عرَّفنا الواقع أن أعداءنا لا يعترفون بقوة المنطق، بل بمنطق القوة، فهم بالقوة أخذوا الأرض من أصحابها، وبالقوة حققوا حلم الوطن القومي، وبالقوة أقاموا فيه دولتهم!
يحاول الإسلام أن يرقى بذوق الإنسان، فيجعله رقيقًا في طبعه، طيِّبًا في مسلكه، متجاوبًا مع من حوله؛ يُحِسُّ بهم، فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، وليس من أولئك الغلاظ القلوب، الذين يعيشون لأنفسهم وحدها ولا يبالون بغيرهم.
الحج شحنة روحية كبيرة يتزود بها المسلم؛ فتملأ جوانحه خشية وتقى لله، وعزمًا على طاعته، وندمًا على معصيته! وتغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله، ولمن عَزَّرُوه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، كما توقظ فيه مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان، وتوقد في صدره شعلة الحماسة للإسلام.
إنما كان الحج قذى في عين أعداء الإسلام؛ لأنه المؤتمر الإلهي الجامع، الذي يتنادى إليه المسلمون من كل صوب؛ فيربط بين قلوبهم برباط الأخوة الإسلامية العامة، ويُذكِّرهم بوحدة الآمال والآلام، ويوحي إليهم أن يعملوا ويتعاونوا ليعودوا من جديد خير أمة؛ وهذا ما تغصُّ به حلوق أعداء الإسلام!
كان الرسول الكريم يمزح ولا يقول إلا حقًا، ويرى أصحابه يتمازحون ولا يُنكر عليهم، ويعرف لكل قومٍ طريقتهم وأعرافهم ويتيح لهم أن يمارسوا هواياتهم، كما سمح للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده في يوم العيد.
بعض الناس يقاطع بعضهم بعضًا، ولو جاز هذا في أي وقت فلا يجوز في العيد.. فلتقهر نفسك الأمَّارة بالسوء، ولتذهب لأخيك المسلم لتسلم عليه، فالله سبحانه وتعالى يريد أن تنزل الرحمة على الجميع في هذه المناسبات.
العيد ليس فرصة لانطلاق الشهوات من عقالها كما في بعض الملل والنحل، عيدها عيد شهوات وإباحية ولذّات، بل عيدنا قائمٌ أساسه على التكبير حيث معنى الصلة بالله عز وجل!
علينا أن ننتقل من التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق، ومن الغلو والانحلال إلى الوسطية والاعتدال، ومن العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة، ومن الاختلاف والتشاحن إلى الائتلاف والتضامن.
الدين كله هو: فعل المأمورات، والانتهاء عن المحظورات، والورع عن الشبهات. وهذه الثلاثة لا تتم إلا بأن يكون العمل موافقًا للسنة أولًا، يوافق ظاهره السنة، وهو ما يعبر عنه بالاتباع. ثم أن يكون باطنه مقصودًا به وجه الله عز وجل، وهو ما يعبر عنه بالإخلاص!
علينا أن نهزم اليأس بالأمل، ونملأ الفراغ بالعمل، وننتقل من الانفعال إلى الفعل، ومن الارتجال إلى التخطيط، ومن الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون، ومن الاستيراد إلى الأصالة.
لست أدعو إلى إغلاق النوافذ الفكرية بيننا وبين العالم، وإنما أريد أن نتخير من الأفكار ما يلائم طبيعتنا، ويتفق ومواريثنا، وينسجم وشخصيتنا، دون أن نفقد أصالتنا وإبداعنا، فأريد أن نقف من كل فكر أجنبي موقف الأحرار لا العبيد، وموقف الأغنياء لا الشحاذين.