| يا لياليَّ في الحِمى لستُ أَنْسَا | كِ على ما حملتِ من إقلاقِ |
| فكأنّا ما غاب عنا رؤاها | أو سقانا كأسَ المنيّة ساق |
| فارجِعي يا طيوفَها آمناتٍ | لا تخالي الردى سريعَ اللحاق |
| لا يُطيف السلوّ بالذاكر المُشْـ | ـتَاقِ، والشوقُ مِيسم العشّاق |
| يا دياري التي حبَبَتُ ويا أَنْـ | ـفَسَ ما قد ذخَرْتُ من أعلاق |
| يا أحبّايَ في ربوعي الغوالي | والمديدَ المديد من آفاقي |
| سدّد اللهُ في الحياة خُطاكم | وكفاكم مزالقَ الإخفاق |
| ورعاكم، وزانكم بسجايا | خالداتٍ على الليالي بواق |
| يومَنا المرتجى! تباركتَ يوماً | أنتَ في علم ربّنا الخلاّق |
| تتلاقى الأحبابُ في أفقكَ الرَّحْـ | ـبِ، وتشفى من حُرقة الأشواق |
| هي في غمرة البقاء شَحارِيْـ | ـرُ، تغنّتْ بذكرياتٍ رِقاق |
| قد رَقَتْ في فضاء ربّيَ هَيْمى | وَهْيَ لمّا تزل تُحبّ المراقي |
| قد نزعنا ثوبَ الحياة قشيباً | وجرعنا الردى بكأسٍ دِهاق |
| وأفقنا وللصباح عبوسٌ | والدجى الوَحْف قاتمُ الأعماق |
| ملّتِ النفسُ صحوَها وكراها | واصطباحي من همّها واغتباقي |
| فمتى أستريح من عبئها القا | سي، وأنجو من سحرها البرّاق؟ |
| يا مغيبَ الحياة أنسيْتَني النُّوْ | رَ، وأقصيْتَني عن الإشراق |
| ومحوتَ الوجودَ إلا رسوماً | أوثَقَتْها يدُ البِلى في وَثاق |
| نطقتْ بالمبين من مُحكَم القَوْ | لِ، وأفضتْ بسرّها المِغلاق |
| وجثتْ لا تردّ عنها العوادي | لا ولا تشتهي الخيالَ الراقي |
| آذنَتْنا أيامُنا بانقضاءٍ | وانطلقنا من قيدها الخنّاق |
| أعتقتنا المنونُ من أسرها الصَّعْـ | ـبِ، ومِمّا حوتْ من استرقاق |
| ما انتفاعي بالبدر تِمّاً إذا كا | نَ هلالي تِرْبَ البِلى والمُحاق؟ |
| رُبّ ليلٍ أمدّه القلبُ بالنُّوْ | رِ، وليلٍ محلولك الأَطباق |
| أنا من بعدكم حنينٌ وسُهدٌ | لستُ أخشى سُهدي ولا إفراقي |
| بين قلب على الأحبّة خَفّا | قٍ، وطيفٍ على المدى طرّاق |
| ذلكم يا شقائقَ الروح والقَلْـ | ـبِ، سبيلي، وتلكُمُ أخلاقي |
| فإذا غبتُ فالمعاد وشيكٌ | لمحبّ مُعذّبٍ مِقْلاق |
| وَدّعِ الصحبَ يا صريعَ الرزايا | ففراقُ الأحباب غيرُ مُطاق |
| وتأهّبْ فإنّما أنتَ ظلٌّ | راجف من تنقّل وانطلاق |
| والدياجي لا ترهب القاحمَ الفَرْ | دَ، ولا تستبدّ بالسبّاق |
| كلُّ غصنٍ إلى بِلىً وذبولٍ | مثل رسمٍ مُهَدّمٍ أحذاق |
| كيف يعتاقني الحِمام عن الأَهْـ | ـلِ، ولا يُرمض الحِمام اعتياقي؟ |
| أنا في قبضة الإله!.. وكم أَحْـ | ـمَدُ رقّي وكم أحبّ وَثاقي |
| فاذهبي يا حياةُ كَلَّ ذهابٍ | واطرحيني من ليلك الغسّاق |
| وخُذي ما أمضّني وعَناني | في ديار الإفقار والإملاق |
| تاقتِ النفسُ للخلاص من الأَسْـ | ـرِ، وحنّتْ إلى المطاف الواقي |
| فمتى يا تُرى يتمّ انطلاقي؟ | ومتى يا ترى يحين انعتاقي؟ |
| قد كفتْنا الحياةُ همّاً وغمّاً | وشفتْنا المنونُ مما نلاقي |
| نتساقى كؤوسَنا مترعاتٍ | ولكم لذَّ في الجِنان التساقي |
| حِرتُ في الموت والحياة، وأَعْيَا | نِيَ صحوي، وطاب لي إغراقي |
| يا لَسُمٍّ نلذّه، وذُعافٍ | يحتسيه اللديغُ كالترياق |
| لا يحوم الشفاء حول مِهادي | والضّنى المرّ آخذٌ بالخناق |
| فاسترحْ أيها السقيمُ المعنّى | من فؤاد مُروَّعٍ خفّاق |
| نضبتْ أكؤسُ الهوى، وامّحى البِشْـ | ـرُ، ولاح الفراق خلف العناق |
| وتعرّتْ خيلُ الصّباء من الأُنْـ | ـسِ، وأَكْرِمْ بخَيْله من عِتاق |
| وطويتُ الشبابَ في ورق العُمْـ | ـرِ، وودّعتُه بدمعٍ مُراق |
| فارقدي يا حياةُ في كهفك الحا | ني، وفي مهدك الوثير الباقي |