الصفحة 11 من 17

ليست كما ذكروا من أنّ للهدى سبعة عشر معنى: البيان والدين والايمان والداعي والرسل والكتب .. [1] ومع ذلك فالترادف أوسع من المشترك في اللغة وأكثر ما ذكروه على أنه من المشترك هو أقرب إلى المجاز كالعين الباصرة تستعمل لعيون الماء، وأمة بمعنى جماعة من الناس وهو المعنى القرآني المألوف كقوله تعالى: {ربَّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لكَ} [2] [128 البقرة] وأمة بمعنى الحين {واذكر بعد أمة} [45 يوسف] وأمة بمعنى الدين {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [22 الزخرف] .

ومما ذكر من المشترك في كتب اللغة لم يستعمل في القرآن الكريم إلا بمعنى واحد مثل كلمة (الخال) لم يرد لها إلا معنى قرآني واحد وهي من ألفاظ القرابة وقد استعملت خمس مرات، وكذلك كلمة (انسان) المستعملة في القرآن خمسًا وستين مرة ليست إلا معنى قرآني واحد، وكلمة الأرض التي تذكر لها كتب المشترك اللفظي معاني كثيرة وردت في القرآن خمسمائة مرة بمعناها القرآني المألوف [3]

وأمّا الأضداد من الألفاظ أي الألفاظ التي تدل على المعنى وضده على وفق سياقها في الاستعمال وقد ذكر منها كلمة (عسعس) في الآية {والليل إذا عسعس} [17 التكوير] بمعنى أقبل وأضاء وبمعنى أدبر [4]

وكلمة (أسرّ) في الآية {وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب} [54 يونس] بمعنى الاظهار مرة وبمعنى الإخفاء أخرى.

وكلمتا (شرى واشْتَرى) في الآيات:

{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} [207 البقرة]

{وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} [20 يوسف]

{ولبئس ما شروا به أنفسهم} [102 البقرة]

{بئسما اشتروا به أنفسهم} [90 البقرة]

قال الفراء: للعرب في شروا واشتروا مذهبان: فالأكثر منها أن يكون شروا بمعنى باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعًا في معنى باعوا. [5] إنّ ذلك من الظواهر الدلالية التي قال بها اللغويون ومنهم من أنكرها أن تكون في القرآن الكريم، وهذه الظاهرة من اختلاف اللهجات العربية التي جمعها اللغويون. [6] وذلك ما أذهب إليه في القرآن الكريم خاصة.

إن الاستعمال القرآني فيه من الدقة في توظيف الألفاظ ما يحتاج إلى تأمل في تدبره وقد ذكرت أمثلة من الاستعمال القرآني مما ذكروه من المشترك وسأذكر مما عدّوه من الترادف لنرى أنه في النص القرآني ليس كذلك فليس هناك تطابق للمعنى في اللفظين وإنما لكل لفظ معنى دقيق لا يطابق رديفه الآخر، وسأذكر ثلاثة نماذج عدّها المعجم من المترادف وهي الكلمات:

1 ـ آنسَ وأبصرَ 2 ـ زَوْج وامرأة 3 ـ أَقْسَمَ وحَلَفَ

ولم تكن هذه الألفاظ من المترادف إنما جاءت في النص القرآني كل لفظة بمعنى لا يطابق الآخر بل يكون معناها مختلفًا في سياق استعمالها.

1 ـ الفعل (آنس) في المعجم: أبصر، وآنس الصوت سمعه (وآنس نارًا) أبصرها أو نظرها أو رآها. وهذه الألفاظ ليست مرادفة لآنس. فاستعمال آنس القرآني معناه أبصر مع الإحساس بالأنس والشعور بالراحة. وقد استعملت أربع مرات فيما رآه موسى من نار وهو يسير بأهله فآنس إليها وسكنت نفسه لأنّه كان مقطوعًا فعاد إليه الرجاء بالاهتداء بقوله {لعلي آتيكم منها بقبس} [7]

قال تعالى: {إذ رأى نارًا فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارًا لعلى آتيكم منها بقبس .. } [10 طه]

(1) انظر تفصيل ذلك وشواهده: البرهان للزركشي 134، 135، الاتقان 1/ 300 ـ 301

(2) انظر أيضًا الآيات 134 ـ 141 ـ 143 ـ 213 من البقرة و 104 ـ 110 ـ 113 من

آل عمران وكثير من آيات أخر

(3) انظر المزهر 1/ 387، دلالة الألفاظ 215 ـ 216.

(4) انظر اعراب القرآن للنحاس 3/ 638.

(5) معاني القرآن 1/ 56، وقال الجوهري هو من الأضداد [الصحاح (شرى) ]

(6) انظر: الصاحبي 117، المزهر 387، 389.

(7) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 531، مجمع البيان 7/ 330، وانظر الإعجاز البياني للقرآن 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت