ومن الصور المركبة في سورة الواقعة، الصورة التي رسمت لعذاب أصحاب الشمال، وهي قوله تعالى: (( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال .... إلى قوله ... هذا نزلهم يوم الدين ) ) (49) . وعدد هذه الآيات ست عشرة آية، يقول سيد قطب: (( وصور العذاب أشد تفصيلا في القرآن من صور النعيم على العموم، لأن الإطالة فيها أوقع في الحس وأروع في النفس ) ) (50) .
بيد أن الأمر في سورة الواقعة مختلف؛ إذ جاءت صور النعيم في ثلاثين آية، وهي أطول من صور العذاب وأكثر تفصيلا (51) ، ولعل العلة في ذلك أن صور النعيم والعذاب في سورة الواقعة لم تأتِ للترغيب والترهيب فحسب، وإنما جاءت لبيان حال الناس وانقسامهم يوم القيامة، فناسب تكريم المؤمنين بيان انقسامهم على فئتين ووصف حال كل فئة، في حين ناسب ذكر المجرمين في فئة واحدة استهانة بهم واحتقارا لشأنهم، وهم مع ذلك لم يذكر إجمالي عددهم كما ذكر في السابقين وأصحاب اليمين دليل على أنهم أكثر من هاتين الفئتين عددا، فالحق قليل أهله.
لقد بدأت الآيات بوصف الحال الذي فيه أصحاب الشمال، فهم (( في سموم وحميم، وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ) )إنه (( ظل الدخان اللافح الخانق ... إنه ظل للسخرية والتهكم ) ) (52) ، وقد بدأ بذكر سوء حالهم زيادة في التحقير، ولأن الإنسان إذا نزل في مكان يستقذره ويستقبحه كان ادعى لضيق الصدر ونفور النفس فكيف إذا كان هذا المكان على الحال الذي وصفه به سبحانه وتعالى.
وفي هذه الصورة نوع من التقابل بين صورة الشظف وصورة الترف: (( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) )، (( وهنا موضع تأمل لطيف في هذا التصوير وفيما يماثله: فهؤلاء المتحدث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة، وصورة الترف هي الصورة القريبة. أما ما ينتظرهم من السموم والحميم والشظف فهو الصورة البعيدة. ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيل للقارئ أن الدنيا قد طويت، وأنهم الآن هناك، وأن صورة الترف قد طويت كذلك، وصورة الشظف قد عرضت. وأنهم الآن يذكرون في وسط السموم والحميم، بأنهم (( كانوا قبل ذلك مترفين ) )! وذلك من عجائب التخييل )) (53) .
وهذا الحاضر الذي أصبح في هذه الآيات ماضيا ذكر علة لدخولهم النار واستحقاقهم العذاب، فهم قد أترفوا بالباطل وأشركوا بالله وأنكروا البعث، حتى إذا أراد الله تعالى إكمال ما بدأ به من وصف العذاب جعل ذلك على لسان نبيه (54) بانتقال سريعة (قل) ، ونقل الزمن من الحاضر والماضي الذي صورته الآيات السابقة إلى المستقبل فذكر أنهم