جراءة على الله، والله يقول: " ادعوهم لآبائهم "، وَالنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلّمَ يَقُولُ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ". ثُمَّ دعى إلى بيعة ابنه يزيد، وقد عَلِمَ فسْقة، ففعل بالحسين وآله ما فعل؛ ويوم الْحَرَّةِ، وحرق البيت الحرام.
وَهُوَ كتاب طويل فيه مصائب. فلما كتبه الوزير قَالَ للقاضي يوسف بن يعقوب: كلِّم المُعْتَضِد في هَذَا. فَقَالَ له: يا أمير المؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه. فَقَالَ: إنْ تحرَّكت العامةُ وضعتُ السيف فيها. قَالَ: فما نصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وَإِذَا سمع النَّاس هَذَا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أمْيل وصاروا أبسط ألسنة. فأمسك المُعْتَضِد.
وفيها ظهر في دار المُعْتَضِد شخص، في يده سيف مسلول، فقصده بعض الخدم فضربه بالسيف فجرحه، واختفى في البستان وطُلب فلم يوجد له أثر. فعظُم ذلك على المعتضد، واحترز وقيل هُوَ من الجن، وساءت الظُّنون، وأقام الشخص يظهر مرارًا ثُمَّ يختفي. ولم يظهر خبره حَتَّى مات المُعْتَضِد والمكتفي، فَإِذَا هُوَ خادم أبيض كان يميل إلى بعض الجواري التي في الدُّور.
وكان منْ بلغَ من الخُدّام يُمنعون من الحرم، وكان خارج دور الحرم بستان كبير، فاتّخذ هَذَا الخادم لحية بيضاء، فبقي تارةً يظهر في صورة راهب، وتارة يظهر بزيّ جنْديّ بيده سيف واتخذ عدّة لِحًى مختلفة الهيئات، فَإِذَا ظهر خرجت الجارية مع الجواري لتراه يعني فيخلو بها بين الشجر ويحدثها خلسة. فَإِذَا طُلب دخل بين الشجر ونزع اللحية والبُرْنُس ونحو ذلك، وخبّأها، وترك السيف في يده مسلولًا كَأَنَّه من جملة الطالبين لذلك الشخص. وبقي إلى أن ولي المقتدر، وخرج الخادم إلى طرسوس، فتحدَّثت الجارية بحديثه بعد ذلك.

-سنة خمس وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمسٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: إبراهيم الحربي، وإسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وعبيد بن عبد الواحد بن شَريك، وأبو العَبَّاس محمد بن يزيد المبرد.
وفي المحرّم قطع صالح بن مدرك الطائي الطريق على الحُجاج بالأجْفُر، وأخذ للرَّكب ما قيمته ألف ألف دينار، وأسر الحرائر.
وفي المحرّم عُزل إسْمَاعِيل بن أَحْمَد عن ما وراء النهر، وولِيَه عَمْرو بن اللَّيْث.
وفي ربيع الأول هبّت ريح صفراء بالبصرة، ثُمَّ صارت خضراء، ثُمَّ سوداء، وامتدت في الأمصار؛ ووقع عقيبها بَرَدٌ، وزن البردة مائةٌ وخمسون درهمًا. وقلعت الريح نحو ست مائة نخْلة، ومُطرت قرية حجارة سوداء وبيضاء.
وفيها استعمل المُعْتَضِد على أرمينية وأَذْرَبِيجَان ابن أبي الساج.
وفيها غزا راغب الموفقي الخادم الروم في البحر، فظفر بمراكب كثيرة، ضرب منها ثلاثة آلاف رقبة، وفتح حصوناً كثيرة.
وفي ذي الحجة قدم علي ابن المُعْتَضِد بغداد، وكان قد جهّزه لقتال محمد بن زيد العلوي، فدفع محمداً عن الجبال وتحيز إلى طبرستان، ففرح به أبوه وقال: بعثناك ولدًا فرجعت أخًا، كرامةً له منه بهذا القول، ثُمَّ أعطاه ألف ألف دينار.
وفي ذي الحجّة خرج المُعْتَضِد وابنه يريد آمد، لما بلغه موت أَحْمَد بن عيسى ابن الشيخ.
وصلى بالناس يوم الأضحى ببغداد علي ابن المُعْتَضِد، وركب كما تركبُ وُلاةُ العهود.

-سنة ست وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ستٍّ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن سَلَمَةَ النَّيْسَابُوري الحَافِظ، وَأَحْمَد بن عَليّ الخزاز، وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية، وأحمد بن المعلى الدمشقي، وإبراهيم بن سويد الشبامي، وإبراهيم بن برة الصَّنْعَانيّ، وَالحَسَن بن عبد الأعلى البوسي أصحاب عبد الرزاق، وعبد الرحيم بن عبد الله البَرْقي، وعَليُّ بن عبد العزيز البَغَويّ، وَمحمد بن وضاح القرطبي، ومحمد بن يوسف البناء الزاهد، وَمحمد بن يونس الكُدَيْميّ، وأبو عُبادة البحتري الشاعر.
وفي ربيع الآخر نازل المُعْتَضِد آمد، وبها محمد بن أحمد ابن الشيخ؛ فنصب عليها المجانيق، ودام الحصار أربعين يومًا. ثُمَّ ضَعُف محمد، وتخاذَل أصحابه، فطلب الأمان ثم خرج فخلع عليه.
وفيها قبض المُعْتَضِد على راغب الخادم أمير طرسوس واستأصله، فمات بعد أيام.
وفيها، في جُمَادَى الآخرة، قدمت هدايا عَمْرو بن اللَّيْث، وهي أربعة آلاف ألف درهم، وعشرة من الدواب بسروجها ولجمها المذهبة، وخمسون أخرى بجلالها.
وفيها التقى جيش عمرو بن الليث الصَّفَّار، وَإسْمَاعِيل بن أَحْمَد بن أسد بما وراء النَّهْر. فانكسر أصحاب عَمْرو؛ ثُمَّ في آخر السنة عبَرَ إسْمَاعِيل بن أَحْمَد جَيْحُون بعساكره، ثُمَّ التقى هُوَ وَعَمْرو بن اللَّيْث على بلخ، وكان أهل بلخ قد ملوا عمرا وأصحابه، وضجروا من نزولهم في دُورهم وأخذهم لأموالهم، وتعرُّضهم لنسائهم. فَلَمَّا التقوا حمل عليهم إسْمَاعِيل، فانهزم عمرو إلى بلخ، فوجد أبوابها مغلقة، ففتحوا له ولجماعة معه، فوثب عليه أهل بلخ فأوثقوه، وحملوه إلى إسْمَاعِيل. فَلَمَّا دخل عليه قام إسْمَاعِيل واعتنقه، وقبّل ما بين عينيه، وخلع عليه، وحلف أَنَّهُ لا يؤذيه.
وَقِيلَ: إن إسْمَاعِيل لَمَّا كان على ما وراء النَّهْر، سأل عَمْرو بن اللَّيْث -[658]- المُعْتَضِد أنْ يوليه ما وراء النَّهْر، فولاه فعزم عَمْرو على محاربته، فكتب إليه إسْمَاعِيل: إنك قد وُليت الدُّنيا، وإنما في يدي ثغر، فاقنع بما في يدك ودعني. فأبى، فَقِيلَ له: بين يديك جيحون كيف تعبره؟ فقال: لو شئت أن أسكره ببدر الأموال لفعلت حَتَّى أعبره. فَقَالَ إسْمَاعِيل: أنا أعبر إليه. فجمع الدَّهاقين وغيرهم، وجاوز النَّهْر. فجاء عَمْرو فنزل بلخ فأخذ إسْمَاعِيل عليه الطُّرق، فصار كالمحاصر. وندِم عَمْرو، وطلب المحاجزة، فلم يُجبه، واقتتلوا يسيرًا، فانهزم عَمْرو، فتبعوه، فتوحَّلت دابته، فأُخذ أسيرًا.
وبلغ المُعْتَضِد، فخلع على إسْمَاعِيل خِلَع السلطنة وَقَالَ: يُقلَّد أبو إِبْرَاهِيم كل ما كان في يد عَمْرو بن الليث.
ثم بعث يطلب من إسماعيل عمرا، ويعزم عليه. فما رأى بُدًّا من تسليمه، فبعث به إلى المُعْتَضِد فدخل بغداد على جمل ليشهروه، فقال الحسين بن محمد بن الجهم:
ألم ترَ هَذَا الدَّهْر كيف صُروفهُ ... يكون يسيرًا مُرّةً وعسيرًا
وحسبك بالصفار نُبلًا وَعِزّةً ... يروح ويغدو في الجيوش أميرا
حباهم بأجمال، ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا
ثُمَّ حبسه المُعْتَضِد في مطمورة، فكان يَقُولُ: لو أردت أن أعمل على جيحون جسرًا من ذهب لفعلت، وكان مطبخي يُحمل على ست مائة جمل، وأركبُ في مائة ألف، أصارني الدَّهْر إلى القيد والذُّلّ!
فَقِيلَ: إِنَّهُ خُنق عند موت المُعْتَضِد، وَقِيلَ: قبل موته بيسير. وَقِيلَ: إنَّ إسْمَاعِيل خيّره بين أن يقعد عنده معتقلًا، وبين توجيهه إلى المُعْتَضِد، فاختار توجيهه إلى المعتضد، فأدخل بغداد في سنة ثمانٍ وثمانين على جملٍ له سنامان، وعلى الجمل الدّيباج وَالْحُلِيُّ، وطِيف به في شوارع بغداد. فأدخل على المُعْتَضِد، فَقَالَ له: يا عَمْرو هَذَا ببغيك، ثم سجنه.
وبعث المعتضد إلى إسماعيل ببدنة من لؤلؤ، وتاج مرصًّع، وسيف، وعشرة آلاف ألف درهم. -[659]-
وفيها ظهر بالبحرين أبو سَعِيد الْجَنّابي القَرْمَطيّ في أول السنة. وفي وسطها قويت شوكته، وانضم إليه طائفة من الأعراب، فقتل أهل تِلْكَ القرى، وقصد البصرة. فبنى المُعْتَضِد عليها سورًا وحصّنها.
وكان أبو سَعِيد كَيّالًا بالبصرة، وجنابة: من قرى الأهواز. وقيل من البحرين؛ وقال الصولي: كان أبو سَعِيد فقيرًا يرفو أعدال الدقيق بالبصرة، وكان يُسخر منه ويُستخف به، فخرج إلى البحرين، وانضاف إليه جماعة من بقايا الزنْج والخرّمّية، فعاث وأفسد وتفاقم أمره، حتى بعث إليه الخليفة جيوشاً وهو يهزمها. وَهُوَ جدّ أبي عَليّ المستولي على الشام الذي مات بالرملة سنة خمسٍ وستين وثلاث مائة.
وَقَالَ غيره: أقام أبو سَعِيد مدة، ثُمَّ ذُبح في حمامٍ بقصره. ثُمَّ خلفه ابنه أبو طاهر سُلَيْمَان بن أبي سَعِيد الحَسَن بن بهرام الجنابيّ القَرْمَطيّ، وَهُوَ الذي يأتي أَنَّهُ قَتل الحجيج واقتلع الحجر الأسود.

-سنة سبع وثمانين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبع وثمانين ومائتين
توفي فيها: أَحْمَد بن إسحاق بن نُبَيْط، وأبو بكر أحمد بن عَمْرو بن أبي عاصم، وزكريا بن يحيى السجزي خياط السنة، وَمحمد بن عَمْرو الْجُرَشيّ أبو عَليّ قشْمرد، وموسى بن الحسن الجلاجلي، وأبو سعد يحيى بن منصور الهروي.
وفي المحرم واقعت طي رَكْبَ الحاجّ العراقيّ بأرض المعدن، وكانت الأعراب في ثلاثة آلاف ما بين فارس وراجل. وكان أمير الحاجّ أبو الأغرّ، فأقاموا يقاتلونهم يومًا وليلة. واشتد القتال، ثُمَّ إنَّ الله أيّد الركب وهزموهم، وقُتل صالح بن مدرك الذي نهب الحاجّ فيما مضى؛ وقُتل معه أعيان طي، ودخل الركبُ بغداد بالرؤوس على الرماح وبالأسرى.
وفي نصف ربيع الأول كانت الوقعة على بلْخ بين عَمْرو بن اللَّيْث وَإسْمَاعِيل بن أحمد، فأسره إسماعيل.
وفيها غَلُظ أمر القرامطة، وأغاروا على البصرة ونواحيها، فسار لحربهم العَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، فالتقوا، فأُسر الغنوي، وقُتل خلقٌ من جنده. -[660]-
ثُمَّ إنَّ أبا سَعِيد بعد أنْ ضيق عليه أطلقه، وَقَالَ: بلِّغ المُعْتَضِد عني رسالة؛ ومضمونها أَنَّهُ يكفّ عنه ويحفظ حُرمته: فأنا قد قنعت بالبرية، فلا يتعرض لي.
قَالَ ابن خلّكان: كان من حديث العَبَّاس أَنَّ القرامطة لَمَّا اشتد أمرهم وبالغوا في القتل، أرسل إليهم المُعْتَضِد جيشًا عليه العَبَّاس بن عَمْرو، فالتقوا، فأسره أبو سَعِيد القَرْمَطيّ في الوقعة، وأسر جميع مَن معه مِن الجيش. ثُمَّ مِن الغد أحضر الأسرى فقتلهم بأسرهم وحرّقهم، رحمهم الله. وأطلق العَبَّاس فجاء إلى المُعْتَضِد وحده. وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين.
وفي شوال خرج المُعْتَضِد من بغداد، وسار إلى عين زَرْبة، فأسرَ وصيفًا الخادم. ثُمَّ قدِم المِصيصة ونزل طَرَسُوس، ثُمَّ رحل إلى أنطاكية. ثُمَّ جاء إلى حلب، ثُمَّ إلى بالس، وأقام بالرقة إلى سلخ السنة.
وفيها مات صاحب طَبَرسْتَان محمد بن زيد العلوي.
وفيها أوقع بدر بالقرامطة على غرة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت