فإذا أخذت الشطر الثاني من البيت وجدت صورة اليائس المتشائم الذي لا يريد لغيره أن يعيش مرفها وهو في ضنك العيش.
ولوعدنا للقرآن الكريم في صوره المتعددة، وأخذنا لها مثالا فيما أقتصّ من نبأ زكريا في قوله تعالى: (( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ) ) (16) ،فإن صورة الكبر فيها واضحة، وهي متكونة من جملتين (( وهن العظم مني ) )، (( واشتعل الرأس شيبا ) )وكلتا الجملتين ترسمان على حدة صورة واضحة المعالم قائمة بنفسها، غير أن الصورة الثانية تؤثر في النفس تأثيرا أقوى وأوضح من الصورة الأولى، وقد وقف عندها عبد القاهر الجرجاني وبين مافيها من إبداع (17) ، ووقف عندها سيد قطب مبينا سرّ هذا لإبداع (18) .
وسورة الواقعة - شأنها شأن أكثر سور القرآن - رُسِمت فيها صور مفردة عدة، جاءت على النحو الآتي:
1.... إذا وقعت الواقعة.
2.خافضة رافعة.
3.إذا رجت الأرض رجا.
4.وبست الجبال بسا.
5.فأما إن كان من المقربين - فروح وريحان وجنة نعيم.
6.وأما إن كان من المكذبين الضالين - فنزل من حميم.
ولهذه الصور مميزاتها التي حددتها طريقة صياغتها، وأهدافها التي ترتجى من رسمها، وسأحاول تبيانها بالوقوف عليها.
وأول هذه الصور قوله تعالى: (( إذا وقعت الواقعة ) ) (19) ، وهي صورة تثير في النفس تساؤلا كبيرا وترقبا ورهبة، ذاك أن الشرط فيها مبهم لتردد أجزائه بين الحذف والذكر (20) ، كما أن ذكر الجزاء مردد بين (( ليس لوقعتها كاذبة ) )و (( خافضة رافعة ) ) (21) . ولجرس الألفاظ أثر واضح في رسم الصورة، فالقاف والعين (( أطلق الحروف وأضخمها حرسا ) ) (22) ، وهما بهذا الجرس يرسمان أبعاد الصورة، فهذه القاف المحققة والعين العميقة يبرزان صورة الوقوع الشديد، يقول سيد قطب (( فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مد ثم سكون - تلقي في الحسّ كأنما هي ثقل ضخم ينقض من عل ثم يستقر، لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال! ) ) (23)