المبحث الثاني
الصورة المركبة
الصورة المركبة هي الصورة المؤلفة من توالي عدة صور في هيأة متناسقة تكون كُلاّ غير منفصل بحيث لو أسقطت بعض هذه الصور لم يكتمل بناء الصورة فنيا ولا دلاليا. ولا يلزم من ذلك أن تكون الصورة ناقصة أو مشوهة، إنما يلزم منه أن لا تؤدي الغرض الذي رُسِمت من أجله كاملا. فقول النابغة الذبياني (40) :
فَإنَّكَ كَالليلِ الَّذي هُوَ مُدْركي ... وَإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ
لا تكتمل الصورة فيه بشطر البيت الأول الذي يشبه النعمان فيه بالليل الذي ليس منه مفر، حتى يرسم صورة نفسه الخائفة المترقبة بتخيلاتها ووساوسها.
وقول أبي العلاء المعري (41) :
فَلا هَطَلَتْ عَلََّي ولا بِأرْضي ... سَحائِبُ لَيَْس تَنْتَظِمُ البِلادا
لا تستطيع أن تسقط منه لفظة (( علي ) )أو لفظة (( بأرضي ) )من دون أن يخل ذلك بالغرض الذي رسمت من اجله الصورة، صورة النفس المحبة للخير التي لا ترضى أن تحوز النفع لنفسها فحسب أو لقومها من دون أن يكون هذا النفع عاما للناس على حساب الآخرين بما تضمنه البيت من أدوات النفي.
والصورة المركبة كثيرة في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: (( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ) ) (42) . فالغرض الذي رسمت من أجله هذه الصورة لا يكتمل في الوقوف عند الآية الأولى، ولا عند قوله تعالى (( بينهما برزخ ) )، لأن الغرض منها بيان تمام قدرة الله تعالى بإرسال البحرين والتقائهما ووضع الحاجز بينهما فلا يبغي أحدهما على الآخر فيختلطا، وكأنهما مأموران بذلك، وهذا المعنى ترسمه لفظة (( لا يبغيان ) )بمعناها وظلالها.
وفي سورة الواقعة صور مركبة ليوم القيامة، ولنعيم الجنة، ولعذاب النار، وللقرآن الكريم، ولحالة الاحتضار. ترتب على النحو الآتي:
1.قوله تعالى: إذا وقعت ... السابقون. الآيات 1 - 10
2.قوله تعالى: والسابقون ... سلاما. الآيات 10 - 26
3.قوله تعالى: وأصحاب اليمين ... من الآخرين. الآيات 47 - 40
4.قوله تعالى: وأصحاب الشمال ... يوم الدين. الآيات 41 - 56
5.قوله تعالى: فلولا إذا بلغت ... صادقين. الآيات 83 - 87