وما يدرينا، فلعل هذه المعاني كلها أوجلها وسواهما ملحوظة فيها، أو مرادة منها بدليل قوله تعالى: (( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) ) (35) .
وهذه الصورة لا تختلف عن الصورة السابقة في اعتمادها على جرس الألفاظ ولكنها تضيف مناخا جديدا، وتعبر تعبيرا آخر عن عملية الإزالة التامة حتى تتساوى مع الأرض المعتدلة المستقيمة، مرتكزة على صوت احتكاكي من أصوات الصفير وهو السين وليس انفجاريا كالجيم في (( رجت ) )، وهذا الأمر يساعد على رسم الصورة متقاربا مع الإفناء التام في عملية استمرار تفتيت الجبال حتى تعود (( هباء منبثا ) ).
ومن هذه الصور أيضا قوله تعالى: (( فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم ) ) (36) . وهي تعتمد على أمرين هما: جرس الألفاظ، وحذف الخبر.
فأما جرس ألفاظها فيجيء بهذا الهدوء (( روح وريحان ) )الذي يدل عليه صوت الحاء، في رقته، وانسجامه في تلوين الصورة بهذه البحّة المسترخية في مخرجها وهي (( ذاتها تقطر رقة ونداوة. وتلقي ظلال الراحة الحلوة، والنعيم اللين، والأنس الكريم ) ) (37) . وأما حذف الخبر فيدل على تعظيم هؤلاء القوم (( المقربين ) )وتعظيم جزائهم المذكور.
والصورة الأخرى التي تقابل الصورة السابقة قوله تعالى: (( وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم ) ) (38) ، وهي تعتمد في رسمها على التجاوز بمعنى لفظة (( نزل ) )الذي هو (( ما يعد للنازل من الزاد ) ) (39) من الإكرام إلى التهكم والسخرية، فترتسم في الذهن صورة الإكرام الذي تحوّل إلى عذاب، والزاد الذي تحول إلى حميم، وهي صورة يسرح الخيال في تناقضاتها ويتملاها بكل أبعادها فتمتلئ النفس من ذلك كله خوفا ورهبة، كما توحي بهجوم هذا الإنزال في صورته مصاحبا لذلك الحميم في هيأة مرعبة قائمة على الفور دون التراخي لمقام الفاء مقترنا بـ (نزل) .
ويبدو مما تقدم أن هذه الصور امتاز بعضها من بعض بطريقة صياغتها فمنها ما اعتمد على جرس الألفاظ في مفرداتها، ومنها ما أفاد من تكرار اللفظة بجرسها، وهما معا دلالات صوتية. ومنها ما شارك الحذف في رسم الصورة وهو من ضروب المعاني، ومنها ما كان للطباق الأثر الواضح في رسمها وهو لون من ألوان البديع، ومنها ما أفاد من المجاز وهو من أبواب البيان، وبهذا تجتمع أصول البلاغة ومعاني النحو وجرس الألفاظ في تكوين هذه الصور المتعددة.