وأوضح من هذا وأعمق ما حققه الدكتور الصغير في صوتها الهادر وشدة وقعها، فقد ذهب إلى أن لفظها وحده به (( تتجلى الدلالة الصوتية، فالوقوع هو الهوي، وسقوط الشيء من الأعلى، والواقعة النازلة الشديدة، والواقعة هي الداهية، وهي الحادثة، وهي الصيحة، وهي اسم من أسماء يوم القيامة.
وأكثر ما جاء في القرآن من هذه الصيغة جاء في الشدة والعذاب، وصوت اللفظ يوحي بهذا المعنى وإطلاقه بزنة الفاعل، و إسناده بصيغة الماضي، يدلان على وقوعه - حتما - في شدته وهدته، وصيحته وداهيته )) (24) .
وكان الدكتور الصغير في هذا قد استعرض أصل اللفظ لدى اللغويين، وعرض من خلاله نظريته في صيغة هذا اللفظ ودلالته كما في قوله تعالى: (( القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة. ) ) (25) .
والواقعة ببنائها للفاعل تدل على حتمية الوقوع. والعين والقاف - مع ما تفيدانه من شدة في رسم الصورة - لا تدخلان في بناء إلا حسنتاه (( لنصاعة العين، ولذاذة مستمعها، وقوة القاف وصحة جرسها ) ) (26) .
والصورة المفردة الثانية التي جاءت في هذه السورة قوله تعالى: (( خافضة رافعة ) ) (27) ، ويبدو واضحا أن رسم هذه الصورة اعتمد بشكل كبير على الطباق بين لفظة (خافضة) ولفظة (رافعة) ، وعلى مجيئهما على زنة اسم الفاعل، فالطباق بينهما يرسم لك صورة التقابل بين الخفض والرفع، والبناء على زنة الفاعل تظهر القدرة والهيبة والرهبة، والأمران معا يوحيان بإبراز الصورة في هيأتين مستقلتين، تدل كل منهما على أمر قائم بذاته، وهذا من دقائق القرآن الكريم.
ومن هذه الصور المفردة أيضا قوله تعالى: (( إذا رجت الأرض رجا ) ) (28) ، وهذه الصورة تعتمد في رسمها على جرس اللفظ اعتمادا كبيرا، فقد يستقل اللفظ بجرسه في رسم الصورة (29) ، فالرجّ وهو (( تحريكك شيئا كحائط دككته ) ) (30) يدل بجرسه على التحريك الشديد، وهذا متأت من تشديد الجيم وهي حرف انفجاري، وتكرير اللفظ بجملته وجرسه ثانية، فإذا ما وُصِفت به الأرض دل ذلك على شدة زلزلتها (31) . وتنكيره وبناء الفعل (رجّ) للمجهول يضيف ظلالا من الهول والهيبة في النفس، أما (إذا) فلعلها لا تخرج عن كونها ظرفا من الوقوع المذكور في أول السورة (32) ، والله أعلم.
ومنها أيضا قوله تعالى: (( وبست الجبال بسا ) ) (33) ، وقد قيل في تفسيرها (( أي فُتّت فتّا ... وقيل معناه كسرت كسرا ... وقيل قلعت من أصلها ... وقيل سُيّرت عن وجه الأرض تسييرا ... وقيل بسطت بسطا كالرمل والتراب ... وقيل جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة ) ) (34) .