الصفحة 15 من 19

يأكلون (( شجر من زقوم ) (( والزقوم يصور بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدببا يشوك الأكف - بله الحلوق- وذلك في مقابل السدر المخضود والطلح المنضود ) ) (55) .

ثم وصفهم بالشراهة فقال: (( فمالئون منها البطون ) )ووصفهم بالعجلة فقال: (( فشاربون عليه من الحميم ) )، و (على) هنا (( تفيد - كون الشرب عقيب الأكل من غير ريث ) ) (56) ، وهم شاربون (( شرب الهيم ) )، وفي هذه الآية (( ترتسم لنا صورة العطش الدائم والحرمان الأبدي، ويزيد الصورة وضوحا تمثيل شربهم المتواصل الذي لا يجديهم بشراب الهيم ) ) (57) .

وهذه الأوصاف غاية في تحقيرهم والاستهانة بهم، ثم ختم هذه الصورة بقوله تعالى: (( هذا نزلهم يوم الدين ) )، و (( النزل: الرزق الذي يعد للنازل تكريما له، وفيه تهكم ) ) (58) ، ومثله قوله تعالى: (( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) ) (59) .

ويبدو واضحا أن هذه الصورة لم تعتمد نوعا معينا من أنواع البيان، ولا لونا محددا من ألوان البديع، بل اجتمعت ما فيها من الصور والمناظر المتوالية المتسقة على رسمها لبيان الهدف منها وهو الخوف والرهبة، والنفرة ممن سيؤول حالهم إلى هذا المصير.

ومن هنا يتبين أن الصورة المركبة في سورة الواقعة تمتاز باعتمادها على ما فيها من أنواع البيان في التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وضروب المعاني من تقديم وتأخير، ووصل وفصل، وإيجاز وإطناب ومساواة، كما تعتمد على جرس الألفاظ وظلالها الموحية، وما قارب ذلك من ألوان البديع، ولا تقتصر على فن واحد، وهي بمجموعها تؤلف مشهدا متكاملا ذا أبعاد تدب فيه الحياة والحركة.

وهذا التنوع في الصورة المركبة يجعلها مستوفية لأبعادها شاملة في تفصيلاتها فلا تستبدل ألفاظها، ولا يضاف إليها أمثالها فهي جامعة مانعة، وهي مجال رحب وخصب للتفكر والتأمل، كما هو شان القرآن في سوره وآياته الكريمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت