الصفحة 13 من 19

ثم ذكر نساء السابقين، فهن (( حور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون ) )، وإنما أخر ذكر هذه اللذة، لأن الإنسان لا يستطيب شيئا إذا كان في جوع أو ظمأ، بل لا يرغب في شيء إذا كان هذا حاله. ثم ختم ذكر مالهم من نعيم بأنهم لا يسمعون من الكلام إلا أحسنه وهو السلام. وبهذا ذكر جميع اللذائذ التي تستمتع بها الحواس الخمسة.

وهذه الصورة لا تؤدي الغرض الذي رسمت من أجله إذا أسقطت منها بعض صورها، أو كان فيها تقديم أو تأخير على غير ما هي عليه، وقد جاءت على غاية من التنسيق والترتيب.

أما الصورة المركبة الثانية التي صورت نعيم أهل الجنة فهي قوله تعالى: (( وأصحاب اليمين ... إلى قوله ... وثلة من الآخرين ) ) (46) .

وهذه الصورة تبدأ مباشرة بوصف النعيم المادي المعد لأصحاب اليمين، يقول سيد قطب: (( ولأصحابنا هؤلاء نعيم محسوس، يبدو في أو صافيه شيء من خشونة البداوة، ويلبي هواتف أهل البداوة حسبما تبلغ مداركهم وتجاربهم من تصوير ألوان النعيم ) ) (47) . وهذا النعيم هو نعيم أكثر أهل الجنة، وهم الذين يعبدون الله خوفا أو طمعا، فجاء وصف النعيم على وفق مداركهم، أما الذين يعبدون الله حبا وهم (( السابقون ) )فقد تقدم وصف ما أعد لهم من النعيم.

وصفات النعم التي ذكرت لأصحاب اليمين جاءت على زنة اسم المفعول لتدل على أن هذه النعم أعدت إعدادا وهيئت تهييئا لتكون على هذا الشكل تكريما لأصحاب اليمين زيادة في تنعيمهم ورفاهيتهم.

وقد كنى سبحانه وتعالى عن نساء أصحاب اليمين بالفرش، قال الزمخشري: (( (( وفرش ) )جمع فراش ... وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك. قال الله تعالى: (( هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ على الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ ) ))) (48) . ويدل عليه قوله تعالى: (( إنا أنشأناهن إنشاء ) )، وقد وصفهن بثلاث آيات رسمت صورة المرأة التي يرغب فيها الرجل، وهي صورة أقرب إلى الحس مقارنة مع ما وصف به نساء السابقين، وقد جاء الوصف موافقا لمدارك هذه الفئة - أصحاب اليمين - التي أكثر لذائذها في ما هو محسوس. وقد أخر وصف النساء هذا كما أخر وصفهن في الصورة السابقة للعلة نفسها.

وهكذا ترى أن الصورة التي رسمت لنعيم أصحاب اليمين مؤلفة من عدة صور متوالية متسقة، وهي صور تؤدي بمجموعها وتنسيقها وترتيبها الهدف الذي رسمت له، وهو نوع التكريم لهذه الفئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت