أحبابي الموتى
| أحـنُّ إليـكم كـلّما ذرَّ شـارقٌ | وأبكـيكمُ ما عشتُ في السرّ والجهرِ |
| أحـبّايَ يـا سؤلي ويـا غاية المنى | طويتمْ ضلوعَ القلبِ مني على الجمرِ |
| وبـتُّ أنـاجـيكمْ وأهفو إليكمُ | وأصـبو إلى لـقيـاكمُ آخرَ الدهر |
| كأنّيَ لحنُ الحب قيثارة الهـوى | أنـوحُ على الأحبابِ بالأدمع الحمر |
| أصـوغهم شـعراً يفيضُ مواجعاً | وأنـظـمهمْ عـقداً يتيه على الدرِّ |
| وأودعـهمُ قلباً تـقـطّع حسرةً | عـليهـمْ، وعيـناً دمعها أبداً يجري |
| فيا عهدهمْ لا زلتَ نضراً على البلى | تـرفُّ رفيفَ النورِ في أضلع الزهر |
| ويـا طيفـهم زدني اشتياقاً ولوعةً | يزدكَ الهوى ما شئتَ من دامعِ الشعر |
* * * | |
| فـيا أيُّها الغـادون لا البينُ صدَّهمْ | ولا حـجبتْ أنـوارهمْ ظلمةُ القبر |
| جفونيَ مـأواهمْ، ضلـوعي قبورهم، | فيالقبورٍ خـطَّها الحبُّ في صـدري |
| سَلوا الجفنَ هل طافتْ به سنةُ الكرى | سلوا الليلَ هل دارتْ به مقلةُ الفجر |
| إلى الـلهِ أشكو مـا أقاسي من النَّوى | وما يتنـزّى فـي الخواطر من ذكر |
| بـروحيَ أنـتم مـن محبينَ ودَّعـوا | فـودَّعتُ أفـراحي وفارقني صبري |
| ولـم تـؤوني الأرضُ الفضاءُ كأنني | سجـينٌ أقضّي العمرَ في النفي والأسر |
| بـعيدٌ عـن السلوانِ، صفرٌ من الألى | أشـاعَ هـواهم لذّةَ الشعر في ثغري |
| فـهل عـلمَ الأحـبابُ أنّ خيالهمْ | سمـيريَ في حُـلوِ الحـياةِ وفي المرِّ |
| إذا نـسيَ الإنسانُ في اليسرِ صحبه | فـلا خيرَ في التذكارِ في ساعة العُسر |
| أأيـامـنا لا زلتِ مـعسولـةَ الجنى | كـروضٍ شـذيٍّ رفَّ في حللٍ خضر |
| أنـاجيكِ بالقلبِ اللهيفِ من الجوى | وأرعـاكِ بـالودِّ البريءِ مـن الغدر |
| وأسقـيكِ دمـعَ العينِ سقيا كريمةً | إذا ضنَّ جَفْنُ السحب بالساكب القطر |
| سـلامٌ عـلى تـلك العـهودِ فإنها | أمـدَّتْ خريفَ العمر بالوارف النضر |
| وزانـت أناشيـدي ووشّتْ مدامعي | فمـنْ لـؤلـؤٍ نظمٍ إلى لـؤلـؤٍ نثر |
| وما شئتَ من ظلٍّ رخيٍ ومـن شذاً | ومـا شئتَ مـن طيرٍ يغنّي ومن نهر |
| أمـانيُّ فـي زهـو الحياةِ وفجرها | مـرصـعة الأفـياءِ بـالممتع المغري |
| أراكِ بـعينٍ قـد تـنكّر دهـرها | ومـا ألفتْ إلا الـوفاءَ عـلى النُّكر |
| وأصـبو إلى ذكـراكِ والذكر راحةٌ | لمـنْ عـاشَ في الهـمّ المبرحِ والخسر |
| وأشـتاق أُلافـاً سقـاني ودادهمْ | كؤوس الهوى حتى انتشيتُ من السكر |
| وحـتى كـأنَّ الـدهرَ طوعُ أناملي | ينـوّلني قـصدي ويُبـلغني أمـري |
| إذا زرتـني يا طيفهمُ في حمى الكرى | فـقد زارني سعدي وعاودني بشري |
| وأشـرقتِ الدنيا بـعينيَّ وازدهتْ | ليـاليَّ بـالأنـوار والأنجـم الزُّهر |
| وهـوّن مـا ألقاهُ من لاعج الضنى | وخـفّـف ما أشكوهُ من ثائرِ الفكر |
* * * | |
| مـررتُ على الدارِ التي غالها البلى | وقـوّضها حـتى استحالتْ إلى قفر |
| فـنازعـني قلـبٌ يذوبُ صبابةً | إلـيها، ودمـعٌ لا ينـهنهُ بالـزَّجر |
| أطوفُ بها والروحُ يعصرها الشجا | ويـغمرهـا بـالبشرِ حـيناً وبالذُّعر |
| هنا الأهلُ والأحبابُ والقصدُ والمنى | هـنا المـلتقى بعـد القطيعةِ والهجر |
| هنا تجثمُ الذكرى، هنا ترقدُ الرُّؤى | هـنا المـوتُ يبدو في غلائله الصُّفر |
| هنـا يقـرأ الإنسانُ سـفرَ حياتهِ | ويـا هـولَ ما يلقاهُ في ذلك السفر |
| صحائفُ إن قلّبتها ازددت حسرةً | عـلى مـا بها من غائل ِ الغدرِ والشر |
| هـنا العبرةُ الكبرى التي دقَّ شأنها | وأعـوزها سبْـرٌ فأعيتْ على السّبر |
| هـنا يخشعُ القلبُ الشجيُّ مردداً | كـتابَ الرَّدى المحتوم سطراً إلى سطر |
| بنـفسيَ أرواحٌ رقـاقٌ حبيـسةٌ | مضـمّخةُ الأعـطافِ مسكيةُ النشر |
| تـأرَّجُ بـالذكرى وتعبقُ بالهوى | كـأنَّ بهـا عـطراً أبرَّ عـلى العطر |
| أعيـشُ بها جذلانَ يسعدني الرضا | ويـقنـعني مـنها الخيالُ إذا يسري |
* * * | |
| سـلامٌ على الأحبابِ إنّ طيوفهمْ | لتـملأ هـذا الـفكرَ بالنائلِ الغمر |
| ولـولاهـمُ لم أجنِ ريحانةَ الهوى | ولـولاهـمُ مـا شمتُ بارقةَ العمر |
| ولا صـغتُ أنـغاماً لطافاً شجيّةً | أرقَّ مـن النجوى وأصفى من الخمر |
| يـرى الـمفردُ الحيرانُ فيها أليفهُ | وينـسى بهـا دارَ الخديعةِ والمـكر |
* * * | |
| عـفاءٌ عـلى الدنيا فما هي لذّةٌ | إذا كـنتَ في شطرٍ وقلبكَ في شطر |
| ويـا بـؤسَ محيانا ويا طولَ غمّنا | ويا شـدَّ ما نلقاهُ في الدهر من قسْر |
| ويا شوقنا للصحب في غمرةِ الرَّدى | وفي هـدأة المثوى وفي رقـدةِ العفر |
* * * | |
| نـمرُّ خـيالاتٍ يوشّحها الأسى | ونـنزع أثوابَ الحياةِ ولا ندري |
| ونـطرحُ أيـاماً ثـقالاً رهيبةً | براءً من الألوانِ خلواً من السحر |