المطلب الأول: آلية التعامل في الأسواق المالية الدولية.
تصدر الأوراق المالية إما مقومة بعملات حقيقية متداولة في دولة من الدول وهذا هو الغالب إما بوحدات نقدية"حسابية"أو"مركبة"لا تتداول بالفعل وإنما تستخدم فقط كوحدات للقياس، وذلك لما لها من مزايا العملات الحقيقية لتجنب ما قد يطرأ على العملة من تقلبات قد تضر بمصلحة المتعاملين في السوق المالية ويتم التعامل بها في هذه الأسواق على وفق مؤشرات يتم على ضوئها تحديد التوجهات التي يمارسها المستثمرون والمضاربون والمحللون الماليون في الأسواق المالية ... وهي:
* المؤشرات الاقتصادية: تتأثر حركة أسعار الأسهم والسندات في السوق المالية بالمؤشرات الاقتصادية التي تعكس بدورها مدى صحة التكهنات والتوقعات في السوق, مثل حالة الإعلان عن ميزانية مالية ضخمة أو نهج استثماري طموح, والذي يعني توقع ارتفاع الأسعار بشكل عام, كما أن القيام بضخ أموال إضافية للسوق من شأنه أن ينعكس على حالة وأوضاع الأوراق المالية في البورصة في البلدان السائرة في طريق النمو وهكذا في اعتماد إحصاءات الإنتاج الصناعي أو الناتج القومي أو الدخل القابل للتصرف كمؤشرات في أسواق البورصة في الدول المتقدمة.
* المؤشرات النقدية والمالية: وهي من أهم المؤشرات لمعرفة اتجاهات الأسعار في السوق المالية إذ إن ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى توجه المستثمرين نحو الإيداع في المصارف, والقيام ببيع أسهمهم في السوق فيزداد المعروض منها وتنخفض أسعارها في حين تتجه الأموال نحو السوق المالية في حالة هبوط أسعار الفائدة في المصارف أو تحويلها إلى سوق السندات. كما أن زيادة عرض النقد سواء أكان في اقتصاديات الدول السائرة في طريق النمو أو المتطورة تؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسهم وبعكسه فأن انخفاض معدلات نمو عرض النقد سوف يعمل على انخفاض أسعار الأسهم, وعليه فأن تدخل البنوك المركزية في توسيع عرض النقد أو تقليصه ينعكس على تحول أسعار الفائدة نحو الارتفاع أو الانخفاض ومن ثم التأثير على اتجاهات الأسعار في السوق المالية تبعًا لذلك.
* حجم التداول في البورصة: إن عدد الأسهم والسندات المتداولة في السوق المالية يحدد قوة السوق وتوقعات صعوده أو هبوطه بالمستقبل إذ إن كثافة حجم التداول تعني تفاؤل المستثمرين وإقبالهم على الاستثمار في السوق وما يتبعه من ارتفاع في الأسعار نتيجة لذلك. أما إذا حققت السوق تقدمًا أو عرضًا ولم يرافقه تداول كثيف, فعندها تبقى الأسعار على حالها أو تتجه نحو الانخفاض بسبب الجمود النسبي للمشاركة, وبالتالي توجه المستثمرين نحو تصفية استثماراتهم حيث تستمر الأسعار باتجاهات النزول. ومن هنا يتبين لنا بأن كثافة التداول وزيادة الأسعار هي التي تولد الطلب والتي يعقبها حصول الزيادات المتتالية بعد ذلك ... فالطلب إذًا ليس وحده الذي يؤدي إلى زيادة الأسعار في الأسواق المالية ... وهكذا فأن لهذه السوق خصائص تختلف عما هي عليه في الأسواق الاستثمارية وأسواق السلع الاستهلاكية وهي التي تعكس فاعلية آلية العملية الاستثمارية في تلك الأسواق, والمتمثلة بما يأتي:
* الطابع الفردي لهذه الأسواق مما يجعل المستثمر يواجه أطرافًا قوية في جانب الإصدار والتسويق ممثلة بالهيئات العامة والشركات الكبرى وهي التي لها القدرة على الخوض في السوق الدولية.
* إنه من الصعب على المستثمر أن يلم إلمامًا كافيًا بالأوضاع السائدة في الأسواق بصفة عامة وكذلك بأوضاع الهيئات التي يستثمر أوراقها وكثيرًا ما يعتمد المستثمر في هذا الشأن إما على بضعة معلومات عامة وإما على نصائح وإرشادات المتاجرين بالأوراق المالية. هذا إذا ما علمنا بأن غالبية المستثمرين يلتجئون إلى خدمات المتخصصين نظرًا لما يفرضه هؤلاء من شروط ومن رسوم قلما ترتبط بنوعية الأداء وفعاليته.
* يحتاج حملة الأوراق المالية وخاصة حملة السندات إلى تشديد حمايتهم ليس من المخاطر في السوق العادية والناجمة عن تغير سعر الفائدة أو أسعار الصرف أو ائتمان الأوراق المالية, وإنما المخاطر الناجمة عن تخلف المدينين (وخاصة في سوق السندات) عن أداء التزاماتهم, والمتمثلة في صعوبة الحصول على العملات الأجنبية عند التسديد أو التأخر عن دفع الفوائد والأقساط, أو فرض الرقابة على الصرف أو فرض الضرائب, كالضرائب على التحويلات وغير ذلك.
المطلب الثاني: تحليل واقع الاستثمار في الأسواق المالية الدولية.
لقد أصبح الاقتصاد العالمي, إزاء الأهمية المتزايدة لرأس المال في صناعة الخدمات المالية بمكوناتها المصرفية وغير المصرفية, أداة تحركها مؤشرات ورموز البورصات العالمية (داوجونز، ناسدك، نيكاي، داكس، كيك ... ) والتي تؤدي إلى نقل الثروة العينية من يد مستثمر إلى آخر دون عوائق أو حتى عبر الحدود الجغرافية حيث الحركة المستمرة لرؤوس الأموال الباحثة عن الربح أمام فوائضها المتراكمة وتوفير ضمانات لأصحاب هذه الأموال وتنويعها من خلال الآليات التي توفرها الأدوات المالية والتحكم في الأسواق المختلفة. فعلى سبيل المثال أشارت تقارير البنك الدولي إلى أن حجم التعامل على الصعيد العالمي بلغ لسوق (اليورو- دولار) حوالي (300) مليار دولار في يوم العمل الواحد، أي ما يقارب (75) تريلون دولار في السنة في حين لم يتجاوز حجم التجارة في قطاع السلع والخدمات (3) تريلون دولار حتى أضحت خطرًا يهدد اقتصاديات العالم؛ فقد أثبتت تجارب عقد التسعينات من القرن الماضي أن هذه الحركة للكميات الهائلة من رؤوس الأموال كثيرًا ما أدت إلى حدوث أزمات وصدمات مالية مكلفة (في المكسيك، النمور الآسيوية، البرازيل، روسيا ... ) والمتمثلة في:
-المخاطر الناجمة عن التقلبات الفجائية للاستثمارات في الأسواق المالية الدولية وخاصة قصيرة الأجل منها.