ويتبين مما تقدم أن هناك صورتين مركبتين للنعيم، إحداهما للنعيم الذي أعد للسابقين، والأخرى للنعيم الذي يناله أهل اليمين.
أما الصورة الأولى فهي قوله تعالى: (( والسابقون السابقون ... إلى قوله تعالى، إلا قولا سلامًا سلاما ) ) (43) .
وهذه الصورة لا تكتمل معالمها إذا أسقطت منها (( أولئك المقربون ) )لدلالتها على النعيم المعنوي الذي هو ألذ أنواع النعيم عند هذه الفئة بل هو النعيم الذي لا يدانيه نعيم، قال تعالى: (( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) ) (44) .
كما أن الصورة لا تكتمل إذا أسقطت منها (( في جنات النعيم ) )، لأن المراد بها بيان تكريم هذه الفئة بنعيم وافر وخير كثير متعدد بتعدد هذه الجنات. أو أن يراد بها أن لا (( يتوهم متوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى ) ) (45) .
ثم تصور الآيات بقية النعيم، وهو النعيم المادي وتبدأ بقوله تعالى: (( على سرر موضونة ) )، وفيه دلالة على العلو والارتفاع مستفادة من حرف الجر (على) في مقابل حرف الجر (في) الذي بدأ به وصف نعيم (( أصحاب اليمين ) )بقوله تعالى: (( في سدر مخضود ) ).
وقد بدأ وصف النعيم بوصف المكان الكريم المعد للسابقين وأتبعه بوصف الولدان القائمين على خدمتهم، مؤخرا بذلك ذكر ما أعد لهم من لذائذ الأكل والشرب. وفي هذا غاية التكريم والتعظيم، فأول ما يبتدئ به المرء حين ينزل عليه ضيف كريم هو تهيئة المكان اللائق به، وهكذا بدأ سبحانه وتعالى بذكر المكان اللائق بهم، ويظهر ذلك جليا حين تقابله بما بدأ به من نعيم أهل اليمين حيث بدأ بذكر لذائذ الطعام.
كما أن الطعام والشراب الذي يتنعمون به ذكر مجملا غير مفصل، وهو مع هذا الإجمال وصف بأوصاف تدل على ما تحظى به هذه الفئة من التعظيم والتكريم، فالشراب (( لا يصدعون عنه ولا يترفون ) )، والفاكهة (( مما يتخيرون ) )، ولحم الطير (( مما يشتهون ) ). وكل هذه النعم تظهر جليا حينما تقابل بنعيم أصحاب اليمين، فالفرق واضح بينهما، وهو كاشف عن الفرق بين السابقين وأصحاب اليمين.