الإنسان الحر يشعر تمامًا بمسئوليته عن عمله؛ فيجتهد في إتقانه والارتقاء به، متعاونًا مع غيره في سبيل هذه الغاية. أما إذا كان مجرد ترس في جهاز بلا إرادة ولا وعي؛ فإنه يتراخى ويكسل، ويعمل عمل الأُجراء المجبورين، لا عمل الأحرار المختارين.
المؤمن لا يعمل لمجرد النجاح والانتصار، وإنما يعمل امتثالًا لأمر الله تعالى، وقيامًا بحق عبوديته له، وابتغاءً لمرضاته. فإن تحقق له -مع ذلك- النجاح في مسعاه؛ فهو خير وبركة وفضل من الله ونعمة، وإذا لم يتحقق ذلك؛ فحسبه أنه أدى واجبه وبلَّغ رسالته.
التوبة هي الممحاة التي منحها الله للإنسان ليستطيع أن يغسل بها ذنوبه، وأن يتطهر بها من ماضيه، وأن يتحرر من آثاره، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:31)، و«التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن لزم الاستغفار؛ جعل الله له من كل همٍ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». فالاستغفار كما يقول ابن القيم: وطنٌ للخائفين، وضمادٌ للبائسين، وسعادةٌ للتائهين، وفرجٌ للمكروبين، وغفرانٌ للمذنبين.
بعض الفقهاء يبحث في كتب المتأخرين من علماء مذهبه، لا يخرج من إسارها، ولا ينظر إلى الشريعة بمفهومها الرحب، أو بمجموع مدارسها ومذاهبها، كما لا ينظر إلى العصر وتياراته ومشكلاته؛ فهو بنظرته هذه يُحَجِّر ما وسَّع الله، ويُعسِّر ما يسَّر الدين.
الوعي الديني السليم، المستمد من محكم القرآن وصحيح السنة، بعيدًا عن الشوائب والبدع؛ هذا الوعي هو الذي تصفو به العقيدة، وتصح العبادة، ويستقيم السلوك، ويستنير العقل، ويشرق القلب، وتتجدد الحياة.
صحيحٌ أن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، ولكن لِمَن كتب سبحانه هذه الرحمة؟ يقول سبحانه: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِين يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِين هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:156)، ويقول تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:56).
إذا قال الفرد: «ربي الله»، ثم استقام على هذا، وثبت عليه؛ فهو سعيد وإن شقي الناس، ومُفلح وإن خاب الناس، ومطمئن وإن اضطرب الناس، وآمِن وإن خاف الناس، {فمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} (الجن:13).
مِن الخطأ معاملة الناس باعتبارهم في مرتبة واحدة، دون تمييز بين المبتدئ والمنتهي، ولا تمييز بين الضعيف والقوي، مع أن في الدين متسعًا للجميع، حسب مراتبهم واستعداداتهم؛ ولهذا كان فيه العزيمة والرخصة، والعدل والفضل.
الصلح مطلوب بين المسلمين جميعًا، وخاصة بين ذوي القربى وذوي الأرحام.. بين الأخ وأخيه، بين ابن العم وابن عمه، بين ابن الخال وابن خاله، وبين الأقارب بعضهم وبعض: {وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنفال:75).
قيل لأحد الصوفية القدامى: إن فلانًا الغني يقوم الليل ويصوم النهار! فقال: هذا ترَك حاله ودخل في حال غيره، إنما حاله إطعام الطعام، وإغاثة الملهوف، والبذل في سبيل الله!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَأنْ أقولَ: سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ؛ أحَبُّ إليَّ ممَّا طلَعَتْ عليه الشَّمسُ».
فسدت الأديان السابقة قبل الإسلام بالمُحْدَثات والمُبتدعات، حيث أحلُّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، وزادوا عما شرع الله، ونقصوا مما فرض الله؛ فأصبحت عباداتهم وفرائضهم وشرائعهم شيئًا آخر، مغاير لحقيقة التكليف أو الدين الذي أمر الله به.
تدبُّر القرآن الكريم والعمل به هو الذي يجمع شتات الأمّة، ويوحد صفوفها، ويجمع كلمتها، ويجعل منها أمّة قوية كسلفها. ومِن لوازم هذا التدبُّر: أن يتجاوب القارئ مع القرآن الذي يتلوه، ويتفاعل بعقله وقلبه مع التلاوة.. بأن يكون في حالة حضور ويقظة واستجابة، لا حالة غيبة وغفلة وإعراض!
ليس في يدنا زمام الكون، لسنا الذين نخفض ونرفع، ونعطي ونمنع.. المُلك في يده سبحانه وحده، هو صاحبه يُدبِّره كيف يشاء، ولا ندري أين يكون الخير، المهم هو الثبات على مبدأ الحق، والمصابرة عليه، فإما أن نعيش من أجله، وإما أن نموت في سبيله!
مِن سنة الله أن القوي لا يظل قويًا أبد الدهر، وأن الضعيف لا يظل ضعيفًا أبد الدهر، وكم رأينا من قوي أصابه الضعف، وضعيف أدركته القوة، وكم من عزيز ذل، وذليل عز، وفي التاريخ الحافل وفي الواقع الماثل: نماذج وأمثلة لا تخفى.