المبحث الأول
الصورة المفردة
المراد بالصورة المفردة: الصورة التي يمكن أن تستقل استقلالًا ذاتيا بكيانها وتنفرد عن غيرها من الصور التي في سياقها. ولا يعني هذا أنها لا تكون جزءا من صورة أعم وأوسع، أو من صورة تكونها صور عدة، وإنما يعني أن هذه الصورة لها من القوة في التصوير ما يجعل تأثيرها في النفس بينا بحيث تلح على الخيال في استحضارها شاخصة دفعة واحدة دون زيادة أو نقصان كقوله تعالى (( وَحُورٍ عِيْنٍ كَأَمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ ) ) (12) ،
فتشبيه الحور العين باللؤلؤ المكنون مثالا جاء واحدا في تعبيره، نابضا بدلالته.
ومثل هذه الصورة متوافرة في القرآن الكريم، منتشرة في آفاق آياته، وهي في الشعر العربي ماثلة في مقاطع كثيرة فيه حتى إنك لترى مثل هذه الصورة في شطر بيت من الشعر، أو بعض شطر، فليل امرئ القيس في نجومه الثابتة غير المتحركة في قوله: (13)
فَيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نجومَهُ ... بِأَمْراسِ كِتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
لا يتزلزل ولا يحول عن موقعه في الزمان، وهو راسخ في الاستقرار والثبات في المكان، إذ انتظمت نجومه شدا وثباتا بحبال قوية، والكتان أقوى ما يستعمل في الوثاق والربط، فلا يمكن - والحالة هذه - أن تنفصم أو تنقطع، وقد اتصلت بصم الجبال وصلب الصخور وهي تابعة بالضرورة لصورة سابقة في البيت الذي تقدمها بقوله: (14)
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سدولَهُ ... عَلَيَّ بِأنْواعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلي
ويجعلها صورة مستقلة يتملاها الخيال الفسيح، وتقف عندها النفس، وهي تعالج استمرار هذا الليل الطويل متراكبا متلاطما كأمواج البحر وهذه الصورة قائمة بنفسها، ولكنها ارتبطت بصورة ما بعدها من تشبيه النجوم في عدم تزلزلها عن موقعها بالكائن المتعدد الأمكنة وهو موثوق بأربطة لا يمكن لها أن تنقطع، وهذا وذلك جزء من صورة متكاملة كبيرة أعم وأوسع في اقتران التشبيهات العجيبة في هذين البيتين تقديما وتأخيرا.
وتقف عند قول أبي فراس الحمداني: (15)
مُعَلِّلَتي بِالوَصْلِ والمَوتُ دُونَها ... إذا متُّ ظَمْآنًا فلا نَزَلَ القَطْرُ
ترى الشاعر يرسم صورتين تجتمعان معا لتكونا صورة واحدة هي صورة العاشق اليائس من وصال حبيبته التي تعلله وتمنيه بالوعود والأماني الكاذبة، وهو يشير فيها الى ابن عمه سيف الدولة الحمداني، والقصة معروفة.